مصر والحرب العالمية الثانية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مصر والحرب العالمية الثانية

إعداد: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية - مؤسسة الأهرام

  • د. محمد جمال الدين المسدي
  • د. يونان لبيب رزق
  • د. عبد العظيم رمضان

محتويات

تقديم

لئن كانت الحرب العالمية الأولى قد أعقبت في مصر قيام حركة وطنية ثائرة تناضل في سبيل استقلالها واستعادة حريتها فإن الحرب العالمية الثانية قد هيأت لمصر مركزا دوليا متميزا على الصعيد السياسي والصعيد العسكري فكانت القاهرة مقرا أمنا لعد مؤتمرات ولقاءات هامة بين القادة السياسيين والعسكريين من انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والصين وتركيا ودارت على أراضيها أكبر حرب كانت نقطة التحول في تاريخ تلك الحرب هي معركة العلمين.

وليس من غرض هذا البحث الإشادة بالمجهود الحربي الذي قامت به مصر لصالح الحلفاء أو بالتضحيات التي تكبدتها مصر في الأرواح والأموال نتيجة لسبع وسبعين غارة جوية وقعت على الإسكندرية و 15 غارة على القاهرة و 46 غارة على منقطة القنال إنما الهدف من هذا البحث هو محاولة توضيح الموقف السياسي في مطلع الحرب العالمية الثانية وتحليل الصراع المرير الذي قام بين السفير البريطاني (سير مايلز لامبسون) وبين رؤساء الوزارات المصرية المتعاقبة وبخاصة في الفترة من سبتمبر 1939 إلى يونيه 1940.

كان السفير يعمل بإصرار لكي تعلن مصر الحرب على ألمانيا ثم إيطاليا وهو يعلم أن جهود حكومته قصرت عن تزويد الجيش المصري بالسلاح والعتاد وأن القوات البريطانية وأن القوات البريطانية المرابطة في مصر كنت تقل عددا وعدة عن القوات الإيطالية المتمركزة على حدود مصر الغربية وكانت الحكومة المصرية ومن ورائها قطاع كبير من الرأي العام ترى أنها أوفت بما عاهدت عليه في إطار معاهدة 1936 وبأن موقفها كدولة غير محاربة كان في صالح الحلفاء وقد انتهى هذا الصراع كما يبين من الوثائق بتسليم الجانب البريطاني بوجهة النظر المصرية ولم تعلن مصر الحرب إلا في فبراير 1945 استكمالا للشكليات وتهميدا لاشتراكها في مؤتمر سان فرانسيسكو.

وقد عهد المركز إلى فريق من أساتذة التاريخ الحديث بإشراف الدكتور محمد أنيس أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة بدراسة تلك الحقبة على ضوء الوثائق البريطانية وكنا وما زلنا نطمع في دراسة نظائرها من الوثائق المصرية وقد استغرق البحث ثمانية فصول قد قام الدكتور محمد جمال الدين على المسدي الأستاذ المساعد بكلية الآداب بجامعة القاهرة بدراسة التمهيد والفصل الأول ثم الفصول من 3 إلى 7 وأعد الدكتور يونان لبيب رزق الأستاذ المساعد بكلية الآداب بجامعة عين شمس الفصل الثامن كما أعد الدكتور عبد العظيم رمضان مدرس التاريخ الحديث بجامعة طنطأن الفصل الثاني.

وقد أشرف على تنسيق هذه الدراسة ومراجعتها على مجموعة الوثائق البريطانية التي حصل عليها المركز الأستاذ حسن يوسف رئيس وحدة البحوث التاريخية بالمركز.

ويسر المركز ن يسجل صادق الشكر للسيدة سوسن حسين عضو وحدة البحوث التاريخية للجهد الذي بذلته في إعداد الفهرست ومراجعة بورفات هذا الكتاب.

والله ولي التوفيق

مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية.

المحتويات

تقديم:

تمهيد:

الفصل الأول: تسوية العلاقات المصرية البريطانية وأهداف التحالف:

الموقف الدولي وتسوية العلاقات المصرية البريطانية- النزاع الإيطالي الحبشي- المفاوضات ومعاهدة 1936 – البنود العسكرية في المعاهدة المصرية البريطانية – نذر الحرب في سبتمبر 1938 – موقف الأحزاب من تطبيق المعاهدة مفهوم التحالف والالتزامات الطرفين – حجم القوات المصرية والبريطانية المخصصة للدفاع عن مصر.

الفصل الثاني: تطور الصراع السياسي الداخلي:

تصور السفير البريطاني للعلاقة بين مصر وانجلترا بعد المعاهدة الحكومة الوفدية تحاول ممارسة الاستقلال انشقاق ماهر والنقراشي عن الوفد انقلاب العلاقات بين الوفد والإنجليز ظهور فكرة خلع فاروق عن العرش – السياسة البريطانية بين الوفد والقصر إقامة حكومة الوفد قواعد التدخل البريطاني في شئون مصر الداخلية بعد المعاهدة تغير العلاقات بين القوي السياسية في مصر .

الفصل الثالث: القاعدة البريطانية وتأمين الجبهة الداخلية.

الجالية الإيطالية الدعاية الإيطالية الألمانية اهتمام مصر بالمسألة الفلسطينية سياسة مصر الإسلامية منصب وزير الدفاع ورئيس أركان حرب الجيش – الموقف المالي والاقتصادي والإداري – هبوط أسعار القطن.

الفصل الرابع: التدخل البريطاني بعد معاهدة 1936

تأكيد فكرة حق التدخل في مصر بعد المعاهدة لا تصان المصالح إلا بالتدخل قيود التدخل بعد المعاهدة درس التدخل في الأزمة الدستورية التدخل ووجود القوة وحدها الكفيلان بتنفيذ رغبات بريطانيا علاقات الجانب البريطاني بمختلف الأطراف السراي ولنفوذ الإيطالي الوفد هو المسيطر شعبيا.

الفصل الخامس: تطور علاقات علي ماهر بالجانب البريطاني وتشكيل وزارته الثانية:

تطور العلاقات بين علي ماهر والجانب البريطاني وضع علي ماهر في السراي بين رياسة الديون ورياسة الوزارة علي ماهر ومصر الفتاة علي ماهر والبنداري- كيف تحسنت العلاقة بين علي ماهر والجانب البريطاني – عودة العداء بين الوفد والإنجليز- أسباب استقالة وزارة محمد محمود – وزارة علي ماهر الثانية – كيفية تشكيلها- الثلاثي العسكري – رأي الإنجليز في أشخاص الوزراء – أهداف الوزارة ووسائلها والإطار الذي تعمل فيه دكتاتورية السراي- علاقتها بالجانب البريطاني .

الفصل السادس: وزارة علي ماهر بين المشكلة الدستورية والمشاكل الخارجية:

مصر بين الحرب والحياد موقف الوزارة من البرلمان – تنفيذ المعاهدة في ظروف الحرب- مشكلة إعلان الأحكام العرفية – جلسة حامية في مجلس الشيوخ- مشكلة إعلان قيام حالة الحرب مع ألمانيا – الملك ورئيس الحكومة يطلبان زيادة القوات البريطانية المرابطة في مصر- قضية تجنيب مصر ويلات الحرب – تضارب أقوال الوزراء- رأي عبد الحميد بدوي باشا- مجلس الوزارة يوافق في جلسة 7 سبتمبر 1939 على إعلان الحرب ثم يعدل عن قراره برقية نشأت باشا – الحقيقة كما تسجلها الوثائق البريطانية- موقف المؤيدين والمعارضين – موقف الرأي العام- الضغوط البريطانية – الاتجاه إلى التخلص من علي ماهر.

الفصل السابع: علي ماهر يجيب أن يذهب:

ضعف مركز الوزارة الماهرية في البرلمان المشاكل الاقتصادية ومحصول القطن التعارض بين الحصول على شعبيه وإرضاء بريطانيا – الأزمات بين علي ماهر والسفارة – تنحية عزيز المصري – زيادة علي ماهر للسودان مذكرة الوفد إلى السفارة البريطانية وأثرها – العالقة بين علي ماهر والسفير البريطاني تزداد سوءا – دخول إيطاليا الحرب- جلسة النواب في 12ي يونيو 1940 سياسة تجنب مصر ويلات الحرب السفير يحاول إقناع حكومته بضرورة التخلص من علي ماهر – العمل على إخراجه- مساجلات حول الحرب الدفاعية والحرب الهجومية – التهديد بعزل الملك وفرض الأحكام العرفية البريطانية على مصر- الإنذار البريطاني- إبعاد علي ماهر عن السلطة في الوزارة وفي الديوان- المعركة الأخيرة.

الفصل الثامن: الموقف السياسي في نهاية الحرب:

وزارة حسن صبري باشا- الوزراء السعديون يستقبلون بعد إصرارهم على دخول الحرب – إنجلترا تعدل عن مطالبة مصر بإعلان حالة الحرب على المحور- وزارة حسين سري باشا – القاهرة مدينة مفتوحة – استمرار سياسة الحياد- حادث 4 فبراير 1942- موقف الوزارة الوفدية من الحرب – وزارة أحمد ماهر- مؤتمر سان فرانسيسكو- الوفد يعارض إعلان الحرب- الوزارة تعلن في فبراير 1945 قيام حالة الحرب بين مصر وألمانيا واليابان.

ملحق نصوص الوثائق البريطانية التي أعتمد عليها البحث.

تمهيد

انتهت الحرب العالمية الأولى بتوقيع معاهدة (فرساي) في 28 يونية سنة 1919 بين الحلفاء وألمانيا بعد مؤتمر دام ستة أشهر حضره سبعون مندوبا يمثلون سبعا وعشرين دولة ولم تدع ألمانيا إلى الاشتراك في أعمال المؤتمر إلا بعد أن تم الإنفاق على نصوص المعاهدة فحضرت للتوقيع دون مناقشة.

وبمقتضى معاهدة (فرساي) خسرت ألمانيا عدة مقاطعات من أراضيها وما يقرب من عشر سكانها إذ تقرر ضم بوستانيا وبومرانيا وسليزانيا وسليزيا العليا إلى بولندا مع إعطائها ممرا في بروسيا الشرقية إى ميناء (دانزاج) كما تقرر ضم أراضي السوديت الألمانية إلى دولة تشيكوسلوفايكا وقضت المعاهدة بتدويل إقليم السارة لمدة 15 عاما واحتلال منطقة الراين لنفس المدة وتضمنت الشروط العسكرية إلغاء التجنيد الإجباري وتحديد جيش ألمانيا بمائة ألف رجل ومنعها من امتلاك مدافع ثقيلة أو طائرات حربية أو غواصات إلى غير ذلك من القيود الكفيلة بضمان أمن فرسنا وتعهدت ألمانيا بدفع التعويضات اعترافا بمسئوليتها عن الحرب.

ولم يكن الفرنسيون وبخاصة العسكريين منهم راضين تمام الرضا عن تلك المعاهدة وعلق عليها المارشال فوش قائد قوات الحلفاء يومئذ بأنها ليست صلحا بل هي هدنة لن تزيد مدتها عن عشرين عاما وقد صحت نبوءته ونشبت الحرب العالمية الثانية في سنة 1939.

وفي تلك السنوات العشرين تطورت الأحداث الدولية بشكل متلاحق وإن كان من الممكن تقسيمها إلى مراحل متميزة ثلاث: مهدت كل منها للأخرى فجاءت نتيجة لها وهي:

(أ)- مرحلة التسويات العامة (1919- 1924):

فقد جرت في هذه المرحلة محاولة لعقد المعاهدة بين كل من فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة الأمريكية لتأمين الدفاع عن فرنسا ولكن مجلس الشيوخ الأمريكي رفض المشروع كما رفض في نوفمبر 1919 التصديق على معاهدة (فرساي) نفسها بيد أن سلسة من المعاهدات تم الاتفاق عليها بالصلح مع النمسا وبلغاريا والمجر ثم مع تركيا وكذلك عقدت فرنسا مع بولونيا سنة 1921 معاهدة دافع مشترك.

وأنشئت عصبة الأمم سنة 1920 وافتتحت محكمة العدل الدولية.

وفي أكتوبر 1924 تم التصديق على معاهدة (فرساي) نفسها بيد أن سلسلة من المعاهدات تم الاتفاق عليها بالصلح مع النمسا وبلغاريا والمجر ثم مع تركيا وكذلك عقدت فرنسا مع بولونيا سنة 1921 معاهدة دفاع مشترك.

وأنشئت عصبة الأمم سنة 1920 وافتتحت محكمة العدل الدولية.

وفي أكتوبر 1924 تم التصديق على بروتوكول جنيف وهو يقضي بحل الخلافات الدولية بالطرق السلمية.

(ب) مرحلة التطبيق والتنفيذ (1925- 1931):

وابتدأت هذه المرحلة بتوقيع معهد لوكارنو في أول ديسمبر 1925 بين كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا الذي يقضي بضمان سلام غرب أوربا.

وفي أغسطس 1928 تم التوقيع على ميثاق نبذ الحرب الشهير بميثاق كيلوج بريان أو عهد باريس بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرسنا وبلجيكا وتشكوسلوفاكيا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبولندا.

وفي أكتوبر 1930 عقد في أثينا أول مؤتمر وكان نواة لقيام حلف البلقان (تركيا اليونان- رومانيا- يوجوسلافيا) إلى جانب حلف الدول الصغرى (تشيكوسلوفاكيا – يوجوسلافيا- رومانيا).

(ج) مرحلة الانتفاضة والتحدي 1931- 1939:

في مستهل هذه المرحلة عم الكساد الاقتصادي دول أوربا وأمريكا واضطرت انجلترا إلى الخروج عن قاعدة الذهب (21 سبتمبر 1931) وأعلنت أمريكا التوقف عن الدفع (موراتوريوم) لمدة سنة وانتهزت اليابان الفرصة فراحت تحتل جنوب منشوريا.

ولم يمض على وصول أدولف هتلر إلى الحكم في ألمانيا أكثر من ثمانية أشهر حتى أعلن في أكتوبر 1933 انسحاب ألمانيا من مؤتمر نزع السلاح ثم من عصبة الأمم أيضا.

وف 7 يناير 1935 عقدت فرنسا مع إيطاليا اتفاقا لتسوية الخلافات بينهما خصوصا فيما يتعلق بمناطق النفوذ في القارة الأفريقية.

وفي تلك السنة أخذت ألمانيا النازية تتحلل علنا من القيود التي كبلها بها المنتصرون في معاهدة فرساي ففي مارس 1935 أعلنت عن إنشاء سلاح الجو الألماني كما أخذت تستعد لزيادة عدد جيشها بفرض التجنيد الإجباري وشرعت في بناء قوتها البحرية ولم تلبث بريطانيا أن اضطرت إلى أن تعقد معها معاهدة تعطيا الحق في بناء قوتها البحرية ولم تلبث بريطانيا أن اضطرت إلى أن تعقد معها معاهدة تعطيها الحق في بناء الغواصات وفي زيادة قدرة الأسطول الألماني ليصل إلى ثلث قوة الأسطول البريطاني.

وفي أواخر عام 1935 افتتح كلية أركان الحرب الألمانية من جديد فاكتمل بعث العسكرية الألمانية وفي أغسطس 1936 رفعت مدة الخدمة العسكرية في ألمانيا إلى سنتين حتى يتمكن هتلر الذي أصبح القائد الأعلى للجيش من زيادة عدده.

وفي فترة السنتين التاليتين، استولت ألمانيا على النمسا في أغسطس 1938 واستولى هتلر على منطقة الراين المنزوعة السلاح بمقتضى المعاهدة وحصنها وبذلك أقام على حدوده الغربية ما عرف بالجدار الغربي (خط سيجفريد) وعمل على زيادة قوة ألمانيا الحربية، وبدأ مشروعا للسنوات الخمس لتقوية الاقتصاد الألماني وتنظيمه وإعداده لمرحلة الاكتفاء الذاتي في حالة قيام الحرب يضاف إلى ذلك أن إيطاليا قامت بغزو الحبشة في أكتوبر 1935 وتصدت بريطانيا لقيادة عصبة الأمم ضد العدوان الإيطالي مما أدى في النهاية إلى فرض العقوبات الاقتصادية على إيطاليأن ولم تحل تلك العقوبات المتراخية دون نجاح إيطالية لكن تلك العقوبات والدور الذي قامت به بريطانيا نجحا على أية حال في دفع إيطاليا إلى انتهاج سياسة جديدة قامت على مقاطعة العصبة والانسحاب منها نهائيا عام 1937 واتسمت بالجفاء تجاه بريطانيا والانحياز إلى جانب ألمانيا وتكوين المحور عام 1936

وهكذا شهدت فترة 19351936 صحوة العسكرية الألمانية وعملها على التحلل من قيود معاهدة فرساي وبداية بناء قوة ألمانيا العسكرية والاقتصاد في اتجاه الحرب، وإقامة الجدار الغربي بينها وبين أعداء الأمس وقيام المحور ليضم ألمانيا وإيطاليا في مواجهة كل من بريطانيا وفرنسا أو جبهة الدكتاتوريات في مواجهة جبهة الديمقراطيات لذلك فإن تلك الفترة تعتبر بداية لمرحلة جديدة تنطوي على مقدمات الحرب العالمية الثانية.

وفي الفترة بين سنتي 1936و 1938 عملت كل من ألمانيا وإيطاليا على زيادة قواتها العسكرية والاستعداد للحرب رغبة في تحقيق سياسة المجال الحيوي لكل منهما وكان ذلك واضحا للديمقراطيين الغربيين فكانت بريطانيا على سبيل المثال تدرك في عام 1936 أن ألمانيا تنفق ألف مليون جنيه استرليني على أمور الحرب سنويا وكان تدرك في العام التالي أطماع ألمانيا في جعل شرق أوروبا مجالا حيويا لها ومع ذلك تراخت الدولتان ولم تتبعا في التسلح سياسة تكفل لها تفوقا يحول دون قيام الدولتين الدكتاتوريتين بمغامرات عسكرية اتضح منذ 1936 استعدادهما للقيام بها ويرجع هذا التراخي إلى أسباب داخلة كما يرجع إلى سيطرة فكرة نزع السلاح في أوائل الثلاثينات لذلك فحين بدأ هتلر يتحرك في عام 1938 كان عدوانه مدعما بالقوة وحين بدأت الدولتان تدركان التحول الذي تم في ميزان القوة كان الوقت قد فات وكان عليهما أن تتبعا سياسة التهدئة والتنازلات بهدف كسب فسحة من الوقت للاستعداد للصراع المحتوم...

ذلك أن تحلل هتلر من أحكام معاهدة فرساي الخاصة بتسلح ألمانيا وبمنطقة الراين لم يكن منطقيا ليكون هدفا في حد ذاته، بل كان وسيلة لتحدي الدول المنتصرة التي فرضت تلك المعاهدة بنقض أحكامها وإعادة رسم خريطة أوروبا من جديد بما يحقق مصالح ألمانيا وأطماعها...

كان استيلاء ألمانيا على النمسا في 12 مارس 1938 وضمها نقضا لمعاهدة فرساي لكن سياسة التهدئة جعلت بريطانيا وفرنسا تغضا الطرف عن ذلك حين أجرى هتلر بعد الاحتلال استفتاء وافق فيه النمساويون على الانضمام إلى ألمانيا.

وتشيكو سلوفاكيا دولة جديدة أقامتها معاهدة فرساي وارتبطت مع كل من فرنسا والاتحاد السوفيتي بمعاهدة تحالف ومع ذلك فحين قامت في سبتمبر سنة 1938 أزمة الألمان الذين يكونون أغلبية في أرضي السوديت في تشكو سلوفاكيأن وانعقد في 29 سبتمبر مؤتمر ميونيخ لإيجاد حل سلمي لهذه الأزمة تحت التهديد الألماني سادت سياسية التهدئة وتقرر أن تضم إلى ألمانيا منطقة السوديت بأغلبيتها الألمانية وأن تجري استفتاء على الانضمام إلى ألمانيا في مناطق أخرى وهكذا بدأ تقطيع أوصال تشيكوسلوفاكيا.

لكن عندما انتهز هتلر فرصة مشاكل تعدد الجنسيات التي ثارت فيما بقي من تشيكوسلوفاكيا وأجهز عليها بوضعها تحت حماية الرايخ الألماني في 15 مارس 1939 كان الأمر يختلف لقد كان يمكن تبرير التساهل مع الألمان فيما يختص بالنمسا وإقليم السوديت بحجة احترام رغبات القوميات وحق تقرير المصير لكن ضم بوهيميا ومورافيا كان عدوانا وتطبيقا لسياسة المجال الحيوي لا يخفف منه عذر أو شبهة عذر.

لذلك فإن بريطانيا وهي التي قادت سياسة التساهل تجاه ألمانيا بدأت سياسة التشدد إزاءها بعد ضم بوهيميا ومورافيا وقد يكون من العوامل الأخرى التي ساعدت على ذلك أن سياسة التسلح التي بدأتها بريطانيا عام 1936 أيام وزارة بولدوين قد أوصلتها في مارس 1939 إلى قدر من القوة تطمئن إليه، خاصة في سلاح الطيران الذي كانت قد أخذت تتضح أهميته الكبرى في الحروب إذ كانت بريطانيا قد بدأت عملية استبدال طائراته القديمة بطائرات أخرى أحدث منذ عام 1938 فتحسن الوضع في هذا السلاح عام 1939.

يضاف إلى ذلك أنه في مارس وأبريل 1939 تأكد بما لا يدع مجالا للشك تصميم دولتي المحور على العدوان والتوسع تأكد ذلك بالنسبة لألمانيا بضم بوهيميا وموارفيأن وتأكد بالنسبة لإيطاليا في فشل سياسة نيفل تشمبرلين رئيس وزراء بريطانيا في العمل على استرضاء إيطاليا والتفريق بينها وبين ألمانيا تمثلت تلك السياسة في اتفاقية روما بين إيطاليا وبريطانيا التي عقدت في 16 أبريل 1938 تلك الاتفاقية التي سوت الخلافات بين البلدين في الشرق الأوسط على أساس اعتراف بريطانيا بضم إيطاليا للحبشة في مقابل تعهد إيطاليا بعدم إنشاء تحصينات جديدة في ليبيا وسحب قواتها على مراحل من أسبانيا.

ثم قام تشمبرلين بزيارة لروما في أوائل 1939 ومع ذلك ففي آخر 1938 جدد موسوليني حملاته على فرنسا وأثار خلافات إيطاليا القديمة معها بشأن تونس وكورسيكا المعقودة مع فرنسا عام 1935 والتي تناولت موضوعات وسط أوروبا والمستعمرات الأفريقية ثم لم يلبث موسوليني أن قام بعدوانه على ألبانيا في 7 أبريل 1939 وقد أخل ذلك بالتوازن في البحر المتوسط الذي حاولت بريطانيا أن توفره باتفاقية روما 1938.

لذلك فبعد أن كانت سياسة بريطانيا اجتذاب إيطاليا إلى نطاق الصداقة معها ومع فرنسا أصبح هدفها مجرد إبقاء إيطاليا على الحياد في حالة قيام الصراع مع ألمانيأن وذلك بالإبقاء على اتفاقية روما.

تشجع هتلر بنجاحه في ضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا فتتابعت مطالبه من لتوانيا طلب ميناء (ممل) وحصل عليه، ثم تقدم في 26 مارس 1939 إلى بولندا بطلباته فيما يختص بميناء (دانزج) والممر البولندي وحين رفضتها ألغي في 28 أبريل ميثاق عدم الاعتداء الذي عقد معها عام 1934 كما ألغي الاتفاقية البحرية التي عقدت مع بريطانيا عام 1935 وبذلك أصبح في حل في زيادة أسطوله كما يشاء وفي 22 مايو عقد حلفا عسكريا مع إيطاليا عرف بميثاق الفولاذ( ) ثم عقد في 23 أغسطس ميثاق عدم الاعتداء مع الاتحاد السوفيتي وقد قصد بذلك الميثاق من جهة تحقيق أطماعه في بولندا ودويلات البلطيق دون معارضة من الاتحاد السوفيتي ومن جهة أخرى تأمين حدوده الشرقية حتى يتفرغ لجبهته الغربية

وتبعا لسياسة التشدد الجديدة مع ألمانيأن لم تتوان بريطانيا عن الرد على السياسة الألمانية ففي آخر مارس 1939 أعطت بولندا ضمانا بتقديم المساعدة لها ضد أي عدوان خارجي دون تحفظ وشاركتها فرنسا في هذا الضمان ثم أعلنت التجنيد الإجباري في 26 أبريل وحين علمت بالميثاق الألماني السوفيتي قررت تعبئة الأسطول وعقدت مع بولندا حلفا يؤكد تعهداتها السابقة لها على أن تشمل ضماناتها دانزج والممر البولندي.

كان طبيعيا أيضا وقد أخذت حدة الصراع تتصاعد بتشدد بريطانيا أن يصبح البلقان ميدانا للتسابق بين المعسكرين فانحازت بلغاريا والمجر إلى جانب المحور بينما دخلت تركيا في تحالف مع كل من بريطانيا وفرنسا وقد مالت يوغوسلافيا إلى صداقة إيطاليا أما رومانيا فمع ميلها إلى استرضاء المحور كانت تحاول أيضا إرضاء بريطانيا.

تلك كانت الأوضاع حين أشعلت ألمانيا النازية نيران الحرب العالمية الثانية بهجومها على بولندا في أول سبتمبر عام 1939 وردت كل من بريطانيا وفرنسا على ذلك بإعلان الحرب على ألمانيا في الثالث من سبتمبر.

وفيما يتعلق بمصر موضوع دراستنا ينبغي أن ندرك أنه خلال تلك السنوات العشرين بين 1919 و 1939 كانت محاولة تحديد وضع مصر وعلاقاتها ببريطانيا هي المحور الرئيسي في معركة الشعب المصري وقياداته التي ابتدأت بثورة 1919 وما تمخض عنها من تسليم انجلترا ببعض التنازلات لمصر فيما عرف بتصريح 28 فبراير 1922.

ولقد فشلت جميع المفاوضات التي جرت بين الساسة المصريين وبين انجلترا بعد صدور هذا التصريح ابتداء من مفاوضات سعد زغلول ورامزي ماكدونالد في أكتوبر 1924 ثم مفاوضات ثروت تشمبرلين 1927 ومحمد محمود هندرسون 1929 والنحاس- هندرسون 1930 ثم أخيرا محادثات صدقي وجون سيمون في صيف 1932 والتي يتضح منها جميعا استمرار المحاولات من جانب الساسة المصريين لوضع حد للتدخل البريطاني في شؤون مصر الداخلية استنادا إلى ما احتفظت بريطانيا لنفسها من حقوق بموجب هذا التصريح وذلك بتسوية العلاقة بين البلدين شكل معاهدة أو بمعنى آخر محاولة تقنين تلك العلاقات.

الفصل الأول: تسوية العلاقات المصرية البريطانية وأهداف التحالف

الموقف الدولي وتسوية العلاقات المصرية البريطانية:

كان لابد من هذا الاستعراض السريع للتطورات التي سبقت قيام الحرب وأدت إليها فالموقف الدولي وبخاصة في ظروف الحرب – له أثره البالغ في العلاقات المصرية البريطانية وبالتالي في تطور الأحوال في مصر.

لم يكن البريطانيون وحدهم هم الذين أصابهم القلق لما استجد على الموقف الدولي في عامي 1934- 1935 نتيجة سياسة هتلر الجديدة والغزو الإيطالي للحبشة فقد شعر المصريون بالقلق أيضا كانوا يدركون أن مصر بحكم مركزها الجغرافي معرضة إلى أن تساق أو تنساق إلى الاشتراك في قريب أو من بعيد في كل نزاع مسلح بين دول أوروبا( ) وهذا ما حدث فعلا في الحرب العالمية الأولى يزيد من خطورة الوضع الأزمة الإيطالية الحبشية وأطماع إيطاليا المعروفة في المناطق المجاورة لمستعمراتها القائمة في ليبيا والصومال وإرتريا.

وكان المصريون لا يريدون أن يعانوا في حرب قادمة كما عانوا في الحرب العالمية الأولى نتيجة عدم حسم موضع العلاقات المصرية البريطانية وزاد من تعقيد الوضع أن مصر كانت تحكم بعد انهيار نظام إسماعيل صدقي دون دستور من أواخر 1934 وطول عام 1935.

وكان علاج هذا الموضع في رأي زعماء مصر العودة إلى طريق المفاوضات الذي أوصلهم مع بريطانيا إلى مشروع 1930 في مفاوضات النحاس هندرسون وذلك بالاتفاق على نقاط الخلاف التي عاقت توقيع ذلك المشروع وكان هدفهم من ذلك كما قالوا كجبة وطنية في المذكرة التي تقدموا بها إلى السفير البريطاني في 12 ديسمبر 1935لاستئناف المفاوضات تسوية العلاقات المصرية البريطانية بإجابة أماني مصر الوطنية واستقرار الأوضاع في مصر لتزول العقبات من طريق تقدمها ورقيها وتنسيق التعاون بين مصر وبريطانيا على أساس من التحالف في الأزمات الدولية وبخاصة في ظروف الأزمة الإيطالية الحبشية القائمة( ) وكذلك في ظروف ضعف مصر العسكري الواضح حينئذ من جهة أخرى أما على الجانب البريطاني فمع أهمية مصر وقناة السويس للإمبراطورية البريطانية، ومع تطور الوضع الأوربي نحو الأزمة في عامي 1934- 1935 والأزمة الإيطالية الحبشية وما صحبها من استعدادات إيطالية عسكرية في ليبيا وشرق أفريقية مما هدد مصر والملاحة في قناة السويس أصبح من اللازمة الإعداد لما قد تحمله السنوات القادمة من مخاطر، وذلك بالعمل على أن يسود الهدوء والاستقرار في مصر وكسب صداقة المصريين وتعاونهم فصداقة مصر كما كتب محرر الشئون الخارجية لجريدة التايمز حينئذ (أعظم نفعا للقيادة البريطانية من أورط عديدة في حالة حدوث حرب في البحر المتوسط.

كان ذلك يعني وضع حد للتأثير المتبادل بين الأوضاع الداخلية في مصر والعلاقات المصرية البريطانية ذلك التأثير الذي تحدث عنه المندوب السامي في مصر سير برس لورين في خطابه السري رقم 1128 بتاريخ 29 ديسمبر 1932 إلى وزير الخارجية البريطانية سير جون سيمون واصفا إياه بأنه حلقة مفرغة لا معاهدة إذن لا استقرار داخلي ولا استقرار داخلي إذن معاهدة) ويكون كسر هذه الحلقة المفرغة.. بالعمل على إقامة حكم مستقر وتوقيع معاهدة توافق عليها مختلف القوى السياسية القائمة فيها.

علاقات الحليفين وأهدافها من التحالف:

هكذا كانت الأخطار الكامنة في الموقف الدولي هي العامل الأساسي في دفع الطرفين إلى الاتفاق ولهذا كانت للبنود العسكرية أهميتها في المعاهدة وقد رفض الجانب البريطاني التقيد بالبنود العسكرية في مشروع 1930 محتجا بالتطورات الدولية التي حدثت بعد ذلك التاريخ فطلب في بداية المفاوضات أن تبقى القوات البريطانية في القطر المصري كما هي دون تحديد لمكان أو لوقت باعتبارها قوات حليفة واحتج بحالة الطرق في مصر مما يعوق تنقلاتها لو حدد مكانها بل أنه طالب أيضا بوجود تلك القوات في منطقة القناة بصفة دائمة حتى بعد اكتمال بناء واستعداد الجيش المصري على أن يحدد عددها حينئذ وذلك لمساعدة الجيش في الدفاع عن القناة أي أن يكون لبريطانيا حق دائم في مشاركة الجيش المصري في الدفاع عن القناة لكن الجانب البريطاني وافق في النهاية على تحديد عدد القوات البريطانية بعشرة آلاف جندي في وقت السلم وهو عدد يزيد عن العدد الذي تم الاتفاق عليه في مشروع 1930 (8 آلاف) وأن تنقل تلك القوات إلى منطقة تقع غربي قناة السويس أكبر مساحة من تلك التي تم تحديدها في ذلك المشروع وفي مقابل هذا تعهدت الحكومة المصرية بأن تبني على نفقتها مع مساهمة مالية بسيطة من الحكومة البريطانية ثكنات للقوات البريطانية في منطقة القناة، وأن تمد طرقا تصلح للأغراض العسكرية معظمها بين تلك المنطقة وبين كل من الدلتا والإسكندرية والحدود الغربية وأن تقوم بتحسين وسائل المواصلات بالسكة الحديدية مع تلك الجهات وعلق الجانب البريطاني نقل قواته إلى منطقة القناة على إكمال تلك المشروعات على أن تنسحب تلك القوات من مصر حين يصبح الجيش المصري قادرا وحده على الدفاع عن القناة..

وقد نصت المعاهدة أيضا على قيام تحالف بين الطرفين فيسرع أي من الطرفين إلى نجدة حليفة في حالة اشتباكه في حرب مع طرف ثالث، على أن تنحصر مساعدة مصر لبريطانيا في حالة الحرب أو خطر الحرب أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها في أن تقدم إلى حليفتها داخل الأراضي المصرية، ومع مراعاة النظام المصري للإدارة والتشريع جميع التسهيلات والمساعدة التي في وسعها بما في ذلك استخدام موانيها ومطاراتها وطرق مواصلاتها.

بهذا النص الأخير تحددت التزامات الطرفين المتحالفين في حالة اشتباك بريطانيا في حرب تقدم لها مصر كل ما يمكنها من مساعدات وتسهيلات داخل أراضيها فقط أما في حالة اشتباك مصر في حرب مع طرف ثالث وهذا في حالتها لن يكون إلا إذا هوجمت فتنجدها بريطانيا بقواتها وتقوم مصر بواجب الدفاع عن نفسها ولذلك نصت المعاهدة أيضا على أن تساعدها بريطانيا على بناء قواتها العسكرية عن طريق بعثة عسكرية بريطانية لتدريب الجيش المصري، وأن تساعد في إمداد مصر بالأسلحة والمهمات اللازمة التي يشترط ألا تختلف عن تلك التي تستعملها القوات البريطانية كما تقبل للتدريب في بريطانيا من ترسلهم في مصر لهذا الغرض من أفراد قواتها المسلحة وألا يرسل هؤلاء الأفراد إلى بلاد أخرى لأغراض التدريب وتلك نقاط بطبيعة الحال لها أهميتها نظرا لاحتمال قيام تعاون بين قوات البلدين في عمل مشترك نتيجة التحالف لكنها يمكن أيضا أن تكون ضوابط تسيطر بها على نمو وكفاءة الجيش المصري.

هذا يسوقنا إلى أن نتساءل عن الأهداف الحقيقية التي كان يبتغيها كل من الطرفين من التحالف والتزاماته في المعاهدة ومن النصوص العسكرية حينئذ.

لا شك أن الأخطار الكامنة في الموقف الدولي، والتهديد الإيطالي في شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر الذي بدا محيطا بمصر والسودان من كل جانب قد جعل بريطانيا تتجه إلى اتخاذ مصر قاعدة عسكرية لها في الشرق الأدنى.

هذا واضح من إصرار الجانب البريطاني في بداية المفاوضات على عدم تحديد مكان أو عدد للقوات البريطانية في مصر، وعدم تحديد مدة زمنية لوجودها وأن يكون لتلك القوات حق أبدى في الدفاع عن مصر والقناة والإسكندرية والصحراء الغربية وأن تكون لهم قاعدة بحرية في مصر ولم يتزحزحوا عن تلك المطالب إلا بعد أن سافر السفير البريطاني (رئيس وفد المفاوضات) إلى لندن لإقناع الحكومة البريطانية وللحصول على تعليمات جديدة.

وكان البديل في النهاية هو زيادة عدد القوات البريطانية في وقت السلم وزيادة مساحة القاعدة البريطانية في منطقة القناة عما كان محددا في مشروع 1930 وإنشاء طرق المعاهدة التي تربط تلك القاعدة بنقط الارتكاز التي طلبوها في الإسكندرية والقاهرة والحدود الغربية والوجه القبلي في اتجاه سفاجة والقصير بل أن مركز قيادة الأسطول البريطاني في البحر المتوسط تحول خلال الأزمة الإيطالية الحبشية قبل المعاهدة من مالطة إلى الإسكندرية التي أصبحت بذلك قاعدة ذلك الأسطول حينئذ وطوال سني الحرب .

ويغلب أن بريطانيا لم تكن تعتزم سرعة سحب قواتها إلى منطقة القناة كما تنص المعاهدة وهذا هو اتجاهها الأصيل ذلك أنه كان واضحا أن إطلاق يد مصر في شئونها بعد المعاهدة سيضع على كاهلها أعباء يستدعيها إعادة تنظيم شئونها الداخلية ومن أهم هذه الأعباء إعادة بناء القوات المسلحة المصرية وقد أضافت المعاهدة إلى ذلك بناء ثكنات ومنشأت للقوات البريطانية في منطقة القناة وتنفيذ طرق المواصلات التي نصت عليها سواء أكانت طرقا أو خطوطا للسكك الحديدية وأثناء المفاوضات قدرت تكاليف تلك الثكنات بخمسة ملايين من الجنيهات تدفع مصر ثلاث أرباعها تلك التي كلها أعباء تبهظ ميزانية كانت حينئذ حوالي 35 مليون جنيه لذلك ثار في مصر كثير من النقاش حول ضخامة تكاليف بناء الثكنات وبخاصة بعد أن أتضح أن التكاليف الفعلية ستصل إلى حوالي 12 مليون جنيه، وبعد أن عقد محمد محمود باشا رئيس الوزراء اتفاقا مع بريطانيا في صيف 1938 بتقسيم تلك التكاليف مناصفة بين مصر وبريطانيا كان طبيعيا ومنتظرا لذلك أن يتأجل إنشاء الثكنات ويتأخر تنفيذ برنامج الطرق وأخيرا عندما اقترب خطر الحرب بعد ضم ألمانيا ما تبقى من تشيكو سلوفاكيا في مارس 1939 طلبت الحكومة البريطانية إلى الحكومة المصرية العدول مؤقتا عن إنشاء ثكنات قرب السويس لأن تجمع القوات فيها يجعلها هدفا للغارات الجوية وهكذا احتفظت بريطانيا لقواتها بحرية الحركة في مصر وهذا ما يحتاجه أي جيش في قاعدته العسكرية.

أما الجيش المصري فحقيقة الدور الذي قدرته بريطانيا له حينئذ داخل نطاق التحالف المصري البريطاني غير واضحة تماما لقد ضمنت بعض السيطرة على الجيش المصري عن طريق البعثة العسكرية واحتكار تسليحه وتدريبه كما أنها ضنت عليه بالطائرات والسلاح المناسب حيث طلب منها فسوفت وأرسلت أنواعا قديمة بطل استعمالها ويريد الجيش البريطاني التخلص منها لظهور ما هو أحدث وأفضل يضاف إلى ذلك أن الدفاع بمفردة عن القناة تلك كلها عوامل تجعل الرأي يميل إلى اتهام بريطانيا بعرقلة نمو قدرة مصر العسكرية كمبرر لتأجيل الجلاء.. لكن ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أيضا أن فترة 1937، 1938 هي الفترة التي كانت بريطانيا فيها مشغولة بتجديد تسليح قواتهأن وبخاصة سلاح الطيران حتى تتمكن من مواجهة تهديد ألمانيا بقواتها ذات التسليح المتفوق ومن الطبيعي أن تلقى مصر تسويفا وألا تحصل في تلك الظروف إلا على القديم المستغني عنه من السلاح والطائرات وقد اعتذرت بريطانيا بذلك فعلا عن عدم استجابتها لمطالب الجيش المصري كما كانت الحكومة المصرية تبغي ومع ذلك فيغلب أن الدور الذي قدرته بريطانيا للجيش المصري حينئذ لا يعدو المحافظة على الجبهة الداخلية وهو من وجهة النظر البريطانية الدور الأنسب له على ضوء عدم وجود خطر دولي داهم قبل سبتمبر 1938 ووجود حركة وطنية قوية في مصر واتخاذ مصر قاعدة عسكرية بريطانية وقد كان وضع الجبهة الداخلية مبعث قلق دائم للسلطة البريطانية.

يقابل هذا على الجانب المصري أن حكومة الوفد حينئذ كان جادة في تنفيذ بنود المعاهدة وفي بناء الجيش المصري ففي برقية مايلز لامبسون إلى مستر إيدن رقم 158 بتاريخ 31 ديسمبر 1937 عن مقابلته للنحاس باشا بعد استقالته، يقول أن دولته قد اتهم الوزارة الجديدة بأنها بصبغة إيطالية شديدة وأن دولته قال أنها خيانة للبلاد أن تصبح الآن كل تنظيمات دفاع البريطانيين السرية المعقودة معه والتي تمت بناء على الحاجة الشديد مكشوفة لأمثال وزير الحربية الجديد الذي كان أداة في يد القصر ويصبح كل شيء معروفا لإيطاليا وأن دولته يرى في ذلك خطرا وطنيا حقيقيًا للغاية....

واضح في هذه البرقية أن النحاس باشا هو الذي ألح علي الاتفاق مع بريطانيا على خطط الدفاع عن مصر بينما لم تكن بريطانيا متحمسة لهذا... وهذا يعني أن بريطانيا كانت تفضل أن تستمر الوضع كما كان وأن تبقى عمليا منفردة بشئون الدفاع عن مصر وأن يبقى دور الجيش المصري كما هو أي المحافظة على الجبهة الداخلية بينما أصر النحاس باشا على تنفيذ نصوص المعاهدة بقيام مصر بالدفاع عن أراضيها تعاونها في ذلك بريطانيا.

وكان هذا رأيه عندما عقدت المعاهدة كما سبق أن أشرنا...

كانت حكومة الوفد جادة في بناء الجيش المصري ليصل عدده إلى فرقة واحدة جيدة التسليح (حوالي 20 ألفا) مستعينة في ذلك ببعثة عسكرية قليلة العدد وبخبرة الضباط القدامى بعد أن كان يزيد قليلا عن نصف هذا العدد ويقتصر سلاحه على البنادق، و 26 مدفع هاوتزر كان هذا المشروع المتواضع يناسب اتجاهات بريطانيا وفرضته فيما يختص بالجانب المصري ما هناك من التزامات أخرى خاصة بالمعاهدة وحالة مصر المالية قبل توقيع اتفاق مونترو عام 1937 وإطلاق يدها في فرض الضرائب.

لكن هذا الوضع فيما يختص بالجيش وبالتحالف لم يلبث أن تغير في عام 1938 بسبب الموقف الدولي الذي أخذت خطورته تتزايد حتى بلغت الذروة في أزمة سبتمبر من ذلك العام وبسبب الموقف الداخلي ذلك أن أزمة سبتمبر حسمت خطر الحرب وجعلته في حيز الممكن العاجل أو القريب فقد تأرجح العالم على حافة الحرب لمدة أسبوع من إنذار هتلر في 22 سبتمبر بالتدخل المسلح في تشيكوسلوفاكيا حتى تم الوصول إلى تسوية في مؤتمر ميونيخ في 29 سبتمبر بفضل سياسة التهدئة التي اتبعتها بريطانيا وفرنسا.

في تلك الظروف اتجها الجانب البريطاني إلى الحصول على تعاون أكثر من مصر، واستجاب الجانب المصري إلى ذلك بحذر كما يتضح في رسالة سير مايلز لامبسون إلي.

فيكونت هاليفاكس رقم 1197 في نوفمبر 1938 حيث يقول «كان موقف كل من القصر والحكومة تجاه التعاون الإنجليزي المصري نحو متطلبات الحرب كما نرتجيه ولو أنه في نهاية الأزمة أدى الخوف من التورط في الحرب إلى شيء من التردد بشأن ما تقتضيه المعاهدة من مصر بدخولها الحرب..

ومن نهاية الأزمة فإن موقف الحكومة وكذلك موقف الملك فاروق تجاه بريطانيا العظمى ظل وديا وسليما سواء في المجال الدولي العام أو في التدابير المحلية الخاصة بتعاوننا كحلفاء»

يتضح من تلك الرسالة أن الجانب البريطاني حاول تفسير التزامات مصر كحليف بمقتضى المعاهدة بأنها تقتضيها في حالة قيام الحرب أن تدخلها إلى جانب بريطانيا ضد ألمانيأن وأن الجانب المصري تردد في قبول التفسير وهذا واضح أيضا في تصريح رئيس الوزراء في مجلس النواب أثناء أزمة سبتمبر حيث ركز على موضوع دفاع مصر عن نفسها فقال أنه «إذا دعت الظروف مصر إلى القيام بتعهداتها الدولية فستقوم بهأن ولن يتردد الشعب المصري في إجابة داعي الوطن للدفاع عن سلامته بما عرف عنه من صدق العزم وقوة الإيمان» وعبر عباس محمود العقاد عن رأي السعديين المشاركين في الحكم بطرح وجهة نظر مماثلة وأن كانت أكثر وضوحا حيث قال أن على المصريين أن يستعدوا على اعتبار واحد هو أنهم أصحاب النصيب الأول في حماية بلادهم والدفاع عن حدودها داخل أراضيهم وعلى الحليفة أو الحلفاء بعد ذلك بقيمة المجهود.

وتبع أزمة سبتمبر نقاش على صفحات الجرائد وفي البرلمان في موضوع التزامات مصر بمقتضى المعاهدة أظهر عددا من الاتجاهات المختلفة.

ويرجع ذلك إلى أن معاهدة 1936 وقعت في ظل خطر إيطالي ماثل أيام غزو الحبشة حينئذ كان مفهوم التحالف لدى المصريين مرتبطا بتهديد إيطالي محتمل لكن أزمة سبتمبر 1938 واجهت المصريين بواقع مختلف إذ تراجع الخطر الإيطالي وبرز الخطر الألماني وأصبحت مصر معرضة للتورط في حرب لا ترى لها مصلحة مباشرة فيها وتحمل أعباء لم تخطر للمصريين على بال عام 1936 وكان المصريون قد أخذوا يشعرون بثقل العبء الذي يتحملونه نتيجة التزامات المعاهدة وسوء الحالة المالية وأخذ يتضح لهم استمرار تدخل بريطانيا في شئون مصر رغم المعاهدة وسوء الحالة المالية وأخذ يتضح لهم استمرار تدخل بريطانيا في شئون مصر رغم المعاهدة مما مش العداء التقليدي القديم وفي نفس الوقت بدا لهم نجاح سياسة المحور في ضم ألمانيا للنمسا وأراضي السوديت واستيلاء إيطاليا على الحبشة وتوقيع بريطانيا معاهدة روما معها في أبريل 1938 يضاف إلى ذلك أن المعاهدة قصرت مساعدة مصر لحليفتها على أن تكون داخل الأراضي المصرية ولم تنص صراحة على دخول الحرب إلى جانب بريطانيا.

ترتب على هذا كله أن ظهرت فكرة أن المعاهدة تلزم مصر تقديم المساعدات إلى بريطانيا لكنها لا تلزمها بإعلان الحرب إلى جانبها وبين طرفي هذه الفكرة تناقض ظاهر يؤدي إلى موقف صعب فالدول المشتبكة في حرب بريطانيا لم تقبل هذا الموقف من مصر وستعتبر مساعداتها لبريطانيا عملا عدائيا رغم عدم إعلانها الحرب وقد اختلفت الاتجاهات لمواجهة هذا الموقف والتوفيق بين ذلك وبين التزامات المعاهدة.

بلور صدقي باشا اتجاها منها في خطاب ألقاه في مجلس النواب في 20 ديسمبر 1938 بمناسبة الرد على خطاب العرش، أثار فيه النقاط الأساسية التالية:

1- المعاهدة لا تلزم مصر بدخول حرب لا مصلحة لها فيها إلى جانب بريطانيا لكنها لت تلزمها في حالة اشتباك بريطانيا في حرب وفي حالة خطر قيام حرب أو حالة دولية مفاجئة أن تضع مواردها وتحت تصرف بريطانيا ولهذا خطورته على مصر لأنه الدول التي تشتبك معها بريطانيا في حرب ستعبر مصر دولة محاربة.

2- سرعة تطبيق النص الخاص بالحالة الدولية المفاجئة لا يترك لمصر الوقت الكافي لتبين حقيقة وضعها من النزاع القائم مما يحركها فرصة العمل لدرء الخطر عن نفسها.

3- التزامات المحالفة يجب ألا تتعارض مع أن مسعى سياسي تبذله مصر أو موقف تقفه ويكون مقصودا به استتباب السلام وتأمين حدود البلاد من كل عدوان.

4- حث على التخلي عن بناء الثكنات في منطقة القناة واقترح أن تخلي القوات البريطانية ثكنات قصر النيل والقلعة وتقيم في معسكرات العباسية المدة الباقية من المعاهدة..

بهذا دعا صدقي باشا إلى عدم بناء الثكنات والحد من التزامات مصر بمقتضى المعاهدة وعدم الدخول في حرب لا صالح لمصر فيها بل ودعا إلى عدم التقيد بالتحالف إذا تعارض مع مصالح مصر وهكذا عبر عن اتجاه الحياد في الصراع الدولي ويرى سير مايلز لامبسون حينئذ أن هذا الاتجاه منتشر بين المصريين.

وقد أقر رئيس الوزراء محمد محمود باشا أن حديث صدقي باشا يتضمن كثيرا من الصدق وعبر عن موافقته التامة على ما قاله بشأن الحالة الدولية المفاجئة، لكنه قال أنة ما دامت المعاهدة قد وقعت فيجب على أية حكومة مصرية أن تنفذ التزاماتها بولاء وإخلاص حتى يتم تعديل المعاهدة بالاتفاق مع الحكومة البريطانية وأشار إلى أنه من مصلحة مصر أن تبقى إلى جانب حليفتها في هذه الظروف الحرجة حتى يتم للمصرين تقوية أنفسهم.

تضمن هذا التصريح عدم استبعاد تعديل المعاهدة وحين سئل الوزراء في ذلك قال أنه ليس هناك نية لذلك «الآن» وظهرت في الصحف تصريحات بأنه سيحاول مفاوضة الحكومة البريطانية لتعديل المادة السابعة من المعاهدة خلال الزيارة التي يشاع أنه سيقوم بها للندن لحضور مؤتمر المائدة المستديرة الخاص بفلسطين وحين أثار السفير البريطاني هذا الموضوع معه وعرفه أن الحكومة البريطانية لا توافق على أي تعديل لالتزامات المعاهدة نفي رئيس الوزراء تلك الأخبار بطريقة توحي بأنها صحيحة لذلك يمكن أن نقول أن اتجاه محمد محمود حينئذ كان الوفد بالتزامات المعاهدة دون زيادة والتفكير في التفاوض لتعديل تلك الالتزامات.

وتوالت ردود الفعل لخطاب صدقي باشا فجريدة البلاغ وهي حينئذ موالية للقصر وتناصر الوزارة كتب صاحبها عبد القادر حمزة يقول أن التحالف بين مصر وبريطانيا قائم على أساس أن تعاون بريطانيا حصر في الدفاع عن نفسها وأن تعاون مصر بريطانيا في كل حرب تشترك فيها وأن المفاوضة لتحديد الحالات التي تقدم فيها مصر مساعدتها سينصب على أساس هذا التحالف بينما لا غنى لنا عن هذا التحالف حتى نستكمل وسائل الدفاع عن أنفسنا وهو لا يرى كيف يمكن لمصر أن تجتنب الدخول في حرب تدخل فيها بريطانيا ما دام للأخيرة جيش في مصر.

وقد زاد الدكتور هيكل وكان حينئذ وزيرا للمعارف وجهة النظر تلك إيضاحا فقال أن المعاهدة المصرية البريطانية «تلقى على مصر أن تسارع إلى معاونة حليفتها انجلترا إذا وقعت الحرب ولم يكن أحد في مصر يتردد يومئذ في القول بأن هذه المحالفة تدفعنا إلى إعلان الحرب في صف انجلترا وإذا نحن أعلنا الحرب أصبح حتما أن نحمل أعباءها وأن نتعرض لكل ويلاتها وقد تعرضنا في الحرب العالمية الأولى حرب سنة 1914- 1918- لغارات جوية قليلة لأن الطيران الحربي كان لا يزال في طفولته ولأننا كنا محايدين لم نشترك في الحرب ولم نعلنها ما بالك وقد تقدم الطيران الحربي وأصبح يضارع قوات البرد وقوات البحر ثم ما بالك ومصر معرضة لأن تعلن الحرب طبيعي أن تشغل أنباء الأزمة بال كل مصري»

وهكذا انقسم الأحرار الدستوريون في موضوع التزامات مصر في حالة الحرب.. وحدث انقسام مماثل في حزب السعديين الذي يشاركهم الحكم لقد أشرنا إلى رأي العقاد أما الدكتور أحمد ماهر فكان في صف وفاء مصر بالتزاماتها لبريطانيا.

وقد عارض حزب الإتحاد الشعبي على لسان سكرتيره العام عبد الرحمن البيلي بك اقتراحات صدقي باشا في مجلس النواب مؤكدا ضرورة محافظة مصر على التزاماتها بمقتضى المعاهدة...

أما الوفد فقد هاجمت صحفه خطاب صدقي باشا وفندته واتهمت صدقي باشا بأنه يريد تحقيق هدفين أحدهما هدم المحالفة بتقويض أساسها وركنها الركين وهو المادة السابعة التي وضعت لفائدة الطرفين أما الهدف الثاني فهو «الاتفاق مع الطليان على تأمين الحدود ومساعدتنا في مقابل التخلي عن انجاد اتجلترا ومساعدتها عندما تتأزم إحدى الأزمات طبقا للمادة السابعة وأوضحت ذلك بأن صدقي باشا كان قد كتب إلى النحاس باشا في أغسطس 1937 أثناء وزارة الوفد يلفت نظره إلى أن الفرصة سانحة للمفاوضة في عقد معاهدة عدم اعتداء بين مصر وإيطاليا وأن المحالفة مع بريطانيا لا تحول دون ذلك لأنها أبرمت للدفاع لا للهجوم وقالت أن المادة السابعة من معاهدتها مع بريطانيا وقد نصت المادة الخامسة من تلك المعاهدة على تعهد كل من الطرفية بألا يبرم معاهدات سياسية تتعارض معها ونعت الجريدة على صدقي باشا تراميه على إقدام الدول الدكتاتورية وهكذا يمكن أن نقول أن اتجاها لوفد طبقا لما ظهر في جرائده، كان الوفد بالتزامات المعاهدة بتقديم المساعدات للحليفة داخل مصر.

وهكذا أظهرت المناقشات وجود اتجاه عام هو قيام مصر بالدفاع عن نفسها لو وقع اعتداء على أراضيها مع قبول مساعدة حليفتها وفيما عدا هذا اختلفت الاتجاهات فيما يختص بالتزامات مصر تجاه حليفتها وظهر من ذلك تلاثة اتجاهات اتجاه يرمي إلى التزام الحياد في الصراع الدولي الذي لا يمس مصر مع الحد من التزامات المعاهدة...

واتجاه يرى أن تفي مصر بالتزاماتها بالكامل وأن يشمل ذلك دخولها الحرب إلى جانب بريطانيا واتجاه ثالث يدعو إلى أن تفي مصر بالتزاماتها بمقتضى المعاهدة ولا تزيد على ذلك..

كان الاتجاه الأخير يمثل رأي الكثيرين من المصريين وهو الذي استقر عليه رأي الإخوان المسلمون وأعلنوه عند قيام الحرب وكان في مفهومهم يتضمن تقديم المساعدات دون دخول الحرب وكانوا بالإضافة إلى ذلك يرون السعي إلى تخليص مصر من القيود المفروضة على حريتها واستقلالها ولكن ما جد من تطورات دولية بعد أزمة سبتمبر 1938جعل الاتجاه الثاني يحظى بتأييد أكثر من ذي قبل.

ذلك أن الأخبار أخذت تردد منذ أوائل ديسمبر عن أطماع لإيطاليا في الحصول على ممر عبر السودان يصل ليبيا بالحبشة، ورغبتها في تخفيض الرسوم في قناة السويس وتعديل نظام إرادتها بما يكفل لها نصيبًا من الإشراف على هذا الشريان الحيوي الذي يصلها بمستعمراتها في شرق أفريقيا ونشرت الجرائد أخبار الحشود العسكرية الإيطالية في ليبيا وأشارت إلى أنها بلغت مائة ألف جندي وأخبار طائرتين حربيتين إيطاليتين هبطتا في مكانين مختلفين في الصحراء الغربية وادعى الطيارون هبطوا بطريق الخطأ وفي مارس 1939 أجهزت ألمانيا على باقي تشيكو سلوفاكيا وبدأت مطالبها الجادة في دانزج والممر البولندي وفي 7 أبريل غزت إيطاليا ألبانيا...

وهكذا برز الخطر الإيطالي من جديد إلى جانب الخطر الألماني.. فعاد إلى أذهان المصريين المفهوم القديم للتحالف مع بريطانيا بظهور الحاجة إلى الاعتماد عليها في مواجهة أطماع إيطاليا وكما قال السفير البريطاني تزايد تحقق المصرين من الخطر الذي قد يلحق بدولتهم من تقوية محور برلين روما العدواني وقد أدت الصدمات المتتابعة بسبب مآسي تشيكوسلوفاكيا وألبانيأن وبخاصة الأخيرة إلى إدراك المصريين لما عسى أن يلغه موقفهم من خطورة دون مساعدة كافية من حليفتهم بريطانيا وقد عبر المصريون بكل حرية على المستويين الرسمي وغير الرسمي عن الرغبة في وجود عدد أكبر من القوات البريطانية في مصر إن الخوف من ألمانيا وإيطاليا والاشمئزاز مما صنعته الأخيرة في ألبانيا قد جعل سكان مصر أكثر ميلا إلينا كما زاد المصريين إدراكا بحاجة مصر إلى انجلترا وقد كان لها العامل أثره في تسهيل التعاون العسكري المصري الإنجليزي، وأصبحت الحكومة المصرية أخيرا أكثر استجابة لنا فيما يتعلق بمتطلباتنا العسكرية.

