مصر بين عهدين( 1952 -1970 ) ( 1970 -1981 )

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
غلاف-كتاب-مصر-بين-عهدين.jpg
مصر بين عهدين (1952 -1970) (1970 -1981)

سعد التائه

دار النضال

للطباعة والنشر والتوزيع

محتويات

إهداء

إلى أمهات الشهداء في كل بقاع الأرض

الكتاب ومراجعه

كان المفروض أن يصدر "هذا الكتاب " قبل سقوط السادات وأن يسقط "الكتاب" بعد أن سقط السادات

ولكن السادات لم يكن فردا بل كان رمزا لمرحلة مرت بها مصر والوطن العربي وكان لسلوكه البالغ التحدي والصراحة الشاذة ميزة إذا كانت هذه ميزة تعرية نظم المساومة والخيانة وكان له فضل إذا كان هذا فضلا عملية الفرز بين العناصر الوطنية وعناصر الخيانة المتخفية برداءات وأقنعة متعددة الألوان والأشكال؛

كشف السادات بسلوكه وأخلاقياته و وفكره وسياساته و طبيعة النظم الرجعية ودورها الذي لم ينته في خيانة القضية الوطنية والقومية والاستهتار البشع بحياة الملايين وتعرت في أيامه نظم الحكم المندثرة برداء الدين كذبا أو نظم الحكم العائلية والقبلية أو المتخفية وراء شعارات الديمقراطية المزيفة والإشتراكية الكاذبة

كل هذا استخدمه السادات شعارات من أقصي اليمين شعارات من أقصي اليسار لعب بها للتضليل والخداع وباع قضية الوطن والشعب لقاء بضعة دولارات أو ملايين الدولارات وشاءت الأقدار أن يسقط تحت الأقدام ..ولم تنفعه الملايين من الدولارات التي كانت تحرسه

سقط " السادات " وسقطت معه مرحلة مظلمة في حياة شعب مصر بعد أن أسكن الشعب المقابر وجعله يقتات الجوع .. ويهاجر مشردا

ولكن..

هل سقوط السادات واسقط عناصر الخيانة "المعشعشة " في مصر والوطن العربي؟ما زالت المعركة طويلة

ولهذا كان صدور " الكتاب " ضرورة أملتها ظروف المرحلة فليس الكتاب بحثا في " ذات السادات" كما أنه ليس دراسة أو تقييما لمرحلة

ولكنه " صرخة " مدعمة بالحقائق والوثائق التاريخية لعله يشارك مع صرخات الملايين من الجياع والمشردين في وجه المظالم والفقر المدقع ... والمأساة العربية .

وما كان لهذا " الكتاب " أن يصدر لولا عشرات الأقلام التي ساهمت في تعرية " المرحلة"سواء بالكتابة الصحفية أو التأليف ..

من الكتب:

  1. هذا الانفتاح الاقتصادي "فؤاد مرسي"
  2. محاكمة الانفتاح الاقتصادي "عبد القادر شهيب "
  3. دفاع عن الشعب "د. عصمت سيف الدولة "
  4. النيل في خطر " كامل زهيري "
  5. قصة ثورة يوليو "أحمد حمروش "
  6. الحركة الوطنية المصرية "طارق البشري"
  7. تاريخ الحركة القومية " عبد الرحمن الرافعي
  8. حروب عبد الناصر "أمين هويدي"
  9. التاريخ الاقتصادي للثورة " د. على الجريتلي"
  10. تاريخ الإشتراكية في مصر " د. رفعت السعيد"
  11. الانتفاضة الطلابية في مصر، تطور الملكية الزراعية في مصر " د. على بركات"
  12. أوروبا ومصير الشرق العربي "د جوزيف حجاز"
  13. مصر في عهد عبد الناصر " ببلياف"
  14. أحلام روتشيلد "د. محمد ربيع"
  15. اليهود والحركة الصهيونية في مصر د. " سهام نصار"
  16. تاريخ النهب الاستعماري في مصر "ترجمة عبد العظيم رمضان "
  17. بنوك وباشوات "ترجمة عبد العظيم أنيس"
  18. العلاقات المصرية السوفيتية "فؤاد المرسي"
  19. قصة السوفييت في مصر "محمد عودة وآخرون"
  20. سياستان أزاء الشرق الأوسط "بوند كرايفسكي"
  21. اليهود في مصر "أحمد غنيم "
  22. تفاقم الأزمة العامة للرأسمالية "تريبلكوف".

صحف ومجلات:

  1. الأهرام
  2. الجمهورية
  3. الأخبار
  4. الطليعة
  5. روز اليوسف
  6. الأهرام الاقتصادي من مصر ..
  7. الوطن
  8. القبس
  9. الطليعةمن الكويت
  10. السفير والنهار والوطن العربي من لبنان .

وثائق ودراسات:

وثائق التجمع الوطني وصحيفة الأهالي و وثائق حزب العمل الاشتراكي وصحيفة الشعب وثائق جماعة المستقلين ووثائق الانتفاضة الطلابية و " 18 و 19 يناير " حسين عبد الرازق .
وأخيرا لا يمكن أن اختتم هذه المقدمة دون انحناءة لجيل عبد الناصر من أبناء الفلاحين والعمال الذين حملوا عبء هذه المرحلة،استشهادا،وعملا،وفكرا،ومقاومة

المقدمة الثانية

خلال أشهر بل أسابيع من مقتل السادات تكشفت وقائع رهيبة عن نظام الحكم فلم يكن يحكم مصر دولة أو حكومة بل عصابة من اللصوص والقتلة وتجار المخدرات

وفضحت قضية رشاد عثمان أخطبوط الفساد الرهيب الذي سري كالسرطان و في جسم مصر .وتحقق ما تنبأ به ميثاق عام1962 عندما قال:

"إن الأمل الوحيد للرأسمالية المحلية وفي النمو هو أن تربط نفسها بحركة الاحتكارات العالمية وتقتفي أثرها وتتحول إلى ذيل لها وتجر أوطانها إلى هذه الهاوية الخطيرة"

وفي سبيل المال قام أشقاء السادات بجرائم القتل وانفتح الطريق أمام تجارة المخدرات وتحت شعارات الدين التي رفعها حلمي عبد الآخر كانت الرشوة والفساد والعمولات وتكونت ثروات خيالية للمسئولين خلال السنوات العشر من حكم السادات

فقالت محكمة القيم في حكمها ضد رشاد عثمان:

" إن ما تردي فيه عدد من المؤولين يستوجب استجوابهم بمقتضي أحكام القانون،غير أن الفصل في الوقائع المسندة إليهم تخرج عن اختصاصات محكمة القيم ومن ثم لا يسعها إلا أن تترك للسلطات المختصة"

ومن بين الأسماء ذات الوزن في النظام تردد أسماء عناصر في القمم كل قمم أجهزة الدولة دون استثناء وحتى لا نغفو فإن محاكمة هؤلاء المسئولين ليست مجرد قضية قانونية بل قضية وطنية وقومية

كما سيتضح من صفحات الكتاب إن هؤلاء المسئولين و لم يكونوا مفسدين أو مرتشين أو لصوص فحسب بل خونة بكل ما تعنيه الكلمة من أبعاد خانوا نضال الشعب وسلموا مقاديره للأمبريالية الأمريكية وفتحوا أبواب مصر للصهيونية خانوا الشعب بالتفريط في ثروته وأمواله أعطوها للأجانب خانوا كل القيم والمقومات للشعب

إن أسرار هذه الحقبة مسؤولية كل مثقف ووطني وأرجوا أن يكون هذا الكتاب الذي كتب قبل مقتل السادات بداية عمل جدي لفضح وإدانة الخونة وكشف حقيقة ما حدق خلال حكم السادات

لقد صدر حكم الشعب وتم التنفيذ أمام قادة العالم ورؤسائه .ولعلها أول مرة في التاريخ يسقط فيها رئيس من على مقعده وهو بأبهي الأزياء والنياشين ليجد نفسه تحت الأقدام..

وظهر أن كل ما قيل ليس إلا القليل فحثيات الحكم لم يصدر منها سوي صفحات وما زالت صفحات طويلة مطوية ويجب أن تكتب للأجيال القادمة .

جيل مصر الخالدة

الفصل الأول..الخيانة العظمي

ما حدث ليلة عيد الأضحى عام 1977 لم يكن مفاجأة!

كل الخطوات منذ بداية حكم السادات كانت تسير في خطوات مرسومة ..

ولعل تاريخ الشعب المصري و لم ير خيانة مثل هذه إلا يوم قاد الخديوي توفيق قلة من الخونة ليسهلوا دخول الإنجليز إلى مصر وتكررت المأساة !. والفارق كبير بين مأساة ومأساة ففي عام 1882 لم يدخل الإنجليز مصر إلا بالرشوة والخيانة مما أدي إلى هزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير

أما مأساة اليوم و فحدثت بعد أن حقق الجيش المصري أعظم انجاز وانتصار له على خط بارليف وفي غمرة الانتصار و دخل كيسنجر الذي قاد العدوان على مصر ويداه ملطختان بدماء الشهداء

كان دخول كيسنجر ثم نيكسون بداية المأساة إن العدو الذي حاربنا كما اعترف السادات دخل في موكب الزهور وكانت دموع الثكالي واليتامى لم تجف

الفاشية تعود

كيف حدث هذا ؟.. ولماذا حدث؟

منذ البداية و كان الارتباط بين "الفاشية" و" الصهيونية "معروفا " وعلى دماء آلاف اليهود مهدت الصهيونية لإقامة دولة " إسرائيل ".

وخلال الحرب العالمية الثانية و كان الاتصال دائما بين القيادات النازية والقيادات الصهيونية وكانت الصهيونية تضحي بآلاف اليهود من أجل إنقاذ أفراد من الصهيونيين بل قدمت الصهيونية للنازية المال والمعدات

ولم يكن "السادات " بعيدا عن النازية فكرا وسلوكا ألقي القبض عليه بتهمة الاتصال بالمخابرات النازية ثم أفرج عنه وفصل من الجيش ولم يعد إلى صفوف الضباط إلا بعد أن قدم الولاء إلى " الملك " في لحظة كانت كل القوي الوطنية قد كشفت خيانة الملك وتحالفه مع الاستعمار ونادت بسقوطه!

وانضم " السادات" إلى الحرس الحديدي الذي شكله القصر الملكي للتخلص من القيادات الوطنية وساهم في محاولة اغتيال النحاس باشا زعيم حزب الأغلبية

إنه جنون القتل والإرهاب وتحدي مشاعر الملايين بهذه الشعارات خرجت الصهيونية إلى الوجود وبهذا الفكر والسلوك عرف الشعب المصري " أنور السادات" وكما اتصفت النازية والصهيونية بالخداع كانت خطوات السادات تتسم بخداع وتضليل الجماهير

انضم " السادات" إلى "ثورة يوليو" وهو يعادي كل ما رفعته من شعارات وكل ما كانت تحقق من انجازات ولكنه قام بتأليف كتاب يمجد الثورة وكتاب آخر يشيد بقائدها سماه " هذا عمك جمال يا ولدي "

وأمام قوة الثورة الوطنية و تدفق المشاعر وانطلاق الجماهير سار "السادات" مستلما كان يوافق على كل شئ ويؤيد كل شئ ويستسلم أمام أى شئ! وعبر " السادات" عن نفسه في كتابه " البحث عن الذات " بقوله:

"كنت أسعي دائما للتحايل وحاولوا مرارا أن يعرفوا سر سلوكي قالوا أنه ضعف وعدم معرفة بالأمور أو عدم اهتمام لكنهم لم يتوصلوا أبدا للحقيقة "!

وما أن مات عبد الناصر حتى رفاقه بالتسليم لهم وبالقيادة الجماعية ولكن سرعان ما انفرد بالحكم وظهرت حقيقة !

قصة 15 مايو

في شهري مارس وأبريل 1977 كانت قطع الأسطول الأمريكي السادس تتدفق على البحر الأبيض المتوسط و وتقترب من مصر حاملة طائرات وغواصات ذرية وحاملات جنود من المدربين على حرب الصحراء.

وفي مايو كان روجرز في تركيا يحضر اجتماع حلف الأطلنطي ولم يبق سوي ساعات على وصوله إلى القاهرة وفي غضون تلك الساعات كانت جماعات من الحرس الجمهوري تتدفق على وزارة الداخلية بميدان لاظوغلي بملابسهم المدنية يحملون السلاح تحت أرديتهم .

وكان كبار ضباط الجيش المصري في اجتماع حضره وزير الحربية الفريق محمد فوزي ورئيس الأركان الفريق محمد صادق ..وتحدث الفريق فوزي قائلا:إن البلد سيباع للأمريكيين!

وتصدي الفريق صادق ضابط الحرس الملكي السابق لوزير الحربية قائلا:

سيادة الوزير ما دمت استقلت فإني أقترح أن تذهب إلى بيتك وتستريح إن واجبنا أن نحاول إبقاء الجيش بعيدا عن السياسة!

وفي نفس اليوم ألقي القبض على ما سمي " جماعة على صبري" وهي المجموعة التي نصبت السادات رئيسا للجمهورية! وكانت هذه هي البداية ...

صاغ السادات "انقلاب 15 مايو " في قصة مشوقة قدمها للجماهير بشكل مسرحي اخذ يروي قصة الضابط الذي أحضر له تسجيلات المؤامرة ثم ذهب إلى فناء وزارة الداخلية وأحرق "التسجيلات " في مظاهرة تلفزيونية وتحدث كأنه فوجئ بتحركات رفاقه ضده..والحقيقة يرويها كتاب "وثائق 15 مايو" الذي أصدرته احدي " دور النشر " التابعة للسادات

يقول الكتاب:

"كان الرئيس مستعدا بخطة عسكرية كاملة تحددت فيها التحركات والتكليفات كاملة وقد تم ذلك منذ شهرين كاملين و عندما استدعي الرئيس السادات الفريق الليثي قائد الحرس الجمهوري وكلفه بوضع خطة لحماية القاهرة تنفذها قوات الحرس الجمهوري وضعت الخطة كاملة وكان الفريق الليثي ينتظر فقط الأمر من الرئيس بالتنفيذ!ولكن هل صحيح أن قصة "انقلاب 15 مايو" كانت البداية ؟!.
ولم تكن زيارة "روجرز" وزير الخارجية الأمريكية لمصر في مايو عام 1971 أو تحركات الأسطول الأمريكي في نفس الفترة عفوية بل كان هناك خيط يربط الأحداث التي تراكمت في تلك الفترة ظل خفيا حتى أظهرته صحيفة " هيرالد تربيون " فيعددها الصادر بتاريخ 25 فبراير (شباط) عام 1977 عندما كشفت ارتباط السادات بالمخابرات الأمريكية عن طريق "كمال أدهم" رجل المملكة السعودية وحصوله على مبالغ متفاوتة من المخابرات

كان الانقلاب معدا من قبل وكانت الأسطول السادس تخوفا من حدوث صدام داخلي كما جاء في كتاب "وثائق 15 مايو"

"كان الرئيس السادات قد وضع في حسبانه أن يحرك شعراوي جمعة قوات الأمن المركزي " وكان وجود " روجرز" في " أنقرة " واجتماع حلف الأطلنطي.ترقبا للأحداث وتوقعا لصدور "استغاثة" من السادات بطلب النجدة فكان الأسطول الأمريكي مستعدا بقوات النزال المدربة على حرب الصحراء

كانت كل خطوة تنبئ بالمسيرة المظلمة عاد أعداء الشعب الذين أدانتهم ثورة يوليو والذين خانوا الشعب وأفرج عن الجواسيس والخونة والذين باعوا أنفسهم للأعداء كان كل هذا تمهيدا للتسليم للأعداء أنفسهم للإمبريالية والصهيونية .

وعادت الفاشية التي كانت تحلم بها القوي الرجعية في مصر والعالم العربي عادت في عداء سافر للجماهير لتعيد التحالف بين الفاشية والصهيونية تحت قيادة الإمبريالية الأمريكية..

السادات وأمريكا

في كتاب " حرب رمضان" الذي وضعه "حسنين هيكل " وكان مقربا للسادات في بداية حكمه وخطط له للإنفراد بالحكم في 15 مايو كشف أن السادات كان على اتصال بالخارجية الأمريكية عن طريقين:

الأول: طريق وزارة الخارجية الأمريكية .
الثاني: طريق المخابرات الأمريكية.

في هذه المرحلة ألقي السادات خطابين رسميين أمام الجماهير . أعلن فيهما الخطة الأمريكية لحرب أكتوبر (تشرين) كما أعلن مطلب أمريكا في لقاء مباشر بين مصر وإسرائيل

ففي 17 يوليو (تموز) 1973 قبل حرب أكتوبر بثلاثة أشهر قال السادات:

"وأمريكا قد اقترحت فتح قناة السويس ولما تفتحوا قناة السويس اجلسوا وتفاوضوا مع إسرائيل "

وفي 24 يوليو ( تموز) 1973 قال السادات:

"... أمريكا في 72 وأوائل 73 دخلت بعملية جديدة دخلت بعملية الحل الجزئي القضية ممكن تحل إذا بدأت بحل جزئي بين مصر وإسرائيل هدفه فتح قناة السويس وربط هذا الحل الجزئي بالحل النهائي برباط ما ده كلام الأمريكان الرسمي "

فماذا حدث بعد حرب أكتوبر وبعد أن قدمنا آلاف الشهداء؟ أن ما نفذ هو نفس ما طلبته أمريكا بل نستطيع أن نري أن ما حدث هو ما خططته المخابرات الأمريكية فوزراء الخارجية المصريين استقالوا واحدا أثر الآخر .. ونفذت الولايات المتحدة ما أرادت:

أولا: فتح قناة السويس .
ثانيا: الجلوس والتفاوض مع إسرائيل ..

ويبقي سؤال لماذا كشف السادات أوراقه قبل حرب أكتوبر ولماذا أعلن رفضها؟ في هذه المرحلة كان المد الثوري في مصر قد بلغ ذروته وخرجت مظاهرات الطلبة والعمال تطالب بالحرب وتحرير أرض الوطن وفي نفس الوقت كان الجيش متوجسا من تراجع أو انسحاب يأتيه بأوامر سياسية

ولم يكن أمام السادات إلا أن يخوض الحرب ولكن ليقف بها عند الحدود المرسومة أو الحدود المتفق عليها مع أمريكا ففي اللحظة التي كان فيها الطريق مفتوحا أمام الجيش المصري للوصول إلى الممرات أمر السادات بوقف القتال وحتى وصلت الحشود الإسرائيلية إلى مواقع الجيش المصري.

بل أبشع من ذلك حدثت الثغرة في صفوف الجيش المصري بعد أن أمر "السادات" بنقل القوات المدرعة التي تحمي "الدفرسوار" إلى الضفة الشرقية للقناة على الرغم من معارضة القادة العسكريين !

وفي اللحظة التي كانت القوات المصرية تعبر القناة وتواجه القوات الصهيونية والأسلحة الأمريكية كانت سياسة الانفتاح ترسم لتتدفق رؤوس الأموال والخبراء الأمريكيين ثم زحفت البنوك الأجنبية أموال المصريين في الداخل وحولتها إلى الخارج ولم يدخل مصر مليم واحد بينما البنوك الأجنبية التي لم يتجاوز رأسمالها خلال خمس سنوات 26 مليون جنيه أودعت في فروعها الرئيسية بأوروبا وأمريكا 160 مليون جنيه !

وهكذا وشاءت الفاشية بعد أن سلبت الجيش انتصاراته أخذت تسلب من الشعب قوت يومه.وكشفت فضائح شركة " لوكهيد" ارتباط المسئولين وزوجاتهم في صفقات الرشوة والعمولات والاختلاسات وأصبحت فضائح الطغمة الحاكمة على لسان رجل الشارع وتناقلتها صحف العالم:

فضائح صفقة السيارات من إيران والحديد المسلح وصفقات السلاح وصفقة الطائرات. وفي نفس الوقت زاد الغلاء بصورة بشعة في مصر ولجأ الكثيرون من أهالي القاهرة إلى المقابر يبحثون عن مسكن يأويهم !

السادات وإسرائيل

لم تكن "إسرائيل" سوي أداة الاستعمار العالمي منذ أن قامت إلى اليوم وكانت حرب 56 ردا على تأميم القناة واستردادها من الشركة الاستعمارية وأعادتها إلى الشعب الذي حفرها وكان عدوان 1967 ردا على تأميم الشركات وتمصير البنوك التي كانت تنهب الشعب المصري وتستنزف أمواله .

وكان التأميم ابرز إيجاز حققته ثورة يوليو وكان أول خطوة في سبيل لتحرر الاقتصادي بعد الاستقلال السياسي ولكن السادات أعلن " لا تأميم ولا مصادرة " بل فتح الأبواب لشركات جديدة ورؤوس أموال واحتكارات امبريالية وضرب قرارات المقاطعة التي أجمعت عليها القطار العربية بعد أن خان الإجماع العربي " لا مفاوضة لا صلح لا معاهدة "

وهكذا وجد رأس المال الصهيوني طريقه إلى مصر مع الرأسمالية الأمريكية والاحتكارات العالمية !وعاد النهب الاستعماري لمصر ولكن سرعان ما انكشفت كل الخدع انكشفت الخدعة التي حدثت في حرب أكتوبر وساد التذمر صفوف الجيش وانكشفت خدعة الحريات ودولة المؤسسات وأصبح السادات عاريا أمام الجماهير ..

وانطلقت قوي الشعب في انتفاضة 18,19 يناير هتفت بسقوط السادات وهتفت باللعنات اشترك كل الشعب من الإسكندرية إلى أسوان شيبا وشبابا أطفالا ونساء كل الشعب قام في انتفاضة تاريخية وصوت واحد ونداء واحدا هتف بسقوط السادات وكان يجب أن يسقط

رفض جنود البوليس إطلاق الرصاص وامتنع الجيش عن ضرب الشعب.ولم يجد السادات أمامه إلا أن يطلق قواته الخاصة لتطلق الرصاص على الشعب وليثبت حكمه وسقط عشرات الشهداء

بدأ السادات حياته السياسية بالإرهاب الفردي وينتهي بالإرهاب الجماعي وكان لقاء ليلة عيد الأضحى لقاء بين الإرهاب الصهيوني والإرهاب الرجعي في الوطن العربي وفي ختام اللقاء أعلن السادات أنه سيعمل على " ضمان أمن إسرائيل "

والسؤال الذي ستكشف عنه الأيام من الذي سيعمل لضمان أمن الآخر هل السادات هو الذي سيضمن أمن " إسرائيل " أم أن " إسرائيل " هي التي ستقوم بضمان أمن السادات؟!

خيانة الأمانة

في 15 مايو عام 1974 قدم السادات ورقة أكتوبر وجاء فيها:

" لقد أرجف الذين زعموا أننا نريد أن نلغي "الميثاق وأن نعدل عن اشتراكيتنا " إن وثائق الثورة لا تنسخ بعضها ولكنها تكمل بعضها البعض لقد قلت في خطاب 28 سبتمبر الماضي أنني أؤمن بالإشتراكية وبأنها الحل الوحيد لمشكلة التقدم ومبادئ الميثاق الأساسية قد استقرت في دستورنا الدائم ولا يملك أحد تعديل الدستور إلا بإجراءات طويلة وبعد استفتاء شعبي .."

وفي 7 يونيو عام 1977 نقض هذا الكلام قائلا:

"المبادئ الستة المشهورة هي جوهر ثورة 23 يوليو وما جاء بعد ذلك من ميثاق أو بيان 30 مارس أو خلافه كلنا نعلم الظروف التي صدرت فيها وكلنا نعلم أنها صدرت لكي لا تنفذ وإنما لتمتص موقف!"

وهكذا كانت الأمانة التي حملها باسم ثورة يوليو !!فهل حقا صدر "الميثاق " ولم ينفذ؟ " الميثاق " الذي أصدره عبد الناصر عام 1962 باسم ثورة يوليو نص صراحة على انتماء مصر العربي ..

وعلى طبيعة المعركة ضد الصهيونية . قائلا

"إن قطعة من الأرض العربية في فلسطين قد أعطيت من غير سند من الطبيعة أو التاريخ لحركة عنصرية عدوانية أرادها المستعمر لتكون سوطا في يده يلهب به ظهر النضال العربي .فهل هذا واقع أم مجرد كلام؟"

وقال الميثاق

" إن النضال الوطني حتى في إبان معركته العسكرية المسلحة ضد الاستعمار أضاف لهذا القطاع العام كل الأموال البريطانية والفرنسية في مصر وهي الأموال التي سلبت من الشعب تحت ظروف الامتيازات الأجنبية وفي العود التي استبيحت فيها حرية الثروة الوطنية لتكون نهبا للمغامرين الأجانب "

فهل كان هذا الكلام امتصاصا لموقف أم تقرير واقع تاريخي واقتصادي عاشه ولمسه وعاني منه الشعب المصري ؟ولسنا في معرض تحليل " الميثاق " ولكننا أمام أقوال السادات الذي تشدق كثيرا بالأخلاق والقيم وأصدر قانون " العيب" وقف "السادات" في المؤتمر العام للإتحاد الاشتراكي الذي عقد بعد وفاة جمال عبد الناصر.

وانتخب فيه السادات رئيسا للإتحاد الاشتراكي وأعلن:

"... أتعهد ان أعطي كل جهد وكل إخلاص بل كل نفس في حياتي لاستكمال المسيرة التي قادها جمال عبد الناصر على طريق الحرية والإشتراكية والوحدة.

وقال:

"... لقد كنت طوال عمري مؤمنا به زعيما ومعلما"

وفي كلمة ألقاها في 15 ديسمبر (كانون الأول) عام 1970 قال:

"هكذا كانت سياستنا التي سنها الزعيم والمعلم جمال عبد الناصر وجاهد من اجلها طول حياته وإلى آخر لحظة من حياته... كان فقدان عبد الناصر كارثة وطنية"

وفي خطاب أمام هيئة التدريس بالجامعات والمعاهد العليا لقب عبد الناصر بالقائد الخالد أما في مذكرات السادات التي كتبها بعد ذلك

والتي جعل عنوانها " البحث عن الذات" يقول:

"مسكين عبد الناصر فقد مات دون أن يتمتع بلذة العيش وقضي حياته في الكراهية والغضب وامتلأ قلبه دائما بالقلق حيث كان ينظر إلى الجميع نظرة الشك,ولذا كان من الطبيعي أن يترك ميدانا من الكراهية لقرب زملائه وللشعب بكامله"

وسخرت الصحافة العالمية من مذكرات السادات فكتبت صحيفة " لوبوان" الفرنسية" يقول السادات في مذكراته أن تعاطفه مع ناصر جعل منه إنسانا أعمي والواقع أن شيئا ما من هذا العمي بحب ناصر لم يبق هذه الأيام وعبر صفحات ذكريات السادات يبدو عبد الناصر رجلا عصبيا متشككا"

السادات والمعركة

السادات يتهم نفسه وليس في حاجة إلى توجيه اتهام إليه:قال في نص البيان الموجه إلى الأمة في الأول من حزيران " يونيو" عام 71 "وقد قال عبد الناصر, ومن بعده أقول إن التفريط ولو للحظة واحدة في صداقة الذين يساعدوننا ولا يساعدنا غيرهم على القتال والنصر وتفريط في مصير بلدنا وتمكين للاستعمار الذي يريدنا بغير صديق في معركة التحرير ومعركة البناء"

وفي 29 شباط عام 72 في المؤتمر القومي سأل أحد الأعضاء:

هل يشترط الاتحاد السوفيتي بعض الشروط لمساعدة مصر والدول العربية على إزالة العدوان؟

وأجاب السادات:

أخشي أن يكون مبعث هذه الأسئلة حملات التشكيك المستمرة والتي تهدف في النهاية إلى تقويض علاقاتنا بالاتحاد السوفيتي حتى نبقي وحدنا ويسهل عزلنا والقضاء علينا نسمع هذا في إذاعات أمريكا وقد قرأناه في المنشورات التي وزعها الأجانب الثلاثة في القاهرة الذين جندتهم المخابرات الإسرائيلية الاتحاد السوفيتي لم يطلب منا أية شروط لمساعدتنا على غزالة أثار العدوان .أمريكا هي التي تحاول أن تفرض علينا شروطها المسبقة.

وبعد توقيع المعاهدة المصرية .. السوفييتية قال أمام مجلس الشعب:

"أريد أن أقول أمامكم وأنا واثق أنني أعبر عن إرادتكم وإرادة جماهير أمتنا كلها و ما يلي إن الصداقة مع الذين يساعدوننا ولا يسعدنا غيرهم على القتال وعلى النصر ليست صداقة مرحلة وليست مجرد تكتيك ..الصداقة مع الذين يساعدوننا على النصر والبنا ليست صداقة مرحلة وإنما هي صداقة كل المراحل وليست مجرد تكتيك.. وإنما هي إستراتيجية ثابتة"

السادات من أقوله يدين كل من يشكك أو يفرط في الصداقة مع السوفيت .. فماذا فعل؟ ألغي معاهدة الصداقة .

طلب سحب الخبراء السوفيت من مصر خلال أسبوع ..

اتهم السوفيت بأنهم يقدمون السلاح لمن لا يستطيع أن يحارب !

اتهم السوفيت في خطاب قذاع بـ "الغباء"!

اتخذ موقف العداء في الداخل والخارج من السوفيت!

والوجه الآخر في عام 1972 . في شهر كانون الثاني وقال السادات في أول اجتماع للوزارة الجديدة.إن أمامنا معركة تحد طويلة بعد أن دخلت أمريكا المعركة ضدنا إن هذا التحدي الواضح جعلني أقرر بنفسي ومعي الفريق أول محمد صادق جمع النواحي العسكرية.

وقال:

"لقد تحقق أمس فعلا ما سبق أن توقعناه في حساباتنا السياسية فقد اتخذت الولايات المتحدة خطوة خطيرة أمس لمتعد إسرائيل بمقتضاها قاعدة لطائرات الفانتوم التي تمدها أمريكا بل لقد قررت الولايات المتحدة بموجب الأخبار التي أعلنت أمس 17 يناير (كانون الثاني) أن هناك اتفاقا جديدا يقضي بتزويد إسرائيل بصناعة الأسلحة الضخمة والمعدات والمعونات الفنية مع إرسال خبراء التدريب الأمريكان وستكون مع هذه المعونة المعدات والأسلحة الأمريكية الحديثة..

وقبل ذلك بعام أيضا في يناير (كانون الثاني) عام 1971 خطب في المؤتمر الشعبي الذي عقد في مدينة أسيوط قائلا:

"أنني أذكر أمريكا أنها لا تستطع في معركة في تنام مواجهة الفلاح الفيتنامي البسيط بكل ترسانة أسلحتها وإذا كان هذا موقف الفلاح الفيتنامي البسيط فسيكون موقفنا أكثر صلابة أيضا لأننا نعرف الشرف ونقدره .."

وقبل هذا الخطاب بسبعة أيام ... قال في مدينة طنطا:

"إن الجمهورية العربية كسبت معركة طيران العمق بفضل الصواريخ التي ساعدنا بها الاتحاد السوفييتي أن أصدقاءنا السوفيت عند كلمتهم"

الموقف الاقتصادي

قال السادات في ورقة أكتوبر التي قدمها للشعب في 15 مايو مارس 1974. إن القطاع العام يظل الأداة الأساسية للتعبير عن الإرادة الوطنية في تشكيل اقتصادنا القومي إنه الضمان الرئيسي لأن تظل القرارات الاقتصادية الهامة قرارات مصرية تعبر بالفعل عن استقلال مصر الاقتصادي"

ولم تكن هذه الكلمات إلا تعبيرا حقيقيا للموقف الاقتصادي فيمصر والذي شاهدته ثورة يوليو ..

وكما اعترف السادات في خطاب أول مايو عام 71

المنطقة التي كانت مشتي صغيرا أصبحت قاعدة للصناعة الثقيلة في مصر والتي كانت متروكة للاسترخاء والكسل أصبحت بركانا من النشاط والعمل المنطقة الساكنة الهاجعة بين النيل والجبل أصبحت قلبا يضج بالحياة وقمة تطاول كل الذري حلوان أكبر قاعدة للصناعة الثقيلة في مصر وفي العالم العربي وفي الشرق الأوسط وفي أفريقيا

وبعد خمس سنوات نشرت صحيفة "الجمهورية " القاهرية صرخة من أحد رجال مصنع الحديد والصلب يقول فيها أن المصنع تحول إلى حديد خردة هجره المهندسون والفنيون وتركه العمال وتفكك قطعة قطعة !

إن ما حدث لمجمع الحديد والصلب يحدث لعشرات المصانع التي أقيمت فيمصر ولم يكن ضرب العلاقة المصرية السوفيتية إلا تمهيدا للقضاء على مصر الصناعية تماما كما حدث في أعقاب الغزو البريطاني لمصر والسادات يعترف قال في 20 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1970 "لقد أعطانا الاتحاد السوفييتي معدات السد العالي الثاني .. وأقصد به مشروع شرائط الحديد والصلب"

وقال في نفس الخطاب:

"بعد عدة سنوات سنجد لدينا خبراء في صنع السفن على أعلي مستوي عالمي كل هذا بمعاونة الاتحاد السوفيتي في الوقت الذي يرفض فيه الغرب إعطاءنا بندقية واحدة "

سبق الإصرار

إن ما ارتكبه السادات سياسيا واقتصاديا و إنما تم مع سبق الإصرار والترصد ففي اجتماع اللجنة التنفيذية للإتحاد الاشتراكي التي عقدت برئاسة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1968 لمناقشة القضية قال السادات:

إن القضية الأساسية تختص بالتالي:

هل يحكم شعب مصر من الخارج أم لا؟ الأمريكان يصرون على حكم شعبنا من الخارج ومرة أخر كما فعلوا في السنوات السابقة لا إن هذه المعركة مصيرية ولابد من الصمود حتى آخرها

وبعد أن تولي رئاسة الجمهورية قال في خطاب ألقاه في 25 مايو (مارس) عام 1971

"إن أزمة الاستعمار المعاصر قائمة في كل مكان والعجز الكامل عن فهم التاريخ فيها لا ينبع من مجرد الجهل بحتمية التطور ولكنه يرجع في الوقت نفسه إلى أن الاستعمار لا يستطيع أن يتخلي عن مطامعه إلا مكرها ومجبرا لأنه يريد أن يواصل الاستغلال إلى آخر لحظة ممكنة"

وعلى الرغم من هذا فتح السادات الأبواب للاستعمار وتحولت مصر من مركز صناعي إلى مركز سياحي للمترفين...وبدل المصانع تقام الفنادق ونوادي القمار في دولة الإيمان !!

وبدل أن نرغم الاستعمار على التراجع سلمنا بأن 99 في المائة من حلول المشاكل في يده !وأصبح الخبير الأمريكي في سفارة الولايات المتحدة بالقاهرة والمسئول عن المعونات يتحكم في اقتصاد مصر .

والبنك الدولي يملي شروطه المجحفة ويطالب برفع الدعم عن غذاء الفقراء وخفض ميزانية الخدمات والتقليل من مصاريف الدفاع ..

إن الرجل الذي قال:

"إن إسرائيل تعتبر نفسها و ويعلن وزراؤها أنها خط دفاع أول عن مصالح أمريكا الإمبريالية في المنطقة "

خطاب 3 مايو مارس عام 71

فتح السادات الأبواب للصهيونية لغزو مصر ولهث وراء المفاوضات وسمح لرأس المال الصهيوني والأمريكي بإنشاء البنوك والشركات وأعطيهم حق ملكية الأرض في مصر من الخطأ أن نتصور "عقلية السادات " أو تصرفاته على أنها نابعة من فرد فليس الفرد إلا انعكاسا لفكر وسلوك الطبقة التي ينتمي إليها..

منذ البداية قام " نظام السادات" على أوضاع مليئة بالمتناقضات والأخطاء وإذا كان من الصعب الآن تقييم المرحلة " الناصرية" إلا أن هذه المرحلة حققت التحرر الوطني وانتزعت السيادة من الاستعمار لتجعلها في يد الشعب وبدأت مرحلة الاستقلال الاقتصادي ..

وخرجت "الناصرية" من خلال التجربة بحقيقتين:

الأول:أن تحالف الرجعية ورأس المال يجب أن يسقط.
الثانية: أن تحالف القوي الممثلة للشعب العامل هو البديل الشرعي لتحالف الإقطاع مع رأس المال المستغل.

أدركت "الناصرية" ذلك من خلال معركة 56 ومأساة الوحدة والانفصال .ففي عدوان 56 أسرع ممثلو الإقطاع والرأسمالية المستغلة يطالبون بالتسليم والاستسلام .وفي مأساة "الوحدة " تبين أن القوي الأساسية في عملية الانفصال كانت ممثلة في الإقطاع السوري والشركة الخماسية.

وكان من المفروض أن تتيح "الناصرية" لقوي الشعب العامل أن تنظم صفوفها في أحزاب لتقوم الجبهة الشعبية في مواجهة القوي الاستعمارية والرجعية المتربصة ولكن مع الأسف أرادت "الناصرية" أن يكون حل التناقضات بين الطبقات والفئات المكونة لتحالف قوي الشعب في إطار تنظيم واحد مما رجح كفة اليمين.

إن اليمين بطبيعته تنظمه المصالح المشتركة وتترابط عناصره وبالعلاقات الاجتماعية والقدرات المادية والذكاء الخبيث أما قوي الشعب في حاجة إلى قيادات تنظيمية حزبية تمثل الطليعة الواعية القادرة على تجنيد قوي الشعب وبث الوعي بالصراع ومواجهة الأخطار هذه الحقائق أدركها عبد الناصر في أواخر أيامه ولكن الوقت كان متأخرا..

اليمين ..الرجعي

في 2 مايو 67 اى قبل "النكسة " بشهر واحد تحدث عبد الناصر عن الثورة المضادة وحددها بعملاء الاستعمار وبقايا الإقطاع وبقايا الرأسمالية المستغلة والانتهازيين.

وقال عن الانتهازيين.. " في ناس أخذوا من الثورة نفسها ومش مكفيهم اللي أخذوه وفي نفس الوقت ينقلبوا على الثورة ليتجهوا إلى الثورة المضادة .."

ثم قال في خطاب خطير كشف لأول مرة الطبقة الجديدة التي بدأت تتطلع إلى الوراء لتتحالف مع بقايا الإقطاع وبقايا الرأسمالية العميلة فقال:

"إن هذه الطبقة العسكرية السياسية كانت قد وصلت إلى حيث اعتبرت نفسها وريث شرعي للثورة أو بمعني أدق وريث للحكم أو بمعني آخر أكثر تحديدا أن الثورة بالنسبة لهم أصبحت هي الحكم و والحكم بالنسبة لهم أصبح مظاهر ومغانم"

ولكن ماذا حدث لمواجهة هذه الثورة المضادة؟ حاول عبد الناصر أن يوجد التنظيم الطليعي ولكن القوي الرجعية حولت هذا التنظيم إلى جهاز من أجهزة الدولة وظلت جماهير الشعب بدون تنظيم أو قيادات تعبر عن مصالحها أو تحاول حل التناقضات بين المصالح المتضاربة..

وفي ظل الصراع الطبقي "المكتوم" اتسعت دائرة اليمين واحتل مراكز جديدة وخطيرة كانت ثورة يوليو قد فتحت المجال أمام الطبقات المضطهدة فقامت بالإصلاح الزراعي وسارت في طريق التصنيع وتأميم الشركات الأجنبية ففتحت بذلك الطريق لإقامة القطاع العام كما خلقت فرص النشاط أمام الرأسمالية الوطنية وأوجدت فرص العمل أمام المثقفين والعمال؛

ولكن الفلاحين كانوا بلا تنظيم أو قيادة واعية فتسللت عناصر البرجوازية الصغيرة إلى صفوفهم في التشكيلات الحكومية للإصلاح الزراعي وانطلقت هذه العناصر من الموظفين تنهب ما كسب الفلاح وتنحاز إلى الملاكين الكبار الذين يملكون الرفاهية والرشوي ولغداق على هؤلاء الموظفين الذين كانوا محرومين في الماضي من كل شئ.

وفي القطاع العام تمسكت قيادات القطاع العام بالسلطة دون أن تحاول مشاركة العمال في إدارة عملية التصنيع أو المراقبة مما أتاح للعناصر الرجعية فرصة التخريب وأتاح لكبار الموظفين فرصة النهب.وهكذا تشكلت الثورة المضادة من العناصر الرجعية القديمة والعسكريين من ذوي الفكر الفاشي.والعناصر الطفيلية أو البيروقراطية في القطاع العام.

ولم يكن أمام جماهير الشعب وطبقاته العاملة إلا أن تتحرك في انتفاضات عفوية ضد القوي الرجعية ولكن هذه الانتفاضات كانت سريعا ما تكتب وتنتهي إلى لا شئ لغياب القيادات والتنظيمات وكانت نكسة 67 فرصة أمام هذه القوي الرجعية للتحرك وهب عمال حلوان وطلبة الجامعات في انتفاضات رائعة ضد اليمين الزاحف.

وجاءت وفاة عبد الناصر ليقفز "الفاشيون" إلى الحكم وأسرعت القوي الرجعية تدعمهم وأعادوا سيطرة الاستعمار وجاءت الشركات الاحتكارية لتنهب الشعب المطحون بينما ارتفع عدد أصحاب الملايين من 100 مليونير إلى 500 مليونير إلى عشرات المئات .هذه هي القوي وهذه هي الفئات التي أصبحت تحيط " بالسلطان" فيمصر بعد أن تمت عملية تصفية تحالف قوي الشعب خطوة خطوة!.

إن هذه القوي الرجعية لا تستطيع أنتواجه الجماهير وحدها , ولهذا كان من البديهي أن تسقط في يد الاستعمار وان تلجأ إليه لحمايتها وقد عبر عثمان أحمد عثمان المليونير الكبير واحد أعمدة النظام بقوله عن "الوطنية " أنها كلام تافه في بداية السبعينات القي القبض في مصر على عصابة دولية لتهريب النقد واشتهرت القضية باسم " قضية غنبور ورفله عرباوي" وبعد سنوات قليلة بدأت "سياسة الانفتاح " التي انتهت بتوقيع اتفاقية " كامب ديفيد" فهل هناك علاقة بين الحدثين ؟!

في 19 مارس عام 1973 ونشرت صحيفة " الأهرام "بيان النيابة عن هذه القضية جاء فيه:

"كانت مباحث أمن الدولة خلال تعقبها لنشاط شبكة التهريب و قد توفر لديها معلومات تؤكد أن هناك تخطيطا أجنبيا منظما وراء هذه الشبكات التي اتسع نشاطها فجأة بصورة لم تعهدها البلاد من قبل وأكدت هذه المعلومات أن التخطيط لجأ إلى هذا الطريق بهدف ضرب الاقتصاد القومي.

وكشف بيان النيابة عن عدد من الوقائع ذات الدلالة والتي كانت "العصابة" تهدف إلى تحقيقها ومنها:

أولا: النيل من دور القطاع العام والسيطرة على السوق الداخلية والتستر وراء الدعوة لتشجيع القطاع الخاص فجاء في نفس بيان النيابة :
"كان المخطط يبدأ بالدعوة إلى تشجيع القطاع الخاص ثم تتخذ هذه الدعوة كستار للهجوم على القطاع العام ولإعطاء الفرصة للرأسمال الخاص للربح السريع عن طريق النشاط الطفيلي الذي لا يسهم في الإنتاج بل يسعي إلى السيطرة على تجارة الجملة وعلى القسم الأكبر من تجار التجزئة وذلك عن طريق قيام رأس المال الخاص بدور الوسيط بين القطاع العام المنتج والمستورد من ناحية وبين الشعب كمستهلك من ناحية أخري ..
وبهذه الطريقة يتركز جانب من المخزون السلعي في أيدي هؤلاء الوسطاء و وبعدها يظهر دورهم حيث تكون لهم السيطرة على السوق المحلية باحتكارهم السلع في حركة تحديد السعار وفي النهاية في خلق سوق سوداء بكل آثارها المخربة من ارتفاع تكاليف الإنتاج ونفقات المعيشة .."

من هذه الفقرة في بيان النيابة يتبين لنا بعض حقائق الموقف الراهن في مصر الدعوة إلى تشجيع القطاع الخاص وهو ما يطالب به البنك الدولي وكذلك صرح به مستشار المعونة الأمريكية في القاهرة الهجوم على القطاع العام وهو ما تتكفل به الدولة اليوم سواء بعرض شركاته للبيع للشركات الاحتكارية العالمية..أو تشكيك أجهزة الإعلام في دور القطاع العام .

العمل على ارتفاع نفقات المعيشة.وننتقل إلى الواقعة الثانية التي كشفها بيان النيابة ولعلها أخطر ما أعلن عنه .

ثانيا:التعاون مع عناصر ليست بعيدة عن الكيان الصهيوني كانت مصر ما زالت في حالة حرب فالبير أوفديا سالم المتهم الصهيوني في القضية والده أحد مؤسسي دولة الكيان الصهيوني و وشقيقه صاحب "بنك ديسكونت" في جنيف الذي تحول إليه الأموال المهربة .

بل لقد ذهب الأمر إلى حد أن هذه الجهات الأجنبية قد اختارت نفرا من المصريين الذين أدركت أن الربح هو محركهم الأساسي وسهلت لهم تنمية حجم أموالهم وتضخم نشاطاتهم ليسيطروا بعد ذلك على السوق ويحققوا لها أهدافها ..

وفي هذا يقول بيان النيابة:

"تبين أن منظمة أجنبية في الخارج تنظم عملية التحويل منذ 4 سنوات بواسطة شبكة تضم مندوبين في بلدان مختلفة وإن هذه المنظمة تعطي تسهيلات لبعض هؤلاء التجار بطريق غير مباشر ليزداد حجم نشاطهم فيتمكنون من السيطرة على تجارة الجملة في وقت قصير"

وكشفت النيابة في بيانها ارتباط العناصر الطفيلية بالصهيونية العالمية وارتكبوا جريمتهم في لحظة كانت مصر تستعد فيها لحرب أكتوبر أى ارتكبوا جريمة "الخيانة العظمي"

ولم يقتصر ارتباط أفراد عصابة "غبور وغرباوي " بالعناصر الصهيونية ولم تكن الصهيونية وحدها التي تحركهم بل لعبت أمريكا دورا أساسيا في أعمال هذه العصابة ونأتي إلى الواقعة الثالثة التي كشفها بيان النيابة ..

ثالثا: أن مجال نشاطات هذه الفئات تعدي نطاق الاقتصاد إلى مجالات أخري ربما كانت هي الهدف الأساسي..

فقد نشرت الأهرام في عددها بتاريخ 27 مارس 1973

"إن نشاط الشبكة تعدي عمليات تهريب النقد إلى نشاط أخطر من ذلك بكثير إن عمليات التهريب لم تكن سوي ستار يختفي وراءه النشاط الآخر"

كانت عصابة "غبور وغرباوي" متعددة الجنسيات فهي تضم 108 متهما نصغهم ممن يحملون جنسية مصرية ,والباقي 23 متهما أمريكيا و6 من ألمانيا الغربية وخمسة ايطاليين و4 كنديين 2 من اليونان وبلجيكا وواحد من مل من هولندا وبريطانيا و وفرنسا وجنوب أفريقيا ..

إن "المؤامرة" ضد الشعب المصري بدأت بالجريمة وما حاولت عصابة "غبور وغرباوي" تحقيقه أصبح الآن هدفا يعلنه الرسميون الأمريكي سواء كانوا مسئولين في البنك الدولي أو خبراء الاقتصاد أو رجال السياسة!وأصبحت الجريمة سياسة .. وأصبحت السياسة هي كيف تنفذ الجريمة!

ويعلن مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في القاهرة تصريحات نشرتها صحيفة "أخبار اليوم" أنما سعي إليه المتهمون في قضية "غرباوي وغبور" هو السياسة التي ستفرض على مصر

وجاء في تصريحاته:

"إن الحكومة ويقصد الحكومة المصرية مصممة على دعم القطاع الخاص لذلك يجب على بعض المديرين الذين يظن ونعكس ذلك عدم مناهضة سياسة الانفتاح " ولم يكتف المسئول الأمريكي بذلك بل طالب بمراجعة سياسة دعم السلع وهو ما تنفذه الحكومة المصرية خطوة خطوة في طريق إلغاء الدعم.

المهربون والسياسة

وقالت النيابة في بيانها عن قضية التهريب هذه بأنها "أخطر محاولة أجنبية لتخريب الاقتصاد الوطني"

وتوضح كما تقول النيابة ..أن هدف العصابة يتمثل في:

"التلاعب في عمليات استيراد السلع الأجنبية باستغلال نظام الاستيراد بدون تحويل عملة لصالح بعض أفراد القطاع الخاص المنحرفين." وتحويل هذه العمليات عن طريق الحصول على النقد الأجنبي الخاص بالهيئات والمؤسسات الأجنبية في مصر واستغلال مدخرات المصريين الذي يعملون في الخارج والهدف هو حرمان مصر من النقد الأجنبي وسيطرة بعض أفراد القطاع الخاص على السوق المحلي للتحكم في عملية الأسعار وهز الثقة في نظام القطاع العام كركيزة للنظام الاقتصادي "

فهل تولت عصابة " غرباوي وغبور" الحكم في مصر ؟!

أولا: صدر الحكم ببراءة جميع المتهمين بعد مرور أكثر من خمس سنوات على ضبط المتهمين ..
ثانيا: أصبح نظام الاستيراد بدون تحويل العملة قانونا في مصر..
ثالثا: أصبحت حرية تداول النقد الأجنبي في مصر تشريعا..

ووقف الوزراء أمام مجلس الشعب وعلى صفحات الصحف ينادون بل يدافعون عن كل ما ارتكبه "العصابة الدولية " من جرائم في حق الشعب وأصبحت الجريمة شريعة الحكم وأعلن وزير التجارة وهو يدافع عن نظام الاستيراد بدون تحويل عملة بان الحكومة حاولت في هذا النظام تقنين التهريب !

ولم يكن هذا غريبا فعندما وصل ممثل الرأسمالية الطفيلية عثمان أحمد عثمان إلى تولي الوزارة سأله مندوب جريدة الجمهورية

أليست قوانين الاستثمار تهديدا للسيادة الوطنية ؟

فكان رده:

دعونا من هذا الكلام التافه!

وأصبحت الوطنية في ظل النظام القائم فيمصر هي التفاهة..أما الجريمة والخيانة فهي الحق والشرع !

الانفتاح ..والمخدرات

في فبراير عام 1977 نشرت صحيفة الأهرام تحقيقا صحفيا عن سر طوفان الحبوب المخدرة في أسواق القاهرة وتبين أن شبكة دولية تقوم بتهريبها من سويسرا وأن أخطر هذه الأقراص انتشارا هي أقراص "المونولون " و"النوبارين " وشهرتها " الفانتوم " و" اسكاي هوك".

واتضح أن زعيم هذه الشبكة الدولية يقيم في سويسرا واسمع ألبير وهو إسرائيلي الجنسية وكان يرسل هذه الحبوب باسم احدي شركات الأدوية !.وقد تم ضبط ثلاث شحنات من هذه الحبوب قدر ثمنها بأربعة ملايين جنيه كما ألقي القبض على اثنين من أفراد هذه العصابة الدولية هما هنري شميتو وهنري روبكسكير.

ثم تتالت أخبار المخدرات في الصحف المصرية ..وكان رأس المال الذي يعمل في هذه التجارة يتجاوز عشرات الملايين فقد ضبطت صفقات بمبالغ تتراوح بين مليون و9 مليون جنيه !!

وكانت كميات المخدرات المضبوطة تتزايد مع التوسع في سياسة الانفتاح فضبطت في عام 1979 من سائل "ماكستون فورت" 37192 سنتيمتر مكعب مقابل 202 سم مكعب عام 1973 وهو المخدر الذي يلهب الشرايين . بل يدمرها

وأمامنا حقيقتان:

الأولي:حرب الأفيون التي لم يشهد التاريخ الإنساني أقذر منها عندما فرضت بريطانيا على الصين السماح بتجارة الأفيون وشنت من أجل ذلك ثلاث حروب حرب 1840 ثم حرب 1841 وأعقبتها حرب 1842 واحتلت القوات البريطانية مدينة " شنغهاي " وكادوا أن يحتلوا العاصمة بكين ولم يتوقف الزحف إلا بعد توقيع الاتفاقية التي تضمنت نصوصها إطلاق تجارة الأفيون .
الثانية: الحقيقة التاريخية التي تضمنها كتاب " سياستان إزاء العالم العربي"

وجاء فيها:

"من المعروف أن المستعمرون البريطانيين بدؤوا منذ أواخر القرن الثامن عشر بنقل كميات هائلة من الأفيون إلى الصين ومن الأمور الأقل ذيوعا أن أرباب العمل الأمريكان ساهموا في هذا العمل الشائن مساهمة نشيطة للغاية مع فارق واحد هو أن شركة الهند الشرقية كانت تزرع الأفيون في ممتلكاتها لهندية بأشد أنوع الاحتكار صرامة بينما كان الأمريكيون يستوردون الأفيون من تركيا وفي تلك الآونة حيث لم تكن قناة السويس قد ظهرت للوجود كان التجار الأمريكان يشحنون الأفيون بالسفن الشراعية السريعة من أزمير والمواني التركية الأخرى وكانت صناديق الأفيون تقوم برحلة حول العالم تقريبا"

وكان الدولار الواحد في تجارة المخدرات يحقق ربحا مقداره خمسة دولارات وكما قيل:إذا وجد رأس المال 10% من الأرباح مؤمنة فإنه يشتغل وإذا وصلت الأرباح إلى 20% ينشط و50 يتملكه جرأة جنونية 100% يدوس بالأقدام جميع القوانين أما إذا تأكد من تحقيق 300% من الأرباح فليس ثمة جريمة لا يتجاسر على ارتكابها ولو قادته إلى حبل المشنقة إن مصر اليوم تواجه أبشع استعمار تخريب اقتصادي ونهب ثروة الشعب وتدمير نفسية الإنسان وتحطيم كيانه ..

الخيانة العظمي

لم يكن ارتباط الرأسمالية الطفيلية بالصهيونية أو الإمبريالية الأمريكية مفاجأة فقد أشار الميثاق الذي أعلنه عبد الناصر إلى هذه الظاهرة وقال:

"إن نمو الاحتكارات العالمية الضخم لم يترك الإسبيلين للرأسمالية المحلية في البلاد المتطلعة إلى التقدم
أولهما:أنها لم تعد قادرة على المنافسة إلا من وراء أسوار الحماية الجمركية العالية التي تدفعها الجماهير .
ثانيهما: إن الأمل الوحيد لها في النمو هو أن تربط نفسه بحركة الاحتكارات العالمية وتقتفي أثرها وتتحول إلى ذيل لها وتجر أوطانها وراء هذه الهاوية الخطيرة

وتحقق ما جاء في "الميثاق" وظهر ارتباط الرأسمالية الطفيلية بالصهيونية والمخابرات الأمريكية في قضية " غبور وغرباوي ".. ولكن ما هو أدهي وأمر هو ارتباط الوزراء الذين أعلنوا سياسة الانفتاح بالاحتكارات العالمية.

ساهم وزير مالية سابق في تأسيس أول " بنك كوري " في مصر وعين رئيسا لمجلس إدارته أسس نائب وزراء سابق وشركة للقيام بأعمال الوكالة عن الشركات الأجنبية أصبح رئيس وزراء سابق المحاسب الأول فيمصر فيقوم مكتبه بأعمال مراجعه الحسابات لنحو 30 % من شركات الاستثمار الأجنبي .

أما الشخصية التي فاقت كل هؤلاء فكان المقاول عثمان أحمد عثمان الذي نجح في تأسيس 15 شركة مصرية وأجنبية مشتركة وأخيرا وليس آخرا قيام أسرة "السلطان" وأقاربه وأصهاره بالمساهمة والمشاركة والارتباط بالشركات الاحتكارية العالمية والصهيونية في عمليات الاستثمار أى النهب المقنن !

وسقط الوزراء في هاوية الجريمة وسيق عبد الله مرزبان نائب رئيس وزراء سابق ووزير الاقتصاد وأحمد نوح وزير الطيران إلى القضاء بتهمة تقاضي الرشوة وتبين أنعقد تمويل شراء هذه الطائرات تجاوز 45 مليون دولارا ..وتضمن شروطا لا يتصور قبولها حيث بلغت قيمة القرض عند سداده مبلغ 83 مليون جنيه !.

وتتالت الجرائم

  1. المهندس أحمد سلطان نائب رئيس الوزراء السابق يتقاضي رشوة من شركة وستنجهاوس .
  2. صفقة الحديد والصلب التي اتهم فيها عثمان احمد عثمان .
  3. صفقة سيارات الأوتوبيس من إيران.
  4. 13 مليونيرا في السجن : في قضية فرع البنك الأهلي بالعجوزة.
  5. عصابة المليونير سرقت حديد تسليح بأكثر من مليون جنيه !

ولم يحتمل نظام السادات الرقابة الإدارية التي فضحت طبيعة النظام فقام بإلغائها ..وتبين أنها أعدت تقارير تمس عددا من الشخصيات الرسمية , وكشفت صفقات يسودها طابع الرشوة .. بل السرقة ومنها :

  1. صفقة اللحوم الفاسدة .
  2. صفقة السمن الفرنسي الذي وصل فاسدا .
  3. صفقة للحوم والجبن التي عقدتها شركة " مالتي ترود" وهي شركة مصرية أجنبية يرأسها أحد رؤساء الوزارات في نظام السادات.
  4. رشاوي سجلها مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية تقاضها عدد من المسئولين والوزراء السابقين.

قد يسخر البعض مما قدمنا من نماذج فما تنشره الصحف الأجنبية عن تراكم ثروات أصحاب الملايين من المسئولين في مصر يفوق الخيال ولكن نكتفي ببعض ما تنشره الصحف المصرية حتى يكون الشاهد من أهله..

بقيت إضافة صغيرة على ما نشرته صحف القاهرة في هذا المجال فصحيفة الأهرام قالت:المدينة الحرة صنعت في وقت قصير عددا من أصحاب الملايين من غير المصريين ما معني ذلك؟ معناه ببساطة أن طبقة شرهة إلى المال باعت مصر وفتحت أبوابها للنهب الداخلي والخارجي..

الإنسان الذي يلقي على زعيم شعبي قنبلة ليقتله لن يتردد عن اغتيال الشعب نفسه قام السادات بأكثر من محاولة لاغتيال الزعيم الشعبي مصطفي النحاس وعندما حقق الانقلاب العسكري بعد توليه السلطة بدأ في اغتيال الشعب المصري مرغ كرامة الشعب وأهدر كفاحه عندما ذهب مستسلما إلى تل أبيب يقدم التحية إلى قتلة وأعداء الشعب .

وباع الوطن بالقروض والعمولات للولايات المتحدة الدولة السفاحة التي قتلت مليونا من الأطفال والنساء والشباب في فيتنام وصنعت أبشع نظام إرهابي في إيران تحت حكم الشاه وسلحت العصابات الحاكمة العسكرية في نيكاراجوا وأمدت إسرائيل بقنابل النابالم التي قصفت بها أطفال بحر البقر.

استسلام ..وتسليم

لم تكن معاهدة الخيانة مجرد استسلام بل كانت في الواقع تسليما لكل مقدرات الشعب في مصر للصهيونية والعدو الأمريكي فلم يكن تحقيق الانجازات التي تمت خلال حكم عبد الناصر مجرد تجسيد للإرادة الوطنية بل كانت خطوة نحو انتقال مصر والإنسان المصري من مجتمع لزراعة المتخلف إلى مرحلة التصنيع أى خلق الإنسان الجديد الإنسان العامل .

انتزعت مصر من الدول الاستعمارية حقها في إصدار القرار السياسي وحققت بذلك استقلالها الفعلي عندما أقامت السد العالي كان ذلك بداية مرحلة جديدة سواء في انتقال الفلاح المصري من الزراعة البدائية إلى مرحلة الزراعة الآلية أو كهربة مصر كنواة للتصنيع أقامت صناعة الحديد والصلب والالومنيوم وصناعة السيارات وعشرات من المصانع التي ضمت فئات متعددة من المهندسين والكيمائيين والعلماء والعمال.

وجاء السادات يسلم كل هذا البناء للعدو الأمريكي والصهيوني وتدفقت أدوات اللهو الاستعماري والمؤسسات الاستهلاكية لتستغل الكهرباء للنهب الاستعماري بدل أن تكون قوة محركة للصناعة الحقيقية وأصبحت قوالب الالومنيوم الخام تصدر إلى المصانع في الخارج بدل من تصنيعها في مصر . كما كان يحدث للقطن في أيام الاستعمار البريطاني .

وفي عدد الأهرام الاقتصادي الصادر في 11 مايو 1981 نقرأ:

" تصدرت قوالب الالومنيوم قائمة الصادرات التي قامت بتصديرها خلال شهر مارس الماضي وأوضحت لغرفة التجارية بالقاهرة أن عدد شهادات المنشأ التي أصدرتها خلال ذلك الشهر بلغت 282 شهادة بزيادة 27 شهادة عن شهر فبراير الماضي وأوضحت أنه رغم زيادة عدد الشهادات إلا أن القيمة الإجمالية للصادرات انخفضت بنسبة تصل إلى 13% عن شهر فبراير "

ومعني ذلك ببساطة أن مصر تخسر مرتين

الأولي: بتصدير قوالب الألمنيوم بدل تصنيعها في مصر .
الثانية: أن سعر قوالب الألمنيوم كمادة خام يهبط كما هو الحال لكل المواد الخام التي تصدر من العالم الثالث لتعود مصنعه بأضعاف أضعاف سعرها كان مصنع أو مجمع الحديد والصلب في حلوان يقدم المواد الخام لصنع آلات ومعدات تصنيع قوالب الألمنيوم.

ولكن في ظل الحكم المظلم تحول مجمع الحديد والصلب إلى مجموعة من الآلات الخردة كما نشرت صحيفة الأهرام ويتم تصدير خام الألومنيوم وتعود مصر إلى الوراء ويهدم المقاولون والطفيليون الصناعة ليقيموا العمارات الضخمة وليحولوا الإنسان المصري من جديد إلى " فعله " بدل أن ينخرط في موكب الصناعة العالمي ..

الحلف الخبيث

لم يكن في استطاعة الرجعية العربية وحدها مقاومة المد الشعبي الذي نشأ من تطور حركة التحرير الوطني فيمصر ونشأ التحالف الاستعماري الرجعي لدفع مصر إلى منطقة التخلف ولتعيش مصر على الموارد الطفيلية كما يعيش الوطن العربي لقد استمر أشيوخ البترول الحصول على الثروة من الأرض دون جهد يبذل ودون جهد حقيقي لتطور الحياة أو إقامة الصناعات الضرورية وأرادوا لمصر أن تتخلي عن طريق الإنتاج والتنمية وتندرج في المجتمع الاستهلاكي المتخلف..

وتدفقت البنوك العربية والأجنبية على مصر وأقيمت مدن السياحة وشقوا لها الطريق العلوية والسفلية والعمارات السكنية الفخمة بينما تدهورت الصناعة في مصر .

ووفقا لتقارير وزارة الصناعة المصرية نفسها و تعاني بعض المنتجات في الصناعة من صعوبات التصدير في الأسواق المحلية بسبب منافسة مثيلاتها الأجنبية مثل الكابلات الكهربائية وإطارات السيارات وأنابيب الصلب ولوازمها وصناديق الورق المقوي (الكرتون) والفورمايكا والخشب المعاكس (الابلجاج) ومعدات الغزل ومواد الصناعة والمراجل البخارية ومنتجات الحرير الصناعي ومنتجات التريكو والملابس الجاهزة وأسلاك اللحام ..

كما كشفت تقارير وزارة الصناعة المصرية أيضا عن أن مستلزمات الإنتاج المستوردة من الخارج القطاع العام تفرض عليها رسوم جمركية عالية تزيد في بعض الحالات عن الرسوم المفروضة على الإنتاج المثيل المستورد..

وكان اللورد كروسر ممثل الاستعمار البريطاني في مصر قد فعل نفس الشئ في بداية الاستعمار القديم ففرض رسوم جمركية على إنتاج المنتوجات المحلية مما أدي إلى ضمورها أمام الإنتاج المستورد.

وكما قالت مجلة " لوموند دبلوماتيك" الفرنسية فإن سياسة " الإنتاج " أدت إلى حدوث ركود في الفروع التقليدية من الصناعة المصرية ووجب على كثير من المؤسسات الصغيرة أن تغلق أبوابها فتعرض العمال المؤهلون للبطالة واضطروا إلى الهجرة وتدهور أكثر فأكثر وضع القطاع العام..

وفي تحقيق صحفي نشرته مجلة "الوطن العربي" نجد خريجي كليات العلوم والهندسة المصرية يبيعون الصحف في فيينا .وفي حوار بين محررة " أخبار اليوم" القاهرية وجمال الناظر رئيس هيئة الاستثمار سألت المحررة لماذا نعتمد على الخبراء الأجانب ونغدق عليهم مرتبات مرتفعة ؟وجاء في رد جمال الناظر.

القطاع العام يتعاقد مع الخبير الأجنبي ويحرم المصري وهكذا عادت مصر إلى منطقة لتخلف وأصبحت تتعامل مع أبنائها كما يتعامل شيوخ البترول مع شعوبهم فالخبراء الأجانب لهم الأولوية بمرتبات باهظة والتنمية تقوم على توفير الراحة للوافدين الأجانب بينما يعاني الشعب من الفاقة والبطالة.

وكما قال إسماعيل صبري وزير التخطيط السابق:

" إن سياسة الانفتاح تعني العودة إلى الرأسمالية مجتمع الرفاهية بالنسبة لحفنة الموسرين والفاقة المتناهية بالنسبة لملايين المصريين العودة إلى ترميم النفوذ الإمبريالي في البلاد إن ترميم النفوذ الإمبريالي في الوطن العربي يقوم أساسا على أموال البترول والقوة العسكرية الصهيونية والدعم الأمريكي ..

هذا التحالف المشئوم

قال مواطن عربي بسيط "حقا إن مصر أم الدنيا كما يقولون .. فإذا اتجهت مصر صوب الإشتراكية جذبت الوطن العربي معها وإذا اتجهت نحو الرأسمالية اندفع العالم العربي خلفها ولم يكن التأمر ضد مصر اعتباطا سواء من الصهيونية أو الرجعية العربية أو الولايات المتحدة.

وكتبت صحيفة " هاارتس " الإسرائيلية:

إن التدخل الأمريكي المتزايد في الشرق الأوسط بدءا بالمرحلة التي أعقبت حرب أكتوبر ووصولا إلى ذروته في اجتماعات كامب ديفيد وبعدها يشير إلى تمهيد الطريق إلى إمكانيات تحقيق إستراتيجية جديدة في الشرق الأوسط ويكمن الهدف الأساسي لهذه الإستراتيجية في إقامة تحالف إقليمي ذات مكونات وغايات تختلف عما كان عليه الأمر في الخمسينات ويمكن أن يكون أعضاء هذا التحالف هي الدول ذات التوجه الأمريكي في الشرق الأوسط .

أما الهدف من هذا التحالف لمشئوم فهو الإبقاء على التخلف الذي يعيشه الشعب العربي يعيش مقيدا بالصحراء ولا يخرج إلى دور الحضارة الصناعي ففي كتاب "عندما يجئ السلام سنكون مستعدين"

وصدر في إسرائيل نقرأ:

"وسيكون أحد الأهداف المهمة من سياسة الدول المنتجة للنفط استصلاح الصحراء والبحث في وسائل فنية جديدة للري وتحلية مياه البحر وتحسين تربة الصحراء وقد تصبح القاهرة عاصمة لسلط الصحراء للإسرائيليين وستكون رئاسة المنظمات المتعلقة بجامعة الصحراء وزراعة الصحراء والإنسان في الصحراء وستقام جامعات الصحراء في سوريا العراق الكويت السعودية واليمن ومصر وإسرائيل .."

لم يعد خافيا أن الاستعمار الأمريكي يرسم ويخطط كما فعل الاستعمار القديم فهو يخطط لفترة محددة ويدرك أن نهايته قريبة قد تمتد مع التفاؤل إلى نهاية النفط في الوطن العربي والذي يحدد حاليا بـ30 عاما وبعد ذلك يترك المنطقة خاوية من البترول ومعدمة من مصادر الحياة .

فكما شاهدنا انهيار الاستعمار القديم لم تجد المستعمرات من شركات الكهرباء والمواصلات والمياه إلا بعض الأجهزة الخردة ومن المثير حقا أن تتعلق الحكومات العربية بالولايات المتحدة في اللحظة التي ينهار فيها نظام الشاه وسموزا وأمثالهما من فقاعات الزمن !

العدو الأشرس

لم تكن إسرائيل بالعدو الذي لا يقهر كاد يزول عام 1948 لولا الهدنة وتدفق المساعدات والمعونات ونهار في حرب 73 لولا التدخل الأمريكي إن الولايات المتحدة كما أثبتت الأحداث والتطورات هي العدو الحقيقي والأشرس ولم تكن إسرائيل إلا أداة لقهر الإرادة العربية..

ولم يكن غريبا أن نري نفس العائلات التي رحبت بالاستعمار البريطاني وقدمت لقادته الهدايا كعائلة سلطان وأباظة وبطرس غالي تظهر من جديد في ظل الغزو الأمريكي تدعو له وترحب به ولم تكن هذه العناصر إلا رموزا لطبقات خانت الشعب خلال مسيرته واندمجت في لشركات الاحتكارية والصهيونية وأصبحت جزءا منه.

ونفس الشئ نجده في كل أقطار الوطن العربي .. العناصر التي نصبها الاستعمار البريطاني ومنحها العزب والأطيان وملكها آبار البترول وساهمت معه في نهب وإفقار الشعب العربي هي نفسها التي تقود مسيرة الاستسلام الجديدة.

وفي الوقت الذي تدعي فيه هذه الأنظمة محاربة الصهيونية نجدها تشتري السلاح من الولايات المتحدة التي أعلنت أكثر من مرة أنها لن تسمح بالقضاء على إسرائيل !

في الوقت الذي تدعي فيه مقاومة الاستعمار نجدها تفتح أبواب الوطن العربي للأفاقين الأجانب والمحتالين من كل جنس!وفي الوقت الذي تشكو فيه من الاستغلال الاستعماري ,تساهم بفوائض القروض في دعم هذا النظام !ولعل هذا يكشف لنا حقيقة "الأحلاف العسكرية " "قوات التدخل السريع "

إن الولايات المتحدة تدرك أن الشعب في مصر لن يقف صامتا أمام الغزو الجديد ففي الوقت الذي كان السادات يوقع مع بيغن " المعاهدة المشئومة " كانت الولايات المتحدة توقع اتفاقية ثانية مع إسرائيل تعد فيها بحماية المعاهدة واتخاذ الإجراءات السريعة والعاجلة لمعالجة الموقف..

وازداد حجم التورط الأمريكي في الشرق الأوسط لحماية أنظمة القهر وتقرر إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة رأس بايناس على البحر الأحمر يقوم الأمريكيون بإعدادها لأنفسهم مستعينين بشركات "القطاع الخاص"

الفصل الثاني ثورة يوليو والردة

إن الثورة لم تحدث ليلة 23 يوليو إن الثورة تفجرت تلك الليلة العظيمة من انضمام الجيش إلى مكانه الطبيعي تحت قيادة الشعب وفي خدمة أمانيه وأن الجيش فيتلك الليلة أعلن ولاءه للنضال الشعبي ومن ثم فتح الطريق أمام إرادة التغيير.

جمال عبد الناصر ثورة يوليو والردة

هل الناصرية تعبير عن حكم العسكر؟وهل كان العسكريون هم حملة لواء الناصرية؟ أسئلة كثيرة ترددت في محاولة لبحث حالة السادات ولا شك أن مشكلة القيادات العسكرية لثورات التحرر هي احدي مشاكل العالم الثالث التي تدرجت من مستوي نفر في الجيش كما هو الحال في ظهور " موبوتو"و" بوكاسا"

إلى أعلي ارتب عندما تولت "اللواءات" قيادة الانقلابات كما شاهدنا في أمريكا اللاتينية وآسيا .. إلى انقلابات وثورات " البكباشية" أى " المقدم "..فإلي أى مدي يمكن أن يحكم على الناصرية بأنها انقلاب عسكري أم ثورة وطنية!؟

ما هي الناصرية؟

لم تكن الناصرية مذهبا ولم تملك نظرية أو تقدم نظرية جديدة لحركات التحرر الوطني ولكنها في الحقيقة كانت ممارسة تولد عنها مجموعة من الأفكار السياسية والنتائج العملية
وفي هذا الإطار تأخذ الناصرية مكانها من تاريخ مصر ودورها في تاريخ القومية العربية وحركة الثورة العالمية وعلى هذا الأساس لا يمكن القول بأن الضباط الذين تحركوا ليلة 23 يوليو هم الذين صنعوا أو حققوا ما تحقق من انجازات خلال مرحلة حكم عبد الناصر كانوا امتدادا لحركة وطنية ممدودة الجذور منذ بداية القرن الماضي حتى عام 1952..
ومنذ عام 1952 استطاعت الناصرية أن تحقق كثيرا من المطالب الوطنية والقومية التي نادت بها الجماهير وضحت بالدماء في سبيلها وذلك على المستوي السياسي والاجتماعي والاقتصادي ..
كما يقول الكاتب والمؤرخ طارق البشري في كتابه " الديمقراطية والناصرية " وعبد الناصر عندما أمم قناة السويس وقاوم العدوان الثلاثي عام 1956 لم يكتشف هدفا خافيا ولا ابتدع سياسة غابت عن الوطنيين غيره أو الوطنيين قبله وذلك لا يخل بضخامة ما وضع فالممارسة أصعب المراحل وأحسمها أثرا.
وإذا كانت هذه هي النظرة إلى موقف عبد الناصر من احدي المشاكل الوطنية .فإن الموقف من القومية العربية لم يكن بعيدا عن هذا التصور فلم تكن القومية العربية من بنات أفكار عبد الناصر بل هي امتداد طويل وعرضي لحركة الجماهير والمثقفين العرب في كل أنحاء الوطن العربي وفي داخل مصر ولكن عبد الناصر أعطاها عملية وفاعلية من خلال الصراع ضد الاستعمار ومن خلال البنيان الاقتصادي..
وهكذا يتضح لنا أن العنصر العسكري الذي ساهم في الناصرية كان عنصرا من عناصر الحركة الوطنية ولم يكن هو وحده الحركة الوطنية ولم تكن جذور عبد الناصر أو الناصرية جذورا عسكرية بقدر ما كانت جذورا وطنية تعبر عن أماني ورغبات وتطلعات طبقات وفئات جماهيرية واسعة وهذا لا ينفي أن عبد الناصر كان عسكريا.

الجيش والثورة

إذا قلنا أن العناصر الوطنية في الجيش كانت رافدا من روافد الحركة الوطنية وليست هي الحركة الوطنية إذن ما هو دور الجيش في ثورة 23 يوليو ؟

عندما قامت ثورة يوليو فوجئ كثير من السياسيين والمحللين بأن الجيش قام بثورة وليس انقلابا بدأت التحليلات والتنظيرات سواء من اليمين أومن اليسار تحاول أن تحلل الطبيعة الطبقية للجيش.