وهكذا تحول بعض المصريين إلى فكرة الوفاء بالتزامات مصر تجاه بريطانيا كاملة، بما في ذلك دخول الحرب إلى جانبها ومن هؤلاء رئيس الوزراء نفسه الذي أعلن في مجلس النواب بمناسبة أزمة مارس 1939 أنه يقبل توحيد قيادة الجيش الإنجليزي والمصري في حالة الحرب وأن تكون القيادة لأقوى الدولتين كما أنه مع الدكتور أحمد ماهر وبعض الوزراء من كلا الحزبين الحاكمين كانوا يميلون إلى قبول الانضمام إلى ميثاق سعد أباد في الأسابيع الأولى من عام 1939 رغم ما يؤدي إليه ذلك من مد تحالف مصر مع انجلترا إلى خارج حدود مصر ودفع القوات المصرية بعيدا مئات الأميال إلى تركيا والعراق وإيران لكن ذلك لا يعني أن هذا الاتجاه قد أصبح هو الغالب، فقد يرجع موقف هؤلاء بالإضافة إلى العوامل التي أشرنا إليها إلى وضعهم الرسمي والصراع القائم حينئذ بين الوزارة والقصر وتطلع الدكتور أحمد ماهر لتولي الوزارة خلفا لمحمد محمود باشا فإذا ابتعدنا عن الأشخاص المسئولين نجد الأمر يختلف نجده كما يقول السفير البريطاني في خطابه إلى وزير الخارجية البريطانية في 13 يوليو 1939 لا يزال هناك شعور كبير في البلاد بأن مصر ينبغي أن يسمح لها بأن تظل بعيدة عن نزاع عالمي لا يهمها بشكل مباشر لكن موقف المسئولين المصرين لا يزال سليما وهذا يدفعنا إلى محاولة تبين موقف الوفد كتنظيم شعبي مفروض أنه أكثر تعبيرا عن اتجاهات الجماهير..

كان الوفد بحكم نشأته ومبادئه كحزب شعبي ضد النازية والفاشية وفي جانب الديمقراطية وكان حريصا وهو في الحكم على تأكيد التزام مصر بالدفاع عن نفسها وتمكينها من ذلك. أما في فترة وجوده خارج الحكم فلم تصدر عن زعيمه أو صحفه تصريحات مباشرة توضح موقفه أو تضيف جديدا إليه فيما عدا هجوم المصري على خطاب صدقي باشا ذلك الهجوم الذي أوضح كما أشرنا- تأييد الوفد للديمقراطيات ولفكرة التزام مصر بمساعدة بريطانيا داخل الأراضي المصرية يقابل.. هذا هجوم الوفد المستمر بعد ذلك على بريطانيا التي اعتبرها مسئولة عن مساندة الحكم غير الديمقراطي القائم وقد وصل هذا الهجوم إلى حد التهديد بعدم التقيد بالمحالفة...

لكن الملاحظ أن هجوم الوفد على بريطانيا كان أقرب إلى الضغط العنيف أو العتاب الشديد منه إلى الجفاء والقطيعة وعدم الالتزام بالمعاهدة...

وهذا واضح مما كتبه المصري بعد أزمة مارس 1939 حيث تقول الصحيفة أن المصريين مرتبطون بمحالفة يجب المحافظة عليها لكن كيف يمكن أن ندخل الحرب إذا كان حلفاؤنا ينقضون العهد نقضا ويستخفون بالمعاهدة بندا بندا أنحارب للدفاع عن الديمقراطية التي يحارب حلفاؤنا من أجلها والديمقراطية في بلادنا شوهت وجني عليها؟ وكان السفير البريطاني يدرك رغم تقديره الكامل لخطورة هجوم الوفد أنه قد لا يكون سوى جزء من اللعبة السياسية يضغط به الوفد للعودة إلى الحكم وكان يأمل ويرجح أن الأحزاب جميعها إذا قامت الحرب ستعود إلى الالتفاف حول بريطانيا تنشد الحماية

أما اتجاه الوفد الحقيقي حينئذ بالإضافة إلى الدفاع عن مصر، فيغلب أنه كان الوقوف إلى جانب بريطانيا وتقديم المساعدات اللازمة لها في مقابل سيادة الديمقراطية في مصر وهذا يعني عودة الوفد إلى الحكم بالإضافة إلى إجابة مطالب تقرب من تلك التي تقدم بها السفير البريطاني في أبريل 1940 وهذا قريب من موقف الإخوان المسلمين عند قيام الحرب، وقد أشرنا إليه، ويختلف عن موقف أحمد حسين الذي رأى حينئذ دخول الحرب فعليا دون أن يضع شروطا لذلك

تناولنا التطورات التي طرأت على الموقف الذي اتخذه كل من الجانبين المصري والبريطاني من مفهوم التحالف والتزاماته منذ أزمة سبتمبر 1938حتى قبيل قيام الحرب وكان من الطبيعي أن يكون لذلك أثره على الموقف من الجيش المصري والدور الذي أريد له فعلى الجانب البريطاني أدى تزايد خطورة الموقف الدولي عام 1938 مع النقص الواضح في القوات البريطانية في شرق البحر المتوسط، في مواجهة الحشود الإيطالية إلى اتجاه الجانب البريطاني إلى زيادة الاعتماد على الجيش المصري وإلقاء عبء أكبر عليه واستمر هذا الاتجاه سياسة للحكومة البريطانية رغم ما استجد من عوامل مشجعة وأخرى مثبطة حتى يونيو 1940 من العوامل المشجعة تصريحات محمد محمود باشا أيام أزمة سبتمبر 1938 بتأكيد قيام مصر بالدفاع عن نفسها ورغم أن خطاب صدقي باشا في ديسمبر 1938 وما بدا حينئذ من اتجاه رئيس الوزراء إلى طلب تعديل التزامات مصر بمقتضى المعاهدة كانت عوامل مثبطة إلا أن موقف الوفد والزعماء الآخرين وتغير موقف رئيس الوزراء بعد ذلك كما أشرنا كانت عوامل مشجعة أزالت ذلك الأثر السيئ..

وقد عبر السفير البريطاني عن هذا الاتجاه في رسالة إلى وزير الخارجية يستعرض فيها الموقف في مصر في شهري مايو ويونيو 1939 إذ يقول: «إن التقدم الذي تم في الاستعداد للحرب بصفة عامة وتدريبات الجيش المصري بصفة خاصة كانت بوجه عام أدعى إلى الرضاء خلال هذه الفترة التي نستعرضها رغم ما كان يعترض البعثة العسكرية البريطانية من عقبات كان يثيرها حسين سري باشا بخصوص بعض النقاط ومما يبعث على الرضا أن نلاحظ على سبيل المثال أن رجال المدفعية المصريين قد أظهروا مقدرة ملحوظة في المدفعية المضادة للطائرات لكن المشكلة الأساسية بالنسبة للجيش المصري لا تزال هي مشكلة الروح المعنوية بمعنى هل تصمد أو لا تصمد القوات المصرية في خط النار يبدو من غير المحتمل الاعتماد على أن الضباط أو الجندي المصري سيواجه إشكال الحرب الحديثة القوية ما لم يضمهم إطار واحد مع القوات البريطانية أو التركية ويقودها ضباط إنجلترا أو أتراك هذا الضعف هو الذي يجعل الموقف في مصر خطيرا زيادة على ما هو عليه إذ ينبغي أن يكون في الاعتبار أن الهجوم الإيطالي الألماني إذا وقع لا يحتمل أن يكون زحفا عسكريا خالصا على نقطة واحدة، بل يغلب أن يقترن الهجوم الرئيس للعدو بمجموعة متباينة من الإجراءات الهجومية الصغيرة من الخارج ومن الداخل بقصد تحويل الانتباه وإضعاف الروح المعنوية بين الأهالي في المؤخرة وبذلك تضعف قوى المقاومة ضد الهجوم الرئيسي.

ولما كانت قواتنا العسكرية الحالية صغيرة نسبيا فسنحتاج إليها كلها تقريبا لمواجهة الهجوم الرئيسي وربما يعجز الجيش المصري عن الاحتفاظ بالجبهة الداخلية لو لم تسانده قوات بريطانية كبيرة وكان الجنرال سير هنري ميتلاند ويلسن قد جاء إلى مصر في 21 يونيو 1939 ليتولى قيادة القوات البريطانية فيها ومعه تعليمات بسرعة اتخاذ الاستعدادات للحرب ويقول ويلسن أن مهمة قواته كانت الدفاع عن الإسكندرية التي أصبحت قاعدة للأسطول في البحر المتوسط بدلا من مالطة والدفاع عن السويس وبور سعيد والصحراء الغربية.

بالإضافة إلى حفظ الأمن داخل مصر كما يقول أنه قد لفت نظره عند وصوله ضآلة القوات التي لديه بالنسبة للمهمة المسندة إليها ويقول أيضا أنه في حالة قيام الحرب كانت بريطانيا تنتظر أن تنضم مصر إليها كحليف وأن تعلن الحرب على دول المحور...

وكانت تتوقع أن تنضم إيطاليا إلى ألمانيا في أي حرب عدوانية وأضاف إلى ذلك أنه طبقا لمعاهدة 1936 كان من المنتظر أن الجيش المصري سيحارب كحليف تحت القيادة البريطانية ويبدي في موضع آخر أسفه لاستقالة محمد محمود في وقت غير مناسب لأن يده هي التي قادت مصر في سبيل الاستعداد لمواجهة الحرب الحديثة

وحين سال محمد محمود لامبسون في أواخر أبريل 1939 عن عدد القوات البريطانية في مصر أخبره أنها في مجموعها تبلغ 13 ألفا وهو ما يقرب من عدد القوات المصرية عند توقيع المعاهدة أما القوات الإيطالية في ليبيا فكانت حوالي 100 ألف كما أشرنا جهودها موزعة بين جبهتي تونس ومصر.

يتبين من تلك الوثائق ومما كتبه ويلسن أن القوات البريطانية في مصر كانت قليلة العدد لا يكفي للدفاع عن مصر بينما كان مطلوبا منها إلى جانب ذلك حفظ الأمن أو المحافظة على الجبهة الداخلية وما كان المتوقع في حالة قيام الحرب أن تدخلها إيطاليا إلى جانب ألمانيأن لذلك رأى الجانب البريطاني أن تقتصر مهمة القوات البريطانية على مواجهة الهجوم الرئيس المتوقع وأن تتسع مهمة الجيش المصري في حفظ الجبهة الداخلي بحيث تتعدى مجرد حفظ الأمن في الداخل وهي المهمة التي رسموها له منذ معاهدة 1936 كما أشرنا إلى مواجهة أي هجوم فرعي يشنه لتحويل الأنظار عن الهجوم الرئيس وأضعاف المقاومة التي تواجهه...

كان هذا يعني في النهاية اشتراك الجيش المصري في الحرب إلى جانب الجيش البريطاني لصد أي هجوم على مصر ومتابعته خارجها لهذا جاء ويلسن إلى مصر وهو ينتظر أن يحارب الجيش المصري كحليف تحت قيادته طبقا لمعاهدة 1936 وهذا ينطبق أيضا على مفهوم بريطانيا للتحالف الذي اتضح في سبتمبر 1938 كما أشرنا: وكان هذا يعني من ناحية التطبيق أن تتخلى بريطانيا عن سياسة التلكؤ والتسويف التي اتبعتها وتبذل جهودا جادة في تسليح الجيش المصري وفي تدريبه..

ولما كان هناك شكوك لدى الجانب البريطاني في قوة الروح المعنوية بالجيش المصري مما يعجزه عن مواجهة وسائل الحرب الحديثة العنيفة فقد اتجه إلى إجراء تدريبات ومناورات مشتركة بين الجيش المصري والقوات البريطانية ووضعه تحت القيادة البريطانية في حالة الحرب لضمان رفع روحه المعنوية وحسن قيادته.

صادف هذا الاتجاه فيما يختص بتسليح الجيش المصري وتدريبه استعداد لدى الجانب المصري حينئذ فالأموال اللازمة لتنفيذ ما تريده مصر من قوة حربية قوية حديثة التسليح أصبحت قريبة المنال بعد توقيع اتفاق مونترو وإطلاق يد مصر في فرض الضرائب المباشرة على الأجانب وبالتالي على المصريين وتقديم مشروعات قوانين جديدة للضرائب إلى البرلمان كضريبة الدخل وضريبة التمغة وضريبة التركات.

وضح التحول نحو السياسة الجديدة في صيف 1938 حين زار محمد محمود بريطانيا للتفاوض في موضوع نصيب كل من مصر وبريطانيا في تكاليف الثكنات إذ تدل كل الشواهد على أن المفاوضات شملت أيضا موضوع الجيش المصري وتسليحه وتدريبه فقد تم الاتفاق بين محمد محمود والحكومة البريطانية على أن تكون للحكومة المصرية حرية استيراد الأسلحة للجيش المصري من غير المصانع الإنجليزية تجنبا للإبطاء فتحررت مصر بذلك من القيد الذي وضعته المعاهدة في يد بريطانيا على تسليح الجيش المصري ومن عقد بتوريد مدافع المورتر اللازمة للجيش المصري لمشغولية المصانع البريطانية لمدة ثلاث سنوات وسافر وزير الحربية حسن باشا صبري إلى أوروبا حيث اتفق مع المصانع الفرنسية على توريد 120 مدفع مورتر وبحث في بريطانيا موضوع إنشاء مصنع للذخيرة وفي نفس الوقت تقدمت البعثة العسكرية البريطانية بمذكرات تتضمن مقترحاتها لتوفير العدد اللازم من الضباط لتوسعات الجيش وذلك بزيادة عدد الضباط الجدد عن طريق توسيع الكلية الحربية وزيادة عدد طلبتها وتخفيض مدة الدراسة بها والإكثار من إرسال البعثات إلى انجلترا بدلا من المشروع القديم الذي كان يقوم على الاستفادة من الضباط القدامى وكانت الحكومة المصرية حينئذ مشغولة بدراسة نظام جديد للتجنيد يستهدف تحسين وسائل التجنيد وتكوين احتياطي وتوفير العدد اللازم للجيش ويقوم على جعل مدة الخدمة العسكرية ثلاث سنوات بدلا من خمس وإلغاء البدل العسكري وكانت بالإضافة إلى ذلك قد تبلور لديها مشروع لتدريب طلبة الجامعة وإعدادهم لمناصب الاحتياطيين وشرعت فعلا في تنفيذه وتلك بداية نظام ضباط الاحتياط كما كانت تدرس مشروعا لإنشاء جيش إقليمي يكون بمثابة الصف الثاني إذا دعت الظروف وتلك بداية مشروع الجيش المرابط لكن مشاكل توفير الضباط والمدربين عاقت تنفيذ المشروع حتى صدر به مرسوم في أول سبتمبر 1939 وقد أوضح عبد الرحمن عزام وزير الأوقاف وقائد الجيش المرابط أن الهدف من إنشائه إعداد أكبر عدد من الشعب لحمل السلاح في الأوقات العصيبة وتكوين، نواة قوة يستطيع الجيش العامل الاعتماد عليها.

والحقيقة أن حكومة محمد محمود كانت حينئذ تقوم بجهود كبيرة لزيادة عدد القوات المسلحة وإعادة تنظيمها على القواعد العسكرية الحديثة وكان موضوع الضباط والجند جانبا من مشروعات للدفاع الوطني على مدى خمس سنوات، طرحت على مجلس الدفاع الأعلى في أكتوبر 1938 ورؤى حينئذ أنها تتجاوز قدرة البلاد المالية ويشير السسفير البريطاني إلى تلك المشروعات في رسالته إلى وزير الخارجية البريطانية في نوفمبر 1938 بقوله أن الحكومة المصرية قد بدأت في وضع الخطط للإسراع في زيادة عدد أفراد الجيش وقوة الطيران بل وفي إنشاء بحرية مصرية ولست أعتقد أن هناك تقديرات سليمة وأن هناك ميزانية قد وضعت للموازنة بين المصروفات المتزايدة وبين هذه المشروعات الطموحة في حدود الموارد الاقتصادية للبلاد

لذلك رؤى إعادة النظر في تلك المشروعات على ضوء قدرة البلاد المالية وعرض المشروع المعدل على مجلس الدفاع الأعلى فأقره وتناولته الصحف في ديسمبر 1938 ويقضي المشروع بزيادة عدد الجيش إلى حوالي 50 ألفا وأن يتكون سلاح الطيران من 280 طائرة حربية و47 طائرة تدريب أما الأسطول فتقرر البدء بنواة من تسع قطع منها باخرة حراسة واحدة وأربع قاذفات طوربيد وأربع من لاقطات الألغام كما تقرر إنشاء مصنعين أحدهما للذخيرة والآخر للأسلحة الصغيرة وتبلغ تكاليف نفقات الدفاع طبقا لهذا المشروع 48 مليون جنيه موزعة على خمس سنوات منها 14 مليون المصروفات العادية قبل تنفيذ المشروع 14 مليون مصروفات زائدة نتيجة لزيادة القوات المسلحة والباقي للزيادات والإنشاءات الجديدة وقد استدعى تنفيذ هذه التوسعات زيادة البعثة العسكرية البريطانية في مايو 1939 من 92 عضوا إلى 119.

أدى ذلك كله في النهاية إلى زيادة عدد الجيش وزيادة تدريبه وتسليحه ففي الأسبوع الأول من أبريل 1939 كتبت النيويورك تايمز تقول أن مصر قد أصبح لديها ثلاثون ألف جندي وفرقة من الدبابات مجهزة أحسن تجهيز ووحدات ميكانيكية وقوة جوية وأن هذه القوات تزيد شهرا بعد شهر وفي آخر أغسطس 1939 كتبت السبكتاتور أن الجيش المصري زاد عدده زيادة كبيرة وأعيد تنظيمه وتجهيزه

وحين وصل الجنرال ويلسن إلى مصر في يونيو 1939 وجد الجيش المصري كما يقول يتضمن فرقة من الدبابات الخفيفة ويملك مدافع مضادة للدبابات ومدافع مضادة للطائرات ووحدات للمدافع الرشاشة وأضاف إلى معدات الجيش المصري تفضل تلك التي سلحت بها القوات البريطانية التي يقودها يضاف إلى ذلك أنه في سبتمبر 1938 تم تعيين ضابط مصري وآخر بريطاني ليعملا كحلقة اتصال بين الجيشين وهكذا بدأ الاتصال الذي أخذ يتوثق ليصل إلى المشاركة في التدريبات والمناورات وخطط الدفاع.

الفصل الثاني: تطور الصراع السياسي الداخلي في مصر

العلاقات الجديدة بين القرى السياسية في مصر بعد المعاهدة:

انطوت بإبرام معاهدة 1936 صفحة من العلاقات المصرية البريطانية وفتحت صفحة جديدة وفي الوقت نفسه انفكت العلاقات القديمة التي كانت قائمة بين القوى السياسية المتصارعة في مصر وتركبت علاقات جديدة وكانت هذه القرى تتكون من:

الإنجليز، القصر، والوفد، أحزاب الأقلية (حزب الإتحاد وحزب الشعب والحزب الوطني) وكانت تحكم هذه القوى قبل المعاهدة أنواع العلاقات الآتية:

1- تتحالف بين دار المندوب السامي والقصر ضد الحكومة الوطنية وبمعنى أدق كان القصر تحت الحماية البريطانية في وجه القوى الوطنية وقد استمر هذا على طول الفترة من 1919- 1936)

2- تحالف بين القصر وأحزاب الأقلية (أو بعضها) ضد الوفد (القصر مع حزب الإتحاد 1935 – القصر مع الأحرار الدستوريين 1928- القصر مع حزبي الشعب والاتحاد والحزب الوطني 1930- 1934)

3- تحال مؤت بين الوفد و[[حزب الأحرار الدستوريين]] ضد القصر (عهد الائتلاف 1926- 1928 المقاومة ضد حكم صدقي باشا 1930- 1934) ثم بين الوفد وأحزاب الأقلية ضد الإنجليز (معاهدة 1936).

وبإبرام عاهدة 1936 انتهت هذه الأنواع من العلاقات لتحل محلها أنواع أخرى على النحو الآتي:

1- خصومة بين السفارة البريطانية والقصر.

2- تحالف بين القصر وأحزاب الأقلية (أو بعضها) ضد الوفد.

3- «تحالف مؤقت» بين الوفد والسفارة البريطانية ضد القصر وأحزاب الأقلية.

وفي الوقت نفسه برزت قوى سياسية جديدة على مسرح العمل السياسي وهي القوى الفاشية الممثلة في جماعة مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين.

وقد يبدو كأن معاهدة 1936 وحدها هي التي أحدثت هذا التأثير في علاقات القوى السياسية في مصر على أن الحقيقة أن هناك عوامل أخرى مساعدة تحالفت مع إبرام المعاهدة في تغيير المجرى الرئيسي للأحداث كما كان يجب أن يكون فالمجرى الرئيسي للأحداث بعد إبرام المعاهدة كان ينحصر في تنفيذ المعاهدة وتنفيذ المعاهدة كان يفرض صورتين من صور العلاقات بين الإنجليز والوفد: الصورة الأولى، صورة التحالف على النحو الذي أرسته المعاهدة والصورة الثانية صورة التناقض الطبيعي بين مصلحة الإنجليز في استدامة السيطرة والنفوذ والمصلحة الوطنية في انتزاع هذه السيطرة وهذا النفوذ أو بمعنى آخر انتزاع الاستقلال الحقيقي وفي المرحلة الأولى في تنفيذ المعاهدة (من إبرام المعاهدة في 26 أغسطس 1936 إلى تولي الملك فاروق حقوقه الدستورية في يوليه 1937) سادت هاتان الصورتان من صور تنفيذ المعاهدة وإن تغلبت صورة التناقض على صورة التحالف: فمن جانب الإنجليز في الوقت الذي كانوا يهيئون أنفسهم لتقبل المستوى الجديد من العلاقات بينهم وبين مصر كانوا من الجانب الآخر يحاولون التمسك بما كان لهم، أو ببعض ما كان لهم من النفوذ والسيطرة قبل إبرام المعاهدة وبالنسبة لحكومة الوفد ففي الوقت الذي كان هذه الحكومة تهيئ نفسها لعلاقة التحالف كانت أيضا تحاول التمتع بما صار حقا لها بحكم المعاهدة من الحرية والاستقلال في ممارسة شئون مصر الداخلية الخارجية ومن الطبيعي أن تؤدي صورة التحالف في العلاقات المصرية الإنجليزية إلى إرضاء الإنجليز لأن هذا التحالف لصالحهم بالدرجة الأولى، ولكن من الطبيعي أيضا أن تؤدي صورة التناقض التي ذكرناها إلى إغضابهم. وترسم المراسلات بين السفير البريطاني وبين وزير الخارجية البريطاني هاتين الصورتين في وضوح شديد:

ففيما يختص بصورة التناقض توضحها رسالتا السير مايلز لامبسون إلى المستر إيدن في 6 نوفمبر 1936 و 16 فبراير 1937 وفي الرسالة الأولى نرى محاولة السفير البريطاني الاحتفاظ في يده بخطوط السلطة في إطار الظروف التي فرضتها المعاهدة، وفي الرسالة الثانية نرى محاولة حكومة الوفد التمتع بحريتها واستقلالها الذي هيأته المعاهدة كما نرى تأثير هذه المحاولة من جانب الحكومة الوفدية في سخط السفير البريطاني عليها ورميها بأشنع التهم.

تصور السفير البريطاني للعلاقة بين مصر وإنجلترا بعد المعاهدة.

وتمضي الرسالة الأولى على النحو الآتي: فيروي السير مايلز لامسبون أن مناقشة قد دارت بينه وبين مجلس الوصاية في صباح ذلك اليوم حول المستقبل بعد أن يبدأ تنفيذ المعاهدة ويذكر أنه رأى من المفيد أن يعطيهم فكرة عامة عن مفهومه الشخصي الخالص عما سوف يكون عليه طبيعة العلاقات بين الحكومة المصرية والسفارة البريطانية فقال لهم:

«لقد جرى كلام كثير هنا في القاهةر عن أن نفوذنا في مصر سيقل من الآن فصاعدا وهذا مجرد لغو باطل لأنه لا يمكن أن يحدث حتى لو أردناه وهو ما لا نريده، بل إنه على العكس من ذلك يجب في اعتقادي أن يزداد، وإن كان من الصحيح أنه سيكون من نوع مختلف حيث لم يعد هناك الآن موجودا عنصر الإملاء وإنما توجد النصيحة الودية التي ترمي إلى المساعدة فلقد حاولنا في السنوات الأخيرة أن نجعل رغباتنا ووجهات نظرنا معلومة بكل لباقة وأن نتحاشى بكل حرص، وعلى قدر الإمكان الالتجاء إلى التحفظات الأربعة ولكن كان هناك على الدوام مختفيا عنصر الإملاء وهو مالم يكن مناص منه مع وجود التحفظات الأربعة والآن فإن هذه التحفظات على وشك أن تصفي بإبرام المعاهدة، وسيتغير مركزنا ولكن دورنا كحماة لمصر لن يتغير بل إنه في الحقيقة قد ازداد قوة وأصبح شرعيا بالمعاهدة وقد كنت متفائلا بدرجة كافية لأن أمل أن أهمية دورنا كنصحاء ومرشدين وأصدقاء لمصر سوف تنمو عاما بعد عام تبعا لتطور الأمور فبعد أن زال الآن عنصر الإملاء الذي كان كامنا سوف نكون في وضع الشقيق الأكبر مع الشقيق الأصغر أو وضع الشريكين في بيت تجاري ولو أنه بحكم طبيعة الأشياء فإن نفوذنا يجب أن يكون أكبر في الشئون الدولية علاوة على ذلك فإن من الواضح أننا لا يمكن أن نتخلى عن الاهتمام برفاهية مصر واستقرارها حتى لو أردنا ذلك فبوصفنا حلفاء فإن اهتمامنا بهذه الرفاهية وذلك الاستقرار أصبح أكبر مما كان.

ثم قال لامبسون إنه كان لهذا السبب كما لعلكم تذكرون أنني تعمدت أن أضمن تصريحاتي التي كنت ألقيها في الوفد المصري في ختام كل دور ناجح من أدوار المفاوضات تحذيرا لبقا ولكن محددا بأن بريطانيا العظمى تتوقع أن تكون مصر حليفة مخلصة وأن تخلص في تنفيذ بنود المعاهدة كما سوف نكون نحن كما قال ذلك أيضا وزير الخارجية البريطانية في خطابه الرسمي عند توقيع المعاهدة في لندن وعلى ذلك فن الحكومة الحاضرة (قلت ذلك عمدا نظرا أن الأمير الوصي دأب على أن يعيد لي حديثه عن مساوئ الوفد وعدم استحقاقه للثقة) قد تلقت تحذيرا كافيا لكي تبذل أقصى ما تستطيع من جهد وإنني لا أكاد أصدق أنها سوف تعرض للخطر وبجودها في الحكم بإساءة العلاقات بينها وبين حكومة صاحب الجلالة وبالاختصار فإنه على الرغم من أن اسم دار الإقامة سوف يصبح في المستقل (دار السفارة) وعلى الرغم من أن الصوت لم يعد صوت المندوب السامي وإنما هو صوت السفير البريطاني إلا أنني من ناحية المبدأ آمل أن يستمع إلى هذا الصوت عن رغبة بنفس القدر الذي كان يستمع إليه في الماضي إن لم يكن أكثر لأنه سوف يكون أولا صوت الصديق للصديق أكثر منه صوت السيد للمسود ولأنه ثانيا سوف يستهدف المصالح الحقيقية للبلدين ولأني ثالثا لا أستطيع أن أتصور حكومة مصرية تتبع على الدوام سياسة عدم الاكتراث بنصيحتنا وتفقد ثقتنا ثم يمكنها أن تأمل في البقاء طويلا في الحكم.

واختتم لابمسون خطابه لوزير الخارجية قائلا: «ولقد استمع الأوصياء الثلاثة لهذا الكلام بأعظم جانب من الانتباه وإنني أعتقد أنه لم يكن من غير المستحسن أن أتحدث إليهم بهذا الكلام في أول حديث لي معهم، إذ يوجد جو عام يمكن للمرء أن يطلق عليه الانهزامية في الدوائر البريطانية والأجنبية يجب وضع حد له، لأننا إذا لعبنا دورنا بمهارة فإني آمل أن الأحداث سوف تثبت أن هذا الاعتقاد كان في غير موضعه

الحكومة الوفدية تحاول ممارسة الاستقلال

هذا هو فيما يختص بموقف الإنجليز غداة إبرام المعاهدة أما فيما يختص بموقف حكومة الوفد فتوضحه الرسالة التالية من السير مايلز لامبسون للمستر إدين وتتضمن كما يقول لامبسون عرضا موجزا للموقف السياسي في مصر بعد أن تحررت مصر من الرقابة البريطانية التي كانت تمارسها حتى الآن دار المندوب السامي والعناصر البريطانية في الإدارة وقوات الأم العام وفي هذه الرسالة نرى محاولة الحكومة المصرية ممارسة حريتها واستقلالها ثم نرى رد الفعل لذلك ممثلا في حلمة لامبسون على هذه الحكومة ورميها بالنقائص ولكن لامبسون لا يمضي في رسالته حسب هذا الترتيب أي الفعل ورد الفعل وإنما يبدأ برد الفعل (الحملة على حكومة الوفد) ليضفي على كلامه مسحة الموضوعية وينتقل بعد ذلك إلى الفعل وسوف نستعرض الرسالة بترتيبها المنطقي.

ففيما يختص بالفعل يستعرض لامبسون سياسة الحكومة الوفدية الخارجية، وبصفة خاصة مما يتعلق بموقفها من انجلترا بالذات ومن دار السفارة البريطانية في مصر فيقول إن هذا الموقف (ليس مرضيا وقد أشرت سابقا إلى كتمان الوفد محادثاته مع حكومة العراق بخصوص إبرام معاهدة تحالف أنظر رسالتي رقم 148 في أول فبراير) على الرغم من أن أي حليف ملزم أدبيا بمناقشتنا في احتمالات دخوله في التزامات مع دولة أجنبية والحكومة المصرية بوجه عام لا تستشيرنا وفي الحق فإنه على حد تصوري لا يوجد إلا استعداد قليل من جانب هذه الحكومة لاستشارتنا بخصوص المسائل ذات لانفع المتبادل وهو استعداد أٌل مما ننتظره من أي حكومة أجنبية يربطنا بها رباط الصداقة والمنفعة.

«وقد أخبرتكم في تقاريري السابقة بالمتاعب التي تلاقيها البعثة العسكرية البريطانية من جراء شكوك المصريين والصعوبات التي يضعونها في طريقها ومن الواضع أن الحكومة المصرية الحالية يستحوذ عليها شعور الاستقلال وترى الابتعاد عن أي مظهر من مظاهر الخضوع لسيطرتنا.

ولكن على أي حال لست ميالا لأن أخذ هذه المظاهر المبكرة مأخذا خطيرا ومن الممكن مقارنة مصر بجواد أودع طويلا في إسطبله ثم أطلق سراحه فجأة فحين يعود صبي الإسطبل للظهور أمامه ومعه طعامه (التبن) فإن ذلك يثيره ويدفعه إلى العدو بعيدا ولن يعود الجواد إلا إذا عضه الجوع فبعد محاولة أو اثنتين للاقتراب من تردد من الصبي ينتهي الأمر بتناول الطعام من يده مرة أخرى.

هكذا يصور السير مايلز لامبسون موقف الحكومة الوفدية بعد المعاهدة ولما كان هذا الموقف لا يرضي السياسة البريطانية بطبيعة الحال فإن هذا ينعكس في الفقرات التي يتناول فيها السفير البريطاني سياسة الحكومة الوفدية الداخلية ويتبدى غضبه عليها في ترديده التهم التي كان يطلقها عليها خصومها في المعارضة والفقرات تجري على النحو التالي:

«لا يزال الوفد يحتفظ في البرلمان بزمام الموقف دون منازع ولا زالت أحزاب المعارضة من الأحرار الدستوريين والشعبيين والاتحاديين عديمة النشاط والتأثير، على الرغم من المحاولات المتكررة لإنعاشها.

ولا تزال الهيئة الوفدية البرلمانية على طاعتها العمياء بالرغم من الهجوم الضاري الذي شنه أحد النواب الوفديين على وزارة المعارف أسباب شخصية متهما إياها بمحاباة الأقارب واستغلال سلطة الوظيفة..

ولا شك في أن النحاس باشا يفقد حاليا شيئا من شعبيته فزوجته الشابة على الرغم من كونها شخصية ريفية محببة إلا أنها تجهل أصول الحياة الوزارية هذه الزوجة جعلته يبدون موضع سخرية بسبب نزواتها واستجابته لهذه النزوات ومنذ زواجه اعتاد الحضور متأخرا إلى مكتبه بدرجة لا تجعله يؤدي أي عمل جاد كما أن تأخيره في الحضور إلى الدعوات كان سببا في مضايقة منتظريه ولقد اعتادت حرم النحاس باشا أن تتصل مباشرة بالوزارات بقصد التأثير في التعيينات وفي الترقيات الخاصة بذوي قرباها وكان من الممكن أن يمر هذا الضعف الإداري دون أن يثير انتباه الجمهور أثناء فترات حكم الوفد القصيرة في الماضي أما في الوقت الحاضر وخلال هذه الفترة الطويلة من حكم الوفد فكان لابد لهذا الضعف أن يظهر جليا.

والخطأ الكبير الذي ارتكبه حزب الوفد، وكان سببا في إضعاف مركزه لدى المصريين هو ضربه لهم في أكبر نقاط الضعف لديهم، وهي جيوبهم ولقد شرحت في تقريري رقم 60، 71 في 12، 15 يناير على التوالي الطرق المتعددة التي استخدمت في جمع الاكتتابات للدفاع الوطني فقد أرغم بالفعل جميع الموظفين على أن يكتتبوا بمرتب شهر يخصم منهم مقسطا على مدى عامين وحتى أفراد الشرطة والجيش الذين لا يتقاضون إلا مرتبات زهيدة قد استنزفوا بهذه الصورة وأكثر من ذلك فإن المديرين المتحمسين بتشجيع الحكومة يرغمون ملاك الأراضي على الاكتتاب، كما أرغموا عليه أيضا العمال الزراعيين الذين تعد أجورهم المتناهية في الصغر سبة في جبين الطبقة المالكية الثرية في مصر وقد أبلغ وصفي بك محافظ الصحراء الجنوبية السكرتير الشرقي منذ بضعة أيام أنه أجبر على أن يفرض الاكتتاب بمرتب شهر حتى على أفقر رجال بوليس الصحراء الذين لا يزيد مرتب الواحد منهم على جنيهين شهريا وكان وصفي بك إلى ذلك الحين قادرا على أن يتجنب فرض هذه الضريبة على الموظفين الرسميين وقال إنه يفضل الاستقالة على أن يضطر إلى إرغامهم على ذلك لأنه عاش طويلا بينهم ويعلم حق العلم مقدار ما يعانونه من شظف العيش.

«وتجمع كل التقارير الواردة من شتى المصادر على أن فرض هذه الاكتتابات قد أثارت شعورا عاما بالحقد من جانب الموظفين نحو الوفد وكان لابد لهذا الشعور بالحقد أن يسري بنفس القوة بين جميع العناصر الزراعية تلك العناصر التي عانت نفس المعاناة مضافا إليه الإحساس بالمرارة نتيجة عدم الاطمئنان للحكم بسبب الانحلال ومحاباة الأقارب وعجز حكومة الوفد عمومًا.

«وقد أخبرني الأمير الوصي أن النحاس اضطره إلى الموافقة على منح 850 من الرتب والنياشين لأعوان الوفد وكان لابد لهذه الإنعامات التي جرت على نطاق واسع أن تزعزع الثقة بالحكومة تزيد من تذمر كثير من الأشخاص.

«وكان أكبر خطأ ارتكبه النحاس هو أنه لم يبذل أي جهد لإرضاء الأوصياء والملك وكل ما له تأثير عليه في الوقت الحاضر مثل الملكية وحسن صبري باشا وقد غير الأمير الوصي الذي كان متحيزا للوفد ضد الملك رأيه تماما ولكنه ليس مخدوعا من جهة الملك وقد قال بقتناع تام خلال حديث له مع السكرتير الشرقي إن الملك سيسبب المتاعب للوفد ولنا ومن جهة أخرى فإنه متخوف أكبر من الوفد لأن عدم كفاءته وأعمال دهماء قد تؤدي إلى تطورات ثورية ولقد كان الخلاف بخصوص النياشين التي منحها الوفد في أغسطس الماضي دون تبصر (أنظر برقيتي رقم 88 في 4 سبتمبر 1936) سببا في ازدياد كراهيته للوفد ولم يبذل النحاس أي مجهود لترضيته كذلك كان لابد للملك أن يصبح عدوا للوفد بسبب إهمال الوفد له ووقوعه تحت تأثر أعداء هذا الحزب وحسين صبري الذي ضاق زرعا بالمعاملة المتعجرفة التي سبقت استقالته من محافظة الإسكندرية أنظر رسالتي رقم 1408في 12 ديسمبر الماضي) كان من الممكن استرضاؤه بتعيينه عضوا بمجلس إدارة قناة السويس وقد أخبرني أمين عثمان أن حسن صبري عندما علم بأن هذا التعيين لن يحدث علق قائلا أنه لن ينسى مطلقا هذا التجاهل لرغباته.

ومن المتوقع هنا في هذه اللحظة أن التصادم مع الوفد سيحدث سريعا عند بلوغ الملك سن الرشد في نهاية يوليو القادم ويشاع أن الملك يرغب في تعيين علي ماهر رئيسا للديوان الملكي على الرغم من معارضة الوفد وسواء تولى علي ماهر هذه الوظيفة أولأن فمن المحتمل أن تأتي بأعمال ضد الوفد خلال الخريف القادم.

ويقال أن علي ماهر مقتنع تماما بأن من الممكن إجبار وزارة الوفد على الاستقالة في الخريف القادم وإجراء انتخابات بواسطة حكومة محايدة ظاهريا وضمان الحصول على أغلبية ضد الوفد دون الاستعانة بالوسائل والمناورات الانتخابية المتطرفة ومما هو جدير بالملاحظة أن أمين عثمان أثناء حديث له مع السكرتير الشرقي بعد ذلك بشهر قد أبدى رأيا مماثلا.

إن موقف الجيش والشرطة سيكون بلا شك حاسما في حالة حركة ضد الوفد ولكن المعلومات الحالية تشير إلى أن محاولة الوفد استخدام الجيش والشرطة لن تؤدي في المستقبل القريب إلى تمرد هذبه القوات ضد حكومة يساندها الملك وجلالته في الوقت الحاضر محبوب جدا من الجيش ومع ذلك فإن وضع الجيش الحالي دون رياسة تقوده إذ جرد فجأة من الضباط البريطانيين الذين كانوا يقومون بعمليات التوجيه جعله معرضا للدسائس الحزبية المتنافسة من الوفد والقصر وأصبح من الواضح وجود الخطر إذا لم تتمكن البعثة العسكرية من إقرار الأمور في الوقت المناسب وعندما تتدخل الجيوش في السياسة فإنها تصبح فريسة سهلة للمغامرين العسكريين وتسبب غالبا المصائب للجميع بما في ذلك السياسيين الذين يتآمرون للاستفادة من وراء الجنود.

ونأمل ألا يقع الملك وعناصر المعارضة في خطأ اتخاذ إجراءات متسرعة كما كان يحدث في الماضي لأن ذلك يفيد الوفد ويوحد صفوفه فإذا طرد الوفد من الحكم دون تشويه كاف لسمعته فإنه يستطيع تصحيح أوضاعه وتصوير نفسه كشهيد للحرية وتعود له بذلك شعبيته مرة أخرى ولا يزال هناك حتى بين العناصر المعتدلة الكثير من العطف على الوفد والأسف على تحطيمه لنفسه نتيجة لحماقاته ومن المحتمل أن تكون الناصر المناهضة للنحاس بسبب تطلعها الشديد للسلطة قد غالت في تصويرها لمدى فقدان الوفد لسمعته ومدى استعداد أنصار الوفد السريعة لتقبل استبدال حكومة موالية للقصر بحكومة الوفد ومن المحتمل ألا ينتبهوا إلى احتمال أنهم سيصادفون كثيرا من المصاعب للتغلب على اختلافهم في الطباع والمصالح، والبقاء متحدين حتى الوقت الذي يتمكنون فيه من هزيمة الوفد.

ولا ينبغي أيضا المبالغة في تقدير مظاهر الحفاوة الشعبية بالملك فاروق والتي لسوء الحظ تعطيه ثقة أكثر من اللازم في نفسه فهناك احتمال قائم وهو أن يرتد الشعب المصري إلى شعور الكره المتأصل فيه ضد أسرة محمد علي ويجب أن نسلم بأن الملوك المتعاقبين من هذه الأسرة لم يشجعوا الشعب إلا نادرا على التغلب على تلك الكراهية وليس من العدل أن نصدر أحكاما مسبقة على مستقبل الملك الشاب استنادا إلى نزواته الصبيانية ولو أن كثيرين من الأشخاص ذوي الرأي يصفونه بالجهل والكسل والرعونة وعدم تقدير المسئولية والغرور ولكن إلى جانب ذلك فهو لماح ذكي ذكاء سطحيا ويمتاز بشخصية جذابة وليست هذه الصفات التي تجعل الملك يملك زمام رعيته الاستبدادية التي كان كانت في عهد والده أثناء الفترات المتقطعة لحكم القصر وبما أنه لا ينبغي علينا حينئذ أن تقوم بإقرار النظام وكبح جماح الملكية وإرهابها حتى تقوم من حكم القصر فإن الملك فاروق لن يكون بقادر على الصمود في وجه المعارضة الشعبية بسهولة كما كان يفعل والده من قبل ولذلك فنحن نأمل ألا يهاجم الوفد قبل أن يضعف بدرجة كافية حتى لا يكون خطرا في موقف المعارضة

على هذا النحو يبدو تحامل السير مايلزم لامبسون على حكومة الوفد لممارسة حريتها واستقلالها فهو يردد أقوال خصوم الوفد عن تدهور شعبية النحاس باشا وعن نزوات زوجته التي تجعله يبدو في موضع السخرية. ويهاجم الوزارة لما يزعمه من إجبارها الموظفين وفئات الشعب على الاكتتاب للدفاع الوطني مع أن مشروع الاكتتاب كان هو الحل الذي ارتأته البلاد في ذلك الحين لتقوية الجيش نظرا لصغر حجم ميزانية الدولة في ذلك الحين 35 مليونا من الجنيهات) وعجزها عن مواجهة تكاليف الدفاع ولارتباط تقوية الجيش ومقدرته على الدفاع عن القنال بمفرده بجلاء الجيوش البريطانية حسب الشرط الذي حددته معاهدة 1936كذلك يتبدى تحامل السفير البريطاني فيما أورد من أن طول الفترة التي قضاها الوفد في الحكم بالمقارنة بفترات الحكم السابقة قد أظهرت ضعفه الإداري مع أن هذه الفترة لم تكن قد تجاوزت عشرة أشهر حين كتب السير مايلز لامبسون تقريره حيث تولى الحكم يوم 9 مايو 1936 وقد انقضت هذه الأشهر العشرة في المفاوضات التي انتهت بإبرام المعاهدة في 26 أغسطس وفي التحضير لمؤتمر إلغاء الامتيازات الذي عقد يوم 12 أبريل 1937 فكيف تكفي هذه الأشهر العشرة التي مضت على هذا النحو لإصدار حكم بضعف الوفد الإداري وقد أفصح لامبسون عن شعوره تجاه الوفد حين أبدى خشيته من أن يهاجمه فاروق قبل أن يضعف بدرجة كافية حتى لا يكون قويا في المعارضة وحين أبدى أمله في ألا يسرع الملك وعناصر المعارضة بالهجوم عليه دون تشويه كاف لسمعته.

هكذا تبدو أزمة السياسة البريطانية بعد المعاهدة فالسفير البريطاني يجد نفسه عاجزا عن تطبيق القواعد التي أعلنها أمام الأوصياء يوم 6 نوفمبر 1936 فينضم إلى المعارضة في سوق الاتهامات إلى حكومة الوفد ولكن هذه الأزمة لا تلبث أن تتحول إلى مأزق يواجه السياسة البريطانية حين يأخذ السير لامبسون في طرح فكرة تغيير حكومة الوفد بحكومة من حكومات القصر فيكتشف أنه بذلك يكون كمن يستجير من الرمضاء بالنار على حد قوله وهذا ما تصوره الفقرات الآتية من رسالته:

«مهما كانت المتاعب التي نواجهها بسبب الوطنيين المتطرفين وتأثيرهم على علاقات الوفد بنا فقد يكون تغيير حكومة الوفد بأخرى من حكومات القصر كالمستجير من الرمضاء بالنار فإذا استثنينا واصف غالي باشا وحده فإن زعماء الوفد الحاليين ميالون لتفضيلنا على غيرنا من دول القارة وإني مقتنع على الرغم من تقارير المصادر السرية التي وصلتكم بأن الوفد لا يفكر جديا في التحالف مع إيطاليا وإني أشك في أن النحاس أو أي عضو من قادة الوفد قد تأثر جديا بالنفوذ الألماني الذي ينتشر بهمة في أنحاء القارة على أيدي الحكومة الألمانية وعملائها وذلك على الرغم من زيارة النحاس لبرلين وإعجابه الظاهري بالهتلرية وإن إهمال الوفد الحالي لتشكيل القمصان الزرقاء (أنظر رسالتي رقم 29 في 9 يناير الماضي) لدليل على عدم رغبته في تقوية المنظمات النازية.

«كما أن القصر من الجانب الآخر كان ولا يزال لديه أفضليات لاتينية ومن المؤكد أنه بفضل الثقافة الفرنسية على الأنجلو سكسونية وإن إرتباطاته بإيطاليا وألمانيا لأكثر قوة من ارتباطات الوفد بهما ومن الطبيعي أن ألمانيا وإيطاليا تباشران نفوذا أقوى على نظم القصر بأكثر مما هو الحال على حكومة الوفد وزيادة على ذلك فإن القصر يبدو مستمرا في نزعة الملك فؤاد الإسلامية ولعله يسبب لنا المتاعب أكثر من الوفد في البلاد العربية.

«وباختصار فليس من ناحيتنا وجه للتفضيل بين حكومة وفدية وحكومة من أتباع القصر ولكن إذا حدث شيء من هذا فربما مال الميزان إلى ناحية الوفد على الرغم من تطرفه القومي أكثر من ميله ناحية حكومة يؤديها القصر تعادي البريطانيين بالذات وتخلص للقارة الأوربية بحكم التقاليد والمشاعر .

انشقاق ماهر والنقراشي عن الوفد:

في ذلك الحين كان المسرح السياسي الداخلي في مصر يتهيأ لحركة كبيرة وتغيير كبير في العلاقات بين القوى المتصارعة فيه وقد قدر لهذا التغيير أن يقلب صورة الصراع بين حكومة الوفد والإنجليز الذي شرحته الرسالتان السابقتان للسير مايلز لامبسون إلى صورة أخرى مغايرة هي صورة التحالف فلقد رأينا في الرسالة الأخيرة بعض الإشارات إلى عداء الأمير الوصي والملك فاروق للوفد وتحفز علي ماهر باشا لإجبار حكومة الوفد على الاستقالة في الخريف ولكن ذلك كله لم يكن ليؤثر في مركز حكومة الوفد المتين في البلاد في ذلك الحين لو لا أن الوفد كان يتعرض وقتذاك لانشقاق يعد من أخطر الانشقاقات التي تعرض لها في حياته وذلك بتمرد محمود فهمي النقراشي باشا والدكتور أحمد ماهر على زعامته التي كان يتولاها مصطفى النحاس باشا ويمكن تتبع أسباب هذا التمرد في رسالة السير مايلز لامبسون للمستر إيدن السالفة الذكر يوم 16 فبراير 1937 فهو يقول:

«ويمكن القول أن الصلة بين رئيس الوفد وسكرتيره العام النحاس ومكرم وبين الهيئة الوفدية البرلمانية تكاد تكون منعدمة ويميل هذان الزعيمان إلى مهادنة هذه الهيئة في الأوقات العصيبة ويبد أن النحاس ومكرم، بسبب الانشغال بكثير من الأعمال يهملان الهيئة البرلمانية التي لا يغافل عنها أحمد ماهر والنقراشي كما يفعل الآخران وقد يتمخض هذا الإهمال عن مفاجآت سيئة بالنسبة للنحاس ومكرم.

«أما داخل الوزارة والقيادة الوفدية فلا يزال الخلافات القديمة قائمة وآخذة في الازدياد فالنحاس مستمر في اعتماده على مكرم، ولا يستشير إلا نادرا أحمد ماهر والنقراشي وهما ضالعان في حركة مقاومة النحاس ومكرم إن عداء أحمد ماهر والنقراشي يرجع إلى أسباب عديدة منها المنافسة وكراهية المسلمين لأي صورة من صور السيطرة القبطية وكذلك الاحتقار الشديد لعدم الكفاءة ومحاباة الأقارب التي تضعف في رأيهما من قوة الوفد وهناك دلائل في داخل الوزارة تشير إلى وزراء آخرين يضيقون ذرعا بعيوب حكومة النحاس – مكرم فقلما يتبادل النحاس الرأي مع أحد من أعضاء وزارته عدا مكرم وتوجد كذلك دلائل أخرى تشير إلى سخريتهم من هذه الثقة المتبادلة بين الاثنين.

«وبعيدا عن أحزاب المعارضة فإن هناك عناصر مستقلة ساخطة إذ حرمها النحاس ومكرم من الاشتراك في الغنائم وهي تتطلع إلى الفرص التي تمكنها من التصدي لهما وإن حالة عبد الوهاب لمثل صارخ لهذا النوع من السخط.

هذا وخصوم النحاس ومكرم يزمهم بشكل أساسي نقطة تجمع لا تتوفر في ظروف ما بعد المعاهدة إلا في القصر وعلي ماهر باشا هو حاليا الذي يحرك القصر من أطرافه.

وإن كان محمد محمود على اتصال وثيق بالقصر وقد تم عمل كل شيء من شأنه جعل الملك الشاب شخصية شعبية مثل تأدية الملك لصلاة الجمعة في مساجد الإسكندرية والقاهرة، والمظاهر الملكية الرائعة في الحفلات والمناسبات الرياضية وغيرهأن والدعاية بذات التملق الزائف في الصحافة وأخيرا الزيارة الملكية للوجه القبلي القائمة على أساس البعد عم مراسيم التقاليد لإرضاء جماهير المصريين وبصفة خاصة المغرمين بالاتجاهات المثيرة للإعجاب.

«وهناك اعتقاد عام بأن جناح أحمد ماهر والنقراشي قد ينفصل في النهاية عن النحاس ومكرم ويشكل مع أحزاب المعارضة والمستقلين بمساعدة القصر معارضة قوية لحزب الوفد الرسمي وليس هناك من هذه العناصر المعادية للنحاس من له أية شعبية لدى الجماهير ومن ثم فلأجل التغلب على النحاس لابد لهم من زعامة رمزية تستطيع أن تنافس زعيم الوفد في شعبيته لدى الجماهير والملك الشاب وحده هو الذي يستطيع أن يمثل هذه الشخصية

انقلاب العلاقات بين الوفد والإنجليز:

على هذا النحو يضع لامبسون أصبعه بمهارة تامة، وفي هذا الوقت المبكر، على خمائر الانقلاب السياسي الذي وقع بالفعل في نهاية ذلك العام والذي كان مقدماته ما تزال مختفية عن العيان حتى ذلك الحين وهو في تحليله السابق الذكر يبرز أهم عنصرين نشآ في الموقف السياسي الداخلي بعد المعاهدة وغيرا المجرى الرئيس للأحداث وهما: انقسام الوفد بانسلاخ أحمد ماهر والنقراشي منه والثاني بروز زعامة القصر لأول مرة منذ عهد عباس حلمي.

ولن نتعرض بالتفصيل للخلاف الذي جرى داخل الوفد بين جناح أحمد ماهر والنقراشي وجناح النحاس مكرم كما لن نتعرض أيضا للأساليب التي اتبعها علي ماهر باشا بمهارة لقلب صورة القصر في عين الجماهير وإبراز زعامة فاروق على المسرح السياسي ولكن يهمنا إبراز أثر هذين العنصرين على المجرى الرئيسي للأحداث.

فقد رأينا كيف أن طبيعة الظروف بعد المعاهدة من حيث رغبة الإنجليز في التمسك بما كان لهم من سلطة ونفوذ ورغبة حكومة الوفد في التمتع باستقلالها قد غلبت صورة التناقض على صورة التحالف في العلاقة بين الوفد والإنجليز ولكن تغير الموقف الداخلي على النحو الذي ذكرناه قد أدى فورا إلى حدوث العكس وهو تغليب صورة التحالف على صورة التناقض فقد أندفع الوفد إلى تحسين علاقاته بالإنجليز والتحالف معهم للاستعانة بهم في مواجهة خصومه الداخليين، فأصبح الوفد والإنجليز في جانب والقصر وأحزاب الأقلية في جانب آخر.

وتصور رسالة السير مايلز لامبسون إلى المستر إيدن يوم 28 يوليو 1937 هذا التغيير بوضوح تام كما تصور رضاء الإنجليز عن هذا التغيير فبعد أن كان رسالة السير لامبسون في 16 فبراير تفيض بالسخط على الوفد فإن هذا السخط يزول تمامأن ويحل المدح محل الهجاء وتمضي رسالة السفير البريطاني على النحو الآتي:

1- «أتشرف بأن أعرض فيما يلي تقريرا عن الموقف السياسي في مصر وتطوراته منذ عودة النحاس باشا في 3 يونيو وتتميز نهاية هذه الفترة بشكل واضح بعودة الملك فاروق وعودة القصر كعامل مؤثر في مجريات الأمور.

2- ففي رسالتي رقم 691 بتاريخ 25 مايو توقعت أن يتأثر المستقبل القريب بعاملين أساسيين: أولهما مسلك الملك الشاب عند توليه العرش وهو مسلك لابد أن يؤثر فيه ما كان الملك يتلقاه من نصائح مباشرة أو غير مباشرة من علي ماهر باشا والعامل الثاني هو سلوك النحاس باشا في أعماله بعد عودته من «مونترو» أما العامل الأول فلم يمضى الوقت الكافي ليعبر عن نفسه بعد وأما الثاني فهو ما تعني به هذه الرسالة بصفة خاصة.

3- ا إذا تطلعنا إلى الوراء خلال الشهرين الماضيين فإنه يطيب لنا أن نسجل أن النحاس باشا بصفة عامة قد أظهر من سجايا التعقل والسياسة ما هو أهل للرضا.

4- وهو في اعتقادي يؤمن بإخلاص كبير بفائدة التعاون الكامل بين انجلترا ومصر وقد بدا ذلك واضحا في مؤتمر مونترو واقتناعه بهذا التعاون هو ما حدا به إلى الاعتدال في تصفية المشاكل الكثيرة التي نتجت عن المعاهدة طالما كان الطريق قبل ذلك ممهدا تمهيدا صالحا بواسطة أمين عثمان باشا وطالما لقي المساعدة في التغلب على المشاكل التي تمس الكرامة الوطنية أو تثير له المتاعب في البرلمان.

5- ومن الأمثلة ذات المغزى لهذا الاتجاه الاتفاقات التي تمت بخصوص عودة الجيش المصري إلى السودان ومسألة لقب الملك ومستقبل مصلحة الحدود وأكثر من ذلك فإن الموقف الذي اتخذه (النحاس باشا) تجاه المسألة الفلسطينية كان معقولا وجديرا برجل دولة ومتفقا مع ما ينتظر من رئيس وزراء دولة حليفة ثم إن معارضته للعمل الذي قام به حكمت سليمان كانت فيما أعتقد صادرة عن حزم وصدق (أنظر برقيتي رقم 411 بتاريخ 21يوليو).

6- وينعكس عزمه على التعاون القلي معنا في خصومته الشديدة للنقراشي باشا ورغبته في التخلص منه والنقراشي باشا دون شك يخفي وراء أسلوبه الناعم الخلاب رغبة متحرقة للتخلص من كل موظف إنجليزي في خدمة الحكومة المصرية وموقف هذا قد سبق أن أبلغتكم عنه في رسالتي رقم 769 المؤرخة 16 يونيو وفي برقيتي رقم 426 في 24يوليو.

7- وفيما يختص بالعلاقات بين السفارة والحكومة المصرية فإن الموقف يبعث على الرضا ويبشر بالأمل وإني شخصيا يسرني أن أعبر عن تقديري لموقف النحاس باشا تجاهنا بوجه عام منذ عودته من أوروبا وفوق ذلك فقد أظهر ميلا متزايدا للرجوع إلينا التماسا للنصيحة بمحض اختياره.

8- وكما ذكر في رسالتي رقم 769 في 16 يونية فقد أجريت سلسلة من المحادثات مع بعض زعماء الوفديين وفيها أكدت لهم أن مصاعبهم الحقيقية إنما تبدأ من الآن، وأنه يجب عليهم من أجل مصالحهم ولمصلحة مصر أن يعنوا بموضوع لا يقل أهمية عن أي شأن آخر وهو الإصلاح الإداري في الداخل.