كما تحاول أن تجعل من الجيش المؤسسة الأكثر عصرية في المجتمعات المتخلفة كما قامت بتصنيف لجيوش بلدن العالم الثالث إلى جيوش غير استعمارية وجيوش استعمارية سابقة وجيوش تتشكل أثناء الحروب الوطنية أو بعد تأسيس الدول الوطنية.

ونسي هؤلاء جميعا أن الجيش ليس سوي مؤسسة خاضعة لنظام الحكم القائم يحكمها اتجاه الدولة في مسيرته سواء إلى اليمين أو إلى اليسار وأن نظام الحكم أى الدولة يخضع لتأثير القوي الاقتصادية والاجتماعية الأكثر قوة وفعالة .وكما لمسنا في مسيرة حركة التحرر العالمي نجد جيوشا نشأت بصورة متحررة قبل أن تخضع دولها للسيطرة الاستعمارية ومع ذلك دعمت هذه الجيوش السيطرة الاستعمارية ..

كما أن جيوشا نشأت أثناء حروب التحرر الوطنية ومع ذلك قادت الانقلابات لعسكرية الاستعمارية ضد الدولة الوطنية وضد شعوبها وهذا يؤكد لنا أن أى محاولة لتحليل القوي الاجتماعية للجيش هي محاولة "تبريرية " أو كما يقال " ذرائعية"

فماذا حدث في مصر؟ وكيف تحرك الجيش ضد الدولة؟

لم تكن ثورة 23 يوليو أو حركة الجيش مفاجأة لأحد بل لعل كثيرين تنبئوا بها قبل قيامها ففي يوم " حريق القاهرة" الذي أشعلته القوي الاستعمارية والرجعية لوقف حركة المقاومة ضد الانكليز عاشت مصر ساعات طويلة بدون سلطة حاكمة؛

ولم يكن حريق القاهرة مجرد انتكاسة للحركة الشعبية في طريقها للتحرر بل كان دلالة حقيقية على انهيار نظام الحكم وتمثل انهيار النظام في انهيار أعمدته التي كان يستند إليها حزب الوفد البوليس والجيش.

سقط الوفد عندما أعلن الأحكام العرفية أما البوليس فكان قد بدأ تمرده بالإضراب الكبير ثم انضم إلى الجماهير في مظاهرات يوم الحريق ولم يكن الجيش أفضل حالا في ولائه لنظام الحكم منذ عودته بعد هزيمة 1948 وفضيحة الأسلحة الفاسدة ومنح الرتب العسكرية لخدم الملك وشقيقاته.

فلم يتحرك الجيش أو بمعني أدق بعض فرق الجيش ضد الدولة إلا عندما انهار النظام ولم تعد هناك دولة يتبعها هذا الجيش فلم تكن هناك سلطة حاكمة بعد أن تفسخت الطبقات الحاكمة فقفز الجيش إلى الحكم.

كان وصول الجيش إلى السلطة نتيجة حتمية أو طبيعة للضربات المتتالية التي وجهتها لقوي الشعبية والوطنية إلى نظام الحكم فعملت على تقويضه وانهياره.

كما كانت حركة الجيش نتيجة لمحصلة العوامل التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في مصر منذ المقاومة ضد الاحتلال البريطاني إلى قيام الحزب الوطني إلى صراع حزب الوفد ضد الملك والانكليز وإضرابات العمال والطلبة خلال ثورة 1919 وبعدها إلى قيام اللجنة التنفيذية للعمال والطلبة عام 1946 ثم النضال الوطني المستمر.

وكما قال عبد الناصر نفسه:

"إن الثورة لم تحدث ليلة 23 يوليو إن الثورة تفجرت تلك الليلة العظيمة من انضمام الجيش إلى مكانه الطبيعي تحت قيادة الشعب وفي خدمة أمانيه إن الجيش في تلك الليلة أعلن ولاءه للنضال الشعبي ومن ثم فتح الطريق أمام إرادة التغيير"

الطبقة الجديدة

في ظل الأوضاع المهترئة وعجز الطبقات الحاكمة عن حل مشاكل الجماهير أو إدراك المتغيرات الدولية والعالمية التي حدثت في أعقاب الحرب العالمية الثانية حمل المثقفون الذين عانوا من البطالة وانحدار حياتهم الفكر الجديد وبشروا به وشكلوا التنظيمات لقيادة الجماهير ولكن الجيش كان أكثر تنظيما واقوي فاعلية بما يملك من سلاح وتنظيم وعلاقات فانفرد بالحكم..

واستمد النظام السيسي من الشكل العسكري وجوده وكما يقول الكاتب السياسي طارق البشري في كتابه "الديمقراطية الناصرية":" وللجيش أسلوب معروف في بنائه وتنظيمه يعتمد على الضبط والربط والخضوع القاسي والحركة المنبثقة من أعلي ويتكون على خط هرمي .."

وكان طبيعيا مع هذا الشكل أن تندمج السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد واحدة ونشأ عن هذا الوضع عدد من مراكز القوي بعضها كان ذا ولاء حقيقي للثورة وتطلعات لشعب والبعض الآخر كان يناصبها العداء وأن تظاهر بالولاء !

إن ثورة يوليو لم تحاول تغيير لنظام بل نحت العناصر الحاكمة العاجزة عن إدارة الحكم في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة سواء في الداخل أو عن النطاق العالمي وكما قيل:" ليس من الدقة القول بأن الجيش يملأ الفراغ ومن الأفضل القول بأنه يفتح طريقا محجوزا بالقوة.."

وأيضا قيل:

"في حين أن الحكام التقليديين عاجزون عن الاستمرار في السلطة والطبقة الوسطي أضعف من أن تمسك بها والعمال لن ينضجوا بعد لتحقيق هذا الهدف لا توجد قوة غير العسكريين قادرة على ملء هذا الفراغ"

وكانت غالبي الضباط من أبناء صغار الفلاحين وسكان المدن ومن سلال الإقطاعين أو كبار الملاك وهكذا لقاؤهم مع المفكرين الثوريين فكلاهما واجه التدهور والانحدار إل هاوي الفقر وهؤلاء بطبيعتهم يتوقون إلي تجديد ثراء علائاتهم القديمة إذا كانوا من سلالة الإقطاعيين أو يتطلعون إلى المساواة بكبار الملاك إذا كانوا من صغار الفلاحين أو الانتقال من سكني " الحواري " إلى أحياء الأغنياء إذا كانوا من سكان المدن وكما تقول النظريات الإشتراكية عن هذه الطبقة التي يطلق عليها " البرجوازية الصغيرة "

أما أنها تبغي أن تعيد وسائل الإنتاج والتبادل القديمة وتوطدها من جديد وتعيد معها علاقات الملكي القديمة والمجتمع القديم وأما أنها تبغي أن تحصر بالقوة وسائل الإنتاج والتبدل الحديث في نطاق الملكية القديم هذا النطاق الضيق لذي حطمته وكان لابد أن تحطمه حتما هذه الوسائل الحديث ه نفسها

ولما كانت الطبقة فقيرة إلى وسائل الإنتاج أو المال فإنها لجأت إلى الرجعية القديمة لتحقيق تطلعاتها عن طريق الوساطة والرشوة كما انضمت إليها فئات من المثقفين الانتهازيين وانحازوا إلى القوي المضادة للشعب.

الرجعية القديمة

تلاقت الرجعية القديمة مع الطبقة الجديدة كانت الرجعية القديمة قد فقدت مقومات وجودها منذ زمن طويل منذ سقوطها في وهذه الانحلال والتفسخ وباعت الأرض للأجانب الذين تدفقوا على مصر في عهد سعيد باشا والخديوي إسماعيل وأدي التجاء إسماعيل باشا إلى القروض إلى نهب ثروة مصر ولتدخل الأجنبي وتعيين وزيرين أجنبيين في الحكومة المصرية .

وفي نفس الوقت الذي عرفت مصر حفلات الرقص الغربي وانساق الأمراء والباشوات وراء "الخديو" يقلدونه قصور وولائم وخمور من واردات أوروبا وعشيقات مستوردات ومجوهرات,كان الشعب يعاني الموت جوعا

ويصفقون المجاعة التي حدثت في ذلك الوقت وانتابت أهل الصعيد قاطبة سنة شديدة لم يسمع بمثلها منذ أجيال مضت فكنت تري الأطفال والنساء هائمين على وجوههم منتقلين من قرية إلى قرية يستجدون الأكف ليدرأوا غائلة الجوع وكثيرا ما حملتهم شدة المسغبة على أن يقتاتوا بفضلات الطرق وقمامة الشوارع"

واشتعلت الثورة العربية التيكادت أن تطيح بالأسرة الحاكمة والباشوات لولا التدخل الأجنبي الذي جاء يسندهم وأعاد سيطرة هؤلاء الملاك من جديد كان واضحا أن الزراعة لم تعد تكفي وحاولت مصر أنتدخل مرحلة الصناعة فوقف الإقطاع والاستعمار عقبة في طريق التصنيع .

وعلى الرغم من محاولات التصنيع التي بدأها بنك مصر إلا أنها ظلت قاصرة في الحدود التي أرادها الاستعمار بل لجا الاستعمار إلى الالتفاف حول هذه الصناعات ليسهم برؤوس أمواله ويحول الأرباح إلى الخارج.

إن سقوط الاستعمار القديم الذي كانت تستند إليه القوي الإقطاعية والرأسمالية المحلية جعلها تبحث عن حليف جديد فنادي اتحاد الصناعات بالقروض الأمريكية كما حاولت إنعاش بعض عناصر لبرجوازية الصغيرة وبدأ التحالف لمشئوم.

أين الناصرية؟

عندما نقول أن الناصرية كانت أسلوبا ومنهج عمل لحركة التحرر الوطني في مصر فهذا يعني ما حققته الناصرية من انجازات أو انتصارات في معركة التحرر سواء في تحرير مصر سياسيا أو سيرها نحو التحرر الاقتصادي وكذلك دورها في المعركة القومية على مستوي الوطن العربي ثم اتجاهها في طريق الإشتراكية.

"الناصرية" في تطورها وممارستها للتحرر الوطني هي التي حققت التأميم في مصر وكان تأميم قناة السويس هدف كل القوي الوطنية ونادي به الحزب الشيوعي المصري عام 1922 في برنامجه ومنذ الشهور الأولي لحركة يوليو تكون مكتب لقناة السويس كان مقره مجلس الشيوخ وتابع لرئاسة مجلس الوزراء عمل به الدكتور مصطفي الحفناوي الذي وضع مؤلفات عن القناة وطالب بتأميمها وفي نوفمبر 1952 أى بعد ثلاثة أشهر من قيام الثورة ألقي محاضرة في نادي الجيش عن القناة وطالب بتأميمها.

ثم دعم هذا المكتب وصدر به قرار جمهوري في نوفمبر 1954 وتولي رئاسته الدكتور حلمي بهجت بدوي والدكتور محسن شفيق وأصبح اختصاصه دراسة شؤون القناة وإعداد أبحاث حول احتمال تأميمها.

وهكذا نري أن العناصر المدنية من المثقفين المصريين هي التي مهدت لتأميم القناة وهي التي وضعت الخطط وحمل عبد الناصر والعناصر الوطنية في الجيش عبء التنفيذ .

فكان أول عمل في طريق التحرر الاقتصادي, منبثقا من رغبة وطنية عارمة ومن جهد وطني ولم يكن مغامرة عسكرية أو فكرة طارئة أو رد فعل على التحدي الأمريكي .فإذا تحدثنا عن " الناصرية " فإنما نعني هذا الجيش الذي خاض ثلاث حروب في ظروف عالمية وداخلية دقيقة وصعبة وحقق في حرب 73 أحدي معجزات الحروب الحديثة.

فترة السيطرة الاستعمارية ثم تأتي عملية التصنيع كان أبرز ما تحقق في المرحلة الناصرية هو تغيير البناء الاجتماعي في مصر فقد أتاحت الصناعة التي أقيمت تدفق الفلاحين نحو المصانع مما أدي إلى تطور كبير في الحياة الاجتماعية بانتقال مصر من مرحلة الزراعة المفروضة عليها إلى مرحلة التصنيع التي دعمت الطبقة العاملة كما وكيفا فازداد تعداد العمال وازداد الوعي وانطلقت قوي اجتماعية جديدة أثرت الأرض العربية بجهدها وعرقها وخبرتها.

وكان هذا هو مضمون الناصرية . فعندما وجهت الصهيونية والإمبريالية جيوشها ضد مصر كانت تضمر الحقد لانتزاع مصر من بركة الرأسمالية الآسنة العفنة وانتزاعها من براثن الاحتكارات والشركات الصهيونية والإمبريالية.

ولا جدال أن الجيش عندما فتح الطريق أمام الشعب أدي إلى تدفق الطاقات والإمكانيات الكامنة في الجماهير كما أن العناصر الوطنية التي خرجت من الجيش وعملت مع قوي الشعب العامل أثرت عملية البناء .

وفي ظل الناصرية قفزت فكرة القومية العربية من مجرد نظريات إلى تجارب واقعية وممارسة فعلية وبدأت أول خطوات التلاحم الشعبي بين الأقطار العربية في مساندة مصر في كفاحها أو التجاوب مع ثورة العراق والتأييد المادي والمعنوي لثورة الجزائر والتصدي لقوي الإمبريالية والرجعية العربية في اليمن .

وانبثقت من جديد حركة المقاومة الفلسطينية ولم تكن القومية العربية من بنات أفكار "الضباط الأحرار " ولم تكن منبثقة من "مجلس قيادة الثورة " ولكنها وجدت في الناصرية الدعم والتأييد والقدرة على الممارسة الفعلية.

فكانت القاهرة مركز تلاقي كل القوي الثورية العربية كما أدت خطوات التصنيع إلى تعميق معني القومية العربية بمحاولات التكامل الاقتصادي ووحدة العمل السياسي وظهور القيادات العسكرية المشتركة.

وعلى ضفاف قناة السويس امتزجت الدماء العربية في نضالها ضد الصهيونية والإمبريالية العالمية لم تكن هذه الانتصارات من صنع تنظيم "الضباط الأحرار" الذي سرعان ما تحلل وتبعثر أفراده بين التشرد أو المناصب.

ولم تكن هذه الانتصارات من صنع مجلس قيادة الثورة الذي وصفه أحمد حمروش بقوله:

كانت كواليس القيادة مليئة بالتناقضات والخلافات الشخصية ولكنها كانت محجوبة عن الجماهير بستار كثيف"بل إن بعض أفراد "مجلس قيادة الثورة " كانوا في تناقض حقيقي مع اتجاهات التحرر سقط أولهم منهارا أمام عدوان 56 وقفت مجموعة "الصامتين" في عداء صريح لاتجاهات الثورة نحو الإشتراكية .

انسحب عدد من القيادة بعد قرارات التأميم عارض عدد منهم موقف التصدي لأمريكا وهكذا نري أن "الناصرية" لم تكن تنظيم الضباط الأحرار ولم تكن مجلس قيادة الثورة ولكنها كانت حركة الشعب في طريق التحرر

وكما أعلن عبد الناصر:

"أن الشعب المعلم أراد لطلائعه الثورية أن تنضم إلى صفوف العمل الجماهيري وأوكل إلى جيشه الوطني حماية عملية البناء"

وكانت "الناصرية " هي المرحلة التي انطلقت فيها الجماهير تحقق أمانيها وأهدافها بعد أن "فتح الجيش الطريق المحجوز بالقوة وتحقق الاستقلال السياسي وبدأت مرحلة التصنيع والتحرر الاقتصادي

انطلقت الجماهير والمجابهة مع الاستعمار والقوي الرجعية تتوقف وفي ظل هذا الصراع حققت كثير من عناصر الجيش تطلعاتها الطبقية كما انضمت إليها فئات من المثقفين الانتهازيين وانحازوا إلى جانب لقوي المضادة للشعب ولكن قوة الحركة الوطنية ووجود قيادة عبد الناصر استطاعا أن يشلا حركة القوي المضادة.

فعندما يعلن الزعيم الوطني جواهر لال نهرو خلال زيارته للقاهرة عام 1955 "أن انتصار مصر في معركة الأحلاف انتصار للهند أيضا" لم يكن يجامل عبد الناصر بقدر ما كان يعبر عن قدرة الثورة الوطنية فيمصر ومدي انتصارها ودورها في حركة التحرر العالمي إن انتصار مصر في تأميم قناة السويس أعاد الثقة إلى حركات التحرر بعد انتكاسة تأميم البترول في إيران كما أكدت معركة الأحلاف قدرة الشعب الصغيرة على التصدي للقوي الإمبريالية العالمية.

ورغم الخيانة والانتكاسات التي حدثت في مصر فإن ثورة التحرير العالمية ما زالت ماضية في طريقها ..وما زال البناء الذي أقامته "الناصرية " يتصدي ويتحدي للغزو الإمبريالي سواء في دعائمه البشرية التي انطلقت في تلك المرحلة أو في الركائز الاقتصادية التي أقيمت أو ما حدث من تطور ثقافي واجتماعي .

المؤامرة ضد الجيش

وكان أحد البنود الهامة التي جاءت ضمن مبادئ ثورة 23 يوليو الخامس:

" في مواجهة المؤامرات لإضعاف الجيش واستخدم ما تبقي من قوته لتهديد الجبهة الداخلية المتحفزة للثورة كان الهدف الخامس هو إقامة جيش وطني قوي"

وطلع علينا السادات في محاولة تبرير زيارته المشئومة لإسرائيل بخطاب يعلن فيه:

"ضحينا بقوتنا ولا نزال نضحي لكي نشتري السلاح المتطور ونحن أحوج ما نكون لكل مورد مهما صغرت قيمته"

ثم جاء في خطاب:

"ماذا أقول لشعبي الذي تحمل عن الأمة العربية من المحيط إلى الخليج أثقل أعباء البذل والعطاء حتى التضحية بالقوت!"

ولم تمض شهور حتى بدأت صفقات السلاح من الولايات المتحدة وانكلترا وحشد القوات المصرية على الحدود الليبية وأرسل السلاح والجنود إلى زامبيا.. ثم أعلن متفاخرا أنه زود رجال القبائل والإقطاعيين ضد أفغانستان بالسلاح .

وبدأ السادات مؤامراته ضد الجيش المصري منذ أن أعلن ط تنوع مصادر السلاح فكان معني ذلك العودة إلى شركات السلاح العالمية أى العودة إلى أسواق السلاح الفاسد والصفقات المريبة والرشاوي وكان الهدف الثاني من تنوع مصادر السلاح التخلص من العسكريين المدربين على السلاح السوفييتي تمهيدا لتحديد حجم الجيش .فهل كان هذا الهدف نابعا من السيادة الوطنية أم تحقيقا لرغبات الإمبريالية العالمية؟

كان تخفيض نفقات الدفاع أحد مطالب البنك الدولي الخاضع للسيطرة الأمريكية وإشارات مجلة "الأيكونومست " البريطانية بقولها:" أنه لا أمل في تحسين المسار الاقتصادي في مصر إلا بتخفيض نفقات الدفاع" وكان الهدف من تخفيض نفقات الدفاع تحديد حجم الجيش ولم يكن هذا مطلبا أمريكيا فحسب بل كان هدفا استعماريا منذ أنشأ محمد على جيش مصر الحديث.

بعد انتصارات الجيش المصري الباهرة في معركة "نصيبين" ضد تركيا وبعد أن أصبح الطريق إلى القسطنطينية مفتوحا وبعد أن استسلم الأسطول العثماني إلى الأسطول المصري هبت أوروبا بعد أن أقلقها تفوق مصر عسكريا وقررت انكلترا سحق الجيش المصري وبدأت تصفية انجازات محمد علي واجتمعت الدول الأوروبية لوضع مصر تحت الوصاية واتفقت على فرض معاهدة 1848 وكان أهم نصوص المعاهدة.

  1. تقليص الجيش المصري إلى 20 ألفا.
  2. أن يعين الباب العالي كبار الضباط .

ورضخ محمد على أمام القوة للشرط الأول ورفض الشرط الثاني أما السادات فقد نفذ الشرطين وافق على تقليص الجيش المصري واصدر قراره بقبول استقالة الضباط وسرح عدا كبيرا واعتقل آخرين أما بالنسبة للشرط الثاني و فقد أفرج عن الضباط الموالين لأمريكا وأعادهم إلى الجيش وأبعد غالبية ضباط معركة أكتوبر وتولي المناصب الرئيسية الضباط المعروفون بالولاء للولايات المتحدة .

ظل قيد تحديد الجيش قائما منذ معاهدة 1848 حتى استطاع الخديو إسماعيل التحرر من هذا القيد وحصل من السلطان على موافقة بزيادة عدد الجيش ولكن الاستعمار عاد وطلب بتحديد حجم الجيش لتسديد نفقات الديون التي لجأ إليها إسماعيل.

ومرة ثانية أطلقت "الثورة العرابية" حرية مصر في تكوين جيشها ولكن الاستعمار عاد بعد الاحتلال البريطاني وشرد ضباط الجيش ونزع سلاحه وحدد حجمه إلى 6 آلاف وأغلقت المدارس الحربية عدا واحدة وأغلقت ترسانة الأسلحة البحرية وعطلت الترسانة البحرية وبيعت السفن الحربية وتخلص الانكليز من الضباط والجنود الذين اشتركوا في الثورة العرابية بإرسالهم إلى السودان وهناك تم القضاء عليهم وظل الجيش المصري تحت القيادة البريطانية حتى عقدت معاهدة 36.

ونصت المعاهدة على أن تقوم بريطانيا بتدريب الجيش المصري وتزويده بالسلاح وتشكلت البعثة البريطانية من ضباط انتشروا في مختلف الأسلحة وكان لهم التوجيه والتدريب وقامت ثورة 23 يوليو لتحقق الانطلاقة للجيش..

الجيش..والسلاح

ظل الجيش المصري مقيدا بوجود البعثة العسكرية البريطانية وتحدد التدريب وتختار نوعية الأسلحة ولم يتحرر الجيش المصري إلا بعد قيام ثورة يوليو وكسر احتكار السلاح وكانت مشكلة السلاح في مصر من أعقد المشاكل وحاولت حكومة الوفد تحت ضغط الجماهير أن تحصل على السلاح من الدول الإشتراكية خلال المقاومة ضد الانكليز عام 1951 ولكن الملك أقال الوزارة قبل تحقق هدفها.

وعندما قامت ثورة يوليو لجأت حكومة الثورة إلى الولايات المتحدة لتزويدها بالسلاح وأرسلت العديد من البعثات والوفود ولكن أمريكا ظلت تماطل وتسوف ..

ووقع العدوان الإسرائيلي على غزة ولم يكن لدي مصر سوي ست طائرات صالحة للطيران وحوالي 30 طائرة جاثمة تفتقر إلى قطع الغيار إذ كانت بريطانيا قد أوقفت تجهيزها وكانت التقديرات تشير إلى أن ما لدي مصر من عتاد للدبابات يكفي لقتال أمده ساعة واحدة .

وكان حوالي 60 بالمائة من دباباتنا في حاجة إلى تصليحات كبيرة والمدفعية في وضع بائس مشابه لم يكن لدينا ما يكفي حتى من الأسلحة الصغيرة ولجأ عبد الناصر إلى الدول الإشتراكية وعقد صفقة السلاح مع تشيكوسلوفاكيا وهدد دالاس وزير خارجية أمريكا بإيقاف كل المساعدات الأمريكية وقطع العلاقات الدبلوماسية ومحاصرة مصر ومنع أى سفينة تحمل سلاحا من الوصول إليها وجاء رسول من واشنطن يحمل إنذارا وكان الرد المصري.

" لقد فات الأوان " وبدأت أول مرحلة لخلق جيش وطني معد بأحدث الأسلحة ولم تهدأ أمريكا وظل هدفها تحطيم هذا الجيش بكل الوسائل .فعندما أرادت مصر الحصول على قرض من البنك الدولي لمشروع السد العالي طلب البنك حق الإشراف على ديون مصر الخارجية وكان الهدف تقييد حق مصر في شراء المزيد من السلاح.

ولجأت الدول الاستعمارية إلى مؤامرة العدوان عام 1956 لتنزل بالجيش المصري الهزيمة قبل أن يتدرب على السلاح الجديد كل هذه المحاولات فشلت ..وجاء السادات وبدأ ينفذ المخطط المرسوم وبدل أن يجدد قوي الجيش بعد رائعة انتصارات على خط برليف وبدأ يعمل على إجهاضه ونزع السلاح والتسليم للولايات المتحدة.

الجيش والسوفييت

لكي ندرك مدي خيانة السادات للجيش , نعود إلى أقوال القادة العسكريين المصريين في حرب أكتوبر فبعدما أعلن السادات مبدأ "تنوع مصادر السلاح"

صرح المشير أحمد إسماعيل قائد معركة أكتوبر قبل وفاته قائلا:

"أن تغيير مصادر سلاح الجيش يتطلب عشرين عاما على الأقل لتصل القوات العسكرية إلى المستوي اللائق للتصدي للعدوان فالمسألة ليست تبديل سلاح بسلاح بل تدريبا واستيعابا وممارسة للسلاح الجديد"

وقال الفريق الشاذلي:

"إن الاتحاد السوفيتي في عشر السنوات الماضية قدم للدول العربية آلاف من الدبابات وقبل هذا كانت انكلترا مورد السلاح وكانت تمدنا بالعشرات لا بالمئات وأنني لا أعتقد ن أمريكا يمكن أن تحل محل موسكو ,كمورد للسلاح لنا وهذه حقائق معترف بها"

واعترض كثيرون من العسكريين على تنوع مصادر السلاح فنحاهم السادات من مراكزهم أما الموقف من الخبراء السوفييت فكان ضمن الخطة المرسومة لتصفية الجيش ولم يكن السادات أول من عمل على التخلص من الخبراء السوفييت العسكريين فقد سبقه غلى ذلك الصاغ شمس بدران الذي قام بإبعاد العسكريين السوفييت تمهيدا " لمؤامرة النكسة ".

وجاء السادات إلى الحكم وأفرج عن شمس بدران وسمح له بالهروب إلى لندن رغم أنه كان مطلوبا في جرائم التعذيب ثم قام السادات بتنفيذ الخطة كان وجود الخبراء السوفييت العسكريين أشبه بوجود الخبراء الفرنسيين الذين استعان بهم محمد على لخلق جيش مصر الحديث ولا أدل من ذلك شهادة القادة العسكريين المصريين .

قال حافظ إسماعيل الرجل العسكري وأول من عقد صفقات السلاح السوفيتي عام 1955. في الفترة ما بين أوائل عام 1957 وحتى عام 1960 (عندما تركت القوات المسلحة إلى السلك الدبلوماسي) كانت القوات المسلحة كله قد دخلت في مرحلة من أكبر مراحل التطوير بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا.

وتم إحداث تطورات جديدة فيها جعلتها أكثر قدرة في ميادين القتال ونجحنا في إقامة القاعدة الفنية للقوات المسلحة مع تشيكوسلوفاكيا عام 1960 وهي ورش ومؤسسات الإصلاح والصيانة وهي اقرب إلى الإنتاج والتصنيع كما أنها تعزز قاعدة إنتاج الذخائر "

لقد ظل الجيش المصري محصورا في عمل التكتيكات التي تنتهي بقتال فرق المشاة أو المدرعة في مراحل الحرب لمختلفة وهو المستوي الذي كان يقف عنده الجيش المصري منذ البعثة العسكرية البريطانية .

فلما جاء السوفييت تغير الحال ونترك للفريق صلاح الدين الحديدي الكلام:

"عملوا أى الخبراء السوفييت و على توسيع آفاق القاعدة والضباط إلى ما هو أعمق من الموضوعات التكتكية وبدأنا نفهم العمليات التعبوية والإستراتيجية التي يشترك فيها جيش ميداني أو أكثر والمدعم بعناصر القوات البحرية والجوية وعناصر من الدفاع الجوي كما وضع الخبراء أساسا سليما وقويا لتدريب كبار القادة"

وبعد مؤامرة النكسة عام 1967 قال بريجنيف للرئيس الجزائري بومدين إننا متألمون لأننا وجدنا أحدث طائراتنا وأحدث صواريخنا في مراكز بحوث الولايات المتحدة وما فعله "القادة الخونة" في حرب 67 عندما تركوا السلاح السوفيتي يقع في يد أعدائهم قام به السادات وسلم الطائرات "الميج" إلى أمريكا لترميمها.

أما مسألة المال أى ثمن السلاح فهو القوت اليومي الذي برر به السادات مبادرته الخائنة. فإن أقوال عبد الناصر تدحضه فقد أعلن في أحد خطبه:"لقد تم تعويضنا بالأسلحة والمعدات التي فقدت في الحرب بالمجان"

السلاح ... وأمريكا

بعد أن أعلن السادات أنه اختار طريق السلام ليوفر ثمن السلاح للشعب نشرت الأهرام بالخطوط العريضة:

"أسلحة بخمسة آلاف مليون دولار تبحث الحكومة الأمريكية في تقديمها إلى مصر ثم يتبين أن الصفقة من شركة "لوكهيد " المشبوهة والمدانة بالرشوة عالميا ويتضح أن هذه الأسلحة ليست سوي ست طائرات ويؤكد كيسنجر للكونجرس الأمريكي أن الطائرات الست ليست بذات شأن وفي حالة نشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط ثم يعلن أنها "مكافأة للاعتدال المصري ".

ورغم ذلك يؤكد كيسنجر أنه لن تعقد صفقات مماثلة في المستقبل القريب ويتضح تواطؤ السادات من تصريح وزير الدفاع الأمريكي السابق شليسنجر بعد لقاء مع السادات فيقول:" إن الرئيس المصري مهتم بالسلاح على المدى الطويل وليس بشكل فوري" بل أغرب من ذلك ما جري داخل الكونجرس الأمريكي بين وكيل الخارجية المساعد وأعضاء الكونجرس.

ويسأل أحد النواب:

أنكم لن تسعوا بأية طريقة إلى إغناء مقدرة التحليق والقصف بهذه الطائرات (يقصد الطائرات الميج التي أرسلت للترميم)

وتأتي الإجابة :

لا ليست هذه نيتنا ..

سؤال آخر :

ما هي الضمانات التي ستحصل عليها من المصريين بأنهم لن يقوموا بتطوير التجهيزات التي سنرسلها إليهم ؟ كيف سيراقب ذلك؟

وتأتي الإجابة:

إن هذه الآلات والتجهيزات ستسلم لاستخدامها في الأغراض المنصوص عليها أى في أغراض دفاعية فقط وعلى هذا الأساس تمت الموافقة.

وسؤال أخير:

هل لدينا جهاز فعال يمكننا من معرفة هذا الأمر ؟والإجابة:

يتوقف ذلك على الملحقين العسكريين وصداقتهم مع القوات المصرية!!وهكذا أصبح الجيش المصري تحت رقابة المخابرات الأمريكية .

الجيش والشعب

لم يكن تدعيم الجيش بالسلاح أو زيادة عدده هدفا في حد ذاته أو رغبة في استعراض القوة أو العدوان فعندما قيل لـ " بن جوريون " إن عبد الناصر لا يفكر في الحرب الآن ولكن يفكر في بناء مصر قال بن جوريون:إن هذا ما يفزعني !

وبدأت إسرائيل العدوان بالغارة على غزة ثم حدث العدوان الثلاثي بعد "تأميم القناة" إن مصر التي ورثت من الاستعمار فقرأ لغالبية السكان ونقصا في المواد الغذائية وظروفا غير صحية للمدن والقرى كان لابد لها من استعادة ثرواتها المنهوبة لإعادة حياتها الاقتصادية والاجتماعية..

وعندما بدأ التفكير في إقامة السد العالي لزيادة الأرض الزراعية وكهربة مصر رفض البنك الدولي تقديم القرض إلا بشروط مجحفة باستقلال مصر وسيادتها وسحبت الولايات المتحدة وانكلترا وعدهما بتقديم القرض..

وأعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس وكانت بداية المعارك. إن الولايات المتحدة التي رفضت تقديم السلاح إلى الجيش هي التي رفضت تقديم المساعدة لتطوير الحياة الاقتصادية !

ومصر لم تلجا إلى الاتحاد السوفيتي للحصول على الأسلحة أو التصنيع غلا بعد أن أغلق الغرب الرأسمالي أبوابه ..أو بمعني أصح عندما رفضت مصر استمرار حالة التبعية أو الرضوخ للمطالب الاستعمارية.

وبدأت مصر مرحلة التصنيع وكان لابد لها من جيش يحمي تطورها وهي تواجه قاعدة استعمارية على حدودها نحو التصنيع وكان لابد لها من جيش يحمي تطورها وهي تواجه قاعدة استعمارية على حدودها.

نحو التصنيع

ربما يعيش جيل السادات اليوم سنوات أسوأ من سنوات ما قبل ثورة يوليو ولكن جيل الثورة الذي عاش المرحلتين مرحلة ما قبل الثورة ومرحلة الناصرية يستطيع أن يدرك بالمقارنة ماذا قدمت الصناعة لجيش العاطلين من حملة المؤهلات والعمال العاطلين وماذا تقدم الزراعة؟

إن تقسيم بلدان العالم إلى دول متطورة صناعيا وأخري تختص بالزراعة كان أساس الاستغلال الرأسمالي العالمي الذي فرضه الاحتلال البريطاني على مصر وكان رفاعة رافع الطهطاوي قد طلب بالتصنيع منذ عودته من أوروبا عام 1820 وكتب يقول أن سعادة الدولة لا تتم إلا بالصناعة ولكن أبناء محمد على أغلقوا المصانع في مصر وجاء الاحتلال البريطاني ليكمل المأساة فأغلقت المصانع الباقية.

ويعترف اللورد كرومر عام 1901 وعام 1905 فيعلن أن مصر زراعية واصدر التحذيرات للمحاولات المصرية التي أرادت إقامة مصانع !

وفي عام 1916 أصدرت لجنة التجارة والصناعة التي شكلتها الحكومة تقريرا جاء فيه:

إغراق السوق المصرية بالواردات الأجنبية , يغلق الباب أمام الصناعة المصرية ..إن فشل اتجاهات محمد على الصناعية لم تكن ترجع إلى خطا أو خلل في الآراء وإنما يعود إلى أساليب الحكم ..

وقالت اللجنة في تقريرها:

"إن البلد الذي يقصر عن حل المشكلة الصناعية حلا فاصلا إنما يكتفي بالبقاء في درجة منحطة من سلم الرقي"

فما قامت به ثورة 23 يوليو لتصنيع مصر لم تكن رغبة ذاتية وإنما كان تحقيقا لهدف وطني طالما نودي به كما كان تعبيرا عن الرغبة في التحرير الاقتصادي وحل الأزمات والخروج بمصر من مرحلة الفقر إلى نطاق الدول المتطورة صناعيا.

ولكن السادات يعلن ما اسماه "الثورة الزراعية" ليعود بمصر حقلا زراعيا في خدمة الصناعة الصهيونية والرأسمالية العالمية.

تجاهل السادات أن "الثورة الزراعية " التي كان شاه إيران أول من نادي بها أدت إلى تدهور إيران كما تجاهل أن الثورة الزراعية في الحقيقة لا تتحقق إلا بالتصنيع الذي يعمل على تحويل الاقتصاد الزراعي إلى الطراز الحديث ويأتي إلى القرية بالثقافة والمعرفة ويؤثر في العلاقات الاجتماعية ويهئ الظروف إلى تحولات جذرية في حياة الفلاحين .

وكما يقول مؤلف دور التصنيع في تكوين الاقتصاد الوطني المستقل:

"إن التصنيع لا يقتصر على بناء المنشآت الصناعية فقط فالتصنيع يشتمل أيضا على إعادة تكوين الاقتصاد الزراعي على الطراز الحديث وعلى استخدام وسائل جديدة للنقل في البلاد وعلى تطبيق الطرق الصناعية في بناء المنازل وبعبارة أخري فإن التصنيع هو تحول اقتصاد البلاد كله إلى ميكانيزم عظيم الفاعلية تقوم فيه الماكينات المختلفة بخدمة الإنسان في عمله أو في حياته العادية إلا أن التصنيع يبدأ بطبيعة الحال من إنشاء الصناعة الخاصة بالبلاد"

واتجهت مصر إلى الصناعة التي حرمت منها طوال سني الاحتلال وفي خلال 25 عاما كما يقول الدكتور على الجريتلي في كتابه التي بدأت من 1952 إلى عام 1977 حدث التالي:

زادت نسبة الواردات من الآلات والخامات والسلع الوسيطة إلى مجموع الواردات وبالتالي انخفضت نسبة المصنوعات المستوردة.
يقتصر الأمر على توسيع الصناعات القائمة في أوائل الخمسينات بل استحدثت صناعات ذات تكنولوجيا متقدمة منها الحديد والصلب والألمنيوم ومنتجاتها وصناعة الإطارات وآلات الديزيل وتجميع السيارات والسلع المنزلية المعمرة والأسمدة الحديثة .

ويقول الدكتور على الجريتلي:

"يتضح من إحصائية أعدها البنك الدولي عن مدي التطور الصناعي في الدول الأعضاء أن مصر تسبق معظم الدول العربية من حيث نسبة القيمة المضافة في قطاع الصناعة إلى القيمة المضافة في القطاع السلعي بوجه عام"

أمريكا والسوفييت

لم تكن سياسة عدم الانحياز التي اختطها ثورة 52 مجرد شعار سياسي بل كان لها انعكاسها على حياة المصريين وتطوير حياتهم والتقدم الصناعي الذي أنجزته.فاستطاعت أن تمد يديها إلى الشرق الاشتراكي وإلى الغرب الرأسمالي في نطاق السيادة الوطنية وكانت الرغبة عارمة بين المصريين لإقامة العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي .

ففي الوقت الذي كانت فيه مصر ترفض إقامة العلاقات مع الاتحاد السوفييتي تحت الرغبة الملكية والاستعمار كانت الدول الاستعمارية تتسارع في إقامة هذه العلاقات وتتنافس في التقارب مع الاتحاد السوفييتي.

وخلال أزمة 1930 التي اجتاحت العالم كان على رأس الدولة فيمصر صدقي (باشا) عدو الشعب و وأحد عمد الرجعية ورغم ذلك اضطر إلى التبادل التجاري مع الاتحاد السوفييتي لتصريف لقطن المصري وطالب بعد ذلك عديد من أعضاء "مجلس النواب" في عهود ما قبل ثورة 1952 بالعلاقات الاقتصادية مع الاتحاد السوفيتي ..

كانت الرغبة الوطنية قائمة ...ولكنها لم تتحقق إلا بعد ثورة يوليو ..وأدي ذلك إلى تطوير الاقتصاد المصري .. فأقيم حوض بناء السفن وعادت هذه الصناعة إلى مصر بعد أن كانت قد أغلقت منذ الاحتلال البريطاني عام 1882 وأقيم مجمع الحديد والصلب الذي وصفه السادات نفسه بأنه " سد عال " ثان ... ومصنع الألمنيوم وعشرات المصانع التي استوعبت آلاف من المهندسين خريجي الجامعات والمدارس المتوسطة والعمال ..

وزاد تداول السلع بين الاتحاد السوفييتي ومصر بمقدار 27 مرة وزادت حصة الاتحاد السوفييتي من التجارة الخارجية لمصر من 3% عام 1955 إلى 25 % قبل الردة وتضاعفت صادرات الاتحاد السوفييتي إلى مصر خلال الفترة من 1955 غلى 1971 بمقدار 34 مرة وكانت نسبة الآلات والمعدات 80% من قيمة الوارد من الاتحاد السوفييتي ..

وتشهد مصر اليوم (في ظل حكم السادات) والعودة إلى حضن النظام الاستعماري واستبدلت الآلات بزجاجات الكوكاكولا والسينالكو .. أو مشروعات " الابهة " كإقامة والطرق العلوية ولسكن الفاخر .. إن مأساة السادات انه يجهل أو يتجاهل ألف باء الاقتصاد الذي يرتكز على حقيقتين !

الأول: أن النظام الرأسمالي منذ تحول إلى نظام استعماري أو أمبريالي تحول إلى عصابات لنهب الشعوب.
الثانية: أن النظام الرأسمالي دخل مرحلة النهاية أمام يقظة الشعوب وقيام الدول الإشتراكية .. وأصبحت السوق أمامه ضيقة وبعد أن كان الاستعمار القديم يعطي للبقرة غذاءها ليحلب لبنها أصبح اليوم يشارك البقرة غذاءها!!

فما تدعيه الدول الاستعمارية من تنمية للدول الفقيرة أو مشاريع النظام الاقتصادي الجديد " ما هي إلا محاولات لإعاقة الدول النامية عند التطور.

فكما نري من "سياسة الانفتاح" أو النظام الاقتصادي الجديد في مصر كما تريده الدول الاستعمارية ليس سوي تصفية الصناعات والعودة بها إلى مورد للمواد الخام وسوقا لصناعاتها.

وفي هذا الإطار كان التحول من الطريق "الناصري ط إلى تطبيق "الانفتاح " عملية نهب جديدة تقوم بها الرأسمالية العالمية مع شركاء (خونة) في الداخل ..

عودة إلى الوراء

عاد الارتباط بالنظام الرأسمالي العالمي تحت شعار " الانفتاح" وعلى الرغم من التحذيرات التي أطلقتها الصحافة ورجال الاقتصاد إلا أن السادات وحاشيته من الاقتصاديين المتآمرين وظلوا سائرين في الطريق المظلم..

ففي الندوة التي أقامتها نقابة المحامين المصريين لمناقشة " الانفتاح " قال الدكتور حلمي مراد مدير الجامعة السابق ووزير التعليم العالي:

"الانفتاح يسير عندنا بطريقة عشوائية يعوزها الانضباط حتى بدا كأنه اقتصاد حر مطلق هذا النوع من الاقتصاد غير موجود في العالم حتى في أمريكا نفسها قلعة الرأسمالية فلا يوجد بها اقتصاد حر مطلق لأن الحكومة تتدخل أحيانا لفرض القيود وضوابط لحماية الاقتصاد الأمريكي مثل القيود المفروضة على استهلاك الطاقة والبترول وغيرهما وتدخل الدولة لمكافحة التي التضخم وحتى في تجارة الأحذية واستيرادها تجنبا للمنافسة"
"إذا كان هذا يحدث في دولة كبري كأمريكا فمن باب أولي ألا يحدث هذا التسيب في الاقتصاد أو تركه دون ضوابط في دولة نامية كمصر مرهقة اقتصاديا ومثقلة بالديون ويتعين الحفاظ على مواردها حتى لا تبرز في أوجه لا تعود عليها بالنفع"

وفي دراسة لحزب التجمع عن "الانفتاح" وإعادة ربط مصر بالرأسمالية العالمية قال الحزب:

"أعلن أن الانفتاح الجديد المطلق وبلا ضوابط وأقيل رئيس وزراء مصري واهين لأنه بارك الانفتاح ولكن بضوابط وليس هناك اقتصاد في العالم وفي أى دولة رأسمالية أو اشتراكية بلا ضوابط ويستحيل على أية دولة نامية استنزفت على يد الاستعمار أنتحرر اقتصادها وأن تعيد بناءه بغير ضوابط دقيقة وبخاصة مصر"

ولكن لأمريكا رأى آخر تعلن صراحة في ندوة "مؤتمر الإدارة" العالمي الذي عقد في الإسكندرية في نهاية عام 1976 ففي هذا المؤتمر سيطرت "مشكلة المناطق الحرة" على المناقشات وطالب المستثمرون الأجانب بأن تكون هذه المناطق حرة بحق وليس بالاسم فقط فالهدف كما قالوا أن تبيع الدولة العمالة والخدمات !

ولا ينبغي أن تتدخل في تقييد حرية رأس المال الأجنبي بأى صورة من الصور! لذلك ينبغي أن تترك للمستثمرين حرية اختيار المجالات التي يريدون توجيه استثماراتهم إليها دون أى قيد !

وكان من بين المصريين مع الأسف من أيد هذا الرأي فأعلن لدكتور سمير بباوي أستاذ الإدارة بكلية تجارة القاهرة "إما أن تطبق أساليب المناطق الحرة بصورة كاملة أو لا تطبقها ليس هناك حل وسط أما انفتاح أولا انفتاح"

وأصبحت مصر كلها منطقة حرة لمن ينهب ومن يسرق ومن يرتشي! وتدفقت البنوك الأجنبية أو بمعني أدق عادت كما كانت أيام الاحتلال البريطاني وارتفع عددها من 4 بنوك عام 1972 إلى 69 مؤسسة مصرفية ومالية مختلفة منها 33 بنكا في القاهرة و 25 مكتبا تمثيليا للبنوك و 11 مكتبا متخصصا في العمليات المالية .

وكتبت صحيفة فاينشال تايمز الانكليزية تقول في تقرير عن البنوك:

"إن معظم البنوك الأجنبية المشتركة في مصر حققت نجاحا كبيرا منها بنك "تشيش الأصلي " الذي يضم 235 عاملا وموظفا وفنيا وهو ما يمثل 10% جملة الموظفين والفنيين العاملين في القطاع الأجنبي المصرفي في مصر وأن جملة ودائع هذا البنك ارتفعت إلى 69 مليون جنيه مصري عام 1976 وحققت أرباحا بلغت 1,9 مليون دولار كما حقق بنك "باركلز الدولي " نصف مليون جنيه كأرباح .."

ولم يقتصر الأمر على "أرباح البنوك" وتحويله مع مدخرات المصريين إلى الخارج بل اتجهت سياسة الدولة غلى تصفية الصناعة وبعد أن كان السادات يصرح ويعلن في عام 1974 بأن القطاع لعام يظل الأداة الأساسية للتعبير عن الإرادة الوطنية في تشكيل اقتصادنا القومي وبأنه الضمان الرئيسي لأن تظل القرارات الاقتصادية الهامة قرارات مصرية

نقرأ في صحيفة "الأهرام" بتاريخ 2/2/1978:

"التجربة الجديدة التي تبدأ بها 3 شركات طرح أسهم للاستيلاء على المصانع المصرية للحصول على أرباحها وتصفيتها كما حدث في الشركة العامة للبطاريات بالإسكندرية أو "شركة ايديال" في القاهرة .

وفي نفس الوقت أباح "الانفتاح الاقتصادي" استيراد ثلاثة آلاف سلعة أو كل شئ ما عدا 11 سلعة وأدي ذلك إلى تراكم وتخزين الإنتاج المحلي وارتفعت الشكوى من القطاع العام والمصانة الوطنية ولكن الدولة تحت الضغط الأمريكي استمرت في سياسة الانفتاح و وقامت بتصفية جديدة للقطاع العام وبيعه وتسليمه إلى الرأسمالية الطفيلية والأجنبية ..

وتحت شعار بيع الشركات لخاسرة بيعت الشركة العامة للدواجن بعد أن حققت نجاحا بكل الموازين فقد ارتفع رأسمالها خلال ثلاث سنوات 76–1979 من 15 مليون جنيه إلى 53 مليون جنيه وارتفعت نتيجة ذلك أسعار الدجاج من 70 قرشا إلى 105 إلى 140 قرشا..

وفي بداية عهد الانفتاح ديسمبر 1975 كتبت صحيفة الجمهورية .. لماذا لا يستطيع القانون أن يبطش بالمهربين ولماذا تختفي المواد الأساسية من كساء الشعب وأقواله ماذا حدث للذين نهبوا مئات الملايين

وعاد التحالف بين القوي الرجعية والاستعمار الجديد ليتعاونوا على نهب الشعب في مصر وحققت سياسة " الانفتاح" ما أراده " كرومر" لمصر وحققه في ظل الاحتلال البريطاني وعادت مصر " مزرعة " وأغلقت المصانع وافتتحت مصر سوقا للنهب..

وكان لهذا أثره على اليد العاملة وارتفع عدد العمال العاطلين وتشرد المهندسون خارج مصر يبحثون عن عمل وارتفعت صرخات نقابة الأطباء لمشكلة الأطباء العاطلين في بلد تزداد فيه وفيات الأطفال وأمراض الشعب ..

الثورة الزراعية

ومأساة الفلاح أبشع في ظل "الانفتاح" كانت الثورة الزراعية الحقيقية قد بدأت بقانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في سبتمبر (أيلول) عام 1952 وحدد الملكية الزراعية وأقر قيمة موحدة للإجازة الزراعية ..

ولم يكن هذا افتئات على طفيلية لملاك العقاريين المصريين وألوان جشعهم التي لم تعرف أية حدود هؤلاء الملاك الذين امتلكوا الأراضي كهبات من حاكم مصر . سواء كان محمد على أو أحفاده فكان من بينهم الغلمان والأغوات والخدم ثم الأجانب الذين استغلوا سفه هؤلاء الملاك وانتزعوا منهم ملكية الأرض جاء الاحتلال ليمنح الخونة ملكية أراضي جديدة مكافأة للخيانة ..

فكان من بينهم عائلتي الفقي وعبد الغفار اللذين طعنا لجيش المصري من الخلف في معركة التل الكبير وسلطان باشا رمز الخيانة في الثورة العرابية ومحمود سليمان (باشا) وأباظة (باشا) وغيرهم ممن رحبوا بقوات الاحتلال وقدموا الهدايا للغزاة وشاركهم في ملكية الأرض العناصر الصهيونية التي قدمت القروض لإسماعيل (باشا) وأدت إلى خراب الخزانة المصرية كما امتلكت الأرض شركات الأراضي الزراعية التي وفدت إلى مصر ..

فكان قانون الإصلاح الزراعي الأول ثم قانون الإصلاح الزراعي الثاني الذي صدر عام 1961" ثورة زراعية " وفرضت الحراسة على الأراضي التي كان الإقطاعيون يحتفظون بها ضاربين عرض الحائط بقانون الإصلاح الزراعي ..

ثم نأتي إلى "الثورة الزراعية " بمعناها الحرفي وهي "مكينة الزراعة" أى الانتقال من الوسائل البدائية في الزراعة إلى الاستعانة بالتطور العلمي والحديث عن السد العالي وزيادة الأرض الزراعية حديث معاد وكذلك كهربة الريف ولكن الحديث عن "المزرعة الممكننة" تغفله وسائل الإعلام هذه المزرعة التي أقيمت في مساحة من الأراضي تبلغ 10 آلاف فدان في منطقة النوبارية ويستطيع العامل الواحد في هذه المزرعة فلاحة مساحة من الأراضي تزيد حوالي 10 مرات في المزارع العادية..

وأهديت جميع المعدات اللازمة لهذه المزرعة من الاتحاد السوفيتي واتخذت وزارة الإصلاح الزراعي قرارا بتأسيس مثل هذه "المزرعة الممكنة" على مساحة 300 ألف فدان المستصلحة إن هذه "الثورة الزراعية" مرتبطة أساسا بالتصنيع وبالتطور نحو الإشتراكية .

وجاء السادات بعد أن اقسم بالولاء لثورة يوليو "الالتزام" بمسيرة عبد الناصر على طريق الحرية والإشتراكية والوحدة فألغي تحديد الإيجار وسمح للأجانب بملكية الأرض وأعاد استغلال الفلاح عن طريق شركات الاحتكار الزراعية.

وما حدث للصناعة تكرر للزراعة فالجهد والنضال الذي بذل خلال عشرين عاما أصبح في خدمة الإمبريالية المصانع تتحول ملكيتها إلى الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسية والسد العالي تتحول مياهه من خدمة الفلاح المصري والشعب في مصر إلى خدمة إسرائيل والكهرباء تستغل من قبل الشرطات الوافدة وأراضي الإصلاح تستغلها الشركات الأجنبية.

ولم يكن الإصلاح الزراعي رغبة فرد أو شهوة حاكم بل كان تجاوبا مع الإرادة الوطنية التي طالما نادت به أصوات داخل مجالس النواب قبل ثورة يوليو خاض الفلاح المصري معارك قتالية من أجل تحقيقه إبان محمد علي إلى معارك " بهوت " و " ديار نجم " ضد الإقطاع ..

التحولات الثقافية والاجتماعية

كان تطبيق التعليم المجاني بجميع مراحله خطوة أخيرة منذ أعلنه حسين أن التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن وخلال أعوان 1952 إلى 1970 ارتفع عدد طلبة مدارس البنين الابتدائية من 866,5 ألف عام 1952 إلى 2,25 مليونا عام1970 والبنات من 526 ألف عام52 إلى 1,37 مليون عام1970 وكانت هذه الزيادة لأبناء المحرومين في المدن أو القرى بعد أن أصبح التعليم مجانيا حتى المستوي الجامعي ..

وبينما كان التعليم العالي يضم 41 ألف طالبا في عام 1952 فإنه شمل 170 ألف طالبا في عام 1968 .. وانفتح الطريق أمام الطبقات المحرومة ودخل أبناء لفلاحين والعمال إلى أماكن كانت مغلقة أمامهم كان القضاء قاصرا على أبناء الملاك فأصبح حقا للمتفوق وفتحت كليات البوليس والجيش أبوابها لبناء الشعب البسيط بعد أن كانوا يسألون الطالب المتقدم إلى هذه الكليات عن نسبه وأصله وماذا يملك أبوه ومستوي المنصب الذي يشغله في درجات الوظائف !

وتكونت طبقة عاملة صناعية يغمر الشعب وزاد الإقبال على السلع الوطنية حتى كادت أن تحتفي السلع الأجنبية وأصبح المنزل المصري من صنع الأيدي المصرية بما يعني ذلك من سوق عمل وحفاظ على الثروة القومية.

ويقول الدكتور جلال أمين عن هذه الفترة:

"ليس من الغريب أيضا أن تكون هذه الفترة من أخصب الفترات التي مرت بها مصر من حيث حماية وبعث التراث الثقافي والشعبي ومساندة وسائل التعبير عنه وإعادة اكتشافه فكتب الروائيون والقصصيون المصريون الأكثر اتصالا بالشعب العامل والفلاح المصري ما يمكن اعتباره أفضل أعمالهم وقامت مدرسة جديدة للشعر ونشطت الدولة في بناء مسارح جديدة ونشر التراث العربي وتشجيع الترجمة ودعم الفنون الشعبية ورددت مصر أغاني جديدة أحرزت شعبية تحمل كلمات جديدة في الحب والوطنية "

وشهدت مصر أياما من أروع أيامها رغم السلبيات والمؤامرات خلال الفترة من 52 حتى 71 وكانت السلبيات نابعة من جهاز الحكم الذي ظل محتفظا بهياكله القديمة العفنة فكان رجال السلك الدبلوماسي يعادون اتجاهات الثورة في سياستها الخارجية ورئيس البنك المركزي يشهد بالوضع الاقتصادي ويسرب الأسرار المالية إلى العناصر المعادية والعسكريون من بقايا أبناء الذوات يديرون المؤامرات وانعكس ذلك على القطاع العام والقطاع الزراعي والجيش .

كانت مقاومة العناصر المعادية عنيدة تدعمها القوي الاستعمارية والرجعية العربية.وتمدها بالمال والخطط المخربة ففي القطاع الزراعي استطاع كبار الملاك أن يسجلوا الأراضي الزائدة بأسماء أقاربهم. كما تسلل إلى جهاز تنفيذ الإصلاح الزراعي عناصر من إتباع كبار الملاك وفي القطاع الصناعي احتفظ كثيرون من القديمة بمراكزهم كمديرين في القطاع العام , فكانوا يهربون البضائع ويخربون وسائل الإنتاج.

وفي الجيش التقت العناصر الرجعية والخائنة حول المشير عامر وعزلته عن الثورة وكانت تعمد إلى إبعاد العناصر المدربة في الاتحاد السوفييتي غلى مناصب مدنية وفي الإعلام كانت العناصر الوطنية تطارد بينما العناصر الرجعية بالقيادات المشبوهة ..

وكانت البضائع والمصانع والأسلحة المستوردة من الاتحاد السوفييتي تظل في صناديقها مجمدة حتى سلمت إلى العدو في حرب 67 وعلى الرغم من ذلك فإن الطاقات الكامنة في الجماهير انطلقت تكتسح أمامها هذه العقبات وحققت انجازاتها الضخمة وأكدت قدراتها على مواكبة تطورات العصر الحديث حتى جاء السادات.

وتلخيص احدي الدراسات الصادرة في 25/4/1980 نتائج ما فعله فتقول:

"وفي حين تزداد نسبة البطالة على الصعيد الداخلي بشقيها الظاهري والمقنع وخاصة على صعيد الخريجين حديثا أطباء مهندسين فنيين كادرات فنية وغيرهم لعام 1978 لتصل إلى 12,3% عن العام الذي سبقها فإنها وصلت في عام 1979 نسبة 27,8% من عدد القادرين على العمل في هذه الكادرات الأساسية.
وإضافة بطالة هذا النظام المجتمعي الأساسي والهام إلى البطالة على المستوي العمالي والفني وغير الفني ولا سيما على صعيد قطاع الإنشاءات والبطالة الكاملة والمقنعة على الصعيد الزراعي فإن رقما كبيرا سيبدو أمامنا ليثير تساؤلات جديدة حول طبيعة وأهداف نظام السادات كله وحول أهداف هذا النوع من التخريب الاقتصادي الفظيع بنتائجه وبوقائعه ".

(بلغ عدد العاطلين الحقيقيين عن العمل في مصر في نهاية عام 1979 أكثر من مليون و800 ألف وتقول التوقعات أن سيبلغ 5,4 مليون شخص في عام 1984 في حالة استمرار هذا النهج الاقتصادي ولا يدخل في هذه الأرقام نسبة مليون ونصف يعملون في الأقطار العربية كفنيين وإداريين وعمال فنيين وعاديين)

وتبدو هذه النظرة متشائمة ولكن إذا عدنا إلى ما نشر في صحيفة "الأهرام" في يونيو 1976 في الصفحة الاقتصادية والتي كان يشرف عليها رئيس تحرير الأهرام الحالي نري أن المؤامرة ضد شعب مصر مبيتة وأن الخيانة التي ترتكب كاملة الأركان

قال الأهرام:

"هناك مشكلة حقيقية تواجهها بعض الصناعات المشكلة الرئيسية هي مشكلة المخزون من السلع الجاهزة للبيع فقد تأثرت مبيعات العديد من المصانع بعد أن كان إنتاجها يتم تصريفه كله في السوق المحلية"

وقالت:

"يؤكد البعض أن السبب الرئيسي هو إطلاق الاستيراد للسلع التي يوجد لها مثيل في الصناعة المصرية"

ثم أوردت "الأهرام" نماذج من هذا المخزون مخزون الأخشاب المخزون من بعض أصناف منتجات الكاوتشوك مخزون منتجات غزل ونسج الصوف المخزون من الجوارب وقال رجال الاقتصاد المهيمنين على الصناعات آراءهم بصراحة؛

فيقول رئيس مجلس إدارة شركة النصر لمنتجات الكاوتشوك:

" إن من أسباب الزيادة في هذا المخزون السلعي المنافسة الشديدة المفاجئة لبضائع مستوردة بسبب فتح باب الاستيراد على إطلاقه دون أى تحفظات لمصانع كلفتها الدولة ملايين الجنيهات لخدمة القطاعات المختلفة والاقتصاد القومي منذ عشرين عاما"

وقال رئيس مجلس إدارة شركة الغزل والنسيج والتريكو:

" إن مخزون الجوارب سيزداد خلال الفترة القادمة وأن الاستيراد من الجوارب بشكل ملحوظ سيؤدي إلى حدوث راكد في المستقبل وقد أدي هذا الأمر حاليا إلى تشغيل وردتين لهذا الخط الإنتاجي بدل ثلاثة. وإذا استمر الحال على ذلك فإنه سيؤدي بالضرورة إلى مخزون بشركة مصر للحرير الصناعي التي تشتري منها خام جوارب النايلون".

وقال مستشار وزارة الصناعة:

" إن حماية الصناعة المحلية ضرورة .."

كانت هذه الأقوال في عام 76 فماذا حدث؟ مزيد من الانفتاح ومزيد من الاستيراد ومزيد من المخزون وبطالة وتخريب للصناعة ثم ننتقل غلى مأساة ثانية فلم يعد تفريغ مصر قاصر على كوادرها العمالية المدربة والتي تفرقت في العالم تبحث عن لقمة العيش.. بل تصل المأساة إلى القمم وتتساءل صحيفة "الأخبار القاهرية "؟ ما سر هذه الظاهرة؟ما الأسباب وراء الاستقالات بالجملة لرجال الإدارة العليا لشركات القطاع العام والقطاع الصناعي ذاته؟

إن أبرز ما أنجزته بلادنا ذلك الحشد الهائل من الخبراء ورجال التكنولوجيا الذين يديرون القطاع العام . إنهم يتمتعون بخبرة عالمية شهدت الدنيا كلها لهم حتى المنظمات الاقتصادية الدولية بدأت تتصديهم أو بمعني آخر تتهافت عليهم.

وهكذا تتم تصفية مصر من صناعتها ومن خبرائها ليفسح المجال أمام العناصر الطفيلية فمن ناحية أدي الثراء الطفيلي إلى التضخم وارتفاع إلى التضخم وارتفاع الأسعار مما جعل الإنسان الشريف في مصر عاجزا عن ملاحقة الأسعار بمرتبه المحدود مهما بلغ حده ومن ناحية أخري لم تعد العناصر الوطنية تحتمل رؤية ما بنته خلال المرحلة الناصرية ينهار أمام عينيها.

وفي الوقت الذي لا يجد خبراء الصناعة مفرا من الهجرة نجد أعمال المهندس المقاول عثمان أحمد عثمان تتسع ونجد المهندس جمال السادات والمتخرج حديث من كلية الهندسة يفتح مكتبا استشاريا وتبلغ قيمة الأعمال الأولي لهذا المكتب خلال ستة أشهر من افتتاحية 12 مليون جنيه مصري !

تخريب مبيت

وكما حدث في السياسة "خطوة خطوة" يحدث التخريب المتعمد في الصناعة أو الخيانة وتصفية القطاع العام والقضاء على الصناعة " خطوة خطو" إن عددا من خبراء الصناعة المصريين ورؤساء شركات القطاع العام جذبهم الانفتاح العام أو بمعني اصح تركوا الصناعة المصرية أمام رشوة القطاع الخاص ومحاولة تعديل دخولهم أمام " غول التضخم" الزاحف وعلى سبيل المثال نجد شركة الاستثمارات الكويتية تجذب الدكتور طاهر أمين وزير التعاون الاقتصادي السابق ليعمل كمدير لها ..

والدكتور محمد أمين رئيس شركة "ايديال" يشغل حاليا منصبا كبيرا في الأمم المتحدة وكان ذلك تمهيدا لبيع شركة "ايديال" والمهندس أحمد هزاع رئيس شركة النصر للأجهزة المنزلية يعمل مديرا لبنك " تشيس مانهاتن" والدكتور مراد جريس رئيس شركة لنشا انتقل ليعمل مستشارا للتنمية بشمال أفريقيا وشريف حسن مدير عام مؤسسة الغزل والنشيج والدكتور نزيه ضيف انتقل إلى العمل في الأمم المتحدة.

كما استقال الدكتور إبراهيم شبابك خبير الغزل والنسيج العالمي والمهندس كمال الدين بيلي رئيس شركة الإسكندرية للزيوت والصابون والدكتور زكي البدري رئيس شركة البلاستيك والكهرباء بالإسكندرية ويعمل " نظام الحكم" على طرد هؤلاء الخبراء الصناعيين بجانب الإغراءات الأجنبية.

يقول د. سمير بدوي مدير صندوق الدعم للغزل:

"فوجئت في التشكيلات الصناعية الجديدة بنقلي من الصندوق إلى شركة أخري دون أخذ رأيي ودون مناقشتي في من يصلح للتعاون معي"

ويقول كمال الدين بيلي رئيس شركة الإسكندرية للزيوت والصابون عن أسباب استقالته:

"استلمت شركتي عقب التأميمات عام 1961 وكان حجم مبيعاتها جنيه يتجاوز 800 ألف جنيه وقد تركتها الآن وهي تبيع بحوالي 25 مليون جنيه حسب ميزانية 1976 والمرتب لم يتجاوز مليما واحدا منذ 1061 "

ويقول المهندس حسن عبد الفتاح رئيس الهيئة العامة للتصنيع عن أسباب استقالته:

"هناك اختلافات في السياسات كما أن الجو العام أصبح بدفع الإنسان لإعطاء جهده لبلاده في موقع آخر"

أما المهندس نزيه أمين رئيس هيئة الحديد والصلب السابق ورئيس شركة الجوت فقد رفض التعليق على استقالته قائلا "أرفض التعليق على الاستقالة فهذا حق " ولعل النقل من "هيئة الحديد والصلب" إلى شركة "الجوت" يوضح لنا السبب !

ويكشف لنا المهندس كمال الزيادي رئيس المؤسسة الهندسية السابق أبعاد هذه التغييرات التي تحدث في القطاع العام الصناعي قائلا:

"إن كثرة التغيرات تصيب القطاع الصناعي بالعقم وخاصة عندما ينقل المدير إلى غير تخصصه . فرقي المهندس سيد عوض المتخصص في أعمال الصلب لكي يصبح رئيسا لشركة سورناجا للفخار ! . ونقل 2 من كبار المهندسين لمتخصصين في صناعة البطاريات وهما جلال عزمي لكي يصبح رئيسا لشركة "ناروين " للكاوتشوك؛
وحسن جعفر ليصبح مديرا لشركة " مستيلكو" كما نقل د. علاء الدين الحديدي دكتوراه في صناعة الورق ومدير شركة " فارتا" (15 سنة) لكي يصبح مديرا في شركة كازوزة (سي كولا) وهذه هي التشكيلات"

ويكشف د. على طلحة النهج المتعمد للتخريب والقضاء على الصناعة في مصر فيقول:

"إن كثر التغيرات لا تعطي الاستقرار ..ويكفي أن أقول أن 4 شركات كبري هي الغزل الأهلية والشوربجي ومصر حلوان للغزل والحديد والصلب تغير رؤساء شركاتهم من 4 إلى 5 مرات خلال 5 سنوات فقط وكلما جاء واحد لكي يدرس وينفذ برنامجه نقل بعد سنة"

ويعلم الدكتور على زكي البدري رئيس شركة تركت:

"تركت شركتي التي أحببتها لكي أمارس عملي في القطاع الخاص لأن العمل في القطاع العام أصبح من الصعوبة بمكان لتعدد أجهزة الرقابة وتدخل الوزارة في كل صغيرة وكبيرة غلى جانب المعاملة القاسية التي نلقاها من وزير الصناعة "

وفي نفس الصفحة التي نشرت فيها صحيفة "الأخبار" هذا التحقيق , نقرأ إعلانين الأول عن "نيوزيلاند" يعلن أن " نيوزيلاند" مستعدة لتصدير الخبرات المتخصصة في الهندسة المدينة وتصدير المصنوعات والمعلبات الغذائية.

والثاني إعلان لشركة الصناعات الهندسية المعمارية أسسها "المقاولون العرب" عثمان احمد عثمان وشركاه ويعلن أن الشركة تعرض بجناحها بسوق القاهرة الدولية 1977 مستوردات من انكلترا والسويد وفرنسا!!

أما الأسلوب الآخر للتخريب فيتمثل فيما نشر عن لجنة الصناعة بمجلس الشعب أثناء بحثها في أزمة صناعة هي السجاير المصرية ونبين أن من أسباب نقص الإنتاج انقطاع التيار الكهربائي المستمر أثناء الإنتاج وطالب احد أعضاء مجلس الشعب بمحاسبة أصحاب المصلحة في نقص الإنتاج وخلق السوق السوداء للسجاير في مصر وطالب بالتصدي لشركات السجاير الأجنبية التي تتحكم في السوق وتقضي على شركات السجاير المحلية.

أى أن التخريب لا يقتصر على تفريغ القطاع العام من خبرائه .. بل يمتد التخريب إلى العناصر المنتجة نفسها برشوتها لقطع التيار الكهربائي أو عرقلة الإنتاج بأى صورة ليخلو السوق أمام البضائع المستوردة وأرباح الوكلاء الطفيليين ..

وأعلن الدكتور عبد الرازق عبد المجيد نائب رئيس الوزراء لشؤون الاقتصادية والمالية أثناء زيارته للولايات المتحدة في أواخر 1980.أن توظف رؤوس الأموال الأجنبية في مصر الآن يمكن أن يعود بأرباح تصل إلى نسبة 200 في المائة !!

الخيانة الوطنية

ظل نضال المصريين الطويل من أجل التصنيع ينمو واستطاعت مصر أن تنتزع من الاستعمار البريطاني الحق في فرض الحماية الجمركية للصناعة المصرية كما صدر القانون الذي ينص على وجوب حصول المصريين على 51% من أسهم الشركات الأجنبية وذلك حتى تبقي السيادة إصدار القرارات للمصريين ..

حدث ذلك قبل ثورة 23 يوليو ثم جاءت الثورة لتحقق الرغبة الوطنية واستعادت الثروة المصرية وبدأت بتأميم قناة السويس ثم وضع مجموعة لبنوك وشركات التامين والتجارة الخارجية المملوكة للإنكليز والفرنسيين والبلجيك تحت الحراسة ثم صدر قرار تمصيرها ثم تغير التمصير إلى التأميم.

وصدرت قوانين التأميم عام 1961 واستعاد الشعب ثروته التي تكونت من الدماء والعرق المصري ولكن "السادات" في حديث صحفي ردا على سؤال صحفي أجنبي يقول ..

السؤال:"هل يمكنكم أن تعطونا بعض الأمل المشجع لمستثمرينا ؟

الجواب :ناقشت أمس احتمال إيجاد هيئة برئاسة رئيس الوزراء نفسه لتسهيل كل شئ للمستثمرين ...وعندما كنت في ألمانيا آخر مرة التقيت مع رجال الأعمال الألمان هناك وقلت لهم أرجوكم كونوا صبورين معنا"

وبدأ بيع القطاع العام للمستثمرين والتعدي على الحقوق الوطنية التي اكتسبها الشعب خلال سنين الثورة وخلال نضاله السابق لها ففي 23 مايو 1978 تم توقيع الاتفاق بين شركة "ايديال" المصرية لإنتاج الثلاجات والغسالات والأثاث المعدني وشركات " كومسون براندت" الفرنسية لإنشاء شركة مشتركة يتضمن العقد أن يمتلك "طومسون" 51 % من الأسهم وايديال 49% أى أن مساهمة الدولة تهبط من 100% إلى 49% وكانت شركة "ايديال" قد حققت في العام السابق أرباحا سنوية وصلت إلى 16 مليون جنيه !

وفي تقرير رسمي أن ربع الشركات الصناعية العامة باستثناء الغزل والنسيج تتفاوض مع رجال أعمال أجانب لتكوين شركات مشتركة فشركة كلوريدا الانكليزية اشترت 50% من أسهم الشركة العامة للبطاريات وشارك بنك باركليز بنسبة 2% والجامعة الأمريكية بنسبة 10 % وبقي 38 للجانب المصري

ويفضح أساتذة الجامعات في الندوة التي أقامها مركز دراسات التنمية التكنولوجية في جامعة القاهرة فقال الدكتور عاطف عبيد

" إن الطرف الأجنبي يستغل موقعه بشكل مبالغ فيه ولغير صالح الطرف المصري غنه يطلب أن تكون فترة إدارته مفتوحة لأى مدي ولأى زمن ويطلب أحيانا أن تكون المساهمة المادية رمزية طوقال المهندس فؤاد أبو زعلة رئيس شركة الحديد والصلب"
"إن 9050 مهندسا وفنانا هاجروا من شركة الحديد والصلب "

وقال فؤاد يونس رئيس شركة القاهرة للإسكان والتعمير:

"إن شركتي ساهمت مع شركة أجنبية في إنشاء شركة جديدة بنسبة 51 % ورغم هذا فقد خرج كل شئ من أيدينا"

إن الخيانة التي تحدث في تصفية القطاع العام ليس في الردة الصناعية أو عودة المستثمرين لنهب الشعب.أو تشريد العمال ولكنها بالإضافة إلى خيانتها للنضال لوطني فإنها تتعارض مع الدستور الذي ينص في (مادة 30)

"الملكية العامة هي ملكية الشعب تتأكد بالدعم المستمر للقطاع العام ويقود القطاع العام التقدم في جميع المجالات ويتحمل المسؤولية الرئيسية في خطة التنمية"

لعل ما كشفته فضيحة "هضبة الأهرام" يعطي فكرة عن مضمون سياسة الانفتاح ففي هذه الصفقة اشتري المستثمر الأجنبي أرض هضبة الأهرام بنصف مليون دولار وباعها بألفي مليون جنيه !

ثم يطالب البنك الدولي برفع الدعم عن قوت الفقير الذي لم يتجاوز 400 مليون جنيه .. بينما النهب في صفقة واحدة 2 ألف مليون أى خمسة أضعاف .

الحرب.. والغزو

في أكتوبر 73 كانت الحرب وبانتهائها بدأت "سياسة الانفتاح" وأدركت العناصر الوطنية, ماذا يراد بمصر !

ففي الأول من يناير عام 1974 ولم يكن تم عقد اتفاق "فك الارتباط " قال "ايريك بلمند فيلد عضو الجمعية العامة لحلف شمال الأطلسي أن الوقت قدحان لكي تنضم مصر والأردن وإسرائيل غلى حلف شمال الاطلسي وأضاف أن هذه الدول يجب ألا تبقي بعيدة عن الانضمام للحلف "

وفي 22 يناير أعلن السادات في الجزائر خلال مؤتمر صحفي بعد إعلان " فك الاشتباك" أن الولايات المتحدة قد انتهجت سياسة جديدة وان كل تغيير في الموقف الأمريكي لابد أن يستتبع تغييرا مماثلا من جانب العرب نحو المتحدة"

وفي 27 يناير من نفس العام نشرت الصحف أن 50 مشروعا مصريا برؤوس أموال عربية وأجنبية .. رأس المال الفرنسي يساهم في تعمير منطقة القناة محادثات بين عبد العزيز حجازي ورئيس الغرفة التجارية الفرنسية بباريس .

وفي 2 فبراير عين على أمين المعروف بولائه لأمريكا وشقيق الصحفي الذي حكم عليه في قضية تجسس مديرا لتحرير الأهرام وفي 6 فبراير اجتمع الدكتور عبد المنعم القيسوني رئيس البنك المصري الدولي والدكتور حامد السايح الذي كان رئيسا للبنك الأهلي بوزير الخارجية الأمريكية في واشنطن ثم اجتمع القيسوني مع دافيد روكفلر رئيس بنك تشسس مانهاتن ثم مع المسئولين في شركة وستنجهاوس وبعض الشركات الأخرى وتركزت المناقشات على توثيق العلاقات مع البنوك الأمريكية.

وفي 11 فبراير وافق السادات على أربعة قرارات اقتصادية هامة تتعلق بتشجيع الاستثمار العربي والأجنبي في مصر والخطوات العاجلة اللازمة وتطوير جهودها لم يكن خافيا الاتجاه الجديد من خلال هذه الاتصالات ..والخطوات سلم "السادات" مصر للرجعية العربية والإمبريالية العالمية وبالخص الأمريكية.

فمنذ بداية الصراع أى منذ بدأت مصر خطواتها نحو التحرر والإشتراكية ناصبت هذه القوي العداء للتجربة الناصرية وكانت مطالبها تتركز في ثلاث نقاط

  1. إلغاء لاتحاد الاشتراكي
  2. تصفية القطاع العام
  3. إبعاد السوفيت من مصر.

والعناصر الثلاثة مكملة لبعضها فبدون الاتحاد السوفيت لم يكن ممكنا إقامة الصناعات الضخمة التي أقيمت وبدون الصناعة لا يمكن تشكيل الطبقة العاملة كما أن ضعف الطبقة العاملة لا يؤهلها للدور السياسي في الاتحاد الاشتراكي ..

وكان تبديد النقاط الثلاث معناه الردة عن خط ثورة 23 اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا والعودة إلى أحضان الاستعمار وتصفية النضال الوطني الطويل للشعب في مصر الذي خاضه خلال أكثر من مائتي عام.

الحقيقة بالأرقام

وظهرت الصحف المصرية في 23 يوليو 1974 بصرخة واحدة ضد ما يبيته نظام السادات ضد مصر وطلعت الأهرام بصفحة كاملة تدافع عن القطاع العام ضد غزو الشركات الاحتكارية ومحاولة تصفية لقطاع العام الصناعي فقالت:على امتداد السنين ستبقي الصناعة عملا من أروع انجازات ثورة 23 يوليو وأكثرها تأثيرا ليس في مستقبل مصر وحدها وإنما في كل المنطقة العربية وما حولها .

مصر الصناعية أصبحت ملحمة نضال بطولي . عرق وعمل متواصل وجهد مخطط مدروس استمرت فيه على مدي 22 عاما ما يقرب من 2300 مليون جنيه إن الشوط الطويل الذي قطعته مصر في طريق الصنعة منذ البرنامج الأول وحتى اليوم له أثر هام في تحديد معالم الصورة التي تعطينا منتجات صناعية قيمتها خمسة ملايين جنيه كل صباح بالإضافة إلى صادرات يومية يصل إلى 200 ألف جنيه. يقدمها 515 ألف عامل يحصلون على أكثر من 173 مليون جنيه سنويا في صورة أجور ومزايا ..

إن قطاع الصناعة في بلدنا يمثل بلا ادني شك النموذج الخلاق للتطور خلال سوات محدودة من دولة تعتمد على الزراعة كمصدر أساس للدخل إلى مجتمع صناعي بكل ما تحمله الكلمة من مقاييس أو دلالات ..ربما من غير المقاييس التي تحقق في قطاع الصناعة على امتداد 22 عاما مضت ما كانت الآمال التي نتطلع إليها اليوم وما كانت القدرة التي حققها الشعب في صموده البطولي بعد عدوان يونيو .

وإذا كان هناك ما يقال عن دور لقاعدة الصناعية في مجال تلبية احتياجات الجماهير من السلع الصناعية وخدمة المعركة فليس ابلغ مما قاله الرئيس أنور السادات في ورقة أكتوبر التي اقرها الشعب كوثيقة من وثائق الثورة

لقد زودت القاعدة الصناعية والإنتاج الزراعي والإطار الواسع للخدمات الاجتماعية قواتنا المسلحة ما كانت في حاجة إليه وقد لعب القطاع العام الدور الرئيسي في تحقيق الصمود الاقتصادي في الفترة التي تلت الهزيمة وفي الإعداد للمعركة بإنتاجه وبفوائضه المالية وبرجاله من مديرين وفنيين وعمال تفانوا في العمل من اجل الوفاء باحتياجات الشعب و القوات المسلحة واستمرار التنمية رغم عبء المجهود الحربي.

إن البناء الصناعي يرتفع اليوم شامخا رمزا حيا لعظمة الثورة وقدرتها على تحويل مجري حياة الإنسان وبكل المقاييس تحققت لقطاع الصناعة والتعدين من الانجازات والنجاحات ما يخرس أبواب المتشككين ويزيد من ثقة كل مصري بقدرة الوطن ومؤسساته الاقتصادية ثم بدأت صحيفة الأهرام في تقديم مقارنة بين مصر الزراعية في العهد الاستعماري البائد ومصر الصناعية التي أقامتها ثورة 23 يوليو وقدمت بالإحصاءات وبالأرقام مقارنة بين الوضعين فقالت في مجال الإنتاج

..كنا

كانت قيمة الإنتاج الصناعي في مصر عام 1952 في حدود 26,5 مليون جنيه وكانت كلها تقريبا من إنتاج القطاع الخاص .

وأصبحنا ..

حقق قطاع الصناعة والتعدين خلال عام 1973 إنتاجا قيمة بالأسعار الجارية 1667 مليون جنيه أى ما يعادل 617% من الإنتاج الصناعي عام 1952.

كنا...

لم تكن صادرات مصر من الصناعة عام 1952 تتعدي 12 مليون جنيه فقط

وأصبحنا

حقق قطاع الصناعة والتعدين صادرات فعليه قيمتها 150 مليون جنيه خلال العام الماضي 1973 أى ما يعادل 120 % من صادراتنا عند قيام ثورة يوليو..

كنا..

كان عدد العاملين في الصناعة حوالي 180 ألف عامل عند قيام ثورة يوليو ... يبلغ ما كانوا يتقاضون كأجور سنوية 30 مليون جنيه .. وذلك على أساس المنشآت التي يعمل بها أكثر من 10 عمال .

..وأصبحنا

بلغ عدد العاملين بالشركات الصناعية القطاع العام وحده حوالي 515 ألف عامل بلغت أجورهم في العام الماضي 173 مليون جنيه . موزعين بين الصناعات المختلفة في مجال الأموال المستثمرة

من الحقائق التي يجب أن يعرفها كل مواطن عن الصناعة أن بلدنا استثمرت على مدي 22 عاما منذ قيام ثورة يوليو ما يزيد على 2024 مليون جنيه في بناء القلعة الصناعية وهذا يمثل إجمالي الأموال المستثمرة بالشركات فقد دون المشروعات الضخمة التي يجري تنفيذها (عام 1974) كمجمع الحديد والصلب بحلوان ومجمع الألولمنيوم بنجع حمادي وغيرهما من المشروعات التي استثمر بها حتى ديسمبر الماضي ما يزيد على 250 مليون جنيه في مجال الاستثمارات المنفذة

كنا لم تتجاوز المبالغ المستثمرة خلال عام 1952 بقطاع الصناعة 2,1 مليون جنيه وأصبحنا بلغت قيمة الاستثمارات التي تمت بقطاع الصناعة خلال عام 1973 وحده حوالي 166 مليون جنيه ومما تجدر الإشارة إليه أنه تمت خلال ذلك العام 45 مليون جنيه بمجمع الصلب وحده و18 مليون جنيه لمجمع الالومنيوم وبالطبع فإن هذه الاستثمارات ستؤتي ثمارها إنتاجا وخيرا وفرص عماله جديدة وأجورا وأرباحا على مدي السنوات المقبلة.

ونشرت صحيفة الجمهورية مناقشة صريحة مع أساتذة الاجتماع بالجامعات وقالت وبمناسبة 23 يوليو 1974 لم يعد الفلاح يحني رأسه لصاحب الأرض ليصفعه لم يعد العامل ترسا في عجلة الإنتاج إنما أصبح مالكا للآلة نفسها لم يعد المثقف يعيش على هامش المجتمع بل أصبح يحركه.

وقال الدكتور صلاح قنصو:

" الثورة المصرية وضعت المجتمع على أعتاب مرحلة تطور جديدة ففي خلال العشرين عاما الماضية ظهرت قيم بتغير المجتمع الزراعي إلى مجتمع شبه صناعي وقد ظهرت بدايات هذا التغير بزيادة عدد العمال وبخلق نمط حضاري وصناعي تحكمه قيم مختلفة عن القيم التي تحكم المجتمع الزراعي الذي تحكم وتسيطر عليه التواكلية.

وانبرت الأقلام الوطنية في حماس وانطلاقة وكأنها في حرب مع الأخطار القادمة والمحدقة بالوطن وكتب محمد عودة وكامل زهيري يكشفان أبعاد المخطط الذي يستهدف ضرب القطاع العام والصناعة وظهرت دراسة في جريدة "الأخبار" على ثلاث أعداد مثالية حول حتمية القطاع العام ودوره في الحاضر والمستقبل وكتب وزير التموين السابق فؤاد مرسي دراسة نشرتها الصحافة العربية عن التنمية الاقتصادية والاستثمارات الاقتصادية أوضح فيها بالأرقام والمنطق العلمي خطورة " سياسة الانفتاح" على اقتصاد مصر وسيادتها وانعكاس ذلك على حياة الناس وظهرت المؤلفات عن الشركات المتعددة وخطورتها وعن " محاكمة سياسة الانفتاح " ولكن الخيانة كانت مبيتة.

الرجعية القديمة والجديدة

في 30 مارس 1974 ولم يكن مضي على معركة أكتوبر عام قال الدكتور عبد العزيز حجازي أثناء مناقشة ساخنة في مجلس الشعب:"إننا نعلنها للمواطن العربي والأجنبي أن عهد التأميم قد انتهي" !!

ومن قبله صرح رئيس جهاز التعاون العربي والدولي بأنه سيتم قريبا تعديل قانون استثمار المال العربي والأجنبي على أساس أن المشروعات التي توافق عليها الدولة في إطار هذا القانون وطبقا لسياستها الاقتصادية ستعفي بوضوح وبطريقة حاسمة من أى احتمال للتأميم أو المصادرة أو الحراسة وفي نفس اليوم الذي نشرت فيه هذه الآراء كانت ليبيا تؤمم ثلاث شركات أمريكية.

وفي نفس الشهر كانت طبيرو تعلن تأميم صناعات النفط وصيد الأسماك كما أممت شركة "سيرودي" باسو الاحتكارية التعدينية الكبرى التابعة للرأسمال الأمريكي وتمتلك هذه الشركة مصانع الحديد والفولاذ وستة مناجم لاستخراج النحاس والذهب والفضة كما صدر قانون الإصلاح الزراعي فانتزع 58 مليون هكتار ومليون ونصف من الماشية من كبار الملاك الجشعين ..


ولم يخجل وزير الصناعة في مصر فيعلن ليؤكد ما قاله عبد العزيز حجازي ويصرح "إن عهد التأميم والحراسة قد انتهي إلى الأبد" ونسي الوزير أن هذا الحق أصبح معترفا به من الأمم المتحدة وان لكل دولة الحق في تأميم ثرواتها إلا إذا فقدت الدولة سيادتها.

وظهرت الصحف المصرية ليست مجللة بالسواد ولكن مزهوة باللون الأحمر تعلن ما صرح به السادات:

" .... لا تأميم .... لا مصادرة .... لا حراسة ..."

ويقف وزير الإعلام في عهد عبد الناصر ويتنكر لكل المبادئ والقيم ليصرح:

" أننا لا نستطيع أن ننمي مجتمعنا واقتصادنا برأس المال الوطني وحده ونحتاج في هذا الشأن إلى رؤوس الأموال الأجنبية لأن لدينا الأيدي العاملة إن أجر العامل المصري هي ارخص الأجور في العالم"

وهكذا تنكر لكل ما كان ينادي به سابقا وأسرع إلى سوق النخاسة الرأسمالية ببيع جهد المواطن المصري بأرخص الأسعار.وخلال الشهور الأولي من عام 1974 أى في أعقاب حرب أكتوبر المجيدة تتالت خطوات "الردة" وكانت بشائرها الإفراج عن الصحفي الذي ضبط متلبسا بالخيانة الوطنية والتجسس وأعلن العفو عنه ثم عاد ليمارس هوايته.

كان الخطأ في محاكمة هذا الصحفي تقديمه إلى المحاكمة بقوانين العقوبات وكان المفروض أن يحاكم سياسيا بتضليل الشعب ودفاعه عن معاهدة صدقي بيغن وإخفاء جرائم الملك السابق وتقديمه على انه "العامل الأول والفلاح الأول" و" الملك المؤمن " وطعنه في الحركة الوطنية ومساهمته في إخفاء جرائم السعديين خلال مرحلة الإرهاب .

ومحاولة "الانحراف" بكفاح الشعب خلال معركة القناة عام 1951 ثم مشاركته في انقلاب يناير 1952 وتصويره أمريكا الضاحكة على أنها حامية الحريات بينما كانت تبيد شعب كوريا وتقف ضد حركات التحرر.

لقد عادت الأصوات القديمة كنعيق البوم ووقف زكي عبد المتعال الوزير الذي استقال من حكومة الوفد بإيحاء ملكي ليتحدث عن التضخم ويرجع أسبابه إلى الحروب التي خاضتها مصر دفاعا عن أرضها ويطالب بوقف تعيين الخريجين وتساءل أحمد أبو الفتح شقيق المليونير محمود أبو الفتح عن الضمانات للدول الأجنبية للاستثمار !!

وكان ذلك في اجتماع حضره أكثر من مائتين من الوزراء وكبار الاقتصاديين والمستثمرين المصريين والعرب والأجانب والذي أعلن فيه رئيس الوزراء عبد العزيز حجازي أن الانفتاح ليس نظرية جديدة ولكنه تحرك من أجل رفاهية الشعب وأنبري له أحد الوطنين متسائلا الانفتاح عن وبمن, وماذا سيستفيد العامل والفلاح من الانفتاح؛

وهل من قبيل المصادفة أن ترتفع الأسعار في مصر ونئن منها جميعا في نفس الوقت الذي نتحدث فيه عن الانفتاح.والانفتاح بمن وهل الأجهزة التي تتولي الانفتاح الآن في مستوي المسؤولية ؟!ولكن الانفتاح تقرر باستفتاء زائف !

وعندما سأل أحد الصحفيين من ألمانيا الغربية " السادات ":

ما هي الضمانات لرؤوس الأموال؟

رد قائلا:

الضمانات جاهزة؟! الضمانات جاهزة !. ولكن الانفتاح كان بلا أجهزة.

وقالت صحيفة "أخبار اليوم"

أعلنا على العالم سياستنا في الانفتاح ولم نعد أنفسنا لذلك أعدادا كاملا لا مشروعات مدروسة ومعدة للعرض والمناقشة ولا وسائل نقل ومواصلات تسعف أصحاب رؤوس الأموال في الاتصال بالخارج ولا غرف خالية في الفنادق!

وعلى الرغم من ذلك سارت "سياسة الانفتاح" وسافر القيسوني وحجازي إلى أوروبا وأمريكا وعقدت الاتفاقيات وكان الإعلام يتحدث عن المشاريع الضخمة وطلعت صحيفة "الأهرام" في عام 1974 تتحدث عن مشروع منخفض القطارة مع ألمانيا الغربية.

وجاءت وفود أصحاب الملايين من اليابان وأمريكا وتقرر إعفاء أرباح شركات المقاولات الأجنبية العاملة في التعمير من الضرائب الجمركية وضرائب الأرباح التجارية والصناعية وفوض مجلس الوزراء وزير التعمير في تعيين الأجانب بالوظائف التي تتطلب خبرة خاصة في التعمير لا تتوفر بالقدر الكافي من المصريين (في مصر كليات هندسة متعددة التخصص منذ أكثر من 60 عاما أنشئت أول كلية هندسة في مصر أيام محمد علي أى منذ أكثر من 170 عاما ...)

ويصرح لهؤلاء الأجانب بتحويل 50% من رواتبهم للخارج وكتب علي أمين الصحفي بعد أن عاود هوايته في بيع الأوهام فقال:

يقدر الخبراء المعونة التي ستقدمها حكومة الولايات المتحدة إلى مصر قبل نهاية عام 74 بأكثر من ألف مليون دولار وهذه المعونة خلاف المشروعات التي تنوي الشركات والمؤسسات الأمريكية تنفيذها وتقدر بآلفي مليون دولار .

والمتفق عليه أنتوفر أمريكا عددا ضخما من الخبراء الذين تطلبهم مصر لسرعة تنفيذ مشروعات التعمير والتصنيع والتعليم وجاء منكمار رئيس البنك الدولي وظل يغوص في أسرار مصر الاقتصادية ثم تمخض عن قرض لمياه الشرب! بفائدة 4/17%.

أما الأحلام الأمريكية فتحققت في تدفق البنوك تشيز مانهاتن بنك بأن أمريكا الأمريكان أكسبريس فيرست ناشينال سيتي وكانت قد صفيت أعماله في مصر عام 1961 ووصل عدد البنوك إلى 36 بنكا أمريكا وأوربيا ويابانيا جاءت تنهب أموال مصر وثلاث فنادق مثل شيراتون في السويس والإسماعيلية وبور سعيد.

وتمخض "ألإنتاج" عن مأساة أخذ ينعيها من دفعوا مصر إليها فكتبت مجلة الاحتكارات البريطانية (الأيكونومست) تقريرا ضافيا عن مصر جاء فيه "وإذا كان حلوان رمزا للماضي الموالي السوفييت فإن تجديد قصرا الخديوي إسماعيل القديم المحاذي للنيل والذي تقوم به شركة فنادق أمريكية بشكل رمزا مخجلا للحاضر الموالي للغرب "

ومع ذلك فتجارة الفنادق هي الوحيدة التي تبشر برواج ممكن حيث يضع العرب والمصريون أموالهم ويقدم الغربيون خبرتهم ومعداتهم فندق هيلتون يضيف جناحا لبنائه الحالي ويخطط لإنشاء فندق جديد أما الشيراتون فيخطط لإنشاء ثلاثة فنادق فيما يتهيأ فندق "واغون لتس" الفرنسي لإنشاء فندق في ميدان التحرير ويمهد الانتركوننتال الأرض على شاطئ النيل لإقامة فندق من خمس وعشرين طابقا !!

ومع ارتفاع أسعار شقق البذخ من 45,000 ألف إلى200,000 ألف دولار تنصب أموال الخليج أيضا على بناء الشقق السكنية أما بالنسبة للبنوك الأجنبية فقد نشرت احدي الصحف الخليجية دراسة عنها تحت عنوان :" بدل أن تأتي الأموال الأجنبية لتمويل المشاريع المصرية خرجت رؤوس الأموال المصرية إلى أنحاء العالم !!

وصرح الدكتور زكي شافعي وزير الاقتصاد السابق:

"المصارف الأجنبية في مصر تحتفظ بمعظم أموالها في الخارج و وهذه الأموال هي ودائع المواطنين المصريين وبالتالي فقد أصبحت هذه المصارف الأجنبية جسرا تعبره مدخرات المصريين إلى الخارج في الوقت الذي تتزايد فيه حاجة مصر إلى تمويل الاستثمارات المختلفة وتتجه إلى اقتراض الجزء الأكبر من هذه الأموال من الخارج بفوائد باهظة"

صرخات في واد

ارتفعت الصرخات منذ البداية ضد أسلوب "سياسة السادات" وأصر العمال في مؤتمرهم على صيغة تحالف قوي الشعب وفي المؤتمر العاشر لاتحاد طلاب مصر (ولم تنشره الصحف المصرية) طالب رئيس اتحاد طلاب الجمهورية بتأكيد مطالب الشعب:

  1. القطاع العام
  2. نسبة العمال والفلاحين
  3. تأكيد الناصرية.

وصرح أحد الطلبة في المؤتمر:

"إكراما لروح الشهيد أطلب من نفسي ومن جميعا أن نحمي ما ضحي الشهيد من أجله .."

ولكن دماء الشهداء كانت قد سالت على أرض الوطن لتتحول إلى سبائك ذهب تملأ جيوب الخونة وأعداء الشعب قفز عثمان أحمد عثمان من وسط عمال التراحيل إلى كرس الوزارة وارتبط مع السادات برباط النسب وتزاوج مع شركات الاحتكارات العالمية التي وفدت من كل حدب وصوب تنهب شعب مصر..

وجاءت الرجعية التي ألزمها نضال عبد الناصر جحورها لتحول مصر إلى دار لهو ودعارة .. بعد أن زاد ثراءها أثر الحرب وتعلق المثقفون والضباط الذين اشتروا العرب وبنوا الفيلات بأذيال الأسياد الجدد ونسوا الكرامة الوطنية وتخلوا عن الشعب ..

ومن خلال القانون 93 لسنة 1974 الذي أباح ممارسة تمثيل الشركات التجارية وتبعه قرار رئيس الجمهورية لتنظيم أعمال الوكالة التجارية نشرت جريدة " الأخبار " أن 2000 مليون جنيه ضاعت على الدولة ودخلت الجيوب والحسابات السرية وتساءلت الصحيفة " متى تنتهي لعبة العمولات ؟"

وتتالت الفضائح كما نشرتها الصحف

عثمان أحمد يدافع عن نفسه في اتهامه بإضاعة 6 ملايين دولار في صفقة الحديد من اسبانيا
لجنة لتقصي الحقائق في صفقة أتوبيسات إيران .
529 ألف جنيه عمولات لـ 3 أفراد عن تصدير البرتقال
تلاعب خطير في أموال شركة الزجاج خسائر أكثر من نصف مليون جنيه
فضيحة شركة الطيران وارتباطاها بفضائح شركة لوكهيد العالمية.
فضيحة وزير الكهرباء مع شركة وستنجهاوس

وتتالت الفضائح لتمس "قمة النظام" وتساءل محمود القاضي في مجلس الشعب عن التوكيلات التي يمارسها شباب من أبناء العائلات الحاكمة وعندما اكتشفت احدي العاملات بوزارة الزراعة اختلاسات بـ 400 ألف جنيه كافأتها وزارة الزراعة بخصم 15 يوما من مرتبها وقضي على الرقابة الإدارية بعد كشفها لعدد من الفضائح !

وأصبحت مصر نهبا مباحا وتتألق صفحات تتحدث عن الأسرار الخفية وراء البضائع الأجنبية المهربة وقالت الأهرام من هم المليونيرات التي يسيطرون على الأسواق ولا يحاسبون على ثرائهم المفاجئ

وقالت أيضا:

" المدعي الاشتراكي يحقق في ظروف الثروات الخيالية التي صنعها التلاعب في أسعار البطاطس " وتحقيق عن إغلاق مدرسة وتشريد 1200 تلميذ بعد أن بيعت أرض المدرسة ومبانيها بمبلغ 36 جنيه فيحين أنه يساوي نحو مليون جنيه "!!

وكانت النتيجة كما وصفت مجلة الأيكونومست في عام 1976:

"وتبدو القاهرة في الواقع وكأنها أصبحت مدينة كم كهوف قلاع رملية يغمرها مد ثمانية ملايين إنسان يحيون يائسين في أكواخ على السطوح وفي المقابر أو بيوت متداعبة قديمة مستأجرة ويتحشر كل ستة إلى ثمانية منهم في الغرفة الواحدة"

وهانت حياة الإنسان في مصر فأصبحت تستورد له معلبات اللحوم الفاسدة من فرنسا وألمانيا الغربية ..وصرح وكيل أول وزارة التموين أنه رفض إطعام الحيوانات بهذه اللحوم ويقول أن القطاع الخاص لا يستورد إلا نوعيات رديئة خاصة من اللحوم المعلبة وهدفه الربح السريع .

كل هذا وفي كل يوم مزيد من الإنتاج ومزيد من تدفق الأجانب ومزيد من الثراء لطغمة المجرمين الرأسماليين أما المصريون عمالا وفلاحين ومثقفين فقد شردوا في بقاع الأرض يبحثون عن وسائل للحياة !

الأزمات... والنتيجة

في أعقاب الانفتاح انفلت معدل الواردات ليبلغ أكثر من 200 مليون جنيه مصري ! أما الميزان التجاري وكنتيجة لتلك الوردات الهائلة اختل اختلالا شديدا وتفاقم العجز في المعاملات التجارية فحتي عام 1972 لم يكن العجز قد تجاوز 200 مليون قفز وتضاعف سنة 1973 بعد إعلان سياسة الانفتاح الاستهلاكية ليصل إلى 450 كليون جنيه ثم 500 مليون جنيه لعام 1974 و1300 مليون عام 1975 ..واستمر التصاعد

وارتفعت الأسعار خلال ثلاث سنوات بعد حرب أكتوبر أكثر من 50% بينما لم يتجاوز متوسط الزيادة في الأجور 6و5% وعلق ملحق الأهرام الاقتصادي في عدده الصادر في فبراير (شباط) 1977 على الوضع الاجتماعي .

قائلا:

"بأنه مجتمع التفرقة والعزل يأتي على شكل لعزل العنصري في جنوب أفريقيا وروديسيا وإسرائيل التفاوت الطبقي الصارخ والهوة المتزايدة الاتساع بين فئات اجتماعية لا تقل خطورة عن العزل بسبب لون البشرة أو الأصول أو الأعراق , كلاهما يخلف فئات واسعة من المنبوذين ويستهلك مجتمع العزل هذا بالصورة التالية.9,8 من مواطنيه يلتهمون 44,5% من جملة الاستهلاك والأخطر من ذلك فإن نسبة 2,3 في أعلي الهرم يلتهمون وحدهم 24 % من حجم الاستهلاك"

ويكشف لنا تقرير من حزب التجمع الوطني الأسباب الحقيقية للأزمة التي تتصاعد كل يوم وهي ليست سوي عمليات نهب منظم وتخريب مدبر من الشركات العالمية التي تدفقت على مصر ..

يقول التقرير

"في عام 1953 بني فندق شبرد بأيدي مصرية وشركات مصرية في هذا العام تتم "عمرة واسعة" في الفندق وتتولي هذه المرة 12 شركة أجنبية منهم شركة من أقصي غرب كندا من بلد اسمها "فانكوثر" 12 شركة أجنبية تشترك في عملية ترميم فندق صمم وبني وأثث بأيدي مصرية منذ 25 سنة مضت !

مصر وحدها من عام 1950 حتى عام 1965 أقامت في القاهرة والإسكندرية وحدها 25 سنترال تليفون كامل بجهود مهندسيها وعمالها وخبرائها وبدون أى خبير أجنبي و "اليوم" اقترضت مصر من البنك الدولي 62 مليون دولار لدعم شبكة التليفونات في القاهرة فأعطيت الـ62 مليون دولار لشركة تليفونكن الألمانية الغربية التي أنجزت عملية واحدة وبسيطة ..

وفي كل مرة تختفي سلعة محلية من السوق يكون السبب أن هناك سلعة مستوردة لابد من توفير ظروف انتشارها يختفي "السابو والرابسو" لكي يباع "التاير" و"الأريل" المستوردان !

وانخفض إنتاج السجاير المصرية ليزيد توزيع السجاير المستوردة وهكذا تتحول أموال المصريين غلى جيوب الخواجات والشركات والوسطاء واتفق 200 مليون جنيه على نفق الشهيد أحمد حمدي الذي يمر تحت قيادة السويس وهو نفق لا أهمية عسكرية ولا اقتصادية بالنسبة للاقتصاد المصري إنما أقيم تحقيقا لمصلحة إسرائيلية ومطلبا إسرائيليا عبرت عنه جولدا مائير عندما قالت "لن يكون هناك سلام غلا يوم استطيع أن استقل سيارة واذهب للقاهرة للتسويق .."

وحاول البعض أن يدعي بأن هذا النفق يخدم أغراضا عسكرية فرد الفريق الجمسي بأن هذا النفق لم تطلبه القوات المسلحة وليس لها فيه أية مسلحة ! ففي حالة قيام حرب فأن أول شئ يسعي إليه الطرفان هيونسف هذا النفق الذي تكلف 200 مليون جنيه كانت وحدها كافية لإقامة المساكن الشعبية وحل أزمة الإسكان ! ولكنها دخلت جيوب الشركات الاستعمارية والمقاولين المصريين

منطق الخيانة

كان "الميثاق" الذي عبر عن نضال الشعب المصري ينص:" في مجال المال " " يجب أن تكون المصارف في إطار الملكية العامة فإن المال وظيفة وطنية لا تترك للمضاربة أو المغامرة "

وبعد "الردة" قال وزير التعاون الاقتصادي في نظام السادات:

" إن الهجوم على البنوك الأجنبية يتركز حول أنها تهتم بجمع الودائع من العملة الصعبة والواقع أن المصريين كانوا يقدمون عن طواعية واختيار هذه الودائع لتلك البنوك أو فروعها خارج مصر في بيروت ولندن أو سويسرا.باختصار فإن الدولة في مصر تقوم بما كان يقوم به المهربون سابقا ..

وقد واجه الوزير سؤالا من محرر "روز اليوسف " قائلا:

ولكن المعروف أن رأس لمال المالي هو عصب الاقتصاد والقابض عليه ألا تخشي أن تسيطر تلك البنوك الأجنبية وما في ذلك من خطر على الاقتصاد المصري؟

أشاح الوزير بيده قائلا:

لا يوجد أى خطر من هذا على الإطلاق فحجم أعمال تلك البنوك محدود بالنسبة لحجم البنوك المحلية؟بصراحة حتى يطمئن رأس المال الأجنبي للاستثمار أننا جادون فعلا ولتسهيل التعامل مع المستثمرين عندما يجدون فروع بنوكهم الأصلية الموجودة في لندن ونيويورك وباريس في القاهرة ثم هذه البنوك في النهاية بدأت تساهم في عمليات اقتصادية مصرية في حدود 40 مليون دولار حتى الآن والبقية تأتي!

وهكذا يكشف الوزير أن كل ما قدمته البنوك الأجنبية التي تنهب مصر 40 مليون دولارا فقط للاستثمار فكم نهبت ؟وكم من الأموال حولت إلى الخارج؟ وكم من الأرباح جنت منذ بداية الإنتاج؟

وكما حدث أيام الخديو إسماعيل يتقدم الأجانب بمشروعات وهمية يعترف بها وزير التعاون الاقتصادي في نظام الإنتاج فيقول إن أول قوافل الاستثماريين التي نزحت إلى مصر كانت من الأفاقين والنصابين الذين تخيلوا أن بوسعهم أن يقضوا الطورطة مجانا!

تقدم البعض بمشروع يساهم فيه بالآلات والمعدات وعند تقييم تلك المعدات وجدنا أنها لا تساوي ربع الثمن الذي تقدم به إلينا تقدم مستثمرون أجانب بعرض توريد كميات من السلع التي يريدون إنتاجها في مصر ثم تبين أن الهدف ليس استثمار أموال وإنما هو بيع سلع ! مثل آخر .

تلك المشروعات الضخمة عن القوي السياحية كلها أوهام فهل تراجعت الدولة في ظل نظام "السادات" عن "الانفتاح" أم تمادت فيه وفتحت الأبواب على مصراعيها للسلع والبضائع الفاسدة والأرباح الخيالية المنهوبة من دماء الشعب.

وعندما تنتهي مهمة "السادات" لدي الأسياد الأمريكان سيحملونه وحوارييه تهمة الفساد لتبرئة النظام الرأسمالي الذي يقوم على الجشع والنهم ويخلق الظروف للفساد ثم يحاولن خلق "سادات" جديد !!

تصفية الناصرية

كان الخطأ الأساسي في المرحلة الناصرية أنعبد الناصر أراد أن يكون "الكل في واحد " وتكونت حلقات كل منها يدعي أنه يمثل تيارا وطنيا وجعلت من نفسها حاجزا بين عبد الناصر والجماهير.

والثورة الوطنية التي هي بطبيعتها في هذه المرحلة التاريخية ذات اتجاه اشتراكي لا يمكن أن تتم بمعزل عن الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولا يمكن أن يقتصر دور الجماهير على تأييد القيادة مهما كانت مميزات تلك القيادة ..

والطريق الطبيعي لانجاز الثورة الوطنية الإشتراكية هي طريق تنظيم الجماهير في أحزاب ومنظمات حقيقية تنبثق منها السلطة السياسية التي تتولي القيادة ولكن الحلقات التي أحاطت بعبد الناصر حالت دون تنظيم الجماهير ..

واعتمدت "الناصرية" على الأجهزة البيروقراطية والبوليسية وعلى الرغم من تحقيق منجزات تقدمية وتحررية مهمة إلا أنها لم تترك الفرصة لثورة حقيقية وظل "باب الردة" مفتوحا .

وعلى اثر وفاة عبد الناصر انفجرت الصراعات بين حلقات النظام واستغلت القوي الإمبريالية هذه الصراعات وبدأ النفوذ الأمريكي العمل على تصفية "النظام الناصري" والقضاء على الاتجاه الاشتراكي ونسف المكاسب التي حققتها الجماهير وفي غيبة الجماهير اجتمعت قيادات هذه الحلقات التي أطلق عليها مراكز القوي ومن خلال المساومات بين أفرادها اختاروا "السادات".

وكان اختيار "السادات" صفعة لكل القوي الوطنية الحقيقية وللنضال الوطني فإن ماضيه سواء في عدائه لحزب الوفد (كان يمثل الغالبية) أو في ارتمائه بين أحضان الملك أو انتمائه الفكري للنازية و كان معروفا للجميع وكانت هذه الاتجاهات تمثل عداء للاشتراكية.

وبدأ السادات في تنفيذ الخطة المرسومة تحالف مع " مجموعة الصحفي هيكل "لضرب" مجموعة على صبري " وأدركت مجموعة "على صبري" أنها تواجه ارتباطات مشبوهة بالإمبريالية الأمريكية فحاولت أنتجر الاتحاد السوفيتي إلى التدخل في الشؤون الداخلية في مصر ولكن السوفيت ظلوا ملتزمين بموقف عدم التدخل.

وتخرجت الولايات المتحدة وتم انقلاب 15 مايو وأبعدت احدي حلقات النظام عن السلطة إن هذه الفئة التي أبعدت لم تكن المعبرة الحقيقية عن أماني وطموحات الجماهير في مصر ولعلها كانت المسئولة عن أغلب حوادث الإرهاب والوقوف بعنف ضد المنظمات الحزبية والنقابية واشتركت في النهب ورفعت وحققت شعار "أهل الثقة" فظهر على سطح المجتمع فئات طفيلية وعاجزة لتشغل مناصب ومراكز هامة.

وبدأ صراع جديد بين مجموعة هيكل والسادات أو بمعني آخر صراع بين اتجاهين:

الاتجاه الأول يريد المساومة والتفاهم والمصالح وبشروطه التي كان ينادي بها تحييد الولايات المتحدة والالتقاء معها في منتصف الطريق .
الاتجاه الثاني ويمثله "السادات" يريد حسم المشكلة نهائيا ضد أمريكا أم مع أمريكا؟

والاتجاهان بعيدان عن تحالف قوي الشعب بعيدان عن خط التحرر الوطني ويضعان نهاية للمرحلة الناصرية ..الأول يريد أن يرسم نظريات جديدة لحركة التحرر العربية من خلال أوهام يحافظ بها على مكاسبه دون مشاركة الجماهير كان هذا الاتجاه يمثل ط الورثة للإمبرياليات القديمة ورث عنها ملكية الشركات والمؤسسات التي أممت واقتنص الغرب والقصور التي تركها الأجانب وراءهم بعد التأميم وكانت خطة هذا الاتجاه تتمثل

  1. التحالف مع الشعب بأشكال غير محددة يقدم للشعب ما يريد أن يمنحه ويمنع عنه مالا يريد أن يمنحه.
  2. التحالف مع الاتحاد السوفييتي والقوي الإشتراكية في حدود المنفعة أى منفعة طبقة . دون أن يلتزم بأى شئ للجماهير.
  3. التنازل عن المكتسبات الشعبية مع الاحتفاظ بما نالته الطبقة البيروقراطية من مكاسب .

أما الاتجاه الثاني فيري:

  1. اقتلاع العشرين سنة الماضية من حياة الشعب المصري من عام 1952 حتى 1970
  2. تجميد العلاقة نهائيا مع المعسكر الاشتراكي
  3. إلغاء القطاع العام والمكاسب الإشتراكية

وكان الاتجاه الثاني يمثل مطلب الولايات المتحدة والرجعية العربية ولهذا سرعان ما انتصر هذا الاتجاه الذي يمثل داخل مصر السماسرة والطفيليين والرأسمالية الزراعية.

واختفت من على مسرح الأحداث فئات البيروقراطية والرأسمالية الناشئة وكان الاتجاهان ضد حركة التطور وحركة الشعب وكان الشعب يقف بعيدا يرقب الصراعات ويعاني الأزمات .وسقطت قوي المساومة والتفاهم لتبقي قوي التسليم الكامل.

ولكن هل انتهي الصراع بين الاتجاهين؟ انفصل "هيكل" عن جناحه وبدا يبشر " بالحقبة السعودية" وأخذ يقدم نفسه بديلا للسادات كاتجاه واعي وأكثر قدرة على ممارسة السياسة الأمريكية في المنطقة بشكل له المظهر العلمي أو الإقناع المدروس !

الفصل الثالث:حرب أكتوبر

كانوا يتقدمون موجات بعد موجات كنا نطلق عليهم النار ويتقدمون كنا نحيل ما حولهم جحيما ويتقدمون.لقد كانلون القناة قانيا من الدم وهم يتقدمون الجنرال جونين القائد الإسرائيلي لجبهة سيناء

حرب أكتوبر من النكسة إلى الردة..

كان قرار "حرب أكتوبر" قد أعلن ليلة 9 يونيو عام 1967 عندما رفضت لجماهير العربية منطق الهزيمة والاستسلام كان ما حدث في نكسة 5 يونيو ضد منطق انتصارات حركة التحرر الوطني وضد حقيقة القوي الذاتية العربية.

ولهذا سرعان ما انطلقت الجماهير في القاهرة والخرطوم وبغداد ودمشق في كل الوطن العربي ترفض الهزيمة وسرعان ما أقيم الجسر الجوي بين موسكو والقاهرة وفي هذه اللحظات تأكدت الأسس العلمية والعملية التي تقوم عليها ثورات التحرير في نضالها ضد الإمبريالية والصهيونية العالمية.

التحالف مع جماهير العمال والفلاحين تنظيم قوي الشعب ذات المصلحة الحقيقية في إطار تنظيماتها الطليعية ضد التحالف لرجعي الإمبريالي.إن حركة التحرر جزء من الثور العالمية..

أولا:حركة الجماهير

كانت الحركة العفوية التي انطلقت ليلة 9 يونيو وعيا جماهيريا حقيقيا ولم يكن ينقصه سوي التنظيم والقيادة الطليعية ليكون وعيا علميا يواجه النكسات ففي تلك اللحظات حيث حوم شبح الهزيمة ورفعن الرجعية شعار الاستسلام ووقف الاتحاد الاشتراكي يائسا عاجزا عن الحركة انطلقت الجماهير في كل مكان ترفض منطق النكسة.

شعرت الجماهير أن "نظام الحكم" الذي فرض عليها الوصاية يتداعي وأن وراء الهزيمة والانهيار "مؤامرة" تستهدف سلب كل ما حققته الجماهير من انتصارات ضد الاستعمار والرجعية.كما تستهدف في المقام الأول ضرب مكتسبات التحرر من تأميم وتحرر من عبودية رأس المال ومن سيطرة ملاك الأرض الجشعين على وسائل معيشة الشعب.

وكانت الجماهير تدرك أن قواها الثورية النامية التي هي جزء من الثورة العالمية لا يمكن ان تسقط في مثل "الهوة" التي حدثت خلال حرب 5 يونيو (حزيران).. وأكدت '" مؤامرة المشر " ومحاكمة شمس بدران أن ما حدث في 5 يونيو لم يكن نكسة بقدر ما كان مؤامرة وخيانة ساهم فيها ضباط خونة من سلالة الإقطاع وصحفيون معروفون بالانتماء إلى الرجعية.

والواقع كانت الجموع التي انطلقت ليلة 9 يونيو تمثل جماهير الفلاحين الذين جاؤوا من أعماق الريف متسلقين القطارات والسيارات وعمال القطاع العام الذين زحفوا من الأحياء الشعبية والأزقة ونساء كادحات ..

ومع هذه الهبة الثورية انطلقت عناصر البورجوازية الصغيرة يجرفها المد الثوري والشعور الوطني بعد أن كانوا قد استسلموا أمام الهزيمة أما الرجعية والإمبريالية التي أخذتهما المفاجأة وكانتا البورجوازية الصغيرة يجرفها المد الثوري والشعور الوطني بعد أن كانوا قد استسلموا أمام الهزيمة ..

أما الرجعية والإمبريالية التي أخذتهما المفاجأة وكانتا تتربصان لتقفزا إلى الحكم فقد انزوتا تتربصان لفرصة أخري تضربان فيها الشعب ولكن التلقائية والعفوية التي اتسمت بها حركة الجماهير في 9 يونيو تعرضت للنكسات والوقوع في براثن القوي المضادة فبينما تصدت الجماهير في تلقائية للمؤامرة الرجعية الصهيونية الأمريكية قامت اليمينية بعد أن أفاقت من هزيمتها باحتواء الانتفاضة وإجهاضها.

ثانيا:التنظيم الطليعي

كان لوصول الجناح العسكري للحركة الوطنية عام 1952 إلى الحكم تأثير كبير على التطور في مصر وعلى مجري الأحداث وعندما أراد عبد الناصر أن يصحح الأخطاء بعد نكسة أو مؤامرة 5 يونيو (حزيران) لم يستطع أن يذهب إلى نهاية التغيير

ففي خطاب 23 يوليو 1967:

"أن الشعب يطالب بوضع حد للامتيازات التي حصل عليها البعض بغير وجه حق وأنا مع الشعب إن الشعب يطالب بالتكافؤ في التضحيات وأنا معه في ذلك إن الشعب يطالب بالنقاء والطهارة الثورية وأنا أطالب مع الشعب بذلك "

ولكن المشكلة لم تكن تتعلق بإرادة فرد بل شكل الحكم والقوي الاجتماعية والتغييرات الاقتصادية .فما أن زالت "عصبة المشير" التي أشار إليها عبد الناصر بقوله أن هناك فئة عسكرية اعتقدت أنها " الوريثة" حتى تشكلت مراكز قوي جديدة كان بعضها امتدادا لعصبة المشير والبعض الأخر قفز ليملأ الفراغ الذي تركته جماعة المشير.

وسرعان ما أفاقت الرأسمالية الطفيلية والرجعية وأعادت تشكيل قواها من جديد ومدت يدها إلى مراكز القوي الجديدة وتسلمت مراكز حساسة في الحكم .

ولم يكن في هذا جديد .. فقد حذر الفكر الاشتراكي من الحركات العفوية قائلا:

"قد يتساءل القاري لماذا كانت الحركة العفوية حركة الاتجاه نحو أهون السبل تؤدي على وجه الدقة إلى سيطرة الأيديولوجية البرجوازية ؟"

ويجيب:

"ذلك لمجرد كون الأيديولوجية البرجوازية من حيث منشؤها أقدم من الأيديولوجية الإشتراكية ولأنها مبحوثة بصورة أكمل من جميع الوجوه ولأنها تتصرف بوسائل الشر أكثر بما لا يقاس "

وهذا ما حدث بالفعل في مصر ارتفع شعار "لا صوت يعلو صوت المعركة" وخلف هذا الشعار عادت الامتيازات إلى أصحابها وزادت الاختلاسات من القطا ع العام وبينما الجماهير تبذل التضحيات كانت الفئات المحظوظة تزداد ثراء وتجري وراء عقد الصفقات مع الغرب الرأسمالي وعاد التشكيك في القدرات والمساعدات الاقتصادية والعسكرية للعالم الاشتراكي بهدف عزل مصر عن حليفها.

ثالثا:عزل مصر

في أعقاب النكسة مباشرة وبعد فشلت مؤامرة المشير وشمس بدران وتأكد تمسك الجماهير بعبد الناصر و جاء إلى مصر كبير محرري "نيوزويك" المجلة الأمريكية واجتمع بعدد من كبار الصحفيين المصريين وطلب منهم الدعوة إلى إخراج الخبراء السوفييت وقال صراحة أنه لا يعترض على استمرار هجومهم على الولايات المتحدة!

وأخذت الرجعية تشكك في قدرة وكفاءة السلاح السوفيتي بهدف فصم العلاقات بين حركة الثورة العربية وقوي الثورة الإشتراكية والحقيقة أن "معركة السلام" والنزاع حول مصادر ونوع السلاح المطلوب للمواجهة ضد الاستعمار والصهيونية كانت من أبرز عناصر الصراع.

كانت فضيحة السلاح "الفاسد" من القضايا التي تمخضت عنها حرب 1948 وأثبتت التحقيقات تآمر الرجعية والاستعمار في شراء وتقديم السلاح الفاسد إلى الجيش المصري مما أدي إلى مصرع عشرات من الجنود بأسلحتهم وليس بسلاح العدو وأثبتت التحقيقات أن الملك وحاشيته ورجاله العسكريين استطاعوا أن يكونوا ثروات طائلة من وراء عقد صفقات السلاح الفاسد..

وعندما سقط تحالف الإقطاع والاستعمار تحررت مصر من قبضة تجار السلاح وعقدت أول صفقة سلاح من الاتحاد السوفييتي عام 1955 وثارت أمريكا !

وقامت فرنسا وانكلترا بالعدوان مع إسرائيل دفاعا عن سوق السلاح الذي فقدوه وعن أسهم شركة القناة وبعد نكسة يونيو (حزيران) بدأت الإشاعات السلاح السوفييتي سلاح دفاعي والسلاح السوفييتي سبب الهزيمة!!

مما اضطر الاتحاد السوفييتي إلى عقد مؤتمرات صحفية يكشف فيها أن الأسلحة السوفييتية لم تقاتل بل سلمت من القادة الخونة إلى العدو دون أن تطلق طلقة واحدة العدو؟!

أكد عدوان 5 يونيو (حزيران) أن الثورة العربية لا تواجه الصهيونية فحسب بل تواجه أمريكا وأعلن ذلك الرئيس جمال عبد الناصر في خطابه بعد النكسة في 23 يوليو 1967 "أمريكا كانت مع العدوان وأيدت العدوان كان هناك تواطؤ بين أمريكا وإسرائيل"

وفي حديث رسمي بتاريخ 4 مارس 1968 قال:

"إن لدي القيادة العليا شواهد على أن الولايات المتحدة وبريطانيا اشتركتا في العدوان الإسرائيلي بطائرات من حاملات الطائرات تؤمن إسرائيل بغطاء جوي لطائراتها أن تتفرغ للهجوم"

ولم يكن موقف الولايات المتحدة مفاجأة بل امتداد طبيعيا لدورها في ضربة حركة التحرر العربي ولكن ظهور أمريكا بشكل سافر العداء كان من أبرز التغيرات التي حدثت في المنطقة منذ بدأ العدوان الصهيوني.

إن عدوان 5 يونيو "حزيران" أكد أن خطوط القتال لم تكن تمر بين إسرائيل ودول المواجهة فحسب بل كانت تمتد لتشمل قوي الثورة العربية وحركات التحرر والعالم الاشتراكي في مواجهة مع الصهيونية والإمبريالية الأمريكية والاحتكارات العالمية..

ولكن اليمين الرجعي والرأسمالية الطفيلية استمرت في زحفها وأخذوا يتحدثون عن تقنين الثورة وتدعيم القطاع الخاص وعن الموقف الدولي وظهر شعار القوتان الأعظم ط لوضع الاتحاد السوفييتي وأمريكا في كفتي ميزان متعادلتين الذي يقدم لك السلاح للدفاع نفسك في موقف الذي يدمرك بالسلاح أو الذي يقدم السلاح لعدوك.

وبينما كانت المتغيرات الدولية والعالمية تسير في اتجاه كبح جماح قوي العدوان كانت الرجعية العربية تحول هذه المتغيرات إلى عناصر للهزيمة..

وجاء في مقال نشرته مجلة "الطليعة" التي كانت تصدر عن "دار الأهرام" تحت عنوان المحتوي الجديد للوحدة الوطنية والشعبية الجديد"

انه يجب أن يعلوا النضال الوطني فوق النضال الاجتماعي حيث انه من الضروري استخدام كل الإمكانيات للقضاء على آثار العدوان وتتبوأ المسألة الوطنية اليوم مكان الصدارة وقد احتلت المكانة الرئيسية من بين مهامنا في المرحلة المعاصرة يجب إدراك هذه الحقيقة بمنتهي العمق.

وكان معني ذلك التراجع عن النضال الاجتماعي وفتح المجال أمام جماعة "زكريا محي الدين" التي كانت تدعو إلى إعادة النظر في خط مصر السياسي الذي اتخذته قبل 5 يونيو تجاه الولايات المتحدة ...

وأكدت صحيفة الأهرام في مقالات هيكل أن الولايات المتحدة تقبض في يدها في الوقاع على مصير الشرق الأوسط وكان ذلك هو التمهيد الأول لما قيل أن الولايات المتحدة في يدها 99% من الحل !

واستمرت مقالات هيكل تتحدث عن القنبلة الذرية التي تملكها إسرائيل وعن "مناطحة الثور للجيل" .. ويقصد به مواجهة الشعب العربي للولايات المتحدة !

وبدأ رفع الحراسة عن الأموال والأراضي التي يملكها الإقطاعيون وأفرج عن أفراد من "عائلة الفقي" التي قتلت عضوا في الاتحاد الاشتراكي ومن المعروف أن عائلة الفقي " كانت احدي العائلات التي خانت مصر أيام الغزو البريطاني.

وظهرت الدعوة والعمل في سبيل القضاء على الدور القيادي للقطاع العام..وقامت صحيفة الأهرام بالدعوة علنا في بعض مقالاتها بالدعاية لوجهة نظر "الرأسماليين الجدد" والتأكيد على ضرورة تشجيع القطاع الخاص !!

وقامت جماعة " زكريا محي الدين وعبد المنعم القيسوني " بتقديم اقتراحات في أواخر 67 وأوائل 68 تهدف إلى إيقاف بناء المؤسسات الجديدة التابعة للدولة ونقل المؤسسات التابعة للقطاع العام المؤممة والتي بنيت حديثا " ولا تحقق ربحا إلى القطاع الخاص كما اقترح رفع السعار للمواد الاستهلاكية واستقال زكريا محي الدين من كل مناصبه..

واستبعد عبد المنعم القيسوني بعد أن سعي الرأسماليون الجدد إلى تأييد البنك الدولي وبنك النقد الدولي في الحصول على قروض مقابل تغييرات جذرية في سياسة مصر والتخلي عن "التجربة الاقتصادية" التي بدأت منذ عام 1961 وتحسين العلاقات الأمريكية المصرية ولكن عبد الناصر أعلن في أكتوبر أن مصر ماضية في سياسة التنمية على الرغم من نصائح وتوجيهات البنك الدولي الذي طالب بتخفيض الاستثمارات في القطاع العام ..

وعلى الرغم من الاطاحة بالرؤوس المنفذة لخطط الرجعية إلا أن الرأسمالية الجديدة والرجعية كانت " معيشة " داخل أجهزة الدولة والإعلام تعمل في خبيث وذكاء ماكر..

المؤامرة

في جلسة مجلس الوزراء فبراير (شباط) عام 1968 قال عبد الناصر:

"شايف أن الأمريكان عايزين يمشونا في سكة غير سكة قرار مجلس الأمن اجتماع مشترك بيننا وبين اليهود غير موجود في قرار مجلس الأمن تفاوض مشترك غير موجود أيضا في القرار أنا شايف إنهم عايزين عن طريق السير في الإجراءات بالأسلوب اللي مخططين له يمشونا إلى مطلب إسرائيلي الأساسي هذا يجرنا إلى ضرورة استعراض خطط الأمريكان ضدنا وهذه الخطط مرت على ثلاث مراحل:
  1. المرحلة الأولي ن الهزيمة تقضي على النظام ويقوم بدلا عنه نظام آخر موال للأمريكان .
  2. المرحلة الثانية كان في تقديرهم أن كل فلوسنا بتخليص في شهر ديسمبر بحيث نبقي غير قادرين على توفير القمح اللي بتعمل به العيش للناس لكن قرارات مؤتمر الخرطوم جاءت صدمة لهم وأخذنا الدعم الاقتصادي اللي قدرنا نعبر به هذه المرحلة.
  3. المرحلة الثالثة .وهي المرحلة الأخير لقد اتجه الأمريكان بعد ذلك للعمل على إسقاطنا داخليا عن طريق عدم الاستقرار الداخلي وأنا اقدر أن الأمريكان حيصرفوا السنة الجاية من 15 إلى 20 مليون جنيه في مصر على بعض العناصر الداخلية لتحقيق هذا الغرض .

وتحقق ما تنبا به عبد الناصر ولكن بعد وفاته وأدركته الجماهير وحدثت الانتفاضة الطلابية في يناير 1972 واصدر الطلبة بيانات تدعو إلى إنهاء كل المحاولات التي تبذلها الحكومة المصري (حكومة السادات) من أجل الوصول إلى حل سلمي طالبوها بأن تتخلي عن الاهتمام بمبادرة الولايات المتحدة..

ودعا زعماء الطلبة إلى تجميد مرتبات كبار الموظفين وإلى حرية الكلام والصحافة طالبوا بأن تؤيد الحكومة تنظيمات المقاومة تأييدا كاملا و وبأن تفرج عن جميع العمال الذين ألقي القبض عليهم بعد إضراب حلوان ..وتميزت الخطب التي ألقاها الطلبة بشن حملات ضد "هيكل" رئيس تحرير الأهرام و"موسي صبري رئيس تحرير الأخبار

وامتلأت مباني الجامعة باللافتات والشعارات "نموت وتحيا مصر" اقطعوا العلاقات مع "جزار عمان" "الحل السياسي لا وجود له " وأصدرت اللجان الوطنية في الجامعات والكليات المختلفة بيانات تعبر عن اتجاهات الشعب .

وجاء في بيان اللجنة الوطنية العليا لطلاب جامعة القاهرة:

  1. إيقاف كل المحاولات لعقد حلول سلمية مع العدو الأمريكي الصهيوني وشجب كافة المحاولات السابقة وانتهاج منهج متنامي ضد العدو .
  2. البدء فورا في تعبئة جماهيرنا في شكل شعبي قوامه فرق الطلبة والعمال والفلاحين لمواجهة احتمالات الحرب الطويلة ضد العدو .
  3. تعديل هيكل اقتصاديا كما يصبح اقتصادا للحرب بان يركز على الإنتاج الحربي وإيقاف الترف الاستهلاكي وتحميل الدخول الكبيرة العبء الأكبر من المعركة
  4. إعلام غير هزيل و وديمقراطية غير مزيفة

وكانت بقية بيانات الطلبة في مختلف الجامعات والكليات تتضمن نفس المطالب مع إضافات أو تأكيد على اقتصاد الحرب .ووقف استيراد السلع الاستهلاكية وتقريب الفوارق بين المرتبات وتكوين المليشيا الشعبية و تأكيد دعم المقاومة الفلسطينية

استمر الصراع عنيفا بين القوي الرجعية والمتآمرة وبين الشعب وفي الوقت الذي كان الطلبة يطالبون بموقف حاسم مع العدو الأمريكي كان النظام يقوم باتصالات سرية وعلنية مع الولايات المتحدة افتضحت بعد أن ابعد " هيكل " عن "اللعبة" ونشر أسرار تلك الاتصالات في كتابة "الطريق إلى رمضان" وتبين أن السادات كان على اتصال بأمريكا عن طريقين.الأول ك وزارة الخارجية الثاني:المخابرات الأمريكية.

وفي هذا الجو الملبد "بالضباب" كما قال السادات بالمؤامرات كما هي الحقيقة فوجئ الشعب في مصر والعالم لعربي باشتغال الحرب في 6 (تشرين أول) أكتوبر 73 ففي الوقت الذي كان السادات يتحدث عن عداء أمريكا ويلح على طلب السلاح من الاتحاد السوفييتي كانت هناك اتصالات مع كيسنجر حتى قبل أن يتولي منصب وزير الخارجية ..وعن طريق شبكات الاتصال المغلقة.

ويروي " هيكل " في كتابه "الطريق إلى رمضان" قصة هذه الاتصالات:

فقد بذلت محاولات وسائل جديدة للإتصال ووجدت نفسي مشتركا في واحدة منها على الأقل وكان ذلك حين قام دونالد كانديل رئيس مجلس إدارة بيبسي كولا بزيارة القاهرة عام 1972و وكان كانديل صديقا شخصيا لنيسكون الذي كان محاميا للشركة وقد اتصل بي عن طريق محام مصري بارز هو الدكتور زكي هاشم (محامي الشركات الأمريكية) الذي تولي بعد ذلك منصب وزير السياحية"

هكذا اشتعلت الحرب ..الحرب كانوا يتقدمون موجات بعد موجات كنا نطلق عليهم النار ويتقدمون كنا نحيل ما حولهم جحيما ويتقدمون لقد كان لون القناة قانيا من الدم وهم يتقدمون

الجنرال جونين القائد الإسرائيلي لجبهة سيناء كان واضحا أن هؤلاء الجنود من الفلاحين والعمال الذين شقت لهم "الناصرية" طريق الحياة يريدون هذه الحياة لم يعودوا كما مهلا بل تفجرت فيهم ينابيع الإنسان المكبوتة منذ سنين

ولعل "الحرب الدفاعية" هي اسمي اللحظات التي تبدو فيها حقيقة الإنسان وقدراته الخارقة وظل الإنسان المصري محروما من الدفاع عن نفسه مكبلا بقيود ثقيلة و حتى جاءت اللحظة التي انطلق فيها من هذه القيود ليظهر حقيقة جوهره..

فعندما قامت ثورة23 يوليو لم يكن الجندي المصري يملك سلاحا إلا بقايا الحروب التي يجود بها عليه العدو ولم تتح له فرصة التدريب على العمل وكان يحكم خطواته قادة من " أبناء الذوات" الذين فرضوا عليه التدريب من اجل "الاستعراض"

وكان من أبرز أهداف الثورة " تكوين الجيش الوطني " فلن تستطيع دولة أن تحمي بناءها وأبناءها بدون جيش قوي وبعد صراع عنيف استطاعت مصر أن تحصل على السلاح من الاتحاد السوفييتي .ولكن في اللحظة التي امتلكت مصر فيها السلاح كان الجيش قد انفصل عن الثورة وأصبح رصيدا للقوي المضادة.

فكانت الأسلحة تظل في صناديقها والقادة والضباط الذين يدربون أو يتلقون أحدث فنون الحرب ينقلون إلى مراكز مدنية بمرتبات مغرية بمجرد عودتهم من الاتحاد السوفييتي وكان عبد الناصر عاجزا عن تغيير " المشير " أو " قادة الجيش المشبوهين" وإلا أحدث صداما غير مأمون..

وتفرغ عبد الناصر للبناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي حتى كانت نكسة 67 وسقط "المشير" و" رجاله " وخلال فترة قصيرة نسبيا أعيد بناء الجيش واختير القادة المؤهلون للعمل وتدفق على الجيش أبناء الفلاحين والعمال الذين أتاحت لهم " الثورة " فرص التعليم وأصبح الجيش من المؤهلين "لمعركة الحرب الالكترونية الحديثة "

ويروي " هيكل في كتابه " الطريق إلى رمضان ":

في اجتماع بين عبد الناصر والماريشال زاخاروف الذي ألقيت عليه مسؤولية كل الجواب المعونة السوفيتية في إعادة بناء القوات المصرية المسلحة قال زاخاروف لعبد الناصر أنه إذا كان يريد نتائج سريعة فإن الحاجة تستدعي إحضار مزيد من مستشاري التدريب الروس زيادة على بضع المئات من الموجودين حاليا لديه .. ورد عبد الناصر بأنه مستعد لقبول عدد من المستشارين يصل إلى مستوي اللواء.

وهكذا أصبح لكل قائد لواء مستشارا سوفيتيا معين له وكان عددهم قد بلغ حينذاك 1200 مستشارا ولعل عبد الناصر كان يمثل بقول الفريق الشهيد عبد المنعم رياض .

"ليست لدي قائده في كل هذا الكلام عن الحل السلمي إن الجيش لا بد أن يقاتل وإذا لم تتح له الفرصة للقتال فإن رجالنا سيصبحون عبيدا وتصبح نساؤنا كلهن بغايا"

شئ هام أثير خلال الأعداد للمعركة ففي اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للإتحاد الاشتراكي تحدث عبد الناصر عن أهمية تشكيل "الجيش الشعبي" لحماية الهداف الرئيسية في مصر وقال عبد الناصر في هذا الاجتماع .

"لابد أن نسرع في إعداد الجيش الشعبي لقد وعدني السوفييت بتسليح هذا الجيش الذي سيصل عدده إلى مليون مقاتل وأن يكون واضحا للجميع أن هذا هو قرارنا وأننا مصرون على عدم الاستسلام إلى أن يحل آخرون محلنا فيحكموا ويستسلموا أما نحن فلن نقبل هذا ما قلته عام 1956 وما زلت أقوله وأكرره مرات "

وكانت فكرة "الجيش الشعبي" مطلبا جماهيريا طالب به طلبة الجامعات في مؤتمراتهم كما طالب به العمال ولكن القوي المضادة استطاعت أن تكتب " الفكرة وأن تؤيد المحاولة ..إن " القوي المضادة" التي كانت تعيث فسادا في الجيش .. انتقلت بكل ثقلها إلى الجبهة الداخلية مستغلة انشغال "القائد" بالاستعداد للمعركة وسعت إلى قرارات رفع الحراسة وفتح الباب أمام القطاع الخاص وإلى تدعيم الطبقة الجديدة وزيادة شرهها إلى جمع المال..

وهكذا اندلعت "الحرب" والصراع الطبقي في مصر على أشده ولكن البناء الذي أقيم خلال سنوات الثورة استطاع أن يبرز قيمة حقيقة الإنسان.

القتال

ست سنوات وهم ينتظرون هذه اللحظة مئات الزوارق تعبر القناة آلاف من الجنود ومع الجنود ركب المهندسون ومساعدوهم وكانت نيران العدو تنصب من خط برليف لاقتناص الرجال في زوارقهم وأصيبت زوارق وسقط شهداء واشتعلت ضفتا القتال بالقذائف وسط هذا الجحيم عبرت القوارب المطاطية القناة عبر المشاة وعبرت الدبابات الجنود المصريون يقتحمون الدشم مستخدمين الأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية والألغام الجنود الإسرائيليون يتساءلون وهم في حالة ذهول بعد وقوعهم في الأسر

أين كان هؤلاء المصريون إنهم ليسوا هم المصرين الذين عرفناهم؟ ولكنهم كانوا المصريين كانوا مشروعي السلاح محرومين من حق الحياة مفروض عليهم الجهل والأمية وعندما تحرروا ظهرت قواهم الحقيقية ثم وجدوا السلاح والتدريب وأتيحت لهم فرصة مواجهة العدو مباشرة والاشتباك معه في قتال رفعوا العلم المصري فوق خط برليف.

وتحطمت أسطورة " التفوق الصهيوني " لم تكن أسطورة كانت خدعة كان العدو "مسلحا الفانتوم" أو "السكاي هوك" وعندما تسلح الجندي المصري "بصاروخ سام 6 " تهاوي التفوق بل وواجهته "الميج " كان العدو مسلحا بالدبابات الأمريكية وعندما امتلك الجندي المصري الصواريخ "أرض أرض" انتهي التفوق الصهيوني..

كان وراء الجندي الصهيوني عالما طويلا وعريضا من الثورة الصناعية ومن خبرة وتجارب التصنيع سواء في التنظيم أو الإدارة ومن العلم الحديث وانعكس ذلك كله في حرب 56, 67 واستطاع الإنسان المصري أن يعوض تخلفه خلال فترة زمنية تعد معجزة عندما ارتبط تصنيعه وتدريبه وعلومه بالثورة الإشتراكية..

ففي خلال عقود طويلة ظل الإنسان المصري تحت الكبت الاستعماري مقيدا بالزراعة ولم ينل من تجارب الصناعة أو العلوم الحديثة إلا القليل الذي كان يمن به عليه العالم الرأسمالي .. وعندما تحرر وفك أسر القيود وانطلق بحثا عن المعرفة والعلم ظهرت له الحقيقة وهي أن التخلف ليس قدرا مكتوبا على شعوب دون أخري ولم يكن عجيبا من أصحاب العقليات الفاشية أن يروا في تحطيم خرافة التفوق مفاجأة فقال رئيس الأركان الإسرائيلي .." إن لكل حرب مفاجأة ومفاجأة هذه الحرب هي الجندي المصري "

كانت القوات المصرية مجهزة ومدربة بشكل متفوق وبروح قتالية عالية واستطاع المصريون أن يحطموا خدعة التفوق الصهيوني وشاهدت سيناء خوذات الجنود الإسرائيليين مبعثرة هنا هناك والدبابات والمدرعات والسيارات المجنزرة الصهيونية محترقة ومتناثرة والجنود الصهيونيين يجرون مستسلمين حفاة رافعين أيديهم إلى أعلي..

إن استعمال الصواريخ سواء الموجهة إلى الدبابات أو إلى الطائرات تحتاج إلى خبرات فنية عالية ومع ذلك استطاع العامل والفلاح المصريين أن يدركها..

وإذا كان قرار "الحرب" قد اتخذ ليلة 9 يونيو (حزيران) فإن القتال بدأ بالفعل " بحرب الاستنزاف" فكتب مراسل التايم الأمريكية أثناء الحرب يقولك "إن سلاح الطيران الإسرائيلي الذي كان فعالا عام 67 قد شلت فاعليته تقريبا بحائط الصواريخ ".

واستشهد عشرات العمال المصريين الأبطال وهم يبنون قواعد الصواريخ وتحمل القطاع العام في مصر عبء إقامة وإنشاء حائط الصواريخ تحت وابل من قذائف طائرات العدو وبتضحيات مجيدة من المهندسين والعمال والفعلة أبناء الفلاحين المصريين وكما قيل كان حائط الصواريخ ملحمة في تخطيطه وبنائه وكان إغراق المدمرة إيلات التي دمرتها الكورييد المصرية في أكتوبر تشرين الأول عام 1967 إيذانا ببداية حرب أكتوبر..

الوطن العربي

لم تكن معركة "أكتوبر" معركة مصر وحدها فالجماهير العربية التي انطلقت ليلة 9 يونيو في كل أنحاء الوطن العربي كانت تترقب لحظة القتال وكانت معركة سوريا من أروع معارك الحرب اشتعلت في نفس اللحظة التي خاضت فيها الجيوش المصرية القتال وكان العدو حائرا وهو ينقل قواته بين الجبهة المصرية والجبهة السورية..

ووصلت القوات السودانية إلى مصر لتساهم في المعركة وقامت القوات العراقية بما يشبه المعجزة لتقطع أكثر من ألف كيلو مترا بأسلحتها لتخوض القتال بجانب القوات السورية وكانت هناك طائرات عراقية في مصر تساهم في القتال ..

واشتركت القوات الأردنية مع القوات السورية والعراقية في الهجوم على القوات الصهيونية وكانت هناك القوات الكويتية على ضفة القنال تقاتل جنبا إلى جنب مع القوات المصرية وأسرعت القوات السعودية إلى القتال بجانب القوات السورية ..

وأعلنت الجزائر بعد أن اتجهت طائراتها إلى مصر للاشتراك في المعارك بيانا لمجلس الثورة والحكومة يقول:

"الآن وقد بدأت المعارك فإنه ينبغي أن تستمر حتى النصر واتجهت طائرات مغربية من الرباط إلى القاهرة وفي "أبو ظبي" بدأ التبرع بالنقود والدم..

وأعلنت "اليمن" أنها ستبدأ في إرسال القوات خلال الأربع والعشرين ساعة القادمة كما أعلن رئيس وزراء اليمن الجنوبية انه قد وضع كافة موارد بلاده تحت تصرف مصر وسوريا والفدائيين الفلسطينيين وأذاع العراق أن موقف القوات العراقية في جبهة الجولان جيد وأشار الرئيس لعراقي أن العراق كان أول دولة تستخدم سلاح البترول؛

وأضاف قائلا:

" إن الدم العربي بلا شك اغلي كثيرا من البترول ..."

وقام الفدائيون الفلسطينيون بضرب العدو بالصواريخ في عدة أماكن. واشتغل العالم الثالث .. وأعلنت أوغندا أن الجنود المتطوعين غادروا البلاد بالفعل لمساعدة العرب كما أقيم جسر جوي بين تشاد والقاهرة وقطعت فولتا العليا والكاميرون وجمهورية أفريقيا لوسطي والدول الأفريقية الأخرى علاقاتها بإسرائيل ..

الموقف الأمريكي

في اليوم الثاني للقتال تحركت إحدى حاملات الطائرات الأمريكية واتجهت غلى جزيرة كريت وفي اليوم التالي أعلن مصدر عسكري في واشنطن أن عدة وحدات من الأسطول السادس الأمريكي تحركت متجهة إلى جزيرة كريت ..

وتساء الوزير الخارجية المصري خلال مناقشات مجلس الأمن عما إذا كان بعض المواطنين الأمريكيين قد طلبوا حقيقة التطوع في سلاح الطيران الإسرائيلي وإن حكومة الولايات لمتحدة تستعد لإرسال 30 طائرة فانتوم إضافة إلى إسرائيل من نفس طراز الطائرات التي حاولت الإغارة على القاهرة الحرية لمصر وسوريا

ورفض المسئولون الأمريكيين أن يعقبوا على ما إذا كانت الولايات المتحدة مستمرة في إمداداتها بالمواد الحربية لإسرائيل أم لا ..وفي اليوم الخامس للمعركة كان مطار "هيثرو " بلندن وكأنه معسكر لترحيل الجنود وكان المئات من الشباب الأمريكي المتطوعين في حرب لشرق الأوسط ينتظرون السفر بالطائرات إلى إسرائيل ووصل أكثر من 500 رجل على طائرات نفاثة من نوع الجامبو وانضموا إلى المتطوعين البريطانيين الذين ينتظرون السفر إلى إسرائيل ..

وتوقفت طائرة أمريكية تابعة لخطوط " بأن أمريكان" وهي في طريقها إلى فرانكفورت في مطار "هيثرو" وأنزلت 51 مجندا للسفر من لندن إلى ميدان القتال ..

ووقع 37 عضوا من أعضاء البرلمان الكويتي الخمسين بيانا يحث على سحب الأرصدة النقدية من الولايات المتحدة وإعادة النظر في صادرات البترول إلى أمريكا وأعلن ممثل "الهستدروت" اتحاد النقابات الإسرائيلي 9 إن القيادات النقابية الصفراء لعدة اتحادات عمالية قررت المساهمة ماليا في المجهور لحرب الإسرائيلي

وأعلن جورج ميني رئيس اتحاد عمال أمريكا مساندة وتضامن منظمته مع العمال الإسرائيليين وأكد متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية أن حاملة الطائرات فرانكلين روزفلت غادرت برشلونة متجهة إلى شرق البحر الأبيض المتوسط

ورفض المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية في مؤتمره الصحفي اليوم التعليق عن شحنات معدات عسكرية فوق احدي طائرات النقل الإسرائيلية وقد ذكرت الصحف أن هذه الطائرة حملت بصواريخ جو - جو ...

وفي اليوم السادس صرح مصدر بوزارة الدفاع الأمريكية أن هناك إمدادات عاجلة من قذائف المدفعية والصواريخ المضادة للدبابات وبعض أنواع الذخيرة الأخرى في طريقها إلى إسرائيل وأوضح هؤلاء المسئولون أن طائرات النقل الإسرائيلية سوف تشحن بأنواع الذخيرة المطلوبة من القواعد الأمريكية ..

وأعلن كيسنجر أن الولايات المتحدة لا تري أن البيانات السوفيتية التي تحث الدول العربية على مساندة مصر وسوريا عاملا " مساعدا " كما أن واشنطن غير راضية بالجهود بالعسكرية الروسية لإعادة تزويد العرب بالإمدادات !

وذكر أن عدة مئات من الأمريكيين والكنديين المتطوعين للخدمة أو القتال في إسرائيل قد وصلوا إلى مطار " هيثرو " بلندن " .. وقد سافرت أول مجموعة منهم وتتألف من 113 رجلا أغلبهم من الأمريكيين اليوم إلى إسرائيل ومن المقرر أن تغادر طائرتان بوينغ 707 أخريان لندن غدا نهارا ..

وذكرت صحيفة " يا " الأسبانية أن حوالي مائة وخمسين من الطيارين الأمريكيين الذين كانوا يقودون طائرات فانتوم في حرب فيتنام قد توقفوا في مدريد في طريقهم إلى إسرائيل وفي باريس ذكر السفراء العرب إن طائرات أمريكية بقيادة طيارين أمريكيين قد اشتركت في الغارات على دمشق ..

وكتب فريد "هوفمان" مراسل وكالة أ . ب . في واشنطن أن المسئولين قد صرحوا اليوم بأن الولايات المتحدة ستبدأ في خلال أيام في تعويض إسرائيل عن بعض خسائرها الفادحة في الطائرات والدبابات والمعدات العسكرية الأخرى ..

وقد رفض المسئولون في وزارة الدفاع الأمريكية مناقشة هذا الموضوع غير أن مصادر الحكومة الأمريكية ذكرت أن القرار الرئيسي بهذا الشأن قد اتخذ بالفعل وأن شحنات الأسلحة الأمريكية ستبدأ في التحرك صوب إسرائيل قريبا !!

ويقول المراسل أن ثمة دلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة سوف تسحب أسلحة من قواتها الجوية ومن الجيش الأمريكي وربما تستعين بما لدي أوروبا ومناطق أخري من العالم وكان هذا الإجراء أكثر أهمية من الجسر الجوي الذي كان يجري العمل به لإعادة تزويد إسرائيل بالأسلحة ..وكانت تقديرات البنتاغون أن إسرائيل قد تكبدت ضربة عسكرية كبيرة إذا لم تكن كارثة ..

وقال مراسل وكالة الأنباء لفرنسية في جزيرة ترسيرا (احدي جزر الآزور) حيث توجد قاعدة أمريكية جوية كبيرة أن ثلاثمائة طائرة أمريكية تقريبا قد مرت بقاعدة لاجس الأمريكية خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة..

وقد صرح أحد ضباط السلاح الجوي البرتغالي في القاعدة البرتغالية الأمريكية المشتركة في جزر الأزور بأن عدد ضخما من الطائرات كان يمر عبر القاعدة محملا بكل ما يحتاجه المرء في الحرب .

وحددت وكالة الأنباء البرتغالية الطائرات بأنها طائرات نقل من طراز (سي – 130) و(بوينغ 707) وبعض طائرات الفانتوم المقاتلة وقال الضابط البرتغالي أن التقارير في لشبونة تقول أن هذه الطائرات تطير من هنا إلى إسرائيل مباشرة ..

وفي اليوم الثاني عشر للقتال قدم لمجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قرار يحدد أن سياسة الولايات المتحدة مهمته بالمحافظة على قوة إسرائيل وبالتالي تزويدها بكافة الوسائل اللازمة التي تكفل لها الدفاع عن نفسها !وينص المشروع على أن الولايات المتحدة ينبغي عليها تزويد إسرائيل بجميع الوسائل اللازمة لهزيمة العدوان..

منذ بدء المعركة ذكر تقرير نشرته صحيفة "ليدجرستار" عن شهود عيان في محطة بحرية على المحيط قولهم:

" أن البحارة قاموا بلصق أوراق على العلامات الإسرائيلية فوق ذيل الطائرة عندما كان يجري شحنها ثم قاموا بدهن الأوراق بالطلاء"

وكانت الطائرة الإسرائيلية تقوم بشحن صواريخ (جو - جو) من محطة جوية بحرية في فرجيينيا وردا على هذا التحدي الأمريكي كتب الصحفي ارنولد بوشغريف في اليوم السابع للقتال معبرا عن تفكير المصريين الذين تلاقي معهم.

إن الولايات المتحدة تنادي بضبط النفس إننا نوافقها تماما على أن الحرب لا يجب أن تتوسع يجب ألا تنتقل من الجبهة العسكرية إلى الجبهة المدنية . ولكن من الضروري جدا أن تكون الولايات المتحدة أول من يتمسك بضبط النفس الذي تدعوا له..