9- ويبدو أن هذه النصيحة قد أثمرت لحد ما وإن كان ذلك بصفة سلبية أكثر مما هو إيجابية فقد كفت الوزارة عن كثير من التصرفات السخيفة وقللت من صورة المحسوبية الصارخة وإن كنت أخشى أن يكون بعضها لا يزال جاريا بصورة خفيفة ومن ثم فإن الوزارة لم تفقد شعبيتها من هذه الناحية كما كان الحال في بداية العام إن افتقار الوفد إلى المقدرة الإدارية لا يمكن أن يعوض في يوم ولا توجد دلائل تشير إلى أنه يحرز تحسنا كبيرا في هذا الخصوص وعلى كل حال فمن العسير توقع ذلك من أي إدارة مصرية تخلصت بدرجة كبيرة من الموظفين الأجانب.

10- وثمة عامل آخر في تحسين مركز الوزارة هو حسن حظها الممثل في ضعف وتفكك أحزاب المعارضة التي تواجهها وكما ذكرت في برقيتي رقم 75 في 6يوليو فإن زعماء المعارضة ومحمد محمود باشا كانوا يحاولون وضع عدة خطط لمهاجمة الحكومة وقيل أنهم يستعدون للانسحاب من البرلمان وفعلا قدم صدقي باشا استقالته من مجلس النواب عقب مناقشة موضوع الدفاع، ولكنه عاد سريعا فاستردها وعلى أي حال فإن خططهم باءت بالفشل لأسباب بعضها يتصل بصلابة مركز الوزارة كما ظهر بالنسبة لمسألة معاهدة مونوترو، وبعضها يتصل بسوء اختيارهم لنقط الهجوم، كما في قضية «ميت عساس» (انظر برقيتي رقمي 76، 77، ي 6 يوليو) وكذلك لم يحرز محمد محمود أي تحسن في مركزه عندما بعث برسالة إلى المفتي في شأن القضية الفلسطينية قبل أن يكن لديه الوقت الكافي لدراسة التقرير عن فلسطين.

11- ومن الواضح لكل إنسان أن التكتيك الذي يتبعه زعماء المعارضة إنما ينبعث من اعتبارات شخصية وقد تحسن مركز النحاس باشا في البرلمان بفضل الأسلوب الذي استطاع به مواجهة هذا الهجوم والقضاء عليه وليس لزعماء المعارضة شعبية حقيقية وهم شخصيا لا يعتد بهم كما أنهم لا يثقون ببعضهم البعض.

12- ومن الخطأ مع ذلك أن نظن أن النحاس باشا بما أظهرن نحونا من مشاعر الود وحسن السياسة وبسيطرته على المعارضة في الوقت الحاضر قد أصبح مركزه آمنا بصورة دائمة فإن بعض القرارات التي اتخذها منذ عودته قد تحوى ببذور متاعب جديدة في المستقبل.

13- ولقد كان تصرفه في مسألة امتحانات الطلبة ضعيفا بدرجة مؤسفة (أنظر رسالتي رقم 867 في 16 يوليو) وكان موضعا للنقد الشديد من بعض مؤيديه وكبذلك كان تردده في معالجة موضع القمصان الزرقاء وغيرها من فوق القمصان الملونة ثم إن تشبثه البالغ بنصوص الدستور بصدد الحفل الديني عند تولي الملك العرش لم يكن ليقر به من الملك فاروق وعندي أن موقف النحاس وإن تمشي مع حرفية القانون إلا أنه لم يتسم بسلامة التقدير وهو بسبيل البحث في تعديل نصوص يمين الجيش بحيث يكون الولاء لكل من الملك والدستور، مما قد يترتب عليه إساءة أخرى للقصر ثم إن مسارعته إلى تمرير القانون الخاص بمجلس الدفاع الأعلى، لم تمر دون أن تلفت النظر في دوائر القصر.

14- وفوق ذلك فمن جهة الإدارة فإن أعضاء البرلمان مازال يسمح لهم بالتدخل في جميع فروع الإدارة المحلية مما سبب الاضطراب وخيبة الأمل بين المديرين ومأموري المراكز كما أن موضوع وكلاء الوزرات البرلمانيين لم يعالج بصفة جدية، ولا تزال الفوضى الناجمة من هذا النظام الضار مستمرة في الوزارات.

15- وفي داخل الوزارة فإن العلاقات ليست طيبة ومن المؤكد أن الوزراء الحاليين لا يمثلون أقوى فريق وقد أخبرني النحاس باشا بصفة سرية أنه يعتزم بعد تولي الملك سلطته الدستورية أن يدخل بعض التغييرات وقد فهمت أنه سوف يقصي النقراشي باشا وصفوت باشا وغالب باشا وعلي فهمي باشا..

16- إن الاهتمام الذي يبديه الرأي العام بالأمور في هذه الفترة التي نستعرضها ليس كبيرا فقد تأثر دون شك بالانتصار الذي تم إحرازه في مونترو، وقد قدر تقديرا حقيقا في ذلك الحين ما قدمه الوفد البريطاني من المساعدة الحاسمة التي أوصلت مصر إلى هذه النتيجة السعيدة وكان موفقة البرلمان المصري على المعاهدة أمرا مفرغا منه ومنذ أن سويت الأمور ف مونترو لم تعد البلاد تهتم بهذا الموضوع زيادة على ذلك فإن الجمهور أخذ ينصرف عن الاشتغال بالسياسة التي جذبت اهتمامه طوال العامين الماضيين، وأصبح قانعا بأن يتولى البرلمان معالجة أمور الدولة، التي أصبحت تجري بطريقة آلية نظرا للأغلبية الوفدية وعدم وجود معارضة حقيقية بيد أن مسائل الدفاع أخذت تشد اهتمام الرأي العام في الفترة الأخيرة بسب ما تنشره الصحف عن وجود أنشطة عسكرية إيطالية في ليبيا فقد اهتز الرأي العام بالخوف هذه المرة والمسألة الأخيرة التي تسبب اهتماما كبيرا هي مستقبل العلاقات بين الملك فاروق والوفد وغير خاف أن النحاس باشا يريد أن يحد، ما أ/كنه ذلك، من امتيازات الملك والجمهور الذي تربطه في الوقت الحاضر بشخص الملك الشاب روابط عاطفية قوية يهتم بهذا الأمر اهتماما بالغا ويتحدث الناس عمن ستكون له الغلبة في الشهور القليلة القادمة ولن يكون النحاس باشا يريد أن يحد ما أمكنه ذلك من امتيازات الملك والجمهور الذي تربطه في الوقت الحاضر بشخص الملك الشاب روابط عاطفية قوية يهتم بهذا الأمر اهتماما بالغا ويتحدث الناس عمن ستكون له الغلبة في الشهور القليلة القادمة ولن يكون النحاس باشا حكيما إذا سار في هذا الدرب شوطا أبعد مما ينبغي فمن عادة الشرق أن يفضل الأشخاص على المبادئ.

17- هذا في رأي هو الموقف عند تولي الملك الشاب سلطته الدستورية وإن عودة القصر ليكون عاملا في السياسة المصرية سوف لا يلبث أن تترتب عليها تطورات هامة جدا إن عاجلا أو آجلا ولكن أي كلام يكتب في هذه التطورات لن يكون إلا رجما بالغيب فالكثير يتوقف على اختيار الملك فاروق لمستشاريه، وعلينا أن نأمل في هذه الحالة في حكمة جلالته، وفي أن النحاس باشا من جانبه لن يعترض لدوافع شخصية أو غيرها على تعين إحدى الشخصيات القيادية القادرة للعمل بالقصر ولقد كان سير الأمور خلال الشهرين الماضيين مما يدعو للتفاءل بمعنى أن ما قد ينشأ من صعوبات بين الملك ووزرائه سوف يعالج بدون انفعال وبتغليب الحكمة وقد بذلت من ناحيتي ما استطعت من نفوذ في سبيل إدراك هذا الهدف.

18- على أنني غير مطمئن إلى بعض المخاطر التي تهدد على طول المدى استقرار الأمور في الدولة المصرية وأراني مضطرا قبل اختتام هذه الرسالة إلى التنويه بهذه الأخطار وفي ذلك في الإنصاف للمصريين أن أصرح هنا بأن هذه المخاطر ترجع إلى حد ما إلى فشلنا في معالجة بعض المشاكل المتصلة المتصلة بالإدارة الحكومية حينما كنا نقبض على زمام الأمور في إدارة البلاد..

19- إن نظرة إلى الوراء حيث عهد الحكم البريطاني توضح أن ما قدمناه أشبه بتثبيت قوائم خشبية إلى بناء متزعزع لحمايته من السقوط وليس أساسا جديدا للبناء والآن وقد أزيلت هذه القوائم فقد وضح أن البناء ما زال بعيدا عن الأمان.

20- قد تكون مصر الآن حرة فهي ستنهض إلى مستوى الظروف الجديدة في تجربة مريرة وتنظيم دارها إنها بعد زوال نشوة الاستقلال قد تلجأ إلينا بإخلاص لمعاونتها في هذه المهمة وفي الوقت نفسه فلم أترك فرصة في أحاديثي مع المصريين البارزين إلا وانتهزتها لتوضيح وتأكيد أهمية أن تكون نظرتهم إلى الأمور نظرة بعيدة، وأن يواجهوا اهتمامهم إلى معالجة المشاكل الداخلية.

21- وقد لا يبدو متناقضا في بلاد المتناقضات أن تكون بريطانيا مقبلة الآن على أهم دور بناء في علاقتها بمصر وهذا يتوقف على ما إذا كان الاستقلال ومسئولياته سوف يهب المصريين الخصائص اللازمة لمواجهة المستقبل ويهيئهم للتعاون معنا وفي هذا فإن الكثيرين ممن يعرفون المصريين حق المعرفة متشائمون بيد أني مقتنع بأننا كنا على صواب في أن نعطي مصر الفرصة لإثبات وجودها وإنها لجديرة بكل مساعدتنا لتشق طريقها فإن الكثير من أشق المشاكل التي ستواجهها إنما هو إلى حد ما مما خلفناه وراءنا

السياسة البريطانية بين الوفد والقصر:

وقد جرت الأمور بعد ذلك بسرعة عن طريق الانقلاب السياسي فقد استعبد النحاس باشا عند تأليفه وزارته الثانية يوم 3 أغسطس بعد تولي الملك فاروق سلطته الدستورية كلا من النقراشي باشا ومحمد صفوت باشا وعلي فهمي باشا ومحمود غالب باشا وكان ذلك إيذانا بوقوع أسوأ الانقسامات في تاريخ الوفد فقد جرت محاولة تشويه سمعة الوفد في مشروع توليد الكهرباء من خزان أسوان على يد محمود غالب باشا بتأييد من أحمد ماهر والنقراشي كما خاض النقراش جولته الثانية ضد الزعامة المقدسة للوفد لإسقاط النحاس باشا وكانت هاتان الجولتان ضرورتين للإستيلاء على الوفد وزعامته بحجة الإصلاح والديموقراطية وبيما كانت اللجان الوفدية تنقسم بين محوري (النحاس- مكرم) و (أحمد ماهر- النقراشي) كان القصر بوجه ضربته الكبرى للوفد بتعيين علي ماهر باشا رئيسا للديوان الملكي يوم 20 أكتوبر 1937دون استشارة النحاس باشا فكان هذبا التعيين بمثابة إعلان الحرب رسميا على الوفد وفي الحق فقد انتقل الصراع بين القصر والوفد بعد ذلك من لغة المذكرات والمقالات إلى لغة المظاهرات والمصادمات في الشوارع وكان وجود تنظيمين ينتحلان الشكل الفاشي في ذلك الحين وهما: القمصان الزرقاء التي تتبع زعامة الوفد مباشرة والقمصان الخضراء (برئاسة أحمد حسين) التي تتبع القصر وعلي ماهر مباشرة ما جعل الصراع الداخلي يصطبغ بصبغة العنف

قد مرت السياسة البريطانية إزاء هذا الصراع بين القصر والوفد بثلاث مراح: المرحلة الأولى، وتقوم على مناصرة الوفد مع محاولة الوصول إلى حل وسط بينه وبين الملك، والثانية، وتقوم على دعم الوفد إلى حد طرح فكرة خلع الملك فاروق عن العرش، والثالثة، التخاذل والتخلي عن الوفد.

وتعبر المذكرة التالية للمستر سمارت، السكرتير الشرقي للسفارة البريطانية المؤرخة 27 أكتوبر 1937 عن الموقف السياسي في مصر، عن المرحلة الأولى من مراحل السياسة البريطانية فهو يستعرض فيها السياسات التي ينبغي على حكومته أن تتبع واحد منها بناء على تحليله للموقف الداخلين ولكنه يقيم استعراضه للسياسات المطروحة على أساس تقدير خاطئ منه للقوى المتصارعة فهو يبالغ في تقدير القوى المناهضة للوفد وفي الوقت نفسه يبالغ في التهوين من قوة الوفد إلى الحد الذي يتصور فيه أنه «قد قضى عليه» وهذا التقدير الخاطئ من جانب سمارت منشؤه تأثره بالأحداث الجارية دون التعميق إلى أسبابها وجذورها الرئيسية وتمضي مذكرته على النحو الآتي:

1- «يعتبر إخراج النقراشي من الوزارة وما تبعه من إبعاد أحمد ماهر، نقطة البداية في تدهور مركز حكومة الوفد وتبدد الظروف الملائمة التي كانت لاتزال قائمة بخصوص تنفيذ المعاهدة.

2- كان أحمد ماهر والنقراشي يمثلان في الوفد العناصر المثقفة والقادرة في البلاد وفي السنوات الخمسة الأخيرة كان الوفد يفقد بالتدريج العناصر المثقفة ولكن نظرا لوجود أحمد ماهر والنقراشي بين أعضائه فقد ظل مركز تجمع للمثقفين ولكن تكوين الوفد الآن أصبح بدائيا لدرجة أن المثقفين لم يعودوا ينظرون إليه نظرة جدية.

3- ولقد كانت الفرصة الوحيدة لخلاص الوفد تتمثل ليس فقط في عدم استبعاد النقراشي وأحمد ماهر ومحمود غالب وصفوت ولكن في أن يعيد الوفد إلى حظيرته أمثال عبد الوهاب والهلالي والشمس وغيرهم في العناصر المتعلمة القادرة التي من شأنها أن تضمن للوفد صفة الاستقرار وتكسبه الهيبة والاحترام بيد أن النحاس ومكرم فضلا أن يحيطا شخصيهما بالجهلاء والإمعات ليحكما حكما دكتاتوريا.

4- ولم تلبث النتائج الحتمية أن بدت للعيان فالجامعة التي ظلت خلال العقد الأخير عاملا حاسمًا في الاضطرابات السياسية، أصبحت الآن ضد الوفد، وأخذ شباب الوفد من المثقفين ينصرفون إلى القصر ابتغاء التخلص من دكتاتورية النحاس ومكرم.

5- وقبل الانقسام الذي حدث في الوفد أخيرا فإن كثيرا من الموظفين كانوا ضد الحكومة نظرا لتلاعب الوفديين بالتعيينات والترقيات وغيرها أما رجال الشرطة وقد كانوا دائما ضد الوفد فقد زاد حنقهم عليه بسبب القمصان الزرق ومن غير المحتمل تماما أن يقوم الجيش في وجه الملك الذي تسانده الأغلبية المثقفة في البلاد.

6- ولا تزال تؤيد الوفد جماهير الشعب وجماعة كبيرة من الملاك الزراعيين في البلاد ولكن كل هؤلاء أتباع أما العناصر القيادية أو الخلافة فقد انضمت إلى المعارضة.

7- إن وفد النحاس قد قضى عليه ونهايته السريعة غير المنتظرة هي من سوء حظنا فالوفد أكثر من القصر بساطة وأكثر أمانة وأقل كراهية للبريطانيين وأقل انحياز للعناصر الأوربية هذا القصر الذي يتحرك ليحتل مكانة في هذه الفترة الدقيقة من تنفيذ المعاهدة.

8- هذه هي خليفة الصراع الحقيقي بين الملك والوفد والسؤال المطروح الآن هو: ما الذي يجب أن تكون عليه سياستنا؟

9- إما أن تستمر في مناصرة الوفد بحذر كما هو الحال في الوقت الحاضر ولكن دون أن نذهب إلى حد إرغام الملك على الإذعان وهذا يقتضي مواصلة بذل جهودنا كي نوصل الطرفين إلى حل وسط فإذا فشلنا في ذلك تحول النزاع إلى صدام محقق وإذا نجحنا كانت النتيجة أن تستمر حكومة الوفد في الحكم بدون انتصار ولكن في حالة تسمح لها بالاحتفاظ بماء وجهها لبضعة شهور ثم ترغم بعدها على اعتزال الحكم.

10- وإما أن نزيد من دعمنا للوزارة الحاضرة لدرجة تجبر الملك على قبول مطالب النحاس وهذا قد يثبت موقف النحاس مؤقتا على الأقل ولكنه يسئ إلى موقف الملك وإلى الانتلجنتسيأن وقد يترتب على هزيمة الملك إما أن يقوى الوفد لدرجة تمكنه من وضع العرش تحت رحمته وتهدد بقاء الأسرة المالكة وإما أن تتعزز سلطة الوفد بحيث يستمر في الحكم لمدة عام آخر ولكنها لن تنجيه من انهيار حتمي في المستقبل القريب.

11- وإني أعتقد أن الاحتمال الثاني هو الأقرب، ولكن إذا استبعدنا الاحتمال الأول فإن التقليل من شأن مركز الملك قد يكون سابقة سيئة في نظر الوزارة المقبلة وقد تودي بالعرش.

12- وإما أن نبتعد عن المسرح تماما ونكتفي بالمراقبة، وهذا ما قد يفسره الملك كما فعل أبوه من قبل في سنة 1930 كإشارة لشن هجوم مباشر على الوفد مع ما يترتب على ذلك من حل البرلمان ويصبح الوفد شهيدا على الوفد مع ما يترتب على ذلك م حل البرلمان ويصبح الوفد شهيدا فيستعيد بعض ما فقده من الشعبية كما يترتب على ذلك حتما العودة إلى وزارات قصر مستندة أو غير مستندة إلى برلمانات من طراز برلمان صدقي وذلك بعد صراع عنيف مع الوفد.

13- وأيا كان الطريق الذي تسلكه من هذه الطرق الثلاثة فإننا سنجابه في النهاية بحكومة من حكومات القصر بكل مخاطرها: حكومة من الأقلية وعصابات من المستشارين غير الأكفاء حول الملك ودسائس من القوى الأوربية ومناهضة الثقافة البريطانية كل ذلك في ظل حكم ملك شاب ينبئ بأن سيكون أقل ملوك مصر تقديرا للمسئولية وعندي أنه من غير المحتمل أن يظل الملك كهذا قارا على أن يحتفظ إلى مالا نهاية بمركزه ضد أغلبية رعيته، الذي تقوى صفوفهم باستمرار بمن ينضم إليهم ممن خاب أملهم فيه بعد أن كانوا عونا له في مناهضة الوفد.

14- إن الشبه بين موقف عباس حلمي الشاب ومحمد ماهر باشا (والد علي ماهر) وبين فاروق وعلي ماهر باشا لينبئ بمستقبل ملئ بالشؤم.

15- وجملة القول أن القوتين المؤثرتين في الموقف ف مصر هما: الوفد والملك أما الوفد فقد حطم نفسه، وأما الملك فهو البديل وإن كان بديلا لا يحظى برضاء البريطانيين أو المصريين على السواء ولا يبدو في الأفق حتى الآن حزب وطني آخر بالقوى الكافية لمواجهة القصر، وإن كان احتمال وجوده أمرا غير مستبعد ولو أن نشأته وتطوره مسألة وقت.

16- إن تحسن العلاقات بين مصر وانجلترا قد أخذ يتوارى بالانقسام الذي أثاره النحاس في صفوف الوفد في يوليو الماضي وكما توقعنا في بداية العام فإننا نواجه اليوم أول شرخ في تنفيذ المعاهدة يكمن في حلبة الصراع الحزبي.

17- وعلى ضوء ما تقدم فإني أرى متابعة سياستنا الحاضرة المبينة في الفقرة (أ) فهي سياسة عملية يمكن تنفيذها في الوقت الحاضر وفرصتها في النجاح كبيرة وإن كان قد تؤدي فقط إلى الحيلولة دون ضربة قاضية في الجولة الأولى وهي لا تورطنا في نزاع حاد لا يمكن إصلاحه مع القوى السياسية التي تتحرك لتحل محل الوفد وقد تؤخر الوجود الصعب لحكومة مجبرة على مصادقتنا وهذا التأخير قد يجيء لنا بحكومة جديدة تلقي معارضة جماهيرية أقل في البلاد وهذه النقطة الأخيرة على جانب كبير من الأهمية لنا نحن الذين سوف نعمل مع الحكومة الجديدة من أجل الدفاع عن مصر وتنفيذ المعاهدة

كانت هذه هي مذكرة المستر سمارت عن الموقف السياسي في مصر يوم 27 أكتوبر 1937 ويتضح منها مدى الخطأ التي ذهب إليه في تحليله فقد اعتبر أن الوفد أصبح «بدائيا لدرجة أن المثقفين لم يعودوا ينظرون إليه نظرة جدية» وأنه أصبح «يضم الجهلاء والإمعات» لمجرد خروج النقراشي والدكتور أحمد ماهر منه وهو تقليل من شأن الوفد مبنى على سوء تقدير حجم العناصر المثقفة فيه، فوق أن النحاس ومكرم عبيد لم يكونا ينتميان إلى جناح كبار الملاك وإنما إلى جناح المثقفين كذلك نلاحظ التناقض في مذكرة سمارت فقد ذكر أن شباب الوفد المثقفين أخذوا ينصرفون إلى القصر ابتغاء التخلص من دكتاتورية النحاس ومكرم، ولكنه في نفس المذكرة يعود فيتحدث عن انصراف مؤيد القصر إلى الوفد، حين ذكر أن صفوف معارضي الملك أخذت (تقوي باستمرار بمن ينضم إليهم ممن خاب أملهم فيه بعد أن كانوا عونا له في مناهضة الوفد) ولن نتعرض لخطأ تحليله الذي ذهب فيه إلى أن الوفد قد حطم نفسه وأنه قضى عليه إذ أثبتت الحوادث بعد ذلك خطأ ما ذهب إليه ولكن الخطأ الأكبر في تحليله هو سوء فهمه لانصراف بعض شباب المثقفين وطلبة الجامعة عن الوفد وعزوه ذلك إلى رغبتهم في التخلص من دكتاتورية النحاس ومكرم وفي الواقع أن السبب الأساسي في انصراف هذه العناصر عن الوفد في ذلك الحين، يرجع إلى تزايد أعدادهم عن حجم الوظائف الحكومية التي كانت عاجزة عن استيعابهم وامتناع الشركات الأجنبية عن تعيينهم وما ترتب على ذلك من أزمة بطالة حادة بين المتعلمين أدت إلى حدوث سخط شديد في صفوفهم تمثل في المظاهرات والاضطرابات التي كان يقوم بها الطلبة في ذلك الحين، وكانت حكومة الوفد في موقف لا تحسد عليه ففي الوقت الذي كانت تحاول فيه مقاومة التيارات المعارضة التي تدبرها العناصر الأجنبية في مصر لعرقلة إلغاء الامتيازات وتبذل قصارى جهدها حتى لا يبدر منها ما تشتم منه الدول صاحبة الامتيازات رائحة الخطر على مصالحها التجارية والمالية في مصر كانت من الجانب الآخر تتعرض لضغط شديد من الطلبة والخريجين المتعطلين لاتخاذ التشريعات اللازمة التي تجبر الشركات الأجنبية على توظيفهم ولما كانت الحكومة الوفدية لا تملك إلا المضي إلى هدفها الأكبر وهو إلغاء الامتيازات في ذلك الحين فقد كان من الطبيعي أن تدفع ثمن ذلك خسارة عطف قطاع كبير من جيشها الذي كانت تعتز به وهو الطبلة وسلمته غنيمة سائغة للنقراشي والدكتور أحمد ماهر اللذين استغلا ذلك أحسن الاستغلال

ومن أجل ذلك توهم المستر سمارت أن النقراشي والدكتور أحمد ماهر يمثلان العناصر المثقفة في الوفد، وأنه بخروجهما خرج منه المثقفون.

18- ظهور فكرة خلع فاروق عن العرش

على كل حال فعندما قدم سمارت مذكرته يوم 27 أكتوبر 1937 إلى المستر كيلي كان السير مايلز لامبسون غائبا عن مصر وعندما عاد اتبع نصيحة سمارت فاستمرت السياسة البريطانية على مناصرة الوفد دن أن تذهب إلى حد إرغام فاروق على شيء ولكن تفاقم النزاع بين الوفد وفاروق مع ما ظهر من أن مركز الوفد في البلاد أقوى مما قدر سمات لم يلبث أن انتقل بالتحالف الوفدي الإنجليزي إلى مستوى خطير حين طرحت مسألة خلع الملك فاروق عن العرش على بساط البحث وتمت موافقة المستر إيدن على ذلك بشروط وكانت أول مرة طرحت فيها فكرة خلع فاروق يوم 30 أكتوبر 1937 بعد تدهور جديد في العلاقات بين القصر وحكومة الوفد بسبب مصادرة الحكومة لجريدة البلاغ لسان حال القصر لنشرها نصر حديث دار بين الملك فاروق والنحاس طلب فيه الأول حل القمصان الزرقاء فقد قابل أمين عثمان الذي كان يقوم حينذاك بدور ضابط الاتصال بين الوفد والسفارة البريطانية المستر كيلي وأبلغه أنه تقابل مع النحاس باشا وأن النحاس وهو يفكر بصوت مسموع أعطاه الانطباع بأنه ينوي أن يطلب من سفير صاحب الجلالة التنحي جانبا ويدعه يتعامل مع الملك.

وقال أمين عثمان أنه يبدو أن فكرة إحلال الأمير عبد المنعم محل فاروق قد لعبت بخاطر النحاس باشا وقد أبلغ المستر كيلي نص هذا الحديث للمستر إيدن وقال إنه رد على أمين عثمان بأن (كيلي) يجب أن ينتظر (لحين عودة السير مايلز لامبسون غدا

وفي يوم 23 نوفمبر أثيرت المسألة مرة أخرى فقد كتب السير مايلز لامبسون إلى لامستر إيدن يخبره أنه تقابل مع النحاس باشا في صباح ذلك اليوم وقد أخبره بأن الملك فاروق قد ازداد غطرسة ويملا للإهانة وأصبح غير قابل للإصلاح وأن دولاب العمل في الحكومة أوشك أن يتوقف وأنه قد اعتزم تبعا لذلك أن يستأنف حريته الكاملة في العمل في إطار العلاقات الدستورية بين الملك والحكومة وعلق لامبسون على بذلك قائلا: بودي أن أسلم بأن النحاس كان صبورا كما سبق أن وعد ذلك منذ ثلاثة أسابيع ولكن الأحوال لم تستمر وقد كفاه ما لاقاه من هذا الغلام عديم التجربة ناقص التعليم المتغطرس واستطرد لامبسون قائلا أنه سلم مع النحاس بأن الموقف كما عرضه لا يطاق ولكنه مع ذلك يرى أن يبذل مسعى آخر مع علي ماهر ليتأكد من أن كل جهد في هذا لا شأن قد استنفد وقد رد عليه النحاس سريعا بأن الملك فاروق لا يمكن إصلاحه بالمرة وأنه لم يعد في طوقه الانتظار أكثر من ذلك ولكن لامبسون مع ذلك لم يفقد الأمل حتى تقابل علي ماهر ويبحث معه الموقف

على أن أمل لامبسون في تحسن الموقف قد خاب بعد محاولة اغتيال النحاس باشا يوم 28 نوفمبر 1937 على يد عضو في جمعية مصر الفتاة الفاشية يدعى عز الدين عبد القادر وعندئذ انتقلت فكرة خلع فاروق إلى مستوى جديد ففي مساء اليوم التالي زار أمين عثمان دار السفارة البريطانية وقال للسير مايلز لامبسون إنه (أمين عثمان) يرى لزاما عليه أن يحثنا بقوة على عدم الوقوف جانبا نظرا لأن النحاس باشا يعتقد أن الملك فاروق سوف ينتصر في النهاية إذا وصلت المعركة إلى شوطها الأخير فبعد أن يصدر أمر إقالته سوف يتحاشى دعوة البرلمان إلى الانعقاد أو يزيف الانتخابات وعندئذ فإن الوفد سيطلق لنفسه العنان وسيغرق كل شيء وإدارة البلاد ستصبح مستحيلة وكل تقدم سيتوقف وحتى تنفيذ المعاهدة سوف يسد في وجهه الطريق وكل من في الوفد سوف يعتقد أننا لعبنا بهم وخدعناهم وسيعتقد ذلك كل إنسان أيضا وعندئذ ستثور روح العداوة القديمة لتمرر علاقاتنا إن كل مصري يتوقع تدخلنا وإنه لأمر حيوي لمصلحة مصر وبريطانيا أن نقف بشكل قاطع وراء النحاس باشا وإلا فلن نر أمامنا سوى طريق لا نهاية له من الفوضى والعلاقات المتوترة على أننا يجب أن نجعل تأييدنا للنحاس مشروطا بتخليه عن سياسة الاحتكار فيضم إليه العناصر الصالحة مثل عبد الوهاب (في شركة قناة السويس) وعلي الشمسي (لوزارة الخارجية) وأحمد ماهر (للحربية).

ومضي السير مايلز لامبسون في كتباه لوزير الخارجية البريطانية فلاحظ أن تنفيذ هذه النصيحة يفترض مسبقا أننا سوف نكون مستعدين للتعامل بحزم مع الملك فاروق دون أي اعتبار لما قد يقودنا إليه ذلك لأن الملك قد لا يعير نصيحتنا أي اهتمام، وعندئذ فما العمل وقال إن أمين عثمان قد اعترف بأن ذلك سوف يعني أن نكون مستعدين للمضي بالأمور إلى نهايتها المرة وقد اقترح لامبسون أن يعمل النحاس على توقوية مركزه، حتى يسحب الأرض من تحت أٌدام خصومه عن طريق إدخال أحمد ماهر في وزارته فورا نظرا لأن أي وزارة بديلة تتركز حول اسمه وقد تعهد أمين عثمان بالسعي لتحقيق ذلك على الرغم من عدم استعداد النحاس وأحمد ماهر للموافقة على ذلك ولكن لامبسون أبدى استعداه للمساعدة وقد رأى أمين عمثان أنه ستكون هناك فسحة من الوقت حتى العيد أي حتى يوم 5 أو 6 من ديسمبر ولكنه رجا السير مايلز لامبسون أن يفكر فيما نصحه به لأن القرار هام بدرجة حيوية ويحب اتخاذه بسرعة، وإلا أصبح الوقت متأخرا.

وكان رأي لامبسون في فكرة أمين عثمان، كما عرضه على المستر إيدن، أنه من الصعب لحد كبير التغاضي عن هذه الفكرة لأن أمين عثمان رجل صافي الذهب وعملي، دوافعه ليست محل شك، ولكن هل نحن مستعدون لدفع الثمن المحتمل لمساندة النحاس ضد الملك فاروق؟ وهل نحن على وجه الخصوص مستعدون لأن نمضي بالأمور إلى نهايتها المرة؟ إن ذلك يعني استخدام القوة وحتى قد يعني خلع الملك عن عرشه إن هذه الخطوة الأخيرة قد تكون من جميع الوجوه إنقاذا للموقف وقد توفر حيرة ومتاعب لا نهاية لها على المدى الطويل، لأنه إذا كان الملك قد بدأ حكمه على هذا النحو فما الذي سيصبح عليه فيما بعد عندما يمتلك زمام الأمور؟ فضلا عن ذلك فإن الأمير محمد علي الذي يليه في ولاية العرش صاحب خبرة كبيرة وسيكون أساس قيادا وأكثر تقبلا للإقناع والنصح ولكن هل نحن مستعدون لبحث هذه الخطوة المتطرفة؟ إنني أجد من الصعب النصح بها

على أن الرد جاء من المستر إيدن في اليوم التالي 30 نوفمبر 1937 وفيه يبدي اهتمامه بفكرة توسيع قاعدة تشكيل الحكومة الوفدية كما يبدي استعداده لمساندة النحاس باشا إذا وافق على ذلك ولكن سوف أكون غير راض لحد كبير إذا ذهبت إلى حد قبول فكرة خلع الملك فاروق بأي حال إلا عبد زواجه وبعد أن تقل شعبيته لحد ما وعلى ذلك فعليك فورا ما لم تر اعتراضا أو تكون حوادث الثمانية والأربعين ساعة الأخيرة قد جعلت تعدل عن رأيك أن تتصرف على النحو الآتي:

(أ) أضغط على النحاس باشا ليقبل توسيع وزارته على الأسس المقترحة.

(ب) اطلب مقابلة الملك فاروق وحثه بأشد لغة على التعاون مع الحكومة الحالية على الأسس العريضة وأن يتخلى عن سياسة العناد ووخز الإبر وإني أترك لك استخدام ما تشاء من الأدلة لتبرهن له على أن ما قدمته إليه من تأكيدات بأن حكومة جلالة الملك سوف تسانده إنما هو مشروط بأن يتصرف بشكل دستوري وبحكمة وإني لعلي ثقة بأنك قادر على أن تفعل ذلك دون التعرض في الوقت الحاضر لخصومته الدائسمة وإني أقول بذلك دون تردد لأني أعلم من رسالتك الأخيرة في 17 نومبر للسير أوليفانت أنك تقدر مزايا جلالته الطيبة، ولأني أدرك أن هناك أخطاء من الجانبين وسوف أرحب برأيك فيما يختص بما ينبغي عمله بالتحديد فيما تكون أعمال الملك فهي غير دستورية

إقالة حكومة الوفد:

على أن الدكتور أحمد ماهر لم يلبث أنر فض الدخول في وزارة النحاس باشا عندما طلب إليه المندوب السامي ذلك يوم 16 ديسمبر بحجة أن مكرم عبيد يسيطر على الوزارة لحد كبير وقال إنه يستبعد أن يقبل ذلك الآخرون مثل علي الشمسي وبذلك صرف الإنجليز النظر عن فكرة توسيع وزارة النحاس باشا ولما كانت نتيجة دراسة السفير البريطاني قد أثبتت كما كتب لوزير الخارجية يوم 2 ديسمبر أنه لا توجد مخالفة محددة من جانب فاروق لنص مكتوب أو إعادة دستورية قد أرسيت يمكن إثباتها وإنما روح الاتجاه العام للملك هي التي تخالف الدستور ولما كان الشرطان اللذان تسمك بهما المستر إيدن ليتحققا قبل خلع فاروق وهما زواجه وتدهور شعبيته لم يتحققا إلى ذلك الحين فقد اقتصر تدخل السفارة البريطانية على محاولة التوفيق بين القصر وحكومة الوفد ولكن هذه المحاولة فشلت وعندما حانت اللحظة الحاسمة وعرفت السفارة أن الإقالة على وشك الصدور تخاذلت وعجزت عن اتخاذ أي خطوة توقف بها هذه الإقالة وبذلك طردت حكومة الأغلبية يوم 30 ديسمبر 1937.

والسؤال الآن: كيف أمكن أن يهزم البريطانيون في أول معركة يخوضونها في الشئون الداخلي في مصر بعد معاهدة 1936 وعلى يد أحزاب غير شعبية يقودها القصر؟ وهل يرجع ذلك لأن ظروف ما بعد المعاهدة لم تكن تجيز لهم التدخل أم يرجع إلى وجود مصلحة لهم في تلقي هذه الهزيمة؟

لقد طرح النحاس باشا هذه القضية حينما زاره السير مايلز لامبسون في فراش مرضه في اليوم التالي لإقالته كما تقضي التقاليد وكتب لامبسون يقول:

وكما توقعت فقد حاول أن يلقي باللوم علي لمنعي إياه حينما أراد أن يطرح المسألة أمام البرلمان في أوائل نوفمبر وقال إنها كانت من أول الأمر مؤامرة مدبرة من علي ماهر الذي عجل بتنفيذها بعد محاولة الاعتداء على حياته النحاس حيث كان يعلم بوجود دليل على أنه متورط في العملية وأراد ألا يستكمل التحقيق إلى نهايته.

ولقد وجدت صعوبة كبرى ف إمكان التفوه بكلمة ولكنني تمكنت أخيرا من تصحيح فكرته بالنسبة لموقفنا فلقد كان صحيحا أنني أوصيت بالتزام الصبر على الدوام ولكني فعلت ذلك أيضا مع الملك فاروق على أنني أخيرا حينما تبدد كل أثر للشك يوم الأربعاء الماضي في أن علي ماهر مصمم على الإقالة الفورية لم أكتف بمحادثة علي ماهر تليفونيا محذرا إياه من اتخاذ هذه الخطوة ولكنن أرسلت أيضا إليه النحاس رسالة عاجلة أنصحه فيها (أ) بقبول لجنة التحكيم من ناحية المبدأ (ب) وإذا اعتبر القصر ذلك كرفض وهو ما كان يبدو واضحا فليعتبر النحاس نفسه حرا تماما من ناحيتي في أن يصدر على الفور بيانا عاما على الأمة وأمام البرلمان يطرح فيه قضيته وقد تحدث أمين تليفونيا أولا من غرفتي بمنزل النحاس ولكنه قال حينما لم يجب الجانب الآخر إنه سيقوم بذلك مشافهة في دقائق قليلة وإذا كانت هذه الرسالة لم تبلغ إليه إطلاقا فإن ذلك من سوء الحظ (وقد أعلن النحاس أنها لم تبلغ)

وكان طبيعيا أن يميل النحاس إلى لومي لعدم اتخاذي موقفا حازما مع الملك فاروق وقد أوضحت أن هذا الاعتقاد كان خاطئا تماما ففي غياب استخدام التهديدات المعززة بالقوة لم يكن في وسعنا أن نفعل أكثر من ذلك ورفعته كرجل وطني لم يكن ليستفيد إذا ما استبقيناه بالقوة حتى إذا كان ذلك مستطاعا.

وقد اتهم رفعته الوزارة الجديدة بأنها مصطبغة بصبغة إيطالية شديدة وقال أنها خيانة للبلاد أن تصبح كل تنظيمات دفاعنا السرية المعقودة معه والتي كانت بناء على إلحاح شديد منه، مكشوفة الآن لأمثال وزير الحربية الجديد (حسين رفقي باشا) الذي كان أداة في يد القصر ويصبح كل شيء معروفا لإيطاليا لقد كان ذلك خطرا وطنيا حقيقيا للغاية.

وأخيرا قال أن أحمد ماهر والنقراشي خانا عهد الوفد، ولن يسمح لهما بالعودة إليه بعد ذلك وأنه النحاس وزملاؤه سوف يكافحون إلى النهاية ولو أدى الأمر إلى مصرعهم، وأن مثلهم العليا سوف تنتصر آخر الأمر، ثم قال إنه ينتظر أياما مأساوية، ولكن ذلك لن يثنيه عن عزمه على الجهاد في سبيل الدستور

قواعد التدخل البريطاني في شئون مصر الداخلية بعد المعاهدة.

على كل حال فإن فشك السفارة البريطانية في التدخل في الشئون الداخلية لمصر لمصلحة الوفد وإهمال نصيحتها من جانب القصر قد دفع بوزير الخارجية البريطانية وهو المستر إيدن في ذلك الحين إلى وضع الأسس والقواعد لتنظيم عملية التدخل البريطاني في الشئون الداخلية المصرية وتحديد الحالات التي تستوجب هذا التدخل.

وقد ضمن هذه القواعد والأسس رسالته التي أرسلها إلى السير مايلز لامبسون يوم 10 فبراير 1938 والتي تعتبر على أعظم جانب من الأهمية حتى لنستطيع اعتبارها على الرغم من صفتها السرية بمثابة تصريح من جانب واحد مكمل لمعاهدة 1936 فيما يتصل باستقلال مصر الداخلي وتمضي الرسالة على النحو الآتي:

1- لقد أوليت عناية كبيرة مؤخرا للموقف الذي يجب على حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة اتباعه تجاه السياسة الداخلية المصرية بعد أن أصبحت معاهدة التحالف الآن في موضع التنفيذ وأنه لما يعين فخامتكم أن تكونوا على علم بوجهات نظري في هذا الموضوع.

2- أنه ليبدو محتملا إن لم يكن محتوما أن الأحزاب السياسية المصرية مثل الوفد الأصلي والوفد المنشق يقصد حزب أحمد ماهر والنقراشي والحكومة الحالية سوف تسعى للحصول على تأييد حكومة صاحب الجلالة وللوصول إلى هذا الهدف فسوف تزعم أننا نظهر التحيز لخصومها وسوف تبدي تهديدات مستمرة بأن تنتهج موقفا مواليا للمصالح الإيطالية أو تلجأ إلى الدس بأن خصومها يتآمرون مع العملاء الإيطاليين أو هم على وشك ذلك وعلى ذلك فإنه من المرغوب فيه كقاعدة عامة، أن يكون تدخل حكومة جلالة الملك مقصورا على الحالات التي تتعرض فيها المصالح البريطانية أو هم على وشك ذلك وعلى ذلك فإنه من المرغوب فيه كقاعدة عامة أن يكون تدخل حكومة جلالة الملك مقصورا على الحالات التي تتعرض فيها المصالح البريطانية لخطر حقيقي وأن نتحاشى تقديم النصيحة بقدر الإمكان حتى ولو طلبت مثل هذه النصيحة وإذا قدمت هذه النصيحة ولم يقاس من يتلقاها سوء العاقبة في حالة إهماله لها فإن هيبة حكومة صاحب الجلالة هي التي ستقاسي بما يترتب على ذلك من ضرورة اتخاذ إجراءات شديدة لحمل الحكومة المصرية على العمل طبقا للمطالب التي تقدم لها عند تعرض المصالح البريطانية الهامة مباشرة للخطر.

3- إن الوفد الأصلي تحت زعامة النحاس باشا ربما ينتصر في الانتخابات المقبلة وربما يرفض الملك فاروق مع ذلك أن يقبله رئيسا للوزراء، وتحدث بذلك أزمة دستورية حادة إن حكومة صاحب الجلالة ليس مسئولة بحال من الأحوال عن المحافظة على الدستور واهتمامها باتباع قواعد الدستور في مصر منشؤه ضرورة ألا تقوم في مصر حالة من الاضطراب والفوضى قد تلحق الضرر بمصالحها كحليفة: أما بإضعاف البلاد في وقت غير مناسب بتعريض أرواح وممتلكات البريطانيين والأجانب للخطر وإما بإغراء دولة ثالثة على التدخل لحماية رعاياها وممتلكاتهم.

4- وكقاعدة عامة فإن تدخل حكومة صاحب الجلالة يجب أن يكون مقصورا على مثل الأحوال الآتية:

(أ‌) إغفال تنفيذ نصوص المعاهدة أو روحها.

(ب) السعي من جانب الحكومة المصرية لتأمين نفسها بالتفاوض مع دولة أخرى لعقد معاهدة عدم اعتداء أو نحوها مما يعتبر متعارضا مع نصوص معاهدة التحالف.

(ج) امتناع الحكومة المصرية عن اتخاذ الإجراءات الضرورية لتحسين وسائل الدفاع عن مصر، أو رفضها الوعد بالتعاون المطلوب لهذا الغرض.

(د) تدهور النظام والأمن العام في مصر إلى الحد الذي يؤثر على حياة الأجانب وممتلكاتهم أ, يعرضها للخطر.

(هـ) خطر تدهور الوضع المالي، على نحو يترتب عليه أن يصبح الحكومة المصرية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الدولية وعلى وجه الخصوص تنفيذ النصوص المتعلقة بالنواحي المالية في معاهدة التحالف.

(و) مساندة الحكومة، أو الملك فاروق، للعناصر العربية المعادية لحكومة صاحب الجلالة، أو الدخول في مشروعات غير مرغوبة خاصة بالجامعة العربية أو الجامعة الإسلامية.

5- وأني إذ أسجل هذه الخطوط العامة لسياستنا لا أريد أن أقيد تصرفكم بقواعد جامدة وثابتة فإنكم بوصفكم سفيرا لصاحب الجلالة في مصر تملكون الحرية في إبداء النصيحة في أي وقت إذا نشأت اعتبارات أخرى تبرر التدخل.

6- إن ما سبق ذكره في هذه الرسالة لا يجب أن تقرأه على أنه إشارة إلى أي عدول عن السياسة التي بناء عليها أعتمد عليكم في بذل أقصى جهدكم للحفاظ على الوضع الذي يحتله ممثل صاحب الجلالة في مصر حتى هذا الوقت

على هذا النحو أرسى المستر إيدن الأسس والقواعد التي يتم بموجبها يسترشد بها في القيام بالتدخل في شئون مصر الداخلية ولكن المستر إيدن لم يلبث بعد عشرة أيام فقط من إرسال هذه الرسالة للسير مايلز لامبسون أي في يوم 20 فبراير 1938، أن قدم استقالته من منصبه بسبب الخلاف بينه وبين رئيس الوزراء المستر تشمبرلن على سياسة التقرب من الدول الفاشية وتولى اللورد هالفاكس وزارة الخارجية وقد قام وزير الخارجية بدراسة موقف السياسة البريطانية في مصر من خلال المراسلات المتبادلة بين سلفه والسفير البريطاني وأبدى اهتماما خاصا برسالة المستر إيدن سالفة الذكر ورد مايلز لامبسون عليها يؤكد سياسة سلفه في رسالة تعد مكملة لرسالة المستر إيدن في شأن التدخل البريطاني في شئون مصر الداخلية والتي استمر العمل بها إلى قيام الحرب العالمية الثانية وتمضي رسالة اللورد هاليفاكس وهي بتاريخ 5 مايو 1938 على النحو الآتي:

1- لقد درست بعناية رسالتكم رقم 197 في 24 فبراير ردا على رسالة سلفي رقم 166 في 10 فبراير بخصوص الخطوط العامة للسياسة التي يجب اتباعها من جانب حكومة صاحب الجلالة أو السفير البريطاني للتدخل في الشئون المصرية.

2- وفي بداية الأمر فإن أوافق على أنه إذا طلبت نصيحة ممثل صاحب الجلالة في ظروف يرى هو من المرغوب فيه الاستجابة لهذا الطلب كما يرى أن من المحتمل أن تقبل هذه النصيحة فإن إعطائها يكون له ما يبرره وعلاوة على ذلك فإني أشارككم الرأي بأن الظروف المحلية الدقيقة ورأي ممثل صاحب الجلالة يجب أن يكونا المعيار الذي يرجع إليه عند الحكم.

3- وإني أوافقكم على أن ممثل صاحب الجلالة يجب أن تكون له حرية التصرف في الإعراب عن رأيه (للسلطات المصرية) في مسائل غير التي وردت في الفقرة الرابعة من رسالة المستر إيدن رقم 166، دون أن يتطلب ذلك بالضرورة الحصول على تعليمات مسبقة، حيث أن مثل هذه التعليمات قد تصل بعد فوات الفرصة المناسبة نظرا للسرعة التي يتعرض لها الموقف السياسي في مصر للتغيير.

4- إن التعليمات التي تضمنها رسالة المستر إيدن، كان المقصد منها أن تكون إشارة إلى وجهة نظر حكومة صاحب الجلالة لإرشادكم بصفة عامة ولم يكن المقصود منها أن تحد من حرية تصرفكم أو تقيد رأيكم في حالة ما إذا رأيتم أن الأمور تتطلب إسداء نصيحة عاجلة للحكومة المصرية بشأن حالة لم تتضمنها الفقرة الرابعة في برقية المستر إيدن.

5- ولقد نشأت التعليمات التي تضمنتها رسالة المستر إيدن رقم 155 أساسا من حقيقة أن النصيحة التي قدمتموها للملك فاروق في أثناء الأزمة الدستورية قد لقيت الإعراض وأنكم قد اتهمتم من جانب فريق بأنكم تدخلتم في الشئون الداخلية لمصر دون أن يكون لكم حق في ذلك بعد المعاهدة كما اتهمتم من جانب فريق آخر بالفشل المحسوب في التدخل لصالحه لقد تصرفتم بناء على تعليمات بالتحدث إلى جلالة الملك فاروق وقد كان هناك إحساس بأنه حتى دور إسداء النصيحة بصفة ودية وغير رسمية في هذه المسألة الداخلية وإن كان في مصلحة مصر بالدرجة الأولى، قد عركم لحد ما بوصفكم ممثلا لصاحب الجلالة للصد واللوم لانتهاككم من جانب روح المعاهدة ولعدم تورطكم، من جانب آخر في النزاع فكان المقصود بهذه التعليمات هو تحاشي المواقف المماثلة في المستقبل حتى لا تصاب هيبة سفير صاحب الجلالة بوهن وهي الهيبة التي يعتمد عليها في الاحتفاظ بالوضع الخاص لحكومة صاحب الجلالة في مصر.

6- إن الأحوال الواردة في الفقرة الرابعة من رسالة المستر إيدن والتي تبيح التدخل إنما كان المقصود بها أن توضح المبدأ العام بأن التدخل يجب أن يقوم على اعتبارات المصالح البريطانية ولم يكن المقصود بها لتقييد رأي سفير صاحب الجلالة وهو الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومة البريطانية فيما يتصل بتوقيت تقديم النصيحة بحيث لا يمكن تجاهلها وبالتالي لا يمس نفوذه بأذى نتيجة لذلك وإن حكومة صاحب الجلالة سوف تعتمد بشكل أكثر استعدادا على رأيكم فيما يتصل بإسداء النصيحة للحكومة المصرية، نظرا لأنها تقدم بأعلى درجة الأسلوب الناجح الذي أرسيتم به في الظروف الجديدة وضعا خاصا ودرجة غير عادية من النفوذ لممثل صاحب الجلالة في مصر واحتفظتم به أن مثل هذا الوضع وهذه الدرجة من النفوذ سوف يستمران في الاعتماد بشكل أساسي على شخصية ممثل صاحب الجلالة، وعلى الثقة التي يحس بها رجال السياسة المصريون في أن نصيحته حينما تقدم في مسألة لا تؤثر بشكل مباشر على المصالح البريطانية، إنما هي نصيحة صديق لمصر، وأن رخصته الوحيدة في التقدم بها هي وضعه رفاهية مصر في صميم فؤاده

7- تغير العلاقات بين القوى السياسية في مصر.

وقد جرت الأمور بعد ذلك في هذا المجرى الجديد الذي شقته في حقل الخلافات والتصارعات السياسية الداخلية، وهو حقل خصب لنمو النفوذ الإنجليزي المدعوم بنصوص معاهدة 1936.

فعلى أثر إقالة الوفد أعيدت صياغة العلاقات بين القوى السياسية في مصر على النحو الآتي:

1- عداء بين الوفد والإنجليز بعد التحالف المؤقت الذي جري بينهما أثناء الأزمة الدستورية فقد رأى النحاس أنه من المستحيل على الملك فاروق أن يستطيع وحده، بتأييد من علي ماهر باشا إقالته إذا كان الحكومة البريطانية ترى جديا أن تمنع حدوث ذلك وهو ما عاد فأفضى به لكل من المستر كيلي ولامستر تشابمان أندروز حينما رأى الأول زيارته لوداعه

2- تحالف بين الإنجليز ووزارة محمود باشا في إطار الأسس والقواعد التي أرساها المستر إيدن للتدخل في الشئون الداخلية المصرية ولم يكن يهم السفارة البريطانية سوى اعتبارات المصالح البريطانية وتنفيذ المعاهدة.

3- تصارع بين [[حزب الأحرار الدستوريين]] والقصر من جانب، وبينه وبين الحزب السعدي من جانب آخر وهو تصارع خفي يدور في إطار التحالف ضد الوفد والتصارع الأول منشؤه أن القصر كان يريد أن يملك ويحكم وحده لا شريك له في الحكم بينما كان [[حزب الأحرار الدستوريين]] يريد أن يشارك في الحكم ومن الممتع أن كثيرا من الأمور التي دار حولها التصارع بين حزب الأحرار والقصر وقتها كانت بخصوص مسائل سبق أن وقع التصارع حولها بين حكومة الوفد والقصر وكان الأحرار يؤيدون القصر ضد الوفد في أثنائها فكان على حزب الأحرار أن يدفع ثمن خيانته لمبادئ الدستور ومن أهم المسائل التي دار حولها الخلاف حق رئيس الوزراء الدستوري في اختيار زملائه وقد أدى النزاع حوله بين محمد محمود باشا والقصر إلى انفصال كامل البنداري باشا من [[حزب الأحرار الدستوريين]] بعد أن استبعده محمد محمود باشا من الوزارة عند إعادة تأليفه لها بعد الانتخابات لشبهة اتصاله بعلي ماهر، فمع أن محمد محمود باشا تخاذل في النهاية وقبل البنداري وزيرا في وزارته مرة أخرى، إلا أن علي ماهر باشا اكتفى بتسجيل هذا التخاذل واستصدر أمرا ملكيا بتعين البنداري وكيلا للديوان الملكي.

أما فيما يختص بالصراع الخفي بين حزب الأحرار والدستوريين والحزب السعدي فهو بحكم العداء القديم بين رجال الحزب السعدي وهم أصلا وفديون منشقون حديثا وبين الأحرار الدستوريين وكان الحزب السعدي يريد أن يتقدم على حزب الأحرار الذي كان يعتبر إلى ذلك الحين الحزب الثاني بعد الوفد واستفاد أحمد ماهر باشا من ذلك بنفوذ علي ماهر في القصر.

4- عداء بين الإنجليز والقصر بعد أن أهمل فاروق اتباع النصيحة التي قدمها له السير مايلز لامبسون أثناء الأزمة الدستورية وقد تزايد هذا العداء بعد تزايد نفوذ الطليان في القصر وعلى رأسهم فيروتشي وبعد أن أخذ المد الفاشي في القصر يرتفع على يد كامل البنداري باشا وكان كامل البنداري قد انقلب على رئيسه علي ماهر باشا بسبب الخلافات الأيديولوجية بين الرجلين فبينما كان علي ماهر باشا ينتصر للنظام الليبرالي المنطوي في حقيقته على مضمون أوتوقراطي كان البنداري ينتصر للنظام الفاشي الذي اتخذ في عامي 1939و 1938 أي في المناخ الرجعي الذي ساد بعد طرد الوفد من الحكم، شكل تيار قوي يقف على رأسه أحمد حسين الذي غير اسم مصر الفتاة من (جماعة) إلى (حزب) وزار إيطاليا وألمانيا في يوليه وأغسطس 1938، ومر بلندن حيث أعلن منها أننا سوف نثبت جدارتنا بالسير ببلادتنا في هذا الطريق الذي سلكه من قبل هتلر وموسوليني وكانت نتيجة الصراع داخل القصر بين علي ماهر باشا والبنداري باشا أن حزب مصر الفتاة، الذي كان يلعب إلى ذلك الحين دور كلب الحراسة للقوى الرجعية الإقطاعية والرأسمالية: القصر وأحزاب الأقلية في مواجهة الوفد أخذ يتطلع إلى الحكم فقد أعلن أحمد حسين أنه يتوقع انتقال حزبه إلى السلطة بعد ثلاث سنوات ولما كان علي ماهر باشا يتخذ من هذا الحزب مطية لتحقيق مآربه الشخصية بينما كان كامل البنداري متحمسا لفكرة إحلال النظام الفاشي محل النظام الليبرالي فقد انتقل أحمد حسين بولائه من علي ماهر إلى البنداري وبلغ المد الفاشي داخل القصر ذورته في يناير وفبراير 1939 أنثاء سفر علي ماهر باشا إلى لندن لحضور مؤتمر المائدة المستديرة ففي هذه الفترة التي حكم فيها كامل البنداري باشا دون منازع وقع أشد الصدام بين فاروق والسير مايلز لامبسون حول موكب الموتوسيكلات المصاحب للسفير البريطاني وحول زيارة السفير لأسوان وكاد البنداري أن ينجح في التخلص من علي ماهر باشا لولا أن الأخير سارع إلى الارتماء في أحضان مايلز لامبسون، واستطاع أن يجبر الملك فاروق على التراجع بعد أن خشي حلفا مكونا من علي ماهر والإنجليز والوفد فضلا عن [[حزب الأحرار الدستوريين]] الذي كان يتململ في الحكم تحت تصرفات القصر الاستبدادية والذي سارع رئيسه محمود محمود باشا إلى إعلان تأييده لعلي ماهر ضد البنداري وكانت النتيجة إخراج البنداري من القصر وعاد علي ماهر ليقتص من حزب مصر الفتاة جزاء خيانته له وليتبني جماعة الإخوان المسلمين

وتوضح المراسلات المتبادلة بين السفير البريطاني ووزير الخارجية البريطاني في تلك الأثناء جوانب من علاقات التصارع والتحالف بين القوى السياسية التي أشرنا إليها والرسالة التالية من السير مايلز لامبسون للمستر إيدن في أول يناير 1938 تتناول ما دار في المقابلة الأولى التي تمت بين السير مايلز لامبسون ومحمد محمود باشا بوصفه رئيس الوزارة المصرية الجديدة وقد تم فيها وضع أسس التعاون بين الطرفين وتمضي على النحو التالي:

1- اجتمعت برئيس الوزراء الجديد هذا الصباح للمرة الأولى وقد التقينا كأصدقاء قدامى وكان لقاء مشجعا لما أبداه من الاستعداد للتعاون وقد طلب إلي أن أؤكد لكم اعتزامه أن تظل علاقات الصداقة والولاء قائمة بيننا كما أنه قرر أن تكون لمسألة الدفاع عن مصر وما تتطلبه من النفقات أولوية على ما عداها من المسائل وأن رأيه في المعاهدة معروف تماما وسوف يراعي تنفيذها بإخلاص.

2- وقد ناقشنا نظام العمل فقال أنه نظرا لأن وزير خارجيته عبد الفتاح يحيي باشا لا يملك نصيبا كبيرا من الذكاء وأنه كذلك كما أعلم مت تجاربي فإنه أي محمد محمود يفضل أن يكون التعامل معه مباشرة بوصفه رئيسا للوزراء في جميع الأحوال عدا المسائل الروتينية أو قليلة الأهمية وقد أكدت له أن هذا يتفق مع رأي أيضا.

3- وقد تحدث عن فلسطين وهي تشغل باله كثيرا فأكدت له أنه ليس وحده في ذلك وأن المشكلة لها كل الأهمية في أذهان رجال حكومة صاحب الجلالة.

4- وفي أثناء حديثنا كانت هناك مظاهرة صاخبة يتزعمها طلبة الأزهر تسير خارج مبنى الوزارة ةقد أخبرني أنه يعتزم منع جميع المظاهرات وأنه سوف يطبق التشريع المعمول به عندنا فيما يختص بارتداء الأزياء شبه العسكرية الخاصة بالمنظمات العسكرية وقد طلب صورة من هذا التشريع فوعدته بموافاته بها.

5- وعندما جاء ردا لزيارتي، أثار موضوع الرقابة على حمل الأسلحة وطلب صورة من تشريعنا في هذا الخصوص للاسترشاد به وقد وعدته بإجابة طلبه أيضا.

6- ثم ناقشنا موضوع العلاقات مع إيطاليا وهو مقدر تماما للأخطار القائمة وقد أوضحت له حرصنا على تحسين علاقتنا مع إيطاليا ولكن في نفس الوقت كلما زاد استعدادنا متعاونين لمجابهة أي تهديد كلما قل خطر وقوع الحوادث.

7- ثم طرح مسألة السودان فأوضحت له أن النظام المعمول به في الوقت الحاضر بعد تطويره كفيل بمعالجة ما يجري من الأمور هناك وقد وافقني على ذلك كما وافق على استمرار الحال على ما هو عليه في الظروف الحاضرة، ثم ألمح إلى خزان جبل الأولياء وقال إنه بمناسبة إتمام إنشائه وهو مشروع مصري صميم فقد يكون من المناسب أن يحضر الملك وهو أي رئيس الوزراء حفلة الافتتاح الرسمي للخزان وهما لم يسبق لهما زيارة السودان من قبل ولما كان هذا الطلب من الصعب الاعتراض عليه فقد اكتفيت بهذه الملاحظة العامة، وهي أن جميع المسائل المتصلة بالسودان وعلاقاتنا المشتركة هي من الدقة بحي يكون من الخير أن نتركها للنظم القائمة وتطوراتها وقد وافقني على ذلك.

8- إن علاقة رئيس الحكومة الحالي بالملك فاروق طيبة، ولكنه يعتزم مواجهة جلالته إذا أظهر اتجاها لتجاوز مهام سلطاته الدستورية ومن رأيه أن الملك مستجيب لهذا في الوقت الحاضر وأن من السهل التعامل معه

وتستعرض الرسالة التالية الفترة من إجراء الانتخابات المزيفة التي أجريت بعد حل مجلس النواب الوفدي إلى يوم 6مايو 1938 وتتعرض لعلاقات التصارع بين حزب الأحرار والقصر على الحكم ودور علي ماهر في هذا الصراع ونلمح في هذه الرسالة التي أرسلها السير مايلز لامبسون إلى اللواء هاليفاكس في هذا اليوم تفضيل السفارة البريطانية التعامل مع أي حكومة مصرية سواء كانت حكومة وفدية أو حكومة من حكومات الأقلية، على التعامل المباشر مع القصر وتمضي الرسالة على النحو الآتي:

1- أتشرف بأن أعرض عليكم فيما يلي بعض الملاحظات على الموقف السياسي في مصر بعد الانتخابات البرلمانية وفي أعقاب الأزمة الوزارية الأخيرة.

2- ففيما يتعلق بمجلس النواب، فإن السعديين والأحرار الدستوريين يكاد عددهم يتساوى ولو أن السعديين يزيدون قليلا ويشكلون بذلك أقوى الأحزاب عددا في المجلس ويليهما المستقلون وهم في غالبيتهم يساندون أية وزارة في الحكم ويستطيعون من ثم ترجيح أي اتجاه يرغب القصر في اتخاذه لمواجهة أية حكومة قائمة.

3- وليس للوفديين في مجلس النواب قوة تذكر أما في مجلس الشيوخ فلهم أغلبية اسمية ويرى كثير من مؤيدي الحكومة أن فريقا من الشيوخ الوفديين سوف لا يلبث أن ينضم إلى صفوف الحكومة.

4- لا يزال الوفد قويا في البلاد بماله من تأييد الجماهير ولو أنه من غير المحتمل أن تقاوم هذه الجماهير الحكومة بعنفي ولا شك أن الوفد قد فقد الكثير من نفوذه بين طبقات المثقفين ولكن أساليب الانتخابات الأخيرة وبداية المظالم في ظل النظام الحاضر قد يكسب الوفد بعض العطف الذي خسره من قبل.

5- والنظام الحاضر ولو أنه لا يلقى من التأييد الشعبي إلا القليل فإنه يتمتع بقدر من التأييد بين أعلى الطبقات الأرستقراطية والمثقفين ومن بين هؤلاء الأزهريون وزيادة على ذلك فإن هذا التعاطف بين طلاب الجامعة والأزهر نحو النظام الحاضر قد تحول بمضي الوقت إلى الوفد وقد قامت فعلا مظاهرات في الأزهر لصالح النحاس باشا أثناء الأزمة السياسية الأخيرة، وكان الدافع الظاهر إليها أن الأزهر لم ينوه عنه في خطاب العرش.

6- وفي ضوء رضاء الجماهير عن اختفاء نفوذ من مجلس النواب، يظل القصر في الوقت الحاضر هو الفيصل في الموقف السياسي والقصر اليوم معناه علي ماهر باشا والمظنون أنه يسعى لرياسة الوزارة معتمدا في ذلك على مساعدة أخيه الدكتور أحمد ماهر والسعديين ولو أنه من المحتمل أنه قد يفكر في أن يكون الدكتور أحمد ماهر هو الذي يخلف محمد محمود باشا ومن المحتمل أن يرغب علي ماهر في الوصول إلى غرضه على أسس شبه قومية بتشكيل وزارة تضم أكبر عدد من العناصر.

7- ومحمد محمود باشا والأحرار الدستوريون يعملون تماما ما يدور في خلد علي ماهر باشا والأزمة الأخيرة ولو أنها حلت رسميأن إلا أنها كما يبدو لي قد أحدثت فجوة واضحة بين رئيس الوزراء والقصر وعلي وجه العموم فمن المتوقع ألا يمضي وقت طويل حتى ينشأ نزاع جديد يكون سببا في خروج محمد محمود باشا ولو كان علي ماهر باشا حصيفا لترك للوزارة الحاضرة الوقت الكافي والحبل الذي تشنق به نفسها كما هو الحال مع جميع الوزارات في مصر بيد أن من سوء حظه أنه رجل قليل الصبر إلى أقصى حد وكما أنه لم يمكنه التريث وترك الزمن لتقويض النحاس باشا فإنه ليس من غير المحتمل على أي حال أن يسارع إلى مجابهة محمود باشا في المستقبل القريب بدلا من الانتظار حتى يفعل الزمن والارتباكات الداخلية فعلها بوزارة محمود باشا وهناك عامل معوق هو رغبة أحمد ماهر في أن يكون إسقاط الوزارات مترتبا على سحب ثقة البرلمان منها وليس بناء على أوامر يصدرها القصر.

8- وبعد الأزمة الأخيرة مباشرة يمكن أن يقال أن علي ماهر باشا قد ألقى القفاز في وجه محمود باشا بتعيين البنداري باشا وكيلا للديوان الملكي بعد أن استبعده محمود باشا من زارته الجديدة بسبب انحيازه (البنداري) إلي علي ماهر باشا وقد اعترض الأحرار الدستوريون على هذا التعيين بل إن الصحافة الوفدية انتقدته بشدة مستندة إلى أن وظيفة وكيل الديوان قد ألغيت ولا يمكن إعادتها إلا بموافقة البرلمان وهنا تعود بنا الذاكرة إلى تاريخ نشأت باشا في القصر فقد بدأ بطريقة مماثلة إذ أنه بمجرد أن أقصاه زغلول باشا من وكالة وزارة الأوقاف عينه الملك فؤاد وكيلا للديوان الملكي وقد نشأت عن هذا التعيين أزمة بين الملك ورئيس وزرائه.

9- ولو أن علي ماهر باشا يمثل دور القصر السياسي في الوقت الحاضر فإنه ليس بمستبعد أن يفقد محبة الملك كما حدث للشيخ المراغي الذي كان موضع ثقة الملك وعطفه زمنا طويلا ثم ما لبث أن زايله كل ذلك بتأثير علي ماهر باشا كما تقول الإشاعات وقد تظهر الأيام شخصية أخرى تلعب الدور نفسه مع علي ماهر باشا (يتنبأ مايلز لامبسون هنا بدور البنداري باشا)

10- وما زال الموقف غامضا بالنسبة لما قد يتمخض عنه مستقبل الملك فاروق فهو في الوقت الحاضر يبدو شخصية جذابة فتية ولكنه متقلب الأطوار، تلمح فيه طبائع الخديوي إسماعيل أو أحد الأمراء العثمانيين وقد سبق أن أشرت في تقاريري إلى عدم انتظامه في عاداته ومواعيده المتأخرة في مباشرة عمله، وصرف الكثير من وقته في نزوات الشباب بيد أنه ليس من الإنصاف ولا من الحكمة أن نحكم عليه وهو ما يزال صبيا في الثامنة عشرة من عمره وأملنا لخير مصر أن تنصلح حاله بعد سنوات قليلة وأن ينصرف ذكاؤه الذي لا شك فيه ألا تعديل مسلكه، كما حدث في انجلترا لأميرنا البرنس هاري harry ولا يسعني هنا إلا أن أضيف أن أغلبية المطلعين على بواطن الأمور غير متفائلة بالنسبة لمستقبل الملك فاروق.

11- وقد ظل الجيش ورجال الشرطة على ولائهم للعرش ولو أن بعض ضباط الجيش أبدوا تذمرهم بسبب الترقيات والتعيينات التي أجريت أخيرا كتعيين عزيز المصري باشا مفتشا عاما للجيش ولم يكن من رجالة وترقية عمر فتحي بك كبيرا للياوران مختطيا زملاءه في القوات المسلحة.

12- وفيما يتعلق بالسياسة الداخلية فإن المسألة الدينية هي أهم موضوع في الوقت الحاضر وكما ورد في تقاريري السابقة فإن دوائر القصر تبذل جهدا لإحاطة الملك بهالة إسلامية ومع أني شخصيا أشك في تمسك علي ماهر بأصول الدين فإنه يساند تلك الجهود لاعتقاده أن مصر تستطيع القيام بدور فعال إذا هي اتجهت إلى الشرق دون الغرب الأمر الذي يتيح لها أن تصبح قوة إسلامية رائدة تستطيع مد نفوذها إلى آسيا.

13- علي أني لا أعتقد أن يستمر هذا التحمس الإسلامي المصطنع فالشباب الذين يتخرجون كل عام من المدارس الثانوية والمعاهد العليا يتطلعون إلى المبادئ والأفكار الأوربية العلمانية ومع أنهم فخورون باعتناق الإسلام وهو قوة سياسية واجتماعية كما هو الشأن في البلاد الإسلامية الأخرى فإن ما يجري في أوروبا الحديثة من تطورات قوية يجعل من العسير على أولئك الشبان أن يرجعوا إلى أفكار القرون الوسطى.

14- ويسرني أن أسجل أن الدعاية المضادة للأقباط التي تركت بطبيعة الحال في نفوسهم بعض الخوف والتي كانت سائدة بين مؤيدي الحكومة الحاضرة قد توقفت بعد فوزهم في الانتخابات النيابية الأخيرة.

15- أما في مجال السياسة الخارجية فإنه لا القصر ولا الحكومة الحاضرة قد أظهر أنه أقل ولاء من حكومة النحاس باشا نحو تنفيذ المعاهدة الإنجليزية المصرية بيد أن الوزارة الحاضرة شأنها شأن رجال الأعمال أشد يقظة من سابقتها في الناحية الاقتصادية وأوفر تقديرا للأعباء المالية المترتبة على تنفيذ المعاهدة ولذلك لا يساورني شك في أننا سنواجه بعض الصعوبات مع النظام الحاضر أكثر مما كنا ننتظره من وزارة النحاس باشا في الأمور المالية المتصلة بالمعاهدة أما فيما يختص بعلاقة مصر مع الدول الأجنبية الأخرى وخصوصا إيطاليا فإن موقف القصر وموقف محمد محمود باشا إزاءها مما يدعو إلى الارتياح.

16- وقد أشرت في تقارير السابقة إلى ما يبديه الوفد من العداء لبريطانيا فقد حمل على المعاهدة الإنجليزية الإيطالية التي عقدت أخيرا وقال إنها قد أبرمت بأساليب تتنافى مع نصوص المعاهدة الإنجليزية المصرية ومع أن الرأي العام لا يأخذ هذه الحملات مأخذ الجد وكثير من الوفديين يأسفون لها فإن الوفد ما زالت له قوة بين الجماهير فلا تصدر عنه بادرة ولو كانت سخيفة إلا وجدت صداها في أنحاء البلاد.

17- وكذلك في الشئون الخارجية فإن الدور الذي ترغب مصر أو تقدر على القيام به في الدول العربية في المشرق لم يتضح بعد وللقصر أطماع حقيقية في تلك المنطقة وقد تسبب لنا في بعض المتاعب في هذا الصدد مستقبلا خصوصا فيما يتعلق بفلسطين.

18- ومن العسير أن نتنبأ بمستقبل الوفد فقد حصل منذ الأزمة الوزارية الأخيرة على بعض التأييد ولم يتخل عنه بعض الأنصار الذين كانت الحكومة تأمل في انفصالهم عنه ويبدو أنهم بعد إعمال الفكر وجدوا أن استمرارهم تحت جناح الوفد الثابت آمن لهم من الانضمام إلى الأحزاب المتناحرة التي تتولى الحكم في الوقت الحاضر ولو أتيح للقصر أن يحكم باعتدال وبوزارة نزيهة فإن الوفد لا يلبث أن تتفتت أوصاله أما إذا حدث العكس وهو الغالب بأن تتفتت أوصاله أما إذا حدث العكس وهو الغالب بأن تستمرئ هذه الوزارة المظالم والتحكم في شئون الناس مؤيدة من القصر كما حدث في الماضي فمن المحتمل أن يظل الوفد قوة يحسب حسابها خارج البرلمان، وقد ينتهي به الأمر إلى التحالف مع حزب أو أحزاب برلمانية أخرى ليكون حلفا مضادا للقصر وإذا أمكن تنحية مكرم عبيد بطريقة أو بأخرى فليس بمستعبد أن تتهيأ الظروف لجمع الشمل مرة أخرى بين السعديين والوفديين.

19- وإذا صح تقديري للموقف، فإن معنى هذا أن المستقبل مليء بالاحتمالات وأراني آسفا من ذلك كله فيما يتعلق بمستقبل مصر، هو المشكلة الكبرى ألا وهي شخصية الملك وأحسب أن الملك فاروق: أما أن يلاقي نجاحا كبيرا وأما أن يفشل فشلا ذريعا مع ما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة بالنسبة للنظام الدستوري القائم وليته كان محاطا بمن يقومه من أمثال لورد ملبورن، بيد أن علي ماهر بكل أسف ليس لورد ملبورن .

الفصل الثالث: القاعدة البريطانية وتأمين الجبهة الداخلية

سبقت الإشارة إلى الأحوال التي يرى الجانب البريطاني فيها تهديدا للمصالح البريطانية ولسلامة القاعدة البريطانية في مصر مما يستدعي تدخله أشار الجنرال ويلسون إلى أنه حين وصل مصر في يونيه 1939 ليتولى قيادة القوات البريطانية فيهأن لفت نظره ضآلة القوات التي يتولى قيادتها بالنسبة للمهمة المسندة إليها وهي الدافع عن مصر والسودان من جهة والمحافظة على الأمن في الداخل من جهة أخرى..

وأشار إلى الاعتبارات التي تجعل المهمة صعبة وهي ماضي مصر التاريخي (وهو يعني بهذا قوة الحركة الوطنية المعايدة للاستعمار البريطاني) والجالية الإيطالية الكبيرة فيها وسوء العلاقات بين السراي والحزب القائم بالمعارضة (الوفد) وبين السفارة البريطانية وكان مما يدعو إلى قلقه أن ملك مصر هو القائد الأعلى للجيش وعلى الإنجليز أن يعتمدوا عليه كحليف لاتخذ إجراءات معينة للدفاع مما يجعل لتلك العلاقات السيئة أهمية عسكرية كبيرة

بذلك وضع العسكريون أصابعهم على العناصر الأساسية التي تعوق تعاون الجانب المصري تعاونا مخلصا مع بريطانيا وهي: العداء التقليدي لبريطانيا وجود جالية إيطالية كبيرة لها اتصالات واسعة في مصر بالإضافة إلى قوة الدعاية الألمانية الإيطالية سياسة مصر الإسلامية والقضية الفلسطينية الحالية المالية والاقتصادية والإدارية.

كان تعاون الجيش المصري وولاؤه أمرا أساسيا فيما يختص بالجبهة الداخلية فقيامه بتأمينها بكفاءة ضد أي اضطرابات داخلية يوفر على القوات البريطانية القليلة الموجودة الحاجة إلى التدخل في وقت قد تكون فيه مشغولة بمواجهة هجوم للعدو كما أن تعاونه في الدفاع عن مصر أصبح مطلوبا كما أشرنا أما انتقاض الجيش المصري على الإنجليز فكان أمرا بالغ الخطورة لو حدث قبل الحرب أو بعد اندلاعها نظرا لقلة عدد القوات البريطانية في مصر قبيل الحرب وحسن تسليح الجيش المصري.

وكان الجانب البريطاني يقدر أهمية تعاون الجيش المصري وولائه ويراقب الأوضاع داخل في يقظة واهتمام وكانت أداته في ذلك البعثة العسكرية البريطانية التي كانت أيضا من وسائله في محاولة توجيه أمور الجيش بما يصون المصالح البريطانية.

ففي عام يناير 1939 على سبيل المثال قامت أزمة وزارية حين حاول وزير المالية تطبيق كادر الموظفين الجديد، بما يتضمنه من تخفيض المرتبات على ضباط الجيش مما أدى إلى استياء الضباط واستقالة وزير الحربية انتهزت السراي الفرصة لتكتيل الجيش خلفها بالإيحاء بأنها تتخذ جانب الجيش مما هدد بجر الجيش إلى مجال السياسة..

حينئذ كما يقول لامبسون لهاليفاكس أبدى الجنرال ماكريدي رئيس البعثة العسكرية للسفير مخاوفه من أن الزمام قد يفلت وعرض على أن أقترح على رئيس الوزراء إصدار ثلاث كادرات واحد خاص بالجيش والثاني خاص بالبوليس والثالث يعامل بمقتضاه موظفو الحكومة المدنيون

وكان الجانب البريطاني يبدي اهتماما خاصا بشاغلي المنصبين المسيطرين على الجيش، منصب وزير الدفاع من الناحية السياسية ومنصب رئيس أركان حرب الجيش من الناحية الفنية لذلك فعندما طرح اسم اللواء صالح حرب باشا كمرشح لوزارة الدفاع عن تشكيل وزارة علي ماهر في أغسطس 1939 أوشك مستر بتمان القائم بأعمال السفير البريطاني أن يحذر علي ماهر ضد تعيينه وزيرا لولا أن الأميرال ويلز باشا مدير عام مصلحة المواني والمنائر الذي عمل مع صالح حرب أبدى رأيا طيبا فيه وكان اتجاه مستر بتمان الأول يرجع إلى تخوفه من ماض صالح حرب لأنه هرب من عمله في مصلحة الحدود وانضم إلى السنوسي خلال الحرب ولأن تعيينه وزيرا للدفاع كان يستتبعه كما يقول بتمان تعيين عزيزي المصري باشا رئيسا لأركان حرب الجيش المصري ولو أن عزيز المصري باشا مصري الجنسية إلا أنه قضي معظم مدة عمله العسكري في الجيش التركي والمعروف عنه أنه كثير الإطلاع في المسائل العسكرية لكني منذ بضعة أشهر أصبحت أميل إلى الارتياب في قيمة آرائه إذا لم أقل في سلامة عقله حين حاول جاهدا أن يثبت لي أن الألمان لم يهزموا في موقعة المارن وعلاوة على ذلك فلدى أسباب قوية تدعوني إلى الاعتقاد أن تعيينه لن يكون موضع رضاء الجيش المصري أو البعثة العسكرية البريطانية.

(إن اجتماع هارب سابق من الخدمة (صالح حرب) ومعجب بالألمان (عزيز المصري) في وزارة الدفاع الوطني ليس أمرا مثاليا).

لهذا ففي مقابلته الأولى لرئيس الوزراء ذكر مستر بتمان مخاوفه من تعيين عزيز المصري فأكد له علي ماهر أنه سيعزله لو ثارت متاعب نتيجة تعيينه رئيسا للأركان ولم يكمل عزيز المصري خمسة أشهر منصبه قبل أن ينحي عنه تحت الضغط البريطاني..

ولا شك أن مخاوف الجانب البريطاني من تعيين عزيز المصري كانت ترجع إلى ما هو معروف من وطنيته وكراهيته للاحتلال بالإضافة إلى إعجابه بالعسكرية الألمانية.

وقد حرص الجنرال ويلسن على إقامة علاقات طيبة مع الجيش المصري وتجنب قيام أي خلاف مع القوة العسكرية المقابلة على الجانب المصري لذلك فعندما قامت الحرب في سبتمبر 1939 وأصبح من الضروري أن توضع مصر في حالة الاستعداد لها بأسرع ما يمكن اتبع ويلسن طريقة عقد مؤتمر يومي يحضره هو أو أحد كبار مساعديه وماكريدي مع كبار الضباط المصريين للاتفاق على الإجراءات اللازمة وبهذه الطريقة أمكنه أن ينجز الكثير دون حدوث خلاف وكان الاشتراك الجيش المصري منذ خريف 1939 في التدريبات مع القوات البريطانية وقيامهما بمناورات مشتركة عاملا خريف 1939 في التدريبات مع القوات البريطانية وقيامهما بمناورات مشتركة عاملا آخر قصد به توثيق صلات التعاون والتفاهم بين الجيشين خاصة وقد كان بعض الضباط المصرية أعضاء فخريون في ميس الضباط الإنجليز.

ولا شك أن الجنرال ويلسن كان يشر إلى تلك الجهود كما أنه يوضح تقديره لأهمية موقف الجيش المصري وأثره على الجبهة الداخلية حين يقول تعليقا على حادث 4 فبراير 1942 الذي علم به وهو في سوريا (لقد ذهلت وفزعت لهذه الأنباء لأني شعرت بأن كافة الجهود التي بذلتها في الأيام الأولى للحرب لإقامة علاقات طيبة مع المصريين وضمان نعاونهم قد تبددت وكان من الممكن أن يكون لهذا العمل رد فعل في الجيش المصري له ضرره البالغ على مجهودنا الحربي وكانت جهود عطا الله باشا رئيس الأركان في معالجة الحالة هي وحدها التي حالت دون وقوع أحداث

ويتضح أيضا تقديره أهمية موقف الجيش المصري مما حدث في عام 1934 حين أراد الملك فاروق أن يقبل وزارة النحاس بمناسبة أزمة الكتاب الأسود ذلك أن لامبسون أراد أن يكرر حينئذ ما حدث ف 4 فبراير 1942 من تدخل بريطاني فعارض في ذلك العسكريون ويقول ويلسن أنه شعر أنها ستكون كارثة أن نعيد المسلك المختلف حول تقديره والذي أقدمنا عليه في 4 فبراير 1942 لأن النتائج التي ستترتب عليه ستكون أبعد أثرًا وتؤدي إلى اشتباك البريطانيين في حرب مسلحة مع الجيش المصري أو على الأقل يواجه البريطانيون بنوع من الإضراب من بعض القوات المصرية وسوف يخلق على كل حال موقفا خطيرا في الجيش المصري وكان الجيش المصري في ذلك الوقت يتولى المدفعية المضادة للطائرات وحراسة المناجم والمنشآت

هذا عن تعاون وولاء الجيش المصري أما العوامل التي تعوق تعاون وولاء المصريين بوجه عام فمنها كما أشرنا العداء التقليدي لبريطانيا نتيجة الكفاح الطويل المرير الذي خاضته الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني فلم يكن مما يتفق مع طبيعة الأشياء أن تختفي بمجرد توقيع المعاهدة كل عوامل عدم الثقة والشعور بالظلم والمرارة والكراهية التي رسخت خلال احتلال قارب حينئذ ستون عاما خاصة وأن المصريين لم يشعروا بعد المعاهدة بأن الأوضاع تغيرت كثيرا عما كانت خاصة وأن المصريين لم يشعروا بعد المعاهدة بأن الأوضاع تغيرت كثيرا عما كانت عليه قبلها فجيش الاحتلال استمر في ثكناته في القاهرة والإسكندرية ولا تزال بريطانيا تتدخل في شئون مصر كما أكد الوفد بعد إقالة وزارة النحاس في 30 ديسمبر 1937 وزاد الطين بلة أعباء مالية ثقيلة ترتبت على التزامات المعاهدة واحتمال توريط مصر بمقتضى التحالف في مشاكل وحروب بريطانيا التي لا تمس المصالح المصرية في قليل أو كثير.

ذلك كان المحور الرئيسي الذي تدور حوله الدعاية الألمانية الإيطالية الموجهة بالعربية إلى مصر من محطة برلين في ألمانيا ومحطة باري في إيطاليا وكانت تساند تلك الدعاية وتقوي من أثرها جالية إيطالية كبيرة في مصر ومفوضية إيطالية نشطة في القاهرة

أما الجالية الإيطالية فيقدر عددها بحوالي 60 أو 70 ألفا منتشرة في الوجه البحري مع تركيز في القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد وكان نفوذها في مصر يعتمد على كثرة عددها وانتشارها واتصالاتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المصريين .. كما يرجع إلى عاملين آخرين هامين، أحدهما تأثيرها داخل القصر نتيجة وجود بعض الإيطاليين ضمن الحاشية، أو قيامهم ببعض الأعمال داخله منذ أيام الملك فؤاد الذي تربي في إيطاليا ومن هؤلاء أنطون بوللي الذي كان كهربائيا ثم انضم إلى الحاشية وهارو الحلاق وكانوتشي مدرب الكلاب ومنهم شخصيات كان لها بعض النفوذ في القصر هم ميلانيزي رئيس فريق الموسيقى وفيروتشي كبير مهندسي القصر وأنجلو سان ماركو المؤرخ.

العامل الآخر هو أن جانبا كبيرا من تلك الجالية كان يتعاطف مع الحركة الوطنية في مصر منذ سنة 1919 يتمثل ذلك في نشاط جمعية الصداقة المصرية الإيطالية ونادي خريجي الجامعات والمدارس الإيطالية وبعض الصحف التي تصدر في مصر بالإيطالية مثل جورنالي دي أورينتي والمساجيرو، وروما ومديتارينو وكورييرديتاليا لكن جانبا آخر من تلك الجالية كان يؤيد الاحتلال.

وقد انقسمت الجالية الإيطالية أيضا في موقفها من الفاشية واختلفت المصادر في أي الفريقين أرجع المؤيدون أو غير المؤيدين للفاشية فالجنرال ويلسن يرى أن الجالية الإيطالية كانت قليلة التحمس للفاشية أما جان ليجول فيؤكد أنها كانت شديدة الحماس لقضية الفاشية.

والحق أن الجالية الإيطالية من هذه الناحية كان يتجاذبها فريقان: المفوضية الإيطالية بنشاطها وتنظيماتها ممثلة للفاشية والعناصر المعادية للفاشية.

وتلقى تقارير الأمن في سنوات 1940 و 1941بعض الضوء على الفريق الثاني.. إذ توضح لنا أنه كان هناك تنظيمات هما:

(لجنة الإيطاليين الأحرار في مصر) comitato d azioni degli italiani liberi In Egitto و (الحزب المعادي للفاشية) gruppo d azioni antifascista وأن هذين التنظيمين قد اندمجا في مارس 1941 تحت اسم الحزب الإيطالي الحر المعادي للفاشية.gruppo d azioni antifascista el italiani liberi ويمثله في القاهرة لجنة من ثمانية أعضاء هم: alceste coli, Antonio indracollo, Maurizia والدكتور sandro rocca, edmondojabes angelo tartgni, ezio vais التي تقوم بعمل السكرتارية vittorio boccara paolo lanza والبرفسور boccara

وكانت تلك الجماعات تلقى التأييد والمساعدة من اليهود والماسون والسلطات البريطانية والسلطات المصرية فلسان حالها جريدة corriere d Italia كان يكتب فيها شبان يهود تلقوا تعليمهم في إيطاليا ويساعدها ماليا أغنياء اليهود ومكتب الاستعلامات البريطاني كما كانت تلك الجماعات على اتصال بالقسم المخصوص بوزارة الداخلية المصرية.

إذ أخذنا الصحافة كمقياس فإننا نخرج من ذلك بنتيجة هي أن الجماعات المعادية للفاشية كانت هي الجانب الأضعف فجريدة giornale d oriente المعادية للفاشية لم تلبث أن احتجبت في مارس 1941 رغم اندماج القوى المعادية للفاشية حينئذ كما راينا ورغم نجاح القوات البريطانية في مصر في طرد الإيطاليين من برقة وهي عوامل كان مفروضا أن تقوم من وضع القوى المعادية للفاشية وبالتالي رواج الجرائد المعبرة عن آرائها.

ورغم حملة جان ليجول في كتابه على المفوضية الإيطالية وأفرادها وغضه من كفاءتهم، وهو وضع طبيعي من صحفي فرنسي كان عليه أن يواجه دعاية المحور المعادية للحلفاء في مصر فالأمر الواضح حتى من كلامه، أن المفوضية الإيطالية كانت تملك الوسائل ولديها الكفاءة ولها الاتصالات التي تجعل لدعايتها تأثيرا من المصريين فهناك العدد الكبير الذي تضمه المفوضية الإيطالية والذي يقول ليجول أنه يبلغ المائة وهناك الجالية الإيطالية الكبيرة والكثير من أفرادها متحمس للفاشية وهناك المدارس الإيطالية في بعض المدن الهامة وبخاصة في القاهرة والإسكندرية بالإضافة إلى (مركز الفاستية) في المدرسة الإيطالية بالقاهرة وكان التعليم فيها بالمجان وتضم 400 طالبا مصريا وكان الحزب الفاشستي في روما هو الذي يعين السكرتير السياسي لذلك المركز كما أن الوزير المفوض كونت ماتزوليني mazzolini كان أحد منظمي الفاشية الأوائل عام 1919 وشارك في الزحف على روما كما كان سكرتيرا مساعدا للحزب يضاف إلى ذلك أن الكابتن أوجو دادون ugo dadone رئيس مركز الاستعلامات الإيطالي كان أيضا من كوادر الحزب الهامة وكان يتخذ مركز الاستعلامات وسيلة لتنظيم طابور خامس كبير النشاط ولجمع المعلومات.

من شخصيات المفوضية الهامة كان هناك ثلاثة لهم اتصالات اجتماعية واسعة هم ما تزولين ودادون والملحق التجاري ديسيوبافوني decio buffoni كان دادون ذو صلات واسعة له كثير من المعارف والأصدقاء بل ويعرف كل إنسان في القاهرة كما يقول ليجول وتفتح له الأبواب أينما ذهب أما (بافون) فكان رساما له صلاته بالمجتمع الفني والأوساط المثقفة في القاهرة.

وكان يساند المفوضية الإيطالية في نشاطها مفوضيات الدول الموالية للمحور، وبخاصة المفوضية الألمانية فتدل تقارير الأمن على أنه تكونت في القاهرة هيئة ausiand nazi frauensch تضم النساء الألمانيات المتزوجات من غير آريين ومن أغراضها الدعاية للمبادئ النازية ونشر الإشاعات وأعمال التجسس

تلك هي ركائز النفوذ والدعاية الإيطالية الألمانية التي كانت مصدر قلق دائم لسير مايلز لامبسون خوفا منه على الجبهة الداخلية فمنذ وقت مبكر وفاروق لا يزال يحكم عن طريق مجلس الوصاية وجهود لامبسون متصلة للتخلص من الحاشية الإيطالية في القصر وعلى الأخص فيرتشيverucci كبير المهندسين حاول ذلك في مايو 1936 ثم نصح فاروق ثانية في مارس 1939 بأنه كملك دستوري لمصر المستقلة ينبغي ألا تضم حاشيته عناصر غير مصرية لكن مساعديه لم تصادف نجاحا قبل نشوب الحرب.

وقد تواليت تقارير لامبسون تحمل شكواه من الدعاية الإيطالية الألمانية ومخاوفه من آثارها ففي يناير 1939 كتب يقول الحق أنه يخشى أن عملاء إيطاليا وألمانيا قد يؤثرون بواسطة صنائعهم داخل القصر وخارجه على الملك فاروق بما يريده محور روما برين، أي حيدة مصر في حالة قيام الحرب وليس هناك من شك في أن الدعاية الألمانية والإيطالية تعمل على أن تزكي بين المصريين جميعا سواء أكانوا من الطبقات العليا أو الدنيا الشعور بأن مصر ينبغي أن تتجنب الانسياق إلى حروب إنجلترا إذا كانت تلك الحروب لأسباب لا تمس مصالح مصر بطريقة مباشرة لقد توقفت الدعاية الإيطالية المفتوحة ضد بريطانيا توقفا تاما منذ أن صودق على اتفاقية رومأن لكن الدعاية الألمانية حلت محلها وهي تعمل لصالح طرفي محور روما برلين ولا شك أنه يوجد تفاهم وثيق بين تنظيمات الدعايتين الألمانية والإيطالية ويما يختص بمصالحنا لا يعنيا كثيرا أي الشريكين يدير الدعاية المضادة لنا.

الدعاية الإيطالية الألمانية شاملة لكن يبدو أن أحد مجالاتها المفضلة هو ما يماثل في مصر الطبقة الأرستقراطية في أوروبأن أي البلاط ومن يدورون في فلكه، الأتراك والمصريون المتتركون والعناصر الراقية والأكثر تعاليا في المجتمع المصري في هذا المجال يجد عملاء الدعاية الإيطالية الألمانية آذانا أكثر تعاطفا عما هو الحال في الدوائر الأكثر بورجوازية وشعبية التي لا تزال على عدائها لإيطاليا تحت لواء الوفد وكل هذه الدعاية المقنعة والمتباينة لها غاية واحدة هي تقويض مركز انجلترا في مصر والشرقيين الأدنى والأوسط لصالح محور روما برلين ولابد لها أن تضعف مركزنا في أي وقت وفي أي مكان تتعارض فيه مصالح بريطانيا العظمى مع مصالح العالم المصري العربي

لكن غزو البانيا في أبريل دفع إيطاليا إلى تنشيط دعايتها في مصر تبريرا للغزو وتلمحا إلى ما عليه بريطانيا من ضعف ولما كان الجانب البريطاني ملتزما بالاتفاقية الإنجليزية الإيطالية (معاهدة روما) فقد وقف مغلول اليدين عاجزا عن مواجهة تلك الدعاية مما أضعف موقف بريطانيا وزاد من ضعفه زيادة دكتور جوبلز وزير الدعاية الألماني لمصر بعد ذلك مباشرة لذلك لجأ لامبسون إلى طريقة استعراض القوة بمرور بعض القوات البريطانية في عرض كبير في شوارع القاهرة ثم كتب يتقرح بإصرار شديد أن يسمح له بالقيام بحملة دعاية مضادة في الحال إنها لازمة من وجهة النظر العسكرية القائد العام (البريطاني) تحدث إلى في ذلك عدة مرات بإصرار والأوضاع المحلية تتطلبها ولا أملك سوى أن أعرض وجهة النظر التي ترى أن الصمت المفروض علينا حاليا هو جنون مطبق حتى لو كان ذلك منى صراحة زائدة عن الحد إن الوضع وصل إلى حد يدفعني إلى أن أقترح أن تبدأ حملتنا الدعائية المضادة من الأسبوع القادم إذا كم تصلني تعليمات تخالف هذا

ومع ذلك فإن وزير الخارجية صرح له باستخدام ما لديه من وسائل لإيضاح وجهة النظر البريطانية ووقوف بريطانيا ضد العدوان لكنه منعه من أن يجاوز ذلك إلى حملة تهاجم إيطاليا فذلك نقض للمعاهدة الإنجليزية الإيطالية التي تعتز بريطانيا أن تلتزم بها لأن نقها يعطي إيطاليا مبررا للتحلل من التزاماتها بمقتضاها تلك الالتزامات التي تفيد بريطانيا فيما يختص بالشرق الأدنى وسحب القوات الإيطالية من أسبانيا

وعاد لامبسون في مايو 1939 يشكو م الدعاية الإيطالية الألمانية ويتقرح علاجا مباشرا لها بقوله ساق القلق المصري نتيجة استيلاء ألمانيا على باقي تشيكوسلوفايكا والغزو الإيطالي لألبانيا أيضا الحكومة لأن تكون عونا لنا في مسألة الدعاية الألمانية الإيطالية التي أصبحت منذ زيارة الدكتور جوبلز في الشهر الماضي أكثر شمولا وأشد قوة وقد نوهت في مكاتباتي السابقة بخطر هذه الدعاية وبعد كفاية إجراءتنا المضادة إن الشرط الأساسي الذي ينبغي توافره لكي نقوم بهجوم مضاد ناجح هو إنشاء وزارة للإعلام في لندن واتخاذ القاهرة مركزا للدعاية في العالم المصري العربي وهذا يماثل تماما التنظيم الإيطالي والألماني

وقد أنشأت فعلا وزارة للإعلام في لندن تضم قسما خاصا بالشرق الأوسط.

من العوامل الأخرى التي كانت تؤثر في موقف المصريين في بريطانيا وبالتالي مصدر قلق للامبسون على سلامة الجبهة الداخلية سياسة مصر الإسلامية وموقفها من القضية الفلسطينية ذلك أن مصر بعد معاهدة 1936 أخذت تبحث لها عن دور في السياسة العالمية ولم تبدأ مصر ذلك من فراغ فقد كانت تنازعها عدة اتجاهات منذ آخر القرن التاسع عشر فبالإضافة إلى شعورها بشخصيتها المتميزة كان هناك اتجاه إسلامي قوي نحو الجامعة الإسلامية ذلك الاتجاه الذي كان يشجعه من الخارج سلاطين تركيا ويشجعه من الداخل الكثير من الهيئات والمفكرين منهم الحزب الوطني كان هناك أيضا الاتجاه العربي ويدعو له مفكرون أمثال عبد الرحمن الكواكبي ويشعه الخديوي عباس حلمي الثاني نكاية في السلطان العثماني ولتحقيق مآرب سياسية.

وفي الفترة التي يتناولها البحث الآن كان الاتجاهان يسيران جنبا إلى جنب على المستوى الشعبي أما على المستوى الرسمي فكان الاتجاه الإسلامي هو الأعلى نتيجة للسياسة الإسلامية التي اتبعها الملك فاروق لزيادة شعبيته بتوجيه من الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر وعلي ماهر باشا رئيس ديوانه تلك السياسة التي تضمن إظهار الملك الشاب بمظهر الصلاح والتقوى وأدائه صلاة الجمعة كل أسبوع في أحد المساجد والهتاف له بلقب الخليفة وأمير المؤمنين ومحاولة صبغ حف وتولية العرش بالصبغة الدينية وقد تضمنت هذه السياسة الإسلامية بحكم الضرورة انعكاسات عربية وبخاصة فيما يتصل بقضية فلسطين وفي أكتوبر 1938 عقد في القاهرة المؤتمر البرلماني العربي والإسلامي لنصرة قضية فلسطين وحين تألفت وزارة علي ماهر في أغسطس 1939 ضمت ثلاثة من كبار المدافعين عن الإسلام والعروبة وهم عبد الرحمن عزام وصالح حرب ومحمد علي علوبة

تلك السياسة الإسلامية العربية كانت كما أشرنا مصدر قلق للامبسون علي سلامة الجبهة الداخلية من وجهة النظر البريطانية فكتب في نوفمبر 1938 عقب المؤتمر البرلماني لنصرة قضية فلسطين يقول (ما كاد ينتهي الفزع الناشئ عن تذر الحرب حتى أخذت المسألة الفلسطينية بوصفها من الشئون الخارجية مكان الصدارة على السياسة الداخلية وقد شجع القصر والحكومة الحركة الفلسطينية هنا كجزء من سياسة مصر الإسلامية المسيطرة في الشرق الأدنى والأوسط واستجابة للمساعي التي بذلتها لدى القصر والحكومة أمكن توجيه مداولات المؤتمر العربي البرلماني إلى أسس معتدلة نسبيا وفي نفس الوقت فإن الجمعيات الإسلامية المختلفة التي ازداد عددها في السنة الماضي ولها اتصال بالقصر قد اشتد عنفها في استنكارها للصهيونية والجبهة الإمبريالية التي تساندها وهي بريطانيا العظمة وهنا مرة ثانية استجابت الحكومة لتوسطاتي وأظهرت بعض السيطرة على عوامل الهياج وقد أصبحت الجامعة المصرية أيضا مركزا لهذه لحركات المعادية لبريطانيا ويشترك فيها الطلاب من جميع الأحزاب ومع أن الوفد قاطع المؤتمر البرلماني لأنه انعقد تحت رعاية النظام الحالي إلا أنه استغل المسألة الفلسطينية ليظهر بريطانيا العظمى بمظهر العدو الأكبر وليظهر فتور الحكومة نحو القضية العربية لأن الوزارة كما يدعي الوفد مدينة للدعم البريطاني بالاستمرار في الحكم.

ونظرا لتعاطفي المصريين الشديد مع عرب فلسطين فما لم تحل المشكلة الفلسطينية فإنها ستظل مادة يستغلها المحرضون السياسيون سواء في ذلك القصر أو الوفديون لمهاجمة بريطانيا العظمة المحرضون وإلحاق الضرر بالعلاقات المصرية الإنجليزية إن حل هذه المشكلة من شأنه أن يقلل من الصعوبات التي نلاقيها هنا ولا يفتأ رئيس الوزراء يردد هذا الرأي في أحاديثه معي...

لا يزال الملك فاروق بإرشاد علي ماهر باشا يواصل السياسة الإسلامية التي كان والده يسير عليها دون أن تكون له بصيرته أما في الخارج فإنها هذه السياسة الإسلامية تميل إلى تعزيز نفوذ مصر في العالم الإسلامي تحت رعاية بريطانيا العظمى وفرنسا وسواء أكان هذا الحلم الأخرق يؤدي إلى قيام الخلافة في مصر أو كان الهدف العملي الوصول إلى نوع من الرياسة الدينية في الإسلام فإن هذه السياسة الملكية تنطوي على خطر إثارة كراهية الأجانب في مصر كما أنها تؤدي إلى توثيق التعاون بين الدول الإسلامية التي تناهض سياستنا وسياسة الفرنسيين وعما قليل سوف يتضح الموقف في هذا الأمر الحيوي الهام فإما أن يواصل العالم الإسلامي صداقته التقليدية لنا وإما أن ينحاز إلى الجانب الإيطالي الألماني لذلك فإن السياسة الإسلامية التي ينتهجها ملك مصر يجب أن تكون موضع اهتمامنا الكبير وينبغي أن نراقب تطوراتها بعناية فائقة

وفي يناير 1939 كتب يقول أن المسألة الفلسطينية تعمل على استمرار تعقيد العلاقات المصرية البريطانية وأن مصر (تطمع في استخدام استقلالها الذي حصلت عليه أخيرا في أن تلعب دورا قياديا في الشرقين الأدنى والأوسط إن أطماع الملكية في الخلافة تجعل عون مصر مؤكدا لأية قضية إسلامية داخل أو خارج الحدود المصرية.

هذا الحماس الإسلامي المثار قد نفث عن نفسه تنفيثا طبيعيا في حملة متصلة هدفها مساعدة جيرانها من مسلمي فلسطين الذين يتخذ جهادهم ضد البريطانيين واليهود صورة الحرب المقدسة وقد ألقى وصول المنفيين من سيشل مزيدا من الوقود على النار المشتعلة وهم ضيوف جمعية الشبان المسلمين وقد أصبحوا مركزا لأعمال الهياج الإسلامي المعادي للبريطانيين إن قسوة أعمال القمع العكسري التي كان يتعذر تجنبها في فلسطين قد أتاحت الفرصة لاستغلال ما أسموه بالوحشية البريطانية ومرة تلو الأخرى كان على السفارة أن تحتج على هذا الهياج لدى وزارة الداخلية من وقت لآخر كانت السلطة المصرية نتيجة لطلباتنا تصادر بعض الكتيبات الجارحة المضادة للبريطانيين..

وعلى أية حال يجب ألا نفترض أن التعصب الديني هو وحده المسئول عن مساعدة المصريين لعرب فلسطين فجميع المصريين يتعاطفون فعلا مع العرب في جهادهم وأكثر ويخشى المصريون وربما لخوفهم ما يره أن جوار دولة يهودية قوية يؤثر جديا في تفوق مصر الاقتصادي في الشرق الأدنى.

يجب أن يكون في بالنا أنه توجد هنا جالية فلسطينية مهمة غالبية أفرادها من اللاجئين وأن هؤلاء الفلسطينيون سيظلون مركزا دائما لهياج مضاد للبريطانيين إلى أن تتم تسوية المسألة الفلسطينية بما يرضي العرب وهذه صورة من الموقف في فلسطين لها أهميتها الكبرى بالنسبة لوضع بريطانيا العظمى في مصر.

ولا ريب في أن متاعب بريطانيا العظمى مع العالم العربي بشأن فلسطين تضعف من موقفها في شرق البحر المتوسط بشكل محسوس وبذلك يكون لها أثر سيء على دورنا كحليف لمصر وقد سبق أن أوضحت أن مصر لم تعد على ثقة كاملة من قدرتنا على توفير الحماية الكافية لها ضد العدوان لذلك كان لابد من الإسراع بتسوية المسألة الفلسطينية بطريقة تعيد لنا تأييد العالم العربي وبذلك يقوي موقفنا هنا

وعاد لامبسون في مايو 1939 يقول أنه (من الواضح أن عداء الوفد لاشتراك مصر في حرب يمكن بسهولة تصويرها للشعب الجاهل على أنها حرب بريطانيا العظمى وليست حرب مصر قد يعقد أعمالنا وأعمال الحكومة المصرية إلى درجة كبيرة.. وإذا لم تحل المسألة الفلسطينية سريعا حلا مرضيا فإنها ستمد الوفد بالكثير من الذخيرة الفعالة (ضد بريطانيا)

ولا شك أن هذا الضغط الشديد من جانب لامبسون لسرعة تسوية المسألة الفلسطينية بما يرضى العرب كان من العوامل الهامة التي أدت إلى تغيير بريطانيا سياستها في فلسطين أواخر 1938 وأوائل 1939 فقبل ذلك كانت السياسة البريطانية منذ يوليو 1937 تقوم على أساس تقرير لجنة بيل peel الذي تضمن الاقتراح بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية ومنطقة محايدة تشمل الأماكن المقدسة ثم أرسلت في أبريل 1938 لجنة التقسيم لتضع تفاصيل تنفيذه ونشر تقريرها في أكتوبر في ذلك التقرير أوضحت اللجنة أن التقسيم غير عملي لكنها في النهاية عرضت مشروعا معدلا للتقسيم يقوم على أساس تكوين اتحاد جمركي من الأقسام المختلفة وفي نوفمبر 1938 أعلنت الحكومة البريطانية عن عدولها عن سياسة التقسيم واعتزامها دعوة ممثلين لعرب فلسطين ولليهود وللدول العربية المجاورة إلى مؤتمر يعقد في لندن للبحث عن حل للمسألة الفلسطينية

لم يسفر مؤتمر المائدة المستديرة (فبرايرمارس1939) عن حل لكن المقترحات التي تقدمت بها الحكومة البريطانية خلاله هي التي صدر بها الكتاب الأبيض في مايو 1939 وتتضمن إنهاء الانتداب وإقامة دولة واحدة مستقلة خلال 10 سنوات، وتحديد الهجرة وإيقاف الهجرة غير الشرعية وبيع أراضي العرب لليهود تلك كلها مكاسب للعرب ويلاحظ أن فترة هذا التطور في السياسة البريطانية تتفق مع إجازة لامبسون في بريطانيا وهي تمتد عادة بين يوليو وأكتوبر وخطاباته المتوالية التي أشرنا إليها بين نوفمبر 1938 ومايو 1939.

وكانت حالة البلاد الإدارية والاقتصادية والمالية بوجه عام تزعج لامبسون وتثير قلقه على الجبهة الداخلية.

ترتبت على معاهدة 1936 عدة نتائج كان لها صداها في المال في المجال الإداري والاقتصادي فقد ألغيت الامتيازات الأجنبية واسترددت مصر حريتها في التشريع للأجانب وفي فرض الضرائب المباشرة عليهم وقد أثار ذلك قلق الأجانب وتخوفهم من الطريقة التي ستزاول بها الحكومة المصرية سلطاتها التي استردتها وكان لهذه المخاوف أثرها في المجال الاقتصادي ومن النتائج التي كانت مصدر توجس وترقب أيضا تصفية القسم الأوروبي أو بوليس الأجانب في وزارة الداخلية.

وقد ترتبت على استرداد مصر حريته فيم يختص بفرض الضرائب أن سنت قوانين جديدة خاصة بضرائب الدخل والتمغة والتركات لتنمية موارد الدولة وذلك دون تطوير مبكر وسريع للإدارات الخاصة بجباية تلك الضرائب بالشكل الذي يرفع من كفاءتها ويمكنها من مجابهة تلك الأعباء الجديدة وكانت الحاجة مساة إلى هذا التطوير حتى تجني الدولة أقصى فائدة من تلك القوانين الجديدة مما يمكنها من مواجهة الأعباء الباهظة التي فرضتها عليها المعاهدة ومن مواجهة أعباء التنمية في مجتمع حديث عهد بالاستقلال وبذلك يكون العجز الإداري أساس لعجز مالي واقتصادي يقع ضرره في النهاية على المجتمع ويؤدي إلى تذمر أفراده من السلطة الحاكمة.

يضاف إلى ذلك انخفاض أسعار القطن في نهاية عام 1938 وأوائل 1939 مع نقص محصوله نتيجة لظروف جوية ومهاجمة الآفات للمحصول مما أدى إلى سوء الحال في الريف والعجز عن تسديد الديون العقارية ومهاجمة الحكومة والضغط عليها لإيجاد حل حاسم لتسوية تلك الديون وقد أدى سوء حال البلاد المالية والاقتصادية إلى تفشي البطالة.

ولما كان الاعتقاد لا يزال حينئذ سائدا بأن بريطانيا مستمرة على التدخل في شئون مصر بعد معاهدة 1936 وأن تلك المعاهدة قد أثقلت مصر بالتزامات مالية فادحة فإن جانبا كبيرا من الاستياء نتيجة سوء الحالة المالية والاقتصادية كان ينصب على بريطانيا.

تلك هي الحالة التي كانت مبعث قلق السفير البريطاني وخوفه من أنها ستؤدي إلى وجود شعور عدائي في مصر ضد بريطانيا وضد المعاهدة وقد عبر عن مخاوفه تلك ابتداء من نوفمبر 1938 إذ كتب يقول (إن مصر ضد بريطانيا وضد المعاهدة وقد عبر عن مخاوفه تلك ابتداء من نوفمبر 1938 إذ كتب يقول (إن مصر مقبلة على أوقات عصيبة ولم يبز من رجال السياسة فيها من هو كفء لرسم تخطيط سليم لمواجهة الأخطار التي تهدد مستقبل البلاد.

الموقف المالي والاقتصادي سيء فالمساحة المزروعة قطنا العام أقل من مساحة العام الماضي كما أن المحصول قد انخفض بسبب العوامل المناخية وبسبب الخسائر الفادحة التي أحدثتها دودة القطن ولظروف الفيضان ومع أن التقديرات تختلف فالاعتقاد السائد هو المحصول هذا العام يقل عن محصول العام الماضي بمقدار الثلث مما يؤدي إلى خسارة في الدخل القومي تبلغ عشرة ملايين من الجنيهات كما أن حصيلة الجمارك قد أظهرت اتجاها إلى الانخفاض وقد أصبحت جباية ضريبية الأطيان الزراعية من الفلاحين الذين يعانون من النكبة أمرا شاقا يستلزم إجراءات مشددة ضد المختلفين عن السداد وقد بدأت الحكومة وضع مشروعات للإسراع في زيادة عدد الجيش وقوة الطيران بل وفي إنشاء بحرية مصرية، ولا أعتقد أن هناك تقديرات سليمة أو أن ميزانية قد وضعت للموازنة بين المصروفات المتزايدة وبين هذه المشروعات الطموحة في حدود موارد البلاد الاقتصادية.

وقد أشار إلى مشروعات ضرائب الدخل والتمغة والتركات وأنها قدمت إلى البرلمان في سبتمبر وأدخلت عيها بعض التعديلات وأنها ستبحث خلال الدورة الجديدة وقال وحتى إذا تمت الموافقة عليها في صورتها المعدلة فإنه لا يحتمل أن تكون مصدرا كبيرا للإيراد لفترة كبيرة وكذلك فإن الأجهزة اللازمة للإدارة الفعالة في هذه الظروف المالية المعقدة لا تتوفر لها الخبرة الكافية ومن ثم فإن الحكومة تواجه برنامجا عسكريا ضخما لا يمكن تمويله من اعتمادات الإيرادات الحالية إذا أريد تنفيذه، ومن المفروض أن تلجأ الحكومة إلى المبالغ الاحتياطية بالميزانية.

ومن الصعب أن نتجنب التشاؤم تجاه مستقبل مصر الاقتصادي والمالي نظرا لالتزاماتها العسكرية الجديدة ولضعف الجهاز المنوط بمواجهة الأعباء الجديدة التي تثقل موارد البلاد الاقتصادية ومن صور هذا التشاؤم الذي يشعر به المستثمرون أجانب ووطنيون نزول أسعار الأوراق المالية المصرية ولو أن هذا النزول يرجع أيضا إلى عوامل اقتصادية عالمية.. وسوف يؤدي زيادة الأعباء المالية إلى أن يزداد الناس كراهة للقصر ويقوم تذمرهم ضد نظام القصر الذي يعزون إليه متاعبهم الاقتصادية.

ولما كان الناس يخشون أن يتعرضوا للمخاطر إذا ما أعربوا عن معارضتهم للملك فإنهم ينحون باللائمة على إنجلترا كما تعودوا ذلك من قبل وقد بدأ الوفد بالفعل حملته على برنامج الإنفاقات العسكرية بدعوة أن هذه الأعباء فرضت على المصريين لخدمة مصالح الإمبريالية البريطانية والوفد يعتبرنا مسئولين عن كل إجراء حكومي يثير السخط لدى الشعب ولا يزال المصريون يعيشون على المفاهيم القديمة التي مؤداها أن إنجلترا في حقيقة الأمر هي التي تمسك بخيوط الحكم وتحركها وراء ستار من الإدعاء بعدم تدخلها لذلك فإن الدعاية الوفدية تلقى آذانا صاغية ليس بين الجماهير الجاهلة فحسب بل بين المتعلمين وأنصاف المتعلمين أيضا وطالما استطاع الملك فاروق وحكومته أن يحولوا دون تدهور خطير في الجهاز المالي والإداري فإن ما يثيره الوفد من مشاعر التذمر لن يكون خطيرا لكنه قد يبلغ درجة الخطر إذا ما تعدت المشاكل الجديدة الإدارية والمالية طاقة حكام مصر الحاليين وقد يجد السخط الشعبي الناجم عن الخلل الاقتصادي منفذا في قيام تحركات معادية للقصر بل ومعادية لبريطانيا وللمعاهدة بصفة خاصة ذلك أن الحقيقة تبقى دائما ماثلة في أن مصير التعاون بين انجلترا ومصر مرتبط بصلاحية الأداة الحكومية المصرية وبمتطلبات السياسة الدولية

وعاد لامبسون في يناير 1939 إلى الكتابة عن سوء الحالة المالية وأشار إلى أن هذه الصعوبات قد ازدادت واستمر هبوط الدين الموجد بدرجة تدعو إلى القلق ومع أن هذا الهبوط يعزي من جهة إلى عوامل خارجية ومن جهة أخرى إلى ضعف اقتصاد البلاد بسبب الهبوط الكبير في أسعار القطن إلا أن انعدام الثقة في مستقبل مصر الإداري قد لعب دورا كبيرا في هبوط الأوراق المالية المصرية فمشروع القانون المعروض الآن أمام البرلمان على سبيل المثال والذي مؤداه أن يخلص ملاك الأراضي من جزء كبير من رهنيات أراضيهم قد أثار شعورا سيئا في الدوائر المالية التي تنظر إليه كدليل على عبث الغوغاء بسمعة البلاد.

إن المصريين المستثمرين لأموالهم في السندات الحكومية معظمهم من الأجانب أو شبه الأجانب كاليهود والسوريين وغيرهم من المتجنسين بالجنسية المصرية وقد بدأوا يدركون حرج موقفهم باعتبارهم أقلية من الدائنين تواجه أغلبية ساحقة من المدينين المصريين الذين أصبحوا بعد استقلال مصر وإلغاء الامتيازات يتمتعون بقوة يحتمل أن يسيئوا استخدامها في مصالحهم المالية بغض النظر عن سمعة البلاد.