إذا كانت الولايات المتحدة بعد اجتماع حزب العمال الإسرائيلي وقراره بالاستمرار في ضم الأراضي ستقرر إعطاء إسرائيل مزيدا من الأسلحة حتى تساعدهم في سياسة ضم الأرض فإن الولايات المتحدة تكون بذلك تعمل ضد كل عوامل ضبط النفس لقد صرحت الولايات المتحدة من قبل بأنها تزود إسرائيل بأسلحة من أجل سلامتها وليس من اجل التوسع وإذا عاونت الولايات المتحدة قرار حزب العمال وساندته بشحنات من الأسلحة فإنها إذن تعاون التوسع.

ومن الواضح أن إسرائيل تحاول أن تجذب أطرافا كثيرة في هذه الحرب خاصة الولايات المتحدة عن طريق شحنات الأسلحة والمتطوعين الأمريكيين والطيارين الحربيين السابقين إذا حدث ذلك فإن الولايات المتحدة ستكون على خط النار ضد مصر وسوف تنشب فيتنام أخري

الموقف السوفييتي

كانت المفاجأة الأولي في الحرب قد حدثت منذ سنوات عندما أغرقت القوات البحرية المصرية المدمرة "ايلات" بصواريخ من زوارق الطوربيد ..وكانت المفاجأة الثانية عندما أغارت الطائرات الإسرائيلية على القناة وفاجأتها صواريخ سام 3 وسام 6.

وكانت المفاجأة الثالثة في حرب أكتوبر عندما قام المشاة من حملة الصواريخ ولأول مرة في تاريخ الحروب بمواجهة الدبابات ..وكما يروي كتاب " حرب الساعات الست" كانت الأسلحة " زي الرز"

ومنذ اليوم الأول للقتال تحرك السوفييت في مواجهة الولايات المتحدة وأرسل بريجينيف إلى الرئيس الجزائري بومدين رسالة أعلن فيها:

" أن مسؤولية الانفجار العسكري في الشرق الأوسط تقع كلية على عاتق حكام تل أبيب .. ولم توقف إسرائيل منذ يونيو 1967 اعتداءاتها ضد البلاد العربية تساندها في ذلك وتحميها الدوائر الإمبريالية..

وأضاف بريجينيف في رسالته:

".... أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي والحكومة السوفييتية مقتنعتان تماما بأن القادة الجزائريين الذين لديهم خبرة واسعة في مجال النضال ضد الإمبريالية يدركون جيدا مدي تعقد الموقف الحالي ..وهما واثقتان من أن القادة الجزائريين تحدوهم المثل العليا والتضامن الأخوي سيستخدمون جميع إمكاناتهم ويتخذون الإجراءات اللازمة لتقديم مساندتهم لسوريا ومصر في النضال الذي فرضه عليهما المعتدي الإسرائيلي ..

وقال أخيرا..

".... أما الاتحاد السوفييتي فإنه يقدم للبلاد الربية الصديقة كل صور المساعدة والمساندة في النضال العادل الذي تخوضه هذه البلاد ضد العدوان الإمبريالي الصهيوني "

وعن موقف السوفييت أبدي أبا أيبان ثلاث ملاحظات هي:

أن الاتحاد السوفييتي سلح مصر وسوريا بطريقته مكثفة مما يغريهما بالهجوم .
أن ليونيد بريجينيف طلب علنا إلى رئيس الحكومة الجزائرية الاشتراك في النزاع وهو ما يعد تحريضا سافرا على توسيع نطاق النزاع ..
أن موسكو منذ بدء المعارك زودت مصر وسوريا بكميات كبيرة من الأسلحة .. وفي اليوم السابع من القتال أعلن البنتاغون الأمريكي أن السوفيت قد أقاموا جسرا جويا حقيقا لإمداد سوريا ومصر بكافة أنواع الأسلحة ..

وصرح أندريه جريشكو وزير الدفاع السوفييتي:

"إن الدول العربية تدافع عن استقلالها الوطني في نضال عادل .. "

ومن ناحية أخري ذكرت صحيفة "داي فيلت " التي تصدر في "هامبورغ" أن جمهورية ألمانيا الديمقراطية قد بعثت بطيارين وخبراء في شؤون الدفاع الجوي المضاد إلى سوريا كمستشارين عسكريين ..

واستعمل سلاح "البترول" لأول مرة مما جعل الدول الأوروبية الرأسمالية تقف في حذر مترددة بالنسبة للقتال ...فبينما كان الاحتكاريون في فرنسا وانكلترا يحثون حكوماتهم على مساندة إسرائيل أصرت الحكومتان على اتخاذ موقف الحياد..

كان العالم كله في جانب وإسرائيل وأمريكا في جانب وكما صرحت غولدا مائير:

"وليس لإسرائيل أصدقاء في الغرب سوي أمريكا" توقف القتال فجأة بعد أن دخلت طلائع الجيش إلى "ممر متلا" وكان لطريق مفتوحا لاستعادة العريش دون مقاومة وظل العالم كله وليس الشعب العربي وحده في دهشة عن سر توقف القتال المفاجئ لجيش منتصر والطريق مفتوحا أمامه لتحرير الأرض ..

ويقول مراسل " روز اليوسف "في ميدان المعركة " وكان الضابط يقولان الإسرائيليين على وشك القيام بهجوم مضاد كبير .. وسألته:" لماذا لا تقوم بالهجوم الكبير المنتظر لدفع قواتنا إلى الأمام في طريق العريش والممرات لم يجبني الضابط .."

ونشرت مجلة "نيوزويك" أن بعض رجال المخابرات الأمريكية ذكروا أنه كان ممكنا للمصريين أن يندفعوا في الأيام الأولي للقتال للاستيلاء على "الممرات" وكان ممكنا نجاحهم .. وقال مجلة "تايم" أيضا أن المصريين قد فشلوا في أن يستغلوا الفرصة المواتية في سيناء لهم بعد النزول للتقدم نحو "ممرات متلا" مثلا ..

كان توقف القتال واستئنافه مرة ثانية يوم 14 أكتوبر أشبه بالهدنة التي عقدت في حرب 48 واستغلتها الصهيونية في تدعيم قواها بأسلحة ورجال من أوروبا وأمريكا ثم استأنف القتال الذي انتهي بمأساة بالنسبة للقوات المصرية التي كانت على مشارف تل أبيب قبل الهدنة ..

استؤنف القتال في 14 أكتوبر بعد أن وصلت القنابل التلفزيونية الأمريكية والدبابات والمتطوعين من الولايات المتحدة ..وكانت الدبابات الأمريكية تهبط من الطائرات إلى ميدان المعركة ..

وتوقف تقدم القوات المصرية على مسافة تتراوح بين 12 و15 كيلو متر من نقطة بدايته مع تكبيدها خسائر كبيرة وتلقت الوحدات المصرية المهاجمة بعد ذلك أمرا بالتراجع إلى الخطوط التي بدأت منها الهجوم ..

الثغرة .. الدفراسوار:

بدأ هجوم القوات الصهيونية عبر القناة في منطقة الدفرسوار في 12 أكتوبر أى أن الهجوم المصري لم يستأنف إلا بعد أن وصلت القوات الإسرائيلية إلى ضفة القناة وظلت ثغرة " الدفرسوار" مثار الحديث والمناقشات بعد إعلان قرار وقف القتال وظلت الحقيقة تائهة أو ملفوفة بالضباب حتى فجرها الفريق الشاذلي وكشفت دور القيادة السياسية في المعركة

قال الفريق الشاذلي:

"وقع خلاف بيني وبين السادات بدأ الخلاف يوم 13 أكتوبر ثم تجدد بعد وقف إطلاق النار في 22 أكتوبر ..

ويقول

"حادثة 13 أكتوبر (تشرين الأول) بدأت بكذبة صغيرة وانتهت بكذبة كبيرة في صباح ذلك اليوم وكنا في مقر رئاسة أركان الجبهة فوجئت بصحيفة " الأهرام " ومعها " الأخبار " تنشر أن بضع دبابات اخترقت المواقع المصرية"

ثم يقول

"كان الخبر غير دقيق لأن مئات الدبابات الإسرائيلية كانت قد بدأت حصارها للجيش الثالث .. فطلبت موعدا عاجلا مع وزير الحربية الفريق أحمد إسماعيل وسألته عن مصدر الخبر فأجاب:دي تعليمات الريس
فهل صحيح أن ثغرة الدفرسوار نشأت نتيجة أوامر من القيادة السياسية بنقل قوات مدرعة كانت تحمي " الدفرسوار " إلى الضفة الشرقية رغم معارضة القادة العسكريين ؟
وهل صحيح أن الفريق الشاذلي طلب عند حدوث الثغرة بتراجع فرقة من المدرعات من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية ولكن السادات رفض ويجيب "هيكل " في كتابة " الطريق إلى رمضان ":
"كان المخططون المصريون يضعون في اعتبارهم وأعدوا بالفعل خطة لمواجهة هجوم تقوم به القوات الإسرائيلية على الضفة الغربية للقناة أطلق عليها اسم " الخطة 2000" وخصصوا لها القوات التي ستقوم بتنفيذها وكان " الدفرسوار " أحد ثلاث أماكن محتملة لاستخدامها في العبور إلى الضفة الغربية

وعندما سئل المشير أحمد إسماعيل.. هل حقا أن أحد أسباب نجاح الإسرائيليين في فتح الثغرة هو أننا كنا قد نقلنا كل احتياطي الدبابات من الغرب إلى الشرق بحيث أصبحت الضفة الغربية عارية ؟

أجاب المشير:

ليس هذا صحيحا فقد كانت الفرقة الرابعة موجودة فعلا ؟وهكذا لم ينف المشير وإن كان قد ذكر أن الفرقة الرابعة وحدها كانت موجودة أما " هيكل " فيؤكد أنه كانت هناك فجوة في منطقة الدفرسوار بلا حراسة .وعلى الرغم من ذلك حدث ما هو أبشع من مجرد نقل القوات التي كانت تحمي الدفرسوار..
ففي يوم 17 أكتوبر صدر الأمر إلى لواء المظلات المصري 22 بالتحرك للسيطرة على الموقف وكانت عناصر من هذا اللواء قد وصلت تقريبا إلى تقاطع الطرق الإسرائيلية كما كان رجال الضفادع البشرية بالتنسيق مع قيادة اللواء قد استعدوا لنسف الجسر عندما تلقوا الأمر بالتراجع وإقامة جبهة على خط الفرقة نفسه الواقفة بجانبهم لتجنب وجود نتوء وكان من العسير على قائد اللواء أن يصدق أن هذا الأمر قد صار من مقر القيادة المصرية وطلب تعزيزا له؛

فجاءه التعزيز من ضابط يعرف صوته لكن في محاولة منه لكسب الوقت وإتاحة لفرصة لنجاح مهمته فإنه طلب تعزيز للأمر من مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في القاهرة وجاءه التعزيز أيضا فأضطر رغم أنفه إلى رفع قبضته عن " زمارة " الرقبة الإسرائيلية وكان قاب قوسين أو أدني منها .

وكانت مدفعية الجيش الثاني و وعناصر من مدفعية الجيش الثالث و قد بدأت في قصف جسور العدو وأصابتها بأكثر من إصابة مباشرة حين تلقت القيادتان بدورهما أمرا بالانسحاب !

لم يكن تدخل القيادة السياسية أو بمعني أصح "السادات" في العمل العسكري قاصرا على " عملية الثغرة " بل كان السادات يضع لتحرك العسكري في حدود رسمها ولم يطلع عليها القادة العسكريين غلا لحظة العملية فعندما سئل المشير أحمد إسماعيل:

لماذا لم يتقدم الجيش المصري بعد العبور وإقامة رؤوس الكباري نحو ممرات سيناء المشهورة لاحتلالها واكتفي باحتلال مساحة على طول الشاطئ الشرقي للقناة بعمق ما بين عشرة وخمسة عشر كيلوا مترات ؟

أجاب المشير أحمد إسماعيل :

لأول مرة في تاريخ العسكرية المصرية تخرج توجيهات سياسية مكتوبة للقائد العام للقوات المسلحة (السادات) بجانب التوجيهات العسكرية توضح طبيعة المهمة والعملية !!

وليست المسألة في حاجة إلى ذكاء لندرك لماذا لم تتقدم القوات المنتصرة لاحتلال الممرات أو الوصول إلى العريش ..إن احتلال هذا الجزء من الشاطئ الشرقي للقناة هو نفس ما طلبته الولايات المتحدة وأعلنه السادات واستنكره في خطابات 17, 24 يوليو تموز قبل حرب أكتوبر مباشرة.

مزيد عن الثغرة

هل كانت " الثغرة " قاتلة؟

أى هل كانت " ثغرة الدفرسوار " هي الدافع إلى وقف القتال والتسليم؟قبل أن نخوض في مسألة الثغرة نجد أننا أمام بعض الحقائق التي لابد أن تستوقفنا ..

أولا: كان "السادات" يتدخل في سير القتال بتوجيهات سياسية ورأي المشير أحمد إسماعيل أنها سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ العسكرية المصرية ....

ثانيا:كان "السادات" قبل القتال وبعد القتال على اتصال بالعدو الأمريكي عن طريق شبكات الاتصال المغلقة .

ثالثا: أفرج "السادات" عن الضباط المدانين في حرب 67 والمتهمين بالتآمر والتقصير الذي بلغ حد الخيانة وأخرجهم من السجون وأعاد بعضهم إلى الجيش وتولوا مناصب خطيرة ..

ذكر "فينوغرادوف" أنه وخبراءه العسكريين يشعرون بأشد القلق تجاه الموقف العسكري ويرون أن كثافة حشود القوات فوق شريط من الأرض محدود في الضفة الشرقية يعرضها لخطر كبير

وقال السفير السوفييتي للصحفي هيكل:

" ذلك لأنه إذا بدا الإسرائيليون عملية ضرب المنطقة فإن خسائركم ستكون أسوأ منأى شئ تعرضتم له في عام 1967"واتصل هيكل بالفريق أحمد إسماعيل وابلغه رأي السوفييت في ضرورة تقدم القوات المصرية لاحتلال الممرات فقال:أتعرف ..تلك كانت نيتي !

وعندما بلغ هذا الرأي للسادات قال إن الأرض ليست مهمة إنما المهم هو استنزاف العدو ولما أصدر " السادات " الأمر باستئناف الهجوم في 14 أكتوبر انقسمت الآراء بين ضباط القيادة المصرية سواء القيادة العامة أو القيادات التابعة حول الهجوم فرأي البعض أن اللحظة المثالية لم تنتهز ولكن لا تزال هناك فرصة طيبة للتقدم وربما استطاعت بتشديد الهجوم أن تعوض الزمن المفقود ولكن البعض الآخر كان يري أن الفرصة ولت وأن الوقت متأخر للقيام بالهجوم !!..

وهكذا ضاعت فرصة احتلال الممرات التي أجمع المعلقون العسكريون في العالم أجمع على أن احتلالها كان في يد القوات المصرية إن لم تكن القوات المصرية قد وصلت إليها بالفعل وصدر إليها الأمر بالانسحاب !

وخلال تلك الأيام حدثت الثغرة وعندما أعلن وقف القتال لم تتمكن القوات الإسرائيلية حتى تلك اللحظة من السيطرة على الطريق الرئيسي المؤدي من القاهرة إلى مدينة السويس ولا على المواقع الإستراتيجية الموجودة في المنطقة وبهذا حرمت قوات "الثغرة" من تحقيق أهدافها الإستراتيجية وأصبحت في وضع مهدد ومحرج من الوجهة العسكرية..

وعندما قبلت "إسرائيل" قرار مجلس الأمن كان هناك تواطؤ بين كيسنجر وإسرائيل على الغدر موقفهم في الثغرة فعندما عرض كيسنجر على القادة الإسرائيليين القرار طالبوه بفسحة من الوقت لدعم موقفهم في الثغرة فسألهم ...

كم من الوقت يلزمكم ؟

وكان الرد:

" يومين أو ثلاثة"

وأجاب كيسنجر

يوم يومين لا يهم إن قرار وقف القتال في فيتنام لم ينفذ إلا بعد يومين !

وهكذا أعطي كيسنجر للقادة الصهيونيين الإشارة الخضراء لدعم موقفهم بينما كانت الأوامر للقوات المصرية هي الالتزام الكامل بقرار وقف القتال !

ووقف الجندي المصري محروما من الدفع عن أرضه وهو يري القوات الصهيونية تتقدم أمامه وتحتل أراض جديدة .. وعندما تم وقف القتال في 25 أكتوبر كان قرار مجلس الأمن يدعو إلى الامتثال لقراريه السابقين بعودة القوات المتحاربة إلى خطوط 22م10/73 ولكن القوات الصهيونية ظلت متمسكة بمواقفها .

حدثت الثغرة وقاومها الجيش المصري وخرج سلميا وبدأت الخطط استعدادا للقضاء عليها ووضعت خطة شاملة يقول عنها المشير أحمد إسماعيل:كانت لدينا خطتان للقضاء على الثغرة خطة محدودة " ثم خطة أكبر تلائم تطور الثغرة واتساعها"

لقد كانت لدينا خمس فرق للانقضاض على الإسرائيليين وقد رأي الأمريكيون بواسطة أقمارهم الصناعية التجسسية استعداداتنا وكان حتما أن نقضي على الثغرة وأعطيت السيد رئيس الجمهورية " تمام " قائلا أن وضعنا جيد قبل سفره إلى أسوان "

وقال الفريق الجمسي :

" تم إيقاف النار الفعلي ظهر يوم 28 أكتوبر بعد وصول قوات الأمم المتحدة واعتبارا من 31 أكتوبر بدأنا تنفيذ حرب الاستنزاف المخططة ضد العدو غرب وشرق القناة كانت أمامنا مهمة رئيسية وهي ألا نسمح للعدو أن يتمركز أو يخندق ويثبت أقدامه في الغرب كان هذا عملا يوميا للقوات المسلحة إلى أن يبدأ الهجوم لتصفية هذا الجيب بعملية شاملة ..

قد وضعت خطة الهجوم الشامل وقد سلمت لخطة الهجومية لجميع قيادات القوات المسلحة الطيران والدفاع الجوي والبحرية واختير اللواء سعد مأمون لقيادة قوات الهجوم وتنفيذ الخطة وعرضت على السيد الرئيس في 24 ديسمبر وصدق عليها ولم يبق إلا تحديد الموعد بقرار من الرئيس أما اللواء سعد مأمون فيري من ناحيته

"كان شعاري أن نلقن العدو درسا أقصي من درس العبور وتحطيم حصون بارليف كل دبابة للعدو في الغرب كان يقابلها حوالي دبابتين في قواتنا وقطعتين مضادتين للدبابات علاوة على نيران المدفعية والطيران علاوة على احتياطي القيادة العامة للقوات المسلحة الموضوعة تحت سيطرة المشير .

ولكن السادات فاجأ القوات المسلحة للمرة الثالثة أو الرابعة بقبول اتفاق فك الارتباط كانت المفاجأة الأول من السادات خلال المعركة هي صدور أوامره بوقف الهجوم بعد اختراق خط بارليف .

وكانت المفاجأة الثانية أوامره بنقل اللواء المدرع من منطقة الدفر سوار إلى الضفة الشرقية مما أتاح للعدو فتح الثغرة وكانت المفاجأة الثالثة قبول وقف القتال في 22 أكتوبر ثم المفاجأة الرابعة قبول اتفاق " فك الارتباط " رغم تحديد موعد تصفية الثغرة ..واستعداد سوريا في تلك اللحظات للقيام بهجومها الكبير فهل كان السوفييت أو السوريون هم الداعين إلى وقف القتال كما أعلن السادات؟

وهنا تبرز وثيقة شبه رسمية لم ينكرها السادات ولم تكذبها وسائل إعلامه تشرح لنا ما حدث .الوثيقة هي نص حديث لفلاديمير فينوغرادوف السفير السوفيتي في القاهرة مع عدد من الشخصيات المصرية الرسمية والعسكرية ونشرته صحيفة "السفير" اللبنانية في عددها الصادر في 16 أبريل نيسان 1974

هدف الحرب المباشر!سأل القادة السوفييت عن الهدف المباشر المطلوب تحقيقه من هذه الحرب وهل هو التحرير الشامل للأراضي العربية المحتلة؟

وأجاب السادات:

إن الهدف عمل محدد لتغيير ميزان القوي العسكري والسياسي لصالح العرب والهدم نظرية الأمن الإسرائيلي ولتحريك جمود الأزمة ..

ويقول السفير السوفيتي:

ونقلت للرئيس السادات وجهة نظر القيادة السوفيتية في أن هذا الهدف قد تحقق بالفعل وأن التفكير في طلب وقف إطلاق النار في هذه المرحلة يعد أمرا منطقيا ما دام الهدف قد تحقق وقبل أن تفيق إسرائيل من صدمة الهزيمة المفاجئة إلا إذا كانت هناك نية لتحقيق أهداف أخري أكبر ..

وقال السادات:

"إنني أريد استغلال الحجم الكبير للنجاح العسكري الذي تحقق على الجبهة المصرية لتطوير الهجوم والتقدم لاسترداد الممرات "

تطوير الهجوم صباح يوم 10 تشرين وافقت القيادة السوفيتية وأكدت له إذا كانت مصر تريد تطوير الهجوم لاسترداد الممرات فيجب أن يتم ذلك فورا دون إبطاء لأن الفرصة المتاحة للاستفادة من نجاحات 6 أكتوبر واستغلال المفاجأة الإستراتيجية ما زالت قائمة وإن لم تكن لوقت طويل لأن أجهزة الاستطلاع السوفييتية رصدت حشودا إسرائيلية ضخمة تستعد للعمل في الجبهة المصرية...

قال السادات

إنه يفضل الانتظار في المواقع الحالية واصطيادها في صحراء مكشوفة قبل التقدم لاسترداد الممرات ..ولم يبدأ تطوير الهجوم المصري إلا يوم 14 أكتوبر

الاختراق الإسرائيلي

وفي يوم 16 تشرين وبعد خطاب السادات في مجلس الشعب وصل إلى القاهرة كوسيجين واجتمع مع السادات عدة مرات وكان الاختراق الإسرائيلي للقوات المصرية شرق القناة وبدء تسلل القوات الإسرائيلية غرب القناة قد أصبح أمرا واقعا؛

وتم الاتفاق بين كوسيجين والسادات على أن يبدأ الاتحاد السوفييتي اتصالات لوقف إطلاق النار وقدر لهذه الاتصالات أن تستغرق فترة كافية تتمكن مصر خلالها من القضاء على التسلل والاختراق الإسرائيلي وتتمكن سوريا من القيام بهجوم مضاد في الجولان وحتي يتم وقف إطلاق النار والوضع ملائم للعرب مائة بالمائة..

وقف إطلاق النار

وقال السفير السوفييتي

" في فجر 20 تشرين وفي الساعة الثالثة صباحا بالضبط اتصل بي الرئيس السادات وطلب مني إبلاغ بريجينيف رسالة عاجلة بالموقف ومطالبة بالتدخل لتحقيق الوقف الفوري لاطلاق النار وكما علمت بعد ذلك فإن سوريا لم تكن تريد وقف إطلاق النار في ذلك الوقت حيث أنها كانت على وشك القيام بهجومها المضاد الكبير

وأصدر القادة السوفييت قرارا فوريا بإعلان التعبئة الجزئية في القوات السوفيتية وحشد سبع فرق عسكرية سوفييتية ووضعها على أهبة الاستعداد للسفر والقتال على الجبهة المصري بل وصلت طلائعها بالفعل إلى القاهرة

قرارات خطيرة

ومضي السفير السوفييتي قائلا:

وكلنا نعرف قصة الأيام التالية والحزب الإسرائيلي لوقف إطلاق لنار والتهديد السوفييتي بالتدخل المنفرد عسكريا والاتصالات مع أمريكا حتى تحقق وقف إطلاق النار النهائي في 26 أكتوبر .
"لم أخف شيئا إلا بعض القرارات البالغة الخطورة التي اتخذها الاتحاد السوفييتي في الفترة من 23 إلى 25 وتعرفها القيادة المصرية جيدا .. ولم يحن الوقت بعد لإذاعتها رغم أنها كافية وحدها دون أية تفاصيل أخري ليعلم العربي المدى الذي وصل إليه الاتحاد السوفييتي في تأييده لحركة التحرر الوطني العربية"

ويؤيد كلام السفير السوفييتي ما جاء في " الوثائق " التي نشرت في صحيفة " القبس " الكويتية بتاريخ 24 م 9/1975 وهي عبارة عن نص البرقيتين المتبادلتين بين السادات والأسد في 21 أكتوبر 1973.."من السيد الرئيس محمد أنور السادات إلى السيد الرئيس حافظ الأسد ..

يتطور الموقف بصورة خطيرة على جبهتنا اتضح لى في العشرة أيام الأخيرة إنني أحارب أمريكا ولست أستطيع أن أتحمل المسؤولية التاريخية لتبديد قواتي مرة أخري لذلك أخطرت روسيا بقبولي وقف القتال على الخطوط الحالية ..

"إن قلبي ليقطر دما وأنا أخطرك بهذا ولأن مسؤوليتي تحتم على اتخاذ هذا القرار ..ولسوف أواجه أمتنا في الوقت المناسب لكي يحاسبني الشعب "

ورد الأسد في برقية تحمل نفس التاريخ أى 21 أكتوبر 1973:

" من الرئيس حافظ الأسد إلى الرئيس محمد أنور السادات تلقيت برقيتكم وكانت مؤثرة للغاية أخي الرئيس حاولت بعد وصول برقيتكم ان أمعن النظر مرة أخري في الموقف العسكري على الجبهة الغربية وعلى ضفتي القتال وخرجت باستنتاج وهو أن الوضع لا يدعو إلى التشاؤم وأنه بالإمكان أن يستمر الصراع مع القوات المعادية سواء منها تلك التي اجتازت القنال أم تلك الموجودة أمام قواتنا على الضفة الشرقية ويمكن أن يؤدي استمرار الأعمال القتالية إلى تدمير القوات المعادية التي عبرت القنال ..."

وإذا تغاضينا عن الخيالات والإحساس الزائد بالذات في كتابات حسنين هيكل إلا أننا نلجأ إليه كشاهد معروف بانتمائه إلى الغرب والولايات المتحدة بالذات فماذا قال في كتابه " الطريق إلى رمضان " عن لقاء بينه وبين السفير السوفييتي:" قال السفير السوفييتي "

لقد كنت طوال اليوم في اجتماعات مستمرة مع ملحقينا العسكريين وأقول لك الحق أنهم غير مرتاحين إلى النحو الذي يتطور إليه الموقف ولست أدري السير فيعدم تقدم قواتكم لماذا لم تدعموا مكاسبكم وتبدأوا الاندفاع إلى الممرات ؟ إن هذا ليس بالأمر المنطقي .."

وقال السفير:

إن الجسر الجوي لمصر وسوريا قد بدأ بالفعل

ويقول هيكل:

"إن من بين الأسئلة التي وجهها إليه بريجينيف (أى إلى السفير السوفييتي) بالتليفون (ما هي حدود أهدافهم المحدودة) كان الرئيس السادات لا يزال يؤكد للسوفييت هذه حرب "أهداف محدودة" إن هذه الوثائق تؤيد بعض الحقائق وليس كلها !

أولا: إن السادات عندما أعلن الحرب في أكتوبر لم يكن هدفه التحرير بل " التحريك " وكانت أهدافه المحدودة سرا لم يعلنه ..

ثانيا: إن السادات لم يكن يحارب أمريكا كما ادعي بل كانت تقف بجانيه قوات سوفيتية .. وفي مقابل الجسر الأمريكي لإسرائيل كان هناك جسر سوفيتي لمصر

ثالثا : إن السادات حقق بالحرب ما طالبته الولايات المتحدة به التقدم إلى عشرين كيلو متر شرق القناة .. وفتح القناة للملاحة والتفاوض مع إسرائيل ..

المعركة ..وماذا بعدها؟

الذين شاهدوا الصمت والألم والغضب على الوجوه لحظة وقف إطلاق النار لن ينسوا تلك اللحظات والذين عاشوا تحت قصف طائرات العدو وشاهدوا الضحايا من الأطفال والنساء صرعي قنابل النابالم الأمريكية لم ينسوا الآلام التي تفجرت لحظة وقف إطلاق النار .

كانت المعركة في عنفوانها والعالم مذهول من قدرة هذا الشعب العربي الذي وصفوه بالجهل والتخلف والاستكانة ولاحت تباشير النصر زو فالعالم كلها يتحرك معنا.

الشعب العربي ينطلق من قيوده والوحدة العربية تؤكد وجودها والتضامن الأفريقي يتصاعد والعالم الاشتراكي يمارس صداقته وتحالفه في أروع صوره بالسلاح والمعدات والرجال وتفجرت صراعات العالم الرأسمالي.

ووقفت إسرائيل وحيدة إلا من التأييد الأمريكي وأوشك الحصار أن يطبق على العدو ولم يكن أمام أمريكا غلا أن تخوض معركة عنيفة وقاسية كحرب فيتنام لإنقاذ إسرائيل.

كانت هذه اللحظات هي قمة الصراع واهتز العالم الرأسمالي أمام المفاجأة العربية في 6 أكتوبر وأذهله تطور الأحداث ورفعت الولايات المتحدة حالة التأهب بين قواتها إلى درجة القصوى ولكنها كانت أشبه بمن يتشبث بأوهي الوسائل لتتماسك أمام العالم..

كانت الولايات المتحدة تواجه نفس المصير الذي واجهته بريطانيا وفرنسا بعد معركة 1956 ولكن ما حدث في أعقاب حرب أكتوبر كان نقيضا لما حدث بعد معركة 1956.

كانت المعركة ضد الإمبراطوريتين الهرمتين فرنسا وانكلترا نتيجة لتأميم قناة السويس وكانت ضربة التأميم للاستعمار القديم وأعلنت كل من فرنسا وانكلترا حالة التأهب القصوى وشنتا الحرب إلى جانب الكيان الصهيوني رأس الجسر للمصالح الاستعمارية واحتلتا بور سعيد .

وتقدمنا نحو الإسماعيلية كل هذا لم ينه المعركة بل استمرت حتى اندحرت أكبر إمبراطوريتين شهدهما التاريخ الحديث وكانت آثار المعركة ونتائجها رهيبة على العدو وحلفائه.

  • وسقط النظام الملكي الرجعي في العراق.
  • تفككت وانحلت إمبراطورية فرنسا في أفريقيا.
  • تم تأميم كل المصالح الفرنسية والانكليزية في مصر.

وهنا يتبادر السؤال التالي:

  • هل خافت الأنظمة الرجعية أن يتكرر في أعقاب معركة 6 أكتوبر ما حدث في أعقاب 56 .؟
  • هل خافت القوي الرجعية أن تسقط هيبة حليفتها الكبرى أمريكا فتتساقط مواقعها كما سقطت أنظمة رجعية من قبل ؟
  • هل خافت القوي الرجعية على ما تنهبه من ثروات شعوبها أن يضيع مع ضياع الأمبراطوارية الأمريكية

قال كيسنجر لأحد وزراء الخارجية العرب في لقاء بواشنطن:

"من الأفضل أن ننتظر مدة ثلاثة أو أربعة أسابيع إلى أن تنهك الأطراف المتحاربة بعضها بعضا وعندئذ يصبح التوصل إلى تسوية ما ممكنا"

وقال أيضا:

" إننا لا نعتبر الرئيس السادات عدوا لنا!" كانت الولايات المتحدة تفصل بين الشعب المصري والسادات فهي لا تري السادات عدوا . ولكنها تقصف المدنيين في بور سعيد وتسلح إسرائيل للقضاء على الجيش المصري.

وهكذا كانت تجري حرب 6 أكتوبر تماما كما جرت 48 زعماء أو حكام في علاقات حسن مع الولايات المتحدة وشعوب تخوض حربا مدمرة ضد الولايات المتحدة ففي الوقت الذي طلب السادات من كيسنجر إن يزور القاهرة عن طريق الاتصالات "غير المرئية".

وكان ذلك قبل قرار مجلس المن بوقف القتال كان الجيش المصري يخوض اعنف المعارك ضد القوات الأمريكية والصهيونية وكان الجسر الجوي السوفييتي يقدم العون وأعلنت حالة الطوارئ في وحدات الجيش الأحمر وتم نقل ألوية مظلات إلى جنوب المجر ومن هناك إلى مصر عبر يوغوسلافيا وقدرت القوات السوفييتية بخمسين ألف جندي.

وأعلنت الولايات المتحدة حالة التأهب النووي القصوى ولم يأبه الاتحاد السوفييتي وكان الهدف من التحرك السوفييتي فك الحصار عن الجيش الثالث .ودعم القوات المصرية للقضاء على الثغرة وتوقف القتال بعد أن تلكأت إسرائيل في تنفيذه ولكن بدأ الاستعداد للقضاء على الثغرة ..

وقال كيسنجر بصراحة أنه إذا حدث ذلك فإن أمريكا ستجد نفسها مضطرة لمساندة إسرائيل صراحة ولم يكن كلام كيسنجر إلا تحصيل حاصل فالولايات المتحدة ساندت إسرائيل صراحة منذ بداية القتال ولم يكن التهديد الجديد إلا من قبيل استعراض العضلات كما حدث في حالة "التأهب النووي" فإن الولايات المتحدة كانت تدرك أن أ ى خطوة ستجعلها في مواجهة مباشرة مع الاتحاد السوفييتي .

وفجأة أعلن اتفاق "فك الاشتباك" و"فصل القوات" وكانت جريدة "الأهرام" نشرت قبل الاتفاق بأربعة أيام ما يلي:

إن بقاء إسرائيل على الضفة الغربية يؤدي إلى النتائج التالية:
أولا: يعرضها لاستنزاف مرهق .
ثانيا: يحمل اقتصادها ضغوطا يتعذر عليها احتمالها إلى ما لا نهاية
ثالثا: يلومها الاحتفاظ باحتياطها في حالة تأهب .

ثم قالت صحيفة " الأهرام "

أما الفصل بين القوات إلى مسافة زادت أو قلت عن القناة معناه
أولا: يلغي احتمال تجدد القنال بوجود قوات دولية فاصلة
ثانيا: يثير قضية فتح القناة ويجرد مصر من حجمها في عدم إعادة فتح القناة ثالثا : الحل الجزئي بفتح القناة ينزع عوامل الضغط على المجتمع الدولي
رابعا: يجعل من الصعب استمرار شهر سلاح البترول

ويختم المقال كلماته بالقول:

" لإسرائيل إذن مصلحة في الفصل بين القوات بأية شروط أو بدون شروط " وعلى الرغم من هذا كله بل على الرغم من كل البطولات والتضحيات وفي غياب الرقابة الدولية وفي غفلة من الرأي العام العربي فجأة وبأسرع مما كنا نتخيل يتم التوقيع على اتفاق فصل القوات ."

في أعقاب حرب 67 استطاع الشعب في مصر وفي الوطن العربي أن يحول "النكسة" إلى " صمود " وإصرار على مواصلة القتال وكانت أهم الخطوات نحو هذا الهدف .

  1. إغلاق قناة السويس.
  2. إخلاء مدن القناة استعدادا للمعركة.
  3. تدعيم العلاقات مع الاتحاد السوفييتي والعالم الثالث.

وكانت عملية إخلاء مدن القناة من أروع ما حققه الشعب في مصر واستطاع أن ينقل مصانعه وبيوته وحياته كلها إلى مدن وقري بعيدا عن مدافع العدو وتقبل سكان مدن القناة حياة اللاجئين بصمود وصبر

وزرعنا قواعد الصواريخ في كل شبر وفي ظروف غاية في القسوة والعنف وسقط عشرات من المهندسين والعمال المصريين وسقط بجانبهم خبراء سوفييت.

كل هذا حدث بعد " نكسة " أو " مؤامرة" فقدنا فيها كل سلاحنا وأموالا طائلة وتعرض الشعب العربي لأبشع أنواع الاتهامات والطعون والتشكيك في قدراته.

ولكن الشعب لم يستسلم لم يفقد الأمل لم يفقد الإصرار على مواجهة الإمبراطورية الأمريكية أو الصهيونية الفاشية وجاء 6 أكتوبر على قمة هذا البناء الشامخ الذي شاده الشعب طوال سنوات رائعة من الصمود والكفاح والقتال.

ولاح النصر كان العالم كله معنا يدين الصهيونية والغدر الأمريكي وظهرت بوادر التناقض والتفكك في المعسكر الاستعماري الرأسمالي وبدأت دول أفريقيا تسحب اعترافها بإسرائيل دولة بعد دولة ووجه الاتحاد السوفييتي نداءه إلى المسلمين السوفييت لمساندة إخوانهم العرب ..

وفجأة انطفأ لهيب المعركة وساد الظلام. وتحرك كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي اليهودي وتم توقيع اتفاق الكيلو 101 .

وإذا بنا أمام واقع جديد.تم فتح قناة السويس تعمير مدن القناة الثلاثة السويس والإسماعيلية وبورسعيد تأكيدا لعدم العودة إلى حرب التحرير كما شاءت إسرائيل تخفيض القوات المصرية شرق القناة أى سحبها والاكتفاء بقوات رمزية.

تدمير قواعد الصواريخ على ضفتي القناة وانتهي كل شئ ذهبت كل هذه الحروب والدماء والأرواح هباء وكان "فك الاشتباك" تمهيدا للمفاوضات الثنائية والاعتراف بإسرائيل وفتح الأبواب للامبريالية الأمريكية .

تراجع الجندي المصري عن أرضه التي حررها بدمائه ورواها بدمه وأنفاسه وأصبحت الولايات المتحدة " رسولا للسلام " ومنحت "وسام الامتنان " على قذف أطفال مدرسة بحر البقر بقنابل النابالم من طائرات الفانتوم وهلاك العمال في مصانع "أبو زعبل" تحت سيل القنابل الأمريكية.

وحصلت أمريكا على "دور منفرد" في العبور إلى الشرق الأوسط وإل عالمنا العربي وصدرت التصريحات لتامين كل الظروف لغزو الرأسمال الاستعماري للتشييد والبناء وليس التصنيع وهو نهج الاستعمار الأمريكي في التنمية فلا تصنيع ولا تطوير بل إقامة فنادق للسياح وتعبيد الطرق للحلاف العسكرية وممارسة تجارة المخدرات والجنس !

وأعلن " موشي دايان "بعد اتفاق الكيلو 101:

"إن حالة من التغيير في التفكير والأسلوب قد حدثت للقيادة المصرية ".

وصرح بأن هذه الاتفاقية التي تمت هي اتفاقية ثنائية بين إسرائيل ومصر ولا يضمنها طرف ثالث!!وكانت السخرية أن يعلن السادات بأننا أمام نقطة تحول تاريخية !

ولكن أية سخرية أقسي على النفس العربية من أن يقف كيسنجر عند معابد فيلة وينظر إلى السد العالي ويقول:

"إنني من هذا المكان أستطيع أن أجمع بين الماضي ممثلا في معابد فيلة والحاضر ممثلا في السد العالي"

وأية سخرية أقسي على النفس من أن نسمع كيسنجر يرد على أحد المصريين الذين قالوا له:"إننا سنننزع الصحراء"!

فيرد كيسنجر:

" ولكن أحب الصحراء" !

وأية سخرية أقسي على النفس من أن يقف كيسنجر عند السد العالي ويتحدث عن إمكانيات مصر الاقتصادية والزراعية والبشرية !

وبعد ذلك ردد الدعاة عن حرب أكتوبر قائلين:

ألا يكفي أن القضية تحركت!تحركت القضية ولكن إلى أين؟ إلى طريق الثورة أم إلى الطريق المضاد؟ كانت حرب أكتوبر في معاركها خطوة إلى الأمام كانت رمزا لكل ما أنجز خلال العشرين عاما من عمر الثورة فإذا بها ترتد خطوات إلى الوراء بل إلى الهاوية وجعلها "السادات" إشارة للتحول وخاتمة لمرحلة مضيئة وبداية لمرحلة مظلمة.

الفصل الرابع:كامب ديفيد

عندما كان السادات في وقفة انتباه ليتلقي التحية من كتيبة الجيش الإسرائيلي ثم اتجه يحي العلم الإسرائيلي بعد ذلك كان العالم العربي يقف مشدوها في أبشع وأقسى اللحظات المؤلمة.

بينما غالبية العالم شعر بالذهول والصدمة لم يكن سوي الصهيونية والإمبريالية التي لم تدار فرحتها من كتاب الصحفي الهندي هار بها خان سنج

كامب ديفيد من الخيمة إلى الزيارة

"الذين قالوا أنهم قد فوجئوا لم يفاجأوا وحدهم الشهداء وقتلي الحروب الأربع وأبناء عمان وتل الزعتر وبحر البقر وبورسعيد فوجئوا حدهم الفقراء الذين أكلت أجسادهم الأمراض والآلات والسياط والأحلام فوجئوا أما الذين ادعوا المفاجأة فهم يكذبون الذين باعوا العرب وتسلطوا على العرب وسجنوا العرب يكذبون"

لعل مصر لم تشهد في تاريخها الطويل خائنا طعنها في أعماقها مثلما فعل السادات بل لعل التاريخ لم يشهد خائنا استباح عرض شعبه واستباح دماء شهدائه مثلما فعل السادات !

لم يشهد التاريخ خائنا يسلم شعبه إلى أعدائه وهو في قمة النصر !

لم يشهد التاريخ قائدا يطعن جيشه من لخلف وهو يحرر أرضه !

لم يشهد التاريخ ملكا أو سلطانا يعيد ثروة بلاده إلى العدو بعد أن انتزعت منه مثلما فعل السادات

لم يشهد التاريخ رجلا يدوس بأقدامه على تاريخ شعبه وأمته ويمتهن كرامتها ويمزق أمجادها مثل ما فعل السادات !

تاريخ طويل من النضال والكفاح والدماء والدموع والقتال والاستشهاد آمال شعب ومستقبل أمة وتاريخ أجيال أهدره السادات في "كامب ديفيد"

كل شئ سلمه السادات الأرض الشعب لقمة العيش ووقف يبتسم في لامبالاة وكأن هذا لا يعنيه و"بيغن " يردد في قحة وتحدي واستفزاز في أعقاب توقيع الاتفاقيات المشوؤمة.

ويجب أن يطلق على مؤتمر "كامب ديفيد " مؤتمر جيمي كارتر لقد بذل الرئيس جهودا شاقة أكثر مما بذله أجدادنا في بناء أهرامات مصر ..

إن بيغن وكارتر لم يستردا مصر التي سارت في طريق الإشتراكية بل يريدون "الأهرامات" يريدون الحاضر والماضي وتحقق قول الشاعر "مشي على تاريخهم مستهزئا ولو استطاع مشي على الأهرام .."

من القتال ... إلى التآمر

في اقل من شهر من بدء القتال وبعد أسبوعين من وقف القتال وصل كيسنجر إلى مصر وبعد لقاء مع السادات أعلن عن عودة العلاقات الدبلوماسية المصرية الأمريكية!

وارتفع العلم الأمريكي فوق القاهرة بعد أن ساهمت في الحرب ضد الشعب المصري بالسلاح والرجال فهل حدث هذا عفوا ؟ أم أن هذه السرعة في إعادة العلاقات كان متفقا عليها قبل الحرب؟

ذكرت صحيفة " هارتس " الإسرائيلية في عددها بتاريخ 5/12م1973 الحقائق التالية:

أولا: أن المخابرات الأمريكية وضعت يدها على الخطة الكاملة للحرب في شهر أبريل (نيسان) 1973.
ثانيا: أن الموعد المحدد لبدء الحرب لم يكن محددا.

أما الخطة المصرية للحرب كما أوردتها الصحيفة فتتضمن المواد التالية:

  1. عبور القوات المصرية لقناة السويس بأعداد كبيرة في القطاع الأوسط وتحطيم خط برليف .
  2. إعادة تنظيم القوات في الضفة الشرقية للقناة بعد العبور والتقدم لاحتلال الممرات الإستراتيجية.
  3. احتلال كل صحراء سيناء وفصل شرم الشيخ ولتوقف عند حدود الخامس من حزيران (يونيو)

وبالفعل كان الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان يدعو إلى زيادة هجمات قوات الصاعقة المصرية وفاعليتها خلف الممرات في سيناء لإرباك القيادة الإسرائيلية ودب الفوضي في صفوف وحداتها ودفع المدرعات المصرية للتوغل بعيدا في سيناء حسب ما نصت عليه الخطة.

وكان هذا الرأي يلقي تجاوبا وتأييدا من قادة الوحدات كما يتفق هذا الرأي مع وجهة نظر القادة السوفييت العسكريين التي أبلغها السفير السوفييتي في القاهرة.

أما وزير الحربية الفريق أحمد إسماعيل الذي كان يتلقي توجيهات سياسية للعمليات الحربية من السادات فظل ينتظر الأمر بالهجوم حتى يوم 14 أكتوبر الخطوة الثانية التي اتخذها "السادات" تمهيدا للتسليم كانت في 13 ديسمبر 73 عندما قرارات التغيير في القيادة العسكرية.

وكانت كالتالي:

إقالة الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة من منصبه إقالة اللواء عبد المنعم واصل وتعيين اللواء أحمد بدوي الذي شغل منصب قائد احدي فرق الجيش الثالث قائدا لذلك الجيش.

وقال "السادات" أنه أقال الفريق الشاذلي في أكتوبر بعد حدوث الثغرة وانهيار الشاذلي ومطالبته بسحب القوات المصرية إلى غرب القناة ولم يقل "السادات" الحقيقة كان الشاذلي في منصبه حتى 13 ديسمبر (كانون الأول) ويؤكد ذلك تصريح له نشرته صحيفة "الأهرام" في 5 ديسمبر (كانون الأول) يتوعد القوات الإسرائيلية غربي القناة بالقضاء عليها .

وقال السادات أن الفريق الشاذلي طالب بسحب القوات المصرية والحقيقة كما جاءت في كتاب "حرب رمضان" أن الشاذلي طالب بعودة القوات المدرعة التي كانت تحمي الثغرة إلى مواقعها وكانت هذه القوات المدرعة قد تركت مواقعها بأوامر من السادات !

لماذا أقيل الشاذلي؟

كانت إقالة الفريق الشاذلي بعد اتفاق السادات وكيسنجر على تأجيل فك ارتباط القوات المصري الإسرائيلية وبحثه في جنيف كما أن إقالة اللواء عبد المنعم واصل وتولي اللواء أحمد بدوي قيادة الجيش الثالث كانت تمهيدا للغزو الأمريكي القادم.

خطوات سريعة

تقرر عقد مؤتمر "جنيف" في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1973 وفي 17 يناير (كانون الثاني) 1974 أعلن من القاهرة وواشنطن والقدس عن اتفاق حكومة مصر وإسرائيل بشأن فصل القوات وفك الاشتباك وأعلن الرئيس الأمريكي نيكسون بنفسه نبأ الاتفاق ..

ونص الاتفاق على نصوص خطيرة وكان أخطر منها ما أعلنته جولدا مائير بأن هناك ملاحق سرية وإعلانها عن حق مرور السفن الإسرائيلية في القناة.

أولا: نص الاتفاق على سحب الجيش المصري من سيناء وبقاء قوات رمزية في مسافة لا تبعد سوي 20 كيلو متر من القناة نص الاتفاق على سحب قواعد الصواريخ من الضفة الشرقية والغربية للقناة أى أن مصر فقدت سيادتها على أرضها.
ثانيا: أكدت صحيفة نيوزويك أن مصر ستسمح للسفن الصهيونية بالمرور .
ثالثا: أكدت جولدا مائير في بيان ألقته أمام الكنيسة أن هناك وثائق إضافية سرية تشكل جزءا من الاتفاق بين حكومتي مصر وإسرائيل لن تذاع محتوياتها وان انسحاب القوات الصهيونية لن يتجاوز 20 كيلوا.

وأدخل "السادات" مصر تحت المظلة الأمريكية وأخذت إسرائيل في تنفيذ مطالبها التي خاض الشعب المصري أربع حروب للتصدي لها

وتتالت الخطوات:

في 2 فبراير عين على أمين أحد أعمدة الإعلام الأمريكي مديرا لتحرير الأهرام.
في نفس اليوم وقعت أول اتفاقية بترول مع ألمانيا الغربية وهي المرة الأولي التي سمح فيها لشركة من ألمانيا للبحث عن البترول في مصر.
في 6 فبراير اجتمع عبد المنعم القيسوني مع دافيد روكفلر رئيس بنك تشيرمنهاتن .
في 8 فبراير نسفت القوات المصرية أربع قواعد صاروخية (أرض – جو) على الضفة الشرقية للقناة.
في 11 فبراير وافق السادات على أربع قرارات اقتصادية هامة تتعلق بتشجيع الاستثمار العربي والأجنبي في مصر.
بيار الجميل رئيس الكتائب اللبنانية الفاشية يشيد بخطة السادات.
المرشدون الأجانب يطلبون العودة للعمل بالقناة.
خطوات متتالية منذ وقف القتال نحو الانهيار ! حتى الوصول إلى كامب ديفيد .

خائن ... خائن

ما يحدث في تاريخ مصر منذ قرون بل لعله لم يحدث أبدا حدث في ظل حكم السادات في بساطة ويسر.

فعندما زحفت شركات النهب الاستعماري على مصر عام 1870 تصدت لهم الثورة العرابية في قتال ونضال طويل استشهد أبطال عظام.

وكان احمد عرابي الزعيم المصري قد كتب إلى مستر بلنت يقول:

"أما ما يهددنا به أصحاب البنوك ورجال المال في أوروبا فإننا سنحمل في ذلك في ثبات وحكمة ففي رأينا أن ذلك الوعيد لن يضر إلا أنفسهم" "وإن هذا الذي اكتبه إليك هو ما يفكر فيه كل مصري حر العقل محب لبلاده"

أما السادات فقد فتح لرجال المال أبواب مصر وأعلن وزير المالية الصهيوني بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد إن طريقا جديدا يفتح أمام "إسرائيل" إذ منذ زيارة السادات للقدس وضع الخبراء في وزارتي سلسلة من المشروعات عن التعاون المصري الإسرائيلي يمكن أن يفتح آفاق واسعة للغاية وإذا ما توصلنا إلى السلام مع جميع جيراننا فإن مستقبل المنطقة كلها سيتبدل "

ما تريد الصهيونية أن تسيطر عليه ليس مصر فحسب بل المنطقة كلها أى من النيل إلى الفرات!وبذا يحقق الغزو الاستعماري أهدافه!

لم تزحف الصهيونية أو الجيوش الأمريكية إلى قلب القاهرة كما فعلت الجيوش البريطانية عام 1882 ولكن دخلت رؤوس الأموال والغزو المالي والاستنزاف الاقتصادي من خلال الخيانة.

كشف الاستعمار الإمبريالي والصهيوني عن أهدافه لأول مرة في التاريخ صراحة فالوثائق "وثائق كامب " وثائق تاريخية حقا فلم يسبق للإمبريالية أن أفصحت عن أهدافها كما فعلت في نصوص هذه الوثائق خلال العدوان الثلاثي عام 1956 لم يعلنوا أن هدفهم هو استرداد شركة القناة أما في عام 1977 فقد أصرت الصهيونية والإمبريالية أن تتحدي ونصت الوثائق على ما يلي.

ويجب أن تشمل الخطوات التي تتخذ في هذا الشأن على:

  1. اعتراف كامل .
  2. إلغاء المقاطعة الاقتصادية.
  3. الضمان في أن يتمتع المواطنون في ظل السلطة القضائية بحماية الإجراءات القانونية .
  4. يجب على الموقعين استكشاف إمكانيات التطور الاقتصادي في إطار اتفاقيات السلام النهائية.

وهكذا تهدم وثائق كامب ديفيد كل تاريخ ونضال الشعب منذ حاولت الصهيونية احتلال الأرض العربية إلى نضال الثورة العرابية ضد الغزو المالي إلى كفاح الشعب المصري ضد المعاهدة البريطانية التي فرضت عليه عام 1936 إلى الكفاح العربي المشترك ضد الصهيونية والإمبريالية الأمريكية.

إن ما ارتكبه السادات في "كامب ديفيد" جريمة متعمدة مع سبق الإصرار والترصد ظل السادات متربصا بثورة يوليو ينتظر الفرصة المناسبة ليقفز إلى الحكم ويرتكب جريمته والسادات يعلم ماذا تني الثورة ضد الصهيونية ويدرك معني الغزو المالي وهو في تنازله يعرف مغزي هذه التنازلات.

كان السادات عضوا في مجلس قيادة ثورة 23 يوليو وسواء شارك أو لم يشارك وسواء كان في صميم الأحداث أم على هامشها وسواء كان مؤمنا بهذه الثورة أو كافرا بها فإنه استمع إلى كلمات ميثاق الثورة وأنصت إلى خطابات عبد الناصر.

كانت كلمات "الميثاق" واضحة الأهداف بالنسبة للكيان الصهيوني والصهيونية ففي الباب الرابع نقرأ "إن قطعة من الأرض العربية في فلسطين قد أعطيت من غير سند من الطبيعة أو التاريخ لحركة عدوانية عنصرية أرادها المستعمر لتكون سوطا في يده ويلهب به ظهر النضال العربي إذ استطاع يوما أن يتخلص من المهانة أو يخرج من الأزمة الطاحنة كما أرادها المستعمر فاصلا يعوق امتداد الأرض العربية ويحجز المشرق عن المغرب ثم أرادها عملية امتصاص مستمرة للجهد الذاتي للأمة العربية تشغلها عن حركة البناء الإيجابي"

كما قرأ السادات وأدرك ما يعنيه " الميثاق " بقوله:

"اضطر الاستعمار تحت هذه الظروف إلى الاتجاه نحو وسائل العمل غير المباشر عن طريق غزو الشعوب والسيطرة عليها من الداخل وعن طريق التكتلات الاقتصادية والاحتكارية وعن طريق الحرب الباردة التي تدخل في نطاقها محاولة تشكيك الأمم الصغيرة في قدراتها على تطوير نفسها وعلى الإسهام الإيجابي المتكافئ في خدمة المجتمع الإنساني"

و"السادات" قرأ وفهم وأدرك ما قاله "الميثاق " عن الأموال التي سلبت من الشعب تحت ظروف الامتيازات الأجنبية وفي العهود التي استبيحت فيها حرمة الثروة الوطنية لتكون نهبا للمغامرين الأجانب.

و"السادات" هو الذي قال بلسانه أمام عبد الناصر بعد نكسة 67 بأن أية تنازلات أمام العدو معناها أنتحكم مصر من الخارج.

وعندما وقع "السادات" في "كامب ديفيد" على وثائق تتعارض مع كل ما أقرته ثورة 23 يوليو ونصوص تتنافي مع مصالح الشعب في مصر وفي الوطن العربي وهو يعلم ذلك فإنه هنا يرتكب جريمة عامدا متعمدا بل كما يقول رجال القانون "جريمة مع الترصد وسبق الإصرار"

وإذا كان القائل الذي يرتكب جريمة القتل ضد فرد مع الترصد وسبق الإصرار تكون عقوبته الإعدام فما بالنا بارتكاب الجريمة ضد شعب بأكمله.

كان مجرد توقيع الاتفاقيات إدانة كان خروجا عن النضال الوطني في مصر وكان خروجا على الإجماع العربي كان تحديا للشعب المصري ولكل العالم العربي شعوبه وحكوماته ورؤسائه.

وما تضمنته الوثائق رهيب وبشع وكأنما المقصود منها هو الإذلال وتحطيم كل ما بناه وآمن به الإنسان في مصر والوطن العربي بل محاولة لتحطيم الإنسان العربي وتمزيق روحه.

البداية

منذ البداية في الأسطر الأولي من مقدمة الوثيقة الأولي نجد شرط الإملاء والفرض ونقرأ كلمة "يجب" وتتكرر الكلمة بعد ذلك في كل صفحات الاتفاقيات.

  • البحث عن السلام أن يسترشد .
  • لكي يصبح للسلام معمرا "يجب"
  • يجب أن تكون هناك ترتيبات انتقالية.
  • يجب أن تشمل الخطوات التي تتخذ في هذا للشأن.

وهكذا نجد كلمة " يجب " مفروضة وكأنما كان السادات "تلميذا في مدرسة كامب ديفيد" يتلقي العقاب من أساتذته؟عقاب على هذه الحروب التي استمرت ثلاثين عاما وارتكب فيها التلميذ أخطاء يجب تصحيحها.

عدم الاعتراف خطا ويجب الاعتراف الكامل !

المقاطعة الاقتصادية خطأ يجب تصحيحه !

وهكذا تتوالي اعترافات المذنب أمام الكاهن يطلب الغفران !

ومن البداية في الصفحة الأولي من الوثيقة الأولي تتجاهل الاتفاقيات الشعب في العالم العربي وكأنه غير موجود وغير معترف به.

ففي الفقرة الثانية من المقدمة نجد الحديث عن "المبادرة" وكيف استقبل السادات من برلمان وحكومة وشعب إسرائي ولا نجد بعد ذلك ذكر لبرلمان أو حكومة أو شعب أو قطر من الأقطار العربية بما فيه مصر!إلا في الفقرات التي تتحدث عن ممثلين للجماعات المستسلمة.

ومنذ البداية تكشف الوثائق عن أهداف العدوان الصهيوني وفرض هذه الأهداف على العالم العربي وكأنما العرب أصبحوا أمة مغلوبة على أمرها عليها أن تستسلم لشروط المنتصر ونقرأ النص في الفقرة الأولي من المقدمة.

"إن شعوب الشرق الأوسط تتشوق إلى السلام حتى يمكن تحويل موارد الأقاليم البشرية والطبيعية الشاسعة لمتابعة أهداف السلام" أى أن السلام مرتبط باستغلال الأقاليم البشرية والطبيعية الشاسعة وما لم تسلم وتستسلم الحكومات والشعوب العربية لهذا الاستغلال فلا سلام!ولم يكن في هذا جديد .

فكل ما جاءت به اتفاقيات "كامب ديفيد " بشرية كتاب " بعد أن تسكت المدافع " وهو صادر عن دار مجهولة الهوية أطلقت عن نفسها " دار القضايا " والكتاب صدر عام 1975 والمؤلف رغم إدعائه اليسارية يسقط الفكر العلمي من منهجه ليحل مكانه "علم استقراء المستقبل"

والمؤلف بذكاء كان في كتبه كقارئة الكف استطاع أن يقدم ما تخبؤه القوي الاستعمارية وما تعده للمنطقة فقال " هناك إذن تسليم شبه عام بأن وجود إسرائيل لا مفر من قبوله داخل "حدود آمنة ومعترف بها" بعد استرداد العرب أراضيهم المحتلة وبعد قيام كيان فلسطيني ما الذي يمنع ذلك أن يتطور ذا التسليم "بوجود إسرائيل " إلى الاعتراف بأن يكون لإسرائيل "دور وظيفي" في المنطقة؟

ولكن المؤلف اخطأ في تنبئه فإن اتفاقيات "كامب ديفيد" أقرت الدور الوظيفي والتسليم بوجود إسرائيل دون استرداد العرب أراضيهم المحتلة دون قيام الكيان الفلسطيني نلحظ أن الكتاب يتحدث عن "الوطن الفلسطيني " ككيان بينما يتحدث عن "الكيان الصهيوني" كدولة !

إن هذا الكتاب يعد بالفعل وثيقة مكملة لاتفاقيات كامب ديفيد فهو يكشف الأهداف الحقيقة والخفية لهذه الاتفاقيات يقول:

"لأول مرة يلوح نمط قد يحث البعض على البحث عن مصلحة في قيام ط تكامل ما " بين " الكيف الإسرائيلي والكم العربي تكامل بين قدرات إسرائيل التكنولوجية ومقدراتها البشرية من جانب وبين المال العربي وحاجة العرب إلى توظيف هذا المال في صورة انجازات تحقق منافع من الجانب الآخر"

وما تعمد أن يتجاهله المؤلف

أولا: أن المعادلة كما هي مطروحة من الجانب الصهيوني هي استغلال صهيوني ومال عربي وأيد عاملة عربية رخيصة.
ثانيا: أن القدرات الصهيونية كانت موجودة في العالم العربي قبل ثورات التحرير ولم تترك خلفها إلا ركاما للتخلف ولم تقدم انجازات.
ثالثا: أن العالم العربي لم يشاهد المصانع الثقيلة أو التطور التكنولوجي إلا بعد طرد الاستعمار والصهيونية من أقطاره فأقيمت مجمعات الحديد ومصانع الالومنيوم والصناعات الثقيلة المتعددة في مصر والعراق وسوريا .

وأقرت اتفاقيات "كامب ديفيد" في صفحاتها الأولي الدور الجديد للكيان الصهيوني.

الحقيقة والخداع

تتحدث المقدمة في "الوثيقة الأولي" عن مواد ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية ..فهل تقر القوانين الدولية احتلال أراضي الدول الأخرى بالقوة ؟في الوثيقة الثانية الخاصة بمصر وإسرائيل نقرأ "أن تتواجد في المنطقة في حدود ثلاثة كيلو مترات شرق الحدود الدولية قوات عسكرية إسرائيلية "

فهل يتفق هذا مع ميثاق الأمم المتحدة أو القوانين الدولية!وتقر الوثيقة الثانية الاحتلال الصهيوني للأراضي المصرية فلا يتم الانسحاب إلا بعد توقيع اتفاقية سلام فماذا يحدث إذا لو لم توقع اتفاقية السلام؟ هل يستمر الاحتلال؟

وتقول الاتفاقيات "وافق الطرفان على الممارسة التامة للسيادة المصرية حتى الحدود المعترف بها دوليا بين مصر وفلسطين تحت الانتداب" فهل تقييد حركة الجيش المصري وعدم السماح له بالعبور إلا في حدود 50 كيلوا متر يسمي سيادة للحدود المعترف بها دوليا؟

فإذا انتقلنا من الأرض المصرية المحتلة إلى الضفة الغربية وغزة نجد الاتفاقيات تتجاهل كل القوانين الدولية وتقر مبدأ الاحتلال بالقوة لتستقر القوات الصهيونية لمدة خمس سنوات انتقالية تبدأ بعدها مفاوضات جديدة!

إن كل سطر من أسطر الاتفاقيات يتناقض مع القوانين الدولية وحق السيادة المعترف به دوليا بل نجد عنصر الإلزام وفرض الأمر الواقع واضحا في نصوص الاتفاقيات افترضت الاتفاقيات أن السادات هو الممثل الوحيد ليس لمصر فحسب سيناء أو فلسطين بل تتعداهما ونقرا:

  • إن الأطراف إذ تضع هذه العوامل في الاعتبار مصممة على التواصل إلى تسوية عادلة شاملة و "معمرة لصراع الشرق الأوسط" ويجب أن يشمل جميع هؤلاء الذين تأثروا بالصراع أعمق تأثير.
  • إن هذا الإطار مناسب ليشكل أساسا لسلام لا بين مصر و"إسرائيل" فحسب بل وكذلك بين "إسرائيل" وكل جيرانها الآخرين .
  • ثم تتناول الاتفاقيات الضفة الغربية وغزة دون مراعاة للشعب الفلسطيني أو حكومة الأردن ..

وتنص الوثيقة الأولي على أن نصوصها ينبغي أن تطبق أيضا على "معاهدات السلام" بين إسرائيل وكل جيرانها العرب لبنان وسوريا والأردن وهذه سابقة خطيرة في العلاقات الدولية والقانوني الدولي .. إذ يتفق الطرفان على إلزام أطراف أخري لم تشترك في المفاوضات ولم توقعها على وجوب التقيد بنصوص وضعت دون علمها أو موافقتها.


ولكن هذا يعطي مؤشرا إلى ما سوف تؤول إليه الأمور في المنطقة بزعامة "إسرائيل" تحت المظلة الأمريكية ويقوم السادات بدور الوسيط أو السمسار !!

هل تحل اتفاقيات "كامب ديفيد" مشاكل مصر؟ وهل نرفع عن كاهل الشعب أعباء حروب متصلة استنفدت الكثير من ثرواتها ومن دماء أبنائها؟

وهل صحيح أن "مشكلة فلسطين" كانت عبئا على مصر وتحملت فيه النصيب الأكبر وأن مصر اليوم في حاجة إلى السلام؟ منذ البداية لم تكن فلسطين ابدأ هي الهدف ولكنها كانت دائما الطريق إلى غزو مصر والشعب العربي يعرف معني الغزو ومعني الاستعمار عاش عقودا طويلة تحت القهر والنهب البريطاني والفرنسي.

والأجيال التي لم تعان من الاحتلال البريطاني أو الاحتلال الفرنسي تشهد اليوم مأساة "الاستعمار لجديد" في تشيلي والسلفادور كما شهدته في إيران وجنوب شرق آسيا عمليات نهب بالقوة وفقر ندقع لملايين البشر وثراء فاحش لقلة من الأفراد واستنزاف من الشركات الاحتكارية لثروات البلاد كل هذا يتم بغزو من الداخل وبالمؤامرات والجيوش المحترفة وأجهزة المخابرات.

فماذا تعني اتفاقيات كامب ديفيد؟عرفت مصر خلال تاريخها الحديث نوعين من الاتفاقيات أو المعاهدات.

الأولي: كانت تنص صراحة على تحديد قوة مصر العسكرية كشرط أساسي من بنودها وتتمثل هذه المعاهدات في اتفاقية لندن التي فرضت على مصر أيام محمد على وحددت عدد القوات المصرية وفتحت الأبواب أمام تدفق رأس المال الغربي كما تتمثل في معاهدة 1936 التي فرضت خضوع الجيش المصري للبعثة البريطانية.
الثانية: معاهدات الصداقة بين طرفين متساويين في الإرادة وتهدف إلى تهدف إلى تطوير العلاقات واستكمال العناصر الحضارية التي لا تتمكن مصر بقدراتها الذاتية من الحصول عليها وكانت معاهدة الصداقة المصرية السوفييتية نموذجا لهذه المعاهدات فأين نضع اتفاقيات " كامب ديفيد"؟

منذ بدأ السادات مفاوضاته مع الغرب الرأسمالي كان البنك الدولي أحد عناصر المفاوضات واشترط لتقديم القروض تخفيض عدد الجيش المصري وتخفيض مصاريف الدفاع هذا الشرط أرادوا إملاءه على عبد الناصر لتمويل السد العالي وطالبوا بوقف شراء مزيد من السلام السوفييتي ولكنه رفض.

وبعد عشرين عاما حقق الغرب أهدافه وفي أعقاب توقيع اتفاقيات " كامب ديفيد" أعلن وزير دفاع السادات تحديد عدد القوات المسلحة كما أعلن أن الجيش المصري تحول من الحرب إلي الدفاع أى أن الحكومة المصرية نفضت يدها من مسؤولية استرداد نصف سيناء المحتل بالقوات الصهيونية أو المنزوعة السلاح كما نفضت يدها من مسؤولياتها العربية.

ونري في هذه الشروط نفس القيود التي فرضت على مصر عام 1840 بعد هزيمة محمد على أمام الجيوش الأوربية والتي حددت عدد الجيش وقلصت علاقة مصر بالعالم العربي.

ونراها أيضا في أعقاب الاحتلال البريطاني لمصر عام 1982 عندما أصدر الخديوي مرسوما بتجريد جميع الضباط الذين أيدوا "عرابي" من رتبهم .. وحدد عدد الجيش بستة آلاف !

إن " اتفاقية كامب ديفيد" تحمل في مضمونها كل المعاني والشروط التي يمليها "الاستعمار" بعد الغزو أو القهر لقد استطاع السادات أن ينهي وجود " الخبراء السوفييت " في مصر بالتليفون كما قال فهل استطاع أن يزيح جندي صهيوني واحد من ارض مصر بغير الدماء؟

وهل استطاعت دولة واحدة من دول العالم الثالث التي وقعت في قبضة "الخبراء الأمريكيين" أن تنهي وجودهم بغير بحور الدماء إن ما حدث في إيران ونيكارجوا وما حدث في فيتنام شاهد لن تناساه الأجيال ولن يغفره التاريخ.

الدولة الأولي بالرعاية

الاستعمار الجديد في مصر ليس أمريكا فحسب بل إن نصوص اتفاقيات " كامب ديفيد " تنص على منح الامتيازات للعدو الصهيوني وعلى الرغم من أن الجيوش الأمريكية أو الصهيونية لم تحتل "القاهرة " كما حدث أيام الاحتلال البريطاني بل ردت على أعقابها وأدانها العالم أجمع فإن السادات أعطي إسرائيل "حقوق الدولة الأولي بالرعاية !تقرأ في الوثيقة الأولي في باب" المبادئ المرتبطة النقطة الرابعة .

رابعا: يجب إقامة لجان للدعاوى القضائية في الحسم المتبادل لجميع الدعاوي القضائية المالية "إن هذا الشرط جري العرف أن يدون في "البروتوكولات " أو الملاحق الخاصة بالمعاهدات الاقتصادية .

ولكن النص هنا شامل وعام ومعني ذلك أنه يعطي امتيازا استثنائيا "لإسرائيل " على بقية دول العالم إن الدعاوي القضائية والمالية بين مصر وإسرائيل لن تعرض على القضاء العادي بل على لجان أشبه بالمحاكم للفصل في الخلافات وهكذا تعود المحاكم المختلطة بصورة جديدة يشترك في إصدار الأحكام فيها قضاة إسرائيليون ..

ومعني ذلك أن "قضية هضبة الأهرام " و" فضيحة العامرية " وما شابهها من فضائح ورشاوي واختلاسات لن تعرض على القضاء المصري ولن يكون لمجلس الوزراء أو مجلس الشعب الحق في نقضها أو نقدها . بل أصبحت من اختصاصات "لجان الدعاوي ط حسب نصوص اتفاقيات " كامب ديفيد"

فهل توجد في نصوص مواثيق الجامعة العربية وهل تتمتع دولة عربية بمثل هذه الحقوق أو الامتيازات في مصر؟أن هذه اللجان الخاصة بالدعاوي القضائية بادرة خطيرة وهي كما يبدو هدف مبيت منذ العدوان الصهيوني الأمريكي أنه قد يطلب من الدول العربية الأخرى التسليم بوجود هذه الامتيازات أو المحاكم الخاصة ! فهل تخضع اتفاقيات البترول في المستقبل لمثل هذه المحاكم ويكون لها وحدها الحق في الفصل لجميع الدعاوي المالية ؟

الدور الوظيفي

إن اتفاقيات "كامب ديفيد" وضعت النقط على الحروف وأكدت المخطط الإمبريالي الصهيوني كما جاء في كتاب "بعد أن تسكت المدافع" .

يقول الكتاب:

" إن النزاع العربي الإسرائيلي في صورته التي عاشتها المنطقة منذ ربع قرن أصبح عبئا يعرض مصالح الاستعمار في المنطقة بأسرها لمخاطر جدية ومن هنا بدأت تبدو حاجة في نظر دوائر استعمارية بعينها لأن تتقمص إسرائيل دور " بيت الخبرة" في المنطقة بدلا من أن تواصل فقط دورها " كشرطي" لحسابها.
إن " بيت الخبرة " الذي بشربه المؤلف منذ ثلاث سنوات (قبل عقد الاتفاقيات) تحقق خلال " كامب ديفيد" فكما نقرأ في البند الأولي من المقدمة نجد أن شروط السلام مرتبطة بتحويل موارد الإقليم البشرية في خدمة " بيت الخبرة " أى خدمة " إسرائيل "!
ولم تمض أيام على توقيع الاتفاقيات حتى أعلنت " فتح أبواب الهجرة من مصر إلى الضفة الغربية للعمال المصريين العمال الذين أذلوا إسرائيل فوق خط بارليف يخلعون ملابس الجندية ويذهبون في "ذلة" للعمل في الحقول والمصانع الإسرائيلية أما المصانع المصرية فتتكدس فيها السلع ويتعطل العمل وتغلق أبوابها !
هكذا بدأ "بيت الخبرة" عمله بعد أسبوعين من توقيع الاتفاقيات أما المثقفون الذين تخرجوا في الجامعات فيعملون في مطاعن أوروبا والدول البترولية ويعيشون باعة متجولين في عواصم العالم ليحل مكانهم في البنوك والشركات عناصر يهودية كما كان الحال قبل ثورة 1952 .

إن نصوص الاتفاقيات وما أعقبها من تصريحات أجاب على كل منهج التسويات وكشف ما فيه من خداع أو خيانة وفضح حقيقة "بيت الخبرة" ففي كتاب "بعد أن تسكت المدافع" نقرأ ما نصه " بعد الانتهاء من إيجاد التسوية في الشرق الأوسط أى بعد حلول السلام القائم على لعدل الذي يزيل أسباب النزاع الأصلية هل في مقدور إسرائيل أن تنهض بدور وظيفي في إطار العالم العربي شبيه بذلك الذي سعت إليه حيال أفريقيا؟ وهل في مقدور الدول العربية أن تقبل هذا الدور "الوظيفي" وأن تري فيه ما يفيد تطور تنميتها مستقبلا لا العكس ؟

هذا هو جوهر الاتفاقيات والذي طرحه الكتاب قبل توقيع الاتفاقيات بثلاث سنوات والغريب أن هذه التفسيرات أو التبريرات لمنهج التسوية نسيت أن التنمية في أساسها عملية حضارية لا يمكن أن تنهض بها دولة تضرب مدارس الأطفال بقنابل " النابالم" وتدمر المصانع على عمالها بالصواريخ ..
إن مثل هذه الأفكار عن دور الإمبريالية في تطور أو تنمية الدول المتخلفة أو الدور "الوظيفي" بالتعبير الحديث هذه الأفكار ظهرت في بداية القرن الحالي ورد على هذه الترهات "لينين " بقوله:
"الإمبريالية هي عهد الرأسمال المالي والاحتكارات التي تحمل في كل مكان النزعة إلى السيطرة لا إلى الحرية ونتائج هذه النزعة هي الرجعية على طول الخ.ولمست الدول العربية الدور الوظيفي لكل من انجلترا وفرنسا وايطاليا عندما قررت عصبة الأمم مبدأ الانتداب لهذه الدول على الأقطار العربية.
كما يتجاهل أصحاب فكرة "الدور الوظيفي" الصراع الدموي بين قوي التحرر العربي التي تنشد التطور واللحاق بمنجزات العصر والقوي المضادة التي تحاول الإبقاء على التخلف في العالم العربي.
فكانت حرب 56 بعد تأميم القناة التي سلبت من مصر وانتزعوا دخلها لعشرات السنين وعندما أممت القناة لبناء السد العالي اشتعلت الحرب وكانت حرب 76 بعد القوانين الإشتراكية وتنفيذ خطة التنمية الأولي .
وكانت حرب 73 بعد تأميم البترول في العراق وبدء مرحلة التصنيع فهل يمكن أن تتحول "القعدة العدوانية" إلى أداة للتنمية؟
على أى حال أجابت اتفاقيات "كامب ديفيد" على هذه التساؤلات كما كشفت تصريحات كارتر وبيغن عن الأهداف فلن يكون الدور الوظيفي لإسرائيل سوي الغزو من الداخل بعد أن فشل الغزو من الخارج ..

الكم العربي .. والكيف الإسرائيلي

إن أبشع ما أسفرت عنه اتفاقيات كامب ديفيد أنها أقرت المبدأ القائل بان المواجهة العربية الإسرائيلية هي الصراع بين "الكيف الإسرائيلي"و" الكم العربي" أى بين " العبقرية اليهودية "و" القطيع العربي "!