وأشار لامبسون إلى أن الدكتور أحمد ماهر وزير المالية حينئذ قد بذل جهدا جبارا لضغط المصروفات وبخاصة اعتماد مرتبات الموظفين كما أنه اقترح كادرا جديدا يتضمن تخفيضات كبيرة في مرتبات الموظفين ويبدي تشككه في أن تتمكن الحكومة من المضي في هذه السياسة لأن الموظفين في مصر قوة تخشاها جميع الحكومات ثم أشار إلى الصعوبات التي تواجهها مشروعات الضرائب الجديدة في البرلمان واستغلال الوفد للأزمة المالية وكادر الموظفين الجديد لإحراج الحكومة وعرج على الاضطرابات التي يثيرها طلبة الأزهر ودار العلوم والجامعة والمدارس الفنية بقيامهم بالإضراب للضغط على الحكومة لتحقيق مطالبهم فيما يتعلق بتوظيف الخريجين وقال أن وراء حركة الاضطرابات هذه توجد مشكلة البطالة التي تفشت بين العمال والتي كان سببها التطور السريع للتعليمين العالي وغير الفني في بلاد زراعية لا تتوافر فيها فرص العمالة التي تكفي لتوظيف آلاف الشباب الذين عدلوا عن الاشتغال بالزراعة إن خطر الثورة الكامن في هذا الوضع واضح جلي إن الحقائق المؤلمة للموقف المالي والاقتصادي معروفه ومن المتوقع أن تؤدي إلى تدهور ذريع في بناء البلاد الاقتصادي ولكنهم المصريون لا يواجهونها بصراحة نظرا لانعدام روح التضحية والتضامن القومي

وعاد في مايو 1939 يقول أن الموقف الاقتصادي السيئ الذي يعزي إلى هبوط أسعار القطن يبدو أثره في الريف في تزايد عدم قدرة ملاك الأراضي على سداد أقساط الديون المرتهنة عليها أراضيهم وأنه لا يمكن تجنب أثر رد الفعل السيئ لهذه الظروف على سمعة مصر ومع ذلك فإن فقد الثقة لدى الأجانب في مصر يقوم بالأكثر على الاعتقاد بأن المظاهر الحالية المعتدلة نسبيا لكراهية المصريين للأجانب في المجال الاقتصادي المصري سوف تشتد على مرور الزمن ويزداد عدم الثقة هذا نتيجة الاعتقاد في استمرار التدهور الإداري والقضائي في مصر.

إن الإدارة المصرية أصبحت عاجزة عن معالجة مشاكل اقتصادية واسعة كتلك التي تترتب على زيادة عدد السكان بالنسبة لموارد الإنتاج وهبوط أسعار المحاصيل ووجود جاليات أجنبية كبيرة وعلاقات مصر الاقتصادية الواسعة مع أوروبا وضخامة مشكلتها العسكرية في ظروف الحروب الحديثة إن الإدارة المصرية آلة أقامها الأوروبيون على النمط الأوربي المعقد ولا يمكن أن تدار بأيد مصرية وهي لا تزال تدور في الوقت الحاضر بقوة الدفع القديمة لكن من الواضح أن سرعتها تتلاشى وبعبارة أخرى فلا يوجد الآن عمل حقيقي كثير يتم انجازه

وفي يوليو 1939 عاد إلى نفس الموضوع فكتب يقول أن الاحتفاظ بالجبهة الداخلية سيتأثر بشكل عكسي بالسياسة الحالية للحكومة المصرية التي ترمي إلى التخلص من الموظفين الأجانب على نطاق واسع دون النظر بعين الاعتبار إلى ما إذا كان هناك مصريون صالحون يحلون محلهم وتنطوي هذه السياسة على إبعاد كثير من الموظفين البريطانيين الذين تعتبر خدماتهم في مؤخرة الحرب ذات أهمية أساسية

لم يقدم لامبسون اقتراحات لعلاج سوء الحالة الاقتصادية والمالية والإدارية حينئذ لكن حين عاد إلى الكتابة في هذا الموضوع في نوفمبر 1939 اقترح أن تتدخل الحكومة البريطانية لشراء محصول القطن المصري بسعر يعلو قليلا عن سعره حينئذ

حين كان لامبسون يكتب إلى الخارجية بآرائه عن الإدارة المصرية كان اللواء رسل باشا حكمدار لبوليس العاصمة وكان وكيله الأميرالاي فيتز باتريك بك، وكان اللواء بيكر باشا حكمدار البوليس بالإسكندرية ووكيله الأميرالاي جيز بك، كما كان اللواء ويلز باشا مديرا لمصلحة المواني والمنائر وكان الأميرالاي أبلت ablitt بك حكمدار لبوليس القناة أما مصلحة التلغرافات والتليفونات فكان على رأسها مستر وب، وكان بالجيش المصري بعثة عسكرية بريطانية كبيرة العدد على رأسها الجنرال ماكريدي وكانت تشرف على تدريب الجيش وتسليحه أي أنه كان لبريطانيا رجالها القابضون على السلطة في المصالح الحساسة: البوليس، والمواني والمواصلات السلكية واللاسلكية والمشرفون على الجيش.

يبدو من هذا أن لامبسون كان يرى أن تأمين الجبهة الداخلية لضمان سلامة وفعالية القاعدة البريطانية في مصر كن يستدعي زيادة الإشراف البريطاني على الإدارة المصرية.

ولما كان ذلك متعذرا في ظروف ما بعد معاهدة 1936 فقد أصبح بديله هو التدخل السياسي تسنده القوة العسكرية الكفيلة بحفظ هيبة بريطانيا وبقاء كلمتها مسموعة.

وكان لامبسون يرى في التدخل والقوة العسكرية إلى جانب مقترحاته التي أشرنا إليها الوسيلتان الحاسمتان لمواجهة جميع العوامل التي تهدد سلامة الجبهة الداخلية من وجهة النظر البريطانية ولضمان تعاون المصريين وتنفيذ المعاهدة وكان مصمما على التدخل والسيطرة السياسية حتى بعد توقيع معاهدة 1936

ولا شك أن في هذه الفكرة توجد بذور التدخل البريطاني في حادث 4 فبراير 1942.

في نوفمبر 1938 كتب لامبسون عن الأزمة الدولية في سبتمبر وأشار إلى ما لمسه من تردد الحكومة بشأن ما تقتضيه المعاهدة من مصر في رأسه بدخولها الحرب ثم قال (إن تجدد مثل هذا الاتجاه لتجنب الوفاء بالتزامات المعاهدة إنما يتوقف إلى حد كبير على قوتنا الحربية فإذا شعر المصريون أننا في وضع يمكننا من حمايتهم بشكل فعال تضاءل ميلهم إلى أن يلعب الخيال بعقولهم في إمكان التباعد عن حرب تتورط فيها بريطانيا العظمى إن ضعفنا في جبهة شرق البحر المتوسط هو الذي يشجع على مثل هذه الميول

وفي يناير 1939 حين كتب عن خطاب عن خطاب صدقي باشا في البرلمان عن حياد مصر وتعديل التزاماتها بمقتضى المعاهدة، قال إن انتشار فكرة حياد مصر. يتوقف إلى حد كبير على قدرتنا على استرجاع ما كان لنا من هيبة وقوة في الشرقين الأدنى والأوسط فلو أن مصر اعتقدت أن بريطانيا العظمى لديها من القوة ما يكفل حمايتها أي حماية مصر ضد النشاط العسكري والجوي المخرب فسوف يقل بلا شك الحديث عن حيادها وإذا لم نتمكن من إثارة هذا الشعور بقوة أسلحتنا وباستعادة صداقتنا مع العالم العربي المجاور، فمن الواضح أن مصر ستطالبنا إن عاجلا أو آجلا بالحد من التزاماتها الحربية بمقتضى المعاهدة المصرية البريطانية وأشار إلى أن الدعاية الألمانية الإيطالية تعمل على تقويض مركز بريطانيا في مصر والشرقين الأدنى والأوسط وأن الطريقة الفعالة لمواجهة تلك الدعاية هي تسوية الخلافات مع أصدقاء بريطانيا وحلفائها من العرب والمصريين .

(وأن تقوى قواتنا المسلحة بدرجة كافية حتى يرى أصدقاؤنا وأعداؤنا على السواء أننا أقوياء إلى الحد الكافي لحماية أنفسنا في شرق البحر المتوسط

وبعد استيلاء ألمانيا على باقي تشيكوسلوفاكيا واستيلاء إيطاليا على ألبانيا عاد لامبسون يقول إن مستقبل موقفنا كله في الشرق الأوسط يتوقف على وجود قوات بريطانية كافية في مصر لكن نثبت للمصريين ولشعوب الشرق الأدنى الأخرى قدرتنا على الدفاع بكفاءة عن البلاد التي تعهدنا بالدفاع عنها بمقتضى المعاهدات

يتضح من تلك الرسالة أن لامبسون يطلب تعزيز القوات البريطانية في مصر ليس لحماية مصر والشرق الأدنى فقط، بل أيضا لحماية مصالح بريطانيا في تلك البلاد في مواجهة أهلها عن طريق الإرهاب الذي يخلقه وجود تلك القوات.

الفصل الرابع: التدخل البريطاني بعد معاهدة 1936

1- في 9 نوفمبر 1936 كتب لامبسون عن مقابلة له مع النحاس باشا تحدث معه فيها عن تنظيم القمصان الزرقاء التابعة للوفد فقال، (وأبلغته بكل صراحة عن التخوف الخطير في لندن بشأن هذا التنظيم شبة العسكري نحن نخشى أن يبني غول فرانكشتاين الذي قد يسيطر على صانعة ويحكم البلاد كلها.

2- قال النحاس باشا على الفور أنه يدرك هذا الخطر وأنه يدرك هذا الخطر وأنه يتخذ الإجراءات لإبقاء هذه الحركة تحت السيطرة وتكون مهمتها ألعاب القوى الوفدية) وتبتعد عن السياسة..

3- ذكرت أني فهمت أن هناك تشريعا سوف يقدم قريبا إلى البرلمان البريطاني لمثل هذه التنظيمات السياسية في المملكة المتحدة، وأنه يحرم ارتداء مثل هذه الأزياء العسكرية إلخ وأني لا أعلم بالبنود الكاملة سوف أطلب هذا القانون حين يرى دولة رئيس الوزراء أن هناك فائدة من دراسته عند النظر في عدم اشتغاله بالسياسة

وفي 14 نوفمبر كتب عن مقابلة جرت بينه وبين أمين عثمان بمناسبة توليه منصب وكيل وزارة المالية، وكان الأخير يحظى بنفوذ كبير في الوفد وبخاصة لدى النحاس، كما كان على اتصال وثيق بالسفارة البريطانية لذلك كان همزة الوصل بين الوفد والسفارة في هذه المقابلة نقل لا مبسون إلى أمين عثمان مضمون لقائه مع مجلس الوصاية في 6 نوفمبر، فكرر أمين عثمان (ما كان قد تطوع بقوله من قبل، وهو أنه من المرغوب فيه الآن، ربما أكثر مما كان الحال من قبل أن يستمر نفوذنا ملموسا وأن تغير وضع مصر لا ينبغي أن يعني أن نتبع سياسة عدم التدخل أو عدم الاهتمام لذلك فقد أسعده بوجه خاص أني تدخلت في موضوع الإنعامات حتى يستمر النظر إلى عادة الاستماع إلينا في مثل هذه الأمور كأمر عادي وعلق لامبسون على ذلك قائلا لأمين عثمان أنه لا يعتزم أن يتخلى عما كان يتبعه، وهو الاتصال مباشرة برئيس الوزراء في المسائل الكبرى، أما المسائل الروتينية الصغيرة فيجري الاتصال بشأنها بوزير الخارجية وأجاب أمين عثمان على ذلك بأن لامبسون سيجد ترحيبا حارا بهذا من النحاس باشا

ويلقى مستر كيللي القائم بعمل لامبسون في الفترة المبكرة من الأزمة الدستورية عام 1937 الضوء على ضرورة اتباع سياسة التدخل بقوله تلخيصا لتقرير مرفق لوالتر سمارت السكرتير الشرقي بالسفارة مازلت القوى الحاكمة هي القصر والوفد والسفارة البريطانية رغم أن موقفنا أصبح دقيقا بعد أن تنازلنا عن التحفظات الأربعة)..

أما بالنسبة لسفارة جلالة الملك فقد أثبتت الأحداث الأخيرة استحالة الاستمرار في اتخاذ موقف دبلوماسي عادي لو كانت السفارة قد اتخذت موقف السياسي المحايد حقيقة فإن هذا الموقف المحايد على حد قول مستر سمارت كان سيفسر من جانب الملك وعلي ماهر أنه إشارة منا بالاستمرار بل والأكثر من ذلك كان سيفسر بنفس المعنى من جانب النحاس ومكرم عبيد وأعتقد أنه لا جدوى من عدم اتخاذنا لخط واضح ما دام رفضنا إبداء الرأي سيفسر على أنه طريقة دبلوماسية للتشجيع.

وهناك عامل آخر مهم وهو المرونة التي تميز بها النحاس ومكرم في شتى الأمور...

لاعتقادهما أن مساعدتنا لهم أساسية في التعامل مع القصر وأشك أن هذه الحكومة أو أية حكومة أخرى في المستقبل ستستمع إلى رأينا إذا اعتقدوا أننا فعلا سنتبع سياسة حياد مطلق قد يعاملوننا بود لكنهم سيهتمون بمصالحهم السياسية قبل كل شيء دون اعتبار لوجهة نظرنا.

المقصود بموقف دبلوماسي عادي هنا هو عدم التدخل والمقصود بتعبير إشارة بالاستمرار هو إشارة لكل من الطرفين بالاستمرار في الصراع وهذا في رأي سمارت وكيللي يؤدي في النهاية إلى مجيء وزارة من وزارات القصر بكل مساوئها .

نخرج من رسالة كيللي ومن تقرير سمارت بثلاث نقاط واضحة فيما يختص بالتدخل:

أولا: صعوبة التدخل بعد معاهدة 1936 لانتهاء التحفظات الأربعة.

ثانيا: التدخل حينئذ لازم حتى لا يحتدم الصراع بين الوفد والقصر وتجيء وزارة أقلية خاضعة للقصر وهذا ما يخشاه الجانب البريطاني حينئذ.

ثالثا: التدخل لازم لحماية المصالح البريطانية التي لن تراعيها الأطراف المتصارعة لو أتخذ الجانب البريطاني موقف عدم التدخل.

خلاصة الأمر أن لامبسون تحرك بسرعة بعد توقيع المعاهدة ليؤكد أن النفوذ البريطاني والتدخل البريطاني سيبقى بعد توقيع المعاهدة كما كان قبلها ولم يلق معارضة في ذلك سواء من الوفد أو من السراي لكن هذا القبول لم يكن مطلقا بل مقيدا بمصلحة كل من الأطراف الأخرى يستثنى من ذلك طبعا حالة التهديد باستخدام القوة لذلك فحين تدخل الجانب البريطاني لصالح الوفد في الأزمة الدستورية أواخر عام 1937، ولم يستخدم سوى وسيلة الضغط السياسي فشل هذا التدخل أمام تصميم السراي وتعاونها مع أحزاب المعارضة وانقسام الوفد فأقيلت وزارة النحاس في ديسمبر 1937 وبدأت في مصر فترة أخرى من حكم السراي عن طريق أحزاب الأقلية ترتب على هذا الفشل إضعاف مركز الجانب البريطاني وسوء علاقته مع كل من السراي والوفد.

هذه الحقائق تقودنا إلى حقيقتين أخريين على جانب كبير من الأهمية إحداهما أنه يجب عدم التدخل عن طريق التهديد باستخدام القوى إلا في حالة خطر داهم ومؤكد للمصالح البريطانية ذلك لأن التهديد باستخدام القوة يحب أن يصحبه وجود الإمكانيات والاستعداد لاستخدامها والتدخل بهذا الشكل خطيرا الأثر بعد توقيع المعاهدة والتخلي عن التحفظات الأربعة وفي ظروف الصراع الدولي المحتدم وتنبنى على هذا الحقيقة الثانية وهي الحد من التدخل البريطاني وقصره على ما يسمى مصالح بريطانيا الأساسية.

أدركت وزارة الخارجية البريطانية هاتين الحقيقتين بعد فشل التدخل البريطاني في الأزمة الدستورية لذلك كتب وزير الخارجية مستر إيدن إلى لامبسون في 10 فبراير 1938 يحدد له، على وجه التقريب أحوال التدخل وقد أشرنا إليها في الفصل السابق التي ينبغي عدم تعديلا وألحقها لورد هالفاكس الذي خلف إيدن في وزارة الخارجية برسالة أخرى تحمل نفس المعنى وقد سبقت الإشارة إلى ذلك

وقد استمرت هاتان الرسالتان من إيدن وهالفاكس مع معاهدة 1936 تشكلان الإطار الذي تتحرك في نطاقه السياسة البريطانية في مصر حتى قيام الحرب.

أما الجانب المصري فقد أدرك هاتين الحقيقتين في وقت مبكر فأثناء الأزمة الدستورية أدركت السراي الملك ورئيس ديوانه علي ماهر أن الجانب البريطاني لن يتعدى الضغط السياسي وتقديم النصيحة إلى التهديد باستخدام القوة لذلك استمرت في تنفيذ خطتها وأقالت وزارة النحاس إن إدراك السراي لهاتين الحقيقتين عن التدخل البريطاني يمثل إحدى خلفيات حادث 4 فبراير 1942 فلو كانت السراي حينئذ تعتقد أن الجانب البريطاني قد يلجأ إلى استخدام القوة لتغيرت معالجتها للأزمة.

أما الوفد فإن تصرف رئيسه يدل على إدراك الأوضاع بعد عقد المعاهدة.

لم يعترض على تدخل لامبسون في أول الأمر ولا شك أنه بذلك كان يريد أن يتجنب صراعا مع الجانب البريطاني وهو يتوقع صراعا آخر مع السراي حين يتولى الملك سلطاته الدستورية لكن النحاس لم يلبث أن أحس بثقل وطأة التدخل البريطاني وأخذ يتصرف تصرفا مستقلا مما أغضب لامبسون فكتب في فبراير 1937 إلى إيدن شاكيا بقوله فيما يختص بميدان السياسة الخارجية فإن موقف حكومة الوفد ليس مرضيا وسبق أن أشرت إلى كتمان الحكومة أمر حادثاتها مع حكومة العراق لعقد معاهدة تحالف وسبق أن أشرت إلى كتمان الحكمة أمر محادثاتها مع حكومة العراق لعقد معاهدة تحالف (أنظر برقيتي رقم 148 في أول فبراير الماضي) على الرغم من أن أي حليف ملزم أدبيا بأن يناقش معنا احتمالات دخوله في التزامات مع دولة أجنبية.

والحكومة المصرية بوجه عام لا تستشيرنا والحق أنها فيما أعتقد لا تميل إلى التشاور معنا في المسائل التي تهم كلا من الطرفين كما تفعل حكومات أخرى لا تربطنا بها سوى روابط الصداقة والمنفعة إلى أخر ما ورد في تلك الرسالة من تمنيات بأن يضعف الوفد وقد سبقت الإشارة إليها يمكن أن نضيف إلى ذلك الرسالة من تمنيات بأن يضيف إلى ذلك حقيقتين لتتضح الصورة، إحداهما أن لامبسون حاول جاهدا احتواء السراي عن طري اجتذاب فاروق ووعده بالوقوف إلى جانبه إذا اتبع الطريق الدستورية وعن طريق الحد من نفوذ علي ماهر في السراي وتشجيع أحمد حسانين أما الثانية فهي أن لامبسون حاول مساعدة الوفد في الأزمة الدستورية أواخر عام 1937.

بذلك تتضح سياسة لامبسون ويمكن إيجازها في أن السيطرة البريطانية والتدخل البريطاني يواجهان في الوفد خصما قويا بما له من تأييد شعبي مواجهة ذلك أوائل عام 1937 في ظروف ما بعد المعاهدة تكون بإضعاف الوفد والمساعدة على تفتيته وبذلك تضعف مقاومته للتدخل وتتبدد جهوده في الصراع مع خصوم يقاربونه في القوى هذا في حدود الإبقاء على الوفد في الحكم لضمان تنفيذ المعاهدة.

هذه النقطة الأخير على أية حال تستدعي استعراض علاقات الجانب البريطاني مع القوى الأخرى على المسرح السياسي في مصر لأن تعاون هذه القوى أو عدم تعاونهأن له أثره في تنفيذ المعاهدة وتأمين الجبهة الداخلية في حالة قيام الحر والقوى السياسية التي يعتد بها في هذا المجال هي الوفد والسراي.

يمكن في ذلك أن نقسم الفترة بين توقيع المعاهدة وقيام الحرب إلى قسمين تفصلهما الأزمة الدستورية أواخر عام 1937 وإقالة وزارة النحاس.

في القسم الأول تسيطر على الجانب البريطاني فكرة الحاجة إلى بقاء الوفد في الحكم في تلك الفترة الأولى الحساسة لتنفيذ المعاهدة فالوفد يعتبر المعاهدة من إنجازاته الهامة، وقد وصفها رئيسه بأنها معاهدة الشرف والاستقلال بينما انتقدتها معظم الأطراف السياسية الأخرى يضاف إلى ذلك ما يحظى به الوفد من تأييد شعبي وما له من أغلبية كبيرة في البرلمان وتلك عوامل تكفل لوزارته السلطة وتوفر لها الهدوء والاستقرار اللازمين لإرساء قواعد السياسة الجديدة واتخاذ الخطوات الأولى لتنفيذ المعاهدة.

في أوائل تلك الفترة يبدي الجانب البريطاني كما أشرنا استيائه من الموقف الاستقلالي الذي تتخذه حكومة الوفد بعدم التشاور معه والابتعاد عن أي مظهر من مظاهر الخضوع للسيطرة البريطانية لكنه مع ذلك يفضل بقاء حكومة الوفد على مجيء حكومة من حكومات السراي بما تتميز به من اتجاهات لاتينية وصلات واثق بألمانيا وإيطاليا وميول استبدادية أما السراي فقد حاول لامبسون أن يحتويها كما أشرنا بتقديم الوعود إلى الملك بمساعدته وهو يرى بعكس ما نقل إليه الملك فاروق لا تبدو عليه علامات الغرور أو عدم تقدير المسئولية ويرى أنه غرائزه سليمة وفي باطنه خامة طيبة أصيلة لكن تنقصه الخبرة لذلك فإن كل شيء يتوقف على من سيحيطون به لكنه مع ذلك لا يغفل ولهذا أهيمته أن القصر كان دائما ولا يزال لديه أفضليات لاتينية، ويفضل الثقافة الفرنسية وارتباطاته بألمانيا وإيطاليا قوية

ولكن في أواخر هذه الفترة بعد أن تولى الملك فاروق سلطاته ف أواخر يوليو 1937 وبعد أن قام الصراع بينه وبين وزارة الوفد فيما عرف بالأزمة الدستورية وبعد تول علي ماهر رئاسة الديوان تغير موقف الجانب البريطاني من الطرفين: الوفد والملك فحاول مساعدة الوفد في تلك الأزمة لكي يستمر في الحكم.

ويتضح رأي الجانب البريطاني في الوفد والقصر ووزارات القصر في مذكرة قدمها 27 أكتوبر سنة 1937 والترسمارت السكرتير الشرقي بالسفارة بمناسبة الأزمة الدستورية وفي تعقيب دافيد كيللي الوزير المفوض بالسفارة عليها وقد ورد نص مذكرة سمارت فيما سبق

وفي خطاب القائم بأعمال السفارة إلى إيدن الذي أرفق به تقرير سمارت أيد دافيد كيللي تلك الآراء وقال إنه يعتقد أن للتصرف الحذر حينئذ هو أن ندع الوقت يمر ونحاول إبقاء الحال كما هو وأن تستمر وزارة النحاس في مسارها الطبيعي.

وفي خطاب القائم بأعمال السفارة إلى إيدن الذي أرفق به تقرير سمارت أيد دافيد كيللي تلك الآراء وقال إنه يعتقد أن للتصرف الحذر حينئذ هو أن ندع الوقت يمر ونحاول إبقاء الحال كما هو وأن تستمر وزارة النحاس في مسارها الطبيعي.

وهو أيضا الطريق الوحيد أمامنا كما فهمت من تعليماتك السابقة.

أظنن أننا مجبرين على قبول هذا الوضع كأخف الأضرار ولكننا يجب أن نستعد لمواجهة الخطر الدائم لمصالحنا إذا ما تشكلت حكومة موالية للقصر وهو خطر أكبر بكثير في رأي مما كنا نواجهه أيام الملك فؤاد وسيكون الخطر أكبر لأن الملك فاروق لن يستطيع في المستقبل القريب أن يكتسب الخبرة في الحياة التي أكتسبها والده نتيجة للتجارب القاسية التي مر بها قبل اعتلاءه العرش.

وقد كان تأثير ذلك في الماضي تأثيرا محليا ولكنه الآن سيصبح من العوامل المهمة في تكييف السياسة العامة لحكومة جلالته لأن هناك عنصر جديد دخل إلى المسألة المصرية بسبب تغير العلاقات بين انجلترا وإيطاليا.

وأخشى أنه يجب التسليم بأن الملك فاروق مندمج في زمرة الأمراء والنبلاء القدامى وأقاربهم وجميع العائلات التركية العريقة المتصلة بهم من الذين لا يمكننا الاعتماد عليهم بأي حال من الأحوال

وقد علمتنا التجربة خلال الثمانية عشر شهرا الأخيرة أننا نستطيع الاعتماد على المعاملة الصريحة والتعاطف الحقيقي لشخصيات من الفلاحين البدائيين أمثال النحاس باشا وما يتميز به من عقلية بسيطة هذه البساطة التي كان إلى حد ما سببا في الأزمة الحالية والتي تسعى الآن إلى إقامة علاقة طبيبة معنا..

وقد تساعدنا الظروف في المستقبل على تكوين رأي في الملك الصغير أفضل مما يظن مستر سمارت. لكن لا يوجد حتى الآن للأسف أي دليل على خطأ رأيه المتشائم ولابد لنا أن نتصرف على أساس أنه مادام الخطر الإيطالي قائما فإن أي حكومة موالية للقصر ستكون مصدر متاعب لنا

وحين عاد لامبسون من أجازته السنوية بدأ تدخله لتسوية الأزمة في أول نوفمبر 1937 على نفس الأسس التي ذكرها كل من سمارت وكيللي والتي تسير عليها السياسة البريطانية فقد اتجه إلى العمل على بقاء وزارة الوفد تجنبا لما يراه الجانب البريطاني من مخاطر تترتب على حكومة موالية للقصر.

وحين طرح كل من النحاس ومكرم تنحية فاروق عن العرش وتنصيب ملك آخر، لم يوافق لامبسون على تلك الفكرة

ولا شك أن لم يكن من مصلحة الجانب البريطاني أن يضع كل أسهمه في جانب حزب هو في النهاية الحزب الشعبي الذي يتبنى المطالب الوطنية في مواجهة التدخل الأجنبي.

لكننا نلحظ اتجاهه إلى حل الأزمة عن طريق تقوية الوفد ووزارته بالعمل على أن تعود إلى حظيرته العناصر التي أخرجت منه أو كانت على خلاف مع قيادته وبخاصة النقراشي وأحمد ماهر ومع أن هذا يتعارض في الظاهر مع فكرة تفتيت الوفد التي أشرنا إليها كوسيلة لإضعافه وللتدخل إلا أنه لا يتعارض مع الجوهر فإن هذه الزيادة ف قوة الوفد ستتعادل مع السياسة القوية الجديدة التي بدأت تزاولها السراي بعد أن تولى الملك سلطاته الدستورية في يوليو، وتولي علي ماهر رئاسة الديوان الملكي في أكتوبر وبذلك يتم الاحتفاظ بالتوازن بين القوتين الرئيسيتين المتصارعتين على مسرح السياسة الداخلية الوفد والسراي.

يضاف إلى ذلك أنه كتب بعد مقابلة له مع الملك لحل الأزمة الدستورية يقول أنهم ربما احتاجوا إلى معاملته في المستقبل بطريقة أكثر حزما

خلاصة الأمر أنه بعد تولي الملك فاروق سلطاته الدستورية برز تطور في موقف الجانب البريطاني أخذ يزداد وضوحا خلال الأزمة الدستورية.

لقد استمر الهدف الرئيس هو تنفيذ المعاهدة والدفاع عن مصر، بما يستتبعه ذلك من الحفاظ على الجبهة الداخلية.

لكن في حدود هذا الهدف أصبح الموقف من السراي أقل ودأن والخوف من ميول السراي اللاتينية ومن وزارات القصر أكثر وضوحا وقام شبه وفاق ضمني بين الوفد والسفارة البريطانية في مواجهة السراي مضمونه من الجانب البريطاني تنفيذ المعاهدة ومن جانب الوفد مواجهة عداء السراي والاستمرار في الحكم.

يضاف إلى ذلك أن الجانب البريطاني أخذ يبني حساباته أيضا على أسس ضعف الوفد، نتيجة سياسته والانسلاخات التي خرجت منه ونتيجة النزاع داخله بين النحاس ومكرم وبين أحمد ماهر ومؤيديه، وعلى أساس احتمال قيام حزب جديد من القوى الوطنية الخارجية على الوفد والمتذمرة منه.

في القسم الثاني من الفترة التي نستعرضها وهو القسم الذي يبدأ بإقالة وزارة النحاس حتى قيام الحرب حدث تغير آخر في موقف الجانب البريطاني وعلاقاته بالقوى السياسية في مصر.

لقد مالت علاقاته مع السراي بوجه عام نحو التحسن وإن بقيت مخاوفه من وجود تأثيرات لدول المحور وقامت علاقات طيبة بنيه وبين وزارة محمد محمود، رغم أنها تعتبر من وزارات السراي وساءت بالتالي علاقاته بالوفد.

لقد أدركت القوى المختلفة في مصر أن ما يهم بريطانيا في الحقيقة هو تنفيذ المعاهدة والدفاع عن مصر لذلك في مقابلته الأولى كرئيس للوزراء مع السفير البريطاني أكد محمد محمود اعتزامه أن تظل علاقات الصداقة والولاء قائمة بيننا.

كما أنه قرر أن تكون المسألة الدفاع عن مصر وما تتطلبه من النفقات أولوية على ما عداها من المسائل.

إن رأيه في المعاهدة تماما وسوف يراعي تنفيذها بإخلاص

وفي مايو 1937 كتب لامبسون تقريرا إلى هاليفاكس عن الفترة منذ أبريل الماضي يقول فيه أن القصر والحكومة الحاضرة لا يقلون ولاء عن حكومة النحاس باشا نحو تنفيذ المعاهدة الإنجليزية المصرية..

أما فيما يختص بعلاقات مصر مع الدول الأجنبية الأخرى وخصوصا مع إيطاليا- فإن موقف القصر وموقف محمد محمود إزاءها لما يدعو إلى الارتياح

ومع أن موقف محمد محمود من التعاون المصري البريطاني خلال أزمة سبتمبر 1938 وفي ديسمبر من نفس العام بمناسبة حديث صدقي باشا قد شابته بعض الشوائب من وجهة النظر البريطانية إلا أن موقف محمد محمود تحول بعد ذلك إلى تعاون كامل يصل إلى حد دخول الحرب إلى جانب بريطانيا ووضع الجيش المصري تحت قيادتها لو نشبت الحرب لذلك كتب لامبسون في مايو 1939يقول أنه يأمل كثيرا أن يستمر تحسن صحة محمد محمود لأن اتجاهه طيب بلا جدال نحو بريطانيا والعمل معه يبعث على الرضى والإعجاب والحق أني لا أطمع في رفيق عمل أحسن أو أكثر ولاء منه وأتمنى أن يبقى في الوزارة بعض الوقت

أما السراي فقد حظي موقفها برضاء لامبسون خلال أزمة سبتمبر 1938.

لكنه في تقريره عن خطاب صدقي باشا في البرلمان يبدي قلقه من موقف السراي فيما يختص بالتزامات مصر في حالة الحرب بمقتضى المعاهدة، فيقول أن موقف القصر غامض وهناك تأثيرات قوية وطنية وأجنبية يبدو أنها تعمل هناك لتوضح للملك الخطر من التزامات الحرب في مصر كما تنص عليها المعاهدة.

وفي الحقيقة فإنه مما يخشى منه أن عملاء إيطاليا وألمانيا قد يؤثرون بوسائلهم داخل القصر وخارجه على الملك فاروق بما يريده محور روما برلين أي حيدة مصر في حالة الحرب.

ثم يقول عن الدعاية الإيطالية الألمانية أنه يبدو أن أحد حقولها المحببة (هو كل ما يتصل بالأوساط الأرستقراطية في مصر مثل البلاط والملتفين حوله الأتراك والمصريين المتتركين والطبقات الراقية والأكثر تعاليا في المجتمع المصري.

ففي هذا الميدان يجد أنصار الدعاية الإيطالية الألمانية آذانا أكثر إصغاء عما هو الحال في مجال الطبقا الوسطى والشعبية

وفي مايو كتب لامبسون يقول أن موقف جلالته أصبح أكثر ودا وأبعث على الرضاء ولا يزال يخالط أتباعه الإيطاليين غير المرغوب فيهم بما فيهم حلاقه والكهربائي وفيروتشي.

وقد أخبرت جلالته على المفتوح ولكن بدون إهانة ظاهرة، أنه من غير المرغوب فيه أن يحيط أول ملك لمصر المستقلة نفسه بغير المصريين.

وعلى الرغم من كل هذه السقطات فقد برهن جلالته على رجاحة عقله تجاه الحالف إبان الأزمات الدولية

إن نبرة القلق الواضحة في تقارير لامبسون فيما يسميه ميول السراي اللاتينية، واستعدادها للتأثر بالنفوذ الإيطالي الألماني وقد كتب لامبسون عن العوامل التي تباعد بين السراي والجانب ألبريطاني وتجذبها نحو إيطاليا وألمانيا فقال أن الاحتلال البريطاني من البداية حال بين العرش والطبقة الحاكمة وبين استغلال المحكومين، كما أجبر الملك فاروق فؤاد بعد ثورة 1919 على منح دستور للبلاد وقد كرهت الطبقات الحاكمة جرثومة الديمقراطية التي طعم بها المصريون.

وأشار إلى أن النظم الدكتاتورية بما تبديه من احتقار للديمقراطيات تحظى في الظروف الحالية بإعجاب السراي التي تحكم ضد رغبة غالبية الشعب.

وقال لامبسون أن إيطاليا كانت لها دائما مكانتها في السراي لأنها استضافت الخديوي إسماعيل بعد نفيه من مصر كما أن ابنه فؤاد شب البلاط الإيطالي.

وأشار إلى أن الدعاية الألمانية تتعاون مع الدعاية الإيطالية وأن صدقي باشا وهو على علاقة طيبة بالملك ينشر ما تروج له الدعاية الإيطالية والألمانية من الدعوة لحياد مصر.

ولما كان صدقي في معسكر علي فيغلب أن الأخير يشجعه على ذلك.

وأشار لامبسون أيضا إلى كثرة ظهور فاروق في صحبة ابتاعه الإيطاليين الحلاق والكهربائي وفيروتشي وأنه من المؤكد أن المفوضية الإيطالية ومكاتب الدعاية تستخدمهم كمصادر للمعلومات ووسائل للتوجيه والإيحاء.

واقترح لامبسون أن يدعي فاروق لزيارة انجلترا وأن يمنح وساما بريطانيا ولكنه لم ير في ذلك سوى مسكنات لأن عاهلا شرقيا شابا صلب الرأي لن يؤثر فيه في النهاية سوى اعتبارات القوة.

علنيا أن نقوي وضعنا في شرق البحر المتوسط بحيث لا يبقى مجال للشك لدى الملك فاروق وحاشيته في قدرتنا على الدفاع عن مصر وعلى إجبار حكامها على تنفيذ رغباتنا لو لزم الأمر.

سنجد أن ملك مصر والارستقراطية الحاكمة يحاولون دائما أن يتخذوا موقفا مستقلا إزاء بريطانيا طالما بقي في مصر شعور بأن نهضة ألمانيا وإيطاليا قد أضعفت موقفنا في العالم بوجه عام وفي شرق البحر المتوسط بوجه خاص إلى حد أنه لم يعد من الأسلم فقط بل أصبح من الحكمة أيضا أن تصل مصر حبال الود بأصدقاء آخرين.

إن موقفا كهذا قبل الحرب الماضية دفع بنا إلى عزل الخديوي عباس حلمي ولو واظب الملك فاروق على اتباعه فمن الممكن أن يدفعنا إلى اتخاذ إجراء مماثل تجاهه قبيل الحرب القادمة

وهكذا نبتت في ذهن لامبسون الفكرة التي أوشك أن ينفذها في 4 فبراير 1942

أما الوفد فإن توقعات الجانب البريطاني بشأنه لم تلبث أن خابت لم يضعف الوفد وينهار بل استرد قوته وشعبيته ولم يقم حزب وطني آخر يأخذ مكانته لدى الجماهير.

وأصبح عداء الوفد ومهاجمته للسياسة البريطانية مصدر قلق بالغ للامبسون والأساس في عداء الوفد اعتقاد رئيسه أن الملك فاروق ما كان يمكنه أن يقيل النحاس باشا في ديسمبر 1937 لو كانت الحكومة البريطانية ترى جديا أن تمنع حدوث ذلك وأن قرار الملك فاروق برفض استقالة محمد محمود في أبريل 1938 إنما كان بتدخل من السفير البريطاني

بعد حل مجلس النواب وإجراء الانتخابات في أبريل 1938 لم يعد للوفد في مجلس النواب قوة تذكر كان هذا نتيجة قيام وزارة محمد محمود بعملية الانتخابات لكن الوفد كانت له أغلبية في مجلس الشيوخ بقيت متماسكة ولم ينفض عنه أما بين الجماهير فإن أساليب الانتخابات التي أجريت وبداية المظالم على يدي وزارة محمد محمود لم تلبث أن كسبت للوفد بعض التأييد الذي كان قد فقده.

وتعاطف طلاب الجامعة والأزهر أخذ يعود إلى الوفد واستمر الوفد يستعيد مكانته في أنحاء البلاد وفي الجامعة ودلت انتخابات الاتحاد العام للطلاب التي أجريت في أوائل العام الجامعي 1938 1939 على انحيازهم نحو الوفد.

وقد تردد لامبسون في تعليل هذه الظاهرة لكنه استقر على أن الجمهور في مصر في الحقيقة لم يتخل عن ولائه للوفد.

لقد كانت السياسة الخاطئة وسوء الإدارة في وزارة الوفد سببا في نفور عدد كبير من أنصاره من المثقفين.

لكنهم لم يجدو خارج الوفد هيئة أفضل تجتذبهم لذلك فمع أنهم كفروا بالأحزاب بما في ذلك الوفد إلا أنهم سرعان ما عادوا إليه باعتباره جبهة معارضة لنظام لا يرضيهم ورمزا للحرية وحصنا لها

تزايد قوة الوفد جعلت لامبسون يخشى نتائج هجومه المتصل على السياسة البريطانية لما يحدثه ذلك في حالة قيام الحرب.

ففي مايو 1938 كتب يقول تعقيبا على مهاجمة الوفد للحكومة وما اتخذته من استعدادات للحرب أثناء الأزمة الدولية من الواضح على أية حال من الموقف أثناء الفترة الحرجة وما بعدها أن الوفد طالما ظل خارج الحكم لن يتردد أثناء أية أزمة في المستقبل في أن يتلاعب بمخاوف المصريين ليحرج الحكومة القائمة مع رسم صورة قائمة لموقف مصر وق أرغمتها انجلترا على الدخول في حرب لا تمس المصالح المصرية.

وليس من شأن هذا الهجوم الذي يشنه حزب لا يزال هو الحزب الشعبي في البلاد أن يخفف من الصعوبات القائمة في سبيل اتخاذ الدابير العسكرية اللازمة

ثم عاد في مايو 1939 يعبر عن مخاوفه ثانية بقوله من الواضح أن عداء الوفد لاشتراك مصر في حرب يمكن بسهولة تصويرها للشعب الجاهل على أنها حرب بريطانيا العظمى وليست حرب مصر قد يعقد أعمالنا وأعمال الحكومة المصرية إلى درجة كبيرة عند قيام الحرب

وهكذا تبين لامبسون بطريقة عملية خطأ الآراء السابقة عن الوفد وتبين مقدار قوة ذلك الحزب وثقل وزنه في الحياة السياسية في مصر وما يمكن أن يحدثه عداؤه من أثر على الجبهة الداخلية بكل ما لها من أهمية في حالة قيام الحرب.

وسنرى أن الدرس كان دائم العودة إلى ذاكرة لامبسون في الأزمات المقبلة وكان له أثره في حادث 4 فبراير 1942.

الفصل الخامس: تطور العلاقات بين علي ماهر والجانب البريطاني وتشكيل وزارته الثانية

رأينا أن خطر الحرب قد دفع الجانبين المصري والبريطاني إلى عقد معاهدة 1936تلك المعاهدة التي قصد بها تسوية الخلافات بين البلدين ووضع أساس لعلاقات جديدة بينهما وقد أقامت المعاهدة تلك العلاقات على أساس التحالف.

كان المفروض من التحالف بالنسبة للجانب المصري الحصول على تعاون بريطاني في الدفاع عن مصر في مواجهة خطر ماثل هو أطماع إيطاليا وكان بالنسبة إلى الجانب البريطاني إقامة قاعدة عسكرية بريطانية في مصر وتأمين وجودها وفعاليتها بضمان مساعدة الجانب المصري وتعاونه.

وشهدت الفترة بين توقيع المعاهدة وقيام الحرب العالمية الثانية تطورا وتبلورا في الأهداف وبالتالي في الالتزامات التي تترتب على التحالف أستقر الجانب البريطاني على أن مصر ملتزمة بدخول الحرب إلى جانب بريطانيا وكان يرى أن يدخلها الجيش المصري كحليف تحت القيادة البريطانية أما في مصر فاختلف موقف القوى السياسية اتفق الجميع أن تقوم مصر بالدفاع عن نفسها لكنهم اختلفوا في التزامها تجاه بريطانيا في حالة عدم وقوع هجوم عليها رأى البعض عدم تورط مصر في صراع لا يمس مصالحها وتعديل المعاهدة بما يقلل من التزاماتها وعبر عن هذا الرأي إسماعيل صدقي باشا ورأى فريق آخر أن تقتصر مصر على الوفاء بالتزامات المعاهدة لا تعدوها أي مساعدة الحليفة داخل مصر مع السعي إلى انتزاع باقي الأماني الوطنية منها في مقابل هذا كان هذا الرأي الإخواني المسلمين ويغلب أنه كان اتجاه الوفد وفريق من الأحرار الدستوريين والسعديين وهناك فريق ثالث استقر رأيه بعد تردد على أن تشمل مساندة الدستوريين والسعديين وهناك فريق ثالث استقر رأيه بعد تردد على أن تشمل مساندة الحليفة دخول الحرب إلى جانبها ومن هؤلاء أحمد حسين زعيم مصر الفتاة ومنهم فريق من السعديين والأحرار الدستوريين على رأسهم أحمد ماهر ومحمد محمود وكانوا يذهبون بعيدا إلى حد قبول التزامات خارج مصر تحت لواء حلف سعد إياد أما الملك فقد عبر لامبسون مرارا عن رضائه عن موقفه من التحالف لكنه لم يكف عن التعبير عن مخاوفه من وجود إيطاليين من الحاشية وفي وظائف السراي وعلاقة فاروق الوثيقة بهم ومن ميول السراي اللاتينية.

شهدت تلك الفترة أيضا قلة لامبسون وجهوده للحفاظ على سلامة الجبهة الداخلية وتعاون المصريين مع بريطانيا كضرورة لضمان سلامة وفاعلية قاعدة بريطانيا العسكرية في مصر كأن يخشى في هذا المجال الدعاية الإيطالية الألمانية وسياسة مصر الإسلامية والفلسطينية وسوء الحالة الاقتصادية وضعف الكفاءة الإدارية ومن أهم ما كان يراه علاجا لذلك زيادة قوة بريطانيا العسكرية تقوية لنفوذها وتمكينا لهيبتها والتدخل السياسي يحكم التدخل السياسي ظروف ما بعد المعاهدة ومدى استعدا الحكومة البريطانية لمواصلة التدخل حتى يبلغ غايته بالإضافة إلى صلات السفير البريطاني مع مختلف أطراف اللعبة السياسية في مصر.

حكمت سياسة التدخل في الفترة السابقة لقيام الحرب وبعد إقالة وزارة النحاس تعليمات الحكومة البريطانية في أوائل 1938بقصرها على ما يسمى المصالح المباشر لبريطانيا أي تضييق نطاق التدخل أما صلات السفير وهي الوسيلة السياسية المساعدة للتدخل فقد رأينا أنها تطورت وتغيرت لكن في حدود الهدف الرئيسي للسياسة البريطانية وهو تنفيذ المعاهدة والحصول على تعاون المصريين لضمان سلامة وفاعلية القاعدة البريطانية في مصر.

بدأ لامبسون بمحاولة احتواء السراي بعد وفاة الملك فؤاد والتعاون مع والوفد لتنفيذ المعاهدة وعندما تولى فاروق سلطاته بدأت العلاقات تسوء بينه وبين الوفد وبينه وبين السفير البريطاني مدينة المعاهدة للوفد الحزب الشعبي القادر على تنفيذ المعاهدة والقائم بتنفيذها بإخلاص يضاف إلى ذلك التخوف من سيطرة القصر وما تأتى به إلى ساحة الحكم من نفوذ محوري متفوق في القصر من جهة ووزارات أقلية تصاحبها المتاعب والمخاطر من جهة أخرى بلغ هذا التطور الذروة أثناء الأزمة الدستورية أواخر 1937 لكن بعدها بدأ تطور في اتجاه مضاد تماما ساءت العلاقات مع الوفد والعامل الأساسي في ذلك اعتقاد الوفد أن السياسة البريطانية لم تكن جادة بشكل كاف في مساعدته ضد القصر خلال الأزمة الدستورية وهذا في نظر الوفد يعادل وقوفها إلى جانب القصر وترتب على ذلك مهاجمة الوفد المتصلة للسياسة البريطانية وربما كان من العوامل المساعدة على سوء العلاقات أن السفارة البريطانية كانت قد اعتقدت أن الوفد يعادل وقوفها إلى جانب القصر وترتب على ذلك مهاجمة الوفد المتصلة للسياسة البريطانية وربما كان من العوامل المساعدة على سوء العلاقات أن السفارة البريطانية كانت قد اعتقدت أن الوفد قد ضعف وانتهى أمره بما حدث فيه من انسلاخات وخلافات وضعفت شعبيته في البلاد وأخذت تتطلع إلى قوة أخرى اعتقد أنها في سبيل الظهور لتحل محل الوفد يقابل هذبا أن العلاقات تحسنت بين لامبسون وفاروق واعتقد السفير في سلامة موقف الملك من التحالف يضاف إلى ذلك توثق العلاقات بين السفير ومحمد محمود باشا رئيس الوزراء نتيجة تعاون الأخير مع السفارة وقيامه بتنفيذ المعاهدة بإخلاص وهكذا ضعفت كراهية السفارة لوزارات الأقلية.

وقبيل اشتعال الحرب كان هذا التطور قد تبلور إلى الآتي: فيما يختص بالملك استمرت علاقات لامبسون به طيبة واستمر يعتقد بسلامة موقف فاروق من التحالف لكن مخاوفه من ميول القصر المحورية استمرت كما هي نماها عدم تمشي فاروق مع رغبات السفارة في التخلص من الإيطاليين في الحاشية وفي وظائف القصر لذلك كان رأيه أن وجود قوة بريطانية كافية والتهديد بها هو وحده الضمان لإقناع فاروق وحاشيته والارستقراطية الحاكمة بوجه عام بالتمشي مع متطلباته السياسية البريطانية.

أما فيما يختص بالوفد تبين للامبسون أنه قد استرد نفوذه وشعبيته بسرعة، وأنه لا يزال الحزب الشعبي القوي الذي تستجيب له البلاد وأن مهاجمته للسياسة البريطانية يمكن إذا واصلها خلال ما ينشأ من أزمات وخلال الحرب حين تنشب أن تلحق بالسياسة البريطانية أضرارا فادحة وتسبب لها ارتباكات خطيرة وأن الدلائل تشير إلى أن تلك قد تكون سياسة الوفد.

ومع ذلك فحين نشبت الحرب في أول سبتمبر 1939 كانت وزارة علي ماهر في الحكم منذ 18 أغسطس ووصول علي ماهر إلى الحكم في تلك الفترة يثير بعض التساؤلات.

كان من الواضح أن تلك يغلب أن تكون وزارة حرب فمنذ أن زاد تشدد ألمانيا تجاه بولندا في 28 أبريل 1939 أصبح واضحا أن قيام الحرب مسألة وقت واتضح ذلك بشكل أكثر بعد قيام التحالف الإيطالي الألماني المعروف بميثاق الفولاذ في 22 مايو وزاد وضوحا في آخر يونيو حين بدأت الاشتباكات بين أهالي دانزيج من الألمان وقوات الأمن البولندية وأخيرا أصبح قيام الحرب متوقعا في أي وقت بعد توقيع ميثاق عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي في 23 أغسطس.

ولا شك أن علي ماهر حين شكل وزارة كان يدرك هذه الأوضاع فبعد أسبوع واحد من توليه الحكم بدأ يصدر القرارات والمراسيم اللازمة لتهيئة البلاد لأوضاع الحرب في 25 أغسطس أصدر مرسوما خاصا بالتدابير الاستثنائية التي تتخذ لتأمين سلامة البلاد وآخر بإحصاء المؤن اللازمة للجيش والسكان المدنيين وفي 27 أغسطس أصدر مرسوما بحماية الأسرار العسكرية وفي 29 أغسطس أصدر مرسوما بإنشاء نظام لتفتيش السفن بميناء الإسكندرية لحماية الميناء وفي آخر أغسطس أصدر مرسوما بإنشاء القوات المرابطة من المجندين الزائدين عن حاجة الجيش العامل

أما عن الجانب البريطاني فيقول الجنرال ويلسن أنه عند مغادرته لندن في 15 يونيو 1939 لتولي قيادة القوات البريطانية في مصر كانت تعليماته هي سرعة اتخاذ الاستعدادات للحرب وأن جميع القادة الذين قابلهم أدوا ضرورة الإسراع في إعداد الدفاع عن مصر وعن الصحراء الغربية كما نوقش موضوع إرسال تعزيزات إلى مصر ب وتم أيضا الاتفاق على إشارة رمزية تصله حتى يقول أنها وصلته فعلا قبل نهاية أغسطس بحوالي ثمانية أيام أي أن الجانب البريطاني أيضا كان يتوقع في أغلب الأحوال أن تكون وزارة علي ماهر وزارة حرب.

هذا الوضع يثير عددا من التساؤلات حين ننظر إليه في ضوء تطور العلاقات بين الجانب البريطاني وعلي ماهر أثناء وزارته بما أدى إلى تدخلهم لطرده من الوزارة في يونيو 1940 تلك التساؤلات هي: هل كان الجانب البريطاني حينئذ يثق في علي ماهر ويطمئن إلى توليه الوزارة؟ أم أنهم لم يكونوا يثقون فيه لكن سياستهم لم تكن تتجه إلى التدخل في موضوع تغيير الوزارات أم أنهم أخذوا بعامل المفاجأة ولم يتح لهم وقت للتدخل؟

يمكن أن نستبعد الاحتمال الأخير فقد ساءت حال محمد محمود الصحية بما اضطر إلى تقديم استقالته في 6 يوليو 1939 ومع أن الملك رفض قبول الاستقالة ونصحه بأن يعهد ببعض أعماله إلى زملائه الوزراء إلا أنه كان هناك إدراك عام بأنه لن يستطيع أن يستمر طويلا في عمله ويقول لامبسون أن الرأي الشائع حينئذ هو أن اختيار القصر سيقع على علي ماهر ليخلف محمد محمود وفي تقريره بتاريخ 25 أغسطس إلى لورد هاليفاكس عن تشكيل الوزارة الجدية يقو مستر بتمان الوزير المفوض والقائم بعمل السفير: (لقد أسند تشكيل الوزارة الجديدة إلى علي باشا ماهر كما كان يتوقع الجميع لكن المهمة لم تكن سهلة فقد توقفت الإدارة الحكومية مدة أسبوع كامل بينما تجاهل رئيس الوزراء الجديد الوفد تجاهلا تماما وسمح للسعديين والأحرار الدستوريين بالتصارع على مراكز الوزراء وهم يدركون تماما أنهم إذا لم يقبلوا شروطه فقد يستغني عن تأييدهم ويشكل وزارة ممن يرشحهم هو نفسه والأسبوع الذي يشير إليه بتمان انقضى بين استقالة محمد محمود في 12 أغسطس وتشكيل الوزارة الجديدة في 18 أغسطس أي أن إسناد الوزارة إلى علي ماهر كان متوقعا وفرصة التدخل كانت موجودة لكن نجيب على التساؤلات الأخرى ينبغي أن نستعرض تطور العلاقات بين علي ماهر والجانب البريطاني.

مرت تلك العلاقات في أدوار ثلاث: يشمل الدور الأول فترة وزارته الأولى بعد استقالة وزارة محمد توفيق نسيم باشا وحتى الأزمة الدستورية في أواخر 1937 والدور الثاني بعد تلك الأزمة أما الدور الثالث فيشمل الفترة السابقة على وزارة علي ماهر الثانية في 18 أغسطس 1939.

في الدور الأول تقوم العلاقات بين المندوب السامي، الذي أصبح سفيرا بعد المعاهدة وبين علي ماهر على التعاون والتقدير تعاون بدأ من أيام سقوط وزارة توفيق نسيم وتولي علي ماهر رياسة وزارة محايدة لإجراء الانتخابات وبدء المفاوضات بين مصر وبريطانيا وتقدير من الجانب البريطاني مبني على أساس ما بذل علي ماهر من نشاط وما أظهر من كفاءة خلال فترة وزارته تلك، وعلي أساس ما صار له من مكانة ونفوذ في القصر خلال فترة وزارته تلك وعلي أساس ما صار له من مكانة ونفوذ في القصر خلال تلك الفترة وبعدها يصاحب ذلك إدراك واضح لنوايا علي ماهر وأطماعه في السلة ففي مارس 1936 كتب لامبسون إلى أنتوني إيدن وزير الخارجية يذكر المشروعات الإصلاحية الكثيرة والإجراءات الإدارية التي تقدم بها علي ماهر.

وأشار إلى كثرتها رغم طابع الحكومة المؤقت أدى ببعض الناس إلى الاعتقاد بأن علي ماهر يفكر في البقاء في السلطة مدة أطول مما تدل عليه تصريحاته وقال أنه حين سأل علي ماهر في البقاء في السلطة مدة أطول مما تدل عليه تصريحاته وقال إنه حين سأل علي ماهر في ذلك أكد له بنفسه أنه لا يرمي بنشاطه هذا كله إلا إلى أنه يوجد لنفسه شهرة كرئيس وزراء كفء حتى يدعي إلى الحكم في المستقبل لو سنحن الفرصة وعلق لامبسون على ذلك قائلا أنه من الممكن أن يكون هذا هو التفسير الحقيقي لذلك. لكن من الممكن أيضا أن رفعته يأمل في أن يحدث ما يحول دول الوفد إلى الحكم وفي فبراير 1937 كتب لامبسون إلى إيدن يقول أن علي ماهر هو الذي يحرك القصر رغم أن علي ماهر حينئذ كان خارج الحكم وخارج القصر ولا شك أن الجانب البريطاني كان يدرك ما لعل ماهر من نفوذه على الملك الشاب وهو نفوذ كسبه نتيجة خدماته السابقة للعرش على أيام الملك فؤاد ونتيجة ما أداه من خدمات للملك الشاب بعد وفاة والده فقد كسب له الحق في إدارة أملاكه قبل أن يستكمل السابعة عشرة من عمره، كما ساهم مع الشيخ المراغي شيخ الجامع الأزهر في الحملة التي قامت لكسب محبة الشعب للملك الشاب وكانت نصائح علي ماهر وآراؤه تصل إلى الملك فاروق عن طريق عبد الوهاب طلعت باشا صديق علي ماهر ومدير الإدارة العربية حينئذ

لكن إلى جانب ذلك وجد ما يشوب هذا التقدير وقام ما يحد من التعاون ففي مايو 1936 كتب لامبسون إلى إيدن عن نشاط حزب مصر الفتاة ورئيسه أحمد حسين وقيامهم بجولات في البلاد يبثون فيها دعايات ثورية معادية للإنجليز وأشار إلى اهتمام ممثلي إيطاليا في مصر بذلك ثم قال أن التقارير تشير إلى أن أحمد حسين على اتصال بعلي ماهر، وذكر أن الأخير كن يحاول الحصول على أموال من وزارة الداخلية ليعطيها لأحمد حسين وأن الدوائر المطلعة ترى أن علي ماهر يريد أن يستخدم مصر الفتاة وقمصانها الخضراء وصلتها بدول أخرى يقصد إيطاليا والخوف من تدخل تلك الدولة وهكذا وجدت التربة الصالحة لكي ينمو لدى الجانب البريطاني بذور الشك في ولاء علي ماهر وميوله نحو المحور، وكان لذلك أثره الخطير على العلاقات المصرية البريطانية فيما بعد.