ففي الخطوة الأولي من مقدمة الوثيقة الأولي كما رأينا نجد النص على استثمار الموارد البشرية والطبيعية وكأنما هذه الموارد كانت في انتظار " العبقرية الصهيونية " لاستغلالها !

ثم نجد في نصوص الاتفاقيات ما ينص على أنها يجب أن تشمل جميع هؤلاء الذين تأثروا بالصراع ...وأنها أساس لما يجب أن تكو عليه العلاقات بين إسرائيل وجيرانها !

وكأنما هذا "القطيع العربي " مساق للخضوع لهذه الاتفاقيات دون إرادة أو رأي ..بل أننا نجد الإصرار والتأكيد على " العبقرية اليهودية" و" القطيع العربي " من مجمل نصوص الاتفاقيات التي سلمت "لإسرائيل" بكل مطالبها كما أعلنها بيغن بينما استسلم السادات وتنازل عن كل المطالب العربية !

فهل هناك حقا " عبقرية يهودية " و" قطيع عربي" لقد كثر الحديث عن " العبقرية اليهودية " و" الكيف الإسرائيلي " و" قدرات إسرائيل التكنولوجية " وتكاد هذه الخدعة من كثرة ترديدها أن تفرض نفسها كحقيقة .

ولنتعود إلى الماضي القديم لتتحدث عما قدم العالم العربي من حضارات لا شك كنت تابعة من عقول وفكر وقدرات بشرية متميزة.ولن نتحدث عن شخصيات عربية.أو مساهمات عربية كانت جذورا لحضارة العالم الحديث ..

ولكن نتساءل هل كانت "حرب أكتوبر" بين " كم عربي" و" كيف صهيوني " أم كانت في الحقيقة بين "كيف عربي " " وكم استعماري "

وهل العرب هم الذين فوجئوا بعبقرية بناء خط برليف أم أن إسرائيل وهي التي فوجئت بالصواريخ تمزق الدبابات وتهوي بالطائرات الصهيونية؟

وهل العرب هن الذين ذهلوا عندما غرقت "البارجة ايلات " بصاروخ أطلق من قارب بحري؟ إن ما سمي بالعبقرية "الإسرائيلية " أوشكت أن تستسلم في الأيام الأولي لحرب أكتوبر لولا لجسر لاجوي الذي أمدها به كيسنجر ونيكسون والاحتكارات الأمريكية.

وأوشكت الإمبريالية الأمريكية والصهيونية أن تستسلم بعد وصول الإمدادات السوفيتية إلى مصر وسوريا لولا تخاذل السادات !إن المعركة لم تكن أبدا بين "الكيف الإسرائيلي " و" الكم العربي " ولكنها كانت دائما بين حركة التحرر العربي . والعدوان الصهيوني أو الغزو الإمبريالي ..

وعندما تأتي اتفاقيات " كامب ديفيد" لتفرض علينا الاعتراف "بالكيف الصهيوني" إنما تحاول أن تفرض خدعة أو كذبة لا تقوم على أساس واهن ومصيرها الانهيار ..

وما يقوم على باطل فهو باطل فالحديث عن التكامل بين "الكيف الصهيوني " و" الكم العربي" سينهار مهما نصت الاتفاقيات والمعاهدات فهو يقوم على أساس باطل من الخدع والكذب !

وكما سخر العالم من ادعاء " بيغن " بأن أجداده هم الذين بنوا أهرامات الجيزة فإن صحف العالم بل الصحف الأمريكية نفسها بدأت التشكيك في جدوى اتفاقيات " كامب ديفيد" ومجلة " تايم الأمريكية " تقول :" آمال السلام تحترق فوق الصحراء .." أما " واشنطن بوست " فقال : " وهذا ليس وقت التفاؤل الزائد لا الصعوبات المقبلة خطيرة .."

السلام المزعوم

هل جاءت اتفاقيات "كامب ديفيد" بالسلام؟ وهل ستنعم مصر أو المنطقة بهذا السلام؟وتترك صحف العالم الغربي تتحدث قالت "الفيجارو" الصحيفة الفرنسية "كامب ديفيد" لم يعط السلام ..لكن أجل موعد الانفجار.

أما صحيفة " لوموند " الفرنسية فقالت:

"الاتفاقية التي وقعها كل من الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الحكومة الإسرائيلية مناحم بيغن لن تسوي ما اتفق على تسمية مشكلة الشرق الأوسط "

أما وجهة نظر الصحافة البريطانية فتتمثل في أقوال صحيفة " التايمز " التي قالت " كامب ديفيد تجاهلت جوهر الصراع " وقال " الأوبزرفر" :" إن الاتفاقيات فرصة هشة للسلام "

إن الرأي العام العالمي بعد الصراع العربي الطويل أصبح يدرك ويري حقيقة الصراع في المنطقة.ولهذا لم يصدق أن اتفاقيات "كامب ديفيد" تحقق أى سلام ..

ولهذا تنبأت وكالة أنباء "الا سوشيتد بريس " في تحليل لها بأنه سيطاح بالسادات إذا أصر على تنفيذ اتفاقيات كامب ديفيد وقالت "الوكالة" أن أمريكا أرادت أن تنقل مبادرة السلام من "كامب ديفيد" إلى العالم العربي ولكن جاء وزير خارجية أمريكا ليجد أن السادات يقف وحيدا مع اتفاقيته.

تمخضت اتفاقيات " كامب ديفيد" عن حل يشعل المنطقة ولا يأتي بالسلام كان السادات يقسم وبعد الوطن العربي ومجلس الشعب في مصر بأنه " لا حل منفردا "

فأحنث في وعده وفي قسمه وإذا كان السادات قد حاول إيهام الجماهير في مصر بأن المبادرة كانت "حدثا تاريخيا" فإنه لا يستطيع الادعاء بأنه لم يعقد حلا منفردا .

  • لم توقع دولة عربية واحدة على الاتفاقيات ..
  • لم تعلن دولة عربية واحدة تأييدها للاتفاقيات.
  • لم يشارك أى طرف عربي في المفاوضات .

وبعد فماذا يكون الحل المنفرد إذا لم تكن اتفاقيات "كامب ديفيد" حلا منفردا بل حل فردي "فرد واحد" أراد إملاء إرادته على شعب مصر وعلى الأمة العربية بملايينها التي تجاوزت لمائة مليون خرج على إجماعها عندما حطم "اللاءات الثلاثة" التي أجمعت عليها الدول العربية في مؤتمرات الخرطوم .والرباط . والجزائر .

وقبل أن يذهب إلى " كامب ديفيد" أعلن عن إقالة وزرائه وشكل حزبا جديدا هرول إليه أعضاء حزب الحكومة المنحلة فلا مساندة عربية ولا تأييد مصري .

وللمصريين كلمة

منذ أعلنت "المبادرة" المشئومة هب الشعب المصري في غضبة واحدة صارخا ضد هذه "الخطوة " وعندما أعلنت اتفاقية " كامب ديفيد" تصدت مصر بقياداتها السياسية من أقصي اليمين إلى أقصي اليسار تندد بالاتفاقيات داخل مجلس الشعب أو خارجه رافضا الانقياد للسياسة الأمريكية الصهيونية .

أدان أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو في بيان وجهوه إلى السادات اتفاقيات "كامب ديفيد" وألزموه حائطا عندما لخصوا أقواله وتعهداته في المذكرة .

هناك فرق بين سلام صحيح فيه عدل وأمن ومحافظة على السيادة الوطنية يرجع لحق إلى أصحابه ويوفر الأمن لهم وبين سلام خادع لا الحق فيه عاد ولا الأمن استقر ولكن يضيع فيه كفاح الماضي وأمل المستقبل وحتى لا نتجني على أنفسنا ولا على أحد فإننا نذكر أنفسنا ونذكرك بأقوالك وتصريحاتك بتعهداتك في مناسبة داخلية أو خارجية للمواطنين هنا في الاجتماعات العامة أو في مجلس الشعب أو في اللجنة المركزية أو مع قادة الأمة العربية في مؤتمرات القمة أو في رسائلك إليها أو في مباحثاتك معهم أو في لمنظمات الدولية والأفريقية والأوروبية أو في منظمة دول عدم الانحياز أو في الأمم المتحدة أو في مجلس الأمن حيث اقتنع الجميع بصدق حقنا وعدالة قضيتنا .

وتتلخص أقوالك وتعهداتك في الآتي:

  1. عدم التفريط في أى شبر من الأرض العربية التي احتلت في يونيو 1967 ووجوب الانسحاب الإسرائيلي من كافة هذه الأراضي وهي القدس والضفة الغربية غزة والجولان وسيناء.
  2. أنه لبلوغ السلام الدائم يجب أنتحل المشكلة الفلسطينية .
  3. أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
  4. أنه لا يمكن توقيع اتفاق سلام منفرد مع إسرائيل لما يجره من ويلات على الأمة العربية .
  5. إن الأساس الأول لمواجهة عدونا واستعادة حقوقنا الآن وفي المستقبل كله هو وحده الصف العربي وأن الثغرة الرئيسية التي يمكن أن ينفذ منها العدو هي تمزيق هذه الوحدة.

ولقد أصابتنا اتفاقيات كامب ديفيد بمفاجأة شديدة لأنها تتناقض مع كل ما سبق .واصدر " التجمع الوطني التقدمي الوحدوي " عدة بيانات تشجب الاتفاقيات وكان الحزب قد اصدر بيانا حول "مؤتمر كامب ديفيد" قبل توقيع الاتفاقيات أوضح فيه عددا من الملاحظات ..

الملاحظة الأولي أن رحلة القدس وما أعقبها من اتصالات ومفاوضات حملت معني التنازل من الجانب المصري فيعدد من القضايا الإستراتيجية دون مقابل مثل الاعتراف الكامل بإسرائيل وبمطالبها المنية والعسكرية والسياسية وتطبيع العلاقات

الملاحظة الثانية أن الجانب الأمريكي ظل "وما يزال" يحث الجانبين نظريا على إبداء مزيد من المرونة في مواقفهما في حين انه من الناحية العملية يدعم الموقف المتعنت الإسرائيلي بمزيد من المساعدات العسكرية والاقتصادية .

والملاحظة الثالثة . أن هذه الاتصالات والمفاوضات المباشرة قد انحصرت محليا ودوليا في أطراف ثلاثة فقط هي مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمر الذي يناقض طبيعة الصراع المتعدد الأطراف والأبعاد وكتب " عمر التلمساني " في "مجلة الدعوة " الناطقة بلسان الإخوان المسلمين.

قائلا: أين الانسحاب الكامل إذا كنا لا نتمتع بحرية إقامة المطارات المدنية والعسكرية في سيناء كلها وكيف لا تستطيع قواتنا حرية التصرف إلا في حدود خمسين كيلو مترا شرقي القناة وأتى هذا الشرط لم تترك لنا فيه حرية التنقل والتصرف بل علينا ألا نشغل هذه المساحة إلا بفرقة واحدة وأما باقي سيناء فقد ترك للقوات الدولية ..

وأضاف: " ما كنا نظن أن يكون هذا حظنا في الاتفاق ونحسب أنه أمر يجوز رضا المسلمين ".

وقال بيان الحزب الشيوعي المصري أن " كامب ديفيد" خيانة لمصر قبل أن تكون خيانة لفلسطين والعرب وفي تحليله لنصوص الاتفاقيات قال:

أولا: معاهدة سلام مقابل مجرد وعد على صك استسلام .
ثانيا: احتلال سياسي فوق الاحتلال العسكري .
ثالثا: الانسحاب الموعود لا يضع سيناء تحت السيادة المصرية
رابعا: الخيانة لمصر قبل أن تكون لفلسطين والعرب .
خامسا: كل شئ تحت المظلة الأمريكية وتحت الإشراف الأمريكي .
الخلاصة المؤسفة: هي انتصار كامل لعدوان 67 الامبريالي الأمريكي

معارضة شاملة

وشجب القادة السياسيون من جميع الاتجاهات "كامب ديفيد" واعتبروها طعنة للنضال الوطني وخيانة للمسيرة الوطنية وارتفعت الأصوات في مجلس الشعب تندد بهذه الاتفاقيات وأحيطت المناقشات بتكتم شديد ولم تنشرها الصحف رغم أنها تمثل مختلف القوي والتيارات السياسية فيمصر.

ولم تكن هذه الأصوات تعكس مجرد آراء أفراد ولكنها عكست مواقف قوي سياسية لها وزنها في الشارع المصري وكان في مقدمة هؤلاء المعارضين الشيخ صلاح أبو إسماعيل الذي يمثل التيار الديني

فاستشهد بالآيات الكريمة . وبالنضال الوطني والسيادة القومية فقال:

إنني أسأل هؤلاء الإخوة الذين يحتجون بالقرآن الكريم أين هم من دم الشهداء الذين دفعنا بهم عبر الثلاثين عاما فباعوا الله أنفسهم وأموالهم رخيصة وثمنا للسيادة يقول البعض دمرتنا الحروب ! ومن الذي قال أن طريق الحروب طريق مفروش بالورودو ومن الذي قال أن طريق الحروب مفروش بالحرير ؟ إن الله الذي كتب علينا القتال هو الذي أخبرنا أن الجهاد سبيل مقرون بالظمأ والتعب والمجاعة .

ثم قال:

" فعدونا على صلف وبغي وما جنح للسلم وتاريخه طويل في نقض المعاهدات وخرق الاتفاقيات والاعتداء على الهدنة التي عقدت مرة بعد مرة وما أظن غده إلا كيومه وكأمسه ولنكن دائما على حذر "

واستطرد:

أن الإسلام فرض القتال دفاعا عن النفس وقد سفكوا الدماء وقد قتلوا النساء والأطفال والشيوخ .. دفاعا عن الأموال وقد انتهبوها دفاعا عن الديار وقد اخرجوا منها أهلها فالآية التي يتعين علينا ان نستضئ بها قول الله تعالي : "واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل"

وتحدث النائب ممتاز نصار المستشار السابق ورئيس نادي القضاة السابق فتحدث من الناحية القانونية واعتمد على التحليل القانوني لاتفاقيات " كامب ديفيد" مبينا خطورتها بل ومخالفتها في الكثير من بنودها لقواعد العرف الدولي وقال:" إن الاتفاقيتين تضمنتا كلاما كثيرا عن تصورات تمس سيادتنا وأول هذه التصورات في المعاهدة الثانية المترجمة بصفة خاصة أننا التزمنا فيها بإيجاد علاقة طبيعية مع إسرائيل"

فقد نصت على ما يأتي:

وبعد توقيع اتفاقية السلام وبعد إتمام الانسحاب المؤقت تقام علاقات طبيعية بين مصر وإسرائيل تتضمن الاعتراف الكامل بما في ذلك قيام علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية إنها المقاطعة الاقتصادية والحواجز أمام حرية السلع والأشخاص والحماية المتبادلة للمواطنين وفقا للقانون ..
ولا يمكن أن أوفر النمو لإسرائيل بهذه الصورة إن هذا النص يسمح لإسرائيل بالنمو على حسابنا وعلى حساب مصر وهذا ما أحذر منه بصورة قاطعة وملزمة.

وتحدث خالد محي الدين رئيس حزب التجمع الوطني ليؤكد أن شروط الاتفاقيات تمثل إخلالا بالسيادة المصرية كما أنها تجعل الحدود السياسية لمصر عند "رفح" بينما تتوقف الحدود العسكرية عند قناة السويس!

وقال إن اتفاقيات " كامب ديفيد" ستؤدي إلى نتائج سياسية خطيرة في مسار الحركة الوطنية المصرية والحركة القومية العربية وإن مصر دخلت مع العرب في معركة مصيرية ولا ينبغي لها أن تخرج منها منفرده

وقال:

" شركات إسرائيلية تدخل السوق المصري في إطار قانون استثمار رأس المال العربي و الأجنبي وهذه كارثة .ورد النائب مصطفي كامل مراد الضابط السابق والذي خلع ملابسه العسكرية ليعمل وكيلا للشركات الأجنبية فقال "هذه ليست كارثة ولكنها شئ عظيم "!

وأكمل خالد محي الدين كلامه ليكشف أسرارا وراء الاتفاقات فقال:" أنني أعلم أنه من المطالب التي تقدمت بها إسرائيل في مؤتمر القاهرة في 14 ديسمبر طلبين غريبين جدا رفضتهما مصر في ذلك الوقت ولكن هناك احتمال لعرضهما مرة أخري .

الأمر الأول:أن تنزل من برامج التعليم كل الكلمات التي بها عداء لإسرائيل .

الأمر الثاني:أن يحذف شرط من شروط المناقصات الحكومية فهناك شرط في شروط المناقصات الحكومية وهو أن من حق الحكومة رفض أى مناقصة دون إبداء الأسباب من أجل الأمن وإسرائيل طلبت إلغاء هذا الشرط .

لذلك فإنه يجب علينا أن نضع في الاعتبار أننا أمام عدو خطر وشرس .وتحدث النائبان أحمد ناصر عن الناصريين وأحمد طه عن اليسار وشجبا الاتفاقيات.

وأمام هذا الإجماع حل السادات مجلس الشعب ووقفت الولايات المتحدة تتفرج علي العبث بالديمقراطية والحريات في مصر بل مضت تساند السادات وتدعم حكمه دون أن يرتفع صوت في طول الولايات المتحدة وعرضها ليتكلم عن حقوق الإنسان !

مع الأسف كانت الجماهير أكثر حسا وإدراكا بما يبيت لها عن قياداتها فأدركت منذ بداية عام 1977 أن مسيرة السادات الداخلية لا بد أن تقود إلى هذا الموقف من الاستعمار الصهيوني الإمبريالي فكانت هبة أو انتفاضة 18,19 يناير التي انطلقت في غياب القيادات السياسية وعبرت عن نفسها بالدم والهتاف " بسقوط السادات " واللعنات على حكم الطبقة الطفيلية الخائنة.

كانت الانتفاضة امتداد لحركة الطلبة عام 1972 وانتفاضة 68 والحركة الشعبية عام 1950 والحركة الوطنية عام 1946 عندما اسقط الشعب معاهدة صدقي بيغن وأرغم حزب الوفد على إلغاء المعاهدة (المصرية – الانجليزية) والتصدع لمشروع الدفاع المشترك الأمريكي عام 1951 .

ثم عبر عبد الناصر عن إرادة الجماهير في التصدي للأحلاف . فكانت انتفاضة 18,19 يناير تعبيرا عن رأي الشعب " في سياسة السادات " واشترك في هذه الانتفاضة عمال القطاع العام في حلوان وطلبة الجامعات فكانوا الطليعة للجماهير الشعبية التي خرجت وانضمت إلى المظاهرات ونفس التحرك حدث في الإسكندرية وامتدت الانتفاضة إلى مدن القطر من أسوان إلى بورسعيد والإسكندرية كما تجاوب معها الفلاحون في بنادر وقري الريف .

كان إجماعا شعبيا عبر عن نفسه سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بالهتافات . فكانت الهتافات تدور جدل سياسة الحكومة المعادية للجماهير الشعبية .

الصهيوني فوق ترابي
والمباحث على بابي.

يا أمريكا لمي فلوسك

بكره الشعب العربي يدوسك

إحنا الطلبة مع العمال

ضد تحالف رأس المال .

يا حاكمنا من عابدين

باسم الحق وباسم الدين فين الحق و فين الدين؟

فكانت الجماهير في انتفاضة 18 و19 سباقة إلى إدراك مسيرة السادات وأن خطواته الداخلة هي تمهيد للسياسة الخارجية في الاستسلام و وتسليم مصر إلى أعدائها .

وعلى الرغم من هذا الإجماع الشعبي قيادة وجماهيريا فإن الولايات المتحدة تحدث الشعب المصري وهي تساند "السادات" لتوقيع اتفاقيات الخيانة في كامب ديفيد .

اتفاقيات سرية

لم تكتف الولايات المتحدة بتوقيع " اتفاقيات الكامب " بل تمادت لتوقيع اتفاقات سرية لم تعلن في وقتها وإنما أرجئ نشرها إلى وقت لاحق وأعلن في " مدريد " نص 3 اتفاقيات سرية بين مصر وإسرائيل وأمريكا حول التعاون العسكري والسياسي ..

وقالت صحيفة " باييس" أن السادات التزم بموجب الاتفاقية الأولي التي وقعها مع مناحم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي بعدم اشتراك مصر في أى حرب يمكن أن تنشب بين إسرائيل ودولة عربية أو أكثر وأشارت إلى أن الرئيس المصري التزم أيضا بموجب الاتفاقية بمساعدة إسرائيل في الكشف عن قواعد المقاومة الفلسطينية وتبادل المعلومات الأمنية بين المخابرات المصرية والإسرائيلية واتفق الجانبان كذلك كما ذكرت الجريدة على تبادل وجهات النظر السياسية والعسكرية ومتابعة المفاوضات المباشرة حول قيام تعاون عسكري.

وقالت "الصحيفة" أن السادات أعطي تعهدا بعدم إعطاء أى دور للمقاومة الفلسطينية سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة وبإيجاد قوة تابعة من عناصر فلسطينية الأردن .

والاتفاقية السرية الثانية وقعت بين الرئيسين السادات وكارتر وتنص على إرسال خمسة آلاف فني ومستشار عسكري أمريكي إلى مصر للعمل في قواته المسلحة كما التزمت الولايات المتحدة بحماية حكم الرئيس المصري والعمل على خلق مشاكل بين القطار العربية لتخفيف الضغط عنه .

وقال الصحيفة أن الاتفاقية الثانية تدعو الولايات المتحدة إلى الضغط على الأقطار العربية التي توصف بالمعتدلة لحملها على دعم اتفاقيات " كامب ديفيد " بشكل مباشر أو غير مباشر .

وأضافت الصحيفة انه وفقا للاتفاقية الثالثة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ستقدم الولايات المتحدة إلى تل أبيب قروضا مالية وأسلحة عسكرية متطورة خلال السنوات الخمس المقبلة واتفق الطرفان أيضا على متابعة مباحثات لتوقيع معاهدة دفاع مشترك ..

وبعد أسبوعين من نشر هذه الاتفاقيات السرية كشفت مجلة " نيوزربك " الأمريكية الصادرة في 16 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1978 عن سلسلة من الاتفاقيات السرية وقعها أنور السادات وجيمي كارتر ومناحم بيغن أثناء مباحثات كامب ديفيد .

وقالت "المجلة " نقلا عن مصادر أمريكية موثقة أن هذه الاتفاقيات ستؤدي إلى زيادة الدور الأمريكي في المنطقة بشكل حاسم

وأضافت إن الاتفاقيات تضمنت النقاط التالية:

إعادة انتشار القوات المدرعة المصرية الموجودة في سيناء ونقلها إلى مكان آخر بعيدا عن القوات الإسرائيلية "
توسيع التعاون بين المخابرات المصرية والصهيونية لإفشال أى تحرك شعبي .
تخفيض الجيش المصري إلى نصف حجمه الحالي وإعادة بنائه بمساعدة الخبراء الأمريكان ليكون جاهزا لتنفيذ مهاما محددة في أفريقيا .

وأكدت المجلة أن كارتر اشترك بموجب هذه الاتفاقيات السرية أن يكون تسليم الأسلحة الثقيلة غلى نظام السادات مرتبطا بمدي تنفيذه لبنود اتفاقية "كامب ديفيد" وتوقيع اتفاق " السلام النهائي " مع الكيان الصهيوني .

وتعهد كارتر بأنه في حالة قطع المساعدات العربية عن نظام السادات ستقوم مجموعة من الدول الغربية بتعويض هذه المساعدات بإشراف أمريكا .

وبموجب هذه الاتفاقيات ستقوم الولايات المتحدة بتزويد الكيان الصهيوني بالتكنولوجيا الأمريكية الحديثة لتي تمكنه من وضع أسلحة متطورة إضافة إلى تلبية جميع احتياجاته من الطائرات الأمريكية النفاثة المقاتلة من طراز " ف 15 " و"ف – 16 " والتي سبق أن طلبتها حكومة العدو .

وأكدت صحيفة " لو موند " هذه الأنباء وقالت أن عدة اتفاقيات سرية وقعها المشاركون بمؤتمر " كامب ديفيد " لتسهيل الدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة في المنطقة

وأجرت مجلة " تايم" الأمريكية لقاء مع مناحم بيغن بعد توقيع اتفاقيات " كامب ديفيد" وكان السؤال الأول .

  • لم يتنازل أى شخص في مؤتمر كامب ديفيد عن مبادئه , ولقد قدم الوفد الإسرائيلي خطة سلام وبقي الوفد الإسرائيلي مصرا عليها طيلة فترة المفاوضات
  • وتحققت على أى حال ونحن لم نطلب من أحد أن يتنازل عن أى مبدأ يؤمن به .
  • على السادات تنازل عن مطلبه وهو إعادة جميع الأراضي العربية المحتلة ؟
  • ثم قال بيغن خلال الحديث:
" إن اتفاقية كامب ديفيد تعد انقلابا حقيقيا بل تعد ثورة في الشرق الأوسط"

ويكشف لنا الحديث أن إسرائيل لم تقدم تنازلا واحدا من خط العدوان التي قامت عليها والتي فرضت عل العرب القتال في نفس الوقت يري بيغن أن السادات لم يتنازل عن مبدأ يؤمن به فكل ما وقعه السادات كان نتيج للتسلسل الطبيعي لأفكاره كإرهابي وحليف للنازيين وعضو في الحرس الحديدي الملكي.

أما ما من به الشعب في مصر والوطن العربي فهذا شئ أخر لم يؤمن به السادات !وبالفعل كانت " كامب ديفيد" تمثل انقلابا حقيقا كمال قال بيغن انقلابا ضد الشعب المصري وضد حرك التحرر العربي وهي ثور أيضا ولكنها ثور مضادة تحمل كل أبعاد الخيانة للنضال الوطني الطويل منذ هب الشعب المصري ضد الشركات الأجنبية وبنوك النهب الصهيوني عام 1875 .


الفصل الخامس:عود روتشيلد

أهل البنوكا والطيان
صارو علي الأعيان اعيان

وابن البلد ماشي عريان

ممعاه ولاحق الدخان

"عبد الله النديم عام 1881"

في حركة " مسرحية " بعد عودته من زيارته المشئومة للقدس وقف السادات في مجلس الشعب يخطب مبررا الزيارة قائلا:

" ماذا أقول لشعبنا شعب مصر الشهداء مصر التضحيات ماذا أقول للشعبي الذي تحمل عن الأمة العربية من المحيط إلى الخليج أثقل أعباء البذل والعطاء حتى التضحية بالقوت "

وقال:

" لماذا ضحينا بأكبر نصيب من دخلنا القومي بل ضحينا بقوتنا اليومي ولا نزال نضحي لكي نشتري السلاح المتطور ونحن أحوج ما نكون لكل مورد مهما صغرت قيمته ؟"كنت أريد للزوجة ألا تترمل للطفل ألا يتيتم وللآباء ألا يفقدوا أبناءهم "

وكان السادات قد استهل بخطابه بصرخات هستيرية يردد " لن تنحني أبدا هذه القامة إلا للشعب.ولن تركع أبدا هذه القامة إلا لله ؟"

كانت الصحف العالمية قد انتزعت صورة للسادات من بين المصلين ومن مراسم الصلاة في القدس.وأظهرته "راكعا" وإذ تغاضينا مؤقتا عن قضية شراء السلاح والتضحية بالقوت التي أظهرت الأيام خداعها فشراء السلاح لم يتوقف وإن كان قد تحول إلى تجارة واستمرت التضحيات بقوت الشعب حتى جاع .

أما التباكي من أجل الأرامل واليتامى فظهرت الحقيقة بعد أن جعل السادات من الجيش الوطني مجموعات من المرتزقة تحارب في زائير وضد ليبيا وتشارك في ضرب الحركة الوطنية في عمان والسودان .

وأعلن السادات أنه على استعداد لإرسال القوات المصرية إلى أى مكان في أفريقيا أو آسيا دفاعا عن الشركات الاحتكارية بل وأرسل السلاح والرجال إلى أفغانستان لدعم عصابات الإقطاع والاستعمار. وخطر من ذلك كله أنه وضع مصر كلها نساؤها وأطفالها ورجالها في مرجل الصراع العالمي بعد أن سمح بالقواعد أو التسهيلات الأمريكية في مصر .

ويبقي السؤال الهام:

هل تحمل الشعب المصري التضحيات عن الأمة العربية أم دفاعا عن نفسه ومن أجل تحررها؟
وهل كان الصراع المصري الإسرائيلي صراعا عربيا تورطت مصر فيه دون أن يكون لها مصلحة في المعركة؟
فهل مات من مات هباء؟ وهل كل ما بذلنا راح وانتهي؟ الدم.والمال والأيام الحزينة والأيام المجيدة؟
الشهيد أحمد عبد العزيز وعبد المنعم رياض وآلاف الشهداء والعلم المصري على " بارليف " وهل كان هذا كابوسا ثقيلا.أم كان وهما وخبالات مريضة؟وهل كان حقا "عقدة نفسية" كما كان يقول السادات؟
وهل حقا سيسود السلام مصر؟
وهل سيعم الرخاء مصر؟وهل سيجد الإنسان في مصر كل ما يحلم به من مسكن ومواصلات ومعيشة لائقة؟
وهل كانت الحرب استنزافا لثروة مصر.أم دفاعا عن حباتها؟
هل كل ما قدمته مصر كان من أجل فلسطين أو دفاعا العروبة؟ثم ماذا نالت مصر بعد كل ما ضحت به من مال ودماء وشهداء ؟

السؤال الأول:

قبل الغزو الفرنسي لمصر في بداية القرن الماضي نشرت في فرنسا رسالة لأحد أعضاء الطائفة اليهودية جاء بها:

"أنا أقترح احتلال بلد بإذن فرنسا يشمل مصر الأسفل وكذلك منطقة تمتد حدودها من عكا إلى البحر الميت ومن الطرف الجنوبي لهذه البحيرة إلى البحر الأحمر "

ويحدد صاحب الرسالة أهداف هذا الاحتلال فيقول:

" إذا شغلنا هذا الوضع الذي هو أنفع وضع في العالم نصبح بفضل الملاحة في البحر الأحمر ملوك التجارة في الهند والبلاد العربية وأفريقيا الجنوبية والشرقية ولحبشة.أى هذه البلدان الفائقة الغني "

ثم يأتي نابليون يغزو مصر ويقوم بأول محاولة جدية لاستعمار فلسطين بإسكان اليهود فيها لتحقيق أهدافه الإستراتيجية .

وتفشل محاولة نابليون بعد فشل حملته على مصر وتبدأ محاولات الاستعمار البريطاني وفي عام 1840 يقترح "اللورد بالمرستون " إقامة مستوطنات يهودية في الأرض المقدسة تعمل على مساندة الإمبراطورية العثمانية التي كانت انجلترا تدعمها في صراعها ضد مصر وفرنسا ..

وفي رسالة "بالمرستون" التي وجهها إلى السفير الإنجليز في الأستانة نقرأ:

"يري اليهود المبعثرون في شتي أرجاء أوروبا أن الوقت قد حان لعودتهم إلى فلسطين تحت حماية السلطان وإذا عاد هؤلاء إلى فلسطين فسيصبح في إمكانهم أن يساعدونا في القضاء على أطماع محمد على باشا أو أطماع ورثته"

ولم تكن رسالة "اللورد بالمرستون" مجرد أمنيات ففي نفس العام نشرت صحيفة "التايمز " الانجليزية وفي مقال " افتتاحي " تنفيذ خطة لتوطين "اليهود" في أرض أجدادهم وأن يتم ضمان حقوق وامتيازات المستوطنات اليهودية بإعلان إحدى الدول الأوروبية الكبرى لها وطبيعي أن تكون تلك الدولة بريطانيا العظمي ..كانت فكرة الغزو الاستعماري والبحث عن الأسواق وموارد المواد الخام قد أصبحت سمة النظام الرأسمالي .

وهكذا بدأت قصة الصراع منذ أكثر من مائة وثمانين عاما كانت مصر هي الهدف دائما من إقامة وطن لليهود في فلسطين ..وكانت فلسطين منذ القدم هي الطريق الذي يزحف العدو عليه ليصل إلى مصر.وكان الدفاع عن فلسطين دفاعا عن مصر .

من فلسطين زحف الهكسوس والتتار والغزو العثماني .. وكل قوة طاغية طمعت في مصر جاءت عن طريق فلسطين وكان دفع فلسطين دفاعا عن مصر وصدأ للغزاة .

ولم تكن مصر وحدها هي الهدف التالي بعد احتلال فلسطين بل نجد سوريا في نفس الموقف ويصرح أحد عتاه الاستعمار الجنرال " جورج غاولر " عام 1853 داخل البرلمان البريطاني:

"إن العناية الإلهية وضعت مصر وسوريا في طريق بريطانيا إلى أهم مناطق تجارتها الخارجية لاستعمارية إلى الهند ولصين والأرخبيل الهندي واستراليا ينبغي لبريطانيا أن تجدد سوريا بواسطة الشعب الوحيد الصالح لأداء هذه الرسالة والذي يمكن استخدامه بصورة دائمة وفعالة أى بواسطة أبناء هذه الأرض الحقيقيين " أبناء إسرائيل .

كانت العراق أيضا في المخطط الاستعماري وصرح تشرشل عام 1917 في دفاعه عن وعد بلفور:

" هذا الوطن القومي لليهود الذي سيكون في حاجة إلى الدفاع عن نفسه ضد الامتداد العربي الواسع سوف يبقي دائما في أحضان الغرب الذي يستطيع في أى وقت أن يستعمله كقاعدة للعمل ضد أى تهديد للمصالح البريطانية في مصر من ناحية أو في العراق من ناحية أخري "

أما الهدف الصهيوني فيعرضه " تيودور هيرتزل" في كتابه " الدولة اليهودية بقوله:

" إن الدولة اليهودية في فلسطين ستكون جزءا من الحصن الأوروبي لمواجهة لقارة الأسيوية وسنكون نحن أس الحربة للحضارة ضد الهمجية "

ويؤكد هذه النظرة الصهيونية للعرب قول "بن عريون" الذي ذكره الكاتب الإسرائيلي " أوبري هور ":

" لم يكن بن غوريون يولي اهتماما كبيرا للعرب لقد كان يحتقر طريقة الحياة العربية ويحذر علنا من خطر أن تصبح إسرائيل دولة من دول المشرق كالعربية لسعودية أو العراق "

لم تكن محاولات الصهيونية قاصرة على الإمبراطوريتين الفرنسية والانجليزية ... بل لجأت إلى ألمانيا فقابل "هيرتزل" مستشار الرايخ الألماني "بسمارك "

وفي عام 1895 كتب هيرتزل إليه :

" إذا كان مشروعي سبقا لأوانه فإني أضعه تحت تصرف الحكومة الألمانية وفي إمكانها استخدامه في الوقت الذي تراه ملائما أى أن الصهيونية منذ بدايته كانت تضع خدمتها تحت تصرف أى قوي عدوانية ضد العرب .

وعندما حاول هيرتزل أن يتحدث مع سلطان تركيا من أجل دولة مستقلة في فلسطين كان رد السلطان:

" انصحوه أن لا يتقدم خطوة خري في هذا المسعى . فإن لا أستطيع ن أبيع شبرا واحدا من هذه الأرض فهي ليست رضي بل أرض الرعية فليحتفظ اليهود بملايينهم وإذا تجزأت هذه الإمبراطورية فسيصبح بمقدورهم الحصول على فلسطين مجانا ولن يمروا إلا فوق جثتي "

فلم يكن الشعب الفلسطيني إلا ضحية مسيرة الاستعمار إلى مصر ولم تكن فلسطين إلا مقدمة للزحف الإمبريالي على العالم العربي .

الحرب ... والسلام

  • هل كانت الحروب ضد الصهيونية استنزافا لموارد مصر؟وهل الغلاء الفاحش والاقتصاد المنهار في مصر نتيجة استنزاف الحروب لمواردنا؟
من الطبيعي أن الحروب تستنزف مالا ودما وطوال الحروب الأربعة من عام 1948 حتى 1973 كان الشعب يدفع من عرقه ودم أبنائه وكان يدرك أن هذه الحروب مفروضة عليه فكان يدفع بسخاء دفاعا عن أرضه ومستقبل أبنائه ..
وكان الشعب يدرك ويشعر أنه ليس أقل من شعب فيتنام الذي دفع مليوني شهيد .. ودمار وخراب في كل المدن والقرى وحياة أقرب إلى المجاعة ... ومع ذلك صمد ولم يستسلم .
ولكن في عالمنا العربي ارتفعت أصوات الهزيمة والاستسلام من فئة المترفين التي كانت تستمتع أثناء القتال بكل ما يقدمه شارع الهرم من ملذات وشهوات حقيرة ولكن فئات المترفين تريد المزيد..
ومن المؤلم أن هذه الأصوات ارتفعت في عالمنا العربي بعد أن لمست ورأت هزيمة أمريكا أما الشعب الفيتنامي وتعترف بحقوقه وتسلم بسيادته ..

ومع ذلك يبقي السؤال:

  • هل يأتي السلام المزعوم أو الاستسلام بالرخاء؟
عندما دخل نيكسون القاهرة غازيا بعد اتفاقية سيناء الأولي سرت الدعايات ودبجت المقالات بالعيش الرغد وأمنيات الرخاء !
  • فماذا حدث؟
بعد حربين حرب 1956 وحرب 1967 إلى نهاية عام 1970 وكانت مصر قد استعادت قوته للحرب الثالثة كانت الديون التي تتحملها مصر أأربعة آلاف مليون دولار مدنية وعسكرية على أقساط طويلة وبسعر فائدة لا يتجاوز 2,5 في المائة .
أما الدين القصير الأجل فكن في حدود 104 مليون جنيه وبفائدة تتراوح ما بين 10 إلى 14 في المائة.هكذا قالت الأرقام الرسمية للبنك المركزي المصري في تقرير صادر في يناير عام 1968.وكل هذه الديون لم تبلغ نصف الدين التركي عندما كانت تركي تسير في ركاب أمريكا وتله وراء الاقتصاد الحر .
  • فماذا حدث بعد الاستسلام وسياسة الانفتاح ودخول نيسكون القاهرة في عقاب حرب أكتوبر؟
في مايو 1977 أعلن القيسوني أن جملة ديون مصر المدنية حتى 31 ديسمبر 1976 بلغت 12 مليون دولار !أى ثلاثة أضعاف ما استدانته مصر بعد حربين وبعد بناء السد العالي ومجمع الحديد الصلب وعشرات المصانع الإنتاجية .
  • كيف حدث هذا؟
الأرقام تقول أن الديون القصيرة الأجل لم تتجاوز 200 مليون دولار عام 1970 بلغت بليون دولار عام 1976 وكلها ديون للبنوك والموردين وفائدتها 20 في المائة .
ويدخل ضمنها شراء صفقة " البوينج " المشبوهة.وصفقة سيارات الأوتوبيس من إيران التي أثيرت فضيحتها في مجلس الشعب وصفقة الحديد المسلح من أسبانيا .

ويقول القيسوني في صراحة:

" هذه الديون تكون قصيرة المدة تكون مرتفعة الفائدة بل إنها في بعض الأحيان تكون أكثر كلفة لأن بعض الموردين ينتهز فرصة تمويله البضاعة أى يوردها فيرفع سعرها فنخسر مرتين أولا خسارة في سعر البضاعة وثانيا نخسر بسبب ارتفاع سعر الفائدة ..أما الديون الطويلة الأجل فهي للحكومات وكما قال القيسوني أصبحت أمريكا تقدم ألف مليون دولار كل عام !

وفي ظل السياسة الجديدة تدفقت البنوك الأجنبية على مصر وحتى مارس 1977 كانت البنوك التي لم يزد رأسمالها عن 36 مليون جنيه قد أودعت في فروعها بالخارج 160 مليون جنيه تم نهبها من دم وعرق الشعب المصري .

أما فضائح الشركات الأجنبية والصفقات المريبة التي أثيرت في مجلس الشعب وعلى صفحات الصحف فلم يتم التحقيق في واحدة منه حتى الآن !

فضيحة شركة لوكهيد ..وفضيحة الحديد المسلح وهضبة الأهرام.. وعندما أثيرت في مجلس الشعب قصة " القط السمان " لم يحاول أحد من المسئولين أن يرد على النائب الدكتور أحمد قطب؛

عندما قال:

" أريد أن أعرف من هم القطط السمان : إن قطط مصر لا يعرفهم " والقطط السمان" هم الخمسمائة مليونير الذين ظهروا في مصر مع بداية عصر الانفتاح وكذلك لم يحصل النائب زكريا البري على جوانب عندما سأل: " هل الـ 2000 مليون جنيه عمولة من دم الشعب قانونية أم غير قانونية "

إن طبقة جديدة في الطفيليين تتطلع إلى عودة الصهيونية إلى مصر لتعمل في خدمتها وتشاركها الأرباح.فكما كان صدقي "باشا" عدو الشعب وعضو مجالس عشرات من الشركات الصهيونية يرفض أن تحارب مصر عام 1948 يظهر الآن على سطح السفينة الغارقة " قطط سمان " يتطلعون إلى عضوية الشركات الصهيونية وخدمتها .

رخاء أم دمار؟

لماذا كانت الحروب .. لماذا كانت التضحيات بالأرواح والأموال ؟كان نهب مصر هو الهدف منذ البداية واشتركت الصهيونية والاستعمار البريطاني في عملية النهب البشع.وكانت صفقة بيع أسهم قناة السويس عام 1875 أعظم صفقة عقدها اليهود لصالح بريطانيا .

كانت هذه بداية التسلط البريطاني على مصر ثم علي العالم العربي وعندما أممت مصر القنال التي كانت تدر ملايين الجنيهات للرأسمالية العالمية و الصهيونية قامت إسرائيل بالوفاء بوعدها الذي أعلنه " وايزمان " عام 1914 وأعلن فيه أن اليهود إذا أنشئ الوطن القومي سيقومون بتشكيل حراسة فعالة للغاية لقناة السويس .

فلم تكن حرب 1956 سوي عدوان مدبر داخل الإطار المرسوم لدور إسرائيل في المنطقة فلم تكد مصر تعلن استرداد القناة واستعادة أموالها المنهوبة حتى قام كلب الحراسة بدوره في المخطط الاستعماري .

وكذلك كانت حرب 67 نتيجة تأميم الشركات والبنوك والمؤسسات التي كانت الصهيونية تملك أكثر من ثلثها وكان الباقي موزعا على الرأسمالية العالمية والرأسماليين الكبار في مصر .

كانت الحروب ضد الصهيونية من أجل التصدي للنهب الاستعماري واسترداد حق الشعب في روته كانت حروبا وطنية من أجل التحرر الاقتصادي والاستقلال الوطني ..

وخلال هذه المرحلة الوطنية الشاقة تم وضع الأسس لانتقال مصر من مجتمع زراعي متخلف إلى مجتمع صناعي متطور وخرج الآلاف من أبناء القرى إلى المدن ليحصلوا على التعليم الجامعي الذي حرموا منه وتحول الجيش المصري من جيش محترف للقتل يهاجم ويحاصر العمال والمصانع والقري والمزارع إلى جيش وطني يدافع عن شعب مصر ويحمي تطوره ويذود عن أرضه وثرواته ..

وعندما ارتفع العلم المصري فوق خط " برليف " لم تدمع عين أم الشهيد ولم يشرد ابن البطل .. ولم يبك والد على ولده بل ارتفعت الهامات كأروع ما تكون لحظات الخلود للشعوب ..

وكما يحدث في السينما عندما يقوم المنتجون بإعادة إخراج أفلام الرعب والأفلام البوليسية تحت عنوان " عودة دراكولا " أو " عودة كينج كونج " شهدت القاهرة عودة روتشيلد " و" عودة عدس "

وقد يقال:

هل هناك من جديد؟ بعد دخول بيغن وموشي ديان إلى القاهرة أليس طبيعيا أن نشهد "عودة روتشليد"؟

إن عودة روتشيلد تعني استكمال الضلع الثالث في مثلث الرعب الصهيوني الضلع الأول تمثل في الحرب والعدوان واحتلال فلسطين بالقوة.ثم التوسع

الضلع الثاني تمثل في المفاوضات أى العمل السياسي وفرض شروط الانفتاح الاقتصادي وفتح الحدود أمام القراصنة اليهود..ويأتي الضلع الثالث ليطبق على العالم العربي في شكل الغزو الاقتصادي الذي يحمل رايته المليونير الصهيوني روتشيلد.

والمشكلة لم تعد مصر وحدها بل كل الشعب العربي ففي اللحظة التي تعاني القاهرة بعد اتفاقيات الكامب من غلاء الأسعار الفاحشة . ونهب الشركات الأجنبية وقضايا الرشوة والاختلاس نجد الحديث في كثر من عاصمة عربية عن " حلول سلمية جديدة " ومفاوضات واتفاقيات في الطريق .

و"روتشليد" لا يأتي لمصر وحدها فمصر لا تشبع نهم أصحاب المليارات ولكن عودة روتشيلد تعني الغزو الاقتصادي الصهيوني لكل الشعب العربي نعني نهب الشركات وارتفاع أسعار العمولات وتدمير الصناعات الوطنية وفتح الأبواب لتدمير الإنسان العربي خلقيا ونفسي واجتماعيا وبعد ذلك كمال قال روكفلر في رسالته الشهيرة:" بعد السيطرة الاقتصادية تأتي القواعد العسكرية "

روتشيلد الأول:

ما حدث من استقبال " السادات " لروتشيلد في القاهرة أى عودة روتشيلد تعني أكثر من معني لا نستطيع أن نتبينها إلا إذا تتبعنا قصة الروتشيلد .
كان " ليونيل " روتشيلد . هو العنصر الأساس في قصة أو مؤامرة " السرقة بالإكراه " التي تم بها انتزاع " قناة السويس " من مصر ومهدت للاحتلال البريطاني ..

ففي عام 1875 علم دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا أن الخديوي إسماعيل يريد رهن حصته في أسهم " شركة قناة السويس " وأرسلت بريطانيا إلى لخديوي تهدده إذا ما فكر في البيع لغير انجلترا!

وتلقت لندن نتيجة مسعي مندوبها في القاهرة واستعداد الخديوي لبيع الجميع سهم مصر مقابل 100 مليون فرنك.. وأسرع " دزرائيلي " إلى روتشيلد يطلب منه دفع 4 ملايين جنيه ثمن أسهم القناة .

ثم راح "دزرائيلي" إلى الملكة يزف إليها البشري . فقد أصبح للحكومة البريطانية 44% من أسهم القناة المصرية وكان الثمن الحقيقي للأسهم أكثر من أربعة أضعاف المبلغ المدفوع ..

قد عبر "جلادستون" زعيم حزب الأحرار البريطاني عن هذه الصفقة في هجومه على " دزرائيلي . ومات وهو يحمل دعوة مفتوحة لحضور موائد روتشيلد مساء كل أربعاء .

روتشيلد الثاني:

في لندن على يد " ليونيل " روتشيلد سرقت بريطانيا قناة السويس عام 1875 ومهدت بهذه السرقة لاحتلال مصر عام 1882 احتلال دام سبعين عاما ..وفي باريس على يد " أدموند " روتشيلد تحولت قري فلسطين إلى مستعمرات يهودية .

في نفس العام الذي احتلت فيه بريطانيا مصر قام "ادموند" بزيارة فلسطين ولم تكن هذه الزيارة الأولي أو الأخيرة فقد زاره من قبل سبع سنوات ولكنه في هذه لمرة تبرع بثلاثين ألف من الفرنكات سجلها التاريخ باهتمام لقد كانت اللبنة الأولي في إقامة " الوطن اليهودي في فلسطين !

كان هذا المبلغ ثمن تهجير الدفعة الأولي من اليهود إلى فلسطين وبدأت عملية التهجير عام 1900 وتكلف إنشاء المستعمرات اليهودية الأولي 70 ألفا من الفرنكات الذهبية .

كانت الصهيونية في صراع ومناقشات حول اختيار المكان الذي يصلح وطنا للصهيونية أما أدموند "روتشيلد" فكان رجلا عمليا وترك المناقشات جانبا وبدأ في بناء هذا الوطن في فلسطين !

أصبحت مصر تحت نير الاحتلال البريطاني وتحقق السند القوي للصهيونية وأصبح مكتب "أدموند" روتشيلد في شارع " لافيث" بباريس مركز النشاط الصهيوني للمشروعات في فلسطين ..

كانت الخطوة الأولي تهجير اليهود من أوروبا إلى فلسطين وبدأ بترحيل احدي عشرة أسرة كانت هي النواة الأولي للمستعمرات.ثم إنشاء مدرسة الزراعة التجريبية ليخلق من هذه النواة الأولي فلاحين .

لم يبدأ بالتجارة أو الصناعة بل الفلاحة إذ أن الأرض تشد الفلاح إليها وبالزراعة يرتبط المهاجرون بالأرض التي يفلحونها وظهرت المزارع الجماعية مزارع القمح البرتقال والعنب والخروع وأزهار الزينة وزراعات لا تحتاج إلى مساحات واسعة وتعطي محاصيل وفيرة ..

وشرع في عملية شراء الأراضي من أصحابها العرب مهما كلفه الأمر بالرضي إن أمكن في ظل حكومة الانتداب البريطاني !ثم بدأت خطوات التصنيع بتحويل روافد الأردن إلى مشروع "روتنبرج" لتوليد الكهرباء وأسهم فيه البارون " أدموند روتشيلد " بمائة ألف جنيه .

وقامت صناعات لأسمنت والمنسوجات والروائح وبدأت تجارب الاستخراج من البحر الميت ..وتلي ذلك التجارة وفتح أسواق جديدة في آسيا و أفريقيا وأمريكا اللاتينية .

إلى مصر

نال "روتشيلد" النصيب الأول من نهب مصر خلال القروض التي قدمتها الصهيونية إلى خديوي مصر التي مهدت للاحتلال بعد إعلان إفلاس الخزانة المصرية .

وتدفقت العناصر الصهيونية على مصر حتى بلغ تعداد الطائفة اليهودية حوالي 65639 نسمة عام 1947 أى ما يعادل 3 % من السكان .

هذه الأقلية الصهيونية امتلكت ثلث الشركات المساهمة في مصر استغل " اليهود" الامتيازات الأجنبية في مصر بالتجنس بالجنسيات المختلفة فكان كل منهم ينتمي إلى " حماية " إما انجليزية أو فرنسية أو أسبانية وبذلك لا يخضعون للقوانين المصرية عند ارتكاب الجرائم وحتى يفروا من التزاماتهم!

كانوا يبدأون نشاطهم الاقتصادي من الصفر دائما أو برأسمال قليل وبأساليبهم التجارية الخاصة سرعان ما يكونون ثروات ضخمة وأنشئوا مؤسسات مالية وصناعية وتجارية وهدفها الأول نهب الشعب المصري وتحويل الأرباح إلى الخارج..

وامتلكوا الأراضي الزراعية من الفلاحين عن طريق القروض التي كانت تتم بالربا الفاحش.وظهرت عائلات يهودية بأكملها تعمل في تعمل في مجال المال وحده و في مجال التجارة بالجملة.

وفي مجال السمسرة والوكالات التجارية ومن هذه العائلات:

عائلة " قطوي و" عدس " و" رولو" و" جاتينبو" و" مزارحي " و" شيكوريل " و" منشة ".. واستغلت الفلاحين المصريين في الأراضي الزراعية التي امتلكتها.فكانوا يقيمون "القصور" خارج القرى محاطة بأشجار الفاكهة بينما الفلاح لا يجد رداءه ولا قوته .

واستغلوا العمال في المصانع بشع استغلال فلا تحديد لساعات العمل ولا مراعاة لسن الأطفال ولا أجور تتناسب مع تكاليف المعيشة .

وفي التجارة سيطروا على تجارة الجملة وتحكموا في الأسعار ونهبوا من الأرباح .كانت عائلة "موصيري" وحدها كمثل تمتلك بنكا عرف باسمها وكنت تملك عدة دور للسينما واحتكرت استيراد الأفلام الخام وطبع الترجمة على الأفلام الأجنبية وقدرت أرباح هذه الأسرة بما لا يقل عن 300 الف جنيه سنويا (بأسعار عام 1947).

كان عدد الشركات المساهمة في مصر يبلغ 308 شركة لليهود السيطرة والتوجيه على 103 شركات أى نحو 30 % من لشركت المساهمة في مصر !

وكان اليهود من أحذق السماسرة والمضاربين في سوق الأوراق المالية وجنوا الثروات الطائلة بينما فلس كبار الماليين لمصريين وأمام تكتل اليهود ومؤامراتهم .

حتى في التجارة تقفو مع المصانع لأوروبية من خلال الصهيونية العالمية على الاستئثار بتجارة الجملة وتمكنوا من ضرب البيوت التجارية المصرية أمثال بيت الماوردي والجمال ومدكور ليحل مكانها محلات شيكوريل وأوروزدي باك وبنزايون ثم أخذوا يسيطرون على جميع تجارة الوارد والصادر حتى أمكنهم أن يطوقوا عنق الحياة الاقتصادية في مصر .

السيطرة الاقتصادية

عندما أعلن عبد الناصر:

" يجب أن تكون المصارف في إطار الملكية العامة فإن المال وظيفة لا تترك للمضاربة أو المغامرة كذلك فإن شركات التأمين لابد أن تكون في نفس إطار الملكية العامة صيانة لجزء كبير من المدخرات الوطنية وضمانا لحسن توجيهما والحفاظ عليها "

كان عبد الناصر يعبر عن الإرادة الوطنية ففي ميدان النشاط المالي ساهم الرأسمالي اليهود في إنشاء وإدارة توجيه البنوك وشركات التأمين وكانوا يمولون بالأرباح التي يبتزونها الحركة الصهيونية .

البنك العقاري المصري أسسه ثلاثة من كبار البيوت اليهودية واستطاعت عن طريق ممارسة الناشط الربوي أن تحصل على ثروات ضخمة وبلغت أرباحه عام 1910 أكثر من مليون ونصف مليون جنيه.

  • البنك الأهلي المصري يشترك في إدارته هراري وروبير روالو .
  • البنك التجاري المصري . من أعضاء مجلس إدارته جاك سوارس .
  • بنك موصيري ويكاد يكون مملوكا ملكية تامة لعائلتي كورييل وموصيري .
  • بنك سوارس.

كذلك

شركة الإسكندرية للتأمين وشركة الإسكندرية للتأمين على الحياة وشركة التأمين الأهلية المصرية ويشترك في مجالس إدارتها خمسة أو ستة من اليهود .

أعاد السادات البنوك.كما أعادت اتفاقيات "كامب ديفيد" اليهود إلى النشاط الاقتصادي المصري ولعملية النهب الربوي والاستغلالي .وتعود العناصر الصهيونية لممارسة كل نشاطها السابق في نهب الشعب المصري

  • ففي مجال الاستغلال الزراعي كان لليهود عدد من شركات الأراضي الزراعية التي تقوم بامتلاكها واستغلالها والمضاربة فيها .
  • وفي ميدان استغلال أراضي البناء أقاموا وأداروا عدة شركات لتقسيم الأراضي وبيعها وشراء المباني واستغلالها وإعادة بيعها .
  • وفي النقل البري والبحري شارك اليهود في إدارة وتوجيه العديد من الشركات .
  • وساهم اليهود في الصناعات الزراعية.
  • وفي مجال الصناعات الخفية شاركوا في صناعة الطحين والملح والسجاير والثلج والتجارة والفنادق .

وليست هذه سوي نماذج لمجالات النهب التي مارسوها!ونلحظ أن مجالات النشاط الاقتصادي التي ظهرت بعد سياسة الانفتاح هي نفس مجالات النشاط التي مارسها اليهود قبل ثورة 1952.الفنادق ... والبنوك .. وشركات البناء .. تقسيم الأراضي والاستغلال الزراعي . أى مجالات الربح السريع ونقل الأرباح والأموال إلى الخارج دون أن تترك وراءها أثرا للتنمية أو التطور .

السيادة!

تغلغل النفوذ الصهيوني في البورصات والغرف التجارية فكان أمين صندوق الغرفة التجارية بالإسكندرية اليهودي الصهيوني حاييم دره . وكان سلفاتور شيكوريل عضوا بمجلس الغرفة التجارية المصرية منذ عام 1925 وكان أدوين جعار من أكبر المستوردين والمصدرين وكان رئيسا لجمعية التجار المصدرين بالإسكندرية ولجنة بذرة القطن .

بل لقد احتل الصهيونيين مركز القيادة والتخطيط للصناعات المصرية فكان يوسف قطاوي باشا عضوا في لجنة التجارة والصناعة التي ألفتها الحكومة في عام 1916 وذلك لدراسة الأسس التي تشاد عليها الصناعة المصرية!

وكذلك رأس اتحاد الصناعات المصري هنري نوس بك وكان سكرتير الاتحاد في نفس الوقت دكتور جليغي.وعندما شكلت الحكومة البعثة الاقتصادية المصرية إلى السودان والتي تشكلت من رشوان محفوظ باشا وفؤاد أباظة باشا ضمت إليها اليهودي الصهيوني شيكوريل .

وشارك الصهيونية في السيطرة على الاقتصاد المصري عدد من كبار الساسة المصريين الذين كانوا واسطة لليهود لتسهيل أعمالهم وليكونوا واجهة لهم فكان إسماعيل صدقي عضوا في مجالس إدارة أكثر من ثماني شركات واختير رئيسا لاتحاد الصناعات الذي كانت الغالبية فيه للأجانب واليهود.

واشتهر إسماعيل صدقي بلقب "أبو السباع" إذ حكم مصر بالحديد والنار عام 1930 وحاول فرض معاهدة (صدقي – بيغن) عام 1947 وكان الصوت الوحيد الذي ارتفع ضد حرب 1948 بدعوي الرغبة في السلام !

وكان حسين سري " باشا " عضوا في أكثر من 6 شركات وتولي رئاسة حكومات الملك أو الأقليات.أما حافظ عفيفي العميل الانجليزي والذي رأس الديوان الملكي عام 1951 وقام بانقلاب 26 يناير 1952 فقد فاق الجميع في عضوية مجالس الشركات التي ضمت العناصر الصهيونية .

كما نال رشوة العضوية أحمد زيور " باشا " وعلى ماهر " باشا" و" حافظ رمضان باشا " من السياسيين.وأحمد عبود ومحمد فرغلي وعلى يحي من رجال الاقتصاد .إن هذه الطبقة التي تجددت على يد عثمان أحمد عثمان والقيسوني والسيدة جيهان السادات تفتح ذراعيها من جديد لاستقبال "روتشيلد" و" عدس "

في أعقاب مؤامرة أو نكسة 1967 اجتمع روتشيلد المليونير الصهيوني مع عدد من كبار الرأسماليين اليهود لإنشاء معهد لدراسة إمكانيات الاستثمار في العالم العربي.كانوا يتخيلون أن الأمة قد ركعت واستسلمت وأن أبوابها فتحت للغزاة.ورفع عبد الناصر شعار الصمود أما بعد الحرب البطولية التي خاضها الشعب في أكتوبر 1973 .

تأتي نصوص اتفاقيات " كامب ديفيد" بعد ذلك وتنص:

" يجب على الموقعين استكشاف إمكانيات التطور الاقتصادي في اتفاقيات السلام النهائية "

وتأتي السطور الأخيرة من الوثيقة الثانية لتنص على التالي :

" وبعد توقيع اتفاقيات سلام وبعد إتمام الانسحاب المؤقت تقام علاقات طبيعية بين مصر وإسرائيل تتضمن الاعتراف الكامل بما في ذلك قيام علاقات دبلوماسية واقتصادية وثقافية وإنهاء المقاطعات الاقتصادية والحواجز أمام حرية حركة السلع والأشخاص والحماية المتبادلة للمواطنين وفقا للقانون "

وليس هذا فحسب بل تلزم اتفاقية "كامب ديفيد" بمنح إسرائيل امتيازات كالامتيازات التي فرضها الاحتلال البريطاني على مصر عندما أنشئت المحاكم المختلطة ويأتي النص في نهاية الوثيقة الأولي:" يجب إقامة لجان للدعاوي الثقافية في الحسم المتبادل لجميع الدعاوي المالية ".

نهب مصر

جاءت اتفاقية " كامب ديفيد" لتحقق أحلام عائلة روتشيلد التي أراد أن يحققها في أعقاب نكسة 1967.فإذا عدنا إلى الوراء قليلا سنجد أن " روتشيلد " الحفيد لن يكون أفضل من روتشيلد الجد.

أجمعت الدوائر المالية عام 1876 حتى اليوم على أن أضخم صفقة نهب واحتيال حدثت في التاريخ عندما اشتري "روتشيلد" أسهم قناة السويس بـ4 ملايين من الجنيهات لحساب انجلترا وغطت أرباح الأسهم الثمن المدفوع خلال سنوات تعد على أصابع اليد . بينما استمرت ملكيتها حتى تأميمها عام 1956 .

لقد صدرت عشرات الكتب من تاريخ النهب الاستعماري لمصر.وكشفت كيف أبتز القانون الصهاينة ثروة مصر وأثقلوها بالديون وكان هذا تمهيدا للاحتلال البريطاني .

ولعل كتاب " خراب مصر " الذي ألفه روزنشتين وترجمة الدكتور العبادي أروع ما كتب عن هذه المرحلة التي سبقت الاحتلال ثم أعقبته فكانت أموال وعرق الفلاحين تتدفق على البنوك الأجنبية وتحول إلى الخارج بينما سادت المجاعة شعب مصر وكان الفلاحون ينبشون الأرض بحثا عما يسد الرمق

وصرحت حتى الصحف البريطانية من أن عملية ابتزاز المصريين لسد فوائد القروض تجري بطريقة لا إنسانية فالفلاح المصري الذي أثقلته الضرائب يموت جوعا ليس حال الموظف المحدود الدخل أفضل من حال الفلاح

ثم قالت :

" أنهم لا يحلبون البقرة حتى آخر نقطة من اللين وحسب بل ويمتصون دمها "

فهل نحن أمام مرحلة احتلال جديد؟بعد الانفتاح وقبل اتفاقيات الكامب بدأت عملية غزو البنوك لمصر مصرفان دوليان 12 مصرفا مشتركا 14 فرعا لبنوك أجنبية 22 مكتبا لتمثيل بنوك أجنبية وكشفت الميزانيات المعلنة وكذلك إعلان الأرباح أن البنوك الأجنبية حققت أرباحا هائلة بالنسبة لرأس المال بلغت أرباح المصرف العربي الدولي " 24 مليونا من الدولارات " وتشيس مانهاتن الدولي " مليوني دولار " ومصر الدولي " مليوني دولار" .

وهذه الأرباح غير قانونية فرئيس بنك مصر يعلن أن الأرباح المالية التي حققتها البنوك الأجنبية ترجع إلى اشتغالها بعمليات تمويل التجارة الخارجية بينما ينص قانون البنوك الأجنبية في مادته 12 على أن هذه البنوك للأعمال والاستثمار وليس للتجارة بل عمدت هذه البنوك إلى رفع سعر الفائدة على الودائع وشهادات الاستثمار لإغراء المصريين على بيع أسهم الشركات والاتجاه إلى الإيداع ..

وأدت هذه "الخدعة الاقتصادية " إلى هبوط قيمة أسهم شركات راكتا "الخزف الصيني " و" هيلتون " و" الأسمنت " إلى ما دون النصف بل أحيانا إلى ما يقل عن الثلث كما هو الحال الشركة القومية للأسمنت التي هبط سهمها من 11 جنيها إلى 360 قرشا ..

ويتقدم المستثمرون الأجانب إلى شراء الأسهم التي تمثل القطاع العام الذي بناه الشعب أثناء نضاله بدمه وعرقه بأقل من أسعارها الحقيقية ثم تحول أرباحها إلى الخارج .

ثم يأتي نهب مصر عن طريق فتحا كسوق للبضائع الأجنبية وتكتب صحيفة " الجمهورية " تقول:

" ثلاثي جنوب آسيا اليابان . هونج كونج . تايوان هي مراكز للشركات المتعددة الجنسية أغرقوا السوق المصري بأدوات المائدة الرخيصة الأدوات تعرض في كل مكان في محلات القطاع العام والخاص والبوتيكات والأرصفة.
الأسعار رخيصة بالفعل ولهذا نجحت حالة الإغراق بدليل أن المنتج المصري انسحب من السوق وتوقف عن الإنتاج بينما استعد وكلاء استيراد ثلاثي جنوب شرق آسيا لرفع الأسعار بعد أن فرضوا وجودهم في السوق وانسحب المنافسون "!

وهكذا تغلق مصانع القطاع الخاص والعام الوطني أمام الغزو الأجنبي وفي ظل " الانفتاح تدمر صناعات مصر بدعوي " الأمن الغذائي " أو " الثورة الخضراء " ولكي تعود مصر مرة ثانية إلى " مزرعة " كما أرادها اللورد منذ مائة عام !

في خطاب 23 يوليو عام 1971 قال السادات عن منطقة حلوان :

" المنطقة التي كانت مشتي صغيرا أصبحت قاعدة للصناعات الثقيلة التي كانت متروكة للاسترخاء والكسل "

وقال:

"حلوان أكبر قاعدة للصناعات الثقيلة في مصر وفي العالم العربي وفي الشرق الأوسط وفي أفريقيا "

وبعد سبع سنوات من هذا الخطاب تنشر صحيفة "الجمهورية" القاهرية صرخة لأحد رجال مصنع الحديد والصلب يقول فيها أن المصنع تحول إلى حديد خردة هجره المهندسون والفنيون وتركه العمال. وينفك قطعة قطعة !!

ثم تأني محاولة بيع القطاع العام للدواء وتصدي له وزير الصحة السابق وأذاع فضيحة الرشوة التي قدمها تجار الخردة " لتحويل أرباح قطاع الدواء من خدمة الجماهير إلى رصيد للمستثمرين في البنوك الأجنبية "

كان هذا حدث ولم تكن اتفاقيات " كامب ديفيد" وقعت أما بعد " الاتفاقيات " فالمصيبة أكبر !

الغزو الصهيوني

والسؤال:

ماذا تعني حرية السلع والأشخاص التي نصت عليها الاتفاقيات؟ هل تتسع إسرائيل لهجرة المصريين أو حركة السلع المصرية؟ أم أن المقصود هو بيع جهد العامل المصري في سوق النخاسة الرأسمالية؟ وانتقال الأيدي العاملة المصرية الرخيصة إلى المصانع الصهيونية؟ وعودة اليهود إلى مصر ليحلوا مكان المصريين في الشركات والبنوك الأجنبية؟

لكي ندرك معني السيطرة والغزو الاقتصادي الجديد للصهيونية لابد من العودة إلى الوراء قبل عام 1952 لنري سيطرت العناصر الصهيونية على الحياة الاقتصادية والثقافية في مصر..

كتبت صحيفة " مصر الفتاة" التي كانت تصدر في مصر عام 1939 تقول:

" اليهود سوس ينخر في جسم الحياة الاقتصادية والاجتماعية ويهدد كياننا بأعظم الأخطار "

ومن الواضح أن الكاتب لم يقصد اليهود كأقلية دينية بل كعناصر صهيونية تنخر في الحياة الاقتصادية وكما يقول مؤلف كتاب " صراع الطبقات في مصر" ..

"من المؤكد أن السبب في وصف اليهود كسوس لا يرجع إلى حجم اليهود في مصر لأن عددهم حسب تعداد عام 1937.لم يتجاوز 62 ألفا مقابل 63 ألفا عام 1827 إنما يرجع هذا النفوذ إلى عاملين هامين:
الأول: استغلال الامتيازات الأجنبية
الثاني الاستعداد الموروث والخبرة بأساليب العمل التجاري "

العنصر الأول وفرته لهم نصوص الوثيقة " لكامب ديفيد" والعنصر الثاني أى الاستعداد والخبرة أو ما يسمي "بالعبقرية واليهودية " فهذا تكشفها لنا أساليب العمل الصهيوني فهي لا ترجع إلى الوراثة أو الموهبة بل إلي التناسق والترابط الذي تخلقه العناصر الصهيونية بين اليهود داخليا وعالميا وسيطرتهم على كثير من المركز الاقتصادية عالمية والتجائهم إلى الأساليب أللأخلاقية في تنفيذ أهدافهم .

فعندما أنشئت المحاكم المختلطة في مصر وكانت مختصة في الديون والمسائل المالية وضعت الصهيونية رجالها حراسا قضائيين على الحجوزات ونصبوهم وكلاء عن أصحاب الديون واشتغلوا بالتصفية والبيع وخرجوا من هذا كله بأموال طائلة وسيطرت العناصر الصهيونية على سوق الأوراق المالية والمستندات العقارية واستبدال النقود ودفع الديون عن المدنيين الموثوق بهم تحت شروط باهظة ثقيلة لا تطاق يكون من نتيجتها سلب المدين كل أملاكه .

في مطلع القرن العشرين كانت هناك بيوت تجارية مصرية كبري تعمل على أوسع نطاق ولكن سماسرة الصهيونية عن طريق الاتفاق مع البيوت المالية الكبرى .. وكذلك عن طريق الاتفاق مع المصانع الأوروبية وأخذ الوساطة بين المورد الأجنبي والمستورد المصري تمكنوا من ضرب هذه البيوت المصرية فأخذت في الإفلاس لتحل محلها البيوت اليهودية .

ولم يقتصر التخريب الصهيوني على النواحي الاقتصادي والاجتماعية بل تسللوا في المنظمات السياسية وقاموا بدور تخريبي بشع وتولي يوسف أصلان قطاوي وزارة المالية في وزارة الخائن أحمد زيور "باشا" كما سيظهر يوسف درويش وأحمد صادق (يهودي ادعي الإسلام) وريمون دويك على الطليعة الوفدية .

ولم يسلم بنك مصر من تسلل العناصر الصهيونية وسيطرتهم على توجيه سياسته فعندما أراد طلعت حرب باشا إنشاء " بنك مصر،فلسطين " هددت العناصر الصهيونية بسحب ودائعها من بنك مصر . واضطر طلعت حرب إلى التراجع وعدل من تنفيذ فكرته .

وفي مجال الصناعة احتكرت عائلات "منشة ودره وجوزيف سلامة " صناعة الغزل والنسيج والحرير واحتكرت عائلة " شامرمان " تجارة الأدوات الكهربائية البطاريات ومنتجات البلاستيك .. ومن خلال مصر كانت هذه السلع تصدر إلى بعض البلاد العربية كالعراق وسوريا ولبنان .

رأس الرمح

وحققت الولايات المتحدة أهدافها من العدوان الصهيوني على مصر لم تحققه " الهزيمة أو استعمال قنابل النابالم" أو الغارات على المدنيين بل حققه "السادات" نازعا نفسه من مصر ومن الوطن العربي مرتميا في أحضان الصهيونية والإمبريالية الأمريكية .

يقول تقرير خاص عن الاقتصاد نشرته الصحف العربية في أعقاب اتفاقيات " كامب ديفيد"

" إن الشركات الأمريكية العاملة في مصر باتت تقارب الشركات المصرية وذلك أمر لا يخلو من الخطورة"

وتأتي لغة الأرقام لتكشف لنا عن عملية غزو رهيب أشبه بغزو أسراب الجراد لأرض خضراء جاء ليلتهم كل شئ.بلغ عدد الشركات الأمريكية العاملة في مصر حتى نهاية عام 1977 نحو 206 شركات منها 106 شركات أساسية يضاف إليها 46 فرعا في محافظات مصر الرئيسية الإسكندرية , بورسعيد والسويس.

في رأس القائمة 25 شركة للبترول يغطي مختلف مجالات التنقيب والاستكشاف والاستخراج و التسويق والشحن.يلي ذلك شركات ومكاتب الاستشارات الهندسية وعددها 26 شركة.وتعمل في مصر الآن عشر شركات لتوزيع الأدوية والمواد والتجهيزات الطبية و9 شركات ومكاتب للمحاسبة و7 للخدمات الإنتاجية و6 فنادق و5 شركات لتوزيع الأفلام السينمائية و5 للملاحة و4 للصناعات حتى الخدمات القانونية والطباعة والصيدلة والتجارة تولتها شركات أمريكية ..روجرز ومساعدوه للخدمات القانونية .. ميد كوربورشن للطباعة .. سكويب وأولاده للصيدلة .

فإذا ألقينا نظرة سريعة على أسماء الشركات الأمريكية كمقدمة للزحف الاستعماري على مصر نلحظ التالي:

أولا: جميع الشركات الأمريكية الوافدة على مصر هي شركات خدمات أو لزيادة الاستهلاك .
ثانيا: أن جميع هذه الشركات يوجد في مصر ما يماثلها سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص .
ثالثا: أن هذه الشركات جاءت لتنافس جميع الفئات وطبقات الشعب ولتقضي عليها سواء كانت هذه الفئات مهنية أو حرفية أو فنية أو تجارية كما أنها تنافس القطاع العام وتنقل الأرباح من الشعب إلى الخارج .

فهل جاء السلام الأمريكي بالرخاء؟

لقد كشف " نهرو" دور الولايات المتحدة لأبنته أنديرا غاندي منذ أكثر من نصف قرن عندما كتب إليها رسائله من داخل السجن وقال:

" فهي "أي الولايات المتحدة" تسعي جهدها إلى وضع ثروات البلد تحت إشرافها وتنال حقها من ثرواته ".

قبل توقيع اتفاقيات " الكامب " بدأ التمهيد بالحديث عن " الصقور والحمائم" وكما بدأ "الاستسلام" بشعارات " تحييد أمريكا " والتخويف من " القنبلة الذرية" الصهيونية عاد الحديث من جديد بعد الاتفاقيات عن " الصقور والحمائم " ولم يعد هذا الشعار يعني " المعارضة الإسرائيلية " أو " الاعتراف " بل أصبح يتضمن ما هو أبعد مدي وأخطر على حياتنا ومستقبلنا ... ولم تعد كلمة " الحمائم" تعني السلام أو نبذ الحروب بل أصبحت تعني " التطبيع " و" الخضوع "!

عود على بدء

قيل أن التاريخ عندما يعيد نفسه يكون في المرة الأولي مهزلة وفي المرة الثانية مأساة !فعندما قررت بريطانيا غزو مصر عام 1882 وكان " حزب المحافظين " هو الحاكم هب أعضاء " حزب الأحرار " ينددون بالوحشية .

وبالغزو وما أن جاءوا إلى الحكم حتى دعموا السيطرة البريطانية على مصر.وخلال مفاوضات " سعد زغلول " مع الحكومة البريطانية وقف حزب العمال المعارض متعاطفا مع سعد ولكن ما أن جاء "العمال" إلى الحكم حتى أظهروا تشددا أكثر من المحافظين !

هي " لعبة" معروفة يتقاسمون فيها الأدوار وظلت هذه " اللعبة" مستمرة حتى عدوان 56 عندما عارض حزب العمال العدوان ثم صفقوا عندما أعلن " ايدن " احتلال القوات البريطانية لمدينة بورسعيد !

فأين كان " الحمائم أو الصقور " خلال فترة الاحتلال التي استمرت في مصر أكثر من سبعين عاما؟كانوا يتقاسمون " الكعكة " كانوا شركاء في النهب الاستعماري كانوا مساهمين أو أعضاء في مجالس إدارات الشركات التي امتصت دماء المصريين .

وظل الاحتلال البريطاني مخيما على مصر في ظل " الحمائم " و" الصقور " ولم ينته إلا بالمواجهة التي استمدت قواها من قوى الثورة العالمية ومن وعي حركة التحرر الوطني التي نقلت المواجهة من يد الإقطاع والرأسمالية إلى أيدي قوي تحالف الشعب .