أما التعاون بين الجانبين فقد حد منه، بعد استقالة علي ماهر ووصول النحاس إلى الحكم العداء بين علي ماهر والوفد كان ذلك العداء يقوم على عاملين: العامل الأول ماضي علي ماهر مع الوفد فبعد انفصاله من الوفد بل كان صاحب الفتوى في إقالة النحاس الأول عام 1928 أما العمل الثاني فكان السياسة المعادية للوفد والموالية لفاروق والتي اتبعها في فترة وزارة الوفد فبعد استقالته نشط في توجيه الضربات للوفد وعمل على أن يقلب الميزان لصالح الملك بعد أن كان أيام فؤاد لصالح الوفد، وذلك عن طريق المساهمة في تنفيذ ما أشرنا إليه من حملة دعائية واسعة لتغيير صورة الملك لدى الناس ورفعه في أعين الشعب وإظهار الوفد بمظهر المعتدي على حقوق الملك ولما كان لابمسون حريصا على استمرار حكومة الوفد ضمانا لتنفيذ المعاهدة فإنه أخذ يحث علي ماهر على الحد من نشاطه واتباع طريق الحكمة فعندما أخبره أحمد حسانين أن النحاس يرتاب في السراي وأن شكوكه تتركز حول نفوذ علي ماهر علي الملك فاروق قال له لامبسون أنه يأمل مخلصا أن يواصل علي ماهر سياسة التحفظ والابتعاد الحكيم عن الأضواء وتجنب إعطاء الفرصة للنحاس بأي شكل كان باتهام السراي بالتآمر لوجود علي ماهر إلى جوار الملك وقد تعهد أحمد حسانين بأن يحذر علي ماهر ليلزم جانب الحكمة

وكان علي ماهر يتجاوب مع تلك النصائح أو التوجيهات فيقول لامبسون عن حديث طويل له مع علي ماهر في أول مارس 1937 أن الأخير أكد له أنه (لا يعتزم إقرار أي عمل غير دستوري يقوم به الملك في يوليو القادم ولا هو يعتقد أن الملك فاروق قد اعتزام أن يقوم بشيء من هذا القبيل .. وقد أضاف علي ماهر أنه قبل سفير حسانين إلى أوروبا أعرب عن أمله في أن يكون دولته في مصر في يوليو فقد تدعو الحاجة إلى خدماته وقد أوضح دولته أنه سيكون موجودا في مصر ومستعدا لأن يخلص النصح بعيدا عن الأضواء (وأعرب عن أمله في تجنب الأخطاء) ومع كل فإنه لن يخرج إلى الأضواء إلا إذا تطلبت إرادة الشعب من العرش أن يباشر حقوقه الخاصة وهو بالفعل يرى أن الحكومة الحاضرة عندما تقدم استقالتها بصورة شكلية في يوليو القادم فإن من المؤكد أن يطلب الملك إليها استئناف أعمالها

لذلك فعندما اجتمع لامبسون مع الأوصياء على العرش ومع أحمد حسانين في 25 فبراير 1937 وأثير موضوع ضرورة اختيار أحد الساسة المجربين ليكون إلى جانب الملك عندما يبلغ سن الرشد ليرعي حقوق العرش الشرعية وليحول في نفس الوقت دون نزعات الملك عير الدستورية أي اختيار رئيس للديوان وطرح اسم علي ماهر ليشغل النصب فإن لامبسون رغم شكوكه التي أشرنا إليها في نوايا علي ماهر وصلاته كان يرى أنه شخص مناسب جدا وإن كان ذلك مستحيلا في ضوء عداء الوفد له

يتضح من الحديث الذي أشرنا إليه بين لامبسون وعلي ماهر في أول مارس أن السفير كان يشتغل ما يعرفه من نفوذ الأخير لدى الملك في التأثير على سياسة القصر وتوجيهها يبدو هذا أكثر وضوحا في أغسطس 1937 حين أعاد النحاس تشكيل وزارته بعد تولي الملك سلطاته الدستورية وأخرج منها محمود فهمي النقراشي باشا ومحمد صفوت باشا وعلي فهمي باشا ومحمود غالب بك وانفجر على أثر ذلك النزاع داخل الوفد وخرج منه النقراشي وأنصاره ترتب على ذلك ضعف الوفد واتجاه أعدائه واتجاه القصر إلى انتهاز الفرصة للتخلص من وزارة الوفد.

حينئذ كانت سياسة الجانب البريطاني هي التأثير على سياسة القصر عن طريق علي ماهر والشيخ المراغي بهدف التهدئة وعدم التسرع حتى تمر الأزمة بسلام وتبقى حكومة الوفد لذلك قابل مستر كيللي الشيخ المراغي في 28 أغسطس وانتهز الفرصة ليبين له:

(أ) الملائمة الواضحة لتنفيذ المعاهدة مع النحاس باشا في الوقت الحاضر.

(ب‌) الخطر على الملكية من أعمال التسرع.

وحين قابل كيللي علي ماهر بعد ذلك بيومين كان هدفه أن يضغط عليه في نفس هذا الاتجاه فقد أظهر له اهتمام الجانب البريطاني الخاص العلاقات مع الحكومة الحالية في هذه المرحلة من أجل تنفيذ المعاهدة كما صمم أساسا (على وجوب الحماية الكاملة لملك غير مجرب من التورط في مغامرات سياسية وقد نصح بمعاملة رئيس الوزراء معاملة مستقيمة وكان مستر إيدن وزير الخارجية يحث مستر كيللي على مواصلة التأثير على الملك فاروق أو مستشاريه بحكمة التأني

لذلك فلا شك أن تعيين علي ماهر رئيسا للديوان في 20 أكتوبر 1937 لم يصادف استياء من الجانب البريطاني بل قد يكون مبعث ارتياح فإن تولي علي ماهر المنصب يجعله يشغل رسميا ما كان يشغله من وراء ستار أي منصب مستشار الملك وبذلك يتحمل مسئولية ما يشير به وقد اكتفى لامبسون في تعليقه على تعيينه بأن طريقة التعيين كان طأ وتفتقر إلى الحكمة وذلك لانفراد الملك بتعيينه دون التشاور مع مصطفى النحاس، رئيس وزارته في ذلك والحصول على موافقته.

وقد أدى تعيين علي ماهر في رئاسة الديوان الملكي ثم ما تلي ذلك من أزمة دستورية بين القصر ووزارة الوفد إلى تزايد العوامل المؤثرة في العلاقات بينه وبين الجانب البريطاني قوة فتزايد تقدير الجانب البريطاني لنفوذ علي ماهر في القصر بعد أن أصبح فعلا مستشار الملك الأول هناك وتزايدت الرغبة في الحصول على تعاونه لتوجيه سياسة القصر بما يلائم السياسة البريطانية وأدى ذلك في النهاية إلى تزايد عوامل الشك لدى الجانب البريطاني في إخلاص علي ماهر واتجاهاته وأطماعه وسلبياته وتزايد عوامل الاحتكاك بين سياسة كل من الطرفين.

ذلك أن الوصول إلى رئاسة الديوان الملكي لم يكن غاية بالنسبة لعلي ماهر بل كان خطوة إلى هدف أسمى هو العودة إلى رئاسة الوزارة قد رأينا كيف عبر علي ماهر عن هذا الاتجاه بصراحة في حديثه مع لامبسون في مارس 1936 أيام وزارته الأولى) فعلي ماهر لم يكن يستند إلى تأييد حزب أو قوة عصبية لبذلك لم يكن أمامه سوى الاستناد إلى القصر وهكذا عمل على تمكين نفوذه في القصر والوصول إلى رئاسة الديوان وفي هذا المنصب نشط علي ماهر في خدمة العرش وكسب حقوق له على حساب الشعب وهذا هو أساس الأزمة الدستورية بين القصر ووزارة الوفد تلك الأزمة التي اشتدت واستعصت في ديسمبر 1937 وانتهت بإقالة الوفد لم تكن خدمة العرش والولاء له على أية حال غريب على ابن محمد ماهر باشا رجل الخديوي عباس حلمي الثاني الذي اقترن اسمه أزمة الحدود المشهورة في يناير 1894 لكن الولاء للعرش كان واحدا فقط من العوامل التي دفعت علي ماهر رئيس الديوان إلى توجيه سياسة القصر بما أدى إلى الأزمة الدستورية أما العامل الآخر الهام فهو أن الوصول إلى الحكم لم يكن ليتحقق قبل إضعاف الوفد والتخلص من الوزارة الوفدية رأينا كيف عمل علي ماهر على إضعاف الوفد قبل رئاسته للديوان وقد عمل على إخراج الوفد من الحكم بعد أن أصبح رئيسا للديوان.

لسنا في حاجة في هذا المجال إلى متابعة باقي خطوات علي ماهر للوصل إلى السلطة بالوقوف جانبا وترك الوزارة تسند إلى محمد باشا محمود، ثم إشراك السعديين مع الدستوريين في الحكم ووضع العقبات أما الوزارة لدفعها للاستقالة وإثبات فشل هؤلاء الساسة جميعا وبذلك ينفتح أمامه الطريق إلى السلطة واسعا ودون عقبات الذي يممنا هنا هو أن سياسة علي ماهر في التخلص من الوفد تعارضت جذريا مع سياسة السفارة البريطانية في استبقاء الوفد وكان هذا مجال الاحتكاك.

كان مفروضا أن لامبسون يدرك هذا التعارض في سياسة الطرفين تجاه الوفد، فقد عبر له ماهر عن أمله في العودة إلى تولي الوزارة كما أشرنا كما كان يدرك أيضا عداء علي ماهر للوفد وعلى علم بما يقال من أنه من المحتمل أن يأتي بأعمال ضد الوفد خلال الخريف القادم (أي خريف1937) .. ويقال أن علي ماهر مقتنع بأنه من الممكن أجبار وزارة الوفد على الاستقالة في الخريف القادم وإجراء انتخابات بواسطة حكومة محايدة ظاهريا وضمان الحصول على أغلبية ضد الوفد دون الاستعانة بالوسائل والمناورات الانتخابية المتطرفة ومع بداية الأزمة الدستورية تحدث النحاس إلى السفير عن عدم ثقته في علي ماهر ووجود (مؤامرة بالقصر لتجميع كل عناصر المعارضة لضمان استقالته وقال أنه لن سمح للقصر بالاستمرار في لعب هذا الدور الذي يتعارض مع الدستور على خط مستقيم ورغم ذلك فإن لامبسون بعد عودته من أجازته في آخر أكتوبر 1937 اتجه إلى الاستعانة بعلي ماهر ليقوم بدور الوسيط بين الطرفين (الملك ورئيس الوزراء) لحل الأزمة عن طريق إيجاد نوع من التفاهم والتقارب في وجهات النظر وتدبير مقابلة فقابل علي ماهر في 2 نوفمبر وأوضح له خطورة قيام ملك صغير السن بإثارة أزمة دستورية مع رئيس وزرائه المنتخب دستوريا وقد وافق علي ماهر على التعاون عندما اقترح عليه لامبسون أن يقوم بدور الوسيط بين الملك والنحاس وأظهر (علي ماهر) استعداده للقيام بهذه المهمة وسار لامبسون في هذا الاتجاه إلى مداه، فقابل الملك في 5 نوفمبر ونصحه بأن يعهد إلى عي ماهر بإيجاد حل عمل للأزمة عن طريق إيجاد مخرج للتفاوض مع رئيس الوزراء وهكذا كما يقول لامبسون أصبح الأمر متروكا لعلي ماهر لكي يقوم بواجبه في الفترة المبكرة من الأزمة كان لامبسون كما يقول في يومياته، واثقا أن علي ماهر سوف يبذل ما في وسعه لحلها لكنه من أواخر نوفمبر بدأ يرتاب في نوايا عي ماهر واتجاهاته فيما يختص بالأزمة وموضوع الوساطة فقد رأى أن ضغط علي ماهر عليه فيما يختص بضرورة حل فرق القمصان الوفدية الزرقاء هو بلا جدال محاولة منه لكي يوقع السفير في مشاكل مع النحاس بخصوص مسألة لا شك أن النحاس مخطئ فيها وفي الأسبوع الثاني من ديسمبر تزايدت شكوك لامبسون وأخذ أمله يضعف في حل الأزمة.

فكتب يقول معلقا على فشل المساعي لحل الأزمة حتى ذلك الوقت أنه لا يرى أملا يذكر في ضم هذه العناصر المتنافرة للعمل معا ثم كتب عن حديث له مع أمين عثمان (همزة الوصل بينه وبين الوفد) في مشروع لتسوية الأزمة يتضمن حل فرق القمصان الزرقاء وأشار إلى اعتقاد أمين عثمان أنه يمكنه أن يجعل النحاس يقبل ذلك بشرط وجود ضمان بحسن نية القصر لأن النحاس يشعر أنه إذا جرده القصر من السلطة فإن جميع أجهزة الدستور سوف يساء استعمالها ضده بما في ذلك الجيش والشرطة، وأنه ليس هناك إلا القمصان الزرقاء التي عليه أن يركن إليها وقد وافق لامبسون على ما أشار إليه أمين عثمان من أن أضعف ما في هذا المشروع هو الاعتماد الذي يفترضه مقدما على حسن نية علي ماهر وأخيرا فقد أخبره النحاس بعد أن أٌيلت وزارته أن الموضوع كان من أول الأمر مؤامرة دبرها علي ماهر ولا شك أن ما وضعه علي ماهر من عقبات في وجه وزارة محمد محمود للتخلص منها وتحقيق أطماعه في الوصول إلى الرئاسة قد أكد للامبسون صحة اتهامات النحاس.

كان طبيعيا على أية حال أن تفشل الوسائط بين الطرفين لأن الوسيط علي ماهر كان طرفا في الصراع والسؤال الآن هو لماذا عهد إليه لامسون بالوساطة؟ إذا استبعدنا فكرة أن لامبسون يجهل أطماع علي ماهر، يتبقى لدينا عاملان أحدهما أن السفارة اعتادت على استجابة علي ماهر لرغباتها مما جعل لامبسون يعتقد كما يقول، أنه بالضغط عليه قد يصبح أكثر استعدادا لعمل ما في وسعه لتخطي هوة النزاع بين القصر والوزارة أما العامل الثاني فهو أنه لم يكن لدى لامبسون وسيلة أخرى للتأثير على فاروق وهذا واضح من قوله في يومياته معلقا على عودة فاروق من رحلته في الخارج عام 1937 لتولي سلطاته الدستورية، أنه يخشى أنه يعتقد فاروق أنه يستطيع أن يلعب أية لعبة يريدها وإذا حدث فسوف يكون خطأ قاتلأن وهو يأمل (أن يستطيع علي ماهر أن يؤثر فيه، وإلا فسوف تكون هناك أيام عاصفة بيننا وقد ازدادت هذه الحاجة إلى الإفادة من نفوذ علي ماهر لدى فاروق بعد أن ولى رئاسة الديوان.

وقد قام ارتياب في بداية الأزمة في نفوذ علي ماهر على فاروق وقدرته على التأثير عليه عبر عن هذا الارتياب كل من أمين عثمان والنحاس فقال الأول أن علي ماهر لا يستطيع السيطرة على الملك وكذلك لا يريد إغضابه بإبداء رأي مخالف.

وقال الثاني أن فاروق غلام عديم التجربة ناقص التعليم تغطرس وهو في شك من أن حق علي ماهر نفسه قد يؤثر عليه بل إن لامبسون قد عبر عن ارتيابه في أن علي ماهر متأكد من وضعه من الملك فقد قال هل علي ماهر أنه محاصر بالمتاعب في القصر.

لكنها كانت شكوك عابرة فمحمد التابعي، وله حينئذ اتصالاته القوية في القصر، يؤكد أن نفوذ علي ماهر استمر قويا على فاروق حتى تولى محمد محمود الحكم وبدأ علي ماهر يدس له لدى الملك وأن السياسة التي اتبعت خلال الأزمة الدستورية بين الوفد والقصر حتى أقيلت وزارة النحاس وخلفتها وزارة محمد محمود هي سياسة علي ماهر وقد أدرك لامبسون هذا في نهاية الأزمة، فكتب قبل إقالة النحاس بيوم واحد يقول أنه حين يتأمل ما حدث يشعر أنه (لم يكن هناك قط أدنى شك في أن علي ماهر كان مصمما على طرد الوزارة الحالية والحق أن الأمر يعود حتى إلى ما قبل ذلك الأزمة الدستورية إلى عودة الملك في الصيف الماضي أي من رحلته إلى أوروبا كما أن سيطرة علي ماهر في القصر كانت كاملة في الفترة الأولى ن وزارة محمد محمود بحيث كتب لامبسون في مايو 1938 يقول أن القصر اليوم معناه علي ماهر وهكذا فإن ما حدث هو صدام بين سياسة كل من السفير ورئيس الديوان فيما يختص بوزارة الوفد.

وقد خرج علي ماهر منتصرا فساءت علاقته بلامبسون لفترة بعد الأزمة.

ليس هذا فقط بل إن لامبسون كما يقول في يومياته بدأ يعتقد أن فاروق في حقيقته ولد لطيف يمكن التعامل معه ويرتاب في أن علي ماهر هو السبب الحقيقي لما يلاقونه من متاعب مع فاروق وقد لمس بهذا جانبا من الحقيقة لا كلها.

كان لعلي ماهر نفوذه القوى على فاروق كما رأينأن وقد استغل هذا النفوذ في تجنب وقوع فاروق تحت السيطرة البريطانية وهو لا يزال صبيا عديم التجربة وقد عبر لامبسون عن سياسة علي ماهر تلك حين تعمق فهمها بأنها (إبعاد فاروق عنا حتى يمكن للسراي أن تمارس سياستها الدكتاتورية في المجال الداخلي والمستقلة في المجال الدولي، دون أن تعوقها النصائح البريطانية أما خصوم علي ماهر فكان بعضهم يصف سياسته بأنها تحويل الملك فاروق عن بريطانيا وكانوا يرون أنها خطيرة على كل من الأسرة المالكة والبلاد وقد تنتهي بسقوطه السريع في حالة قيام الحرب

وقد ترجع هذه السياسة لعدة أسباب: قد يكون دافعها الوطنية كما يفهم من حديث محمد كامل البنداري مع الدكتور عبد العظيم رمضان وقد يكون إبعاد فاروق عن الوقوع تحت السيطرة البريطانية كما يفهم من رأي لامبسون وهذا السبب مرتبط بالسبب الأول وقد تكون أيضا وسيلة للانفراد بالنفوذ على فاروق دون مزاحمة من النفوذ البريطاني.

هذا على أية حال جانب من الحقيقة أما الجانب الآخر فهو أن فاروق عند عودته من بريطانيا كان مشبعا بروح العداء للسيطرة والنفوذ البريطاني وكان يحاول في هذا الوقت المبكر تخلص نفسه والقصر من النفوذ البريطاني كما يتضح من يوميات كيلرن وهكذا اتفق اتجاه فاروق مع اتجاه علي ماهر. وخلال الأزمة الدستورية بدأت تكشف للجانب البريطاني نواحي من شخصية علي ماهر بما أدى إلى سوء فكرتهم عنه فقد كتب لامبسون في أوائل الأزمة يقول أن علي ماهر إنسان مخادع ولا يمكن الوثوق به وقبل نهاية الأزمة قال أنه كان مراوغا وكانت فكرة مساعدي لامبسون عنه مثل فكرة لامبسون أو أسوأ فمستر كيللي الوزير المفوض بالسفارة كتب أثناء الأزمة يقول أنه لا يستطيع أن يخاطر حتى بمحادثة شخصية مع علي ماهر لأنه يحتمل أن ينقل حديثة محرفا إلى جريدة البلاغ في اليوم التالي

أما السكرتير الشرقي والتر سمارت فكان يرى أن موقف فاروق مع علي ماهر يعيد إلى الذاكرة ما سبق أن حدث بين الخديوي الشاب عباس ومحمد باشا ماهر والد علي ماهر تلك السابقة التي تنذر بالشر ويشير سمارت بذلك إلى تعاون محمد باشا ماهر وكيل وزارة الحربية مع الخديوي عباس حلمي وتشجيعه على العمل ضد الاحتلال البريطاني بما أدى إلى الصدام ين الخديوي عباس حلمي وتشجيعه على العمل ضد الاحتلال البريطاني بما أدى إلى الصدام بين الخديوي وكتشتر ومن خلفه كرومر، في حادث الحدود المشهور في يناير 1894.

وبوصول علي ماهر إلى رئاسة الديوان أخذت تتأكد للجانب البريطاني علاقته بأحمد حسين ومصر الفتاة تلك العلاقات التي كانوا على علم بها من قبل ذلك أن مصر الفتاة كانت من الأدوات التي استخدمت في التخلص من وزارة الوفد في أواخر 1937 وكان عز الدين عبد القادر حفيد عرابي وعضو مصر الفتاة هو الذي أطلق الرصاص على النحاس قبل إقالة الوزارة وقد عبر النحاس للسفير البريطاني عن اعتقاده أن علي ماهر ضالع في محاولة اغتياله ولما كان السفير البريطاني قد أدرك في آخر الأزمة الدستورية أن سياسة التخلص من وزارة الوفد هي سياسة علي ماهر، فإن هذا يؤكد لديه صلة مصر الفتاة بعلي ماهر يضاف إلى ذلك أنه بعد أن خلف محمد محمود النحاس في الوزارة قام الصراع على السلطة بينه وبين علي ماهر في هذا الصراع اتخذ أحمد حسين جانب علي ماهر لذلك فقد اعتبرت السفارة البريطانية علي ماهر متواطئا مع الفاشية المصرية، ومسئولا عن تزايد النفوذ الفاشي في السراي.

حقيقة أن أهمية مصر الفتاة في الحياة السياسية المصرية أخذت تقل التدريج، بعد خلافهم مع محمد محمود ثم مع علي ماهر، وبعد خروج محمد كامل البنداري نصيرها ووكيل الديوان الملكي من السراي وتبعا لذلك أخذ يتضح للامبسون بالتدريج قلة شأن مصر الفتاة في الحياة السياسية المصرية لكن مصدر الخطورة من وجهة النظر البريطانية كان ما هناك من شكوك حول صلة مصر الفتاة بإيطاليا الفاشية بل واتهامها بالعمالة لها خاصة وأن شخصية لها وزنها السياسي كزعيم الوفد قد وجهت هذا الاتهام إلى مصر الفتاة في مجلس النواب في يونيو 1936 وأعاد مصطفى النحاس توجيه هذا الاتهام بعد إقالته في آخر ديسمبر 1937

كان طبيعيا أن تعلق هذه الشكوك أيضا بعلي ماهر صديق مصر الفتاة لذلك حينما كتب لامبسون في فبراير 1939 إلى هالفاكس عن الدعاية الإيطالية الألمانية وعن توغل النفوذ الإيطالي الألماني في السراي وبين رجال البلاط وفي الطبقات الاجتماعية العليا نجده يقول أن صدقي باشا على سبيل المثال وهو على علاقة طيبة بالملك يقوم بنفس الدور الذي تلعبه الدعاية الإيطالية الألمانية وذلك نبشر الآراء التي تقوم بضعف انجلترا وبحياد مصر في حالة قيام حرب لا تمس المصالح المصرية مباشرة ولما كان صدقي في معسكر علي ماهر أيضا فيغلب أن الأخير يشجعه على انتهاج هذا الطريق ولا شك أن إيطاليا وألمانيا لهما عملاء آخرون يعملون على الحط من مكانة انجلترا في نظر الملك فاروق ويعملون على توجيهه في اتجاه معادي لهأن ربما دون أن يشعر هو بذلك

وقد كان لهذه الفكرة عن علي ماهر أثرها الخطير في موقف الجانب البريطاني منه فيما بعد، ذلك الموقف الذي تطور إلى طلب إخراجه من الوزارة في يونيو 1940 ثم طلب اعتقاله بحجة انحيازه إلى المحور.

الخلاصة أن تولي علي ماهر رئاسة الديوان وقيام الأزمة الدستورية وسياسة علي ماهر خلالها قد أدت إلى سوء العلاقات بين علي ماهر ولامبسون كما أخذ الجانب البريطاني يعتقد أن علي ماهر شخص مراوغ مخادع متآمر لا يمكن الوثوق به وأنه أقرب إلى العداء لبريطانيا والميل إلى المحور بحكم صلاته بالفاشية المصرية المتهمة بالعمالة لإيطاليا.

بعد انتهاء الأزمة الدستورية بإقالة مصطفى النحاس أخذت الحدة تزول بالتدرج عن سوء العلاقات بين علي ماهر والسفير البريطاني لكن علاقتهما لم تعد إلى ما كانت عليه هناك عدة عوامل ساعدت على ذلك: انتهاء الأزمة الدستورية وانتهاء الاحتكاكات التي ترتبت عليها بانتقال مركز الثقل نسبيا في العلاقات السياسية إلى رئيس وزراء محمد محمود يحاول أن يثبت أقدامه في السلطة في مواجهة رئيس الديوان واستمرار وجود علي ماهر رئيسا للديوان واستمرار نفوذه قويا لدى الملك فاروق فترة بعد الأزمة وما وجده لامبسون لدى محمد محمود والسراي من تعاون واستعداد لتنفيذ معاهدة التحالف بحيث كتب في مايو 1938 يقول إن (القصر والحكومة الحاضرة لا يقلون ولاء عن حكومة النحاس باشا نحو تنفيذ المعاهدة في هذا الدور الثاني من العلاقات بين علي ماهر ولامبسون نجد اهتمام الأخير يتركز على ثلاث نقاط أساسية هي: وضع علي ماهر في السراي صراع علي ماهر للوصول إلى السلطة أي إلى رئاسة الوزارة والنفوذ الإيطالي الألماني في السراي.

في مايو 1938 كتب لامبسون يقو أن القصر في الوقت الحاضر هو الفيصل في الموقف السياسي والقصر اليوم معناه علي ماهر.. علي ماهر يمثل دور القصر السياسي في الوقت الحاضر وذلك لما كان لعلي ماهر حينئذ من نفوذ قوي على الملك فاروق كما سبق أن أشرنا لكن ذلك النفوذ أخذ يضعف لما اتضح من طمع علي ماهر في السلطة ومؤامراته للوصول إليها وعجزه عن التصدي للتدخل البريطاني ولتعيين محمد كامل البنداري باشا ووكيلا للديوان الملكي وما أحرز من نفوذ لدى الملك انتقص من نفوذ علي ماهر بل وتعارض معه رغم أن علي ماهر صاحب الفضل في انتقص من نفوذ علي ماهر بل وتعارض معه رغم أن علي ماهر صاحب الفضل في تعيين البنداري لكن يبدو أن لامبسون لم يفطن إلى ضعف نفوذ علي ماهر في السراي إلا بعد فترة فحين لاحظ في نوفمبر هدوء علي ماهر وتخليه عن التآمر ضد رئيس الوزراء اعتقد أن السبب هو هجوم الوفد عليه أو دقة الموقف الدولي لكنه في أوائل 1939 فطن إلى ضعف موقف علي ماهر وعزاه إلى الدسائس ضده داخل السراي وهذا حقيقي، فضعف موقف علي ماهر حينئذ ناتج عن تزايد نفوذ البنداري في السراي.

في أبريل 1938 كتب لامبسون يقول عن الأزمة الوزارية التي قامت في نفس الشهر أن أساس الأزمة هو (النزاع بين الأحرار الدستوريين والقصر فقد كان الأحرار يريدون السيطرة على الوزارة لتوطيد مركزهم عن طريق الحكومة بينما كان القصر بتوجيه علي ماهر باشا يرغب في وضع الأحرار تحت السيطرة من خلال حكومة ائتلافية والفكرة الغالبة بين المصريين أن علي ماهر باشا أو أحمد ماهر بتأييد حزب السعديين الكبير في البرلمان سيحل محل محمد محمود باشا ثم عاد في مايو يقول عن علي ماهر أن المظنون أنه يسعى لرئاسة الوزارة معتمدا في ذلك على مساعدة أخيه الدكتور أحمد ماهر والسعديين ومن المتوقع أنه لا يمضي وقت طويل حتى ينشأ نزاع جديد يكون سببا في خروج محمود باشا ولو كان علي ماهر باشا حصيفا لترك الوزارات في مصر بيد أنه من سوء حظه أنه رجل قليل الصبر إلى أقصى حد ومع أنه كتب في نوفمبر يقول أن علي ماهر قد تخلى مؤقتا عن تدبير المؤامرات ضد رئيس الوزراء إلا أنه عاد في يناير 1939 يقول إن القصر أي على يواصل إضعاف مركز محمد محمود باشا بتداخله في الإدارة وبمساعدته للحركات والعناصر المعادية للحكومة.

وهكذا تأكد لدى لامبسون سعى ماهر ونشاطه الملح للوصول إلى رئاسة الوزارة، وتآمره ضد محمد محمود وعرقلته أعمال الوزارة حتى يتمكن من الوصول إلى هدفه.

هذا السعي الدؤوب من جانب علي ماهر للتخلص من وزارة محمد محمود والوصول إلى السلطة كان عاملا من عوامل استياء لامبسون من علي ماهر ذلك أنه كان قد اطمأن إلى إخلاص محمد محمود وتعاونه في سبيل تنفيذ المعاهدة والوفاء بالتزامات التحالف ولم يكن يشعر بنفس هذا الاطمئنان من جهة السراي ولما كان علي ماهر هو المسيطر في السراي وهو بالتالي مسئول عن سياسة السراي فإن تغييرا يأتي بعلي ماهر إلى الحكم لم يكن مما يرحب به لامبسون لذلك نجده في مايو 1938 يقول أن علي ماهر يسعى لرئاسة الوزارة وأنه أي لامبسون سيأسف إذا اعتزل محمد محمود الحكم ويقول عن محمد محمود في مايو من العام التالي أنه لا يريد رفيق عمل خيرا منه ولا أكثر ولاء، وآمل كثيرا أن يظل في عمله بعض الوقت

أما عن النفوذ الإيطالي الألماني في السراي فقد كان مصدر قلق بالغ للسفير البريطاني فكتب في يناير 11939 يقول إن هناك تأثيرات قوية- وطنية وأجنبية يبدو أنها تعمل لتوضح للملك الخطر الذي تتعرض له مصر من التزامات الحرب التي تنص عليها المعاهدة والحق أنه مما يخشى منه أن عملاء إيطاليا وألمانيا عن طريق أذنابهم داخل القصر وخارجة يقومون فعلا بالتأثير على الملك فاروق وتوجيهه الوجهة التي يريدها محور روما بريلن وهي حياد مصر في حالة قيام الحرب إن الدعاية الإيطالية الألمانية شاملة لكن من الواضح أن أحد ميادينها المفضلة هو ما يقابل في مصر الطبقة الأرستقراطية أي البلاط والدائرين في فلكه والأتراك المتمصرين ...

كان السفير البريطاني يدرك صلة البنداري بمصر الفتاة وصلاته الودية مع المفوضية الإيطالية وأثر ذلك كله في تزايد النفوذ الإيطالي الألماني ونفوذ مصر الفتاة في السراي، وتزايد الاتجاهات الفاشية في السراي وفي البلاد إلا أنه مع ذلك كان يعتبر وصل الأمر بلامبسون في فبراير 1939 إلى وضع علي ماهر مع إسماعيل صدقي باشا في الفريق المناصر لإيطاليا الذي يعمل على نشر الدعاية الإيطالية الألمانية المضادة لبريطانيا كما يتضح من خطاب لامبسون إلى هاليفاكس رقم 110 في 3 فبراير الذي سبقت الإشارة إليه.

خلاصة الأمر أن الدور الثاني في العلاقات بين علي ماهر والسفير البريطاني قد أكد عدة انطباعات لدى السفير البريطاني: أكد قوة نفوذ علي ماهر في السراي ولو أن هذا النفوذ أخذ يضعف في الربع الأخير من 1938 وأكد سعي علي ماهر لرئاسة الوزارة، ومناوراته ومؤامراته ضد وزارة محمد محمود لتحقيق هذا الغرض وأن وجوده في رئاسة الديوان الملكي وشهوته في الاستحواذ على السلطة لا يعطي الوزارة القائمة الفرصة لممارسة الحكم، وهكذا استمر التعارض الذي كان قائما من قبل بين سياسة علي ماهر وسياسة السفير الذي كان يريد أن تستمر وزارة محمد محمود في الحكم يضاف إلى بذلك أن لامبسون استمر يعتقد في عدم صداقة علي ماهر لبريطانيا وفي مسئوليته عن تزايد الاتجاهات الفاشية وتزايد النفوذ الإيطالي في السراي وفي البلاد وأخيرا فعلي ماهر متآمر لا يمكن الوثوق به.

هناك عاملان في هذا الدور من العلاقات دفعا إلى التغيير الذي أدى إلى تحسن العلاقات بين علي ماهر والجانب البريطاني في الدور التالي، هما سعي علي ماهر للوصول إلى رئاسة الوزارة، وإدراكه لسوء علاقته بالجانب البريطاني.

بدأ علي ماهر يدس لوزارة محمد محمود منذ أسابيعها الأولى كما يقول التابعي: وبدأت الأزمات بين الوزارة والسراي بعد الانتخابات مباشرة وذلك بمناسبة إعادة تأليف الوزارة في أبريل والحق أن ضعف الوزارة واعتمادها على تأييد السراي كان يتيح لعلي ماهر فرصة طيبة للتلاعب بها ذلك أن الأحرار الدستوريين استمروا في الحكم بعد انتخابات غير نزيهة بناء على أغلبية نسبية ويقاربهم السعديون كوسيلة لتدعيمها ومع ذلك فقد استمر ضعف الوزارة، وزاد الخلاف بين الوزراء الدستوريين، وبينهم وبين السعديين والمشاكل الإدارية والمالية الناتجة عن سوء الحالة الاقتصادية وفضيحة مزرعة الجبل الأصفر التي أدت إلى استقالة رشوان محفوظ وزير الزراعة وعمل علي ماهر لمتصل لإضعاف مركز الوزارة بتداخله في الإدارة ومساعدته للحركات والعناصر المعادية للحكومة وفي أوائل عام 1939 كانت الوزارة قد وصلت درجة كبيره من الضعف والسراي قد أحرزت قدرا كبيرا من السيطرة والتسلط يوضحه سفير علي ماهر رئيس الديوان في يناير لتمثيل مصر في مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في لندن لبحث المشكلة الفلسطينية دون رئيس الوزراء أو وزير الخارجية

حينئذ اعتقد علي ماهر أن الوقت قد حان للتخلص من وزارة محمد محمود والوصول إلى الحكم، وانتهز فرصة حضوره المؤتمر للتمهيد لتحقيق هذا الهدف وذلك بإزالة الاتصال رأسا بالحكومة البريطانية فقد سبقه إلى ذلك الخديوي عباس حلمي الثاني أثناء الصراع على السلطة بينه وبين لورد كرومر، مع الفارق بطبيعة الحال بين الرجلين وبين الظروف المحيطة بكل من الحالتين.

يبدو أن علي ماهر تمكن من تفسير تصرفاته وإزالة شكوك الحكومة البريطانية نحوه، وإقناع وزير الخارجية البريطانية لورد هاليفاكس بحسن نيته وتعاونه وبذلك أزال أية عقبة من جانب الحكومة البريطانية في سبيل وصوله إلى رئاسة الوزارة وقيام تعاون بينه وبين الجانب البريطاني حين يتم ذلك بقي تصفيه الموقف مع السفير البريطاني وذلك ما سعي علي ماهر إليه حين عاد إلى القاهرة.

حينئذ كانت قد استجدت عوامل هيأت المناخ الملائم لتصافي الرجلين، تتضح هذه العوامل في تقرير لامبسون إلى لورد هاليفاكس عن الموقف السياسي في الشهور الأربع الأولى من عام 1939 حيث يقول فيه (إن أكثر ما يلفت النظر من معالم الفترة التي نستعرضها هو ما صار إليه مركز رئيس الوزراء من قوة نتيجة أقول نجم علي ماهر بشكل غير متوقع، إذ كانت فرصته منذ أربعة أشهر في انتزاع الوزارة من محمد محمود باشا تعتبر بحق فرصة قوية فخلال غيابه لحضور مؤتمر فلسطين الذي عقد في لندن تمكن من تقويض مركزه في السراي البنداري باشأن الذي يدين لعلي ماهر باشا نفسه بتعيينه وكيلا للديوان الملكي وقد ساعد البنداري باشا في أعماله الخفية خصوم آخرون كثيرون لعلي ماهر باشا بينهم أفراد من الأسرة المالكة كانوا يرون ولرأيهم ما يبرره في تأثير علي ماهر باشا على الملك فاروق خطرا على كل من الأسرة والبلاد وكان بعضهم يخشى بصفة خاصة أن ينتهي عمل علي ماهر باشا في تحويل الملك فاروق عن بريطانيا العظمي بسقوط جلالته في حالة قيام الحرب وقد تحدث في ذلك كثيرا كل من الأمير محمد علي وشريف صبري باشا.

وقد حاول علي ماهر باشا عند عودته إلى مصر أن يستعيد مركزه بإجبار الملك فاروق على أن يختار بينه وبين البنداري باشا فقدم استقالته لكنه سحبها عندما قرر جلالته منح البنداري باشا أجازة لمدة شهر وفي نهاية المدة عين رئيس الوزراء البنداري باشا وزيرا مفوضا في بروكسل بناء على طلب الملك ومع أن علي ماهر باشا قد حصل بهذا على ترضية سريعة إلا أن رئيس الوزراء أخبرني أنه إنما نال نصرا رخيصا وأن نفوذه لدى الملك الآن قد ضعف ضعفا بينا على أية حال ربما ساء الملك أن يتقدم إليه رئيس ديوانه بما يكاد أن يكون إنذارا نهائيا بشأن البنداري باشا الذي عمل على أن يحظى برضاء الملك وكان يؤيده على الأقل بعض موظفي السراي ولا يوجد أدنى شك في أن علي ماهر باشا يشعر لذلك بالضيق وأحد مظاهر ضيقه هو ما يبديه الآن من رغبة واضحة تتسم بالذلة في الحصول على رضائي وعلى مساندة محمد محمود باشا وحتى في إقامة علاقات مع الوفد وهكذا حين عاد علي ماهر إلى مصر وجد من انهيار نفوذه في السراي دافعا جديدا زاد من رغبته في تحسين علاقاته بالسفير البريطاني وبالمثل كان غياب علي ماهر عاملا أزال لفترة الضوابط التي كانت تتمتع الجموع في سياسة السراي وقد أدى هذا بالإضافة إلى قيام البنداري بعمل رئيس الديوان إلى تزايد النفوذ الفاشي في السراي، وإلى الاصطدام بالسفارة البريطانية.

وقع الصدام بمناسبة مظهرين من المظاهر المختلفة منذ كان السفير البريطاني مندوبا ساميأن وبعد أن أبرمت المعاهدة وأصبح المندوب السامي سفيرا تركت حكومة الوفد للامبسون أن يحتفظ بهذين المظهرين على سبيل المجاملة بصفة استثنائية نظرا لدوره في التوصل إلى المعاهدة أحد هذين المظهرين هو موكب راكبي الموتوسيكلات الذي يسبق سيارة السفير والآخر هو استقباله استقبالا رسميا عند زيارته للأقاليم في غياب علي ماهر أصرت السراي على إلغاء الموكب واضطر لامبسون إلى الموافقة وحين زار لامبسون أسوان واستقبله مديرها استقبالا رسميا طلب البنداري توجيه انذار إلى المدير وإخطار المديرين الآخرين بسبب الإنذار مع التحذير بتوقيع عقوبة شديدة لو تكرر ذلك

لهذا فلا شك أن لامبسون قد رحب بعودة علي ماهر ونجاحه في طرد النبداري من السراي باعتبار علي ماهر أهون الشرين.

أما مدى استجابته لمحاولات علي ماهر تحين العلاقات معه فتتضح من خطاب للامبسون إلى هاليفاكس يخبره فيه عن حديث دار بينه وبين رئيس الوزراء بشأن علي ماهر:

قال إن علي ماهر كان حريصا جدا على استعادة الثقة فيه إني لأرجو ألا تؤدي عودته إلى دائرة الرضاء الملكي إلى عودته إلى عادته القديمة في التآمر فقال رئيس الوزراء يخشى أنها قد تؤدي إلى ذلك لو حدث ها فإنه شخصيا سيعمل على أن يسير الملك في الطريق الصحيح.. وأنه يمكنني أن أعتقد عليه في مواجهة أية مؤامرات يحكيها علي ماهر الذي تلقى درسا قاسيا..

قلت لرئيس الوزراء إنه للأسف لا يوجد من يتحلون بالصفات اللازمة ليحولا محل علي ماهر والبنداري لقد أجهدت فكري لكني لم أهتد إلى أي شخص وقد وافق رئيس الوزراء على أنه لا يوجد الأشخاص لقد فكر مثلي ووصل إلى نفس النتيجة.

أنا متخوف من عودة علي ماهر إلى السراي لقد قابلته عدة مرات في الفترة الأخيرة وقد أكد لي تصميمه على العمل معنا بولاء لكن الرجل أثبت أنه متآمر مطبوع بحيث لم يعد أحد يثق فيه على أية حال يحتمل أن يكون قد تعلم شيئا من تجربته الحالية

كانت هناك استجابة إذن، من جانب السفير البريطاني لمحاولات علي ماهر لكنها استجابة بتحفظ استجابة من لا يجد بديلأن وتحفظ المرتاب في إمكان حدوث تغيير وهذا ينفي فكرة قيام تحالف بين السفير البريطاني وعلي ماهر للتخلص من البنداري.


هناك حقيقة أخرى من لا يجد تتضح من الوثائق التي تعرضنا لهأن هي أن علي ماهر هو الذي سعى إلى تحسين العلاقات بينه وبين السفير البريطاني وليس العكس وهذا يحسم نقطة ثار حولها الخلاف

وهكذا نجح علي ماهر في تحسين العلاقات بينه وبين الجانب البريطاني لكن هذا لم يؤد إلى تحقيق الهدف الذي كان يرمي إليه من سعيه هذا وهو تمهيد الطريق إلى رئاسة الوزارة فإن انهيار نفوذه لدى الملك نتيجة مساعي البنداري قد باعد بينه وبينها وكان علي ماهر أن ينتظر بعض الوقت قبل أن يتحقق هدفه رغم أن الطريق كان ممهدا له ذلك أن صحة محمد محمود ساءت بما اضطره إلى تقديم استقالته إلى الملك في 6 يوليو لكن فاروق رفضها فسحبها ليعود ويقدمها ثانية ي 12 أغسطس في هذه المرة قبل الملك الاستقالة وعهد إلى علي ماهر بتأليف الوزارة.

واضطرابات في القلب وخلال الشهر الماضي لم يتمكن رفعته من مزاولة العمل معظم الوقت وحالة الضعف التي يعانيها حاليا تجعل من المتعذر أن يزاول عملا جادا كثيرا وأخيرا واضطرته حالته الصحية السيئة إلى تقديم استقالته إلى الملك فاروق في 6 يوليو وقد رفض جلالته قبولها واقترح عليه كما أخبرني رفعته أن يعهد بالكثير من عمله إلى زملائه الوزراء وقد سحب محمد محمود باشا استقالته لكن من المؤكد أنه في الوقت الحاضر ليس في حالة صحية تمكنه من تحمل أعباء الدولة..

هناك إدراك سائد بأن محمود باشا لن يمكنه أن يستمر طويلا في عمله، وقد فتح هذا الباب على مصراعيه للمضاربات والدسائس بشأن من يخلفه وحتى وقت قريب كان الدكتور أحمد ماهر باشا هو المشرح المفضل لأن محمود باشا كان يؤيده بقوة، كما أن الملك فاروق تقبل الفكرة حتى يتجنب فيما يبدو أية مشاكل دستورية لكن الخلاف الذي يؤسف له على الإعانة المقترحة لشركة بواخر البوستة الفرعونية قد أضعف مركز الدكتور أحمد ماهر ويقال وإن كنت لا أدري مبلغ صدقي ما قال أن موقف الملك فاروق تجاه الباشا قد تأثر بموضوع هذه الإعانة وإن جلالته لم يعد الآن موافقا على إسناد رئاسة الوزارة إليه وعلى ذلك فالرأي الشائع الآن هو أن علي ماهر هو مختار السراي ليخلف محمود باشا.

لم يسترجع علي ماهر باشا حتى الآن ما كان له من نفوذ عند الملك فاروق، ومن الممكن أن يرى جلالته بثاقب رأيه خروجه من القصر لرياسة مجلس الوزراء حيث لا يطول بقاؤه في هذا المنصب وتسري الإشاعات أيضا بأن جلالته يميل إلى قيام حكومة تمثل مختلف الأحزاب وفديين معينين مثل عبد السلام فهمي جمعه باشأن وزير التجارة في وزارة الوفد الأخيرة، ويوسف الجندي أفندي وكيل وزارة الداخلية السابق.

إذا اتضح عظم المصاعب التي تعترض تعيين علي ماهر باشا أو أحمد ماهر باشا لرئاسة الوزارة فهناك رأي بأن السراي قد تلجأ إلى تعيين رئيس وزراء دمية مثل عبد الفتاح يحيي باشا أو محمود خليل بك

حين قدم محمد محمود استقالته في يوليو، إذن وجدت السراي نفسها في ورطة خرجت منها برفض الاستقالة فالشخص الذي كان عليه الاختيار ليخلف محمد محمود أحمد ماهر أحاطت باسمه صعوبات تحول دون تعيينه والشخص الذي يسعى إلى الرئاسة علي ماهر لم يكن قد استرد بعد نفوذه لدى الملك قدرا يوصله إلى رئاسة الوزارة، وإن يكن قد استردد من النفوذ والسلطة في رئاسة الديوان القدر الذي يدفع به محمد محمود في طريق الاستقالة.

تمكن علي ماهر من إخراج البنداري من السراي في أوائل أبريل 1939 ومنذئذ وهو يعمل جاهدا على استرداد نفوذه لدى الملك كان موقفه ضعيفا في أول الأمر لذلك عمل على تحسين استرد قدرا من نفوذه لدى الملك عاد إلى سياسته القديمة في مضايقته محمد محمود ووضع العقبات أمامه للتخلص منه إن بصمات علي ماهر واضحة فيما يرويه الدكتور محمد حسين هيكل من رفض السراي السماح لمحمد محمود بالسفر إلى أوروبا في صيف 1939 للاستجمام والاستشفاء رغم حاجته الشديدة إلى ذلك ذلك الرفض يخدم أغراض علي ماهر فهو من جهة أخرى استبقى محمد محمود في مصر لأن سفره سيطيل عمر الوزارة فالمسافر لا يستقبل.

لكن يبدو أن صحة محمود دفعته إلى الاستقالة بأسرع مما قدر علي ماهر وقبل أن يستكمل الشطر الآخر من خطته وهو استرداد نفوذه السابق لدى فاروق لذلك كان على رئيس الوزراء أن يسترد استقالته وينتظر فترة أخرى وحين قدمها بعد ذلك في 12 أغسطس قبلت ولكلف علي ماهر بتأليف وزارته الثانية.

اختلفت الآراء في استقالة محمد محمود الثانية فقال الدكتور هيكل إنه علم أن كبير الأمناء جاء إلى فندق وندسور حيث كان ينزل محمد باشا وأن رئيس الوزراء طلب إليه أن يبلغ الملك استقالته لأنه علم أن علي باشا ماهر يتصل بأشخاص يعرض عليهم الاشتراك معه في وزارة جديدة وقال رجال القصر أن الملك أوفد كبير الأمناء يطلب إليه أن يستقيل حرصا على صحته

أما مستر بتمان، الوزير المفوض في السفارة البريطانية والقائم بعمل لامبسون حينئذ فيقول إن محمد محمود قدم استقالته إلى الملك راجيا قبولها على أساس أن حالته الصحية تمنعه من الاستمرار في العمل أكثر من ذلك وكان معروفا من وقت مضى أن رئيس الوزراء كان رجلا عليلأن ولكن قرار استقالته يبدو أنه قد اتخذ فجأة ما أثار الإشاعات المعتادة من أنه وراء الاستقالة أكثر مما يبدو في الظاهر لكنني على ثقة أن تلك الإشاعات لا أساس لها من الصحة فعندما زرت رفعته بعد مقابلته الأخيرة للملك مباشرة قال لي أنه وجد أن البقاء في اجتماعات مجلس الوزراء حتى لمدة ربع ساعة يكلفه جهدا يفوق احتماله لذلك لم يكن يستطيع أن يستمر في العمل أكثر من ذلك، وقرر أن يأخذ الراحة الطويلة التي أصر أطباؤه أن يأخذها

هناك شواهد تؤيد وجهة نظر بتمان في سبب استقالة محمد محمود، فقد كانت حالته الصحية سيئة بالفعل وسبق أن يقدم استقالته بسببها في 6يوليو كما رأينا يضاف إلى ذلك أنه سافر بعد الاستقالة مباشرة للاستجمام في مرسى مطروح، وكان الأطباء قد منعوا أن يشغل ذهنه بأي أمر ذي بال حرصا على صحته كما أنه قال لأعضاء حزبه أنه يرحب بعلي ماهر رئيسا للوزارة ويوافق تمام الموافقة على أن يشترك الأحرار الدستوريون معه بل وعهد إلى الدكتور أحمد ماهر باشا ليقوم مقامة في مفاوضات تأليف الوزارة الجديدة

تلك كانت الولادة العسرة لوزارة علي ماهر الثانية. تعسرت في وصولها إليه واحتاجت إلى استرضاء الحكومة البريطانية في لندن حتى رضيت واسترضاء السفير البريطاني في القاهرة حتى رضى بتمنع وتحفظ واسترضاء الملك فاروق حتى أعاد رئيس ديوانه إلى ما كان له من حظوة لديه بل إنها تعسرت في تأليفها الذي استغرق ستة أيام حتى تم ي 18 أغسطس بعد مفاوضات ومساومات انتهت باشتراك السعديين في الوزارة ورفض الأحرار الدستوريين الاشتراك فيها

يهمنا من ذلك موقف السفير البريطاني من علي ماهر وقد أشرنا إلى أنه استجاب إلى محاولات علي ماهر تحسين العلاقات معه في تحفظ وارتياب كان لهذا التحفظ والارتياب أثره في علاقات الرجلين وكان من عوامل سقوط وزارة علي ماهر في يونيو 1940

وزارة علي ماهر الثانية:

تتبادر إلى الذهن عند التعرض لموضوع تلك الوزارة عدة أسئلة:

ما هي الظروف التي تشكلت فيها الوزارة وحكمت بالتالي تشكيلها؟

ما هو تشكيل تلك الوزارة وما هي القوى التي تعتمد على تأييدها للبقاء في الحكم؟

ما هي الأهداف التي تسعى الوزارة إلى تحقيقها والمشاكل التي واجهتها؟

ما هي وسائلها لتحقيق الأهداف وحل المشاكل وما هو الإطار الذي يدور فيه هذا النشاط؟

وأخيرا ما هي علاقتها بالجانب البريطاني؟

سنعرض الانطباع الذي تكون لدى الجانب البريطاني في أوائل أيام الوزارة ثم نناقش ما يحتاج منه إلى المناقشة ونلخص إلى ما يستقر عليه الرأي.

حين تشكلت الوزارة كان لامبسون يقضي أجازته في بريطانيا ويقوم بعمله مستر تشارلي هارولد بتمان الوزير المفوض بالسفارة وقد كتب إلى وزير الخارجية عن تشكيلها يقول:

1- عهد إلى علي ماهر باشا بتشكيل الوزارة الجديدة كما كان الجميع يتوقعون لكن المهمة لم تكن سهلة فقد توقفت الإدارة الحكومية مدة أسبوع كامل بينما كان رئيس الوزراء الجديد الذي تجاهل الوفد تجاهلا تاما قد ترك السعديين والأحرار الدستوريين يتصارعون على مراكز الوزراء مع يقينهم التام بأنهم إذا لم يقبلوا شروطه فق يستغني عن تأييدهم له ويشكل وزارة ممن يرشحهم هو نفسه ومما يتمشى مع تصرفات الوفد في هذه الأيام أنه في اليوم التالي لاستقالة محمد محمود باشا نشرت صحفهم زعما طائشا بأن علي ماهر باشا قد استشار السفارة قبل تقديم قائمة مرشحيه للملك وفي يوم 23 أغسطس ذكري وفاة زغلول أضاف النحاس نصيبه في الحملة وذلك في إحدى شطحاته الخطابية باتهام بريطانيا العظمى أنها تنشب مخالبها في ثروة مصر، وتعاون وزراء دمي لتتمكن من سلب أقوات الفلاحين وأجور الصناع وفي هذا الخطاب وصف علي ماهر بأنه رجل بريطانيين القوي الذي تعهد بأن يعطيهم كل ما يريدون وفي نفس الوقت نشرت جريدة الوفد المسائية تصريحا مؤداه أنه على الرم من كل قاسته مصر على أيدي بريطانيا فإن الوفد لن يخذلها في ساعة شدتهأن وأنه إذا نشبت الحرب يمكن لبريطانيا أن نعتمد على كل مساعدة ممكنة من الوفد لن يخذلها في ساعة شدتها وإنه إذا نشبت الحرب يمكن لبريطانيا أن تعتمد علي كل مساعدة ممكنة من الوفد الذي لن ينتهز الفرصة ليطعنها من الخلف ويبدو أن الحقيقة هي أن النحاس باشا لا يعرف تماما أين يقف في الوقت الحاضر..

2- أثناء اختيار الأفراد الذين تتشكل منهم الوزارة كان من الطبيعي أن يطالب كل من الأحرار الدستوريين والسعديين بعدد من الوزراء يتناسب مع عدد مقاعدهم في مجلس النواب وهو 99، 84 بنفس الترتيب في مجلس عدد أعضائه جميعا263 لكن يبدو أن علي ماره باشا أوضح من أول الأمر أنه لن يعطي كل حزب أكثر من أربعة مراكز وأنه سيحتفظ بالمراكز الرئيسية لنفسه ولمرشحيه وأنه اعتزم أن تكون له الأغلبية حتى لو أدى الأمر إلى زيادة العدد الإجمالي للوزراء وقد كان يتم الوصول إلى اتفاق رغم أن الحزبين لم يستسيغا هذه المقترحات لكن انهار نتيجة إصرار علي ماهر باشا على اختيار عبد القوي أحمد بك وزير الأشغال العمومية المنتظر على أساس أنه من الأحرار الدستوريين وقد تبرأ منه الحزب وانسحب من المفاوضات رغم نصيحة محمد محمود باشا تاركا رئيس الوزراء والسعديين يسوون الأمر فيما بينهم..

3- وتعتبر الوزرة الجديدة بوجه عام وزارة قوية، على أساس أنه يرأسها رجل على جانب عظيم م الهمة والنشاط كما أن بقية الوزراء يعرفون ما يريدون، إما لخبرتهم الإدارية الطويلة أو لأنهم فنيون يتولون أعمالهم التي تخصصوا فيها ولكنها ربما كنت تحمل بذور ضعفها لنفس السبب فحتى الآن لم تكن الوزارات المصرية تضم أكثر من اثنين أو ثلاثة من الرجال ذوي المقدرة البارزة، ومع هذا فقد كان يصعب تجنب الصدام بين الشخصيات ولما كانت وزارة علي ماهر تضم تجميعه كفاءات فقد يجد من الصعوبة بمكان أن يحتفظ بوزرائه متحدين خاصة وقد تولى هو نسه وزارتين الداخلية والخارجية) ..

4- أما تعيين صالح حرب باشا وزيرا للدفاع فقد أثار مخاوفي نظرا لأهمية وجود وزير مناسب يشغل هذا المنصب الحيوي في ظروف التوتر الدولي الحالي فهو واحد من المصريين الذين هربوا وانضموا إلى السنوسي أثناء الحرب وكان حينئذ يعمل في خفر السواحل ويحن طرح اسمه لأول مرة كنت أميل إلى تحذير رئيس الوزراء من تعيينه، وبخاصة لأنني كنت واثقا إن هذا التعيين سوف يستلزم تعيين عزيز المصري باشا رئيسا لهيئة أركان حرب الجيش المصري ورغم أن عزيز المصري باشا مصري الجنسية فإنه عمليا قد أمضى كل مدة خدمته العسكرية في الجيش التركي ومع أنه يعتبر واسع الاطلاع في الشئون العسكرية فإني أصبحت أميل إلى عدم إقامة أي وزن لحكمة علي الأمور إن لم أقل لسلامة عقله منذ أن حاول جاهدا من عدة أشهر مضت أن يثبت لي أن الألمان لم يهزموا في معركة المارن وزيادة على ذلك فقد كان لدي من الأسباب ما يدعوني إلى الاعتقاد بأن تعيينه سوف لا يقابل بالرضاء التام سواء في الجيش المصري أو في البعثة العسكرية البريطانية والجمع البريطانية والجمع في وزارة الدفاع بين هارب سابق وبين شخص أعتبره ألماني النزعة لا يبدو أمرا مثاليا لكن حديث أجرى بيني وبين الأميرال سير ج. ويلز مدير الموانئ والمنائر، الذي عمل في اتصال وثيق مع صالح حرب باشا وقد أبدى فيه رأيا طبا بعد هذا الحديث رجحت لدى كفة السكوت خاصة وأنه كان معروفا أن الملك وعلي ماهر باشا قد تأثرا إلى حد كبير بمعلومات هذين المرشحين عن الصحراء الغربية وفي لقائي الأول مع رئيس الوزراء بعد أن تسلمت الوزارة مقاليد الأمور، ذكرت مخاوفي فيما يختص بعزيز المصري باشا وقد زالت مخاوفي حين أكد لي أنه إذا اتضح عمليا أنه لا يصلح للمنصب الذي يشغله فإنه سوف ينحي عن وظيفته وقد رأيت حتى الآن من الوزارة الجديدة ما يكفي لكي أدرك أنه سوف لا تتخذ أية قرارات في السياسة العسكرية دون مشورة وزير الأوقاف عبد الرحمن عزام بك الذي استدعي من أنقره ليتولى منصبه الجديد إن معرفته بليبيا، التي حارب فيها الإيطاليين لسنوات عدة هي معرفة لا يباريه فيها أحد وهو صديق شخصي لي منذ عدة سنوا ولي فيه ثقة تامة.