وما حدث في وطننا العربي حدث في أوطان أخري على يد الإمبريالية الأمريكية وتبادل الحزب الديمقراطي والجمهوري الحكم أكثر من مرة ومع ذلك ظل العدوان الأمريكي على فيتنام مستمرا ولم يوقف العدوان حمائم الديمقراطيين أو صقور الجمهوريين ولكن الذي أوقفه هو صمود وتضحيات الشعب في فيتنام

اتجاهان:

لا جدال أن الحركة " الصهيونية " تتنازعها عدة اتجاهات اتجاهات دينية واتجاهات اقتصادية واتجاهات سياسية فاشية ولكنها تصب في مصب الحركة العنصرية التي جاءت لغزو الوطن العربي بأهداف محددة:

أولا: حماية أوروبا من "البربرية" العربية أى التصدي لحركة التحرر العربي !
ثانيا: خلق قاعدة صناعية صهيونية في وطن عربي متخلف قانع بالزراعة أو الرعي!
ثالثا: أن تكون إسرائيل القاعدة العسكرية القائدة لحلقة من القواعد لحماية نهب الشركات الاحتكارية والدفاع عن المصالح الإمبريالية في المنطقة .

إن هوية الصهيونية الاستعمارية.وطبيعتها العدوانية ليست في حاجة إلى برهان. حتى هؤلاء الذين يحلمون بإحلال " التعاون" محل " العداء المستحكم " لا يستطيعون إنكار دور الصهيوني قبل انتزاع أرض فلسطين في نهب ثروة الشعب في مصر وإعلان إفلاسها على يد الخديوي .

ولعل ما يحدث في مصر بعد سياسة الانفتاح وتدفق العناصر الأجنبية بما فيها العناصر الصهيونية , وارتفاع ديون مصر إلى 18 مليون دولار . وعمليات النهب التي تمارسها الشركات الأجنبية بما لها من ارتباطات صهيونية يؤكد أن الدور الذي بدأته الصهيونية في استنزاف ثروات الشعب العربي ما زال مستمرا .

إذن ما هي قصة " الحمائم والصقور "؟

القصة ببساطة تنبع من اتجاهين داخل الحركة الصهيونية .

الأول: يحلم بإمبراطورية صهيونية تمتد من النيل إلى الفرات وتضم كل هذه الأرض الشاسعة ..
الثاني: يري الاكتفاء بما حصل عليه من أرض فلسطين لتكون قاعدة عسكرية واقتصادية وسياسة تمد نفوذها إلى أعماق الأرض العربية دون أن تحتلها .

أصحاب الاتجاه الأول: يؤكدون إمكانية تحقيق أحلامهم بإقامة المستوطنات المسلحة وسط الأرض التي يحتلونها ... أى إقامة قواعد صناعية وعسكرية وسط الريف العربي وبذلك يمكنهم من ضم أوسع رقعة من الأرض العربية إلى إمبراطوريتهم الموعودة .

أصحاب الاتجاه الثاني هدفهم الغزو الاقتصادي ويرون في عملية التوسع في احتلال الأرض عائقا أمام مشروعاتهم التي جاءوا من أجل تحقيقيها في نهب ثروات الشعب العربي عن طريق التجارة أو السمسرة ولهذا لا يمانعون في التخلي عن أجزاء من الأرض المحتلة مقابل فتح الحدود العربية أمام انتقال رأس المال والأشخاص .

وأصبح أصحاب الاتجاه الأول اتجاه التوسع ينعتون بالصقور بينما يطلق على " أصحاب الاتجاه الثاني اسم الحمائم " وكان الأجدر أن يطلق عليهم اسم " الثعالب "

الخلاف

لعل بيغن أصدق من عبر عن منطق "الصقور" جاء هذا اليهودي البولندي إلى عالمنا العربي وعندما وصل إلى شرق الأردن أول مرة قال عنها "ارثنا وتراثنا "

ويقول عنها أنها كانت في عهد الرومان مخزن غلال الشرق الأوسط أما اليوم فيراها بيغن "أن المنطقة تكاد تكون خالية تماما " ويتحدث في كتابه " التمرد " عن الدولة اليهودية . والدولة الكبرى ويتغني بكل أعمال الإرهاب وسفك الدماء التي مارسها مع عصابة " الأراجون" ضد الأطفال والنساء العرب

وكما يقول مترجم الكتاب في المقدمة:

ليس هناك أصوب من العودة إلى الأسس التي تقوم عليها العقيدة الصهيونية لكشف دعائمها الثلاث وهي:

  • دعوي التفوق العرقي
  • التوسع لتحقيق إسرائيل الكبرى
  • اعتناق العنف كهدف ووسيلة لتحقيق هذا الهدف .

وفلسفة هذا الجناح جناح الصقور يستند في تحقيق أهدافه إلى فلسفة ألمانية فاشية يعبر عنها بيغن " في كتابة التمرد"

" أنتم الإسرائيليون يجب ألا تأخذكم شفقة أو رحمة عندما تقتلون عدوكم... يجب أن تقضوا عله حتى ندمر ما يسمي بحضارة العرب التي سوف تشيد على أنقاضها حضارتنا اليهودية"

إن هذا الجناح الفاشي في الحركة الصهيونية يتجاهل مسيرة التاريخ تماما ولذلك تركته الإمبريالية الأمريكية ليتلقي الدرس القاسي في حرب أكتوبر ثم أسرعت تقيله من عثرته لتؤد به وتعلمه أنه ليس " الدولة النازية الجديدة" ولكنه قاعدة تابعة للإمبريالية العالمية في مرحلتها الجديدة وفي ظروف عالم اليوم .

جناح " الثعالب " وهو ما يطلق عليه " الحمائم " يدركون تماما أن عصر التوسع الاستعماري انتهي وهم يساومون على الانسحاب من الأرض المحتلة مقابل الاعتراف وفتح الحدود وتغلغل رأس المال الصهيوني في الوطن العربي ..وجناح " الثعالب " يجد في الوطن العربي , من يدعمه بل يتعاون معه ويساهم معه ويتعاون في استنزاف الشعب والحصول على الربح.

إن هذا " الجناح " بالتعاون مع بعض العناصر العربية يريد أن ينهي حركة التحرر العربي بإسقاط حجة تحرير الأرض وذلك بعودة الصهيونية في حدود 67 وكأنما الغزو الاقتصادي ليس استعمارا !!

الخلاف بين " الصقور " و" الثعالب " لا يتعدي الشكل ولكنه سرعان ما صبح في وحدة عندما يبدأ التوسع الاقتصادي أو العسكري .ووجد " الصقور " فرصتهم مع انقلاب 15 مايو ووصول " السادات " إلى الحكم وسواء كان " السادات " على اتصال سابق بالصهيونية أو الولايات المتحدة إلا أن الذي لا شك فيه أن السادات التقي مع بيغن فكريا فكلاهما فاشي الفكر إرهابي الاتجاه .من خلال هذا اللقاء حققت الصهيونية أهدافا لم تخطر على أكثر المتفائلين منهم عندما وقعت اتفاقيات " كامب ديفيد"

أهداف الثعالب

لعل أهداف " الثعالب " لم تتكشف من قبل كما أوضحها كتاب " بعد أن تسكت المدافع" يتحدث الكتاب عن دوافع الأمن في المنطقة ويقول أن ما يصح أى التسوية في قطاع من الأرض العربية يجوز أن يمتد فيما بعد إلى دائرة أوسع من الأرض العربية ..

أما ماذا بعد التسوية فيقول :

" إن أبعاد التسوية مستقبلا تنطوي في النهاية على مرحلتين متميزتين:مرحلة أولي يستعين فيها الجانب العربي بالمجتمع الدولي لترويض إسرائيل واستيعابها في المنطقة ثم يستعين في مرحلة ثانية بإسرائيل لتوظيف كفاءتها البشرية والتكنولوجية من أجل مقومات المجتمع العربي في وجه المجتمع الدولي ..هذه الكلمات لا تعبر عن فكر الثعالب الصهيونية وحدها بل أفكار " الثعالب العربية "

إن دورا " وظيفيا " للصهيونية في الوطن العربي ليس حلم الصهيونية وحدها فمنذ بدأ الغزو الصهيوني للوطن العربي كانت النسبة بالتساوي بين الصهيونية والرجعية والاستعمار .

ففي إحصائيات عن الشركات الرأسمالية في مصر تبين أن الصهيونية كانت تمتلك 30 % من الأسهم والعناصر الأجنبية غير اليهودية تمتلك 30% ورضيت الرجعية المصرية بمشاركة لا تتجاوز 30%

وبعد التأميم عام 1962 انتقلت كل هذه الأموال إلى ملكية الشعب في مصر وفي ظل سياسة " الانفتاح " تعود الصهيونية مع الأفاقين الأجانب وتسترد سيطرتها على الاقتصاد المصري وتقدم القروض والاستثمارات وتحصل على الفوائد والأرباح .

وما يحدث في مصر يجوز بل يجب كما تنص اتفاقيات " كامب " أن يمتد إلى دائرة أوسع من الأرض العربية أن التكتل الرجعي الصهيوني الإمبريالي الذي بدأ عام 1956 بعد تأميم قناة السويس كان يتسع كلما مضت حركة التحرر العربية خطوات إلى الأمام فمنذ قامت الطائرات البريطانية من مطار الحبانية لتشارك الصهيونية عدوانها عام 1956 كانت القوي الرجعية تشتد عدوانا ضد الشعب العربي وساد الإرهاب والمؤامرات والحرائق .

استبدال الأسياد

إن دعاة " التسوية " بعد سقوط الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية يتحركون من منطلق الانتقال من سيادة إلى سيادة أو مع الأسف من أغلال عبودية الاستعمار القديم إلى أغلال وعبودية الاستعمار الجديد .

انتهي عصر الاستعمار الأوروبي بمعناه القديم ودخل الاستعمار مرحلة جديدة بقيادة الولايات المتحدة.ولكن الولايات المتحدة فقدت القناع الذي كانت تتخفي به من أنها لم تكن من دول الاستعمار القديم وأنها لم تشارك في غزو أو احتلال أرض الغير.

فالعدوان المفضوح على فيتنام ومساندة الانقلابات الرجعية وتدعيم عصابات الحكم الفاشية كشف أن الاستعمار الجديد لا يختلف عن الاستعمار القديم شكلا ومضمونا أسلوب العدوان قائم.وأسلوب النهب والسلب عن طريق القروض أو الشركات مستمر .

فما هو الحل؟

أصبحت الرغبة في إظهار إسرائيل كظاهرة ليست مرتبطة بالاستعمار ولكنها مشروع له أهدافه وخصائصه المتميزة وبذلك يمكن تحييد الولايات المتحدة ثم نصل إلى أن الوجود الإسرائيلي ليس ظاهرة صهيونية وبذلك يمكن التعامل معها وفتح الأبواب أو الحدود لها .

أصحاب هذه الآراء يريدون وضع " غمامات " على عيون الشعب العربي فلا يري القواعد العسكرية الأمريكية في سناء ولا يري السلاح الأمريكي الذي يتفق على الصهيونية ولا يري و لا يري " الأهداف " الأمريكية وراء مخططات التسوية المطروحة بعد كامب ديفيد .

إن " الثعالب العربية " لا تختلف عن " الثعالب الصهيونية " فهي ترتدي ثياب " حمائم السلام" وتحت "أجنحة السلام" المزعوم يخفون سلاح العدوان والإرهاب لتتسلل الاحتكارات الأمريكية والصهيونية وينالون نصيبهم من عمليات نهب ما تبقي من قوت الشعب الذي عاني من الاستعمار القديم ويريدون له أن يستبدل سيد بسيد .. أو استعمار قديم باستعمار جديد أشد قبحا وعدوانا!!

منح " السادات " إسرائيل امتيازات الدول الكبرى فالقراءة الأولي لاتفاقيات " كامب ديفيد" تكشف الطابع الاستعماري بل فرض الإرادة الاستعمارية في مصر والوطن العربي .

وكما كشفت اتفاقيات "الكامب" حقيقة الصراع بين مص وإسرائيل وحقيقة النوايا الأمريكية في المنطقة فإنها أكدت أن الحروب التي خاضتها مصر ضد الصهيونية لم تكن دفاعا عن فلسطين أو تصديا لقضايا عربية لا تمسها بل أكدت الاتفاقيات أن مصر هي الهدف وهي المدخل للسيطرة الاستعمارية على الوطن العربي ..فما نصتا عليه الاتفاقيات لا يذكر إلا في نصوص معاهدات بين جيش قاهر وجيش مقهور وبين دولة غازية ودولة مهزومة.

أولا : فقدان السيادة إن الأرض المصرية التي تجلو عنها إسرائيل والتي تعود إلى الوطن لا تتجاوز 50 كيلو مترا لا تملك مصر عليها حق السيادة فلا تملك تحريك قواتها العسكرية على أرضها .
ثانيا: الامتيازات الاقتصاديةوتتمثل في رقع القضايا المالية إلى لجان المشتركة وليس إلى القضاء المصري ولا تخضع للقوانين المصري .
ثالثا: تحديد الجيش

إن تركيز الاتفاقيات على السلام وما أعلنه وزير الحربية عن تحديد الجيش المصري يؤكد أن هذا القرار جاء بناء على رضوخ للجانب الإسرائيلي والأمريكي ومما يؤكد ذلك محاولة أمريكا عرقلة صفقة السلاح السوفييتي عام 1955 والعدوان الإسرائيلي ردا على هذه الصفقة .إن ما تضمنه نصوص الاتفاقيات هي تسليم بغزو استعماري وخضوع لإرادة عدو .

حركة التحرر

قفزت حرب أكتوبر " تشرين " بحركة التحرر الوطني إلى آفاق جديدة وأكدت صدق النتائج التي توصلت إليها الثورة من خلال عملية "الخطأ والصواب"

ففي حرب أكتوبر ظهر التضامن العربي في أروع صورة اختلط الدم العربي على ضفاف قناة السويس ومرتفعات الجولان وأكدت حرب أكتوبر فاعلية سلاح البترول العربي في المعركة .

وفي الداخل ظهر من خلال المعارك معني تحالف قوي الشعب ففي أثر مؤامرة النكسة أبعدت عن الجيش القيادات الرجعية وتولي القيادة ضباط من أبناء العمال والفلاحين والمثقفين كما كشفت معارك أكتوبر دور القطاع العام التي بنته ثورة التحرير كأساس للاستقلال الاقتصادي وكان هذا القطاع هو الدعامة للجبهة الداخلية وللجيش خلال المعركة فكان السند الأساسي في مساندة الجيش سواء من حيث التموين الغذائي أو الإمداد الطبي أو بناء قواعد الصواريخ

وانتهت حرب أكتوبر وديون مصر ومشاكلها محدودة كان يساندها العالم الاشتراكي ودول العالم الثالث والوطن العربي وتأكد خلال المعركة دور السوفيت في مساندة حركة التحرر..

وقال السادات

" لقد صرحت , والمعارك قائمة بأننا عبرنا بالسلاح السوفييتي وأكدت أكثر من مرة أننا نقدر دور الاتحاد السوفييتي ومساعدته ومناصرته "

وفي حركة غدر وقع السادات وثائق الاستسلام للصهيونية وارتفعت الأصوات كنعيق البوم تتحدث عن " الممكن وغير الممكن " أو ما البديل ؟فهل يمكن أن تكون اتفاقيات " الكامب " هي البديل الذي لا بديل عنه؟

الرايخ الصهيوني

إن ما تريده إسرائيل . أو ما تنشده الصهيونية لم يعد سوى أنهم يتكلمون بعد الاتفاقيات بصوت عال وتنشر الصحف الصهيونية نصوص الحوار الدائر داخل إسرائيل وبصلافة ووقاحة يعلن العميد "بليد " أحد القادة العسكريين:

" علينا أن نقرر ماذا سيكون حجم دولة ( إسرائيل ) ووفقا لذلك علينا أن نقرر حدودها وستفرض هذه الحدود على العرب عن طريق حرب نبادر إليها وسنرغم في هذه الدولة وسنطرد أو نصفي كل من لا يسلم بسلطتنا واليهود الذين يعارضون ذلك هم عملاء المخابرات السوفييتية "

ويستطرد الصهيوني الوقح قائلا:

لكي يعيش أحفادي وأحفاد أحفادي هنا في دولة مواطنوها من اليهود وغير اليهود .. احتاج إلى نهر الليطاني إلى مصادر المياه في أرض (إسرائيل) الغربية إلى الأردن نزولا إلى ايلات منطقة النوبية وشرم الشيخ خط مباشر إلى العريش هذا هو المنزل الذي أريده.

خارطة واضحة فالمجال الحيوي الذي يتحدث عنه العميد الصهيوني " بليد" يتضمن أراضي من لبنان ومصر بالإضافة إلى كل المناطق الواقعة غرب الأردن.

ويرد يهودي آخر ساخرا ولكنه يكشف أعماق الفكر الصهيوني فيقول:

" في القوت الحاضر يوجد لدينا أسلحة كافية من أجل إنهاء الحرب المقبلة الحاسمة سنحارب العرب في جميع الجهات وسننزل بهم ضربة قاضية وسنحتل ونضم الأراضي التي تقع ضمن مجالنا الحيوي ..وماذا بعد ذلك ؟ بعد أن تحتل القاهرة ودمشق فلم لا نرسله أيضا إلى الرياض وساحل الخليج ..

وقد يبدو هذا كله ضربا من الخيال ولكن التاريخ علمنا أن هذا الخيال المريض قد يصبح حقيقة فعندما احتل "هتلر" الأرض المحرمة على الحدود بين ألمانيا وفرنسا ووقف العالم صامتا مستسلما كانت الخطوة التالية المطالبة بأرض السوديت وبعد ضم "السوديت " وبعد توقيع " اتفاقية ميونيخ" استمر الزحف النازي و هتلر يوقع الاتفاقيات والمعاهدات ويمزقها في اليوم التالي ويزحف بجيوشه حتى احتل براغ ووارسو وباريس وبلغراد وصوفيا اسقط الملوك وطارد الرؤساء وأقام معسكرات الاعتقال وأفران الموت للشعوب وفرض عملاء له على هذه الدول ينفذون إرادته .

إن ما تحلم به إسرائيل اليوم كان يبدو حلما من هوس مجنون ولكن هتلر نفذ هل الحلم الرهيب.ولم يستيقظ العالم من هذا الكابوس إلا عندما أعلن تشرشل أنه يتحالف مع " الشيطان " في سبيل القضاء على النازية وكان هذا الشيطان من وجهة نظره هو " الاتحاد السوفييتي "

فهل نتعلم من التاريخ ؟

ظلت أوروبا رافضة التحالف مع الاتحاد السوفييتي رفضت تشيكوسلوفاكيا ورفضت بولندا وبعد أن أصبح الخطر رهيبا قبلت انكلترا والولايات المتحدة هذا التحالف ولكن بعد أن دفعت شعوب العالم 40 مليونا من الشهداء والضحايا وبعد أن ذاقت الشعوب ألوانا من التعذيب أبشع من الجحيم ..

ولم تكن مجازر " دير ياسين " و" كفر قاسم" في فلسطين إلا امتدادا لهذا الجحيم الرهيب وهو البداية للوحش الصهيوني ضد شعبنا العربي . الصهيونية والنازية

هل يختلف الفكر النازي عن الفكر الصهيوني؟يحاولون التفرقة بين الفكر النازي والفكر الصهيوني بدعوي أن النازية كانت تضطهد اليهود وأنها قامت على أساس تفوق العنصر الجرماني وكانت هذه هي الأكذوبة التي روجت لها الصهيونية لتخفي حقيقة الوجه البشع للنازي وبالتالي الوجه البشع للصهيونية .

قامت " النازية " أساسا على أساس تفوق العنصر الجرماني .وتقوم "الصهيونية" على أساس تفوق العقل اليهودي ومع الأسف ترتفع أصوات عربية نتحدث عن "العبقرية اليهودية" وتزاجهت مع رأس المال العربي !

وهي بذلك تؤكد النظرية الفاشية الصهيونية التي تعلن أن اليهود يمتلكون صفات لا تمتلك مثلها أية أمة أخري في العالم .قامت " النازية " في أعقاب أزمات النظام الرأسمالي وتقوم الصهيونية اليوم بنفس الدور بعد أن واجه الاستعمار حركات التحرر في العالم العربي وأفريقيا وآسيا .

وقامت " النازية " لتتحدي القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية وتتحدي الصهيونية كل قرارات الأمم المتحدة والمواثي الدولية ..فهل صحيح بعد هذا كله أن الصهيونية نقيض للنازية؟ أم أننا أمام نفس الخطر ونفس المخاطر؟هل يمكن أن يكون هذا هو " البديل " لحركة التحرر العربي؟

إن الصهيونية لم تتردد عن المشاركة في إبادة ملايين اليهود في سبيل إقامة إسرائيل فهل تتردد عن إبادة ملايين العرب ؟

إن محاكمة الدكتور رودلف كاستنر أحد الزعماء البارزين في حزب الماباي كشفت أن الزعماء الصهيونيين في لندن والولايات المتحدة الأمريكية كانوا على علم تام بالخطط التي وضعها النازي لإبادة اليهود في ألمانيا وفي المناطق التي احتلتها وقد وافق بن غوريون وموشي شاريت ووايزمان بذبح ملايين من أبناء جلدتهم في معسكرات التعذيب النازية في سبيل أن يفلحوا في إقامة دولة صهيونية .

وأقام الصهيونية دولتهم على الإرهاب والغدر والتوسع والإبادة هكذا كانت النازية وهكذا تحرم إسرائيل .

الفصل السادس:المأساة العربية

"إن الاستعمار كشف نفسه , وكذلك فعلت الرجعية بتهالكها معه وأصبح محتما على الشعوب ضربهما معا وهزيمتهما معا تأكيدا لانتصار الثورة السياسية في بقية أجزاء الوطن العربي ودعما لحق الإنسان العربي في حياة أفضل لم يعد قادرا على صنعها بغير الطريق الثوري .." جمال عبد الناصر

عندما بلغ "ايدن" رئيس وزراء بريطانيا أن عبد الناصر أعلن تأميم القناة فقد أعصابه وراح يصرخ غاصبا:كيف يستطيع أن يفعل ذلك؟كيف يستطيع؟كان أنطوني ايدن في اللحظة التي أعلن فيها عبد الناصر التأميم يقيم حفلة عشاء للملك فيصل عاهل العراق يصحبه نوري السعيد...

وعلق نور السعيد على النبأ بقوله لأيدن:

"لم يبق أمامكم سوي سبيل واحد للعمل هو:أضربوا الآن واضربوه بشدة .. وإلا فسوف يفوت الأوان "

ودبرت المؤتمرات ضد عبد الناصر بواسطة ما سمي حركة "مصر الحرة" التي كان يمولها المليونير أبو الفتح ويغذيها أفراد من عائلته ونشطت العناصر التي غادرت مصر من الإخوان المسلمين وأصحاب الإقطاعيات كما قامت وطالة المخابرات المركزية بتمهيد الطريق لتغيير النظام وبدأ الإعداد للعدوان الثلاثي

كان الملك حسين قد اجتمع بوزرائه وطالبهم بالموافقة على الانضمام إلى حلف بغداد ولكن المظاهرات انطلقت وسقط شهداء وتراجع الملك ..وفي 14 يوليو 1958 .. تم القضاء على العائلة المالكة في العراق واستولي الضباط الوطنيون على الحكم ..

والملك سعود الذي أفزعته الو حدة بين مصر وسوريا وتطور الأحداث في الوطن العربي دفع مليوني جنيه لوضع قنبلة في طائرة عبد الناصر واتجه الأسطول السادس إلى شواطئ لبنان لا تزال قوات من المشاة وأرسلت بريطانيا جنودها المظليين عبر أجواء إسرائيل لحماية عرش الأردن.

ولم يهدأ العالم العربي كانت الثورة قائمة والثورة المضادة تقاوم تريد استعادة الأرض التي فقدتها.كانت الملايين المحرومة تتحرك شوقا إلى العدالة الاجتماعية بينما ملوك الأرض والمال يتشبثون بما يملكون ويدعمون العدو الخارجي الذي ظل ينهب الشعب العربي طويلا.

أدرك عبد الناصر وجود الثورة المضادة وأعلن بعد نكسة 67 أن وجود الثورة يعني وجود ثورة مضادة كما أعلن في " الميثاق " أن الاستعمار يتخفي في قصور الرجعية "إن الاستعمار الآن غير مكانه ولم يعد قادرا على مواجهة الشعوب مباشرة وكان مخبؤه الطبيعي بحكم الظروف داخل قصور الرجعية"

وأكد ارتباط الثورة السياسية بالثورة الاجتماعية التي أفزعت الرجعية وجعلها ترتمي في أحضان الاستعمار وتسفر عن عدائها للشعب إن الاستعمار كشف نفسه وكذلك فعلت الرجعية بتهالكها للتعاون معه وأصبح محتما على الشعوب ضربهما معا وهزيمتهما معا تأكيدا لانتصار القوة السياسية في بقية أجزاء الوطن العربي ودعما لحق الإنسان العربي في حياة أفضل لم يعد قادرا على صنعها بغير الطريق الثوري .

وبعد أن كانت " الوحدة العربية " مجرد شعارات دخلت دور الممارسة العملية سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية .. وخرجت من خلال الممارسة بتجارب ووجهات نظر أثرت العمل العربي الوحدوي

فكما جاء في ميثاق 62

"إن التقاء القوي التقدمية الشعبية على الأمل الواحد في كل مكان من الأرض العربية وتجمع القوي الرجعية على المصالح المتحدة في كل مكان من الأرض العربية هو في حد ذاته دليل على الوحدة أكثر من هو دليل على التفرقة"

كانت هذه الحقائق التي توصل إليها عبد الناصر محصلة نضال شعبي طويل فلم يكن اتجاه يوليو إلى الاتجاه العربي أو العمل العربي نزوة بل امتداد وضعت بذرة تضامن الشعوب العربية في نضالها الحديث ..ففي الشام حمل الرجال السلاح وأعدوا كتائب المجاهدين ولكن الاستعمار التركي حال دونهم والوصول إلى مصر ..

وفي تونس أخذت الصحافة العربية بعرابي وتلقبه بحامي العرب وهرع الناس إلى المساجد وصلوا في مسجد القيروان يدعون الله أن ينصر أحمد عرابي ويخذل الانكليز.

ويقول " برودلي" أحد شهود الثورة:

" كان العربي في تونس يهمس في أذن الآخر لقد ظهر أخيرا منقذ العروبة من الاستعمار ..وسرت موجات الكراهية ضد الأوروبيين في كل البلاد العربية وأثار اعتداء الإنكليز على مصر ذكري العدوان الفرنسي على المغرب والجزائر ..

مصر وفلسطين

كان أول لقاء مصري فلسطيني في حوادث " البراق " عام 1929 عندما بادرت جمعية "الشبان المسلمين " بانتداب أحمد زكي ومحمد على علوية للدفاع أمام لجنة البراق الدولية الأردنية

وساهم محمد على علوية في " إقامة المؤتمر العالمي بالقدس " عام 1930 وبدأت الأحزاب المصرية تتلمس الاتجاه العربي .. والحكومات تسعي إلى إقامة علاقات عربية مجاراة للرأي العام الشعبي المصري في نصرة فلسطين العربية وفي عام 1937 بدأ العمل الشعبي الجاد بعد الإحساس بخطر ما يدبره الاستعمار والصهيونية لخلق الدولة اليهودية .. وتشكلت لجنة الدفاع عن فلسطين التي ساهم فيها السيدات المسلمات وجمعية الشبان وجمعية الرواد المسلمين واتحاد طلاب الجامعة واتحاد الأزهر ..

وعبرت الصحافة المصرية عن الرأي العام الرسمي والشعبي ودعت الحكومة والشعب إلى الاحتجاج والاستنكار وبينت خطورة خلق دولة غريبة على حدود مصر وطالبت بحق الفلسطينيين خوفا على مركز مصر الاقتصادي لأن ما يحدث بجارتها يعد خطرا على اقتصادها ومركزها الثقافي وأمنها القومي ..

وكتبت جريدة "السياسة الأسبوعية" عام 1937 تحذر من التهاون في حق فلسطين بقولاها أن التهاون في حق فلسطين العربي يؤثر في اقتصاد مصر والدفاع عن أرضها .

وقامت مظاهرات طلبة الأزهر ودار العلوم والمدارس الثانوية عام 1938 هاتفة بحياة فلسطين وسقوط الاستعمار البريطاني .. وعقد أول مؤتمر نسائي عربي دعا إليه الاتحاد النسائي المصري واشتركت فيه مندوبات من مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين واتخذت فيه قرارات تؤيد قضية فلسطين والكفاح المسلح ومعاونة الفلسطينيين ماديا وأدبيا ..

وشارك المصريون في مؤتمر بلودان الذي عقد عام 1937 .. وكان أهم اقتراحات اللجنة الاقتصادية مقاطعة البضائع الصهيونية ..وعندما طلب الرئيس الأمريكي ترومان إلى رئيس وزراء بريطانيا فتح باب الهجرة إلى فلسطين وقبول 100 ألف يهودي قامت الهيئات الشعبية في غضبة ثائرة ..

واجتمعت الجامعة العربية وقرت تسليح الفلسطينيين وتدريبهم عسكريا .. واعترضت انكلترا في الوقت الذي سلحت فيه 100 ألف يهودي وخلقت قوة عسكرية يهودية ..وعندما وافقت الأمم المتحدة على التقسيم عام 1947 أدرك الشعب المصري خطر المؤامرة وعبر المثقفون في مصر عن هذا الخطر الذي يهدد مصر بالذات بحريا وتجاريا وحذروا من أطماع الصهيونية في شبه جزيرة سيناء وأن أى تضحية ليست في سبيل فلسطين وحدها وإنما من أجل مصر أيضا وليست عاطفة بل أصبحت مصلحة وجود ..

وخرج عشرات الألوف من الطلبة والعمال في مظاهرات ضخمة تجوب شوارع العاصمة وتطوف بالسفارات والمفوضيات الأجنبية هاتفة بحياة فلسطين عربية إلى الأبد وقام الأزهر بدوره وتقدم علماؤه المظاهرات ودعوا إلى الجهاد لإنقاذ فلسطين من خطر الصهيونية

وجاء في ندائهم:

" يا أبنا العروبة والإسلام خذوا حذركم فانفروا جميعا وإياكم أن يكتب التاريخ أن العرب الأباة الأماجد قد خروا أمام الظلم ساجدين .."

واندفع الفدائيون الفلسطينيون في قتال دفاعا عن أرضهم وتطوع الشباب المصري وأقيمت ساحات التدريب وتكونت الهيئات لجمع المساعدات المادية والمهمات الطبية..

وجاءت الحرب حرب 1948

انبرت الحكومات العربية لتحمل عبء النضال الشعبي ضد الصهيونية وأخليت الساحة من المتطوعين والفدائيين وأصبحت الكلمة للملوك وقادة الجيوش دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين في 15 مايو عام 1948 وسرعان ما انعقدت الجامعة العربية في 25 مايو.

وأعلنوا الهدنة بعد أن هدد الملك عبد الله بالانسحاب من الحرب بحجة نقص الذخيرة كما هدد بالانسحاب من الجامعة العربية وأدركت الجامعة العربية أن العراق سيحذو حذو الأردن كانت القوات العربية على بعد كيلو مترات من تل أبيب ومع ذلك أوقفوا القتال وأجمع المؤرخون والساسة أن الهدنة كانت بداية النكبة !

ففي الوقت الذي أعلنت فيه الهدنة بناء على طلب انكلترا وأمريكا .. قامت الدولتان بمد إسرائيل بالمال والسلاح والخبراء العسكريين .. بينما وقفت الجيوش العربية صامتة عاجزة عن الحركة أمام استعدادات اسرائيل ..

وعندما استؤنف الحرب في 9 يونيو 1948 تبين أن هناك مخططا استعماريا قامت بتنفيذه القوات الأردنية وهو وقوف الجيش الأردني عند الحدود التي وضعها التقسيم والانسحاب من بعض المناطق وعدم التحرك لمساندة الجيش المصري عند اندفاع اليهود إلى الجبهة المصرية ومنع القوات العراقية والسورية من مساندته وتولي غلوب باشا تنفيذ الخطة عن طريق الملك عبد الله فأصدر أوامره إلى القوات الأردنية والعراقية بالانسحاب من اللد والرملة ورأس العين ومرج بن عام والجليل الغربي لوقف تقدم الجيوش العربية الأخرى ..

وفي خطاب 26 يونيو 1957 قال عبد الناصر

" كلما يعرف ما حدث في اللد والرملة وكيف تركت إسرائيل وفتح أمامها الطريق حتى تهجم على مصر وحتى يواجه الجيش المصري وحده قوات إسرائيل وكانت الجيوش العربية الأخرى في هذا الوقت طبعا تتلقي أوامر من أخواننا الذين كانوا يتآمرون مع الاستعمار والاستعمار كان يحمي الصهيونية العالمية"

بعد حب 1948 التي اندلعت في مايو (مايس) تبين أن الملك عبد الله كان قد اجتمع في (نيسان) أى قبل الحرب بشه واحد بموسي شاريت ثم اجتمع بجولدا ماير من 11 إلى 12 مايو وانتهي الاجتماع إلى موافقة اليهود على ضم القسم العربي من القدس للملك عبد الله ..

كان هناك اتجاهان اتجاه وطني ينشد التحرر من الاستعمار ويقاوم الصهيونية .. واتجاه خائن ارتمي في أحضان الاستعمار والصهيونية ..

حروب عبد الناصر ..

في عام 1955 أصبحت الدولة نفسها تقود الثورة عندما حطمت أغلال الاستعمار ورفعت قيود التسليح وأبرمت اتفاقية السلاح مع الدول الإشتراكية وجاء " تأميم قناة السويس " ليوجه ضربة عنيفة إلى الاستعمار والنظام الرأسمالي فأعاد إلى الشعب في مصر ثروته المنهوبة فالقناة التي بناها الفلاحون المصريون بعرقهم ودمائهم بيعت بـ 4 ملايين جنيه وكانت تدر لحظة تأميمها أمثر من 35 مليونا ..

كانت " هذه الضربة" في مضمونها لطمة قاصمة لحملة الأسهم الكسالي الذين يجلسون في قصورهم يقطعون " كوبونات الأرباح" ويجنون الأموال دون أن يؤدوا عملا وكما أشار " سلوين لويد" أن الحكومة البريطانية عندما كانت تعد للعدوان الثلاثي حذرت الوزراء من التلميح بأن العدوان بسبب تأميم القناة أو استعادة السيطرة المالية على القناة .

عادت الأموال إلى أصحابها وتحولت من جيوب المترفين في الخارج إلى الأرض المصرية لتشييد السد العالي ..وأدرك كلاب الرأسمالية من ثراة العرب والغرب أن ما ينهبونه من الشعوب أصبح مهددا بالانتزاع من قبل شعوبهم ..وحدث العدوان الثلاثي وكانت إسرائيل رأس الرمح .

ولأول مرة في تاريخ إسرائيل تضطر القوات الصهيونية إلى الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها بمساعدة القوات الفرنسية والانكليزية أمام الإنذار السوفيتي .

ومهما قيل عن دور الإنذار السوفييتي في وقت العدوان فإن الذعر الذي أصاب أوروبا أر الإنذار .. وسقوط الإمبراطوريتين القديمتين (انكلترا وفرنسا) وتراجع إسرائيل إلى حدودها أبرز دور الاتحاد السوفييتي في مساندة حركات التحرر ..

وهب الشعب العربي في كل مكان يساند مصر ويندد بالعدوان ففي الكويت قامت المظاهرات وطالبت لجنة أندية الكويت بوقف تصدير البترول إلى المعتدين وسحب الأموال العربية من البنك البريطاني وإيداعها في البنك الوطني ومقاطعة البضائع البريطانية والفرنسية .. وفي البحرين أشعلت المظاهرات النيران في الشركات البريطانية ..

وفي سوريا .. نسف الشعب أنابيب البترول وقطعت الحكومة علاقاتها الدبلوماسية بفرنسا وانكلترا وأرسلت بعثة طبية إلى مصر ..وفي ليبيا قامت المظاهرات وفجرت قنبلة زمنية بنك بركليز في طرابلس ونسفت بعض المنشآت البريطانية .

وفي السودان وتونس والمغرب .. واليمن .. ولبنان اجتاحت المظاهرات كل المدن ..وانتقلت فكرة " القومية العربية " من مجرد شعارات إلى واقع ملموس تصنعه جماهير الشعب العربي .

بينما التيار المعادي وقف مذعورا أو متربصا .. ففي العراق اكتفت الحكومة بالاحتجاج ولكنها سمحت للطائرات البريطانية بالتموين من مطار الحبانية بالوقود والذخيرة وهب الشعب يطالب بالخروج من حلف بغداد وأضرب الطلبة وقاومتهم الحكومة بالعنف ..

وفي الأردن .. ما أن مرت الأزمة بسلام حتى عصف الملك بالجبهة الوطنية وأقال حكومة النابلسي التي ساندت مصر في المعركة وأخذت الثورة والثورة المضادة أشكالا متعددة في العالم العربي ففي سويا التي توحدت مع مصر بدأت المؤامرات ضد الوحدة..

وفي العراق سقط نوري السعيد وازدادت الثورة الجزائرية اشتعالا وأخذ عنف الثورة المضادة أشكالا متعددة من العصف بالحيات إلى التعذيب الوحشي إلى المعتقلات والسجون وبدأت تظهر أساليب جديدة للقمع لم يكن يعرفها الشعب العربي من قبل.

ولكن القومية العربية قامت خلال ذلك كله تمارس دورها وتخوض التجربة نحو الوحدة ..اشتعلت الثورة في الوطن العربي من الجزائر والمغرب في المغرب إلى العراق وعمان في الخليج ومن عدن في الجنوب إلى سوريا في الشمال ..وسقطت عروش .

اهتزت ممالك فأطيح بأسرة محمد على التي مكنت الانكليز من احتلال مصر وانتزعت أراضي الفلاحين عنوة وقسرا وحولتها إلى ملكية خاصة وكدست الأموال المنهوبة من الفقراء وحولتها إلى الخارج وسقطت الأسرة الهاشمية في العراق وهي الأسرة التي أقامها الانكليز على الحكم بعد الحرب العالمية الأولي وسقط حكم " الأمامية " في اليمن الذي حكم ونجحت ثورة الجزائر في طرد الفرنسيين وتحقق جلاء الانكليز عن عدن..

ولكن الثورة العربية لم تكن في مستوي واحد نتيجة الظروف الاجتماعية المتباينة فبينما كانت هناك أقطار تعيش في ظروف ما قبل التاريخ كانت هناك أقطار تصارع من أجل اللحاق بالمدنية الحديثة وتدخل مرحلة الرأسمالية وتطق أبواب الإشتراكية.

وكانت قيادة الثورة متمثلة في أغلب الأقطار من عناصر المثقفين الممزقين بين ما شاهدوه من حضارة وتقدم في العالم المتقدم أو ما نالوه من ثقافة وبين واقعهم الملئ بالحرمان والطغيان وفقدان أبسط حقوق الإنسان.

كانت الحكومات الرجعية تزداد عنفا كلما شاهدت العروش تتهاوي حولها وكانت هي تتشبث بما تملك تدافع عن نفسها ضد يقظة الشعب بالسجون والمعتقلات واستوردت أدوات التعذيب النازية وتفننت في ملاحقة المثقفين الثائرين.

ولجأ الشعب المتعطش إلى العدالة الاجتماعية إلى كل أساليب المقاومة سواء كانت سرية أم علنية أو كانت سلمية أو مسلحة وأخذت المعركة أبعادا جديدة بعد وصول الأسلحة السوفييتية إلى كل من مصر وسوريا ثم العراق وبعد أن رفعت الثورة في الدول الثلاث شعار الإشتراكية ..

وازداد ضغط الاستعمار من الخارج .. كما نشطت الحكومات الرجعية واشتد الصراع الداخلي في كل قطر عربي وأصبح كل طرف يبحث عن حليف يسانده في المقاومة ففي اللحظة التي وجه الاتحاد السوفييتي إنذاره ضد دول العدوان الثلاثي أرسل الملك سعود يشكر ايزنهاور على موقفه من العدوان ولم يكن موقف ايزنهاور أو أمريكا يختلف عن موقف الدول المعتدية .. فقد جمدت أمريكا أرصدة مصر ... كما وقف الأسطول السادس يحيي ويبارك القوات المعتدية..

الوحدة المصرية السورية

في بداية عام 1957 صرح عبد الناصر أنه لا يمكن تحقيق الوحدة إلا إذا تحققت مقوماتها الثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية ولكن عبد الناصر تحت الضغط السوري رحب بالاتحاد قبل نهاية العام وتم التمهيد للوحدة بعودة الرقابة على الصحافة في مصر!..

كان واضحا أن الثورة الاجتماعية في سوريا وصلت إلى نقطة حرجة فكان انتخاب خالد بكداش نائبا عن دمشق .. ووجود عفيف البرزي على قيادة الجيش مثيرا للرأسمالية السوية التي كانت تتعب من ذكر كلمة " الشيوعية "

وعلى الرغم من التقارير المصرية التي قالت:

" الفروق كبيرة والواقع مختلف , وقبول الوحدة محفوف بالخطر والنصيحة هي التأجيل"

إلا أن اتجاها آخر أدي إلى تأييد الوحدة الشاملة وقال عبد اللطيف بغدادي " اضطررنا للاستجابة تفاديا لنفوذ الشيوعيين المتزايد في سوريا .."

وهكذا بدأت الوحدة بالصراع بين القوي الوطنية بدلا من أن تكون دعما لتحالف القوي الشعبية ..فهل كان الشيوعيون ضد الوحدة؟

أجاب خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري قائلا:

"لقد أبدي حزبنا منذ زمن طويل رأيه بأن شعار الوحدة العربية ليس وليد نشاط أو دعاية حزب من الأحزاب بل هو منبثق من الواقع الموضوعي للبلدان العربية فتحليل الوضع في العالم العربي على أساس الماركسية اللينينية يؤدي حتما إلى اعتناق شعار الوحدة العربية فهو إذن شعار تمليه علينا مبادئنا نفسها "

ثم قال

"وعلى كل حال يجب التمهيد للوحدة العربية بإقامة علاقات اجتماعية أخوية بين البلدان العربية المتحررة تخلق جوا من الثقة المتبادلة التي يجب أن تتعاظم خلال التعاون السياسي والثقافي والاقتصادي"

ولكن الوحدة قامت . كانت وحدة العناصر الرأسمالية فوجدت الرأسمالية السورية في الوحدة فرصة للنشاط في سوق كبير غزت أسواق القاهرة لجمع المال وسافر من القاهرة إلى دمشق رئيس مجلس إدارة بنك مصر لغزو أسواق دمشق .

وخلال فترة الوحدة هاجرت رؤوس أموال سورية كثيرة لتستثمر في مصر وأنشئت شركات ومصانع خاصة .ووجد ضباط الجيش فرصة في الوحدة لتحقيق تطلعاتهم فكانت العربات الرسمية تنقل كل شئ مطلوب وغير مطلوب من بيرو والطائرات الحربية تحمل شاحنات خاصة من الثلاجات والسخانات ..وعمد الضباط إلى تصفية الأحزاب وبدأ و بمهادنة البعث للقضاء على الحزب الشيوعي ثم بدأت تصفية حزب البعث .

وتلاقت تصرفات القيادات الوطنية مع اتجاهات الولايات المتحدة ففي دمشق كان السفير الأمريكي قد أبلغ عبد الحميد السراج أن الولايات المتحدة زهقت من الأحزاب !وفي نفس الوقت كان يوسف يس مستشار الملك سعود قد اتصل بالرئيس القوتلي يعرض عليه حلف إسلامي ليبتعد عن الوحدة والاتحاد السوفييتي !

وبدأ الملك سعود يستخدم أموال النفط في تدبير المؤامرات ضد الوحدة وإثارة الشكوك حول وجود الضباط المصريين في سويا وصوروه كأنه نوع من الاحتلال كما صوروا وجود الضباط السوريين في مصر على أنه إبعاد لهم عن سوريا ..

الوحدة الشعبية

وقفت الجماهير ذاهلة في سوريا وهي تشهد " الوحدة " ذلك الحلم الجماهيري ينهار بيد من بنوها بينما الجماهير في مصر متفرجة " شاهد ما شافش حاجة " تمت الوحدة من فوق وحدت الانفصال من فوق أيضا !

وعلى الرغم من ذلك فإن انفصام الوحدة الرسمية لم يمنع الجماهير من ممارسة دورها الوحدوي هذه الوحدة التي كانت قد تجلت بأسمي معانيها خلال معركة 56 عندما قرر الاتحاد الدولي للعمال العرب حرمان المعتدين من البترول العربي وتعطيل القواعد والسفن والطائرات المعادية حتى لا تستخدم ضد مصر

وجاء في بيانه :

" إن هذه ليست معركة مصر أو معركة القناة إنها معركة الاستعمار والصهيونية للفتك بالأمة العربية واحتلال أراضيها والسيادة عليها سنموت قبل أن يحدث ذلك.

كما عقد الطلاب العرب مؤتمرا عاما في القاهرة.وطالبوا الدول العربية بقطع علاقاتها مع كل من بريطانيا وفرنسا وطالبوا العراق بالانسحاب من حلف بغداد وتصفية جميع القواعد العسكرية في الوطن العربي.

كانت " الوحدة العربية " تنمو بجناحها العسكري والاقتصادي ففي الوقت الذي وجدت فيه الحليف الذي يمدها بالسلاح والعون العسكري للدفاع عن كيانها ضد الغزو الإمبريالي والصهيوني كانت التنمية الاقتصادية تأخذ طريقها لتحقيق التطور الصناعي والانتقال من مرحلة الرعي والزراعة إلى مرحلة التصنيع.

وأحرزت مصر نجاحا في كلا المجالين الصناعي والزراعي فبلغ معدل النمو في الإنتاج الصناعي 3,9% سنويا بين عام 1957-1967 وزاد الدخل الحقيقي بأكثر من 3 % سنويا بين عامي 56–1967 بعد ركود طويل لفترة تقرب من 50 عاما .

وخلال هذه الفترة زادت واردات مصر من سوريا بمقدار مرتين ونصف كما زادت واردات سوريا من مصر بأكثر من خمسة أمثالها .

وأبرمت مصر عددا كبيرا من اتفاقيات التجارة والدفع مع معظم البلاد العربية قضت بتخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية على عدد كبير من السلع وشهدت نفس الفترة إبرام اتفاقيات هامة بين عدد من الدول العربية وأنشئ مجلس الوحدة الاقتصادية وصدر قرار بإنشاء " السوق العربية المشتركة" في عام 1964 التي قضت بإلغاء كل القيود التجارية والرسوم الجمركية بين الدول الأطراف وهي مصر وسوريا والعراق والأردن والكويت .

وفي هذه الفترة كما يقول الدكتور جلال أمين في كتابه " المشرق العربي والغرب ":

" بدأ شعور بالكبرياء الوطني يحل ببطء محل الشعور المتراكم عبر القرون بتفوق الأجنبي واضطرت الطبقات الوسطي إلى استهلاك المصنوعات المصرية حتى بدا يزول بالتدريج الاعتقاد بضرورة تفوق السلع الأجنبية على السلع الوطنية فارتدي أفرادها النسيج المصري بدلا من الأقمشة البريطانية وشربوا المشروبات الوطنية بدلا من الكوكاكولا التي اختفت من السوق .
وزاد اشتراك المرأة المصرية في الحياة السياسية والاجتماعية وتكونت طبقة عاملة صناعية كبيرة ذات آمال بعيدة في الاستهلاك والتعليم وتطلع أفرادها أن يحصل أبناءهم وبناتهم على شهادات جامعة وفتحت لهم أماكن كانت مغلقة عليهم

وما يحدث في مصر ينعكس بدوره على الوطن العربي فكان الإنسان العربي في كل مكان يفضل المصنوعات المصرية والعربية ويفخر باقتناء سيارة " نصر " ويفضلها على السيارة " المرسيدس" أو" البويك" .

وأمام هذا التطور الصناعي والاجتماعي في الأقطار المتحررة اضطرت الحكومات العربية الأخرى إلى القيام بإصلاحات عاجلة في محاولة لصد تيار الحركة الوطنية وتهدئة شعوبها فتولي الملك فيصل الحكم للقيام بإصلاحات عاجلة وطردت حكومة الأردن القيادة البريطانية للجيش الأردني وطلبت حكومة ليبيا من بريطانيا والولايات المتحدة إجلاء القواعد الحربية عن أراضيها .

وكان التطور الصناعي في الدول العربية يؤدي إلى زيادة التبادل التجاري فيما بينها بينما يتقلص هذا التبادل مع الدول الإمبريالية .

القوانين الإشتراكية

صدرت قوانين التأميم في مصر وكان صدورها نتيجة الثراء الفاحش الذي ظهر في مصر عقب الثورة وكان ثراء طفيليا لم يسهم في التصنيع إلا بصورة ضئيلة ومع ذلك كما يروي أحمد حمروش عن عبد الناصر "أنا كان عندي أو 12 مليونيرا أصبحوا حوالي 30 إلى 400 مليونية والبراجوازية في مصر اتسعت قاعدتها"

رفضت هذه الرأسمالية أن تتقدم إلى ميادين التنمية فضلت أن تحبس أموالها في صورة ودائع في البنوك أو تخرج بحثا عن أى استثمار سهل سريع الربح مضمون العائد مثل المباني والتجارة والمقاولات

وعلق البنك الأهلي في عام 1953 على رغبة الثورة في التصنيع بقوله:

" بدلا من الدعوة إلى التصنيع لإيجاد عمل للفائض من الأيدي العاملة الزراعية يجدر بنا أن نتناول المسألة من جانبها الآخر بمعني أنه يجب البدء بتنمية الزراعة "

وبدأت الرأسمالية في ألاعيبها وسحبت الأموال من القطاع العام الوليد عن طريق عقود الاستيراد والتصدير والمقاولات بل لجأت إلى تهريب الأموال إلى خارج البلاد على نطاق واسع مستفيدة من تجارة الاستيراد والتصدير وبخاصة تجارة الدواء .

وكشفت الرأسمالية نوعيتها فلا هي تقوم بالتصنيع ولا تريد من الدولة أن تقوم به فهي كما سميت " رأسمالية رثة " قنعت بأن تكون ذيلا للاستعمار تعمل تابعة له مستظلة بحمايته وفي سبيل المحافظة على الوضع الاستعماري قامت بالتخريب عن طريق التهريب أو العقود والرشاوي .

واستقر رأي عبد الناصر على إصدار القوانين الإشتراكية .واعترض وزراء " الوحدة " السوريون على إصدار هذه القوانين على الرغم من أن التأميم لم يصب سوي ثلاث شركات الخماسية وشركة الأخشاب الاسمية وشركة الحرير في حلب .

واعترض الرأسماليون على قرارات حظر خروج النقد من سويا وحظر الاستيراد إلا بشرط .وخطب عبد الناصر في اللاذقية وقال أنه يستهدف مضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات وأنه لن يتوقف عن تنفيذ ذلك ..وأما المضاربون والمهربون فلا دعوة لنا بهم ولكن الرأسمالية السورية التي كانت تعيش من التجارة لم يكن يهمها زيادة الدخل القومي بقدر اهتمامها بأرباحها وثرائها .

وأحدثت قوانين التأميم ذعرا في قصور الرجعية العربية وأنبري أمام اليمن يتصدي لها بقصيدة من الشعر وتحركت السعودية واستعملت المال للمؤامرات في سوريا .

ولم ترض الرجعية عن توزيع الأراضي على الفلاحين غضبت الرأسمالية والاحتكارات العالمية من التأميم وتحالفت القوي الرجعية في العالم العربي مع الاستعمار لضرب الوحدة (المصرية – السورية) .. وحدث الانفصال .

نكسة الوحدة

كانت الوحدة (المصرية – السورية) هي التجربة الأولي.وتلتها تجارب متعددة وكلها تبدأ لتعود إلى الانفصال وكما أعلن عبد الناصر في احتفال الوحدة عام 1967.

" مين اللي صنع الوحدة سنة 1958 الشعب السوري والشعب المصري .. من هم انفضوا على الوحدة عام 1961 أعداء الوحدة هم أطراف تحالف الاستعمار والرجعية "

أكدت تجربه الوحدة المصرية السورية ومحاولات الوحدة التالية أن " الوحدة " لا يمكن أن تكون مجرد شعار يأخذ شكلا رسميا بل لا يمكن كما قال عبد الناصر تحقيق الوحدة إلا إذا تحققت مقوماتها الثقافية والاقتصادية والعسكرية .

وإذا كانت القوميات الغربية قد قامت من أجل السوق فإن القومية العربية لن تحقق وحدتها إلا بالسوق .وكما تبين من خلال التجارب ... ليس هناك فوارق تفصل بين الإشتراكية والحرية والوحدة.

ولكن الحرية لن تحقق إلا بالتحرر الاقتصادي كما ثبت أن التحرر الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق إلا بحمايته من العدوان وأثر وفاة عبد الناصر عام 1970

كتب " مالكولم كي " أستاذ العلوم السياسي الأمريكي:

" لم يعد هناك مفر أمام أكثر الرومانسيين إمعانا في الوهم من أن يطرحوا جانبا لأجل غير محدود آمالهم في تحقيق أو بعث الوحدة العربية وبكلمة واحدة:لقد بددت أسكورة بروسيا العربية إذ بينت حرب الأيام الستة بوضوح أن مصر ليست بروسيا وجاءت وفاة عبد الناصر فأزالت بدورها " بسمارك العرب " وتبين بعد ثلاث سنوات من وفاة ناصر أن الوحدة لم تكن وهما وأكدت وجودها خلال معركة أكتوبر وظهر أن الوهم بالتفوق الصهيوني كان أكذوبة وأن الذي تبدد هو " العبقرية اليهودية "!

ولكن الرجعية العربية التي فتحت أبواب مصر للغزو الصهيوني الأمريكي جعلت " فاتكيونيس " أستاذ العلوم السياسية في بريطانيا يعلن عام 1977 :" لقد نجحت مصر والمملكة السعودية في أن يطرحا جانبا ذلك الأسلوب البالي والملئ بالادعاءات إلى القومية العربية ذات الطراز الثوري !!"

وكتب " مالكولم كير" الأستاذ الأمريكي :

" إننا نأكل أن يؤدي زوال الخرافة الناصرية عن الوحدة العربية إلى أن تتبني كل من الحكومات العربية أفكارا أكثر تواضعا وواقعية وأن تشعر النظم المحافظة كالسعودية والأردن التي دأبت في الماضي على الشعور بالخوف من عبد الناصر وشركائه أن تشعر بالراحة والاطمئنان "

قفزت الرجعية العربية على انتصارات حرب أكتوبر وبعد أن وأدتها حولت الدماء العربية إلى سبانك ذهبية لتجعل منها قيودا للشعب العربي .إن الرجعية العربية التي أفزعتها انتصارات الشعب العربي في معركة أكتوبر أسرعت إلى مباركة السادات في خطوات التسليم والاستسلام وتحول شعار " لا صوت يعلو صوت المعركة" إلى شعار " لا صوت بعد المعركة"

وألغت الكويت الحياة النيابية كما قام السادات بمباركة من السعودية بإلغاء معاهدة الصداقة (المصرية – السوفيتية) وتصفية الاتحادى الاشتراكي والقطاع العام

وتحقق ما قال عبد الناصر بعد النكسة:

" الهدف هو ضرب المكاسب الشعبية والقضاء على التحولات الإشتراكية والانجازات الاجتماعية التي تحققت "

وكما أعقب انتهاء حكم محمد على سير حثيث من جانب خلفائه إلى الارتماء في أحضان الاستعمار وتحويل مصر إلى سوق للبضائع الأجنبية والقضاء على الصناعة الوطنية أعقب انتهاء عهد جمال عبد الناصر نفس المصير .

وأوضح ذلك الاقتصادي المصري جلال أمين بقوله :

"أعقب انتهاء عهد جمال عبد الناصر في عام 1970 فتح باب الاقتصاد على مصراعيه للسلع والاستثمارات الأجنبية وإقامة المناطق الحرة ومنحت الاستثمارات الأجنبية الإعفاءات من ضرائب الدخل ووارداتها من الرسوم الجمركية وأرباحها من قيود التحويل إلى الخارج وملكيتها من المصادرة أو التأميم وإدارتها من مشاركة العمال وبدأ بالتدريج اتجاه نحو التخلي عن الملكية العامة في الصناعة وعن تدخل الدولة في الاقتصاد وعن الحماية الممنوحة للصناعة المحلية وبدأت دول عربية أخري السير في الاتجاه نفسه ..

وكما تدفقت السلع الصناعية البريطانية على البلاد العربية ابتداء من منتصف القرن الماضي لتحل محل منتجات الصناعة المحلية تدفقت السلع الأمريكية على البلاد العربية في بداية السبعينات وعلى الأخص ابتداء من 1973 فزادت الصادرات الأمريكية إلى مصر بنسبة 78% في عامين (74 -1976) وإلى السودان بنسبة 66% وإلى الأردن بنسبة 122 % وإلى اليمن الشمالي بنسبة 150 % وإلى سوريا بنسبة 597%"

وقامت الطبقة التي أثرت من القطاع العام بالفتح مكاتب توكيلات تجارية للبيوت الأجنبية وزاد الثراء الطفيلي من العمولات والرشاوي .وكما أثري أصحاب الملايين العرب من استخراج البترول دون جهد إنتاجي قامت " الطبقة الجديدة " في مصر بتكديس الثروات من الوساطة التجارية دون إنتاج حقيقي وكانت الأموال تجمع من المصريين الذين انحدروا إلى حالات من الفقر المدقع ولجأوا إلى سكني القبور ليثري الطفيليون وتحولت "مصر" إلى مشتي لأصحاب الملايين والأوروبيين وإلى مصيف لأغنياء العرب .

وأقيمت الفنادق الفخمة بدلا من المصانع وانتشر السكن الفاخر بدل المساكن الشعبية وانتشرت السلع الترفيهية بدل الغذاء للشعب .وما حدث في مصر تكرر في أكثر من قطر عربي وأصبح العرب مشردين خارج أقطارهم بعد أن تدفق الأفاقون الأجانب من كل جنس ولون.

في عام 1980 كانت التهمة الموجهة لرئيس الوزراء مصطفي خليل أن له مكتبا استشاريا اشرف على الدراسات المتعلقة بتحويل وتنفيذ مشروعات هيئة المواصلات السلكية واللاسلكة . وتقاضي عمولة خمسة ملايين جنيه وأن عدنان الخاشقجي كان الوسيط بعمولة ..

وأصدر مجلس الشعب في مصر قرارا يبرئ رئيس الوزراء وعدنان الخاشقجي من أخذ العمولات .ونشرت مجلة "الوطن العربي" تحقيقا صحفيا عن عالم المال والشهرة جاء فيه .

اتهمت الحكومة الأمريكية شركتي لوكهيد ونورتروب بدفع عمولات لعدنان الخاشقجي للقيام بتمرير عمليات وصفقات وعقود لحسابها في بعض دول الشرق الأوسط ..وقالت شركة نورتروب أنه طلب عمولة قدرها 450 ألف دولار ليدفعها إلى ضابطين كبيرين من ضباط سلاح الجو في احدي دول العالم الثالث .

أما شركة لوكهيد فتدعي أنه تقاضي منها 105 ملايين دولار كعمولات لترويج طائرتها المنكودة الخط لـ 1011 وذلك في الفترة من عام 1970 حتى عام 1975 .ومع أن السيد الخاشقجي لم يؤكد أن ينفي الاتهامات إلا أنه أوضح أن تقاضي العمولة لترويج منتجات معينة أمر مشروع وجائز ومعروف في عالم التجارة والمال.

إن خيانة " السادات " بدأت بوساطة " كمال أدهم " من السعودية وفي السعودية تفجر النفط وخرج من باطن الأرض وظهرت الثورة وأصبحت في يد قلة لم تبذل جهدا من العمل.

وكان النفط بداية ظهور الطبقة "الرأسمالية الطفيلية" في الوطن العربي والتي امتدت أذرعها إلى كل قطر عربي وارتبطت مصالحها بالرأسمالية العالمية والشركات الاحتكارية وليس خافيا أن الصهيونية تساهم بقدر كبير في هذه الشركات والبنوك العالمية .

وما دام العرب أو قادة العرب بمعني أصح يتعاملون مع الصهيونية من خلال الشركات والبنوك رغم قرارات المقاطعة " فلماذا لا يكون هذا التعامل جهارا نهارا كما صرح بطرس غالي " ونحن في حاجة إلى نوع من سوق مشتركة خاصة بالشرق الأوسط حيث تكون إسرائيل عضوا في هذه المجموعة الجديدة التي تقبل تكاملها الاقتصادي "

كان نشاط روتشيلد الأول في مجال الإنتاج والتكرير ففي النفس الفترة التي اشترت عائلة روتشليد 40% من أسهم قناة السويس كانت العائلة قد حصلت على حق تسويق الكيروسين من روسيا .ولكن روتشيلد اليهودي بحاسته أدرك أن الثورة الإشتراكية على أبواب روسيا فباع تصيبه من حقول باكو إلى شركة شل عام 1910 .

وفي الوقت عام 1883 أثيرت في الولايات المتحدة قضبة "هنري باين " التي نشرتها صحيفة " نيويورك صن" وقالت تحت عنوان " هل أشتري انتخاب مسترباين "

" من المعتقد الآن كما اعتقد أنا شخصيا أن شركة ستاندرد للبترول قد اشترت بأموالها أخيرا مركز عضوية مجلس الشيوخ لولاية أهايو لمستر " هنري باين " ثم حملت الصحيفة على الفساد والانحلال ثم قالت:لا يوجد هناك خطر يهدد المؤسسات الحرة مثل بيع أو شراء السلطة السياسية "

ومع ظهور البترول في الوطن العربي انتقل إليه النشاط الصهيوني كما انتقل الفساد والانحلال أو شراء السلطة السياسية ..

الوطن . أم المال؟

كان من بين الزوار " المرغوب فيهم " للقاهرة بعد توقيع اتفاقية " كامب ديفيد" المبارون اليهودي روتشيلد وديفيد روكفلر رئيس مجلس إدارة بنك " تشيز مانهاتن و" ريتشارد هيلمز" مدير المخابرات المركزية ومدير شركة أمريكية للعلاقات العامة ولم يكن " فتح القاهرة" أما الصهيونية والاحتكارات الأمريكية إلا امتدادا لمسيرة الدول العربية النفطية .

ففي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تم إسرائيل بقنابل النابالم والقنابل التلفزيونية التي استعملت في حرب أكتوبر ضد الجيوش العربية كانت الأموال النفطية العربية تتدفق على بنوك العالم التي تساهم أو تسيطر علها الصهيونية ..

ففي الخمسينات كانت مجمل عائدات " الأوبيك" وعلى مدي 10 سنوات 6 مليارات دولار لم تسجل أية فوائض.في الستينيات تلقت الدول المنتجة للنفط وعلى مدي عشر سنوات 10 مليارات دولار كعائدات بقي منها مليار دولار كفائض .

في السبعينات اختلف الوضع جذريا ففي عام 1973 تحولت حرب أكتوبر إلى ثورة في أشعار البترول.أسرعت الدول العربية تؤيد السادات في وقف إطلاق النار وعقد اتفاقية سيناء الأولي .

وبدل أن يكون حصاد الدماء التي استنزفت في الحرب تحرير الأرض أسرع ملوك البترول إلى جمع المليارات .فقي عام 1973 بلغت العائدات النفطية لدول " أوبيك" 39 مليار دولار فتكون فائض مالي قدره 9 مليارات دولار

في عام 1974 بلغت العائدات 122 مليار دولار والفائض 40 مليار .في عام 1978 كانت العائدات 141 مليار دولار والفائض 9 مليارات فقط !

لقد استطاعت الدول الرأسمالية تصدير التضخم إلى البلاد العربية وامتعضت سريعا عن طريق رفع الأسعار ما حققته الأقطار العربية من أرباح .

وبلغت فوائض " الأوبيك " منذ عام 1974 وحتى نهاية عام 1979 في حدود 251,1 مليار دولار ينقص منها 96,9 مليار للتحويلات الرسمية ومساهمة " الأوبك " بالمنظمة الدولية واستثمارات وتسهيلات ثنائية خاصة ليصبح الباقي 154,2 مليار هذه الأموال؛

كما يقول بنك انكلترا موزعة بالشكل التالي :

" 51,2 مليار دولار أى ما نسبته 33% من مجمل صافي الفوائد بالدولار الأمريكي 7 مليارات أى 4% بالجنيه الإسترليني , 42,4 مليارا أى ما نسبة 27 % موظفة في بريطانيا وإنما بعملات أجنبية 53,5 مليار موظفة في مناطق نقدية وجغرافية أخري "

ومن المتوقع أن تزداد الفوائض في الثمانينات غير أنه من المتوقع أيضا أن تنقص قوتها الشرائية فالتضخم مستمر .وهكذا بينما امتزج الدم العربي على رأس فلسطين تزاوج المال العربي والصهيوني في بنوك العالم وفي الصفقات !

الفوائض ومصر

في عام 1979 نشرت جريدة الرياض التي تصدر في السعودية إن المملكة السعودية قدمت لمصر خلال الأعوان الماضية أى بعد حرب تشرين مساعدات ومعونات بلغت 7 مليارات دولار.

وقالت جريدة " الرياض "

أن الرقم لا يشمل الدعم السعودي الذي قدم لمصر قبل 1973 أو استثمارات القطاع الخاص السعودي في الشركات والمشاريع المصرية كما أنه من المحتمل ألا يشمل تبرعات وقروضا صغيرة تدفع إلى هيئات حكومية أو عامة في مصر ..

وأضافت الصحيفة

" إن الدعم السعودي قدم بستة أشكال مختلفة بعضها غير قابل للاسترداد وكانت أشكال الدعم على النحو التالي:"
  1. مساعدات نقدية تدفع فورا للحكومة بدون التزام بالرد .
  2. تمويلات نقدية تفتح لها خطابات اعتماد مصرفية لصالح جهات تتفق معها مصر على شراء سلاح ومعدات .
  3. قروض نقدية أو ودائع بموجب اتفاقيات تحدد مدة القرض أو الوديعة وموعد استردادها وجمع هذه القروض على آجال طويلة ..
  4. قروض تقدم من مؤسسات عربية اشتركت السعودية في تأسيسها مع دول عربية أخري مثل قروض هيئة الخليج التي أسست خصيصا لدعم التنمية في مصر واشتركت فيها إلى جانب المملكة كل من الكويت وقطر والإمارات العربية .
  5. أسست المملكة عدة شركات مع حكومة مصر هدفها الأصلي العمل في مجال معين ..
  6. قروض قدمتها المملكة عن طريق الصندوق السعودي للتنمية .

وقالت الصحيفة أنه منذ عام 1973 وحتى عام 1979 تم تبين السعودية ومصر ترتيب 35 اتفاقا كل منها يمثل عملية دعم يتخذ شكلا من الأشكال السابقة .

وقال رئيس مجلس إدارة هيئة الخليج للتنمية في مصر السيد عبد العزيز الدخيل في 21 / 61978 أن الهيئة قدمت مبلغ 1700 مليون دولار خلال عامي 1977 و1978 إلى مصر لدعم ميزان مدفوعاتها .

وذكر السيد الدخيل أن مهمة الهيئة مساعدة الاقتصاد المصري والهيئة تتعاون مع كافة الهيئات والمؤسسات الدولية بما فيها صندوق النقد الدولي الذي يهتم بالاقتصاد المصري !!

وكان من أبرز ثمار التعاون المصري – السعودي توقيع عقد تأسيس الشركة المصرية السعودية للفنادق !وكان ميلاد أول مشروعاتها فندق " رامادا" وتصل تكاليفه إلى 45 مليون دولار واشترك في تصميمه مجموعة من الشركات العالمية وتم التعاقد مع شركة " رامادا" الأمريكية لإدارة الفندق!والمتوقع أن يكوت الفندق ملتقي للوفود السياحية ولرجال الأعمال !

والسؤال:

وأولا: كم دفعت الدول العربية لعبد الناصر أثناء كفاحه ؟.... وهل توازي ما دفعته الدول العربية للسادات مع ما كان يقدم خلال نضالها ؟
ثانيا: ألم تكن هذه المعونات للسادات دعما لموقفه الاستسلامي ؟ ألم تكن القروض والمساعدات دفعا للذهاب إلى القدس ؟
ثالثا: ألم يكن أسلوب المساعدات العربية متمشيا مع سياسة البنك الدولي وسياسة الولايات المتحدة في التخلي عن النهج الاقتصادي التحرري والعودة للارتماء في أحضان الشركات الاحتكارية والإمبريالية العالمية ؟

الفوائض وأمريكا

في الدراسة العلمية التي قدمها الدكتور جلال أمين عن تطور العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية والولايات المتحدة بعد عام 1973 في كتابه "المشرق العربي والغرب " ما يؤكد ارتباط الرجعية العربية باتفاقيات الاستسلام .

فكما انفتحت " مصر " على أمريكا زادت العلاقات الاقتصادية أو النهب الاستعماري للأقطار العربية يقول الاقتصادي المصري في كتابه :

" بينما زاد إنفاق الولايات المتحدة على استيراد النفط في عام 1974 بالمقارنة بسنة 1973 بمقدار 17,8 ألف مليون دولار نتيجة ارتفاع أسعار النفط عادت الولايات المتحدة فاستردت منها في العام نفسه 11 ألف مليون دولار في صورة ودائع وقروض واستثمارا ت من الدول الأعضاء في منظمة الأقطار المصدرة للنفط .
على أن مبلغ 11 ألف مليون سابق الذكر لا يشمل ما أنفقته دول النفط على استيراد سلع أمريكية ففي عام 1974 صدرت الولايات المتحدة إلى الدول العربية التسع المصدرة للنفط ما قيمته 2,1 ألف مليون دولار وفي عام 1976 ارتفعت قيمة الصادرات إلى 5,2 ألف مليون دولار أى بزيادة قدرها 148% خلال ستين؛
بالمقارنة بزيادة قدرها 16,4 % في مجموع الصادرات الأمريكية إلى العالم ككل خلال الفترة نفسها وقد احتلت المملكة العربية السعودية مكان الصدارة من بين دول النفط العربية كمستقبل للصادرات الأمريكية فقد استوردت وحدها في عام 1974 سلعا أمريكية قيمتها 828 مليون دولار زادت في عام 1976 إلى 1743 مليون بزيادة قدرها 230% خلال هذين العامين "

ويستمر الكاتب الاقتصادي في فضح عملية النهب الأمريكي للوطن العربي فيقول:

" وهكذا شهدت السنوات التالية لازمة النفط" رواجا لم يسبق له مثيل لتجارة الاستيراد في دول الخليج واكتظت موانئها بالسفن التي تنتظر التفريغ وتدفق على فنادقها ممثلو الشركات والبنوك ومكاتب الخبراء والاستشارات الأجنبية؛
تماما كما حدث في مصر بعد الردة واشترك رجال السفارات الغربية الذين تحولوا في الواقع إلى وكلاء أعمال للشركات والبنوك في التسابق على اكتساب أكبر قدر من الغنائم قبل أن يقتنصها ممثلو دول أخري منافسة وتلقوا تعليمات من دولهم تخطرهم فيها بأن تقويم كفاءة كل منهم سوف يكون أساس مدي نجاحه في تسهيل مهمة ممثلي شركاته وأصدرت الصحف الغربية ملاحق خاصة تكبل الثناء لأمراء النفط ومعلومات عن فرص الاستثمار "

وكتبت صحيفة "ألفا ينانشال تاميز" البريطانية تقول بأنه:

" من المستحيل على أى مترد يمتلك قدرا يسيرا من الذكاء والتجربة أن يفشل في ظل ظروف نمو وازدهار كهذه "

وكتبت مجلة " بيزنيس ويك" الأمريكية:

" إن منطقة الشرق الأوسط هي احدي المناطق القليلة من العالم التي عاد فيها النشاط الفردي إلى سابق ازدهاره"

وفي أثناء زيارة نيكسون للوطن العربي عام 1974 ألقي وزير التجارة الأمريكي حديا أشار فيه إلى أن إيرادات النفط.

" تمثل بالنسبة للاقتصاد الأمريكي فرصا مذهلة لزيادة التسويق وتمتد هذه الفرص لتشمل كل شئ من السلع الاستهلاكية إلى المصانع الكاملة إلى مشروعات البنية الأساسية الضخمة"

المحصلة القاتلة

عادت الأرض العربية سوقا للغرب الرأسمالي تماما كما حدث خلال الغزو البريطاني وكما عادت مصر إلى الوراء 100 عام عندما جاء الاحتلال البريطاني وقضي على الصناعات المصرية وحول مصر إلى مزرعة قطن لتغذية مصانع لانكشير الانكليزية وجعلت مص سوقا لصناعاتها أصبح الوطن العربي كله نهبا للغزو الأمريكي والشركات الاحتكارية المتعددة الجنسية فكما انفتحت الأبواب في مصر للغزو الصهيوني تلتها الأبواب العربية..

وتدفقت على الوطن العربي كل أنواع الترف الاستهلاكي من أمريكا واليابان وفرنسا وانكلترا وألمانيا وحتى من كوريا الجنوبية وتايوان وبعد أن كان المواطن العربي يفخر بركوب سيارات نصر أصبحت " المرسيدس" التيوتا " وفولفو" و " الكاديلاك" في شوارع المدن العربية بل تحولت المدن العربية إلى " جراجات " لهذا السبيل من السيارات .

وتدفقت الأدوات الكهربائية من الفيديو إلى الغسالات والثلاجات وما تتخيله وما لا تتخيله من السلع الاستهلاكية !

ولم يكتف الاستعمار الجديد بما اعتاد في الماضي أن تصدره بل دخل منافسا للفلاحين الصغار وأصحاب المصانع الصغيرة فظهرت في الأسواق أنواع الجبن المستوردة التي كان ينتجها الفلاح في الماضي وتدفقت المصنوعات التقليدية التي كان يصنعها العامل المصري بجهده الذاتي كالأحذية والملابس الجاهزة أو المنتجات التي اعتاد الوطن العربي إنتاجها كالمشروبات الغازية والزجاج والأثاث المنزلي .

وأخذت الشركات الأجنبية تبتكر أساليب للاستهلاك وصل إلى مستوي تغليف " المكسرات " في علب وأصبحت الكمية التي كانت تباع بخمسة أو عشرة فلوس تباع بدينار وقامت شركة "انفتاح أجنبي" بتعبئة مياه النيل في زجاجات وبيعها على أنها مياه صحية .

وبعد أن اختفت المصنوعات المحلية أو العربية بدأت السلع الأجنبية في رفع أسعارها ليصل ثمن الحذاء إلى 30 و 40 دينارا بعد أن كان يباع في القاهرة أو يستورد من مصر بدينارين أو ثلاثة..

وتدفق الأجانب بمشروعات وهمية أو مشروعات " أبهة " مثل إقامة القصور واللوكاندات وارتفعت المآذن الحديدية لتشييد " عمارات " لمواقف السيارات كما زحفت " البلدوزرات " لتمهيد الطرق بعد أن كان يشقها العرب بأنفسهم . وأقيمت الكباري العلوية وإنفاق بالتكنولوجيا !

وكما قالت صحفية " الأهالي " إن عائلات بأكملها تخصصت في عمليات التوكيلات والاستيراد من الخارج وتدفقت الأرباح والرشاوي إلى جيوب المستثمرين الأجانب والخونة العرب .

ولم يقتصر الأمر على السلع الاستهلاكية بل ظهرت مشروعات تقوم على استيراد معظم المواد الأولية من الخارج فقامت صناعات تستورد معظم عناصرها من الخارج على أساس تصريف منتجاتها في الخارج أيضا وتستغل الأيدي العاملة العربية الرخيصة وتصبح هذه الصناعات مجرد " صناعة عابرة " لا تترك أثرا في تطور الإنسان العربي أو تنمية موارده ..

ففي السعودية أقيم مشروع صناعة الصلب ويقوم على أساس استيراد الحديد من البرازيل واستخدام الغاز الطبيعي المتوفر في السعودية وتشرف عليه شركة " ماركون الأمريكية " وتساهم فيه شركة " بترومين " وفي البحرين أقيمت صناعة الألومنيوم على أساس استيراد مادة الألومنيوم الخام من استراليا وتصنيعه باستخدام الغاز الطبيعي ثم تصدير الناتج .

وعندما ينتهي عمر النفط في البلاد العربية بقدر بـ 30 عاما تنتهي هذه الصناعات !وكان هذا الأسلوب مستخدما في ظل الاستعمار القديم الذي أقام مشروعات شركات المواصلات والكهرباء والمياه وغيرها وحدد مدة الامتياز بـ 99 عاما وهي المدة التي قدرها لبقائه وبالفعل عندما جاءت نهاية الاستعمار القديم لم تجد المستعمرات إلا ركاما من الحديد الخردة والأسلاك الممزقة وواجهت الدول المتحررة مشاكل المواصلات والكهرباء والتليفونات والمياه !

ولم تكن هذه هي مجاري التبذير وحدها بل جاءت تجارة السلاح لتستنزف بل تبتلع ثروات الشعب العربي.وعلى الرغم من التجربة القاسية التي مرت على إيران بشراء السلاح وتكديسه دون أن يستوعبه الجيش الإيراني وتم شراؤه بأثمان مرتفعة تفوق أسعاره الحقيقية فإن الدول العربية اندفعت إلى نفس الطريق.

والعمولات في تجارة السلاح تتجاوز الآن الملايين وتتدرج في اللائحة السرية للعملاء والوسطاء عشرات الأسماء اللامعة في المجال السياسي والعسكري والاقتصادي ..ويمكن تقدير فداحة العمولات التي يتقاضاها تجار السلاح ووسطاؤه إذا ما عرفنا أن إنفاق العالم على السلاح في العام الأخير 500 مليار دور .

ونشرت الصحافة الأمريكية فضيحة زوجة السناتور الصهيوني " جاكوب جافيتس " عندما قدمت الحكومة الإيرانية وثائق تثبت أنها تقاضت من شاه إيران المخلوع عمولات لتمرير صفقات سلاح .

وتبين خلال الحرب (الإيرانية – العراقية) أن صفقات السلاح الأمريكي هي امتداد لصفقات الأسلحة الفاسدة التي استوردها تجار السلاح في الوطن العربي خلال حرب 48 .

أنفقت السعودية على السلاح خلال 76 , 1977 نصف إجمالي الإنفاق الحكومي بدلا من نسبة الثلث المخصصة له وزاد إنفاقها على السلاح من 274 مليون دولار عام 1973 إلى 534 مليون عام 1974 إلى 7,5 ألف مليون في عام 1976 ثم إلى 9,3 ألف مليون عام 1977 وقدرت تكاليف مدينة خالد العسكرية بين 12,9 ألف مليون دولار .

ومن خلال الصفقات والمؤسسات تلاقت المصالح المالية لأثرياء العرب مع الصهيونية وتعلقت بأذيالهم الرجعية والرأسمالية الطفيلية في مصر واشتروا ناطحات سحاب وقصورا في لندن وأمريكا وفرنسا وبنوا العمارات في العواصم الأوروبية .

وبينما هذه القلة العربية تتمرغ في الثراء كانت مدن الصفيح والأكواخ تزداد حول العواصم العربية وتنهار البيوت على ساكنيها وتزداد وفيات الأطفال وترتفع الأسعار ويتضور الشعب جوعا .

وأصبح من المألوف أن تجد أعلاما خاصة ترتفع فوق مباني الشركات الأجنبية في العواصم والمدن العربية ويسكن موظفوا هذه الشركات في قصور ويركبون السيارات الفارهة في خيلاء وخرج الشباب من المثقفين والعمال العرب من بلادهم مشردين يبحثون عن العمل أو لقمة العيش خارج بلادهم .

هذا الثراء

عندما تسير في حواري وأزقة وقري البلاد العربية لا تصدق أن هذا الشعب يملك هذه الثورة الضخمة التي تتحدث عنها الصحف الغربية وعندما تمر بمدينة فيينا إذا جاءتك الفرصة وتشاهد طلبة الجامعة وخريجي الجامعات العربية فوق ظهورهم لافتات تعلن أنهم باعة صحف .

وعندما تتأكد أن الذين يغسلون الصحون أو يمسحون الأرض في لندن وباريس هم من حملة الشهادات العالية ثم تقرأ ما تكتبه الصحف الغربية من ثراء وإسراف وسفه فئات عربية على موائد القمار تتساءل على الفور .

  • هل ما تفعله إسرائيل أو الصهيونية بالشعب الفلسطيني يختلف عما يفعله أمراء وثراة العرب بالشعب العربي ؟
  • في ليلة واحدة وفي سهرة طويلة بين موائد القمار الخضراء منح أحد أمراء الخليج موظفي ومضيفات الكازينو الفرنسي ما يقرب من ثلاثة ملايين فرنك كبقشيش .
  • وفي زيارة خاطفة لأحد بيوت الأزياء الباريسية أعجبت أميرة عربية بثوب زفاف واشترته بنحو 30 ألف فرنك.
  • وفي الدور السادس بإحدى عمارات شارع فوش " بباريس " تسلم أحد أمراء الخليج شقته الجديد من مهندس ديكور شاب إسمه ميشيل ويلموت بعد أن انتهي من خلق جنة صغيرة في الشقة الفاخرة تكلفت ديكوراتها فقط ما يقرب من 17 مليون فرنك !

هذه نماذج لما نشرته مجلة " لوبوان " الفرنسية ونشرتها في عددها الصادر في 8 ديسمبر 1980.

قالت الصحيفة الفرنسية :

" منذ حرب أكتوبر عام 1973 كنتيجة مباشرة لتلك الحرب والأموال تتدفق على دول البترول في الخليج وبشكل لم يكن في خيال أكثر الاقتصاديين تفاؤلا .
ففي صباح كل يوم ومنذ شهور عديدة ماضية يحمل البترول دخلا جديدا إلى السعودية يصل إلى 300 مليون دولار، 6 مليون دولار للكويت، و65 مليون دولار لقطر، وبمعني آخر فإن التقديرات النهائية لدخل دول البترول العربية عن عام 1980 يتراوح ما بين 110 و130 ألف مليون دولار !

هذا المبلغ الخيالي غالبا ما يقتسمه بعض الأمراء في تلك الدول .ففي قطر مثلا يمنح القصر لكل أمير راتبا يوميا يبلغ 20,00 فرنك وفي السعودية يزيد مات يمنحه الملك سنويا للأمراء وحاشيتهم عن 2 مليار فرنك!

ويوجد في العالم العربي ما يقرب من 200 شخص تتعدي ثروة كل منهم 500 مليون دولار !وهناك على الأقل 2000 غيرهم يملك كل منهم ما يزيد عن 100 مليون دولار أى أنه في العالم العربي 2500 مليونير بترولي !

فأين تذهب هذه الأموال التي يطلق عليها الغربيون . دولارات البترول أو البترو دولار ؟إن الأموال التي تدفقت على الخليج كانت من آثار حرب تشرين فالدماء لم ترو المعركة ولم تحر الأرض بل تحولت إلى سبائك ذهب في يد قلة . فإذا كانت دماء الكويتيين والمغاربة والسودانيين قد هانت على حكامهم فلماذا لا يحدث نفس الشئ في مصر ؟

وفي سرعة رهيبة بعد أن قفز المقاولون إلى الحكم ظهر أصحاب الملايين في مصر , وأصبح في مصر أيضا 500 مليونيرا !!

وظهرت مشاريع مشتركة ويصرح أحد أفراد عائلة أكرم عجة وعدنان خاشتجي بعد اشتراكهم في مشاريع تجارية موحدة " نحن شركة عائلية تماما كشركة روتشيلد,أولويس درينوس "!اعترفوا أخيرا أن لا فرق بينهم وبين الصهاينة !!

ولم تعد الأرض العربية أرضهم ولا الشعب العربي شعبهم إنهم يشترون الفيلات والأراضي والعقارات في باريس ولندن ونيويورك وبالمثل فعل " السادات " فاشتري ضيعة في الولايات المتحدة ودخل ابنه " جمال " في سلك أصحاب الملايين وتتدفق الأموال العربية على البنوك الأمريكية والانكليزية والفرنسية وكما أعلن الأمريكيون أنفسهم إن الأرصدة السعودية تدعم الاقتصاد الأمريكي !

وأمريكا لا تخفي دعمها للصهيونية .وليحترق الشعب العربي .من ذكريات عن معركة أيلول في الأردن نية الاستيلاء على الحكم؟ فأجاب:

استطعنا أن نتصدى لما حدث بحزم وقوة وأننا سنضرب بالحديد والنار لأننا لن نسمح لأي كان أن يمس " السلطة " النظام وتروي المناضلة " جهاد حتر " في كتابها.كيف ضرب الملك حسين بالنار والحديد؟ وكيف حارب ضد الفلسطينيين دفاعا عن السلطة والنظام؟

تقول :

" أحرقوا الجثث واقتلعوا عيونهم وقطعوا أطرافهم والثوار يتصدون للهجمات الوحشية بعنف وقوة ليلة 10 سبتمبر وشنت السلطة أعنف هجوم لها على الجماهير بشكل لم يسبق له مثيل في أى من المؤامرات التي نفذتها " السلطة " ضد شعبنا فقضي الشعب ليلة رهيبة في الملاجئ .
قصف عنيف كانت تهتز معه جدران المستشفي يختلط صوت الموت مع صرخات الجرحى من الأطفال والنساء وقنابل النابالم والقنابل الفسفورية الأمريكية الصنع تحرق وتحصد الشباب والأطفال والنساء !

هذه السلطة

إن مشكلة الوطن العربي تكمن في هذه السلطة التي تحكم في كل قطر ولعل الملك عبد العزيز أل سعود خير أو أسوأ من عبر عن هذه " السلطة " بقوله " أخذناها بالسيف ونحكمها بالسيف " فأنظمة الحكم الجائرة لا تدري كيف تفسر سلطتها فهي تارة " إسلامية و" وتارة " ديمقراطية " وتارة " شعبية " وهو في الحقيقة " حكم العائلة "!
ولم يكن " السادات" نشاذا عندما أعلن نفسه " كبير العائلة " وأعطي لنفسه حق التصرف في مصير الشعب ومستقبله وثرواته ولكي تؤدي العائلة وظيفتها تزوج ابن عثمان أحمد عثمان بكريمة السادات .

كما ترابطت أسرة سيد مرعي والسادات وأصبح بحق "رب الأسرة " أسرة المقاولين والوسطاء والإقطاعيين وتكاملت الأنظمة العربية وتطورت " السلطة" في الأقطار العربية المتقدمة لتسير إلى الوراء وتلحق بالأنظمة المتخلفة .

وبينما كانت مصر عام 1800 قد وضعت وثيقة تلزم الحاكم بعدم فرض ضريبة إلا بموافقة الشيوخ والأعيان ثم حصلت على دستورها ومجلس نواب له حق بحث الميزانية عام 1879 أصبحت مصر عام 1970 كل ما فيها ملم للحاكم يتصرف في ميزانيتها وكأنها ثروة خاصة.

ويعقد الاتفاقيات والمعاهدات بمفرده! كان مبدأ الفصل بين السلطات قد تقرر في الوطن العربي منذ مائة عام ولولا الاحتلال البريطاني لمصر لتطور النظام النيابي وأخذ مجراه الطبيعي كما هو حادث في الدول الكبرى ولاضطرت الأقطار العربية إلى مجاراة مصر ..

وجاء السادات ليحكم مصر كما تحكم الأقطار العربية لا فاصل بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية الكل في واحد الملك أو الأمير أو الزعيم ..

وأصبحت حياة الناس وأموالهم رهن إشارة الحاكم الأوحد يستمد سلطانه من أجهزة القمع ومساندة القوي الخارجية وشاهد الوطن العربي عمليات التعذيب والإرهاب التي لم تكن تقل وحشية عما ترتكبه إسرائيل ضد الشعب العربي في فلسطين .

الإرهاب والتعذيب

في الأربعينات عادت البعثة العسكرية من العراق واستقبلهم الإمام يحي وهو جالس القرفصاء على الأرض يتعاطى القات ودخل الشبان العسكريون بملابسهم العسكرية وأدوا التحية .

نظر إليهم واستنكر ملابسهم العسكرية فأمر بخلعها.وزج بهم في السجون وكان هذا مصير كل مثقف في اليمن!إن سجن حجة في اليمن كان رمزا لأبشع صور التعذيب يقع في جوف قمة جبل.ولا يري السجناء النور حتى يخرجوا أمواتا أو نصف أحياء وكان قطع الرؤوس بالسيف سمة نظام الإمام الوحشي.

إن هذا الأسلوب الرجعي والوحشي ظل ممتدا خلال مرحلة التحرر العربي الوطني والصراع ضد إسرائيل ولم يعد الإنسان العربي يدري هل هو يصارع ضد العدو الأجنبي أم ضد العدو الرابض في الداخل ؟

ففي مصر قيد أساتذة الجامعات والكتاب والصحفيون والقادة النقابيون في سلاسل حديدية واقتيدوا إلى سجن الواحات ليمثلوا أمام اللواء " همت باشا " وجردوا من ملابسهم وقفوا عرايا كما ولدتهم أمهاتهم يتلقون الضرب بالسياط والشوم .

وسقط الدكتور فريد حجازي وشهدى عطية شهداء من عنف الضربات والقسوة والوحشية كانت كل جريمتهم أنهم طالبوا للفقير بحقه في الحياة.كما قام عبد الحميد السراج في سوريا بإذابة جسد فرج الله الحلو المناضل اللبناني بعد قتله في حامش كيميائي وشاهدت العراق بحار الدماء في الصراع بين القوي الوطنية .

وتحولت الحركة الوطنية إلى مجزرة وحشية وكانت كل جماعة تقفز إلى الحكم تعلق المشانق لأطراف الجبهة الوطنية وما أن مات عبد الناصر حتى انطلق الوحش الكامن في الرجعية العربية وبعد أن كان التعذيب والإرهاب يجري في ظلمات السجون والأقبية أصبحت المذابح تحدث علنية ونهارا ..

تولي السادات الحكم بعد انقلاب 15 مايو وشاهد السودان ردة يوليو عام 1971 وقام النميري بشنق الزعيم الوطني عبد الخالق محجوب والزعيم النقابي العمالي الشفيع أحمد الشيخ .

وفي تونس ألقي القبض على القادة النقابيين العمال وزج بهم في السجون وفي السعودية .تعرت الأنظمة العربية وكشفت كل عوراتها في أحداث السعودية ففي هذه المملكة التي تحكمها قوانين القرون الوطسي هب الشعب في انتفاضة عام 1979 .

اشترك فيها سعوديون ومصريون ويمنيون وعراقيون وسودانيون وكويتيون وعجزت الدولة بأجهزتها البوليسية والعسكرية على التغلب على الانتفاضة لم يكن رجال الحرس الوطني أو رجال الجيش إلا أبناء الشعب ..

ولجأت الدولة إلى حلفائها وعلى أثر وقوع الحاد بادرت الحكومة إلى حليفتها الولايات المتحدة تطلب إرسال قوات خاصة من الكوماندوس وقالت وكالة تاس :

" تم نقل أفراد هذه القوات الخاصة المحمولة جوا إلى قاعدة الظهران في المملكة العربية السعودية على متن عدة طائرات نقل تابعة للسلاح الجوي الأميركي وكان أفرادها يرتدون الزى المدني وأحيطوا بتكتم وعناية حي قدموا على أنهم مدنيون تابعون لشركة أرامكو "

وكشفت مجلة " لوبوان " الفرنسية في تاريخ 28 /1/1980

" إن الملك خالد طلب شخصيا من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان المساعدة في سرية تامة بعد أن عجزت القوات السعودية على القضاء على الجيوب الأخيرة التي لجأت إلى الطابق الأسفل من المسجد وجاء هذا الطلب خصوصا بعد أن لوحظ تردد بعض الضباط السعوديين في الاستمرار في الهجوم على المتمردين "

وقوة ثالثة بعد أمريكا وفرنسا جاء دور المملكة الهاشمية الأردنية نسبت وكالة أنباء ألمانيا الغربية إلى مصادر دبلوماسية في القاهرة قولها:

" إن السعودية استعانت بقوات مظلية أردنية وأن وحدات من هذه القوات وصلت إلى السعودية فعلا "

ونشرت صحيفة " السفير " اللبنانية:

" إن القوة الأردنية التي أرسلت كنجدات لتدعيم القوات السعودية في قنال المسلحين المعتصمين بالحرم المكي هي كتيبة الصاعقة " 91" والتي يبلغ عدد أفرادها " 300" رجل بقيادة الضابط " تحسين سقم" الشركسي الأصل .

حلفاء !

وصلت الانتفاضة الشعبية في مصر إلى أسوان كان ذلك قبل انتفاضة الشعب في السعودية وحاصرت الجماهير المصرية " السادات " وجلاديه . فصرخت حرم وزير الخارجية." فين الأمريكان" ؟ "هة فين الأمريكان ؟!"

كانت صحيفة " الفاينشال تاميز " قد نشرت في 7 /12/1979:

" ومنذ أصبح الأمير فهد وليا للعهد في نهاية حكم الملك فيصل اتبعت العربية السعودية سياسة مبنية على علاقات اقتصادية متينة مع الغرب وتمتعت بتفاهم مع الولايات المتحدة حول أمن البلاد "

إن هذه الأنظمة العربية التي تعيش في عزلة عن شعوبها تبحث عن الأمان في حماية القوات الأجنبية سواء كانت هذه القوات أمريكية أو فرنسية أو صهيونية .فالتكوين العضوي لهذه الأنظمة ومنحاها الاقتصادي وانفرادها بتبذير ثروات شعوبها جعلها في عزلة دفعها إلى البحث عن الأمن .

وفي هذا تقول مجلة " نيوزويك " الأمريكية تحت عنوان " المملكة العربية السعودية ركيزة أمن الولايات المتحدة المتزعزعة "

" أن أعظم خطر يهدد العائلة المالكة ما يزال الخطر الذي يمكن أن يأتي من بين صفوفها بالذات إن انفجار المواد النفطية قد جعل من حوالي 800 أميرا سعوديا مليونيرا كبيرا ..وفي مصر ظهر أكثر من 500 مليونيرا فكما يحدث في السعودية يحدث في مصر تأليف شركة أعضاؤها مجموعة من أولاد بعض الوزراء والطريف كما تقول جريدة " أم القرى " السعودية أن بعضهم لم يتجاوز التاسعة من عمره ونشرت صحيفة " الأهالي" في مصر أسماء الشركات التي تحتكرها أسر بكاملها !! وما يحدث في السعودية أو مصر يتكرر في الدول العربية الأخرى .

وإذا كانت السعودية ودول البترول تستنزف ما في بطن الأرض فإن الدول العربية الأخرى تستنزف دم شعوبها . ولا بد من حماية لهذه الأسر التي تستأثر بكل شئ وتترك شعوبها جائعة عارية . يعلن السادات هذه الحقيقة في تعقيب له على تصريحات الأمير فهد .

فيقول

" مفيش واحد في إمارات الخليج بما فيها السعودية إلا ويعلم أن حاميته هي أمريكا ونحن لا نلومهم على هذا بل أنا أعلنت إذا ما تعرض أى بلد عربي في الخليج لأى تهديد أجنبي وطلب من أمريكا أن تصل إليه لتنجده فسأعطي أمريكا التسهيلات قبل أن تطلب أمريكا هذا ومن غير أن يطلب هؤلاء الجهال والأقزام "

ثم يمضي السادات قائلا:

" يخرج الزعيم الجديد (الأمير فهد) يقول بعد أنا ما أعلنت أن السعودية لا تعطي تسهيلات ولا تعطي قواعد ولا تعطي شئ عيب , عيب لأن السعودية طلبت الطائرات (ف – 15) من أمريكا لكي تقوم بتظاهرة في السعودية (خطاب 28 يناير 1980)

ولم يكن التهديد أجنبيا بل من الداخل ونشرت جريدة النهار تحت عنوان بارز (أكبر عملية إعدام في تاريخ السعودية) وتحت عنوان " قطع الرؤوس " قالت مجلة " نيوزويك" في 21 يناير 1980

" في فجر أحد أيام الأسبوع الماضي رفع جلادون ملكيون في ثمان مدن سعودية سيوفهم الفولاذية المزخرفة وقطعوا رؤوس 63 رجلا وكان ذلك أكبر إعدام جماعي في تاريخ البلاد"

ولم يكن ما حدث في السعودية فريدا . ففي عمان كانت القوات الإيرانية في عهد الشاه المخلوع تقوم بقصف المدن والقرى وقتل الرجال والنساء والأطفال حماية لعرش قابوس !

وما يحدث في مصر هو امتداد لهذا الإرهاب والمذابح في الوطن العربي فبعد أن أطلق السادات الرصاص على الشعب أخذ يبحث عن الحليف مع الرئيس جعفر نميري ونشرت مجلة " الدستور "

تستطيع " الدستور " أن تؤكد أن اجتماعا سريا تم في أسوان بين السادات وجعفر نميري وأنه تم في هذا الاجتماع تنسيق الأدوار فيما يتعلق بالنواحي العسكرية ذات الصلة الأكيدة بالتواجد الأمريكي العسكري في المنطقة .

الجهل

في عام 1973 صدر مرسوم ملكي في السعودية يقر أن الأرض " كروية " بعد أن كان الإنسان قد دار حول الأرض بالسفن والطائرات والسفن الفضائية لم تكن هناك حاجة إلى براهين تثبت نظرية " كروية الأرض " بعد أن شاهدها الإنسان بعينيه كرة معلقة في الفضاء .

وعندما صعد الإنسان إلى القمر وقف شيخ على منبر جامع في المغرب يعلن للناس أن ما يسمعونه كذب وافتراء ووجه إليهم السؤال هل رأي أحد منكم هذه المركبة التي أدعوا أنها هبطت على القمر ؟

ولم تقف " المأساة " عند هذه الحدود فعندما أراد " السادات " أن يثبت تحضره ويخلق مبررا لشراء السلاح من الغرب أعلن أنه يريد أن يمسك كل من أبنائنا الجنود " الكترونا " في يده !

إن ما أصاب " الوطن العربي " في ظل أنظمة الحكم الرجعية القائمة من فقر وجهال وإرهاب ألقي بثقله على حركة التحرر وكانت النتيجة أن 40 % من خريجي الجامعات المصرية تركوا مصر وتقول إحصائيات الأمم المتحدة أن نسبة الوفيات بين الأطفال زادت وخرج العمال والفلاحون من مص يبحثون عن لقمة العيش ..

وما حدث في مصر حدث في كل من الأنظمة المتحررة وظهرت الطبقات الطفيلية لتكون رصيدا وسندا للرجعية القديمة وكانت الطبقة الجديدة أشد جهلا وتكونت من المقاولين والوسطاء والضباط الذين استغلوا الثورة لجمع الثورة واجتمع المال والجهل ليسيطروا على الشعب .

ونحيت الكفاءات بل أطيح برؤوسها بحد السيف وفرضت الأحكام العرفية والرقابة على الصحف والكتب وصدرت قوائم الفصل للصحفيين وأساتذة الجامعات .

وعاد الشعب العربي ليعش في ظلمات الجهل من جديد فمن ناحية تطارده إسرائيل وتغتال كل ما ينبغ فيه ومن ناحية أخري تطارده الأنظمة القائمة وتلقي به في غيابات السجون أو إلى المجهول .

وأصبحت أجهزة الإعلام بوقا لصاحب السلطة تردد ما يريد وتخفي ما يهم الشعب من أحداث .وعاد العالم الاشتراكي إلى الظل بعد أن كانت البعثات ترسل إليه ويتلقي أبناء الشعب الفقير التعليم العالي مجانا .

وحرم استيراد الكتب والأفلام والثقافة من الدول الاشتراكي في الوقت الذي تخصص فيه الجامعات الأوروبية والأمريكية دراسات عامة وخاصة عن هذا العالم .وما زالت "السعودية" حتى اليوم لا تعترف بالاتحاد السوفييتي كما فعلت أمس بعدم اعترافها " بكروية الأرض "

المأساة

تقدمت امرأة مسنة من الرئيس اللبناني الحص وأمسكت بثيابه وهي تصرخ:

ما بدناشي . ما بدناشي . ورجعونا على الجنوب بس !

وكما قالت الصحف بدا الرئيس الحص متأثرا وقال لها:

  1. عن قريب . عن قريب إنشاء الله .

250 ألف نازح من الجنوب قري بأكملها نزحت إلى بيروت ولم يبق في الجنوب إلا من عجز عن الهرب إنهم اللبنانيون ليس الفلسطينيون وحدهم أو سكان ضفة القنال أو قري الجولان .

وتقول وكالة "رويتر" أن من بين المناطق التي يحلق الطيران الإسرائيلي فوقها قاعدة "تبوك" الجوية في شمال غرب السعودية .ونشرت صحيفة "واشنطن بوست " الأمريكية أن السلاح الجوي الإسرائيلي يتدرب إلى الكويت والسعودية ودول الخليج .

زحف جديد

في كل يوم كان عشرون ألف ينزحون إلى بيروت وعلى وجوههم صورة المأساة وعلائم البؤس والتعاسة ومعهم هول الكارثة ..ووقفت الدول العربية محايدة وهي تشهد ألفي فدائي في مواجهة 30 ألف جندي إسرائيلي وستون طائرة تقصف المخيمات . وتدمر ميناء صور بالقنابل الثقيلة .

وقام أحد أصحاب البنايات الجديدة في بيروت بسد باب عمارته ببناء مسلح حتى لا يسكنه المساكين النازحون وبعض الميسورين استأجروا مسلحين من أصحاب " الدكاكين " العسكرية الخاصة لحمايتهم من التجاء المهاجرين .

وفي القاهرة التجأ الشعب إلى المقابر يبحثون عن سكن وسط الأموات بينما الأغنياء يقيمون العمارات للسكن الفاخر ولمزيد من الاستعلامات يمكنك الاتصال بشركة " دلمان " للإسكان والفنادق 6 شارع عدلي بالقاهرة وشقق فاخرة 6 غرف وصالتين و3 حمامات ملونة ومطابخ استانيل استيل

الشقة على مساحة 250 متر مربع مقدم الحجز 50 ألف جنيه للوحدة الواحدة أو 73 ألف دولار أو ما يعادلها بالعملات الصعبة والأولوية للحاجزين بالعملات الحرة وفتح باب الحجز في البرج الأول من ابراج ماسيبرو .

وفي تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية أن عدد المساكن الآيلة للسقوط في القاهرة يقدر بنحو 50 ألف مسكن , ويقول التقرير في الشهر الماضي انهارات عمارة من 5 طوابق وكانت الخسائر 11 قتيلا . وهذه الخسائر تعد متواضعة إذا قورنت بالخسائر في الأرواح التي ترتبت على انهيارات العام الذي سبقه مثل حادث الظاهر 29 قتيلا والسيدة زينب 78 قتيلا ..

وتنمو العناصر الطفيلية مع الشركات الأمريكية في الوطن العربي وبعد أقل من خمس سنوات من ضرب مدينة السويس بالقنابل الأمريكية الصنع نقرأ الإعلان التالي :

انطلاقا من تأكيدات الرئيس أنور السادات بضرورة تحقيق الأمن الغذائي قام " بلبوشي وشركاه " ببناء أكبر مجمع تبريد من نوعه بالمنطقة الحرة بالسويس وضمانا لنجاح المشروع تعاقد مع شركة " دانهام بوش " و" جنرال الكتريك" الأمريكيتين وهذا المجمع التبريدي عبارة عن ثلاجات لحوم مجمدة وتتجسم مشكلة الشعب العربي في هذا الغزو الأمريكي الذي فتحت له الرجعية الربية ذراعيها .

وفي ظل هذا الغزو انحدرت طبقات بأكملها إلى هوة الفقر المدقع بينما صعدت قلة إلى قمة الهرم الاجتماعي تتعاون مع الغزاة الجدد وتحكم في حماية القوات الأجنبية وتسيطر بالسيف والإرهاب وتقف في عداء صريح للشعب العربي .

الفصل السابع:العالم الثالث

"أينما ذهبت وحيثما كنت يا نيكسون فكر بالله تغفر وستظل فيتنام وكوبا مثالينا في مواجهة اعتداءات زماننا هذا وستدافع شيلي مدعومة بأخواتها شأنها شأن هذين الشعبين الجسورين عن كرامتها الثورية الحقيقية"

" الشاعر بابلو نيرودا" من ديوان آخر الأشعار

لم تكن وفاة " عبد الناصر " بداية المأساة . كانت مصر في نفس الطريق الذي أطاح بـ .. " سوكارنو، لومومبا، نكروما ".العالم الذي خرج من براثن الاستعمار القديم سرعان ما واجه غزو الإمبريالية الأمريكية .

كان غزوا وحشيا دمويا . جاء في مرحلة فقر مدقع للجماهير وضيق في السوق الرأسمالي وتشبث من الطبقات المالكة في الاحتفاظ بما تملك ! فكان الصراع قاسيا ومريرا .

ولم يأت الغزو من الخارج كما كان يفعل الاستعمار القديم بل جاء من الداخل عندما فتحت العناصر " الخائنة " الأبواب ليدخل الاستعمار الجديد وكان هذا مضمون سياسة الانفتاح " التي تبناها السادات "

تساقطت حركات التحرر الوطنية الواحدة تلو الأخرى واندفعت الأنظمة الرجعية بشراسة إلى جانب الغرب تكيل الضربات إلى أنظمة الحكم التقدمية وكان هذا تأكيدا لتهديدات وزير الخارجية الأمريكي " دالاس " الذي توعد دول " عدم الانحياز " ووصف سياستها بأنها " لا أخلاقية "

السياسة الأخلاقية

تبين للجنة التحقيق الخاصة التي شكلها مجلس الشيوخ الأمريكي وأشرف عليها السيناتور " تشرش " لبحث تجاوزات جرائم وكالة المخابرات الأمريكية

أولا: أن هذه الوكالة كانت وراء اغتيال " لومومبا " في الكونغو واغتيال "اليندي" في شيلي وأنها حاولت اغتيال " كاسترو" و" مكاريوس "
ثانيا: إن هذه الوكالة نجحت في تدبير الانقلابات ضد " سوكارنو" في إندونيسيا ونكروما في غانا .
ثالثا: إن هذه الوكالة حاولت أكثر من مرة اغتيال عبد الناصر ولم تنجح وكانت العناصر المنفذة للعمليات من الداخل " وليست جيوشا غازية ففي غانا اعترف الجنرال " أنكرا " بعد ثلاث سنوات من الانقلاب الذي أطاح بالزعيم الوطني " نكروما " أنه تلقي الأموال من الشركات الخاصة لأغراض سياسية وقدم استقالته عام 1969 " ومرة ثانية في عام 1972 بعد فوز الدكتور " كوفي بوذيا " رئيس الحزب التقدمي في الانتخابات بـ 102 مقعدا من أصل 140 مقعد بدأ يتخذ خطوات نكروما .

قامت الشركات التي مولت الانقلاب ضد نكروما بتدبير الانقلاب ضد " بوذيا " استحوذت شركة " فايرستون كوربوريشن " الأمريكية على جميع مزارع المطاط في غانا .

كما سيطرت شركة " انترناشيونال هوليكز كوربويشن" الأمريكية على كافة الفنادق وانفردت الولايات المتحدة بصناعة تكرير البترول وكتبت مجلة " أفريقيا" والعالم البريطانية أن غانا تحولت إلى جنة للاحتكارات الأجنبية وبالأخص للاستغلال الاقتصادي الأمريكي .

واحتفظت الاحتكارات الأجنبية بسعر " الكاكاو " الذي تنتجه " غانا " بينما زادت أسعار البضائع المستوردة خمسة أضعاف . وأغلقت المصانع التي كانت قد أقيمت في مرحلة " نكروما" وتحولت الآلات إلى قطع من الحديد الخردة وعادت " غانا " سوقا للنهب الاستعماري وموردا للمواد الخام .

وعاد الشعب في غانا إلى سيرته الأولي في ظل الاستعمار القديم تحكمه القوة ويعصف به الفقر ويسيطر عليه الإرهاب .

الإغلاق والشركات

وفي إندونيسيا أطيح بالزعيم " سوكارنو" الذي قاد الشعب في معركة التحرير ضد الاستعمار الهولندي وتصدي للاستعمار الجديد قفز " سوهارتو " العصابة العسكرية إلى الحكم بعد أن حولوا شوارع المدن إلى بحور من الدماء وزجوا بالآلاف في السجون ويشهد سجن " ساليبا " في جاكارتا مئات النسوة اللواتي يقفن في صف طويل لزيارة أزواجهن وتقديم طرود الملابس والأغطية .

وفي معتقل جزيرة " بوردو " الوحشي يتم دفن السجناء السياسيين الاندونيسيين أحياء منذ تولي " سوهارتو" الحكم وفي هذا المعتقل أكثر من 10 آلاف معتقل لم يقدموا إلى المحاكمة لسبب بسيط هو أن السلطة لا تملك أن تدينهم قانونيا !

ومن بين المعتقلين 65 أستاذا جامعي 13 اقتصادي 12 أستاذ تربية 343 من خريجي الجامعات وبين المعتقلين الشاعر ريني أبيه والروائي البارز انانتانور والبروفسور سوبرايتو.

وأبيد آلاف المواطنين بتهمة الشيوعية . وغرقت اندونيسيا في الدم والنتيجة:

  • أطلق الحكم العسكري مستشاري البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بحرية في البلاد .
  • ارتفعت نسبة رأس المال الأمريكي إلى 33 % من مجموع الرأسمالي الأجنبي في البلاد .
  • في تشريع 67 إعادة كافة المشاريع والشركات الصناعية والمزارع الكبيرة التي كانت أممت أو وضعت تحت سيطرة الدولة إلى المستغلين القدامى وعادت الشركات الأجنبية إلى اللصوص الأجانب ..

صدور قانون لاستثمار رؤوس الأموال الأجنبية بشروط أفضل لرأس المال الأجنبي وللمستثمر الحق في أن يخرج فوائده سنويا بالعملة الأجنبية وأن يخرج المال نفسه بعد خمس سنوات من بدء استثماره وتلتزم الحكومة بألا توقع أى تأميم على المشاريع الأجنبية .

حصلت اندونيسيا على قروض ضخمة استهلكت في شراء بضائع استهلاكية من الدول الغربية.وما زال سوهارتو يحكم رغم بحار الدماء ورغم تبديد ثروة الشعب ولم يرتفع صوت من العالم الرأسمالي يندد بإهدار " حقوق الإنسان" أو ابتزاز ثورة الشعب !

العائلة الحاكمة

عندما سئل " السادات " عن ممارسة السيدة " جيهان " زوجته لأعمال الاستثمارات قال : أن السيدة خريجة الجامعة وزوجة النبي كانت تمارس التجارة !

أما الرئيس " سوهارتو" فلم يكن في حاجة إلى تبرير أنه أذكي من السادات فأصدر بيانا رسميا قال فيه:

" لم ولن أقدم أية تسهيلات خاصة إلى زوجتي أو أفراد عائلتي أو الذين يدعون أنني نسيبهم "

ولم يصدر هذا " البيان الرسمي " إلا بعد أن نالت زوجة الرئيس " سوهارتو " لقب " سيدة العشرة بالمائة " مع الاحتفاظ بلقب " سيدة اندونيسيا الأولي " ونترك الصحافة تحدثنا عن عملية النهب التي تقوم بها أسرة سوهارتو. تقول مجلة " الأسبوع الدولي " في عددها 182.

" ثمة إجماع على أهمية الدور التجاري الذي تلعبه زوجة الرئيس التي تلقب بـ " مدام تنب ير سانت " أى سيدة العشر في المائة "

ويقال أنها تمتلك حصصا ثابتة في المؤسسات الفندقية ومطاحن الدقيق وصناعة الأسمنت وقد أكدت نشرة سرية وزعت مؤخرا في جاكرتا أن السيدة الأولي تمتلك 131 شركة تجارية وقد أوكلت إلى وسطاء صينيين عملية ترتيب الصفقات .

ويسابق شقيق الرئيس الأصغر " سود كاتمونو" زوجة أخيه في استغلال نفوذ العائلة وجني الأرباح فقد تبين أنه من كبار المساهمين في شركة عقارية تدعي " متربوليتان كتكوتا" أقدمت على طرد 20 عائلة فقيرة من بيوتها قبل أن تقتلعها الجرارات وقد جري استملاك قطعة الأرض بالقوة لبناء مجموعة سكنية فخمة.ويقال إن أولاد الرئيس قد أعجبوا بمهنة التجارة وبدئوا يتدربون على " قضم " العمولات .

إن جولة قصيرة في " حزام " الفقر المحيط بالعاصمة جاكرتا يؤكد سوء الأوضاع المعيشية للسواد الأعظم من الشعب فبينما تقام الفنادق الفخمة واستراحات رجال الأعمال يعيش الناس في بيوت من الصفيح وأكواخ من القش ومعدل الدخل السنوي للفرد لا يزيد عن 300 دولار في السنة ويعيش 60% من السكان دون الحد الأدنى للمعيشة؛

والمعارضة تزداد واضطر " سوهارتو" إلى إلقاء خطاب في القوات المسلحة هاجم فيه التيارات الماركسية والشيوعية والإشتراكية والوطنية والدينية وبعد ثلاثة أسابيع أخري ألقي خطابا شن فيه الهجوم على ربات البيوت وضد الطلبة وكان الخطاب الأخير ردا على الشائعات التي انتشرت عن عقيلة سوهارتو بأنها تتلقي الرشاوى من المناقصات وأن سوهارتو أتخذ ممثلة جميلة عشيقة له !

كوربا الجنوبية

ما يحدث في " إندونيسيا " بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس سوكارنو . ليس سوي صورة متكررة لما يحدث في بلدان العالم الثالث التي سيطرت عليها الولايات المتحدة سواء عن طريق القوات المسلحة أو تغلغل الشركات أو السيطرة على السوق ..

ففي التقرير الذي وضع عام 1979 وقدم لمجلس الشيوخ الأمريكي يفسر خبراء الكونجرس الأمريكي الأهداف السياسية للوجود العسكري الأمريكي .

"القواعد والقوات الأمريكية تقدم فائدة كبري للولايات المتحدة في مجمل علاقاتها مع القوي السياسية المهيمنة في بلدان آسيا الشرقية "

ففي كوريا الجنوبية 31 ألف جندي أمريكي من قوات المشاة و 8 آلاف في القوات الجوية.فماذا تحمي هذه القوات الأمريكية؟

تقول صحيفة " القبس " في رسالة لها من سيول:

" عاصمة كوريا الجنوبية إن سلطة الحكومة أصبحت تحت سيطر الجنرالات الذين عرف عنهم الفساد السياسي والرشوة "

وبعد قيام ديكتاتور عسكري جديد في كوريا الجنوبية تم طرد 232 من كبار الرسميين منهم وزير الصناعة والتجارة وخمسة وزراء ورؤساء دوائر حكومية كما قدم آخرون استقالاتهم من إدارات الجمارك ومن وزارة الداخلية و 100 من فاحصي الحسابات وفي 15 يوليو 1980 أعلنت الحكومة أنها طردت 4760 موظفا للفساد وعدم الكفاءة والأهلية .

ويخرج المطرودون بعد أن جمعوا ثروات ضخمة ليعملوا بها في القطاع الخاص ويحل مكانهم فاسدون جدد!وقد استعملت الصحافة ومحطة التلفزيون والإذاعة بمثابة درع سياسي لحماية رجال الأعمال كما تبين أن عددا من الصحفيين كشفوا أنفسهم وأصبحوا مشتركين في تهمة الضلوع مع بعض السياسيين والفاسدين .ومن خلال حملات التطهير ضد الفساد يتم تطهير كوريا من المعارضين لنظام الحكم والولايات المتحدة وشركاتها .

هذه الأنظمة

أكثر من أربعين انقلابا عسكريا أو محاولة انقلاب عسكرية حدثت في أفريقيا وحدها خلال ست سنوات ويقول المعلقون السياسيون عن أفريقيا أنها " تسلك طريق أمريكا اللاتينية " طريق الانقلابات العسكرية والحكومات العميلة والتغيرات المستمرة للأنظمة .

ولم يكن الأمر قاصرا على " أفريقيا " وحدها .. بل نشاهده في الشرق الأوسط وفي آسيا ..

فما سبب هذا الوضع؟ ونترك الكاتب الانجليزي "جاك وودس " يتحدث :

" تعد أهداف الإمبريالية أول عمل رئيسي ينبغي أخذه في الاعتبار فكل من الدول القديمة صاحبة المستعمرات في أفريقيا،بريطانيا،فرنسا،البرتغال،بلجيكا وكذلك الدول الحديثة المتنافسة على السلطة والنفوذ في أفريقيا والولايات المتحدة ألمانيا الغربية ومنذ عهد قريبا اليابان كانت في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية تهدف إلى تحويل أفريقيا إلى مصدر لأرباح إضافية جديدة لنفسها وذلك في مساعيها للاستفادة من نفس انهيار النظام الاستعماري القديم"

الاستعمار الجديد في محاولته للإحلال مكان الاستعمار القديم يقوم " بتقليب " الأرض في المستعمرات ليقضي على الأوضاع الاجتماعية القديمة وليخلق ظروفا جديدة مواتية لعملية والنهب والسلب الاستعماري الجديد.

إن الطبقات القديمة في المستعمرات لم تعد قادرة على الحكم انكشفت خيانتها للقضية الوطنية وظهر تفسخها وانحلالها وكان لابد من تجديد دمائها وظهر مبدأ تحديد الملكية ليوسع من طبقة الملاك وقضي على مبدأ الأرض لمن يزرعها.

ليحل مكانه مبدأ " الأرض لمن يشتريها" وظهرت فئة " الرأسمالية الطفيلية " لتحل محل " الرأسمالية الوطنية " وفي كلا الحالين الأرض والتجارة وجد الضباط وحورابيهم الفرصة للأثراء وتربع الضباط على الحكم فهم أقدر هذه الفئات الجديدة على مواجهة الجماهير وكبت ثوراتهم وكبت المثقفين .

وكمال قال " جوبلز" الداعية للنازي القديم .و" عندما اسمع كلمة الثقافة أتحسس مسدسي " وتقوم الفئات الحاكمة الجديدة في المستعمرات بنفس دور " النازية " في خدمة الاحتكارات والشركات المتعددة الجنسية ولكنها مع الأسف " فاشية " ذليلة فهي ذليلة في خدمة المستعمر الأجنبي وعلى الرغم مما تملك هذه الجيوش من سلاح فهي عاجزة عن مواجهة الجماهير وتلجأ إلى حليفها الاستعمار وكمال قال لينين .

" لا نحسب أن ثمة دليلا يظهر بوضوح مدهش البرجوازية الأوروبية كما يظهره تأييدها للرجعية في آسيا هذا التأييد الناجم عن جشع الماليين والرأسماليين المحتالين "

إن هذه الكلمات التي قيلت عام 1913 تظهر اليوم بوضوح تأييد البرجوازية العالمية للنظم العسكرية والرجعية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأصبحت المذابح تجري أنهارا في شوارع المدن ضد القوي الوطنية ... في طهران والقاهرة وجاكرتا وفرموزا وفي عمان وجنوب لبنان أى " وحوش يصبح رجال " السياسة عندما تبلغ الأمور مبلغ استيقاظ الجماهير ضد رأس المال.

الحرية المحرمة

بدأت الهجمة الشرسة للاستعمار الجديد في أعقاب الحرب العالمية الثانية وكان الهدف كما هو دائما في أعقاب كل حرب تخوضها الدول الرأسمالية إعادة توزيع الشعوب والأسواق ..كانت أول الضحايا دولة صغيرة في أمريكا اللاتينية محصورة بين فنزويلا في الغرب والبرازيل في الجنوب ويكاد تعدادها يتجاوز نصف المليون ساعة وقوع الأحداث أجريت انتخابات في ظل الاحتلال البريطاني وفاز حزب الدكتور " شبري جاجان " حاول هو وزملاءه أن ينفذوا وعودهم الانتخابية .

ولكن هذه الإصلاحات أزعجت الأمريكيين وأقلقت جال المال في لندن ممن يسيطرون على حياة غيانا البريطانية ويستغلون شعبها فأرسلت القوات المسلحة وعطل الدستور ..وكما هي العادة أصدرت حكومة صاحبة الجلالة الملكة في بريطانيا بيانا يقرر تعطيل الدستور وكالعادة أيضا تحدث البيان عن مؤامرة شيوعية!وأعفي رئيس الوزراء المنتخب وزملاؤه من مناصبهم وأجلت اجتماعات مجلس النواب !

تحركت الملكة.والأسطول البريطاني والصحافة الصفراء دفاعا عن غيانا التي أوشكت أن تقع في يد الشيوعيين.فما هي الشيوعية التي كانت تهدد جمهورية غيانا البريطانية؟

يروي الدكتور "شيدي جاجان" رئيس الوزراء الذي نحي من مركزه في كتابة "الحرية المحرمة" وتقوم الآن شركات أجنبية عديدة أكثرها شركات أمريكية بأبحاث استكشافية واسعة للتنقيب عن المنجيز والبترول والمعادن وللأمريكيين مصالح واسعة في غيانا البريطانية فهناك شركة ديميرارا للبوكسيت مع شقيقتها شركة سبو ستونز ليمتد وكلاهما فرع لشركة الالومنيوم الكندية التي ترتبط هي نفسها بعملية الاحتكار المشترك التي تقوم به شركة الالومنيوم الأمريكية التي مولها " ميللون" أحد كبار الماليين الأمريكيين.

وفي " كتابه " فضح الدكتور شيدي جاجان دور الشركات البريطانية في استغلال غيانا ثلاث شركات تمتلك مزارع السكر فثلث الأراضي المزروعة في غيانا مخصصة لهذا المحصول والشركات الثلاث مسجلة في بريطانية ومعظم أصحاب مزارع السكر رجال أعمال بريطانيون يقيمون في الخارج !

فلم تكد غيانا تخطو خطوة للتحرر من سيطرة بريطانيا حتى جاء رجال الأعمال الأمريكيين بحثا عن الثروة ..كان " لينين " يصف رجال المال " بالعهر " وهذا ما أكدته أحداث " غيانا " فما كان الحزب التقدمي يفوز في الانتخابات حتى قامت بلاد " الحريات " ولم تقعد وأخذ " مومسات " الصحافة يكشفون عن عهر الرأسمالية فصحيفة " واشنطن بوست" وهي تسلم بأن انتصار حزب الشعب التقدمي في الانتخابات سبب القلق في الولايات المتحدة وطالبت بحرمان الشعب من حقوقه المحدودة واقترحت العودة إلى تخويل الحاكم العام سلطات حقيقة مطلقة !!

وقالت صحيفة نيويورك هيرالد تريسيون:

إن مسألة غيانا البريطانية ذات أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة بسبب موقعها الاستراتيجي إذا فنزويلا هي الكلمة المرادفة لمادتين في غاية الأهمية بالنسبة لاقتصاد الولايات المتحدة البترول والحديد الخام "

وأكدت صحيفة " تشيوش تيمس " هذا المعني بقولها:

" إن مناجم الحديد الخام مساحتها 75 ميلا مربعا قد اكتشفت في فنزويلا قرب حدود حدود غيانا البريطانية كما اكتشفت أيضا مناجم للحديد الخام على حدود غيانا البريطانية المتاخمة لفنزويلا ويقال أنها أكبر مناجم من نوعها في العالم "

أما الشيوعية التي يتحدثون عنها فهي محاولات الخروج من حزام الفقر الذي ضرب حول الشعوب ويصف " بول لانشارد " وهو أحد رجال وزارة الخارجية الأمريكية الذين استيقظ فيهم الضمير

فيقول في كتابه "الديمقراطية والإمبراطورية في " بحر الكاريبي "

"أن الشعب الكادح في كل المنطقة تقريبا يعيش في مستوي دون المستوي اللائق بالإنسان إذ تنتشر مظاهر الفقر في منطقة الكاريبي فمن الملابس البالية إلى الأقدام الحافية إلى الأطفال ذوي الكروش المنتفخة إلى الأكواخ المصنوعة من الصفائح القديم إلى طوابي العمال العاطلين التي تنتظر أمام بوابات مغلقة فليست " الديمقراطية الرأسمالية " سوي ديمقراطية أصحاب الشركات ورجال الأعمال " وحقهم " في النهب والاحتيال أما إذا انتقلت الديمقراطية إلى الشعب وأراد أن يمارس حقوقه فهنا يرتفع الصراخ محذرا " الشيوعية "

المأساة الإيرانية

كانت أول " علاقات حميمة" للسادات مع شاه إيران وكانت أول استثمارات تدخل مصر في عهد الانفتاح من إيران وكانت أول فضيحة للعقود التي أبرمها السادات فضيحة " سيارات الباص "

كانت إيران هي " النموذج " الذي يحلم به " السادات " منذ تولي الحكم طغمة من " الأوباش " تضع فوق رؤوسها التيجان الذهبية وتلمع صدرها بالأوسمة " الكاذبة " وترتدي أفخر الثياب وأغلاها وتعيش في قصور نائية عن الشعب وتطل على الجماهير من عل ووراء هذا الستار المزركش الكاذب المحاط بالدروع والمردعات والدبابات والغازات وكل أنواع السلاح وترتكب أحط المخازي البشرية بل الحيوانية !

والقصة الطويلة

وتبدأ منذ دخل رجال المال البريطانيون إلى إيران عام 1872 حتى يوم طرد المحتالين الأمريكيين عام 1979 وأكثر من مائة عام تتحول فيه ثروة الشعب الإيراني إلى بريطانيا والولايات المتحدة لبناء ناطحات السحب والقصور الفخمة والحياة الرغدة بينما يعيش الشعب صاحب الثروة في فقر مدقع .

ففي عام 1872 منح "شاه فارس " امتيازا للورد "جوليوس دي رويتر" مدته 70 عاما ويعلق لورد كيورون على هذه الصفقة قائلا:

كانت أتم وأعجب عملية تسليم لجميع الموارد الصناعية في مملكة من الممالك إلى أيدي الأجانب مما قد لا يخطر في الأحلام على الإطلاق فما بالك أن تحدث وتصبح حقيقة واقعة كان الامتياز يشمل جميع بلاد " فارس " وجميع الموارد المعدنية فيما عدا الذهب والفضة والأحجار الكريمة !

وفي 28 مايو عام 1801 منح الشاه امتيازا للبحث عن البترول إلى "شركة دارسي " مدته 60 عاما وحصل الشاه على أسهم قيمتها 30 ألف جنيه بينما نال رئيس الوزراء واثنين آخرين 20 ألف جنيه في صورة أسهم .

وحاولت شركات أمريكية في سنوات 1921 , 1923 , 1944 الحصول على امتيازات بترولية في إيران بلا طائل ولكن في أعقاب الحرب ظلت الولايات المتحدة مثابرة على أهدافها حتى حصلت على ما تريد.

المخابرات... والخونة

أجاب "الن دالاس " مرة على سؤال أحد الصحفيين ما إذا كان منصبه كمدير لوكالة المخابرات المركزية يتضمن التحريض على الثورة قائلا:

" سيكون من العبث ألا نتعاون مع أصدقنا في الخارج لمساعدتهم في عمل كل ما يمكن عمله لاستكشاف ومقاومة الحركات الشيوعية الهدامة "

وكان التدخل الأمريكي في إيران عام 1953 لإزاحة رئيس وزارتها الدكتور محمد مصدق أول محاولة ناجحة لفترة ما بعد الحب لتقويض الحكومات ذات الاتجاه الوطني .

وبديهي أن تتهم الولايات المتحدة حكومة مصدق أنها واقعة تحت تأثير الشيوعيين بعد أن أعلن مصدق تأميم شركة النفط وأعلن "بأن إيران تأخذ حقها في الثروة التي يرقد فوقها تنين كانت إيران قد حصلت من إيران تأخذ حقها في الثروة التي يرقد فوقها تنين "

كانت إيران قد حصلت من إيرادات البترول على ما قيمته 316 مليون دولارا بينما حصلت الحكومة البريطانية على 700 مليون دولار فيما بين عامي 1911 حتى عام 1951 وفي السنة السابقة للتأميم أى عام 1950 قبضت إيران 45 مليون دولارا ووزارة المالية البريطانية 140 مليون دولارا.

وكما تعودنا بدأت الصحافة الصفراء والتصريحات الرسمية تعلن أن وراء التأميم يدا شيوعية تمولها موسكو يحرض عليها الكرملين !

ووصل إلى إيران " كلمنت روزفلت" رئيس العمليات في وكالة المخابرات الأمريكية ووضع روزفلت مع خمسة من العملاء الأمريكيين وسبعة من مسئولي المخابرات الإيرانية خطة الانقلاب في احدي الشقق الأرضية في طهران .

وبينما كان الن دالاس يجتمع بالشاه (الذي كان قد عزل) في روما كان كلمنت روزفلت يجند أشقاء طهران ووزع الأموال على العناصر الفاسدة لتأجيج الغوغاء ضد مصدق .

ولعبت بعثة المساعدات العسكرية الأمريكية في إيران دورا نشيطا في العملية وقال رئيس المساعدات العسكرية الجنرال جورج ستيوارت أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس الأمريكي .

ما يلي :

" عندما جاءت الأزمة وبدا كأن الأمور على وشك الانهيار تجاوزنا طرقنا العادية وقمنا من ضمن ما قمنا به بتجهيز الجيش مباشرة وبشكل عاجل بالبطانيات والأحذية والبدل ومولدات الكهرباء والأدوية بحي خلقت الظروف الملائمة لأن يسندوا شاه إن السلاح الذي كان في أيديهم والسيارات التي كانوا يتنقلون فيها والمدرعات التي مكنتهم من السيطرة على الأوضاع قد جهزت من قبل برنامج المساعدة العسكرية ولو أن ذلك البرنامج لم يوضع موضع التنفيذ لكان ثمة الآن في إيران حكومة معادية للولايات المتحدة .

ونصب " زاهدي " الرجل المعروف بأنه " نازي " رئيسا للوزراء وعاد الشاه وتقاسمت أمريكا وانجلترا وفرنسا بترول إيران أمريكا 40% وانجلترا 40% وفرنسا 6%. تم اقتسامها بين الشركات وعادت الأرباح تتدفق على رجال الأعمال المحتالين في الغرب الرأسمالي على طغمة الشاه وعائلته .

ومرت الأيام ثقيلة على الشعب الإيراني والولايات المتحدة تدرك ذلك فقد جاء في تقرير رابطة السياسة الخارجية .." إن فئات الطبقة المتوسطة والمثقلين والعمال قد تبددت أوهامهم الخاصة بالانحياز للغرب "

وأعلن الشاه " ثورته الخضراء " وأرغم على الفاء الانتخابات التي أجراها والتي نال أنصاره 99% من الأصوات واضطر إلى تعليق لافتة " ديمقراطية جديدة" نفس أسلوب " السادات "

الزلزال

كان أصدق وصف لثورة الشعب الإيراني أنها " زلزال " هزت النظام الرأسمالي وشققت الأرض من تحته وأخرجت ما في باطن هذا النظام من عفق وقاذورات تقشعر النفس الإنسانية من سماعه أو رؤيته .

سقطت الأقنعة الزائفة للنظام .. وكشفت ما فيه من احتيال وسرقة ودعارة وعهر ووحشية رهيبة .وكانت الولايات المتحدة تبارك كل هذا بل تعمل على دعمه فلم يكن ما يحدث في إيران إلا بامتداد لما يحدث في أمريكا نفسها مع فارق بسيط أن إيران دولة تابعة بينما الولايات المتحدة سيدة لهذا النظام فكانت الجرائم الوحشية ترتكب بعلم ومباركة أمريكية بل كانت الولايات المتحدة عن طريق المخابرات المركزية " سيئة السمعة " تنظم هذه العمليات وتدرب " الكلاب " من رجال البوليس على اقترافها وتطلقهم لتعقب العناصر الوطنية ..

وفي تقرير اللجنة الدولية للصيب الأحمر التي قامت باللقاء مع 3086 سجينا في 18 سجنا من سجون إيران في عهد الشاه نجد أساليب التعذيب التالية:

  1. الضرب المبرح باليد المجردة أو بالرفس وقد حدث ذلك لنسبة تتراوح من 90% إلى 95% من السجناء .
  2. الضرب باستخدام الأسلاك الكهربائية أو العصي وحدث ذلك بالنسبة لـ 80% من السجناء .
  3. الحرق بالسجاير المشتعلة تتراوح ما بين 50 إلى 65 من السجناء
  4. الحرق بواسطة السوائل المشتعلة ( الشمع) والمحروقات وقد حدث لنسبة تتراوح ما بين 30 إلى 40 بالمائة من السجناء .
  5. إيقاف وتثبيت السجين دون حراك وبمختلف الحالات المرهقة وعلى أنواع خاصة من الطاولات والكراسي (وطبقا لقول السجناء ماكينة أبولو) وتعليق السجين واستخدام السلاسل الحديدية والضغط عليه بوسائل الأثقال.
  6. الاستفادة من التماس أو الشوك الكهربائي بدرجاته المختلفة والتأثيرات الإشعاعية بالنسبة 30 % بالمائة من السجناء .
  7. الضغط الشديد وخلع الأظافر في حق 50% من السجناء .
  8. بث الموجات الصوتية العالية وإذاعة الصيحات المزعجة بأصوات مؤذية لنسبة 5% من السجناء .
  9. تثبت الرأس وتقطيره بقطرات متباعدة حدث بالنسبة لـ 5% من السجناء .
  10. منع وتحريم النوم على السجين بالنسبة لـ 80% من السجناء .
  11. هتك العرض والاعتداءات الجنسية الشنيعة في حق (النساء والرجال) والتجاوزات والحوادث الجنسية الأخرى مثل (الاعتداء السافر بوسيلة الزجاجات والعصي والبيض المحمي وإدخال الأسلاك الكهربائية في الرحم) والمعاملات غير الإنسانية وخاصة في سجن القصر وسجن أفين وفي سجون طهران وأصفهان .
  12. التهديد بالإساءة لأفراد الأسرة لعدد 80% من السجناء .
  13. نقل السجناء الأصحاء عقليا إلى مستشفي الأمراض العقلية وطبقا لتصريحات أقوال السجناء فإن

الإساءات والأعمال الوحشية المذكورة كانت سببا في وفاة بعض السجناء كما أن عمليات التعذيب الشنيعة كانت سببا في الاختلالات العقلية والجسمية ..

فأين كانت الولايات المتحدة رافعة راية الدفاع عن حقوق الإنسان عندما ارتكب الشاه وزبانيته جرائمهم؟

ملك أم مجرم؟

قالت مجلة " تايم " الأمريكية أنه يوجد دليل مباشر على اشتراك "الشاه " في جرائم الإعدام والقتل أيضا إذا اعترف عملاء السافاك أمام محاكم الثورة الإيرانية أن الشاه أعطي بوليسه السري أمرا شفهيا موجزا عام 1975 عندما تصاعدت موجة الاحتجاجات الدولية على كثرة المعتقلين السياسيين وأعمال التعذيب في إيران قال لهم فيه: " لا تأخذوا أى سجناء .. أقتلوهم" لم تكن هذه وحدها جرائم " السفاح " الإيراني .

فإن ما تتضمنه قائمة الاتهامات التي كانت موجهة إلى الشاه:

  • الانحراف عن القيم بإغراق البلاد بالنوادي الليلية وبيوت الدعارة وكازينوهات القمار .

وأخذت الصحف الأمريكية بعد سقوط الشاه في نشر فضائح الشاه. وأسرته حتى تبرئ الولايات المتحدة نفسها من تهمة عودة الشاه بعد عزله عام 1953 . ولكي تغطي بهذه الفضائح حقيقة عملية النهب والاحتيال الأمريكي لثروة الشعب في إيران ..

قالت مجلة " تايم " الأمريكية :

" أيام كان حجم ثروة الشاه الخاصة فقد كان على رأس نظام حكم فاسد من البداية حتى النهاية إذا كان على الشركات الأجنبية أن تدفع عملات إلى مسئولين في الحكومة أو إلى أعضاء الشاه كي تحصل على عقد في إيران وفي الوقت الذي كان فيه معظم الشعب الإيراني يعاني من الفقر والقهر والعوز كان الشاه المخلوع يعيش حياة رفاهية مبالغ فيها "

ويعتبر الشاه أو ورثته وأقاربه خاصة شقيقته التوأم الأميرة السابقة أشرف من أغني الأغنياء العالم يفعل ما سرقوه وهبروه من أموال الدولة وهو ما قدر بعشرين مليون دولا .

السادات والشاه

وعلى الرغم من استنكار الصحف الأمريكية لسلوك الشاه إلا أن أمريكا أقامت (السادات) ودعمت حكمه بعد سقوط الشاه وتلاقي السادات والشاه .

ففي صحيفة " الأخبار " القاهرية في عدد 16/12/1975 نقرأ:

"2000 مليون جنيه عمولات دخلت "الجيوب" والحسابات السرية في السنوات العشرة الأخيرة وضاعت على الدولة "

في عام 1971 استوردنا ما قيمته 445 مليون جنيه وستصل استيرادادنا خلال 75 إلى 1800 مليون جنيه وبذلك قد تصل العمولات فقط خلال هذا العام (1975) إلى 90 مليون جنيه .

ونقرأ في الصحف العربية .. صحيفة " السياسة " في عددها الصادر في 22/7/1978 تحقيق صحفي يقول:

" أندية القمار في القاهرة عالم يضج بالأسرار الغريبة "

ثم يتحدث التحقيق الصحفي:

" فندق شيراتون بالقاهرة واحد من هذه الأماكن ذات النكهة الخاصة غالبا ما تتكرر فيه مشاهد من نوعية متقاربة فالنساء الجميلات المتحولقات هنا وهناك حول موائد القمار يشبعن الزبائن ذوي الجيوب المنتفخة بنظرات الإعجاب الواعدة والزائفة لتشجيعهم على موصلة اللعب ومشهد يتكرر ليليا والأسماء الكبيرة وأبناء الذوات والأسر الكبيرة من الداخل والخارج تتواجد بشكل ليلي في هذا المكان وقاسمها المشترك البحث عن الخسارة فوق موائد القمار والخسارة من الحجوم الكبيرة , بالطبع دون أن ترمش لهم عين أو تبدر عنهم إيماءة حزن أو أسف "

في حدي للدكتور إسماعيل صبري وزير التخطيط السابق نشر في صحيفة السياسية الكويتية وقال:

" بدل أن تأتي الأموال الأجنبية لتمويل المشاريع المصرية خرجت رؤوس الأموال المصرية في إلى أنحاء العالم".

وفي تحقيق آخر نشرته الصحيفة جعلت عنوانه:

" 206 شركة أمريكية لإنقاذ الاقتصاد المصري الشركات الأمريكية تغطي مختلف مجالات النشاط الاقتصادي والخدمات الإنتاجية " وهكذا يتكرر في مصر ما حدث في إيران .

اللقاء

قالت مجلة "تايم" الأمريكي

أن الشاه المخلوع أو المرحوم كان يبدو غاضبا في لحظات التأمل وقال السادات عندما توقف في مصر عقب طرده من إيران أن مستشاريه أقاموا جدارا بينه وبين الشعب ثم قال:وعندما أفقت كنت قد فقدت كل شئ .

ثم تقول المجلة:

" لكن ذلك الجدار لم يكن مستشاروه هم الذين شيدوه بل الشاه هو الذي شيده"

وهكذا تحاول الولايات المتحدة التنصل من جريمتها بعد أن استنزفت بترول إيران وثرواته .بجانب تجميد الأرصدة التي حلت حلا جزئيا بعد الإفراج عن الرهائن فإن إيران دفعت 18 مليون دولار منا لأسلحة ثبت فسادها في حرب العراقإيران .

وتكشف صحيفة " واشنطن بوست " حقيقة الجدار الذي أقامه الشاه حول نفسه وساندته الولايات المتحدة في إقامته .

قال " دان مورغان " المحرر من واشنطن بوست ":

تمتلك مؤسسة بهلوي التي تديرها أسرة شاه إيران السابق شركة لإنتاج الأفلام ..ويشترك شاه إيران محمد رضا بهلوي وأقرباؤه في أعمال تجارية أكبر ويجنون أرباحا طائلة من هذه الأعمال مثل التعدين وحفظ اللحوم وإنتاج الصلب والألمونيوم والمنسوجات والسيارات .
وبالإضافة إلى ذلك اشترك أفراد الأسرة في مشروعات صناعية كبري بل إنهم شركاء دوليون في جنرال موتورز وفيات وهوندا وجون ديري.أما أخت الشاه التوأم الأميرة أشرف فقد كانت تمارس سيطرتها على وكالة خدمات اجتماعية رأسمالها عدد كبير من ملايين الدولارات ويتم تحويلها بواسطة أعمال القمار الدولية "

ويقول الصحفي الأمريكي :

" ففي بعض دول الشرق الأوسط وغيرها من الدول النامية نجد أن الإستراتيجية الأمريكية الاقتصادية والسياسية ترتبط بأسر حاكمة محلية تسيطر على أنظمة تشبه ما كان قائما في إيران "

ولم تقف "المهزلة" عند هذه الحدود بل بدأت عناصر حكم الشاه في نشر "الغسيل القذر" وتتحدث عن حفلات الجنس وندوات الخمر والمخدرات التي كان يتعاطاها الأميرات والأمراء وقادة الجيش وروي صديق ايطالي للأميرة أشرف صورا لهذه الحفلات تنأي عنها أحط المومسات كما اعترفت احدي عشيقات الشاه بأن الذي قادها إلى القصر الخاص للشاه كان أحد كبار القادة العسكريين !وما حدث في إيران ما زال يحدث في أنظمة الحكم التي نصبتها الولايات المتحدة في كثير من بلدان العالم الثالث ..

إيران ... وإسرائيل

لم يكن لقاء السادات مع الصهيونية خلال زيارته للقدس بل تقرر اللقاء منذ مد يد الصداقة إلى الشاه .فالعلاقات الوطيدة بين إسرائيل والدول الإيرانية كانت الجسر الذي عبر عليه السادات إلى القدس .

وترجع علاقات إيران (الشاه) بإسرائيل منذ كانت شركة البناء (سوليل بدينه) التابعة للهستدروت يقومون بتنفيذ مشاريع عمرانية في مدينة عبدان التي توجد فيها مصافي النفط وبعد قيام إسرائيل عام 1948 كانت إيران أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل وتحتفظ بمفوضين لها في تل أبيب وظلت هذه العلاقات تتطور حتى قيام حركة مصدق وما أعقبتها من عملية تأميم للنفط ووقفت إسرائيل في مجلس الأمن وتدين عملية التأميم وعادت العلاقات إلى سابق عهدها بعد عودة الشاه إلى السلطة وسقوط حكومة مصدق الوطنية .

وفي إطار العلاقات الجديدة في ظل الشاه فتحت إيران أبوابها لمئات الإسرائيليين لتنفيذ مشاريع تم التعاقد عليها في مجالات البناء والري والزراعة وشق الطرق واستصلاح الأراضي الزراعية .

ووقفت إسرائيل مؤيدة للشاه ضد الثورة الشعبية دون تحفظ أو تردد .وتردد أن إسرائيل أرسلت إلى إيران وحدات خاصة لحماية الشاه والتصدي للمظاهرات بعد أن ظهرت ميول الجيش في التعاطف مع الثورة .

وهرع اليهود إلى مغادرة إيران مع بدء الأحداث حاملين معهم السجاد الإيراني الفاخر والحقائب المليئة بالأوراق النقدية .

وفي مطار اللد حيث حطت بهم الطائرات فتح رجال الجمارك الحقائب والصناديق تبين أنها تحوي كميات كبيرة من الذهب والمجوهرات والأوراق النقدية بالإضافة إلى السجاد العجمي الفاخر ويقد عدد السجاجيد التي دخلت إلى إسرائيل بحوالي 25 ألف سجادة عجمية وقد وجدت احدي السجاجيد مرصعة بالذهب والأحجار الكريمة وقدر ثمنها بحوالي 30 مليون دولار ووضع أكث القادمين إلى تل أبيب أموالهم في البنوك الإسرائيلية وذكر أحد البنوك الإسرائيلية أنه تم وضع مبلغ 72 مليون دولار في البنك من فئة الألف دولار !

وكان هذا بعض نتائج " تطبيع العلاقات " بين إيران وإسرائيل وتتكرر مأساة التطبيع في مصر !

فضحت أحداث إيران طبيعة الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في عالم اليوم ضد شعوب العالم الثالث بصورة بشعة لا يقل بشاعة عن دورها في حرب فيتنام ... أسقطت الحكومة الوطنية برئاسة مصدق وزجت به في السجن ونصبت عائلة الشاه غير المقدسة على رأس الشعب .

وليست المشكلة حول أخلاقية أو لا أخلاقية الدولة الرأسمالية الكبرى التي وصلت إلى مرحلة الاحتكار بل مواجهة هذه الطبيعة الطبقية الاقتصادية للإمبريالية وسياستها .

فمنذ نهاية الهيمنة للإمبراطوريات القديمة بعد الحرب العالمية الثانية تواجه شعوب العالم الثالث عدوان الإمبريالية الأمريكية الذي يتخذ أساليب متعددة لتخريب حركات التحرر الوطني سواء بالردع العسكري أو الابتزاز العسكري أو الاعتماد على التفاوض المرن واستيعاب البرجوازية المحلية أو الاعتماد على وكالة المخابرات لتفرض نفسها كمركز بوليسي يحكم قبضته على رقبة شعوب العالم الثالث .

إن تراكم الفساد والبؤس والشقاء الذي خلفه الاستعمار القديم لم يترك مجالا للشعوب سوي الثورة ضد الأوضاع الظالمة وهنا برزت الولايات المتحدة وأسفرت عن وجهها الاستعماري البشع وأصبحت السمة البارزة في عالم اليوم هي فرض الانقلابات العسكرية أو فرض حكم الأقلية الفاسدة التي تنصبها أو تساندها أمريكا لكبت الشعوب وصدر مبدأ ترومان ..

وقالت جريدة " نيويورك تايمز "

إن عصر الانعزال والتدخلات العابرة قد انتهي ويحل محله الأن عهد المسؤولية الأمريكية "

أما التايمس فقد وضعت الفكرة بشكل أوضح:

" إنها سياسة خارجية جديدة وإيجابية هي اعتناق مسؤولية الحفاظ على السلك والنظام في كل أنحاء العالم "

التجربة الكبرى

كانت الصين من أوائل شعوب العالم الثالث في الثورة ضد الإمبريالية وكانت ثورة 1911 بداية ثورتها الجديدة التي أبرزت الطابع الاجتماعي لثورات التحرير

ونقرأ في أحد كتب الثورة الصينية الذي نشر عام 1949 تحت عنوان " الديمقراطية الجديدة " ما يأتي:

" ومع ذلك فقد طرأ تبدل على الثورة الديمقراطية البرجوازية في الصين بعد انفجار الحرب الإمبريالية العالمية الأولي عام 1914 وتأسيس الدولة الإشتراكية على سدس الكرة الأرضية نتيجة لثورة أكتوبر الروسية عام 1917 "

ورأت الصين أن " الثورة الديمقراطية البراجوزية " أى " ثورة التحرير " قد تبدلت طبيعتها فلم تعد تنتسب إلى الثورة الديمقراطية البراجوازية التي اجتاحت أوروبا منذ الثورة الفرنسية عام 1879 بل انتقلت من وجهة النظر الثورية لتصبح جزءا من الثورة الإشتراكية .

ونقرأ في كتاب "حول الديمقراطية الجديدة ":

"وهكذا فإن هذه الثورة من ناحية أخي تقوم على وجه التحديد بتمهيد طريق أوسع وأرحب من أجل الإشتراكية وهي ستمر خلال مسيرتها بعدة مراحل بسبب التبدلات الطارئة على معسكر العدو وعلى صفوف الحلفاء بيد أن طبيعتها الأساسية ستبقي كما هي دون تبدل .
بما أن مثل هذه الثورة تضرب الإمبريالية بلا هوادة فإن الإمبريالية لا تتقلبها بل تناهضها ولكن الإشتراكية تتقبلها فهي تلاقي التأييد والمساعدة من قبل الدول الإشتراكية والبروليتاريا العالمية الإشتراكية "

كانت هذه الحقيقة التي أدركتها الثورة الصينية وأغفلتها الثورة العربية أو الثورات الوطنية في الوطن العربي هي التي أدت إلى عرقلة المسيرة الثورية حتى أدركها عبد الناصر وأعلنها في ميثاق 1962 .

" كان الحل الاشتراكي حتمية تاريخية فرضها الواقع وفرضتها الآمال العريضة للجماهير كما فرضتها الطبيعة المتغيرة للعالم في النصف الثاني من القرن العشرين "

واستطاعت الثورة الصينية, وبعدها الثورة العربية تحقيق انتصاراتها على العدو بالتأييد والمساندة من قبل الدول الإشتراكية ..

وعندما بدأت مرحلة التحرر الاقتصادي قامت الجهات السياسية بغرض إغراء وتضليل العناصر المتذبذبة وتمزيق الجبهة الوطنية في نسف التعاون مع القوي الإشتراكية ..

وكانت الثورة الصينية قد تنبهت إلى هذه الأخطار من الناحية النظرية وأعلنت :

" أن كلمة " المواطنين " يجوز استخدامها ولكن لا ينبغي ألا تشمل على المعادين للثورة والخونة "

ثم حذرت من الإغراء الاقتصادي الذي تقوم به الإمبريالية فيما يسمي بـ " الإدارة المشتركة للمؤسسات الاقتصادية فيسمح الغزاة الإمبرياليون للرأسماليين بمساهمة قدرها 51 % من رأسمال مثل هذه المؤسسات حيث يكون رأس المال الأجنبي 49 % أو العكس أى يسمحون لرأس المال الأجنبي بمساهمة قدرها 51 % ولرأس المال الوطني بـ 49%

إن بعض الرأسماليين العديمي الضمائر الذين أغرتهم الأرباح ينسون كل المبادئ الأخلاقية متلهفين إلى الدخول في التجربة كما تندفع وراءهم فئات أخري متخفية في معسكر الثورة ويبيعون جميع مصالح الأمة للعدو مقابل 49% أو 51 %.