5- ويبين كتاب رئيس الوزراء المرفوع إلى الملك بقبول تشكيل الوزارة موجزا لسياسة الحكومة الجديدة الجدير بالملاحظة هو الإشارة الخاصة إلى ضرورة الوحدة الوطنية وتقليل النفقات والخطوات التي ينبغي اتخاذها لرفع مستوى معيشة الفلاحين.. إن الحديث عن الوحدة الوطنية يمكن طبعا صرف النظر عنه في الحال باعتبار أنه لا قيمة حقيقية له فمن المعترف به أنه يستحيل تحقيقها لكن هذا لا يستتبعه بالضرورة أن العبارة لا أهمية لهأن بل إنه على العكس من ذلك فمن حديثي مع جلالته الذي كتبت عنه في برقيتي رقم 458 قد تأكدت أنها تعني أن علي ماهر باشا بمسانة الملك يعتزم أن يدخل في معركة مع الوفد وأن يقضي إذا أمكن قضاء نهائيا على سيطرته على الجماهير على أساس من انجازاته واختفاء الوفد الفعلي من على المسرح السياسي سيساعد على إزالة أحد عناصر الانقسام ومن هنا كان تصميمه على حق الفلاحين في الاهتمام السريع وقد لمح لي جلالته بوجه عام في 20 أغسطس أن هذا العمل في الحقيقة أحد أهداف الوزارة الجديدة وقد قال الملك أنه بينما لا تروق له الدكتاتوريات الأوربية، فإنه من المستحيل القول بأن الديمقراطيات تحظى بالفضائل كلها هناك بعض الخير في كل من النظاميين وفي وقت عصيب كالوقت الحالي من الخير لمصر التخلي عن بعض نواحي العمل الديمقراطي التي ثبت عدم فائدتها أو عدم إمكان تطبيقها وأن يستبدل بها ما يمكن أن يؤدي إلى دفعة إلى الأمام إن البرلمان لا شك أن جلالته يقصد بذلك مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الوفدية قد أصبح لا يزيد على جمعية مناظرات بها ميل واضح لإقامة العقبات وكثير من الموظفين الدائمين لا يعملون شيئا سوى تقاضي مرتباتهم وقد صمم علي ماهر باشا على أن يعطيهم جرعة من شرابه وذلك بدفعهم جميعا إلى بذل جهد أشد وأكثر فعالية فالحاجة ملحة والوقت يمر والسيطرة على الأمور عند القمة مطلوبة أكثر من ما تكون في هذا الوقت إن الوزارة المستقبلة رغم أنها كنت تستحق الإعجاب في نواحي كثيرة، كانت متراخية إلى حد كبير فمالية البلاد كانت مرتبكة وحان الوقت لكي يقبض على ناصية الأمور رجل نشط خلاق وذي قدرة على العمل الشاق.. إن ما يتضح أنه لازم بسرعة لمصلحة البلاد ينبغي علمه بدون تلكؤ لكن جلالته طلب مني ألا أصدق الإشاعات التي ستثار بأن هناك دكتاتورية في طريق التكوين فسيكون أمام البرلمان فرص كثيرة حين يعود إلى الانعقاد لكن على الأعضاء أن يتذكروا أن الوقت الذي تحت تصرفهم ليس بدون حدود على أية حال يمكن أن أطمئن إلى أن علي ماهر باشا مقتنع بضرورة العمل بتعاون قلبي مع السفارة وبخاصة في أمور الدفاع وأنه مصمم على ذلك وقبل ذلك في نفس اليوم عبر لي رئيس الوزراء شخصيا عن مشاعر مماثلة وإذا حكمنا بالمحادثات اليومية التي أدت بيني وبينه منذ تولي الوزارة يمكن أن أقول إنه مخلص في ذلك فالكثير من متطلبات دفاعنا قد تم إنجازه بطريقة مرضية في ساعات قليلة والاجتماعات مع ممثلي الأسلحة تركت انطباعا طيبا.

6- يبقى بعد ذلك بحث احتمالات المستقبل لقد بدأت الوزارة الجديدة عملها بعدد من التغييرات الشاملة في نظام الموظفين بعضها مضطرب بشكل يثير القلق، وبعضها يجافي الحكمة سأكتب في ذلك بتفصيل أكثر حينما تكتمل التغييرات لكن حين يتم ذلك يمكن أن أٌول بحق أن معظم المفكرين تدركهم الحيرة حين يحاولون أن يتبينوا جدوى التخلص من شخص في مثل مستوى أمين عثمان باشا تلك حركة من القصر بلا جدال وفي مقابلتي الأول لرئيس الوزراء لم أترك له مجالا للشك في أني أرى أن هذا عمل طائش مثل هذه الأعمال تخلق بسهولة وبلا ضرورة جبهة من المعارضة داخل البرلمان وخارجه ستسبب للوزارة متاعب جسيمة في الخريف من الواضح أن اتخاذ مجلس الشيوخ جانب المعارضة وموقف مجلس النواب المشكوك فيه يجعلان رئيس الوزراء إذا أراد أن يكسب الشعور العام يعتمد على ما يكسبه إنجازاته الفعلية خلال الشهور الثلاثة القادمة من رضاء الناس..

وقد ذكر بتمان في خطابه بعض الوزراء الآخرين غير صالح حرب وعبد الرحمن عزام فأشار إلى مقدرة عبد السلام الشاذلي وزير الشئون الاجتماعية وأن رئيس الوزراء يأمل عن طريقة في تحقيق جانب كبير من برنامجه لتحسين حال الفلاحين، وأشار إلى فنيين آخرين تولوا وزارات تتفق مع اختصاصهم: مثل عبد القوي أحمد بك وزير الأشغال العمومية ومحمود توفيق الحفناوي بك وزير الزراعة أما إبراهيم عبد الهادي ومحمد علي علوية باشا فقد عينا وزيري دولة للشئون البرلمانية للدفاع عن سياسة الحكومة في مجلس البرلمان

إن القوي التي تعتمد عليها الوزارة وظروف تشكيلها هي التي حكمت ذلك التشكيل.

حين تشكلت الوزارة كان علي ماهر قد فقد نفوذه على فاروق ثم عمل جاهدا لاسترداد ها النفوذ أو جانب منه وحقق في ذلك نجاحا هو الذي أوصله إلى رئاسة الوزارة لذلك كان من الطبيعي أن يحرص علي ماهر في تشكيل الوزارة ورسم سياستها على إرضاء الملك لتثبيت ما استرد من نفوذ واستدامته وسنعود إلى تناول هذا الموضوع.

وفي نفس الوقت كان علي ماهر قد نفوذه على فاروق، ثم عمل جاهدا لاسترداد هذا النفوذ أو جانب منه، وحقق في ذلك نجاحا هو الذي أوصله إلى رئاسة الوزارة، لذلك كان من الطبيعي أن يحرص علي ماهر في تشكيل الوزارة ورسم سياستها على إرضاء الملك لتثبيت ما استرد من نفوذ واستدامته وسنعود إلى تناول هذا الموضوع.

وفي نفس الوقت كان علي ماهر حريصا على إرضاء الجانب البريطاني وكسب تأييده وقد رأينا الجهد الذي بذله في لندن وفي القاهرة لتنقية جو العلاقات بينهما ويكفي دليلا على نجاحه أن السفير البريطاني حين عاد من أجازته في أول سبتمبر كان يحمل له خطابا بالتأييد من الحكومة البريطانية بمناسبة توليه منصبه ولما كانت نذر الحرب الوشيكة واضحة في الأفق عندما تولى الوزارة فإن إرضاء الجانب البريطاني كان يعني تنفيذ معاهدة التحالف وتقبل التزامتها بما يرضيه، وتنفيذ مطالبه فيما يختص بأمور الدافع ويشهد بتمان في خطابه أن علي ماهر مخلص في تعبيره عن استعداده للعمل في تعاون قلبي مع السفارة وبخاصة في أمور الدفاع كما أن علي ماهر وعده بالتخلص من عزيز المصري لو ثبت عدم صلاحيته لمنصب رئيس الأركان.

جاءت وزارة علي ماهر بعد أن زايد ضعف وزارة محمد محمود وآنت بالسقوط وتزايدت شعبية الوفد في البلاد ولما كانت نذر الحرب واضحة فقد كان الوضع الطبيعي حتى بمقياس السياسة المصرية في السابقة، هو أن تخلف وزارة محايدة وزارة محمد محمود لتجري انتخابات يتولى بعدها الوفد الحكم لذلك فوزارة علي ماهر حينئذ هي البديل السيئ لوزارة الوفد لذلك ولموقف كل من علي ماهر والملك من الوفد اتخذت وزارة علي ماهر سياسة العداء للوفد. وكانت سياسة العداء للوفد اقتراب الحرب تعني تشكيل وزارة قوية ذات برنامج يحظى بتأيد الشعب وسنعرض لذلك بتفصيل.

يضاف إلى ذلك أن المسألة الفلسطينية كانت حينئذ الشغل الشاغل للبلاد العربية ومنها مصر ولبريطانيا وكان علي ماهر وهو في رئاسة الديوان يدفع فاروق إلى انتهاج سياسة إسلامية حتى تشغل مصر بعد استقلالها وضعها الطبيعي في العالمين العربي والإسلامي وكان ذلك يعني الاهتمام بالمسألة الفلسطينية وكان علي ماهر هو الذي مثل مصر في مؤتمر المائدة المستديرة الذي عقد في لندن عام 1939 كما أشرنا وقد اصطحب معه مستشارا هو عبد الرحمن عزام بك لذلك كان منتظرا أن يبرز ذلك الاتجاه سواء في تشكيل الوزارة أو سياستها وقد ضمت الوزارة ثلاثة من المتهمين بالقضايا العربية هم محمد علي علوبة باشا ومحمد صالح حرب باش وعبد الرحمن عزام بك.

هذا عن الظروف المحيطة بتشكيل الوزارة أما عن القوى التي تعتمد عليها فإن علي ماهر لم يكن له حزب يعتمد على تأييده لذلك فإن اعتماده الأساسي كان على الملك في المقاوم الأول ثم على ما يمكن الحصول عليه من تأييد الأحزاب، وعلى تأييد المستقلين في البرلمان والحصول على تأييد المستقلين يكلفه تأييد السراي إلى حد كبير لما يمكن أن يمارسه من ضغط عليهم وبخاصة التهديد بحل البرلمان وهكذا نعود ثانية إلى تأييد الملك كعامل أساسي وتأييد الملك كان يعني في المقام الأول ضمن ما يعني استبعاد الوفد هذا بالإضافة إلى أن الوفد نفسه كانت سياسته عدم الموافقة على أية وزارة إلا إذا كانت وزارة وفدية أو وزارة محايدة لإجراء انتخابات تأتي بالوفد بطبيعة الحال إلى الحكم ولم تكن تلك هي وزارة علي ماهر لهذا فإن علي ماهر عند تشكيل الوزارة تجاهل الوفد تجاهلا تاما كا يقول بتمان.

ويغلب أن سياسة علي ماهر كانت ترمي أيضا إلى استبعاد الأحرار الدستوريين فعلي ماهر بمناوراته ومضايقاته وهو في رئاسة الديوان كان العامل الأساسي في دفع محمد محمود إلى الاستقالة ليحل محله ولا شك أن الأحرار كانوا سيحفظون له هذه اليد السيئة لذلك لم يكن يأمن معاكساتهم لو اشتركوا في الوزارة بل ربما محاولة تخريبها من الداخل والوزارات القومية التي شارك فيها الوفد تقدم أمثلة لإمكان حدوث ذلك نقصد بذلك وزراة النحاس عام 1938 لهذا السبب طالت كما يقول بتمان المفاوضات لتشكيل الوزارات القومية التي شارك فيها الوفد تقدم أمثلة لإمكان حدوث ذلك نقصد بذلك وزارة النحاس عام 1928 لهذا السبب طالت كما يقول بتمان المفاوضات لتشكيل الوزارة وأخذ علي ماهر يضع شروطا ويتقدم بترشيحات يتعذر الدستوريين قبولها: مثل ترشيح أحمد خشبه باشا لوزارة الصحة بدلا من وزارة العدل التي كان يشغلها في الوزارة المستقلة ورغم أنه من رجال القانون وترشيح عبد القوي أحمد بك لوزارة الأشغال العمومية واحتسابه من العدد الذي يخصصه للدستور رغم أنهم رفضوا اعتباره منهم وهكذا دفعهم في النهاية إلى تقرير عدم الاشتراك في الوزارة ويبدو أنه كان قد رسم خطته على إشراك السعديين فقط ووصل معهم فعلا إلى اتفاق على ذلك لأنه رغم أن الدستوريين والسعديين اتفقوا على اتخاذ سياسة موحدة في موضوع الاشتراك في الوزارة أو عدم الاشتراك فيها بمجرد أن قرر الدستوريون عدم الاشتراك في الوزارة شكل علي ماهر وزارته وأعطى السعديين خمسة مناصب بدلا من أربع وهكذا اكتفى عي ماهر في البرلمان بضمان تأييد السعديين وما يمكن الحصول عليه من أصوات المستقلين تلك بلا جدال نقطة ضعف في وزارة علي ماهر ويغلب أنها كانت من أسباب عدم قبول استقالة محمد محمود في 6يوليو، حتى لا يكون علي ماهر مضطرا إلى مواجهة البرلمان في أيام وزارته الأولى، وتأجلت بذلك الاستقالة وتشكيل الوزارة إلى أغسطس حتى يفيد علي ماهر من فرصة العطلة البرلمانية لدعم مركز وزارته.

وهكذا كون علي ماهر وزارته من المستقلين والسعديين واعتمد أساسا على تأييد الملك، وسعي إلى تأييد الجانب البريطاني وحصل عليه وكون وزارة قوية ذات برنامج إصلاحي، اتجهت إلى إرضاء الملك ومناوأة الوفد وقد استبقينا النقاط الأخيرة لمناقشة أكثر تفصيلا.

تلك النقاط تمثل حلقات متصلة: فإرضاء الملك حينئذ يعني، مناوأة الوفد ومناوأة الوفد تستدعي قيام وزارة قوية تنفذ برنامجا جادا للإصلاح وبخاصة الإصلاح الاجتماعي وبذلك كما يقول بتمان، تنتزع من الوفد سيطرته على الجماهير على أساس من إنجازاتها لهذا ركز برنامج الوزارة الذي أوضحه علي ماهر في خطابه إلى الملك على العناية بالفلاح وأنشئت لأول مرة وزارة للشئون الاجتماعية ذلك أنه كانت توجد حينئذ آراء بأن الوفد ركز كل جهوده في القضية الوطنية ولم يكون لنفسه برنامجا شاملا للإصلاح بحيث أصبح بعد معاهدة 1936 وقد استنفد الغرض من وجوده ووجدت فترة وزارته الأخيرة فكرة أن حكم الوفد يتميز بالفساد وبنقص الكفاءة الإدارية عبر عن ذك لامبسون في كثير من تقاريره أيام تلك الوزارة.

هي إن خطة تم الاتفاق عليها بين علي ماهر والملك للقضاء على الوفد كحزب شعبي يكاد يحتكر تأييد الجماهير ويغلب أنها هي الخطة التي أقنع فاروق على أساسها بإسناد الوزارة إليه وهي أخرا تتفق مع ما يحاول علي ماهر أن يكونه لنفسه من شهرة من أيام وزارته الأولى بأنه رئيس وزراء كفء نشط ذو قدرة خلاقة وقادر على دفع الأداة الحكومية إلى العمل والإنتاج.

النقطة الأخيرة الواضحة أيضا في خطاب بتمان هي نقطة السلطة والإطار الذي تزاول فيه الوزارة شئون الحكم ذلك أن فاروق كان قد تخلص لتوه من البنداري ون لم يكن قد تخلص من تأثيره ومن أفكاره المتشعبة بالاتجاهات الفاشية تلك الاتجاهات التي لم تكن على أية حال غريبة عن روح العصر في مصر فقد كانت هي الاتجاهات والمبادئ التي قام على أساسها عظمة دولتين كانتا لا تزالان عظيمتين بل ومتفوقتين في مواجهة معسكر الديمقراطية المتخاذل تلك الاتجاهات هي التي قسمت القصر أيام وجود البنداري إلى معسكر الفاشية ومعسكر الديمقراطية الذي يمثل علي ماهر وقد انتهت المعركة بين المعسكرين بانتصار علي ماهر وإن لم تنته آثار الفاشية في القصر ولا تأثيرها على فاروق ولم يكن وقوف علي ماهر إلى جانب الديمقراطية عن حب أصيل لها فقد كان طبعه الأوتوقراطي أميل إلى الدكتاتورية بل لأن مصلحته لم تكن إلى جانب قيام فاشية فعليه كما أن مصلحته كانت تتعارض مع قيام ديمقراطية حقيقية يستأثر فيها الوفد بالسلطة وهكذا كان مما يتفق مع اتجاهات علي ماهر ومما يرضي فاروق أن تبقى البرلمان قائما وأن يعين وزيرا دولة للشئون البرلمانية هما محمد علي علوبة باشا وإبراهيم عبد الهادي كل ذلك كما يقول فاروق في حدود السيطرة على الأمور عند القمة وفي حدود إن من الخير لمصر التخلي عن بعض نواحي العمل الديمقراطي التي ثبت عدم فائداتها أو عدم إمكانية تطبيقها وفي حدود أن على الأعضاء أن يتذكروا أن الوقت الذي تحت تصرفهم ليس بدون حدود وأن ما يتضح أنه لازم بسرعة لمصلحة البلاد ينبغي عمله بدون تلكؤ أني أن الإطار هو دكتاتورية مغلقة بغلاف ديمقراطي يجلس على القمة فيها علي ماهر لينفذ ما تستقر عليه السراي هي إذن دكتاتورية السراي ولعل مما يوضح ذلك في الفترة المبكرة في حياة الوزارة هو فصل أمين عثمان الوسيط بين السفارة البريطانية والوفد والذي كان محمد محمود في فترة مرضه في يوليو يفكر في تعيينه وكيلا في رئاسة الوزراء ليقوم عنه بتصريف الأمور الروتينية للوزارة ولم ينجح في ذلك لما يكنه فاروق من كراهية لأمين عثمان هي إذن كما يقول بتمان بحق حركة من السراي وليست من علي ماهر الذي يغلب أنه كان يتجنب صداما خطيرا كهذا مع السفارة في أيام وزارته الأولى لو ترك الأمر له.

ولهذا فإن الوفد على إدراك منه بطبيعة نظام الحكم القادم وبخطورة الموقف الدولي قد حسم موقفه في الحال فصفق الباب بعنف في وجه عي ماهر وفتحه كما يوضح بتمان ي وجه الجانب البريطاني والوفد في ذلك كان مدركا أن قيام الحرب سيدفع بريطانيا إلى عاجلا أو آجلا إلى الضغط لإسناد الحكم إلى الحزب الشعبي الذي يمكنه وحده أن يكتل المصريين إلى جانب التحالف المصري البريطاني وإلى جانب الديمقراطية وهكذا مهد الوفد لتدخل بريطانيا لإسناد الحكم إليه في 4فبراير 1942

الفصل السادس: وزارة علي ماهر بين المشكلة الدستورية والمشاكل الخارجية

حين نتعرض لسياسة علي ماهر في وزارته ولعلاقاته بالجانب البريطاني ينبغي أن يكون في بالنا تلك النقاط التي اتضحت لنا: موقف التحفظ الذي أتخذه السفير البريطاني من علي ماهر ومخاوفه من النفوذ الفاشي في السراي واتجاهاتها المحورية وقيام دكتاتورية السراي هذه النقاط تجسم لنا المشكلتين الأساسيتين اللتين واجهتا علي ماهر وأثرتا في الطريقة التي واجه بها غيرهما من مشاكل الحكم هاتان المشكلتان هما المشكلة الخارجية، أو علاقاته بالجانب البريطاني في ظروف قيام الحرب والمشكلة الداخلية أو المشكلة الدستورية.

سنتعرض للمشكلة الأولى حين نتناول موضوع قيام الحرب والعلاقات المصرية البريطانية أما المشكلة الثانية فترتبت على الأوضاع التي كانت قائمة حين شكل علي ماهر وزارته، وعلى طبيعة تكوين تلك الوزارة.

كان الوضع في البرلمان كالآتي: في مجلس الشيوخ كان الوفد يحظى بما يقرب من نصف الأعضاء مما كفل لمعارضته للوزارة به قوة فعالة أما مجلس النواب الذي جرت انتخاباته في مارس 1938فلم يكن للوفد به سوى 12 مقعدا بينما أحرز الدستوريون 99 مقعدا والسعديون 84 مقعدا والباقون من المستقلين وكانت العلاقات بين الوفد وعلي ماهر يشوبها العداء ولم يتحول الوفد عن موقفه هذا حتى بعد أن أخذ علي ماهر حين تبين ضعف موقفه يتقرب إلى الوفد أما الأحرار الدستوريون فلم ينسوا مناورات علي ماهر رئيس الديوان ومعاكساته أيام وزارة محمد محمود لذلك فرغم أن موقفهم المعلن من البداية كان التعاون مع الوزارة إلا أنهم اتخذوا بوجه عام موقف المعارضة من وزارته وأخذ محمد محمود يسعى لإسقاطها بل إنه سعى إلى التقارب مع الوفد وإقامة تعاون بين الحزبين لتحقيق هذا الغرض ومع أن الوفد استجاب مبدئيا لهذه المساعي إلا أنه أصر على التمسك بمبدأ رئيس في سياسته الحزبية وهو رفض الوزارات الائتلافية والمطالبة بحكومة محايدة تجري انتخابات برلمانية حرة حين تسمح الظروف أما السعديون فمع أنهم كانوا شركاء علي ماهر في الوزارة إلا أن تأييدهم له لم يكن مطلقا كما سنرى كذلك لم يكن تأييد المستقلين له قضية مسلما بها حقيقة أنهم بوده عام كانوا يخضعون لضغط السراي المؤيدة لعلي ماهر لكن الأمر في النهاية كان خاضعا أيضا للمناورات البرلمانية هذا الاستعراض يوضح ضعف موقف علي ماهر في البرلمان وهو أمر مفروغ منه منذ تخلي الأحرار الدستوريون عن الاشتراك في الوزارة لم يكن أمام علي ماهر سوى طريقين لمواجهة هذا الموقف: أحدهما أن يحل البرلمان ويقيم دكتاتورية سافرة، بدلا من دكتاتورية السراي المقنعة التي يعتزم إقامتها أما الطريق الثاني فكان مواجهة البرلمان ودخول حلبة الصراع داخله.

الطريق الأول سبقته تجربة فاشلة وتحيط به الأخطار كانت هناك تجربة إسماعيل صدقي في حل البرلمان وإلغاء الدستورية والانقلاب الدستوري في آخر ديسمبر 1937 وما أدى إليه من توتر حاد في العلاقات بين لامبسون وكل من علي ماهر والسراي يضاف إلى بذلك الظروف التي استجدت بقيام الحرب مع وجود القوات البريطانية وقيام تحالف بين مصر وبريطانيا مما يجعل القيام بمغامرات دستورية أمرا محفوفا بالمخاطر يضاف إلى ذلك أيضا أن وجود البرلمان في تلك الظروف الجديدة يعتبر غطاء لازما للسراي وللوزارة القائمة في مواجهة قوة بريطانيا السياسية والعسكرية الغالبة وأخيرا فإن السعديين شركاء علي ماهر في الوزارة ما كانوا ليقبلوا انقلابا دستوريا وهم في الحكم.

ويبدو أن علي ماهر قد اختار الطريق الثاني من البداية فقد ضمت وزارته وزيري دولة للشئون البرلمانية هما محمد علي علوبة باشا لشئون مجلس الشيوخ وإبراهيم عبد الهادي لشئون مجلس النواب لكن يبدو أيضا أن قيام الحرب كان فرصة أسرع علي ماهر إلى اقتناصها لمحاول الحصول على سلطات دكتاتورية تساعده على تحسين وضعه الضعيف وتتفق مع طبعه الأوتوقراطي فأعلن الأحكام العرفية وعين نفسه حاكما عسكريا وقرر عدم دعوة البرلمان إلى دور انعقاد غير عادي لعرض الأحكام العرفية عليه كما يقتضي الدستور بحجة أن إعلانها يتضمنه القانون رقم 80 لعام 1936 الصادر بمعاهدة 1936 والذي وافق عليه البرلمان بل إنه حين اضطر تحت ضغط المعارضة القوية إلى عرض الموضوع على البرلمان عرضه على أساس أنه إبلاغ وليس عرضا أي أن مرسوم الأحكام العرفية معروض للعلم وليس للحصول على الموافقة وذلك ليسلب البرلمان حقه في أن يقرر استمرار الأحكام العرفية أو إلغائها لكنه اضطر في النهاية إلى الموافقة على أن مرسوم الأحكام العرفية معروض ليقرر المجلس استمرارها أو إلغائها

وهكذا عدل علي ماهر عن محاولته وعاد إلى السير في الطريق الثاني وقد علق لامبسون على مسلك علي ماهر بقوله إنه ليس من الخامة التي يصاغ منها الدكتاتورية وهو وإن يكن استبداديا في وسائله إلا أنه تنقصه الشجاعة والعزيمة وعندما تصل المسائل إلى النقطة الحاسمة فإنه يبدو كما لو كان يرتجف خوفا من القرارات الخطيرة

كان الإبقاء على الدستور والبرلمان يعني قبول التحدي داخل البرلمان ومحاولة الحصول على تأييد داخله يكفل للحكومة أن تنفذ مشروعات وذلك رغم ضعف نصيبه من التأييد الحزبي سنتعرض فيما بعد إلى المناورات الحزبية والبرلمانية التي لجأ إليها لتقوية مركزه لكن ينبغي أن نشير هنا إلى أنه اضطر إلى اتخاذ سياسة يراعي فيها الرأي العام كي يحصل على قدر من الشعبية يوازن به ضعف نصيبه من التأييد الحزبي هذه السياسة كانت تتعارض مع سياسة أخرى جاء بها علي ماهر إلى الوزارة واستدعتها ظروف الحرب في نفس الوقت وهي تحسين علاقاته بالجانب البريطاني وكان موقف علي ماهر بالغ الصعوبة وهو يحاول الجمع بين هاتين السياستين.

والآن لنر كيف عالج علي ماهر مشاكل الحكم وهو يسير بحذر على هذا الحبل المشدود:

تنفيذ المعاهدة في ظروف الحرب:

حين أصبح خطر الحرب داهما قابل مستر بتمان القائم بعمل لامبسون رئيس الوزراء في 23 أغسطس 1939 وأشار إلى أن الحكومة البريطانية ترى أنه قد قامت حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها بالمعنى الذي نصت عليه المادة السابعة من معاهدة التحالف بين الدولتين ثم عزز ذلك بمذكرة في اليوم التالي وفي تلك المذكرة طلب بتمان باسم حكومته بأن تقدم الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية ما تنص عليه المادة السابعة من المعاهدة من تسهيلات ومساعدات ومع أنه لم يطلب إعلان حالة الطوارئ التي تشير إليها تلك المادة إلا أنه طلب اتخاذ الإجراءات التمهيدية التي تكفل إعلانها في أقصر وقت إذا دعت الحاجة إلى لك وبناء على ذلك اتخذ علي ماهر ما أشرنا إليه من إجراءات في الفترة بين 25، 31 أغسطس وحين قامت الحرب فعلا قابل لامبسون علي ماهر وطلب إليه إعلان حالة الطوارئ وقد استجاب علي ماهر لهذا الطلب وأعلن حالة الطوارئ وفرض الأحكام العرفية وعين نفسه حاكما عسكريا يوم 1 سبتمبر وفي يوم 2 سبتمبر أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا فأعلن علي ماهر في نفس اليوم قطع العلاقات مع ألمانيا وأصدر قرارات بمنع التعامل التجاري مع الرعاية الألمان، وباعتقالهم فيما عدا النساء والأطفال تمهيدا لترحيلهم إلى بلادهم وبوضع الممتلكات الألمانية تحت الحراسة تبع إعلان الأحكام العرفية وقطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا اتخاذ إجراءات أخرى مكملة لفرض الأحكام العرفية ولتأمين سلامة البلاد ففرضت الرقابة على البريد والصحافة والمواصلات السلكية واللاسلكية وأنشئت لهذا الغرض مصلحة للرقابة لها لجنة استشارية تضم عضويتها سسل كامل عضو مجلس الإدارة المنتدب لشركة ماركوني، كما تولى مستر ويب تنفيذها من في مصلحة التلغرافات والتليفونات وأنشئت لجنة في مصلحة الجمارك برئاسة مستر كاسل المفتش فيها للنظر في طلبات الترخيص بإصدار البضائع والمحصولات المصرية وبدأ اللواء ويلز باشا مدير مصلحة المواني والمنائر الذي عهد إليه باتخاذ التدابير لحماية ميناء الإسكندرية بتنفيذ إجراءات تفتيش السفن الداخلة فيه وإغلاقه بالشباك بين الغروب والشروق وأنشئت نقطة بحرية لمراقبة السفن بميناء بور سعيد ووضع نظام لإغلاق الميناء وعدم فتحه إلا لمرور السفن كما وضع نظام لتفتيش السفن الداخلية إلى القناة ووضعت السكك الحديدية في حالة استعداد فجهزت عربات للمستشفيات وأعدت قطارات لنقل الجند والعتاد وتقرر إنشاء أربع مناطق عسكرية في محافظات القاهرة والإسكندرية والصحراء الغربية والقنال وعين محافظو المحافظات الثلاث الأول حكاما عسكريين كما عين أحمد محمود عزمي بك حاكما عسكريا لمنطقة القنال واستدعى ضباط الاحتياط للالتحاق بالجيش العامل كما استدعي الرديف لحراسة المرافق وخول وزير المالية سلطة التصرف في الاحتياطي العام وأخيرا صدر قانون بتسعير المواد الغذائية والحاجيات الأولية وبدأت تجارب الغارات الجوية وبدأ إنشاء المخابئ

يتضح مما سبق أن علي ماهر وضع مصر في حالة الاستعداد للحرب وقدم للحليفة ما يمكن من مساعدة وتسهيلات فأعلن الأحكام العرفية ووضعت تحت تصرف السلطات البريطانية مواني البلاد وطرق ووسائل مواصلاتها وأشركها في الرقابة على المواني والمواصلات بل وفي مراقبة تجارة مصر الخارجية والسيطرة عليها وزاد على ذلك أن سمح لها أن تراقب باسم مصر التجارية المارة بقناة السويس وهكذا أوفى علي ماهر بالتزامات مصر بمقتضى المعاهدة كاملة بل أنه تعدى تلك الالتزامات فالمادة السابعة في حقيقة الأمر لا يلزم مصر بإعلان الأحكام العرفية، بل تترك ذلك لحكمة الحكومة المصرية وذلك وفقا لنص المادة نفسه الذي يقول: it will accordingly be for the egptian governmnet to take all the administrative and legislative messures, inclublish ment of martiallaw, وهي لا تلزم مصر إلا بتيسيرات استخدام بريطانيا للمواني المصرية بينما أتاح علي ماهر لبريطانيا سيطرة كاملة على المواني المصرية وقناة السويس عن طريق اللواء ويلز باشا البريطاني مدير عام المواني والمنائر والقوات البحرية البريطانية التي اتخذت الإسكندرية قاعدة لها وعينت الأميرال إليوت قائدا للميناء وعن طريق هيئة تفتيش السفن الداخلية إلى الميناء والتي سيطر عليها ويلز باشا وعن طريق نظام تفتيش السفن المارة بالقناة بل أن علي ماهر سمح لبريطانيا بالسيرة على تجارة مصر الخارجية ومراقبة التجارة المارة بقناة السويس عن طريق موظفين يتلقون تعليماتهم من وزارة الحرب الاقتصادية في بريطانيا وهذا ما تخلو منه معاهدة التحالف تلك كلها تدابير تجاوزت التزامات مصر بمقتضى المعاهدة ويبدو أنه قد منح الجانب البريطاني في الأيام الأولى من الحرب كل ما طلبه تقريبا فيما عدا إعلان الحرب على ألمانيا وتعيين حكام عسكريين بريطانيين يطبقون القانون العسكري البريطاني وخاصة في مناطق القاهرة والإسكندرية والقناة والصحراء الغربية وقد أشارت الأهرام في حينه إلى أن ما تقدمه مصر تجاوز التزاماتها بمقتضى المعاهدة كما أشارت تلك الجريدة أيضا وبحق إلى أن ما اتخذته مصر من إجراءات من الداخل وتجاه ألمانيا جعلها في مركز وسط بين الحرب والحياد

لكن علي ماهر سرعان ما اصطدم في الداخل بمشكلة إعلان الأحكام العرفية كما اصطدم بمشكلة رغبة بريطانيا في أن تعلن مصر الحرب على ألمانيا وبمواجهة هاتين المشكلتين في ظروف وضع الوزارة والأوضاع القائمة واتجاهات الرأي العام، ورغبة علي ماهر في إرضاء بريطانيا.

مشكلة الأحكام العرفية:

صدر مرسوم إعلان الأحكام العرفية أثناء العطلة البرلمانية مستندا إلى أحكام القانون رقم 15 لسنة 1923 الخاص بنظام الأحكام العرفية لكن علي ماهر لم يتقيد بحدود هذا القانون ولا بالمادة 45 من الدستور الخاص بالأحكام العرفية أيضا: ذلك أن المرسوم الصادر بإعلان الأحكام العرفية خول الحاكم العسكري وهو هنا علي ماهر نفسه، السلطات الواسعة التي تتضمنها المادة الثانية من القانون رقم 15 لسنة 1923 وزاد عليها الترخيص له باتخاذ أي إجراء آخر لازم للمحافظة على النظام أو الأمن العام وبهذا جعل له في البلاد سلطانا مطلقا غير محدود أما المادة 45 من الدستور فكانت تقضي بعرض إعلان الأحكام العرفية فورا على البرلمان ليقرر استمرارها أو إلغاءها فإذا وقع ذلك الإعلان في غير دور الانعقاد وجبت دعوة البرلمان للاجتماع على وجه السرعة لكن علي ماهر لم يستصدر المرسوم بدعوة البرلمان إلى الانعقاد إلا في 23 سبتمبر أي بعد اثنين وعشرين يوما من إعلان الأحكام العرفية وحدد للاجتماع يوم 2 أكتوبر 1939 بل أن المرسوم الصادر بدعوة البرلمان إلى الاجتماع فرق بين إعلان الأحكام العرفية والمراسيم الأخرى وذلك بالإشارة إلى الأول الاجتماع فرق بين إعلان الأحكام العرفية والمراسم الأخرى وذلك بالإشارة إلى الأول بكلمة إبلاغ وإلا والمراسيم الأخرى بكلمة عرض مما يعني محاولة علي ماهر تجريد البرلمان من حقه في إلغاء الأحكام العرفية يضاف إلى ذلك أنه حتى هذه الدعوة المتراخية لم تتم إلا بعد إلحاح من أخيه أحمد ماهر شريكة في الحكم وقد استند في عدم عدوة البرلمان إلى فتوى من الدكتور عبد الحميد بدوي رئيس لجنة قضايا الحكومة بأن إعلان الأحكام العرفية في هذه الحالة مترتب على القانون رقم 80 لعام 1936 الذي صدرت به معاهدة 1936 والذي وافق عليه البرلمان وبأنه لذلك فلا حاجة إلى الحصول على موافقة البرلمان

ليس من الصعب أن نعرف الدوافع التي حدث بعلي ماهر إلى انتهاج هذه السياسة فلا شك أنه كان عازفا عن مواجهة البرلمان في تلك الفترة المبكرة من وزارته وفي هذا الموضوع بالذات خوفا من رفض الموافقة على استمرار الأحكام العرفية مما يعرض وزارته للخطر أنه كان حريصا على إرضاء الجانب البريطاني بل وعلى استرضائه بعد أن خيب ظنهم فيما طلبوه من إعلان الحرب على ألمانيا يضاف إلى ذلك رغبته في الحصول على سلطات دكتاتورية يشغلها في تحسين مركز وزارته وإضعاف خصومه.

وقد كتب لامبسون عن ذلك إلى هاليفاكس في تقاريره قائلا إن علي ماهر لما اقتنع أخيرا بوجهة نظر أخيه أحمد ماهر باشا بأن لابد من دعوة البرلمان ظل شهرا كاملا دون أن يفعل مما أتاح الوقت لنمو مختلف ألوان المعارضة كما اتضحت الطريقة التي يتبعها لتطبيق حالة الطوارئ وقد أثارت تلك الطريقة مخاوف خصومه السياسيين الين شعروا أنه يتخذ من حالة الطوارئ ذريعة لكتم أنفاسهم أضعف إلى ذلك مشاكل الحرب مثل مشكلة القطن وغيرها تلك المشاكل التي تطورت وأثارت شعورا قويا كان من الطبيعي أن يشغله المعارضون السياسيون ضد رئيس الوزراء

وعاد بعد ذلك يقول إن رئيس الوزراء تردد كثيرا في دعوة البرلمان لإقرار مرسوم حالة الطوارئ كما ينص الدستور لكنه على أية حال اضطر في النهاية إلى دعوته لأن الرأي العام أخذ يبدي قلقا متزيدا في هذا الموضوع وشعر أن رئيس الوزراء كان يستغل السلطات الخاصة التي يخولها له الدستور في تحقيق أهدافه السياسية وقد انصب النقد بالذات على استخدام وعلي سوء استخدام الرقابة لهذا الغرض وقد انتقد فريق الأغلبية من لجنة الأحكام العرفية بمجلس الشيوخ تطبيق الوزارة للأحكام العرفية وقالوا إن حرية الرأي أصبحت معدومة وحرية النقد لا وجود لها وأن الشكاوي كثيرة من الأحكام العرفية

علي أية حال فقد اجتمع البرلمان في دورة غير عادية في 2 أكتوبر لنظر ذلك المرسوم وغيره من المراسيم التي صدرت في غيبته وقد تمت الموافقة على المرسوم بأغلبية كبيرة في مجلس النواب ويرجع ذلك إلى معاونة محمد محمود بالإضافة إلى السعديين شركاء علي ماهر في الحكم ولضئالة عدد النواب الوفديين فيه المعركة كانت حامية في مجلس الشيوخ يتمتع الوفد بعدد يقرب من نصف الأعضاء وانتهى الأمر بموافقة مجلس الشيوخ بأغلبية ضئيلة على المرسوم.

تكونت في مجلس الشيوخ لجنة خاصة لدراسة الموضوع والتقدم للمجلس بنتيجة هذه الدراسة وقد تشكلت بنفس نسبة تشكيل المجلس تقريبا أربعة من الوفدين واحد لكن من الدستوريين والسعديين إثنان من المستقبل بالإضافة إلى رئيسها عبد الفتاح باشا يحيي.

رأت اللجنة أن مرسوم إعلان الأحكام العرفية صدر مستندا إلى القانون رقم 15 لسنة 1923 وأن رئيس الوزراء قد صرح بأن إعلانها كان أيضا بناء على طلب بريطانيا وذلك تنفيذا للمعاهدة ورأت اللجنة بالإجماع أن الدستور صريح في أن إعلان الأحكام العرفية سواء أكان تنفيذا للقانون رقم 15 لسنة 1923 أم لقانون المعاهدة لابد من عرضه على البرلمان لإعطاء رأي قاطع إما باستمرار الأحكام العرفية إلى اللجنة حيث صرح إبراهيم عبد الهادي بأن الموضوع المطروح هو عرض مرسوم الأحكام العرفية ليقرر المجلس استمراره أو عدم استمراره.

بحسم هذه النقطة تفرغت اللجنة إلى التداول في شأن ما تشير به على المجلس في شأن الأحكام العرفية فرأى خمسة من أعضائها عدم استمرار الأحكام العرفية ورأي ثلاثة استمرارها وامتنع رئيس اللجنة عن إبداء رأيه.

استندت الأغلبية في رأيها على أسباب عدة فقد قامت بمقارنة بين قانون الأحكام العرفية المصرية ونظيره في بعض البلاد الأخرى فأشارت إلى أن في فرنسا لا يصح للبرلمان أن يفوض السلطة التنفيذية بتفويض عام اتخاذ أي إجراء تشريعي لمواجهة حالات الطوارئ إلا بقانون يحدد الموضوع والزمن يصدره البرلمان أما في انجلترا فقد جعلوا للبرلمان حق تفويض السلطة التنفيذية في التشريع ولكن ما تتخذه من ذلك يجب عرضه على البرلمان ليقول كلمته فيه وفوق هذا فإن إجراءات السلطة التنفيذية في ذلك فضلا عن مراقبتها بالبرلمان تقع تحت سلطان المحاكم العادية أما قانون الأحكام العرفية المصري فهو في رأي أغلبية اللجنة قانون متشدد قد تناول موضوعات شتى وضع لها أحكام استثنائية تخالف الدستور وتقلب القواعد العامة للتشريع ففي نصوصه ما يحرم الأفراد من حرياتهم الشخصية وما ينتهك حرمة الملكية وغير ذلك والمخالفات التي ترتكب لما يفرض من إجراءات بمقتضى الأحكام العرفية تنظرها محاكم عسكرية أحكامها نهائية ولا يصح للفرد أن يلجأ إلى أية سلطة للتعويض عما تكون هذه الإجراءات قد أصابته به من أضرار.

خرجت الأغلبية في رأيها من ذلك إلى أن إعلان الأحكام العرفية كان بناء على طلب الدولة الحليفة بينما الأمر والنظام مستتبين في البلاد لذلك كان ينبغي إذا ما أعلنت الأحكام العرفية أن تكون مقصورة على التدابير التي تقتضيها حماية المصالح المشتركة وقد حاولت اللجنة استطلاع رأي رئيس الوزراء في ذلك كما عرضت عليه استمرار انعقاد البرلمان كضمان لحصر الأحكام العرفية في هذا النطاق لكن علي ماهر لم يوافق على هذا الرأي محتجا بأنه لا يمكنه فصل الإجراءات العسكرية عن غيرها وعرض على اللجنة استعداده لإعطاء بيان بالظروف التي تستدعي اتخاذ أي إجراء كما صرح باستعداده لعقد البرلمان في دورة غير عادية كلما اقتضت الظروف ذلك.

ويبدو أن هذا كان حلا وسطا وكان من جانب الأغلبية اختبار لنوايا علي ماهر وأنه برفضه رأي اللجنة قد سقط في هذا الاختبار لذلك رأت أن الحالة الدولية قد تتطلب إعلان الأحكام العرفية في حدود ما تقتضيه حماية المصالح العسكرية فقط لكن رئيس الوزراء رفض ما عرضته اللجنة يضاف إلى ذلك أن قانون الأحكام العرفية المصري يمنح القائم على تنفيذها سلطات واسعة جدا زاد منها المرسوم المعروض أنه رخص للحاكم العسكري اتخاذ أي إجراء آخر لازم للمحافظة على النظام أو الأمن العام وبهذا جعل له في البلاد سلطانا مطلقا غير محدود، بينما الأمن والنظام أو الأمن العام وبهذا جعل له في البلاد سلطانا مطلقا غير محدود، بينما الأمن والنظام مستتبان فإن أضيف إلى ذلك أيضا أن المادة 155 من الدستور تجيز تعطيل أحكامه أثناء قيام الأحكام العرفية ظهر ما في الاستئثار بهذه السلطات الواسعة النطاق من الخطر الجسيم.

بهذا أوضحت الأغلبية مخاوفها من أن يقوم الحاكم العسكري علي ماهر بتعطيل الدستور وحل البرلمان وإقامة دكتاتورية سافرة ثم لمحت إلى أنها لا تأمن أن يقوم علي ماهر بذلك فقال إن البلاد فوق ذلك لا تطمئن إطلاقا أن تجعل تنفيذ الأحكام العرفية في يد ليست موضع الرضاء منها وأشارت إلى أن اللجنة قد استعرضت بعض الصور التي طبقت فيها الأحكام ولفت نظرها بصفة خاصة الطريقة التي روقيت بها الصحف وعوملت بها حرية النقد فتبين لها حرية الرأي أصبحت معدومة وأن حرية النقد لا وجود لها فضلا عن أنه حصل تمييز بين صحف وأخرى في مراقبة الأخبار والآراء التي تنشر ولا شك أن حرية الصحافة وبصفة خاصة حرية النقد في الظروف القائمة هي من الضمانات الجوهرية لحسن سير العدالة والمحافظة على مصالح البلاد.

وخلصت أغلبية اللجنة في ذلك إلى أنها ترفض استمرار الأحكام العرفية كما أعلنت بالمرسوم المعروض

أما الأقلية فقد عرضت رأيها من الناحية الدستورية والقانون وخلصت إلى أن إعلان الأحكام العرفية قد استند إلى القانون رقم 80 لسنة 1936 الصادر بمعاهدة التحالف بين مصر وبريطانيا وقد اشتبكت بريطانيا في حرب مع دولة أخرى ولا تزال مشتبكة ولهذه الدولة الأخرى في مصر رعايا ولها فيها مصالح فهل يستطاع تحت ظل الأحكام العادية الآن الموجودة في مصر والحال هكذا أن تقوم مصر بالوفاء بعهدها الذي قطعته لانجلترا والذي قررته المادة السابعة من المعاهدة فإذا كان ذلك مستطاعا وجب ألا تكون الأحكام العرفية أما إذا لم يكن ذلك مستطاعا وجب أن تكون الأحكام العرفية على ألا نتجاوز الغاية المقصودة من إعلانها وهي تسهيل السبيل لقيام مصر بتعهداتها التي قطعتها لانجلترا وقالت الأقلية أنه لا يتيسر لمصر أن تفي بتعهداتها التي قطعتها لبريطانيا في ظل القوانين العادية وأنه لا مندوحة عن الاتجاه إلى النظم الاستثنائية السريعة التي يجيزها إعلان الأحكام العرفية على ألا تتجاوز الغاية المقصودة من إعلانها وهي تسهيل السبيل لقيام مصر بتعهداتها التي قطعتها لانجلترا وقالت الأقلية أنه لا يتيسر لمصر أن تفي بتعهداتها التي قطعتها لبريطانيا في ظل القوانين العادية وأنه لا يتيسر لمصر أن تفي بتعهداتها التي قطعتها لبريطانيا في ظل القوانين العادية وأنه لا مندوحة عن الاتجاه إلى النظم الاستثنائية السريعة التي يجيزها إعلان الأحكام العرفية فاستمرار الأحكام العرفية التي يجيزها إعلان الأحكام العرفية فاستمرار الأحكام العرفية التي أعلنت بمرسوم أول سبتمبر 1939 واجب كوسيلة فعالة لجعل التسهيلات والمساعدات التي تعون بها مصر حليفتها بريطانيا العظمى فعالة.

وأضافت الأقلية إلى ذلك أنها توجه نظر الحكومة إلى الأمور الآتية:

1- العمل على حصر هذه الأحكام جهد الطاقة عند الضرورات العسكرية التي تقتضيها سلامة البلاد وتقضي بها المعاهدة.

2- الرجوع إلى البرلمان في الشئون الخطيرة مراعاة لحرج الموقف.

3- تخفيف الرقابة على الصحف بحيث تقتصر على الأنباء التي يترتب على نشرها أضرار بسلامة البلاد وبالقوات المصرية وبالقوات الحليفة والصديقة.

لكن رأي الأغلبية هو الذي كان يشكل الرأي الذي يتقدم به اللجنة إلى المجلس في النهاية فطلبت اللجنة إلى المجلس أن يقرر عدم استمرار الأحكام العرفية

زاد هذا التقرير من صعوبة موقف علي ماهر في مجلس الشيوخ في مواجهة معارضة الوفد لإعلان الأحكام العرفية وتمثيله القوي في المجلس وقد استند معارضو الأحكام العرفية في المجلس بالإضافة إلى ما ذكرته أغلبية اللجنة إلى أن مصر لم تعلن الحرب وأنها بعيدة كل البعد عن ميادينها وإلى أن الأحكام العرفية لم تعلن في بريطانيا نفسها بالإضافة إلى أن المعاهدة لا تلزم مصر بإعلانها واضطر علي ماهر إلى أن يخوض معركة حامية في مجلس الشيوخ حتى حصل على موافقته على استمرار الأحكام العرفية بأغلبية بسيطة.

أدت معركة الأحكام العرفية في البرلمان إلى عدة نتائج فقد أتاحت الفرصة للرأي العام لكي يعبر عن نفسه سواء داخل البرلمان أو خارجه تجاه سياسة علي ماهر وقد رأينا أنه حتى المؤيدين لاستمرار الأحكام العرفية في اللجنة في مجلس الشيوخ كانوا يرون أن تطبق هذه الأحكام في أضيق نطاق وأنه يجب الرجوع إلى البرلمان في المسائل الهامة وقد اضطر علي ماهر إلى التمشي مع هذه الرغبة وحين عقدت الدورة العادية للبرلمان في نوفمبر بدأت يتبع تقليدا جديدا هو الاجتماع بأعضاء لجنتي الأحكام العرفية، كذلك الاجتماع بأعضاء اللجنة المختصة ومناقشتهم فيما يريد أن يتقدم به إلى البرلمان.

وهكذا اضطر علي ماهر إلى التخلي عن أية خطط دكتاتورية كان يعتزمها يضاف إلى ذلك أن محمد محمود انتهز فرصة الدورة غير العادية فتقدم هو وآخرون إلى مجلس النواب بطلب اضطرت الحكومة أن تتبناه وهو أن تشتري بريطانيا جميع محصول القطن المصري وكان هدفه من ذلك أن يكسب لحزبه مزيدا من الشعبية لأن تصريف محصول القطن المصري وكان هدفه من ذلك أن يكسب لحزبه مزيدا من الشعبية لأن تصريف محصول القطن كان مشكلة الساعة حينئذ وكان يرمي أيضا إلى إحراج الحكومة تمهيدا لإسقاطها وهكذا بدأت معاكسات الأحرار الدستوريين لوزارة علي ماهر

مشكلة إعلان مصر قيام حالة الحرب مع ألمانيا:

ثارت هذه المشكلة في نفس الوقت الذي ثارت فيه مشكلة الأحكام العرفية لكنها اختلفت عنها في أنها كانت أساسا بين الحكومة المصرية وبريطانيا وأنها بلغت الذروة من البداية بينما كانت مشكلة الأحكام العرفية أساسا بين أطراف داخلية كما أنها لم تبلغ زروتها إلا عندما اجتمع البرلمان في دورته الاستثنائية في أوال أكتوبر.

وقد أشرنا فيما سبق إلى موقف الأطراف المختلفة من التزامات مصر بمقتضى المعاهدة وأن البعض رأى أن تتخذ مصر موقف الحياد في نزاع دولي لا يعينها وأن تعمل على الحد من التزامات المعاهدة عبر عن ذلك إسماعيل صدقي ورأى البعض الآخر أن تفي مصر بالتزاماتها بمقتضى المعاهدة وأن يتضمن ذلك دخولها الحرب إلى جانب بريطانيا وكان هذا موقف أحمد حسين زعيم مصر الفتاة وموقف فريق من الأحرار الدستوريين والسعديين ورأي ثالث أن تفي مصر بالتزاماتها بمقتضى المعاهدة لا تزيد عليها وأشرنا إلى أن هذا كان موقف الإخوان المسلمين وفريق من الدستوريين والسعديين ويغلب أنه كان موقف الوفد بل أن الإخوان المسلمين زادوا على هذه ضرورة السعي إلى استكمال تحقيق الأماني الوطنية في مقابل مساعدة مصر لحليفتها وهو ما تطور إليه موقف الوفد أيضا في أبريل 1940 كما يتضح من مذكرته إلى السفير البريطاني حينئذ

والحق أن موقف الوفد كان حاسما في موضوع دفاع مصر عن نفسها والتزامها بتقديم المساعدة البريطانية داخل حدودها لكنه يخلو من الوضوح والحسم في موضوع دخول مصر الحرب إلى جانب بريطانيا فقد تساءلت جريدة المصري في 29 مارس 1939 كيف يمكن أن ندخل الحرب إذا كان حلفاؤنا ينقضون العهد نقضا ويستخفون بالمعاهدة بندا بندا؟ أنحارب للدفاع عن الديمقراطية التي يحارب حلفاؤنا من أجلها والديمقراطية في بلادنا شوهت وجني عليها؟ ألا يصح للمصريين أن يعودوا إلى ضمائرهم فيسألوها هذا السؤال الخطير؟ لكنها عادت في 4 سبتمبر بعد قيام الحرب تقول (لسنا في حاجة إلى القول أن مصر ستكون مع حليفتها في هذا الموقف الدقيق قلبا وقالبأن وأنها ستكون وفية لعهدها مؤيدة بكل قوتها الديمقراطية ضد الدكتاتورية مدافعة عن كيانها ووطنها المقدس.

ولا شك أن موقف الوفد كان يحدده ضعف أو قوة كل عامل من العوامل المؤثرة في سياسته: الحالة الدولية القائمة وبخاصة موقف إيطاليا رغبة الوفد في العودة إلى الحكم رغم معارضة السراي واتجاهات الرأي العام في مصر وقد رأينا أن الرأي العام في مصر كان يتجاذبه عاملان الخوف من إيطاليا وأطماعها الواضحة في مصر والرغبة في الابتعاد بمصر عن نزاع عالمي لا يهمها بشكل مباشر وقد أشار السفير البريطاني قبيل الحرب إلى أن هذا يمثل شعورا كبيرا في البلاد وبذلك اتخذ موقف إيطاليا من الحرب ومن مصر أهمية خاصة في تحديد موقف جانب كبير من الرأي العام وفريق كبير من الساسة ذلك الفريق الذي كان يرى أن تقف مصر عند حدود الوفاء بالتزاماتها بمقتضى المعاهدة داخل الأراضي المصرية فقط.

أما عن السراي فقد تكررت إشارات السفير البريطاني إلى سلامة موقف الملك من التحالف كما تكرر تعبيره عن مخاوفه من النفوذ الإيطالي في السراي وميولها المحورية تلك المخاوف كانت فعلا ترتكز على قدر كبير من الحقيقة ففي 23 فبراير 1936 كتب كونت شيانو وزير خارجية إيطاليا في يومياته أن السفير الإيطالي في برلين أرسل يخبره عن حديث دار بينه وبين وزير مصر المفوض هناك مراد سيد أحمد باشا في هذا الحديث كان الوزير يتحدث بلسان مليكه قائلا إنه يكره الإنجليز ومتسائلا عما إذا كان المحور على استعداد لمساندته إذا ما أعلنت مصر حيادها وحاولت بريطانيا العظمى نتيجة لذلك أن تتدخل مباشرة أو عن طريق غير مباشر وقال شيانو أنه بعد اتفاقه مع الدوتش أرسل إلى السفير يفوضه في مواصلة محادثاته مع الوزير المصري، وأن يوح له أن إيطاليا تؤيد أي جهد يؤدي إلى إضعاف الروابط بين مصر ولندن وفي 9 مايو 1939 زار القاهرة المارشال بالبو حاكم ليبيا وقد أقام له رئيس الوزراء مأدبة كما استقبله الملك فاروق وتردد حينئذ أن إيطاليا ترمي إلى عقد ميثاق عدم اعتداء مع مصر وأن الفكرة تجد صدى في بعض المقامات

وأخيرا ففي 30 مايو 1940 كتب شيانو في يومياته يقول إن مراد سيد أحمد الذي كان حينئذ وزير مصر المفوض في روما تحدث على مسئوليته عن اعتزام حكومته إعلان حيادها في النهاية وقال شيانو إنه شجعه على ذلك .

يضاف إلى تلك الحقائق احتفاظ فاروق بما تضمه السراي من موظفين إيطاليين وما تضمه حاشيته من الإيطاليين رغم أن لامبسون حاول بإلحاح أن يدفعه إلى التخليص منهم.

تلك عوامل كان لها أثرها في موقف الحكومة المصرية والمصريين بوجه عام من موضوع إعلان قيام حالة الحرب بين مصر وألمانيا يضاف إليها عامل آخر له أثره الكبيرة في ذلك الموقف وهو قوة كل من الفريقين المتنازعين: القوات البريطاني في مصر وما يقابلها من قوات إيطالية في ليبيا وقوة كل من المحور وبريطانيا وفرنسا بوجه عام لقد تأثر المصريون بضآلة عدد القوات البريطانية في مصر وما يقابلها من حشود إيطالية كبيرة في ليبيا كما تأثروا بالسياسة القوية التي اتبعتها دولتا المحور ونجاحها في تحقيق أهدافهما وآخرها استيلاء ألمانيا على باقي تشيكوسلوفاكيا في مارس 1939 واستيلاء إيطاليا على ألبانيا في أبريل بينما واجهت بريطانيا وفرنسا ذلك بسياسة التهدئة.

تتضح مخاوف الجانب المصري في طلبة الملح بزيادة القوات البريطانية في مصر حين تبين أن قيام الحرب أمر يكاد أن يكون مفروغا منه بعد أزمة مارس أبريل فبعد الغزو الإيطالي لألبانيا تحدث رئيس الوزراء محمد محمود إلى لامبسون عن عدم كفاية القوات البريطانية في مصر فقال إن قلة عدد هذه القوات أصبح في الأحاديث الشائعة وأن الأمة المصرية جميعها تشعر بالقلق في قدرتنا على أن تقدم لمصر الحماية التي تضمنها لها معاهدة التحالف إلا إذا تلقت قواتنا تعزيزات كبيرة..