وخرجت الصين خلال نضالها المسلح بنتائج هامة ضمتها أربع مجلدات وجاء فيها :

  • الفترة الحالية هي فترة تبذل فيها الإمبريالية محاولاتها الأخيرة وهي تعالج سكرات الموت إذ أن " الإمبريالية هي الرأسمالية المحتضرة " ولهذا السبب بالضبط تعتمد الإمبريالية أكثر من أى وقت مضي على المستعمرات وشبه المستعمرات من أجل البقاء ولن تسمح لأية مستعمرة أو شبه مستعمرة بأن تقيم أى مجتمع رأسمالي .
  • إن الدول الإمبريالية في العالم جميعها أعداؤنا إذا كانت الصين تريد استقلالها فإنها لا تستطيع بتاتا الاستغناء عن مساعدة الدول الإشتراكية وهذا يعني أنها لا تستطيع الاستغناء عن مساعدة الاتحاد السوفيتي .
  • ورغم أن جماهير المثقفين الثوريين الواسعة في الصين يمكن أن يلعبوا في الثورة دور الطليعة والجسر إلا أنه لا يمكن أن يسيروا جميعا في طريق الثورة حتى النهاية إن بعضهم سوف يهجر صفوف الثورة ويقف منها موقفا سلبيا متى وصلت إلى اللحظة الحرجة وأن عددا قليلا منهم سوف يصبح من أعداء الثورة .

إن هذه الحقائق التي استخلصت من تجربة الثورة الصينية لم تجنبها الهوة التي سقطت فيه ثورتها عام 1927 فما كادت الثورة تحرز الانتصار بفضل دماء وجهود العمال والفلاحين حتى ركلت الرأسمالية الصينية بزعامة البرجوازية الكبرى هذه الجماهير الشعبية جانبا واستأثرت بثمار الثورة وشكلت حلفا مضادا للثورة مع الإمبريالية .

وما أن ظهر هذا التحالف الرجعي وسيطر على " الحزب " في الصين حتى أغلقت المصانع بدعوي أنها تكبد الصين خسائر وأصبح أكثر من 25 مليونا عاملا عاطلا..

الثورة – الثورة

إن النكسات التي حدثت في العالم الثالث لم تؤثر في سيرة حركة التحرر الوطني وإن كانت قد عرقلت الخطوات في بعض أجزائها ففي أمريكا اللاتينية استمرت الثورة في كوبا متحدية عنجهية القوة الأمريكية وانتصرت نيكاراغوا على السفاح والعميل الأمريكي سموزا وفي آسيا تحررت فيتنام وكامبوديا ولاوس كما قضي على الاستعمار والقطاع في أفغانستان وقضت اليمن الجنوبية على كل ألوان التبعية السياسية والاقتصادية .

وفي أفريقيا انتصرت انجولا وموزامبيق وسقط حكم هيلا سلاسي وبدأت أثيوبيا مسيرتها نحو الإشتراكية ..لقد أعطت هذه الثورات لحركة التحرر دفعا جديدا أمام الهجمة الشرسة للإمبريالية كما أوضحت طريق الانتصار .

ففي كوبا أعلن كاسترو في 15 أبريل (نيسان) عام 1959:

" لسنا شيوعيين نعم لقد قلت ذلك بصورة قاطعة إن ثورتنا تستلهم المبدأ الديمقراطي فلا ديكتاتورية لفرد ولا ديكتاتورية لطبقة ولا دكتاتورية لأنصاف معينة من الناس بل حرية مع الخبز دون رعب . تلك هي الإنسانية ".

وفي مايو 1959 يعلن كاسترو أول إصلاح زراعي ويبدأ ملاك الأرض بتسليح الثورة المضادة وتنحاز إليهم الولايات المتحدة وتهدد بتخفيض مشترياتها من السكر ويهدد أصحاب البنوك الوطنية بحجب الاعتمادات عن المزارعين ويتقدم الاتحاد السوفييتي لتمويل كوبا بالبترول وترفض الشركات الأمريكية تصفية البترول السوفييتي ويرد كاسترو بالاستيلاء على شركات " استندارد أويل وشل " ويصوت مجلس الشيوخ الأمريكي على قانون يوقف استيراد السكر الكوبي ...

وكاسترو لا يتخاذل فيصادر في اليوم التالي كل الممتلكات الأمريكية وفي 7 أغسطس (آب) 1960 تؤمم كوبا كل المشاريع الأمريكية القائمة في الجزيرة ..ويبدأ المعادون للثورة تساعدهم الولايات المتحدة في القيام بسلسلة من العدوان وتتابع أعمال التخريب وتحرق بعض مزارع القصب غير أن الشعب مصمم على حماية ثورته فينزل إلى الشارع ويطالب بإقامة محاكم ثورية ..

وجاء نجاح المعركة ضد الأمية عام 1961 ليزيد من قمة الثورة الكوبية ويكذب هجمات الإمبريالية.وفي 17 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1961 يعلن كاسترو في التلفزيون .

أن الثورة أتمت مرحلتها الأولي لتدخل في مرحلة جديدة:

" إن الأساليب التي استخدمت في المرحلة الأولي يجب أن تكون بالضرورة مختلفة عن تلك التي يجب تبنيها في الثانية لقد كان علينا أن نستخدم أساليب عنيفة ولم يكن بالإمكان أن نعيش بانسجام مع الامتيازات الأجنبية ومع كبار الملاكين وكان ينبغي تصفيتهم وكان علينا فوق ذلك أن نصفي سلطة أقلية كانت قد استطاعت الهيمنة على الحركة الاقتصادية والسياسية واستخدامها لكي تسرق وتظلم إن سلطة الامتيازات الكبيرة في كوبا قد انتهت إلى غير رجعة وقد صفيت أقلية من الممتازين على الصعيد الاقتصادي وكذلك على الصعيد السياسي "

غير أن الإمبريالية والثورة المضادة لم تصمت فقامت الطائرات "من جهة مجهولة" بالغارات على مطارات كوبا وحدث الهجوم الإمبريالي الكبير على خليج الخنازير بوساطة المرتزقة وتم دحره وكما قيل " أكتسبت الثورة مزيدا من التألق".

وكتب هـ اليج في كتابه " كوبا الظافرة ":

"ولكن ردود فعل الولايات المتحدة كانت هي نفسها تثيرها الصورة الجذرية التي كانت تتخذها الثورة بدافع من الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين ومن الممكن أن يكون كثيرون من الثوريين لم يشعروا شعورا واضحا جدا بأن الطريق المتبع كانت تؤدي إلى الإشتراكية ولكن أولئك وهؤلاء حتى ولو لم يكونوا يعرفون هم أنفسهم النظرية ولابد أنهم أدركوا أن التجربة التي كانوا يعيشونها والتي كانوا هم صناعها كانت تؤكد صحة نظريات الإشتراكية العلمية "

وكانت هذه هي النتيجة التي توصل إليها عبد الناصر في نفس الوقت تقريبا وأعلنها في الميثاق عام 1962 في حتمية الحل الاشتراكي فأعلن:

" إن الإشتراكية العلمية هي الصيغة الملائمة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم "

وتحدث " كاسترو" عن هذا المنهج وكيف توصل إلى هذه الأفكار التي أدت إلى انتصار الثورة الكوبية التي لا يتجاوز تعداد شعبها ستة ملايين ولا تبعد عن قلعة الإمبريالية إلا بضع عشرات من الأميال.

فقال :

" إن الأفكار الإشتراكية التي هي الأفكار الثورية للمرحلة التاريخية الحاضرة قامت بالنسبة إلى قسم كبير من شعبنا ولنقل بصراحة مطلقة بل بالنسبة إلى قسم كبير من العمال كانت تخيف باسمها وحدة .
إن الدعاية التقليدية الضخمة والاستبدادية التي كنا ضحاياها بل إن مؤامرة الكذب الكبيرة التي نمتها الإمبريالية في بلادنا كانت تجمد الناس وحتى أولئك الذين لم يكن لديهم ما يفقدونه في ثورة ذات طبيعة اشتراكية بل على العكس كان لديهم فيها ربح كانوا على شئ من الخوف وكثير من الحذر تجاه الكلمة تجاه الوصف تجاه اللفظة لاتجاه الواقع وهكذا جرت الأمور في كوبا فلقد أممت الصناعات الرئيسية والمصارف .
وتم حصر التجارة الخارجية في يد الدولة أى أن القسم الأكبر من اقتصادنا الصناعي ومصارفنا وتجارتنا الخارجية دخل في القطاع الاشتراكي وكان الشعب والطبقة العاملة يؤيدان تاما هذا التحول في اقتصادنا لقد تضامن الشعب مع هذا التغيير وفي ذات يوم اكتشف أو اتضح له أن ما صفق له وما يدعمه وما كان نصرا تاريخيا كبيرا للشعب الكوبي أى هذه الثورة التي جاءت بمثل هذه التغييرات كانت ثورة اشتراكية "

الثورة والجريمة

هناك ثورة لا تقل روعة عن ثورة "كوبا" هي "الثورة الفيتنامية" إن هذه الثورة التي لازمت الثورة العربية في نضالها ضد الاستعمار القديم ولاقت ما لقيه الشعب العربي من الاستعمار الجديد تكشف لنا كيف يكون الانتصار وكيف تكون المواجهة مع الخونة في الداخل والإمبريالية العفنة في الخارج ..

فكما حدث في " ثورة مصر " عام 1919 عندما قام الوفد بعد انتهاء الحرب العالمية الأولي يطالب بالاستقلال ظهر فيتنامي يسمي " نجوين أى كووك " وهو الاسم الذي اتخذه "هوشي منه" يطالب بحق تقرير المصير لفيتنام ..

ويصف أحد رفاقه الغرفة التي كان يعيش فيها في باريس:

" وسرت خلفه إلى غرفة كانت شقة لشخص واحد مؤسسة بطريقة غاية في التواضع وفي ركن من الغرفة منضدة تختفي تحت أكوام من الكتب والصحف والمجلات وبالقرب منها سرير من الحديد ودولاب صغير ولا شي غير هذا ولكنها نظيفة ومريحة "

هكذا كانت بداية النضال وهكذا مضت حياة " هوشي منه" حتى عندما وصلت شهرته إلى كل بقاع العالم ظل بسيطا لا يعرف كلفة عاش ومات كالأنبياء من أجل رسالته " تحرير فيتنام " لم يعرف القصور ولم يتذوق البذخ .

وفي عام 1962 أصدر كتابه " الطريق الثوري " وتحدث عن القوي الثورية في فيتنام فيقول:

" إن الضغط يولد الثورة ولهذا كلما اشتد الضغط على الإنسان ازدادت روحه الثورية قوة وازداد تصميمه الثوري صلابة لقد كان الإقطاع بضغط في الماضي على الرأسمالية ولهذا السبب حدثت ثورة والآن تضغط الرأسمالية على العمال والفلاحين والنتيجة هي أنهم أصبحوا القوي الحقيقية للثورة "

وفي عام 193- أعلن " هوش منه " إنشاء " الحزب الشيوعي الفيتنامي" وأعلي مبادئه:

  • إسقاط الإمبرياليين والإقطاعيين وأعداء الثورة البرجوازيين في فيتنام وكفالة الاستقلال التام للهند الصينية .
  • إنشاء حكومة يشترك فيها العمال والفلاحون والجنود .
  • مصادر البنوك وغيرها من المرافق التي يمكلها الإمبرياليون وإخضاعها لإشراف حكومة العمال والفلاحين والجنود .
  • مصادرة كل المزارع والملكيات التي يملكها الإمبرياليون وأعداء الثورة من الفيتناميين البورجوازيين وذلك لتوزيعها على الفقراء .
  • كفالة الحرية في كل صورها للجماهير.
  • العمل ثماني ساعات في اليوم.

وفي عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وجه "هوشي منه" نداء إلى الشعب ناشده فيه القيام بالتمرد العام قائلا:

"لقد دقت الساعة الحاسمة في مصير الأمة أيها المواطنون في كل أرجاء البلاد .. لنهب جميعا بكل قوتنا كي نحرر أنفسنا "

واستجابت الشعب بأسره للنداء وكان أشبه بفيضان عارم يحطم كل ما يصادفه مع جسور وثار الأهالي في كل مكان وفي الشمال والجنوب في المدن والقرى في السهول والمناطق الجبلية ..وأعلن استقلال " فيتنام " ولكن ما حد في مصر عام 1956 سبق وحدث في فيتنام عام 1946 فحاولت القوات الفرنسية إعادة احتلال فيتنام ..

وبدأت " حرب المقاومة " فقام الأمريكيون بإمداد الفرنسيين بكل ما يحتاجون إليه .وقام الفرنسيون بتنفيذ الخطة الإمبريالية الأمريكية وفي " ديان بيان " فو أروع التاريخ كانت نهاية الاحتلال الفرنسي وهزيمة الإمبريالية الأمريكية في فيتنام .

وجاء قرار التقسيم ليفصل فيتنام إلى قسمين شمالي وجنوبي وأرادت الولايات المتحدة أن تحتفظ بالقسم الجنوبي وبدأت معارك جديدة ولجأت الولايات المتحدة بشهادة أبنائها إلى أبشع الجرائم لتحافظ على مصالحها أى على استغلال شركاتها لشعب فيتنام الجنوبية ونهب ثرواته .

وتقرأ في كتاب " جرائم الحرب الأمريكية" الذي وضعه الفيلسوف الانجليزي "براتراند رسل " نبذا من هذه الجرائم اقتبس نصوصها من الصحف :

" أنها حرب قذرة حرب وحشية بنفس قذارة ونفس وحشية الحرب التي قام بها الجيش الفرنسي في الجزائر " ذي نبشون 19/1/1963 من المؤكد أن النابالم الذي استخدمه السلاح الجوي في فيتنام قد أدي إلى موت أشخاص أبرياء في كل الحروب " " نيويورك تايمز " 8/4/1963

وننتقل مع "رسل" من الحرب إلى معسكرات الاعتقال والتعذيب ويقدم لنا قصة مدام " نجوين في تهو " التي قبضوا عليها في أوتوبيس لأنها تكلمت مع الركاب:

"كانوا يضعون ثعابين سامة في فروج النساء فيفقدون الحياة بعد آلام فظيعة كانوا يدخلون الزجاج المكسور في فروج المسجونات فيفقدون الوعي وينتهين بشكل عام إلى الموت وكان الحراس يغرسون المسامير الحديدية تحت الأظافر ولا يتركون ظفرا واحدا ين يربطون الأصابع ويغمسونها بالبنزين ويشعلون فيها النار "

ثم يقدم الفيلسوف الانجليزي قضية ضرب الطائرات الأمريكية لمدرسة " هونج فو":

التي تكررت في مصر بالغارة الجوية على مدرسة " بحر البقر" فقالت مدرسة أسمها " تاى فان تام":
" كانت أشلاء الملابس والكتب والأدراج تطير عالية جدا في الهواء لدرجة أن كل العالم في الأماكن المجاورة عرف أن المدرسة ضربت بالقنابل وهناك تلاميذ تمزقوا قطعا نتيجة الانفجاريات وأطفال عديدون هبطوا داخل الأرض وجدت نفسي بين عدد من دفنوا أحياء وأخرجوني فيما بعد وأعادوني إلى وعيي .
كانت أشلاء من الأطفال تبرز من الأرض وكنا نعثر على رؤوسهم على مسافة 20 مترا من هنا وأحشائهم مبعثرة في كل جهة ورأيت اثنين من أطفالي معلقين في نخلة كان الانفجار قد قذفهما عليها وأطفالا آخرين التصقت جثتهم بحواجز الخنادق وامتلأت هذه الخنادق بالدم .
وكان الأطفال يمسكون بكتبهم فيضغطونها بقوة على قلوبهم واختلطت الكتب بالدم إلى جانب الحبر وكنا نستخرج من الركام أطفالا ينطق بعضهم بعدة كلمات قبل أن يتدفق الدم من أفواههم وأستطاع أحد الأطفال الذين دفنوا أن يستعيد شعوره لحظة بعد إخراجه فسأل عن عدد أصحابه الذين ماتوا ثم لم يلبث أن سقط بسبب الدم الذي ينزفه "
هذا هو النظام العالمي للاستعمار والذي يمثل استثمارا عملاقا مخصصا للاستغلال والسيطرة ويستخدم هذا النظام أيضا جيشا سريا هو وكالة المخابرات المركزية التي قامت بفرض عصابات من الجنرالات الرجعيين الخونة حكاما وخلال سنوات عديدة قدمت الولايات المتحدة الأسلحة والتأييد إلى سموزا في نيكارجوا وتروخيللوا في الدومينكان وهما أمثلة لما وصل إليه الحكام من إتباع أمريكا إلى أبشع درجات الهمجية والشراسة في العصور الحديثة .

ويقول برتراند رسل في كتابه:

"ولننظر إلى نوع الحكومات التي تعتمد في وجودها على قوة الجيش الأمريكي إنها دائما حكومات تدعم الأغنياء والملاك العقاريين وكبار الرأسماليين هذا هو الحال في البرازيل وفي بيرو وفي فنزويلا وفي سيام وفي اليابان وفي كوريا الجنوبية وهذا هو الحال في العالم أجمع"

أى نوع من الحكومات هذه التي تدعمها الولايات المتحدة؟ يكشف الحزب الفيتنامي الديمقراطي في سبتمبر (أيلول) عام 1963 عن حكومة فيتنام الجنوبية التي كانت قائمة فتقرأ في تقرير ..

أميط اللثام عن شبكة واسعة للتهريب من أبرز شخصياتها مدام ترانكان وهي زوجة جنرال معروف ..

وذكرت صحيفة " نيويورك هيرالد تربيون" في فبراير 1964:

" تباهي الجنرال خانة بأنه يملك عشرة ملايين دولار وأنه يستطيع أن يهرب من البلاد ليحيا مرفهة إذا أراد "

ولعل أوضح مقال هو الذي صدر في مجلة " أفييشن ويك" في 6 أبريل عام 1964 .." وهناك شركة نقل بالطائرات هي " اير أمريكا " المسجلة في ديلا وير وهي حاليا الأداة الرئيسية لوسيع الحرب في لاوس وكمبوديا وفيتنام الشمالية هذه الشركة تستخدم حوالي مائتي طائرة وتحمل القوات الفيتنامية الجنوبية الخاصة إلى مختلف الجهات وفي رحلة العودة تحمل شحنة من الأفيون لنقلها بعد ذلك إلى أسواق الولايات المتحدة في طائرات ضخمة من طراز بوينج وهذه الطائرات تعمل تحت قيادة الجنرال الأمريكي هاركتر وطيارها عسكريون أمريكيون سابقون

وكانت أسرة " نجو دينه ديم" وكذلك أسرة زوجته " نهو " اللذين دافع عنهما الأمريكيون من الأسر الثرية الذي فروا من فيتنام الشمالية ونصبت لتحكم فيتنام الجنوبية وكانوا يمثلون مجموعة من الملاك العقاريين والفئات الكهنوتية والكاثوليكية التي اتخذت الدين تجارة .

وعلى الرغم من ذلك كله انتصرت فيتنام وحققت التحرر الكامل الاقتصادي والسياسي وأصبح الشعب سيدا لثروة أرضه كما حدث في كوبا من قبل .

إلى أين؟

والسؤال الذي يتبادر .. العالم الثالث .. إلى أين ؟ أو بمعني أدق العالم العربي إلى أين ؟في رده على سؤال خلال انعقاد المؤتمر القومي العام للإتحاد الاشتراكي عام 1968 كان السؤال .هل ما زالت سياسة عدم الانحياز هي السياسة المثلي بالنسبة لنا؟

وجاءت إجابة عبد الناصر محددة:

" لا زالت هذه السياسة هي السياسة المثلي لنا لعدة أسباب أن إحنا بالنسبة للعالم الثالث الدول الغير منحازة كلها أو أغلبها تؤيدنا وفي نفس الوقت الكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتي لم يقصر أنه في يدينا كل المطالب اللي احنا عايزينها سواء بالنسبة للنواحي العسكرية أو حتى بالنسبة للنواحي الاقتصادية .
سياسة عدم الانحياز يعني إيه ؟ إذا كانت أمريكا تقف ضدنا مش معناها إن أنا باقول سياستي عدم الانحياز أن أنا ما أتعرضش لأمريكا لا اللي بيقف ضدي يا أتعرض له وأهاجمه وأقول رأيي فيه بصراحة وأقول أنه عدوي وأن الولايات المتحدة تساند إسرائيل وهي تعادي العرب كوني أقول هذا الكلام دهب رضه لا يؤثر مطلقا على سياستي في عدم الانحياز لأن هذا العمل من ناحية الولايات المتحدة الأمريكية هو يمثل عدوان سواء سياستي أو في أى مجال من المجالات الأخرى".

ولم يتوقف عدوان الولايات المتحدة ضد مصر وظل يتصاعد لضرب حركة التحرر فيها ودعم عصابة السادات والمقاولين العرب حتى تم لها ضم مصر تحت مظلتها.وتم توقيع معاهدة الاستسلام " في كامب ديفيد" وتدفق الأفاقون الأجانب والصهيوني بعد أن فتح لهم " الخونة " الأبواب .

فهل معني ذلك أن العالم الثالث وصل إلى نقطة الاختيار التي حددتها الثورة الصينية أثناء نضالها ضد الإمبريالية والذي جاء في مقال " حول الديمقراطية الجديدة " الذي كتب عام 1940

" إزاء الوضع الراهن فإن جميع الأبطال في المستعمرات وشبه المستعمرات إما أن يقفوا إلى الجبهة المناهضة للإمبريالية ويصبحوا جزءا من القوي المضادة للثورة في العالم وإما أن يقفوا إلى الجبهة المناهضة للإمبريالية ويصبحوا جزءا من القوي الثورية في العالم ولا بد لهم أن يختاروا بين هذين الطريقين وليس ثمة طريق ثالث"

إن مسيرة الأحداث بالنسبة للعالم الثالث أصبحت تحدد طريقه ففي " انجولا" استعانت حركة التحرير بدول المعسكر الاشتراكي لمواجهة عدوان النظام العنصري في جنوب أفريقيا والمرتزقة العاملين مع المجموعات الرجعية ..

وذكر الرئيس نيريري أن الدول الإشتراكية هي التي ساعدت حركات التحرر الأفريقية طوال نضالها ضد القوي الاستعمارية وكنا جميعا ندعمها لمساعدة هذه الحركات وفي اليمن الجنوبية أوشكت الولايات المتحدة أن تحقق انقلابا لمصلحة أمريكا لولا تدخل القوات الإشتراكية ومساندتها للقوات الثورية.

وفي أفغانستان قام الخائن " حفظ الله أمين" بقتل رفيقه " تراكي " وملأ السجون بالأحرار ولم يتحرك صوت ضده.وعندما لقي الخائن جزاءه هاجت الدول الرأسمالية وأخذت تمول الإقطاعيين وتمدهم بالمرتزقة والسلاح ..وارتفعت الأصوات تدافع عن الشعب الأفغاني فهل يمكن لشعب أن يرفض أرضه من الإقطاعيين أو ثروته من أيدي اللصوص !

ووقف العالم الرأسمالي يتفرج على ضياء الحق الرئيس الباكستاني وهو يعذب ويعدم ذو الفقار على بوتو.وما زال ضياء الحق يتصدر اجتماعات المجموعة الإسلامية :

ويلقي التأييد من الولايات المتحدة ولا يرتفع صوت واحد من أجل حقوق الإنسان ففي باكستان ثلاثة عشر زعيما من زعماء الأحزاب في السجون وما زال البوليس يطارد الآخرين واعتقلت أرملة على بوتو وابنته وأغلقت الصحف وشرد الصحفيون وما زالت باكستان كما قيل " لا تنتمي إلى القرن الذي تعيش فيه بل هي تنتمي إلى العصور الوسطي "

ولم تكن أفغانستان تقل تخلفا عن باكستان ولهذا أصبح التطور في أفغانستان يثير قلق باكستان وارتفع شعار " الدفاع عن الإسلام " وكأن الإسلام يحمي الفقر والتخلف والإرهاب !

إن الولايات المتحدة التي فقدت السيطرة في جنوب شرق آسيا نقلت ثقلها إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وتحاول أن تعوض خسائرها في فيتنام وكوبا وغيرهما من ثروات الشعب العربي ..ففي الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المعيشة في مصر وكانت مصر قد قررت خفض إنفاقها العسكري عقدت قرضا أمريكيا لتحديث قوة مصر العسكرية يتراوح قيمته بين 3-6 مليارات دولار .

وما زالت الأسلحة تتدفق على كل قطار الوطن العربي وتستنزف ثرواته وتتدفق في أعقابها الشركات المتعددة الجنسية..وكان نتيجة ذلك أن بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية 400 مليون إنسان في حالة يصفها البنك الدولي بـ " الفقر المدقع" والذين يستفيدون من جوع هذه الملايين وما أكثرهم يسعون لتجميد الوضع على حاله لإبقاء الفوارق قائمة بين العالم الرأسمالي والعالم الفقير فإن شعب الولايات المتحدة الذي لا يمثل أكثر من 6% من سكان العالم يستهلك 35% من خيرات الأرض ..

وتقول دراسة نشرت في احدي الصحف العربية:

"إن إنتاج بعض دول العالم الثالث زادت بنسبة 30% خلال السنوات العشرين الماضية بينما لم تود قيمة المد خول الحقيقي لهذه البلدان بأكثر من 4% والأمثلة كثيرة في هذا المجال ففي تنزانيا مثلا أعلنت الحكومة أنه في عام 1963 كان الفلاح في حاجة لإنتاج 5 أطنان من الليف يستطيع شراء جرار زراعي.أما في عام 1970 فأصبح على الفلاح أن ينتج 10 أطنان من الليف لشراء نفس الجرار "

وهكذا بالنسبة للكاكاو في غانا أو القطن في السودان والحلقة المفرغة مستمرة فالشركات المتعددة الجنسية تقوم باستغلال دول العالم الثالث من خلال المزارع والمصانع التي تنشئها في هذه الدول حيث توجد الأراضي الخصبة والأيدي العاملة الرخيصة ومنتجات هذه المزارع يجري تصديرها نحو البلدان المتطورة لتحويلها إلى منتجات استهلاكية يعاد بيعها في أسواق الدول التي أنتجها في البداية ..

فلاحو العالم الثالث ليسوا " كسولين " أو " لا يحبون العمل " إنما مشكلتهم أنهم لا يملكون وسائل الإنتاج وهذا يعني أن نمط الملكية العقارية هي المتخلفة وهي التي تمنع الإنتاجية في العالم الثالث ..

وأصبح شكل الحكم الذي تريده الولايات المتحدة هو الذي يقيمه أصحاب أنماط الملكيات العقارية تدعمه العصابات العسكرية وتنسف المصانع أو تغلق أو تسد الطريق أمام مصادرها ..وتشاهد في الدول العربية اليوم المآذن الحديدية ترتفع لإقامة العمارات الشاهقة أو الفنادق الفخمة أو الطرق العلوية ولا تجد اتجاها نحو التصنيع الحقيقي .

الفصل الثامن:خيانة الحليف!

لا تأخذوا أى سجناء ... اقتلوهم !

شاه إيران رضا بهلوي

خيانة الحليف!

بدأت مرحلة " الردة" أو مرحلة " الخيانة" بعد انتهاء حرب 67 مباشرة فشلت أمريكا في تحقيق أهداف المؤامرة التي أعدها شمس بدران وجماعة العسكريين فبعد أن سلموا السلاح إلى العدو في سيناء أسرعوا بالعودة إلى القاهرة لتنفيذه الانقلاب ولكن " مؤامرة الانقلاب " فشلت ولم يسقط عبد الناصر كما تسقط نكروما .

وكما سقط سوكارنو من قبل.وبدأت حرب الإشاعات والتشكيك في الجيش المصري وإلقاء اللوم على السلاح السوفييتي والطعن في القطاع العام ..

وتحقق ما قاله عبد الناصر:

" فيه حزب رجعي موجود في البلد وأن هذا الحزب الرجعي موجود ومنظم مستعد في أى وقت أن ينتقض على هذه الثورة حتى يستعيد ما أخذته هذه الثورة "

وأعلن عبد الناصر أن الهدف من العدوان الإسرائيلي هو القضاء على الثورة الاجتماعية الثورة الإشتراكية التي تصدوا لها بكل الوسائل بمحاولات الاغتيال ... وبالمؤامرات ويقطع المعونات ولم يكن أمامهم إلا إسرائيل .

وقال ناصر:

" لم يكن احتلال الأرض هو الهدف الأصيل للعدوان الاستعماري الصهيوني إنما احتلال الأرض هدف جزئي يسعي به إلى تحقيق الهدف الأصيل وهو تصفية الثورة العربية عامة "

التمهيد للخيانة

في أعقاب النكسة وأمام المؤتمر العام للعمال ... قال عبد الناصر:

" في مثل هذه الأوقات التي تمر بها تظهر قوي انتهازية كبيرة ناس كانت بتشتغل بوش وتشوفها النهاردة بتشتغل بوشين سن شئ غريب أوي أن إحنا نشوف النهاردة الناس بتشتغل بوشين ما هو بيقول لك أنا أمسك العصايا من الوسط هو أنا عارف حا يحصل إيه؟ما هو الاستعمار قوي الاستعمار قادر وبقول لك أمريكا قادرة تعمل وأمريكا قادرة تغير أمريكا مش حاتسيبنا طبعا ده يبقي يمثل الانتهازيين "

والحقيقة لم يكن الانتهازيون وحدهم الذين ظهروا في الصورة بعد النكسة بل قامت العناصر الرجعية الإقطاعية والذين أثروا من الثورة والعملاء القدامي بدورهم أدركوا أن نكسة بدورهم أدركوا أن نكسة 67 إشارة لهم بالحركة وأرادوا أن يحققوا ما لم تحققه النكس وبدأوا بالتحضير الفكري أو تهيئة الرأي العام إن هؤلاء الخونة نادوا وهم يتلفعون برداء الناصرية بشعار " المعركة الوطنية قبل المعركة الاجتماعية " ثم شعار " تحييد أمريكا " ثم التشكيك في دور " الوفاق الدولي " وجعلوا منه نظرية لتقسيم العالم ووصلوا إلى غايتهم بشعار " القوتين العظميين "

وأصبح الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة في موقف واحد بالنسبة للقضية العربية وكان ذلك تمهيدا للخطوة التالية وهي استبدال الحليف بالعدو.كان كبير مراسلي " نيوزويك" الأمريكية قد وصل إلى القاهرة واجتمع بعدد من الصحفيين المصريين بعد النكسة وطلب منهم صراحة العمل من أجل إخراج السوفييت من مصر

قائلا:

" أنا لا أطلب منكم وقف الهجوم على أمريكا بل استمروا ولكن اعملوا على إخراج السوفييت "

وكان عبد الناصر يرد على هذه الاتجاهات فقال في لقاء مع الضباط والجنود في احدي القواعد العسكرية:

" الأصدقاء في الاتحاد السوفييتي وقفوا معانا في جانبنا في وقت الشدة ولولا هذا ما كناش نقدر نقعد النهاردة في هذه القاعدة ونشعر بالاطمئنان "

وقال أيضا:

" صداقة الأصدقاء أدت دورها صداقة الأصدقاء تؤدي دورها في نواحي مختلفة بالنسبة للدول الغير منحازة وقفت معانا في الأمم المتحدة في العمل السياسي بالنسبة للدول الآسيوية والأفريقية وقفت معانا "

فهل كان ذلاك يدخل في نطاق " الوفاق الدولي " كانت " نظرية الوفاق " تطويرا لمفهوم التعايش السلمي الذي نادي به الاتحاد السوفييتي منذ قيامهوطالب بتعايش النظامين الرأسمالي والاشتراكي..

وعلى الرغم من مطالبته بهذا التعايش لم يتوقف عن تأييد حركة التحرر الوطني ومد الثورة التركية بزعامة كمال أتاتورك بالمعونات وأيد وساند أفغانستان في نضالها لطرد المستعمرين وبعد الحرب العالمية الثانية استمر الاتحاد السوفييتي في سياسته المؤيدة لشعوب المستعمرات ولم يوقفه التعايش السلمي أو الوفاق الدولي عن مساندة مصر عام 1956 .

أو 73 ولم يتردد عن تزويد فيتنام بكل ما تطلبه من سلاح أو تموين وهبت الدول الإشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي لنجدة مصر بعد النكسة عام 1967 وفي ظل الوفاق الدولي حققت كثير من الدول الآسيوية والأفريقية استقلالها.ولكن الذين أرادوا التشكيك في " الوفاق الدولي " كانوا يهدفون إلى أبعد من ذلك.

قوتان .. أم اتجاهان

ارتفع شعار القوتين الأعظم وكان تمهيدا لسياسة " التفرد الأمريكي " ولعبت فكرة قوة الولايات المتحدة دورها وتحدثوا عن القوة العسكرية التي لا تقهر وجبروت الولايات المتحدة العسكري وشبهوا النضال ضد الإمبريالية الأمريكية وبمناطحة الثور للجبل "

وأنبري اليسار الزائف وأكد بالفعل أنه أشبه "بالفجل الأحمر " أبيض من الداخل وأحمر من الخارج وأخذ يفلسف للمدرسة الساداتية كبديل للمدرسة الناصرية ..وبدأ التشكيك في الانجازات التي حققتها مرحلة "التحرر الوطني" وظهرت المقالات عن مشاكل النيل والسد العالي .. وخسائر القطاع العام وفشل التصنيع..

وتأكد ما قاله لينين:

" إن أخطر شئ بهذا الخصوص أولئك الناس الذين لا يرغبون في إدراك واقع أن النضال ضد الإمبريالية هو عبارة زائفة جوفاء إذا لم يرتبط ارتباطا لا ينفصم مع النضال ضد الانتهازية "

خرجت الانتهازية من تحت رداء الناصرية لتبشر بالمرحلة الجديدة مرحلة " سيادة القانون" و" الانفتاح" وكان شعارها " أكذب وأصرخ وأخلق ضجيجا وكرر الكذب فإن شيئا من ذلك كله يبقي " وكان الهدف عزل مصر والوطن العربي عن الاتحاد السوفييتي وعاد العداء للدول الإشتراكية .

فهل الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة قوتان أو اتجاهان ؟تجاهل أصحاب هذه النظرية أو نظرية "القوتان الأعظم " الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وبالتالي العسكرية لكل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة .

وظهرت من جديد كلمة " روسيا " كبديل لاسم " الاتحاد السوفييتي " حتى يعودوا إلى عصر ما قبل ثورة 1917 ويتساوي بذلك النظامات من وجهة نظرهم في وضعهما الاقتصادي والاجتماعي والسياسي فلا فرق بين نظام اشتراكي ونظام رأسمالي !

ولا فرق بين الملكية العامة لوسائل الإنتاج والملكية الخاصة التي يستأثر بها أفراد أنانيون ولا فرق بين نظام يقبع على قيمته حكومة تمثل أصحاب الملايين ونظام تحكمه حكومة تمثل العمال والفلاحين .

وكان هذا تمهيدا لشق الحركة الوطنية في مصر عن الحركة الثورية العالمية بذلك تحقق ما أردته الإمبريالية الأمريكية من فرض نظرية التفرد الأمريكي الذي تفرضه الولايات المتحدة على شعوب العالم .

وأستند أصحاب نظرية "القوتان الأعظم" أو " مبدأ التفرد" إلى جملة من الملابسات الفعلية كالقدرة الاقتصادية والمستوي المرتفع لتطور الإنتاج الصناعي والتطور التكنولوجي ومستوي المعيشة وتجاهلوا الطبيعة الإمبريالية للاحتكارات الأمريكية ودورها في نهب الشعوب وممارستها لدور "الشرطي " لحماية النظام الرأسمالي وضرب حركات التحرر أو مواقفها في دعم الكيان الصهيوني .

أن أصحاب نظرية " القوتان الأعظم " انتقلوا بعد ذلك إلى نظرية الواقعية السياسية وسرقوا من الماركسية شعاراتها وتحدثوا عن " فن الممكن" ومراعاة واقع الأمور .

وقام هؤلاء الانتهازيون بـ "التنحضير الفكري" أو تهيئة الرأي العام للاستسلام.ففي الوقت الذي بدأ هيكل:نشر مقالاته عن " اللاحرب واللاسلم " ويهاجم الاتحاد السوفييتي على أنه أحد المستفيدين من حالة " اللاحرب واللاسلم " كان الفريق صادق يؤجج العداء للسوفييت بين الضباط ففي الوقت الذي كانت مصر تلح على الاتحاد السوفييتي في تزويدها بالسلاح

وأرسل الاتحاد السوفييتي رسالة إلى السادات قال فيها:

" لعلكم تذكرون يا سيادة الرئيس إن القيادة في كل من بلدينا قد اتفقت على ضرورة الحاجة إلى تقوية زحفكم إلى الأمام وتدعميه وزخف كل القوي التقدمية في الشرق الأوسط ونشعر بأن من حقنا أن نذكركم بهذا لأنكم أنتم أنفسكم قد تحدثتم إلينا عن النشاطات المتزايدة للقوي الرجعية داخل مصر
وعن الجهود التي تبذلها العناصر اليمينية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتحالف مع الاستعمار لوقف زحف مصر على الطريق التقدمي والعودة به إلى الوراء فإلي أين تتجه مصر ؟ إلي أين تساق بأيدي قوي من داخلها وخارج حدودها ؟ وما الذي ستكون العلاقات بيننا في المستقبل ؟ هذه هي الأسئلة التي تثير القلق لدي أصدقائكم وتقدم التشجيع لأعدائكم "

ولكن السادات نفسه كان من العناصر اليمينية كان على اتصال بالعدو الأمريكي وتلقي رسالة سرية من واشنطن تقول:

" تستطيع الآن أن تهدأ وأن تفعل ما تشاء ولكن عليك أن تذكر دائما أن مفتاح الحل هنا "

وصدر القرار بسحب الخبراء السوفييت من مصر وكانت هذه هي الخطوة العملية الثانية بعد خطوة " 15 مايو " التي مهدت لضرب الخط الناصري التحرري .

أن الخط الرجعي العدائي للإتحاد السوفييتي جاء من رغبة العودة إلى سيطرة الملكية الخاصة والنشاط الحر لأصحاب رؤوس الأموال واتجاه الرجعية العربية إلى التحالف مع الغرب الرأسمالي في نهب مصر فيقول هيكل أحد منظري "هذه الحقبة "

هل كانت مجرد صدقة أن الأمير سلطان وزير الدفاع السعودي كان في زيارة لواشنطن قبل أن يصدر الرئيس قراره بسحب الخبراء مباشرة كذلك فإن كمال أدهم كان في ذلك الوقت في زيارة القاهرة "

وتحقق تنبوء عبد الناصر الذي جاء في الميثاق :

" إن الاستعمار الآن غير مكانه ولم يعد قادرا على مواجهة الشعوب مباشرة وكان مخبؤه الطبيعي بحكم الظروف داخل قصور الرجعية "

الغاء المعاهدة

توج " السادات " موقفه من الاتحاد السوفييتي "بـ الغاء معاهدة الصداقة المصرية السوفييتية "

وكما مهد هيكل بمقالاته إلى سحب الخبراء السوفييت قام جيل آخر من المرتزقة بالتمهيد لإلغاء المعاهدة وبدأت " الأخبار " تتحد عن المخطط السوفييتي وتحدثت عن وصاية الاتحاد السوفييتي لجبهة الرفض .

وكان لقرار إلغاء المعاهدة صدي في جميع أنحاء العالم ولم تنس إذاعة "كولونيا" أن تذكر السادات بماضيه الفاشي فقالت:

" على حد تعبير السادات أن هذه المعاهدة لم تكن سوي قصاصة من ورق "

وقالت " الصنداي تايمز"

" مصر أدارت ظهرها للإتحاد السوفييتي ولم تستفد من انفتاحها على أمريكا مصر تقطع كل الجسور مع الاتحاد السوفييتي ولكنها لن تحصل على تعويض كاف من الغرب "

ونشرت صحيفة " الغارديان البريطانية تعليقا على إلغاء المعاهدة جاء فيه:

" السادات ما زال بحاجة لدعم الاتحاد السوفييتي وإلغاء المعاهدة المصرية السوفيتية لا يخدم مساعي السلام في الشرق الأوسط"

وهللت الصحف الأمريكية لقرار السادات فقالت صحيفة " دينفر بوست"

ويمثل قرار السادات نصرا هاما للولايات المتحدة "

وقالت " بالتيمور صن"

فليس هناك من ينكر أن ابتعاد الرئيس السادات عن الاتحاد السوفييتي خلال السنوات الأربع الماضية ورفضه الاعتماد على موسكو قد جاء لمصلحة الولايات المتحدة .

أما صحف العالم الثالث والصحف العربية والصحف الوطنية فقد فضحت الاتجاهات الجديدة للسادات وأوضحت أن إلغاء المعاهدة جاء نكسة لحركة التحرر في مصر واستسلام للعدو

فقالت صحيفة " أتا" الصادرة في سير يلانكا :

" جرت خلال الأونة الأخيرة في مصر أعمال كثيرة للقضاء على النهج التقدمي الذي اتبعه الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر "

وقالت الصحيفة:

" إن النظام المصري يجهد لتطوير القطاع الخاص واضعا المكاسب التي حصل عليها الشعب المصري تحت طائلة الخطر "

وأثار إلغاء المعاهدة المصرية السوفييتية موجة من المرارة والامتعاض في الوطن العربي بين العناصر التقدمية والحرة

فقالت إذاعة " صوت فلسطين "

" إن الصداقة السوفييتية العربية تعد عائقا رئيسيا يعترض تنفيذ مخططات الإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط فالاتحاد السوفييتي يبرز على كل المستويات كقوة فعالة تساند مساندة كاملة قضية العرب العادلة "

وقالت صحيفة " الفجر الجديد " الليبية :

" إن حكام مصر ساروا في سياستهم الخارجية نحو التواطؤ السافر مع قوي الإمبريالية الأمريكية في الشرق الأوسط والصهيونية والرجعية العربية والقوا بالشعب المصري إلى هاوية الفاقة والظلم بعد أن فرطوا بالكثير من المكاسب التقدمية التي حققتها الثورة المصرية وتناسوا تماما التعاليم الإشتراكية التي أوصي بها الرئيس جمال عبد الناصر "

وتواصل جريدة " العراق فتقول:

" إن قرار الرئيس السادات لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التصرفات التي تدل على ركوع القيادة المصرية أما أ‘داء الشعب .

ومن العالم الثالث قالت جريدة " هاراغفي " القبرصية:

" إن السادات حين وصلت به الأمور إلى حد فسخ معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفييتي إنما يوجه ضربة معينة لمصالح الشعب المصري "

لم يكن إلغاء المعاهدة المصرية السوفييتية ضربة قاصمة للناصرية بل كان طعنة للكفاح ونضال الشعب المصري فلم تكن العلاقات المصرية السوفيتية وليدة الناصرية

كانت " روسيا " من الدول التي بينها وبين مصر علاقات دبلوماسية وقنصلية وعندما قامت ثورة أكتوبر كانت مصر تحت الحماية البريطانية وكانت وزارة الخارجية المصرية ملغاة وعندما أعلنت بريطانيا استقلال مصر بتصريح 28 فبراير شباط عام 1921 اتخذت حكومة جلالة الملك فؤاد قرارا بإنهاء العلاقة بين مصر والاتحاد السوفييتي وتبع ذلك العلاقات الاقتصادية بين البلدين !

مما كان له صدي في البرلمان وتكرر طلب تصحيح ذلك الوضع لمصلحة مصر كذلك طالبت الصحف بفتح الأسواق السوفييتية أمام القطن المصري وفي جلسة مجلس النواب (12/5/1927) قام أحد النواب يسأل وزير الخارجية عن مدي صحة ما نشر من أن سفارة الاتحاد السوفييتي في لندن كتبت لوزير مصر المفوض هناك

" أنها تجد صعوبة شديدة في حصولها على القطن المصري وأن السلطات المصرية تحول دون هذا الحصول واستوضح النائب وزير الخارجية عن خطة الحكومة فيما يتعلق بمستقبل العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الاتحاد السوفييتي خصوصا إذا راعينا أن المقدار الذي يحرم من الطلب السوفييتي يمثل سبع المحصول لمصر "

وقدم نائب آخر سؤالا لوزير الخارجية أوضح فيه مدي أهمية التعامل التجاري مع الاتحاد السوفييتي في توسيع نطاق تجارة القطن المصرية وما يترتب على ذ لك من تحسين الأسعار التي يئن منها المنتجون وقال أن أكثر الدول الأوروبية أقامت لها علاقات سياسية مع الاتحاد السوفييتي فلا أقل من أن يكون لمصر صلات تجارية .

وقال النائب حسن يسن:

"أن قنصل مصر في باريس قال في تصريح له بأنه إذا لم تعجل مصر بإزالة العقبات عن طريق القطن المصري المصدر إلى الاتحاد السوفييتي فإن السبيل سيسد في وجه القطن المصري "

وتبين من الإحصاءات أن الاتحاد السوفييتي اشتري في السنوات من 1924 إلى 1927 من القطن المصري ما يبلغ متوسطه السنوي 504,000 قنطار لكنها لم تشتر منه من السوق المصري إلا 21,000 قنطار والباقي وقدره 484,000 قنطارا في العام اشترته من الأسواق الأجنبية ولا سيما سوق ليفربول .

أى أن قطع العلاقات في مصلحة الرأسماليين البريطانيين الذين يشترون القطن بالثمن البخس ويبيعونه بالثمن المربح لهم.ويسجل الاقتصادي المصري يوسف نحاس أرقاما للتدليل على أن القطن الأمريكي الذي كان أقل رتبة من القطن المصري كان يباع في ديسمبر 1926 بسعر يفوق كيرا سعر القطن المصري ..

وظلت تجارة مصر مع الاتحاد السوفييتي محدودة حتى عام 1933 فتوقفت الصادرات المصرية إلى الاتحاد السوفييتي على الرغم من استمرار ورود البضائع السوفيتية إلى مصر وكانت معظم صادرات الاتحاد السوفييتي إلى مصر من الأخشاب والكيوسين وورق التبغ والوقود السائل .

ثم قام صدقي باشا أكثر الرجعيين استسلاما للعدو ببيع قطن الحكومة إلى السوفييت على يد اثنين من المصدرين في الإسكندرية بمقادير هائلة على الرغم من عدم وجود علاقات سياسية بين مصر والاتحاد السوفييتي .

العلاقات الدبلوماسية

في عام 1934 طرح في جلسة مجلس الشيوخ سؤال عن سبب عدم إقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي فقال الياس عوض عضو الشيوخ:

" لقد كنت أتمني أن تجئنا الحكومة في هذا العام بنبأ حسن وهو أن الحكومة شارعة في تجديد العلاقة مع الأمة السوفييتية من الوجهتين التجارية والسياسية لأنه لا معني أن تكون الأمة المصرية الأمة الوحيدة المستمرة في جفاء مع الأمة السوفييتية على حين أن الدولة الانكليزية هي الدولة التي تعمل على أن تكون سياسيتنا الخارجية متفقة وسياستها "

وقدم النائب سليمان غنام سؤالا إلى رئيس الوزراء في عام 1938 يتساءل عن سبب عدم عودة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والاتحاد السوفييتي بعد أن اعترفت دول العالم بهذه الدولة وفي مقدمتها انكلترا التي عقدت مع الاتحاد السوفييتي معاهدة تجارية ..

ثم عاد النائب وتساءل في جلسة مجلس النواب 28/2/39 عن المانع الذي يقف في طريق الاعتراف بحكومة السوفييت في وقت تسارع فيه الحكومة المصرية إلى الاعتراف بحكومة فرانكوا الفاشستي في أسبانيا .

ووجه النائب عزيز مرهم في جلسة مجلس الشيوخ عام 1939 استجوابا :

" عن أسباب تباطؤ وزارة الخارجية في الاعتراف بحكومة اتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفييتية تلك الحكومة الممثلة لشعب أصبح اليوم من أقوي الشعوب وأرقاها وتطمع الدول الكبرى ومنها المتحالفة معنا في خطب وده والتعاقد معه "

وقررت الحكومة المصرية بناء على طلب وزارة التجارة والصناعة إعادة العلاقات بين مصر والاتحاد السوفييتي تصحيحا للميزان التجاري وفي عام 1939 وافق مجلس الوزراء على الاعتراف بالاتحاد السوفييتي .

ومع ذلك لم ينفذ هذا القرار إلا عندما أصبح الاتحاد السوفييتي حليفا لبريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية فوافق مجلس الوزراء عام 1943 على الاعتراف باتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية

وكان السفير البريطاني في القاهرة غير مرتاح لإقامة العلاقات بين مصر والاتحاد السوفييتي وكان القصر الملكي غير موافق من البداية وقد ظل الملك في موقف الرفض حتى بعض إقامة هذه العلاقات وحاول الملك أكثر من مرة بواسطة أحمد حسنين باشا أن يستميل البريطانيين إلى جانبه وفي النهاية رضخ الملك للأمر بعد أن يئس من وقوف البريطانيين في صفه وخوفا من أن يثير النحاس الموضوع في البرلمان وإظهار الملك بأنه عائق يحول بين مصر والاتحاد السوفييتي .

وعين كامل عبد الرحيم أول وزير مفوض لمصر في موسكو وكتب إلى وزارة الخارجية المصرية يطلب عقد معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفييتي وصرح الوزير المفوض بأنه مغتبط لتعيينه في موسكو أشد الاغتباط وأنه سيعمل على توثيق العلاقات السياسية بين البلدين وعلى تعرف عظمة الاتحاد السوفييتي وقوته من هاتين الناحيتين

وقال في تصريح لصحيفة الأهرام:

" وفي الميدان الصناعي نواح كثيرة جديرة باهتمامنا فبرامج السنوات الخمس التي نجحت في الاتحاد السوفييتي نجاحا منقطع النظير علنا نصل إلى تطبيق نظام يتفق مع حالتنا لكي نبغي نهضة صناعية صحية اجتماعية شاملة تدفعها إرادة قوية كتلك الإرادة التي دفعت بالأمة الروسية نحو تنفيذ هذه البرامج فأتت بأحسن الثمار "

مشكلة التحرر

ولم يكن اهتمام الاتحاد السوفييتي بحركة التحرر نابعا من قوته أو من وجوده كقوة عالمية أو تفوقه العسكري .

فقد أبدي لينين اهتماما ببلدان الشرق وبنضال التحرر الوطني قبل أن يستولي الحزب الشيوعي على الحكم واستنكر العدوان على ليبيا عام 1911 وفي سنوات الحرب العالمية الأولي صد كتابه " الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية " ففضح طبيعة النظام الاستعماري والأسس الاقتصادية والطبقية التي يقوم عليها كشف أساليب النهب الاستعماري وخصائص السياسة الاستعمارية الإمبريالية وأوضح أن تراكم الرأسمال المالي وتشكيل الاحتكارات وإثراء الدول الكبرى جاء نتيجة الاستغلال الذي لا رحمة فيه لملايين العبيد في المستعمرات .

وكتب " روتشتين" المؤرخ السوفييتي كتابه " خراب مصر" الذي فضح فيه السياسة الاستعمارية البريطانية في مصر وأوضح في الكتاب وسائل النهب البريطاني للفلاحين المصريين وانعكاس الاحتلال البريطانية على الاقتصاد المصري...وعندما انتصرت الثورة في روسيا كان أول شئ أعلنته " مرسوم السلام" الذي طالب بتحرير المستعمرات .

وكان لانتصار " الثورة السوفييتية " صداها وأثرها في معركة التحرر الوطني وفي مؤتمر لوزان الدولي الذي عقد في نوفمبر تشرين الثاني عام 1922 نشر الوفد السوفييتي مذكرة أيد فيها مطالب الشعب العربي كما قدم وفد من " حزب الوفد" المصري بمقابلة رئيس الوفد السوفييتي وقدم إليه عدة وثائق عن السياسة الاستعمارية البريطانية في مصر بما في ذلك " الكتاب الأسود" عن الأعمال الوحشية التي اقترفها الانكليز في مصر .

وعندما استأنفت مصر نضالها ضد الاحتلال البريطاني أعلن الاتحاد السوفييتي تأييده لمطالب الشعب المصري في استعادة سيادته واستقلال بلاده .

وفي مقابلة بين سفير مصر في موسكو ووزير الخارجية السوفييتي قال الوزير السوفييتي أن زمن الاستعمار قد انتهي وأن الاتحاد السوفييتي يود أن يري الدول العربية من بين الدول الحرة التي تساهم في حفظ السلام في العالم .

وفي مؤتمر وزراء الخارجية الذي عقد في باريس في يونيو 1946 ندد مولوتوف وزير خارجية الاتحاد السوفييتي باستمرار بقاء القوات البريطانية في مصر .

وأثناء مناقشة القضية المصرية أمام مجلس الأمن لم يقف بجانب مصر سوي ثلاث أعضاء هم الاتحاد السوفييتي وبولندا وسوريا وألقي غروميكو رئيس الوفد السوفييتي خطابا أمام مجلس الأمن فقال:

" إن الاتحاد السوفييتي يكن تفهما وتعاطفا مع الأماني الوطنية لمصر وشعبها في الوجود المستقل على أساس المساواة في السيادة مع الأمم والشعوب الأخرى "

وحاول مندوب بريطانيا شطب القضية من جدول أعمال مجلس الأمن فعارضه المندوب السوفييتي .

وكتب أحمد حسين في صحيفة " مصر الفتاة ":

" أما وقد وقف الاتحاد السوفييتي منا ذلك الموقف فقد أصبح واجبا علينا نحو أ،فسنا أن نزيد في علاقاتنا معها وأن نرد التحية بمثلها بل ونتخذ من صلاتنا مع روسيا سلاحا نشهره في وجه العدوان البريطاني ومن يلوذ به أو يؤيده وكان التأييد الاتحاد السوفييت وبولندا لمصر في مجلس الأمن أثره في أن تدرك الجماهير من هم حلفاء حركة التحرر ومن هم أعداؤها.

وعندما ألغت الحكومة المصرية المعاهدة (المصرية – الانكليزية) صرح دين اتشيسون وزير خارجية الولايات المتحدة في مؤتمر صحفي قائلا:

" إن الولايات المتحدة تؤيد بقاء القوات البريطانية في منطقة قناة السويس إذ أن لبريطانيا الحق في ذلك من الناحية القانونية بموجب معاهدة 1936 ولبريطانيا أن تتمسك بحقوقها المنصوص عليها في هذه المعاهدة"

وكتبت صحيفة " مصر الفتاة":

" لقد دعونا من قبل إلى ضرورة إبرام معاهدة صداقة وعدم اعتداء مع الاتحاد السوفييتي وقد حانت الساعة لتطالب الحكومة أن تبادر بالدخول في مفاوضات مع روسيا لعقد هذه المعاهدة في أقرب وقت"

وكانت مصر قد رفضت في الأمم المتحدة الوقوف إلى جانب الدول الغربية ضد الكتلة الإشتراكية في مشكلة كوريا .وبينما كانت مصر تناضل من أجل طرد القوات البريطانية أبرمت السعودية اتفاقية مع الولايات المتحدة أتاحت لها قاعدة الظهران الجوية !

وأثيرت في ذلك الوقت مسألة قيادة الشرق الأوسط التي تقدمت أمريكا وانكلترا وفرنسا وتركيا ورفضتها مصر وسلمت الحكومة السوفييتية مذكرة إلى السفير المصري جاء فيها:

"إن المقترحات الرباعية ليس لها أى صلة بالسلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط وأن إنشاء هذه القيادة معناه توسيع القواعد القائمة في مصر بإقامة قواعد عسكرية جديدة "

ناصر .. الاتحاد السوفييتي

كان اتجاه عبد الناصر امتداد للحركة الوطنية المصرية بكل أبعادها .ورغم أنه لم يسلم في البداية بما توصلت إليه الحركة الوطنية إلا أنه جعل التجربة العلمية دليلا لمساره وانطلق شرقا وغربا وأرسل الوفود بحثا عن حلول للمشاكل الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها مصر .

وذهب على صبري إلى الولايات المتحدة من أجل السلاح وقام أحمد فؤاد بزيارة الاتحاد السوفييتي يبح المشاكل الاقتصادية وأنبري اليمين داخل قيادة الثورة معترضا على التعاون مع الاتحاد السوفييتي وأبعد من مجلس قيادة الثورة العناصر الوطنية اليسارية ..

ويروي أحمد فؤاد إن الاتحاد السوفييتي أبدي استعداده المطلق للتعاون الاقتصادي وقيل للبعثة المصرية:" إذا لديكم تراب يفيدنا فنحن مستعدون لقبوله في مقابل أى شئ تطلبونه "

وظلت ثورة 23 يوليو تموز في تردد حتى حسمها العدو فدفع بإسرائيل للعدوان على غزة في الوقت الذي لم تحصل فيه مصر على سلاح للدفاع عن نفسها ثم سحب قرض السد العالي بمبادرة من الولايات المتحدة .

وأخيرا .. العدوان الثلاثي

وحطمت مصر احتكار السلاح وفتحت أبوابها للتعاون الاقتصادي مع الكتلة الشرقية دون تغلق الأبواب في وجه الغرب .وبدأت مصر مسيرتها التحررية فحصلت على الاستقلال السياسي أثر فشل عدوان 1956 وبدأت الخطوات نحو التحرر الاقتصادي .

وانطلقت مصر في سياسة " عدم الانحياز" فمدت ذراعيها إلى دول العالم الثالث . وخرجت من القيد الاستعماري اقتصاديا وعسكريا وسياسيا . ولكن الرجعية المصرية والعربية والدول الاستعمارية لم تقبل خروج مصر من قبضتها فبدأت مؤامرات الاغتيال وتكرر العدوان ومحاولات عرقلة التصنيع وتخريب القطاع العام وتهريب النقد الأجنبي.

لماذا الاتحاد السوفييتى؟

عمدت الدول الاستعمارية إلى فرض ستار حديدي حول الاتحاد السوفيتي بعد قيام ثورة 1917.أن الحرب العالمية الأولي التي قامت من أجل إعادة تقسيم الأسواق بين الدول الاستعمارية فوجئت بقيام نظام دولي جديد يلغي دور ووظيفة الرأسمالية ويؤمم الاحتكارات والشركات وينقل ملكيتها إلى الشعب ويعلن معاداته للاستعمار وتأييده لحركات التحرر ويكشف المعاهدات السرية التي أبرمتها الدول الإمبريالية للسيطرة على الشعوب .

وحاولت الرأسمالية القضاء على هذه الدولة وسيرت جيوشا من أربعة عشر دولة ولكنها عجزت فقامت بحصارها وفرضت الجدار الحديدي لعزلها عن العالم .وظل الصراع قائما بين هذه الدولة الفتية وبين الدول الرأسمالية حتى قامت " النازية" وأشعلت الحرب العالمية الثانية وانتهت الحرب بعد أن فقدت الرأسمالية مواقع جديدة في شرق أوروبا كما بدأت حركة التحرر في إحراز نجاحات ضد الإمبراطوريات المنهارة .

وهنا كشفت الولايات المتحدة عن وجهها الاستعماري البشع فساندت هولندا في محاولاتها لاسترداد اندونيسيا كما ساندت فرنسا في حرب الجزائر وفي حرب فيتنام وعملت على اغتيال لومومبا في انغولا لدعم الاستعمار البلجيكي وحماية الاحتكارات ..

ورغم ذلك تضعضع موقع انكلترا وفرنسا فأعلنت الولايات المتحدة عن نظرية " ملء الفراغ " وانطلقت في العالم لدعم " مصالح الاحتكارات الأمريكية " وتحصل الاحتكارات الرأسمالية على نحو 10 مليارات دولار كربح سنوي من تصدير رأس المال إلى البلاد النامية ويمثل ربحها من تصدير السلع نحو 12 -13 مليار دولار .

ويقول " مؤلف " الاقتصاد السياسي والبلدان النامية "

وعلى سبيل المثال حصلت كافة الاتحادات الاحتكارية للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1971 على ربح قدره 78,6 مليار دولار في عام 1971 وفي نفس العام كان ربحها من استثماراتها المباشرة في الخارج وحدها 12,6 مليار دولار "

وفي مقابل هذا الثراء الفاحش تنتشر مناطق الجوع في القارات الثلاث أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا وفي السبعينيات توصل كثير من المتخصصين إلى استنتاج بأنه يوجد 700 مليون إنسان مهددون بالجوع في 32 بلدا وفي الوقت الراهن يموت 30 ألف شخص يوميا بسبب الجوع وسوء التغذية فالموت جوعا هو خطر حقيقي يتهدد ملايين البشر.

وهكذا واجه الشعب العربي نفس المأساة فالولايات المتحدة تصر على حماية المصالح الأمريكية التي هي مصالح الاحتكارات وتهدد بالعصا الغليظة وبفرق الانزال السريع وانتشار الأسلحة الذرية .

العدو الواحد

واجهت ثورة 23 يوليو رغبة الولايات المتحدة في " ملء الفراغ " الذي تركه جلاء القوات الانكليزية عن مصر أى حماية المصالح الإمبريالية أو بمعني أوضح حماية نهب الاحتكارات للشعب المصري .

ولم تنفصل إسرائيل عن الإمبريالية منذ وجودها فتلاقت معها في النهب المالي للشعوب .وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1967 بعد مؤامرة " النكسة" عقد في احدي دور روتشيلد في سويسرا لقاء سري لمجموعة من رجال المال بحث إمكانيات استغلال الأراضي الجديدة التي اغتصبتها إسرائيل .

وأخذت الاحتكارات والكتل الاحتكارية الأمريكية في ربط إسرائيل بعجلة الاحتكارات الأمريكية .وقبل ذلك في مايو أيار عام 1954 عقدت مؤتمرات " بيلد لبرغ" التي ضمت كبار أثرياء العالم ورأي هؤلاء في إسرائيل سندا مضمونا في صراعهم لوضع أيديهم على ثروات الشرق الأوسط والاحتفاظ بسيطرتهم في هذه المنطقة التي تمتاز بأهميتها الاقتصادية والإستراتيجية الهامة وكان للرأسماليين الصهاينة باعتبارهم المشاركين الأساسيين في هذه المؤتمرات " القول الفصل " عند اتخاذ القرارات .

وتعمل في إسرائيل عدة احتكارات بريطانية ضخمة مثل "شركة النفط البريطانية ومصارف روتشيلد وبنك بركليز والشركة المصرفية " صاموئيل وشركاه وغيرها ..

ولم يكن الارتباط الاقتصادي وحده الذي وثق العلاقات بين إسرائيل والإمبريالية العالمية بل تلاقوا في العداء للاشتراكية التي حرمتهم أسلوب ووسائل النهب وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت إسرائيل رأس حربة ضد الإشتراكية وحركة التحرر الوطني .

وكتب المعلق الأمريكي جون كروسي:

إن العداء للشيوعية هو آخر ملجأ للخائبين.وهو لا يلم تحت رايته المهلهلة سوي مجموعة ناشزة من اللصوص وقطاع الطرق والوشاة والمفترين والحمقي والحاقدين على كل البشر

في تلك " الباقة " كان الصهاينة أينع " زهرة " وفي عام 1959 تشكلت في القسم اليهودي التابع لدائرة المخابرات المركزية الأمريكية مجموعة خاصة للاتصال العملي بدائرة المخابرات الإسرائيلية وتبادل المعلومات معها ..وارتبطت أحداث بولندا وتشيكوسلوفاكيا التي بدأت عام 1968 بالعدوان الإسرائيلي الأمريكي ضد مصر عام 1967 .

وتبين أن الغالبية العظمي لمدبري ومنظمي الأحداث من اليهود الذين تسربوا إلى المناصب الهامة في أجهزة أمن الدولة والصحافة والأوساط الثقافية والاقتصادية لضرب الإشتراكية .وكان غولد شتوكر اليهودي مسيطرا على إذاعة براغ وارتفع صوته خلال الأحداث مطالبا تشيكو سلوفاكيا بتبديل سياستها ضد إسرائيل .

وأصبحت الحركة الإشتراكية وحركة التحرر الوطني هدفا مشتركا للعدوان الإمبريالي الصهيوني .وكان المفروض أن تكون النتيجة الحتمية معاهدات الصداقة بين الدول العربية والاتحاد السوفييتي ..

أرض واحدة

على هذه الأرض الواحدة التي يعيشها البشر وأثبت العلم أن استغلال الإنسان للإنسان لم يكن موجودا وظهر هذا الاستغلال منذ نحو 7 آلاف عام كان الإنسان في الفترة البدائية ينتج أقل قدر من المنتوجات لعدم قدرة القوي المنتجة غير المتطورة على تغطية سوي حاجاته الضرورية فكان صيد الحيوان والأسماك يقسم بالتساوي بين الناس لا فرق بين إنسان وإنسان.

وعندما بدأ الإنتاج في الزيادة ظهرت الملكية وظهرت الفوارق بين الناس وظهر استغلال الإنسان للإنسان.وبدأت الحروب بين البشر من أجل نهب ثروات الغير واستعباد البشر فكان العبد يكبل بالسلاسل إلى الطواحين أو السفن ويضرب بالسوط للعمل من أجل ثراء إنسان آخر وفي النظام الإقطاعي كان الفلاحون مضطرين إلى إعطاء محصولاتهم إلى سيدهم !

أما في النظام الرأسمالي فالعامل مقيد بسلاسل غير مرئية فهو مضطر إلى العمل للحصول على الأجر مهما كان هذا الأجر قليلا بينما يثري رجل الأعمال الرأسمالي دون أن يبذل جهدا حقيقيا .

ومع التطور ظهرت الاحتكارات وبدأ الاستعمار بشكله المعروف ثم تطور إلى الغزو المالي .وخلال هذه المراحل التاريخية شاهدنا تجار الرقيق وخطف الآباء من أسرهم وانتزاع الأبناء من ذويهم وانتزاع الأطفال من أمهاتهم فكانت المزارع في الولايات المتحدة تقوم على اكتاف العبيد وأقيمت الصناعة في أوروبا بنفس الصورة وهكذا تولدت الدول الغنية والدول الفقيرة .

ورغم التقدم الحضاري الذي بلغه الإنسان ما زال هناك سادة يقطنون القصور وينعمون بخيرات الحياة بينما يعمل آخرون عبيدا أو كالعبيد ولا يجدون قوت يومهم .وأصبح الصراع في عالم اليوم بين هؤلاء الذين لا يعملون ويكدسون الثروات والذين يعملون ولا يجدون ما يكفيهم .

وترددت أصوات الكادحين في كلمات الشعراء فقال بيرم التونسي:

ليش امشي حافي
وأنا منيت مراكبكم

ليه أنام عريان

وأنا ناسج مراتبكم

وتساءل الشاعر العراقي " أين حقي ؟" ولكن الكلمات لم تعد تكفي وهب الفقراء ونجحت ثورتهم في روسيا وانتزعوا حقهم من الأغنياء .

وانفصل سدس الكرة الأرضية عام 1917 عن النظام الاستغلالي الرأسمالي ولم تكد تنتهي الحرب العالمية الثانية حتى انفصلت أجزاء جديدة من الأرض عن هذا النظام .

وأصبحت رقعة الاستغلال أمام الرأسمالية ضيقة.وبدأ النظام الرأسمالي يواجه منافسة حادة.انتقل الاتحاد السوفييتي من المرتبة الخامسة في الصناعة بالنسبة للعالم عام 1913 إلى المرتبة الثانية عام 1974 وكان في المرتبة الرابعة بالنسبة لأوروبا عام 1913 فأصبح في المرتبة الأولي .

وكان في المرتبة الثامنة في الكهرباء بالنسبة للعالم وانتقل إلى المرتبة الثانية وبالنسبة لأوروبا من المرتبة السادسة إلى المرتبة الأولي وفي الحديد والصلب والفحم من المرتبة السادسة أو الخامسة إلى المرتبة الأولي في العالم وكذلك في الأسمنت والأخشاب ومصانع القطن ومصانع نسج الصوف وأصبح في المرتبة الأولي .

وهكذا وجدت الرأسمالية أو الاستعمار أنه لم يفقد أرضا للاستغلال فحسب بل أصبح يواجه منافسا في الإنتاج ولم يعد هذا الإنتاج من أجل الربح بل من أجل سعادة البشر .

وخرجت الدول النامية من قبضة السيطرة الاقتصادية الرأسمالية الإمبريالية ووجدت أسسا جديدة للتعامل الاقتصادي الدولي مع الدول الإشتراكية .

غريزة البقاء

عندما طالت مدة الشقاء في الجبال الثلجية وافتقدت الذئاب غذاءها قامت جحافل منها بالهجوم على القرى المجاورة وكان الفلاحون يحصدونها ببنادقهم صفا وراء صف ولكنها تتقدم .

أنها غريزة البقاء

فعندما سعت الإمبريالية المحمومة إلى استعادة سيطرتها بعد الحرب العالمية الثانية وأرادت تكريس نهبها واستغلالها للموارد الاقتصادية المادية والبشرية وفرض اتجاهات معينة للتطور الاقتصادي والاجتماعي وتسليط النظم السياسية الرجعية والعملية وإلزامها بإقامة علاقات اقتصادية محصورة بالدول الإمبريالية وذات طبيعة غير متكافئة تخدم المصالح الاقتصادية الرأسمالية هبت الشعوب كالذئاب يحصدونها صفا وراء صف ولكنها تتقدم ز في كوريا ثم فيتنام وفي الجزائر؛

وفي مصر (3 حروب) وفي نيكا راغوا وسلفادور .. وفي جنوب أفريقيا في كل مكان يحصدون من أجل الإبقاء علي حالة التبعية واستمرار التخلف .

الفصل التاسع:الصديق اللدود

"سنتسلط كما علمتنا أمنا انكلترا, سنغطي صفحة المحيط بأسطولنا التجاري سنبني أسطولنا يتمشي مع عظمتنا وحول مراكز تجارتنا ستنمو مستعمرات عظيمة تحكم نفسها بنفسها وترفع وتنجر معنا .."

السناتور بيفردج عام 1898

الصديق اللدود

في كتابة " تاريخ الحضارة " كتب " ويل ديورانت " يصف لنا لحظات انهيار الحضارة البابلية والأيام التي سبقت احتضارها . فكتب يقول:

" كان الشباب يصبغون شعرهم ويعقصونه ويعطرون أجسامهم ويحمرون خدودهم يزينون أنفسهم بالعقود والأسوار والأقراط والقلائد .ولما فتح الفرس بلادهم وقضوا بذلك على عزتهم النفسية تحرروا أيضا من جميع القيود الأخلاقية وسرت عادات العاهرات إلى جميع الأوساط وأضحت نساء الأسر الكبيرة يرين أن أظهار محاسنهن أيا كانت ليستمتع بها أكبر عدد مستطاع أصبحن لا يرين في هذا شيئا أكثر من مجاملة عادية .

ونقرأ أيضا:

ليس أغرب من أخلاق المدينة بابل فلسنا نجد في مكان آخر ما نجده فيها من تهيئة كل شئ لإشباع اللذات الجنسية لقد فسدت الأخلاق وانحلت حين أثرت الهياكل وانهمك أهل باب في ملذاتهم , فرضوا أن تخضع مدينتهم للكاشين والأشوريين , والفرس , واليونان .

ونقرأ في نفس الكتاب عن روما في فترات ثورات العبيد ضد ملاك الرق وضد المجتمع العبودي يقول المؤرخون :

أخذ الأشراف والأثرياء يتنافسون في مظاهر الترف والنعيم على حين كان وميض نار الثورة يلوح في الولايات المتحدة المفلسفة والناس يموتون جوعا في أكواخهم القذرة الحقيرة وكان الشيوخ لا يستيقظون من نومهم الأوقات الظهيرة وقلما كانوا يحضرون جلسات المجلس (مجلس الشيوخ) وكان بعض أبنائهم يتزينون بأزياء العاهرات ويختالون في الطرقات على أجسامهم ثياب مطرزة مزركشة وفي أرجلهم صنادل كصنادل النساء متعطرين متحلين بالجواهر لا يقبلون على الزواج وإذا تزوجوا عملوا على ألا يكون لهم أبناء ينافسون شباب اليونان في التخنث ..
لو تأملنا هذه الظواهر التاريخية لأدركنا أنها صاحبت بعض المجتمعات في لحظات انحدار حضارتها وبدء انحلالها وتفسخها أمام قوي جديدة صاعدة ..ففي روما تفسخت طبقة ملاك العبيد أمام ضربات الثوار ولا يعود روما كيانها إلا بعد أن يقوم النظام الإقطاعي مكان النظام العبودي ..حضارات تنهار في التفتت والتحلل والتفسخ بينما تولد حضارة جديدة بقيم جديدة وأساليب جديدة للحياة .

عندما تموت حضارة أو تنتهي طبقة من دورها التاريخي فهي لا تدفن تحت التراب ولكنها تتحلل وسط المجتمعات وتنشر عفنها ورائحتها الكريهة ..فما هي الحضارة التي تنهار ؟ وما هي الحضارة التي تولد ؟

عالم الرشوة

انحاز السادات إلى الغرب الرأسمالي وسلم القيادة إلى الولايات المتحدة وفي أعقاب الاتجاه الجديد ظهرت فضائح رشاد عثمان وعصمت السادات وصفقات لوكهيد و الاتجار في السلاح.

وحاول عثمان أحمد عثمان أن يبرئ نفسه فصرخ في مجلس الشعب "المتهم برئ حتى تثبت إدانته" ومن سوء حظه أن فضائح الرشاوي انفجرت في العالم الرأسمالي في نفس الوقت الذي انكشفت فيه فضائح رشاوي المسئولين في مصر .

اختار " السادات" لحظة أو فترة الانهيار الرأسمالي ليجر مصر إلى مصير هذا النظام .ففي عام 1975 بدأت فضائح شركة لوكهيد الأمريكية لصناعة الطائرات وكانت لجنة الشيوخ الفرعية للشركات المتعددة الجنسيات قد نشرت عام 1967 وثائق تفيد بأن 12,7 مليون دولار دفعت كرشاوى في اليابان ومليونين في ايطاليا وأكثر من مليون إلى شخصية هولندية كبيرة ومبالغ أخري في كل من ألمانيا الغربية وتركيا والسويد ودول أخري .

هكذا بدأت فضائح لوكهيد إلا أنها لم تؤخذ مأخذ الجد في حينه حتى جاء عام 1975 لتعترف الشركة ذات الصلة الوثيقة بالبنتاغون الأمريكي بدفع أكثر من 22 مليون دولار إلى شخصيات سياسية وعسكرية في الخارج لزيادة مبيعاتها .

وبدأ نشر أسماء المرتشين تصدرها اسم رئيس وزراء اليابان تاناكا الذي اعتقل للتحقيق معه كما أنهم اثنان من أعضاء الحكومة ومجموعة من رجال الأعمال والمسئولين .

وكان في القائمة اسم الأمير بنارد المفتش العام للقوات المسلحة الهولندية وروج ملكة هولندا الذي استقال من جميع مناصبه.

وكذلك ظهر ضمن كشف المرتشين جوزيف شتراوس زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي وأحد أقطاب اليمين في ألمانيا الغربية إضافة إلى ظهور أسماء من السويد وبريطانيا وايطاليا وتركيا وكولومبيا وأسبانيا وجنوب أفريقيا ونايجيريا :

ولم تكد تخفت فضيحة لوك