وقد تساءل سعادته عن عدد قواتنا الآن في مصر، وحين أخبرته أن عدد الحامية جميعها حوالي 13 ألفا قال إن هذا لا يكفي لتهدئة مخاوف الناس وأنه يريد أن يكون لنا ما بين 25 إلى 30 ألفا وأن نجعل الناس يرونهم حتى تتبدد مخاوفهم من هجوم مفاجئ من ناحية ليبيا وكرر الأمير محمد على هذا الطلب إلى السكرتير الشرقي ي مايو التالي وحين أصبحت الحرب متوقعة في أية لحظة في أغسطس 1939 طلب الملك من بتمان القائم بعمل لامبسون زيادة عدد القوات البريطانية في مصر وأكد أهمية هذه الزيادة وأهمية أثرها النفسي إلى سير مايلز لامبسون حين عادة الأخير من إجازته وقابله في أول سبتمبر حين اشتعلت الحرب

وكان لامبسون يدرك مخاوف المصريين وأثرها على موقفهم من التحالف لذلك تكرر تحذيره لحكومته من نتائج قلة عدد القوات البريطانية في مصر وطلب زيادتها في يناير 1939 كتب إلى وزارة الخارجية يقول لو اعتقدت مصر أن لدى بريطانيا من القوة ما يكفي لحمايتها من نشاط العدو العسكري والجوي المدمر فلا جدال في أن الكلام سيقل عن حياد مصر أما إذا لم نتمكن من خلق هذا الشعور عن طريق حجم قواتنا العسكرية واستعادة صداقتنا مع البلاد العربية المجاورة فإن مصر ستطلب إلينا عاجلا أو آجلا الحد من التزاماتها الحربية بمقتضى المعاهدة المصرية البريطانية وعاد لامبسون إلى هذا الموضوع في الشهر التالي فكتب إلى هايفاكس يقول علينا أن نعمل على تقوية وضعنا في شرق البحر المتوسط بحيث لا يبقى لدى الملك أو حاشيته أدنى شك في قدرتنا على حماية مصر وعلى إجبار حكامها على الاستجابة لرغباتنا لو لزم ذلك..

سنجد ملك مصر والفئة الارستقراطية الحاكمة يحاولون باستمرار أن يتخذوا موقفا مستقلا عن بريطانيا طالما بقي في مصر شعور بأن نهضة ألمانيا وإيطاليا قد أضعفت موقفنا في العالم بوجه عام وفي شرق البحر المتوسط بوجه خاص بحيث إنه لم يعد من الأسلم لمصر أن تنشد ود أصدقاء آخرين فقط بل إن ذلك أصبح من الحكمة وبعد أن طلب محمد محمود في أبريل زيادة القوات البريطانية كتب لامبسون يقول لقد عبر الرسميون وغير الرسميين في مصر عن رغبتهم في وجود قوات بريطانية أكثر في مصر إني لأرجو جادا أن نتمكن في القريب العاجل من أن نحقق للمصريين رغبتهم في تلك ولهم الحق في ذلك أنهم يدركون عدم كفاية قواتنا الحالية لحماية مصر من هجوم إيطالي ألماني ومستقبل وضعنا في الشرق الأدنى يتوقف على أن توجد في مصر قوات بريطانية كبيرة إلى الحد الذي يقنع المصريين وغيرهم من شعوب الشرق الأوسط بقدرتنا على أن ندفع بكفاءة عن البلاد التي تعهدنا بالدفاع عنها بمقتضى المعاهدة

والآن لنر كيف تطورت مشكلة إعلان مصر قيام حالة الحرب مع ألمانيا متأثرة بهذه العوامل. لم تعد بنا حاجة إلى مناقشة موضع طلب الجانب البريطاني أن تعلن مصر الحرب على ألمانيا وهل ذلك صحيح كما صرح بذلك علي ماهر في أكثر من مناسبة أم أنه غير صحيح كما صرح بذلك مصدر رسمي بريطاني ذلك أن الوثائق البريطانية حاسمة في أن الجانب البريطاني طلب إلى علي ماهر إعلان حالة الحرب ويغلب أن مستر بتمان وهو يقوم بعمل لامبسون أول من أتصل بعلي ماهر في هذا الشأن وذلك يوم 23 أغسطس قبل قيام الحرب حين أخبره أن الحكومة البريطانية ترى أنه قد قامت حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها وطلب إليه باسم حكومته أن تقوم الحكومة المصرية بتقديم ما تنص عليه المادة السابعة من معاهدة التحالف من مساعدات وتسهيلات تخرج بهذا من مذكرة بعث بها علي ماهر إلى لامبسون في 9 سبتمبر يقول فيها إن تعهدات مصر المبكرة قبل اشتعال الحرب بالقيام بإعلان الحرب رسميا كانت على أساس أن إيطاليا ستدخل الحرب وأنها ستهاجم القوات البريطانية هنا أي في مصر

يضاف إلى ذلك أن لامبسون يقول في يومياته عن يوم أول سبتمبر 1939 أنه ذهب في المساء لمقابلة علي ماهر ليتأكد من أن إعلان مصر حالة الحرب سيحدث في نفس الوقت الذي تعلن فيه بريطانيا الحرب، وأنه وجد أن علي ماهر رجع في كل ما كان قد قاله لبتمان قبل عودة لامبسون من بريطانيا مباشرة يؤيد هذا أيضا ما نشرته مجلة آخر ساعة بعددها الصادر في 28 مارس 1973 لعبد الرحمن عزام وزير الأوقاف في وزارة علي ماهر عام 1939 قال سيادته إن بتمان القائم بأعمال السفير البريطاني قام بمقابلة رئيس الوزراء عدة مرات للتشاور في موقف مصر في حالة إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا الوزراء عدة مرات للتشاور في موقف مصر في حالة إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا وأضاف أنه حين عاد السفير البريطاني لم يكن مفاجأة لرئيس الوزراء فقد سبق له أن تلقى تبليغا متشابها من القائم بأعمال السفير قبل عودة السير مايلز لامبسون من لندن وكان من رأي علي ماهر وفي رأي غالبية وزراء حكومته أن تقوم الحكومة المصرية بإعلان الحرب على ألمانيا بمجرد اشتراك الإنجليز في الحرب ضدها.

يتضح من هذا أن المصادر المصرية والوثائق البريطانية تتفق على أن لامبسون عند قيام الحرب في أول سبتمبر طلب إلى علي ماهر أن تعلن مصر الحرب على ألمانيا حين تعلنها بريطانيا لكن الفريقين يختلفان فيما عدا ذلك من تفاصيل.

المصدر المصري الرئيسي في هذا الموضوع هو علي ماهر نفسه في شهادته في قضية مقتل أمين عثمان باشا قال علي ماهر ردا على سؤال عن الخلافات التي نشبت بينه كرئيس للحكومة وبين الحكومة البريطانية إن الخلاف بدأ بمجرد إعلان ألمانيا الحرب كانوا يتوقعون أن تعلن مصر الحرب على ألمانيا ثم حصل أن رأينا لمصلحة مصر ونحن مصريون، ألا تدخل مصر الحرب، .. وكان تقدير ذلك متعلقا بما يقتضي به الصالح، ولأن الدخول أو عدم الدخول يتعلق بالاستعداد خصوصا وأن السفير سئل: ما هو موقف مصر في نهاية الحرب، هل تستكمل كل استقلالها؟ فأجاب بأنهم لا يمكنهم أن يعدو بشيء وكفاهم وعد بلفور.. وقد عملنا ما توجبه المعاهدة للحليفة وما يزيد عليه ما دام لا يتعارض مع مصالح مصر وقال أيضا في الكلام عن عدم دخول مصر الحرب حين أعلنتها إيطاليا وكان وقتها عدد الجنود البريطانية ضعيفا جدا وكان ما عندهم 28 مدفعا ضد الطائرات منها 20 في الإسكندرية لحكاية الأسطول 8 لحماية الورش بتاعتهم وباقي القطر لا يوجد به شيء يحميه أي أن عدم إعلان مصر الحرب يرجع إلى اقتناع الحكومة المصرية حينئذ بعدم وجود القوات الكافية في مصر لذلك سواء على الجانب المصري أو على الجانب البريطاني، وبخاصة عدم وجود دفاع جوي كافي يضاف إلى ذلك أن دخول الحرب ليس في صالح مصر ولا يحقق لها مصلحة خاصة بعد أن رفض الجانب البريطاني أن يعد باستكمال استقلال مصر إذا دخلت الحرب.

أما محمد صبيح فيأتي لنا بوثيقة من محفوظات قصر القبة، وهي مذكرة سرية رفعها إلى الملك عبد الوهاب طلعت باشا رئيس الديوان الملكي بالنيابة حينئذ وتتضمن ما عمله من سكرتير عام مجلس الوزراء عن مداولات المجلس يوم 7 سبتمبر في موضوع إعلان مصر حالة الحرب وقد أشارت المذكرة إلى أن الوزراء انقسموا في هذا الشأن بين آراء ثلاث رأي ضد إعلان حالة الحرب ويقول به مصطفى الشوربجي بك وزير العدل الذي يرى أن ما تم فوق الكفاية وأن المعاهدة لا تلزمنا بشيء أكثر من ذلك وليس لمصر شأن في الخلاف القائم الآن ورأى وسط انفراد به عبد الرحمن عزام بك وزير الأوقاف ورئيس القوات المرابطة وكان يوافق على رأي مصطفى الشوربجي لكنه لا يمانع في إعلان الحر مع الانتظار على الأقل حتى يعود كل المصريين من الخارج وكذلك البواخر المصرية، لأن في رفعها العلم المصري حماية لها من كل سوء ما دامت مصر ليست في حالة حرب مع أية دولة أخرى أما الرأي الثالث فهو إعلان حالة الحرب وقال به بقية الوزراء وأشارت المذكرة من هذا الفريق إلى محمد صالح حرب باشأن وحسين سري باشا ومحمد علي علوبة باشا وغيرهما وكان من رأي هذا الفريق أنه ما دامت مصر قد قطعت العلاقات مع ألمانيا وتكدر صفو هذه العلاقات فليس هناك داع للانتظار ويجب إعلان حالة الحرب لأن مصر أصبح مصيرها معلقا بمصير انجلترا ورد هذا الفريق على آراء عبد الرحمن عزام بأن انجلترا تحمي البواخر المصرية بأسطولها كما تحمي بواخرها سواء بسواء وتقول المذكرة أن علي ماهر انضم إلى هذا الفريق الأخير بتحفظ وهو أنه إذا جاءه كتاب من السفير البريطاني باسم حكومته بأن إعلان حالة الحرب ضروري جدا لسلامة القوات البريطانية والمصرية وأنه لا يمكن الدفاع عن مصر بغير ذلك فعندئذ نقرر حالة الحرب.

من الجلي أن هذا كان قرار مجلس الوزراء فعلي ماهر كلف سكرتير عام المجلس بالتوجيه في نفس الليلة إلى السفير البريطاني لإحاطته علما به وبمختلف وجهات النظر في هذا الموضوع والسفير البريطاني سر لذلك وقال للسكرتير العام أنه يرجح كثيرا أن يرد إليه الجواب المطلوب الليلة وعندئذ تعلن حالة الحرب بين مصر وألمانيا منذ صباح الغد.

وقد نفي كل من علي ماهر وصالح حرب لمحمد صبيح البيانات التي تضمنها الوثيقة نفيا قاطعا والتمسا لعدم صحتها أن تلك المناقشات لم تدون عنها محاضر وأن سكرتير عام المجلس لم يكن يحضر المداولات وأنه استقى معلوماته من بعض الوزراء الذين لم يعطوه صورة صحيحة ويضع محمد صبيح مما استقاه منهما من معلومات وبخاصة من علي ماهر كما هو واضح صورة أخرى عن الموقف تتضمن تلك الصورة أن رجال القانون كانوا يرون التزاما مصر بإعلان الحرب بمقتضى المعاهدة وأن عي ماهر رأى من البداية أن يحتفظ برأيه في موضوع إعلان الحرب إلى النهاية لا يبديه للمجلس وأن يلاحظ جميع التيارات وقد سأل علي ماهر السفير البريطاني عما إذا كانت بريطانيا مستعدة لإلغاء معاهدة 1936 وعقد معاهدة جديدة تتضمن قيام علاقات جديدة غير مقيدة بأي قيد والتعاون تعاون الأنداد السفير أجاب بالنفي وقال محمد صبيح أيضا أنه اتضح لعلي ماهر وجود ثلاث تيارات داخل مجلس الوزراء تيار ضد الحرب يتزعمه الوزيران صالح حرب ومصطفى الشوربجي وتيار مع الحرب يتزعمه محمود فهمي النقراشي وحسين سري وتيار متردد يتساءل عما يمكنه كسبه من انجلترا مقابل دخول الحرب وكان عبد الرحمن عزام هو الذي يري التفاهم للحصول على مكاسب من الإنجليز.

ويقول محمد صبيح أيضا أن علي ماهر استخدم رد السفير البريطاني في موضوع قيام علاقات حرة بين مصر وبريطانيا في إقناع فريق المترددين بفكرة عدم دخول الحرب وأقنع بها أيضا الفريق المحبذ لدخول الحرب الذي رأى أن ينتهز فرصة في المستقبل لتجديد السعي لدى الإنجليز عسى أن يحققوا لمصر مطالبها إذا رأوا مصلحة في دخول الحرب وهكذا صدر قرار مجلس الوزراء بالإجماع أن تلتزم مصر الحياد، وحين أبلغ إلى السراي كان ردها أن الملك مع الوزارة في هذا القرار

تلك على أية حال معلومات طرفين مشتركين تضاربت بشأنها الآراء.

هناك طرف أدلى براية أيضا هو عبد الرحمن عزام وقد أشرنا إلى طرف مما نشر من ذكرياته في مجلة آخر ساعة أما باقيها فيتناول موقف مجلس الوزراء من موضوع إعلان حالة الحرب مع ألمانيا قال سيادته أن السفير البريطاني في مقابلته لعلي ماهر يوم أول سبتمبر طلب أن تعلن مصر حالة الحرب مع ألمانيا بمجرد اشتراك انجلترا في الحرب واعتقال الرعايا الألمان واحتجازهم كأسرى حرب وكان الرأي حينئذ أن تعلن مصر حالة الحرب مع ألمانيا في الوقت الذي تدخل فيه بريطانيا الحرب ضدها وقد عقدت جلسة طارئة لمجلس الوزراء ليبحث الموضوع حضرها الدكتور عبد الحميد بدوي رئيس لجنة قضايا الحكومة.

كان رأي عبد الحميد بدوي أن المعاهدة تلزم مصر بدخول الحرب إلى جانب انجلترا وكان رأي السعديين دخول الحرب فورا إلى جانب انجلترا وأيد صالح حرب وزير الحربية اتجاه إعلان الحرب ويقول عبد الرحمن عزام أيضا أنه عارض هذا الاتجاه على أساس أن المعاهدة لا تلزم مصر بدخول الحرب وأن إعلانها على عدو عدوة مصر غير معقول قبل أن تعلنها أصدقاؤه الإيطاليون وأن إعلانها سيحلق كثيرا من الدمار والخراب بالجيش والشعب وأضاف أن هذا قد يكون مقبولا لو كان هناك مقابل له كوعد بالجلاء وتعويض عن الخسائر لكنه لا يوافق على إعلان الحرب دوم مقابل، وقال سيادته أن علي ماهر لم يشارك في المناقشة بل وامتنع عن التصويت حين أخذت الأصوات على القرار فوافق الوزراء جميعا على إعلان الحرب إلى جانب بريطانيا. حينئذ قدم عبد الرحمن عزام استقالته مما اضطر علي ماهر إلى أن يفض الاجتماع ويقرر عدم إذاعة القرار أو إبلاغه إلى الانجليز.

أدت المناقشات بين علي ماهر وعبد الرحمن عزام إلى يتخلى الأخير عن الاستقالة ويقوم بناء على طلب علي ماهر الذي أبدى اقتناعا بوجهة نظره، بالاتصال بالجانب البريطاني لإقناعه بعد الإصرار على طلبه لكن هذه الاتصالات لم تسفر عن شي سوى إصرار الجانب البريطاني على عدم تقديم أي تنازلات لمصر في مقابل إعلان الحرب ويختم عبد الرحمن على ألمانيا وأنه تقرر أن علي ماهر اقتنع تماما بن لا فائدة لمصر من إعلان الحرب على ألمانيا وأنه تقرر ألا تعلن مصر الحرب إلا في حالة واحدة وهي أن يكون الهجوم عليها لذاتها لا لارتباطها بالإنجليز وفي لج سبتمبر بعث علي ماهر إلى السفير البريطاني بمذكرة تراجع فيها عن قرار إعلان الحرب على ألمانيا بحجة أن إيطاليا لم تعلن الحرب على مصر وأن تطورات الموقف لم تعد تستدعي اتخاذ هذا القرار.

أما الوثائق البريطانية فتقدم لنا صورة تختلف في ملامحها كما أنها أكثر تفصيلا سنعرض هذه الصورة ثم نقوم بتقييم وتحليل هذه المصادر جميعا ونخرج من ذلك بصورة أقرب إلى الحقيقة عن موقف كل من مصر وبريطانيا من مشكلة إعلان حالة الحرب مع ألمانيا.

يقول لامبسون في يومياته أنه قابل علي ماهر مساء يوم أول سبتمبر ليتأكد من أن إعلان مصر الحرب سيحدث في نفس الوقت الذي تعلن فيه بريطانيا الحرب وأنه وجد أن علي ماهر رجع في كل ما كان قد قاله لبتمان قبل عودة لامبسون من بريطانيا مباشرة، فقد أخذ يقول أنه ليس من اللازم أن تدخل مصر الحرب وأنهم سيفعلون كل ما تطلب بريطانيا دون أن تعلن مصر الحرب وأنه يريد أن يحصل على إجماع زملائه الوزراء وفي اليوم التالي أخبر علي ماهر لامبسون في خطاب رسمي أن حكومته مستعدة لإعلان الحرب لكن يبدو أن مجلس الوزراء رجع عن هذا الرأي في اليوم التالي لأن لامبسون عاد وقابل علي ماهر صباح يوم 4 سبتمبر وحذره بشدة من الآثار المحزنة التي تركها في لندن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء في الليلة السابقة وأكد له خطورة العوامل السياسية التي تدعو إلى عدم اتخاذ هذا الاتجاه المضار التي تترتب عليه وأشار لامبسون إلى أن الوضع الوسط بين الحياد والحرب ما هو إلا سراب خادع وحثه على إقناع زملائه الأربعة المترددين بذلك وقد رد علي ماهر على ذلك بأنه شخصيا مستعد لإعلان حالة الحرب لكنه حريص على أن يحصل على إجماع الوزراء على ذلك وقال أن زملاؤه غير مقتنعين بأن مصر قادرة على مقاومة هجوم إيطاليا بالعدد الموجود من القوات البريطانية وقد وافق على أن يطلب إلى عزام باشا بأن يناقش اعتراضاته مع مستر بتمان وأن يطلب إلى وزير الحربية أن يتصل بالقائد العام للقوات البريطانية بشأن عدد القوات والنواحي الاستراتيجية وقد ألح علي ماهر على سرعة إرسال تعزيزات بريطانية وأشار إلى مخاوف الدوائر الأصلية من أن تفكر الحكومة البريطانية في التضحية لمصر كما قد يحدث في حالة المستعمرات النائبة وقال أن مصر تتوقع تدافع عنها ببريطانيا بمقتضى المعاهدة وحث علي ماهر على تزويد الجيش المصري بمدافع أخرى وطالب ببنادق لتسليح عشرة آلاف جندي بالجيش المرابط حتى يتفرغ الجيش العامل للجبهة

وفي يوم 6 سبتمبر قابل السفير علي ماهر وحثه على إعلان قيام حالة الحرب مع ألمانيا فرد علي ماهر بأن ذلك سيتم بمجرد أن يخرج المصريون من ألمانيا وقال لامبسون في تقريره إلى هاليفاكس عن هذه المقابلة أنه نظرا لهذا التردد المستمر من جانب رئيس الوزراء في إعلان حالة الحرب ذلك التردد الذي كان له أثر سيء على العراق فإنه يميل كثيرا إلى أن يقول لرئيس الوزراء أن الحكومة البريطانية تصر على أن يقوم بهذا الإعلان في الحال ويعود لامبسون ليوضح عوامل تدعو إلى التأني وعدم تعجل هذه الخطوة وتلك العوامل هي أن عبد الحميد بدوي أشار على الحكومة المصرية بأن إعلان حالة الحرب لن يزيد شيئا على السلطات التي أحرزتها الحكومة بإعلان الأحكام العرفية كما أن الإصرار على ما يعتبره الجانب البريطاني نتيجة منطقية لمعاهدة 1936 يغلب أن يؤدي إلى صدور الإعلان المطلوب لكن الحكومة في هذه الحالة ستكون قد أصدرته وهي مكرهة وقد يحدث انقسام داخل الوزارة وعودة إلى حالة الإذعان الكاره التي اتسم بها موقف مصر في فترة الحرب العالمية الأولى وبعدها وأضاف أنه من الواضح أنه يحسن تجنب ذلك إذا كان الجانب البريطاني يريد أن يقف المصريون خلفه بصلابة ومع أن لامبسون يعرض هذه العوامل حتى يتدبرها هاليفاكس إلا أنه يعود في نهايته تقريره ليرجح عامل الضغط واستعجال إعلان حالة الحرب فيقول أن كل يوم يزيد من تخوف المصريين والأعذار التي يقدمونها لعدم إعلان الحرب وبخاصة مع الأخبار السيئة التي تصل من بولندا لبذلك فإن شعوره الشخصي هو أنه بعد أن يتلقى رد هاليفاكس على هذا التلغراف يخبر رئيس الوزراء أنهم لا يمكنهم أن ينتظروا أكثر من 24 ساعة ويضيف إلى ذلك أنهم لو أصروا على طلبهم فإن هناك احتمال ولو أن لا يعتبره كبيرا في أن تسقط الحكومة حينئذ سيكون علينا أن واجه الملك بأن يختار بين قبول مطلبنا أو مواجهة النتائج التي تترتب على انهيار ثقتنا فيه ومع أنه كان مفروضا أن ينتظر لامبسون حتى يتلقى رد هاليفاكس متضمنا تعليماته فإنه تعجل الأمر وعاد إلى الضغط على رئيس الوزراء لإعلان حالة الحرب فقابله لهذا الغرض في صباح يوم 7 سبتمبر وهو نفس اليوم الذي أرسل فيه تلغرافه عن مقابلة 6 سبتمبر وربما كان سبب هذه العجلة إدراكه أن مجلس الوزراء سيجتمع في مساء نفس اليوم لمناقشة موضوع إعلان حالة الحرب.

قال لامبسون في تقريره عن هذه المقابلة أنه رأى من العدل أن يحذر رئيس الوزراء من أنه بعد أن تأخرت مصر ثلاثة أيام بعد دخول بريطانيا الحرب فإنه يتوقع أن يتلقى من حكومته تعليمات قاطعة بالإصرار على أن تعلن مصر حالة الحرب وقد رد رئيس الوزراء على ذلك بأن هذا الأمر قد أصبح معقدا بعد أن قام الألمان باحتجاز المصريين وموظفي المفوضية وسيتم إعلان حالة الحرب في الحال بعد أن يصحح هذا الوضع.

وقد رد لامبسون على ذلك بأن الموضوعين منفصلان وأن إعلان حالة الحرب لن يؤثر في موضوع احتجاز الرعايا حيني أن كلا من الطرفين قد قام فعلا بذلك لكن علي ماهر طلب المساعدة في هذا الموضوع وإلا فإنه سيتعرض للهجوم من جانب شعبه واقترح لذلك إطلاق سراح رجال المفوضية الألمانية في يوم السبت 9 سبتمبر بشرط أن يسمح لرجال المفوضية المصرية بمغادرة ألمانيا في مقابل ذلك وهو يرجو أيضا أن يوافق الجانب البريطاني على إطلاق سراح عدد آخر من الألمان في مصر يكفي لإقناع الحكومة الألمانية بالسماح للمصريين الآخرين غير موظفي المفوضية بمغادرة الألمانيا ورد لامبسون على ذلك بأنهم حريصون على مساعدته لكنه لن يتمكن من إجابته بشأن هذه الطلبات قبل الساعة السابعة مساء وهو الوقت المحدد لاجتماع مجلس الوزراء لمناقشة موضوع إعلان حالة الحرب لذلك عاد لامبسون كما يقول إلى الضغط على رئيس الوزراء بشدة ليعمل على التغلب على معارة زملاءه لسرعة إعلان حالة الحرب وقال إن مصر بموقفها قد تخلت عن أن تضرب مثلا يحتذيه العالم العربي في هذا السبيل وصدت العراق عن اتخاذ الخطوات السليمة وفقدت كثيرا مما كان يمكن أن تحرزه من فضل وزعزعت إلى حد كبير ثقة الحكومة البريطانية فيها وحين رد علي ماهر على ذلك بحرصه على إجماع الوزراء على القرار المطلوب قال لامبسون أنه كرجل قوي ينبغي أن يحبر زملاءه في هذا المساء على التزام الخط السياسي الذي يراه وأضاف إلى ذلك مهددا أنه يفضل أن يكتب إلى لندن بأن الموضوع سوى بطريقة مرضية على أن يعمل بمقتضى تعليمات قاطعة يتوقع أن يتلقاها من لندن في أية لحظة.

أثمر هذا الضغط نتيجته المرجوة، كما يقرر لامبسون فقد زاره في وقت متأخر من ليلة 7/8 سبتمبر سكرتير عام مجلس الوزراء يحمل إليه قرار ذلك المجلس بتكليف من رئيس الوزراء وكانت الرسالة التي حملها من علي ماهر كما يقول لامبسون هي أن مجلس الوزراء قرر بالإجماع الموافقة على إعلان حالة الحرب مع ألمانيا وأن وصول أخطار بهذا القرار إلى السفارة يتوقف علي أن يرسل السفير خطابا إلى رئيس الوزراء يقول فيه أن الخطوات التي اتخذت حتى ذلك الوقت وهي إعلان الأحكام العرفية وقطع العلاقات مع ألمانيا لا تكفي كأساس للإجراءات اللازمة لتأمين البلاد وسلامة القوات البريطانية وأن المطلوب هو إعلان حالة الحرب وقد فسر السكرتير العام لمجلس الوزراء ذلك بأنه إعلان الحرب الهجومية يستلزم دعوة البرلمان والأمر يختلف تماما إذا كان إعلان حالة الحرب بناء على طلب الحليفة بمقتضى التزامات المعاهدة.

وقد أضاف السكرتير العام إلى ذلك أن هناك ثلاث مسائل تقلق الوزراء المصريين هي:

(1) المراكب المصرية في البحر المتوسط وهم يطالبون بأن تقدم لها الإمبريالية البريطانية ما تقدمه للمراكب البريطانية.

2- وهم يرجون أن تقدم الحكومة البريطانية في سبيل إعادة المصريين الموجودين في الخارج مساعدة كالمساعدة التي تقدمها لرعاياها البريطانيين في نفس الظروف.

3- هناك بواخر مصرية في الطريق إلى الإسكندرية وأخرى غادرتها إلى مرسيليا دون أن تعلم شيئا عن احتمال قيام حالة الحرب وهم يطالبون بالعمل على إخطارها باللجوء إلى أقرب ميناء أو العودة إلى مصر، حسب الحالة وقد أجاب السفير على رسالة رئيس الوزراء بأنه سيعمل على الحصول على الخطاب المطلوب وأن الحكومة البريطانية ستبذل جهدها بالتأكيد لإجابة المطالب الأخرى

وقد خول هاليفاكس سفيره أن يوجه إلى الحكومة المصرية الخطاب المطلوب لكنه حين توجه في مساء 8 سبتمبر لمقابلة علي ماهر وتسليمه رد حكومته فوجئ بتراجع رئيس الوزراء على موقفه ذلك أنه تلقى تلغرافا من حسن نشأت باشا السفير المصري في لندن عن مقابلة تمت بنيه وبين مستر بتلر في وزارة الخارجية في يوم 6 سبتمبر وقد تضمن التلغراف قول السفير أنه اقترح على مستر بتلر شراء المواد الحربية من الولايات المتحدة عن طريق مصر التي يمكنها أن تقوم بذلك بسهولة باعتبارها غير محاربة وقد استخف السرور مستر بتلر لهذا الاقتراح وقال إنه سيتقدم به إلى لورد هاليفاكس.

وقد علق رئيس الوزراء على هذا الخبر بأنه يغير الوضع: فزملائه مصرون على أنه يؤثر بشكل أساسي على قرار المجلس في الليلة السابقة بشأن إعلان حالة الحرب كما أن الملك فاروق بعث إليه بمذكرة عاجلة بنفس المعنى فقال السفير بغضب إنه يرجو ألا ينساق الملك إلى اتخاذ موقف تترتب عليه نتائج يؤسف لها وعبر عن استيائه لموقف رئيس الوزراء وقال إن السفير المصري ربما أساء فهم مستر بتلر، وإن المقابلة تمت من يومين وتعليمات لورد هاليفاكس جبت ما قبلها لكن ذلك لم يقنع علي ماهر بتغيير موقفه، وقال إنه إزاء رسالة الملك وموقف زملائه لا يملك عمل شيء حتى يسوي التعارض بين تعليمات لامبسون وتقرير حسن نشأت. وعلق لامبسون على ذلك بأن ما أذاعه الراديو الفرنسي من أن الألمان في وارسو، ربما يكون هو الذي غير الموقف وقد عاد إلى الضغط على رئيس الوزراء في اليوم التالي لكن دون جدوى ذلك أم موقف الملك فيما يبدو قد حسم الأمر خاصة وقد أرسل إلى علي ماهر فتوى من عبد الحميد بدوي بأن إعلان حالة الحرب يستلزم دعوة البرلمان وكان علي ماهر يخشى قوة الوفد في مجلس الشيوخ

وجد علي ماهر نفسه في وضع سيء فتحرك في ثلاث اتجاهات: دعا مجلس الوزراء إلى الانعقاد في 9 سبتمبر لمناقشة موضوع إعلان حالة الحرب وأرسل في نفس اليوم إلى لامبسون مذكرة يوضح موقفه من هذا الموضوع وأرسل إلى حسن نشأت ليتصل بالخارجية البريطانية يشكو ضغط السفير عليه.

وقد رجع مجلس الوزراء في قراره السابق بإعلان حالة الحرب وقرر أنه يجب دعوة البرلمان إلى الانعقاد قبل إعلان الحرب أيا كانت طبيعة إعلانها هكذا حسم المجلس الموقف

أما مذكرة علي ماهر إلى السفير فقد تضمنت ست نقاط رئيسة هي:

(أ) لا يمكن إعلان الحرب الهجومية دون موافقة البرلمان والحالة القائمة هي حالة حرب هجومية غير مباشرة ضد بريطانيا مما يثير الشكوك ف اعتبار إعلان مصر الحرب يمكن أن يعتبر حربا غير هجومية.

(ث‌) حين تعهدت مصر قبل قيام الحرب بإعلان الحرب رسميا كان ذلك على أساس أن إيطاليا ستدخل الحرب وتهاجم القوات البريطانية في مصر ويستدل رئيس الوزراء على ذلك بطلباته المتكررة للأسلحة والتعزيزات.

(ج‌) اتخذت مصر بالفعل جميع الإجراءات التي طلبت الحكومة البريطانية اتخاذها وقد أعلنت السلطات العسكرية البريطانية في مصر رضاءها عن هذه الإجراءات التي يعتبرونها كافية

(ح‌) إعلان حالة الحرب رسميا لن يضيف إلى السلطات التي تتمتع بها الحكومة وستتخذ الحكومة جميع الإجراءات اللازمة.

(خ‌) أن مصر باعتبارها محايدة من الوجهة الفنية يمكن أن تكون أكثر فائدة لبريطانيا إذ ستحتفظ بعلاقاتها التجارية مع الدول المحايدة.

(د‌) لو نشأت حالة تستدعي اتخاذ إجراءات جديدة وضرورية لا يمكن اتخاذها دون إعلان حالة الحرب رسميا فإن رئيس الوزراء سينظر في اتخاذ أية خطوات دستورية لتحقيق ذلك وقد كتب لامبسون إلى هاليفاكس في 12 سبتمبر معلقا على هذه المذكرة وما تضمنته من نقاط فقال إن النقطة الثانية صحيحة والنقطتان الثالثة والرابعة صحيحتان فيما عدا عدم إعلان مصر حالة الحرب كما أن السلطات العسكرية البريطانية ترى أن عدم إعلان حالة الحرب قد أدى إلى بعض العقبات وقد يؤدي في المستقبل إلى قيام عقبات أخرى وخلص من ذلك إلى أن موقف الجانب البريطاني يتوقف على المقارنة بين المضار التي تترتب على هذه العقبات وتلك التي تترتب على فقدان تعاون مصر قلبيا وعن طبيب خاطر ودفعها إلى إعلان الحرب كارهة وانتهى إلى أن تقديره للموقف ككل هو أنه يحسن بالجانب البريطاني أن يسلم بأن الحكومة المصرية ليست على استعداد لإعلان الحرب في هذا الوقت

وقد انتهى هاليفاكس إلى نفس النتيجة وبخاصة بعد أن قابله حسن نشأت يوم 12 سبتمبر وأبلغه شكوى علي ماهر من ضغط السفارة فكتب إلى لامبسون في اليوم التالي بقول أنه يبدو أن فرصة الحصول على إجماع الوزراء على إعلان حالة الحرب قد ولت وأن هذا الإعلان لن يتم إلا بعد أن يعرض على البرلمان وقد ينتهي الأمر بالرفض لهذا فإنه لا جدوى من إعادة الضغط على الحكومة المصرية في هذا الموضوع

يمكن أن يستخلص الحقائق التالي من استعراض هذه الوثائق وأقوال المختصين المصريين:

في يوم أول سبتمبر طلب لامبسون من علي ماهر أن يفي بتعهداته لمستر بيتمان وبالتزامات مصر بمقتضى المعاهدة وذلك بأن تعلن مصر حالة الحرب حين تدخل بريطانيا الحرب فعلا كان ذلك في المقابلة الثانية بين الرجلين التي تمت في ذلك اليوم في المساء وفي الاجتماع الثاني لمجلس الوزراء الذي عقد في مساء ذلك اليوم أيضا عرض علي ماهر الموضوع على زملائه في هذا الاجتماع التزام علي ماهر الصمت واكتفى بأن يعرض عبد الحميد بدوي ومؤيدو الحرب من السعديين وغيرهم وجهة النظر المؤيدة للحرب ولا شك أن هذا الموقف أملته وعوده للجانب البريطاني ورغبته في الاحتفاظ بعلاقات ودية معه من جهة وإدراكه لاتجاهات السراي من جهة أخرى انتهى الأمر على أية حال بموافقة مجلس الوزراء على إعلان حالة الحرب بالأغلبية وهي الموافقة التي دفعت عبد الرحمن عزام إلى تقديم استقالته لكن علي ماهر أقنعه بسحبها فقد كان يدرك خطورة ذلك على مركزه في وقت لا يتمتع فيه البرلمان بأغلبية تمكنه من مواجهة العاصفة التي تتلو استقالة كهذه هذا الاجتماع وهذا القرار لا يظهر فيما لدينا من وثائق بريطانية لكنه واضح في تعهد علي ماهر رسميا وكتابة للسفير البريطاني في اليوم التالي كما تقول الوثائق البريطانية بأن الحكومة المصرية مستعدة لإعلان حالة الحرب ذلك أن علي ماهر ما كان ليعطي هذا التعهد دون قرار من مجلس الوزراء.

كان هذا اليوم الأول وكان التساؤل عاما عن موقف إيطاليا والخوف من هجوم تقوم به على مصر مع ضعف وسائل الدفاع عنها منتشرا وقد بدأ سفر الجنود المصرية إلى الحدود لتتخذ المواقع المحددة لها في حالة الطارئ وبدأ وعظهم لبذل النفس للدفاع عن بلدهم وبدأ أيضا كثير من رجال مصر وشبانها يتقدمون للتطوع في صفوف الجيش المصري بينهم كثر من المهندسين والأطباء وخريجي المعاهد العليا وعلماء الأزهر كل هذا توقعها لدخول إيطاليا الحرب لكن الأخبار أتت متأخرة عن قرار إيطاليا بعدم اتخاذ أي إجراء حربي ولا شك أن الملك فاروق كان يعبر عن رأي الكثيرين عندما قال للامبسون حين قابله في أصيل ذلك اليوم للحرب أنه لا شك أن إيطاليا تريد أن تبقى على الحياد وأن تظل على أطراف الصراع الدائر ترقب الحالة حتى تحين اللحظة المناسبة فتدخل فيه

في اليوم التالي اتضح موقف إيطاليا بشكل أكثر وبخاصة بعد أن قابل ما تزولينى وزيرها المفوض في مصر علي ماهر وأكد له ما تكنه إيطاليا لمصر من صداقة ومودة وأنها قد اعتزمت الاحتفاظ بحيدتها فلن تبدأ الهجوم على أية دولة أخرى وبدأت الجرائد المصرية تكتب عن حياد إيطاليا وكيف أنه يبعد عن مصر شبح دخولها الحرب فيوفر عليها ملايين الجنيهات وعشرات الأرواح من زهرة شبابها ورجحت بعض الجرائد استمرار موقف الحياد هذا ساعد هذا على بلورة الرأي العام واتجاهه إلى عدم دخول الحرب وصرح عبد الرحمن عزام أن مصر ستكون على حدود المعاهدة الإنجليزية أي أنها لن تزيد على التزاماتها بمقتضى المعاهدة شيئا.

كان هذا هو الجو العام في مصر حين أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا في الثالث من سبتمبر وقابل لامبسون رئيس الوزراء ولا شك أنه طالبه بالوفاء بتعهداته وإعلان حالة الحرب وهكذا أصبح على مصر أن تحدد موقفها فجمع علي ماهر مجلس الوزراء في مساء اليوم ليناقش الأمر من جديد كان طبيعيا في هذه الظروف أن يتغلب مصر حالة الحرب مع ألمانيا واكتفى مجلس الوزراء بقطع العلاقات الدبلوماسية واعتقال الرعايا الألمان من الرجال إلى هذا القرار يشير لامبسون حين يقول إنه قابل علي ماهر صباح اليوم التالي وحذره بشدة من الآثار المحزنة التي تركها في لندن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء في الليلة السابقة وحثه على إقناع زملائه الأربعة المترددين بالموافقة على إعلان حالة الحرب تلك كانت بداية تصاعد الضغط على رئيس الوزراء لإعلان حالة الحرب وقد أخذ هذا الضغط يتزايد فقابل لامبسون علي ماهر يوم 6 سبتمبر وحثة ثانية على إعلان حالة الحرب وعاد في صباح اليوم التالي ليزاول ضغطا شديدا عليه للتغلب على معارضة زملائه باعتباره رجلا قويا وإعلان حالة الحرب بل إنه تجاوز الضغط إلى التهديد بأنه من الأفضل أن يستجيب على أن يرغم على الاستجابة أو الاستقالة نتيجة معلومات قاطعة يتوقع لامبسون أن يتلقاها من لندن في أية لحظة

أثمر هذا الضغط الشديد والتهديد قرار مجلس الوزراء الذي بلغ إلى لامبسون قبيل صباح 8 سبتمبر وكان قرارا إجماعيا بالموافقة على إعلان حالة الحرب لكنها كانت موافقة مقيدة بتحفظ ومصحوبة بمطالب أما التحفظ فهو الحصول على خطاب من الحكومة البريطانية بعدم كفاية ما اتخذ من إجراءات وبضرورة إعلان حالة الحرب هو القشة التي أراد أن يتعلق بها علي ماهر ليسبح بعيدا عن الخطر الذي يخشاه من دعوة البرلمان للموافقة على الإعلان وهو يعتمد في ذلك على منطق عبد الحميد بدوي الذي بدأت به مشكلة إعلان الأحكام العرفية ويقضي بإمكان إصدار القرارات والقوانين المنفذة للالتزامات مصر بمقتضى المعاهدة دون الحاجة إلى موافقة البرلمان لأن البرلمان سبق أن وافق على القانون الذي صدرت به المعاهدة كما أنه اعتمد أيضا على فتوى عبد الحميد بدوي التي قال بها في اجتماع مجلس الوزراء يوم أول سبتمبر بأن مصر ملتزمة بدخول الحرب إلى جانب بريطانيا بمقتضى المعاهدة أما المطالب فكانت الثمن الذي قدم إلى الوزراء المعارضين للحصول على موافقتهم ولإرضاء الرأي العام وتتضمن المساعدة في عودة المصريين من الخارج وتأمين البواخر المصرية الموجودة حينئذ في البحر المتوسط

إن أي طرف يتخذ قرارا تحت ضغط يتلمس الفرصة للرجوع في هذا القرار خاصة إذا تغيرت الظروف بما يظهر الضرر منه وهذا ما حدث ففي نفس اليوم الذي بلغ فيه لامبسون بالقرار وصل تلغراف من السفير المصري في لندن عن مقابلة تمت بنيه وبين مستر بتلر في وزارة الخارجية البريطانية في يوم 6 سبتمبر وكان مضمون جانب من الحديث فيها ترحيب مستر بتلر بفكرة استفادة بريطانيا من وضع مصر كدولة غير محاربة في شراء المواد الحربية من الولايات المتحدة عن طريقها وقوله أنه سيعرض ذلك على لورد هاليفاكس يضاف إلى ذلك الأخبار التي وصلت عن انتصارات الألمان الكاسحة في بولندا ووصول قواتهم إلى ضواحي وارسو وقد قوى ذلك من موقف الفريق من الوزراء الذي كان معارضا لإعلان حالة الحرب فرجع في موافقته على الإعلان أما الفريق الموافق على الإعلان فقد آثر أن يتأنى لكن الجديد في الموضوع أن الملك أسفر عن موقفه فرمي بثقله إلى جانب المعارضين واستخلص فتوى عبد الحميد بدوي بأن إعلان حالة الحرب يستدعي دعوة البرلمان هذه الخطة من الملك وفتوى عبد الحميد بدوي حسمت موقف علي ماهر الذي كان يخشى عرض الموضوع على البرلمان وما كان يمكنه أن يتغاضى عن موقف الملك ووزارته وزارة القصر.

يقول لامبسون في إيضاح مخاوف علي ماهر تلك أنه متخوف من مجلس الشيوخ بالات لكن حسن نشأت في حدث مع هاليفاكس حيت أبلغه شكوى علي ماهر من ضغط السفارة عليه يزيد هذا الأمر إيضاحا فيقول معلقا على الموقف من إعلان حالة الحرب بأنه لا يمكن ضمان الموافقة على الإعلان في البرلمان بالإجماع وأن الاعتراض عليه حتى لو كان من 10٪ من الأعضاء سيكون أمرا مؤسف له ولا شك أن حسن نشأت يقصد بذلك أن قرار إعلان حالة الحرب إلى جانب بريطانيأن عودة الوطنية المصرية حتى معاهدة 1936 يجب أن يكون بالإجماع ليكون ملزما للجميع فلا تقوم ضده معارضة تضعف موقف الحكومة وتحول دون قيام وحدة وطنية خلفها وإلى جانب بريطانيا عودة الوطنية المصرية حتى معاهدة 1936 يجب أن يكون بالإجماع ليكوم ملزما للجميع فلا تقوم ضده معارضة تضعف موقف الحكومة وتحول دون قيام وحدة وطنية خلفها وإلى جانب بريطانيا وقد أضاف حسن نشأت إلى قوله هذا أن الحقيقة هي أنه يمكن ضمان الموافقة عليه حتى بالأغلبية لأنه ليس لعلي ماهر نفوذ على المستقلين وهم في حقيقة الأمر وفديون لا يكشفون عن وفديتهم تلك هي الأسباب التي جعلت المجلس في 9 سبتمبر يرجع في القرار الذي اتخذه قبل ذلك بيومين بإعلان حالة الحرب وذلك بموافقة مختلف الأطراف في المجلس.

هذه القرارات الأربعة المتعارضة بين أيام 1و9 سبتمبر، والتي بدأت بالموافقة على إعلان حالة الحرب وانتهت برفض ذلك الإعلان، توضح صراعا داخل المجلس بين مؤيدي إعلان حالة الحرب والمعارضين وكانت النتيجة المتغيرة لهذا الصراع هي محصلة تفاعل عوامل ثلاث أساسية هي الموقف الدولي وبخاصة الموقف العسكري وقوة الضغط البريطاني أما العامل الثالث فهو الموقف الداخلي وأثر العاملين السابقين عليه.

حين كان خطر الهجوم الإيطالي ماثلا لم يكن أمام مصر بضعفها العسكري سوى أن تقف مع بريطانيا وهكذا صدر قرار بإعلان حالة الحرب حين تعلنها بريطانيا وحين وضح أن الخطر الإيطالي ليس داهما وأن الأمر سيصبح زجا بمصر في حرب لا شأن لها بها بين ألمانيا وبريطانيا العدو الحقيقي لأماني مصر القومية رجع المجلس عن قراره وأصبح الوضع كما قال عبد الرحمن عزام، الوقوف عند حد المعاهدة حينئذ أخت انتصارات الألمان في بولندا تضغط على كل من الجانبين في اتجاه مضاد للاتجاه الذي تضغط به على الجانب الآخر فالجانب البريطاني رأى ضرورة إدخال مصر بسرعة في الحرب إلى جانبه، لأن أي تأخير في ذلك سيؤدي إلى زيادة ترددها وعدم دخولها في النهاية أما الجانب المصري فإنه إزاء هذه الانتصارات وإزاء التضحيات والمشكلات التي ستترتب على الحرب ومنها مشكلة المصريين المحتجزين في ألمانيا التي أصبح يخشى أن تؤثر على الرأي العام في مصر، وقد رأى أن تبقي مصر بعيدا عن الحرب وخاصة وأنه سيكون من الصعب إقناع البرلمان والرأي العام بدخولها وهكذا وقع علي ماهر ضغط بريطاني عنيف بلغ حد التهديد بضرورة إعلان حالة الحرب فخضع مجلس الوزراء للضغط وصدر قراره بالموافقة على الإعلان لكن ذلك كان إلى حين فإن وصول الألمان إلى ضواحي وارسو قوي من المعارضة في مجلس الوزراء ورمي فاروق بثقله إلى جانبها فعدل المجلس عن قراره نهائيا.

واضح من هذه الصورة لمشكلة إعلان حالة الحرب أن الاعتماد الأساسي في تكوينها على الوثائق البريطانية وأخبار الجرائد الصادرة مع الاستعانة بالمصادر المصرية الثلاث عي ماهر ومحمد صبيح وعبد الرحمن عزام. بتحفظ ونلاحظ أن المصدر الثاني يروي عن المصدر الأول وعن محمد صالح حرب والحقيقة أن كلا من هذه المصادر الثلاث لا يصور سوى وضعا واحد هو الوضع الذي يناسبه من موقف متطور متغير فعلي ماهر في شهادته في قضية أمين عثمان وفيما أدلى به إلى محمد صبيح من معلومات ينسب لنفسه فضلين هما تجنيب مصر الدخول في الحرب ومحاولة مساومة بريطانيا لاستكمال استقلال مصر مقابل دخولها الحرب الوثيقة التي نشرها محمد صبيح وسنرى أن الوثائق البريطانية تؤكد صحتها وما نشره عبد الوهاب محمد صبيح سنرى أن الوثائق البريطانية تؤكد صحتها وما نشره عبد الوهاب طلعت في الأهرام، والوثائق البريطانية التي أشرنا إليها تؤكد صحتها وما نشره عبد الوهاب طلعت في الأهرام، والوثائق البريطانية التي أشرنا إليها توضح أن علي ماهر ليس له نصيب كبير من الفضل الأول، وأن السبق في هذا كان لغيره فتلك المصادر تثبت أنه أرسل في يوم 2 سبتمبر إلى السفير البريطاني رسميا يوضح استعداده لإعلان حالة الحرب كما أنه وافق على إعلان حالة الحرب في اجتماع مجلس الوزراء يوم 7 سبتمبر كما أنه عبر للامبسون عدة مرات عن استعداده شخصيا لإعلان حالة الحرب وأن ما يعوقه هو حاجته إلى إجماع زملائه الوزراء والحق أن علي ماهر كرئيس للوزراء قد اتخذ هذا الفضل لنفسه واستغله كرصيد سياسي يرتكن عليه ويباهي به فيما بعد حين تبلور الرأي العام واستقر على تجنيب مصر أن تساق إلى دخول الحرب أما موضوع مساومة بريطانيا لاستكمال استقلال مصر فيغلب أنها لم تكن فكرة علي ماهر بل فكرة عبد الحميد عزام يبدو هذا مما يقوله محمد صبيح بناء على معلوماته من علي ماهر نفسه من أن عبد الرحمن عزام كان يري التفاهم للحصول على مكاسب من الإنجليز يضاف إلى ذلك أن ما تحت يدنا من وثائق بريطانية يخلو من أية إشارة لمحاولة علي ماهر القيام بهذه المساومة بنفسه وكل ما تتضمنه هو ما قاله لامبسون عن مقابلته لعلي ماهر يوم 4سبتمبر من أن رئيس الوزراء وافق على أن يطلب إلى عزام باشا كان عزام حينئذ حائزا على لقب بك فقط أن يناقش في الحال اعتراضاته على (إعلان حالة الحرب) مع مستر بتمان وهذا يعزز رواية عبد الرحمن عزام في مجلسة آخر ساعة من أنه كان معارضا لإعلان الحرب، ولو أنه كان من رأيه أن ذلك قد يكون مقبولا لو كان هناك مقابل له كوعد بالجلاء وتعويض عن الخسائر وأنه قام بناء على طلب علي ماهر بالاتصال بالجانب البريطاني لإقناعه بعدم الإصرار على طلبه وأن الاتصالات أسفرت عن إصرار الجانب البريطاني لإقناعه بعدم الإصرار على طلبه وأن الاتصالات أسفرت عن إصرار الجانب البريطاني لإقناعه بعد الإصرار على طلبه وأن الاتصالات أسفرت عن إصرار الجانب البريطاني على عدم تقديم أي تنازلات مقابل إعلان الحرب أي أن محاولة المساومة تمت لكن عن طريق غير رئيس الوزراء ولو أنها بعمله وكانت ضمن جملة اعتراضات أثارها عبد الرحمن عام وربما كان هذا هو السبب في إهمال ذكرها تفصيلا في الوثائق البريطانية وفي عدم أخذها مأخذ الجد باعتبارها وجهه نظر فردية هذا الموقف المتخاذل من علي ماهر يرجع إلى ضعف موقف وزارته وحساسية العلاقات بينه وبين الجانب البريطاني.

لقد ركز علي ماهر في أقواله في قضية مقتل أمين عثمان وفي معلوماته التي أدلى بها إلى محمد صبيح على قرار مجلس الوزراء يوم 9 سبتمبر بعدم إعلان حالة الحرب، واتخذ لنفسه الفضل في الوصول إلى هذا القرار وتجاهل تماما قراري الأول والسابع من سبتمبر بإعلان حالة الحرب بل إنه نفي صحة ما ورد في الوثيقة التي نشرها محمد صبيح عن اجتماع مجلس الوزراء في 7 سبتمبر وما تضمنته من قرار ومن مواقف الوزراء المختلفين من موضوع الإعلان

تلك الوثائق صحيحة رغم تكذيب علي ماهر وصالح حرب ما تضمنه من بيانات يؤكد صحتها تلغراف لامبسون إلى هاليفاكس في 8 سبتمبر متضمنا أخبار زيارة محمد كامل سليم سكرتير عام مجلسا الوزراء وما أبلغه به من قرار مجلس الوزراء في مساء 7 سبتمبر يتضح من هذا أنه لا يمكن الأخذ بما روي نقلا عن ماهر وصالح حرب دون الاستناد إلى مصادر أخرى تؤيده.

أما المصدر الثالث عبد الرحمن عزام فإن ما يرويه من اعتراضه على إعلان حالة الحرب دون الحصول على مكاسب من بريطانيا تؤكده رواية محمد صبيح والوثائق البريطانية كما سبق أن أوضحنا لكنه بدوره يركز في كلامه على اجتماعي مجلس الوزراء أيام الأول والتاسع من سبتمبر ويتجاهل اجتماع السابع من سبتمبر الذي صدر فيه قرار المجلس بالإجماع بإعلان حالة الحرب كما أنه يقرر أنه وحده الذي اعترض على الإعلان بينما تثبت الوثيقة التي نشرها محمد صبيح وتثبت الوثائق البريطانية أنه كان هناك آخرون معارضون وهذا يسوقنا إلى المعارضين والمؤيدين من الوزراء لإعلان حالة الحرب.

ناقشنا موقف علي ماهر من موضوع الإعلان ويبقى باقي الوزراء عبد الرحمن عزام يشير إلى معارضته وحده للإعلان في اجتماع أول سبتمبر وإلى استمرار معارضته له تقرير عبد الوهاب طلعت الذي نشره محمد صبيح عن اجتماع 7 سبتمبر يشير إلى معارضة مصطفى الشوربجي بك وزير العدل للإعلان على أساس إن ما تم فوق الكفاية وأن المعاهدة لا تلزمنا بشيء أكثر من ذلك وليس لمصر شأن في الخلاف القائم الآن ويشير أيضا إلى أن عبد الرحمن عزام مع موافقته لرأي الشوربجي يرى الانتظار حتى يعود كل المصريين من الخارج وكذلك البواخر المصرية كما يشر إلى وجود فريق يوافق على الإعلان ويتكون من حسين باشا سري ومحمد علي علوبة باشا وآخرين أما الوثائق البريطانية فتشير إلى معارضة أربعة وزراء للإعلان ذكر منهم لامبسون عبد الرحمن عزام ومحمد صالح حرب وأشار إلى أنه يقال أن عدم إعلان حالة الحرب يرجع إلى نفوذ عزام إلى حد كبير ويذكر حسين سري باشا وزير المالية للامبسون أن المعارضين هم عزام وغالب أي محمود غالب باشا وزير المواصلات.

أما الموافقون على الإعلان فتذكر منهم تلك الوثائق حسين سري ومحمود فهمي النقراشي

يتضح من هذا أن المعارضة الأساسية النشطة كانت من عبد الرحمن عزام ومصطفى الشوربجي والأخير أصلا حزب وطني وأن المعارضين الآخرين هم صالح حرب ومحمود غالب أما الموافقون فأبرزهم حسين سري والنقراشي وعلوبة لكن ينبغي أن نلاحظ أن المعارضة اضطرت إلى التخلي عن موقفها تحت التهديد البريطاني وذلك في اجتماع يوم 7 سبتمبر الذي صدر فيه قرار الإعلان بالإجماع والملاحظة الأخيرة في هذا الموضوع هي استمرار ما أشرنا إليه من انقسام السعديين فيما يختص بالحرب ويوضح ذلك موقف كل من النقراشي ومحمود غالب.

ننتقل الآن إلى الأسباب التي أدت بالمصريين إلى عدم إعلان حالة الحرب وتلك التي جعلت الجانب البريطاني يلح ويصر على إعلانها.

يتضح مما سبق أن إعلان حالة الحرب يرجع إلى أسباب متعددة هناك أسباب أصيلة وقائمة من البداية من ذلك عدم وجود قوات كافية مصرية كانت أو بريطانية للدفاع عن مصر يضاف إلى ذلك عدم دخول إيطاليا الحرب وبذلك أصبح النزاع القائم بين ألمانيا وبريطانيا أمرا لا يعني مصر والدخول فيه لا يحقق لها مصلحة خاصة وليس في صالحها ولو امتدت الحرب إلى مصر نتيجة انسياقها إلى الدخول فيها ستكبدها كثيرا من التضحيات في الأموال والأرواح كل هذا إرضاء لبريطانيا العدو الأول للأماني الوطنية مما جعل الرأي العام ضد دخول الحرب أما فيما يختص بالمعاهدة فكان الرأي أنها لا تلزم مصر بدخول الحرب وأن مصر قدمت ما يتجاوز التزاماتها بمقتضاها هناك أسباب طارئة مثل انتصارات الألمان الكاسحة في بولندا والمشاكل التي أخذت تظهر بعد قيام الحرب ومن أهمها احتجاز المصريين في ألمانيا والخوف على الملاحة المصرية في البحر المتوسط وعلى اتصالات مصر وتجارتها مع أوروبا هناك أيضا أسباب خاصة بوزارة علي ماهر نفسها وهي عدم وجود أغلبية برلمانية تساندها وتمكنها من الحصول على موافقة البرلمان على إعلان حالة الحرب واعتماد علي ماهر على تأييد القصر في الوقت الذي رمي فيه الملك بثقله إلى جانب المعارضين لإعلانها.

أما الجانب البريطاني وبخاصة لامبسون فكان إصراره على أن تعلن مصر حالة الحرب عنيدا وملحا بوضوح ما أشرنا إليه من تهديد لامبسون لعلي ماهر يضاف إلى ذلك أنه حتى بعد أن تخلى لامبسون وهاليفاكس عن فكرة الضغط لإعلان حالة الحرب بعد قرار مجلس الوزراء المصري الأخير عاد الأول في 16 سبتمبر يقترح العودة إلى تهديد علي ماهر بالإقالة إذا لم يعلن حالة الحرب كان إصرار عنيدا وملحا رغم ما أوضحه الجانب المصري من أن الإعلان لن يزيد شيئا على السلطات الواسعة التي حصل عليها بمقتضى الأحكام العرفية وأن مصر كبلد محايد أكثر فائدة لبريطانيا منها كبلد محارب ورغم المحاذير التي كان الجانب البريطاني يدرك أنها ترتبط بما يمارسه من ضغط من ذلك كما يقول لامبسون احتمال سقوط الوزراء ومواجهة الملك بأن يختار بين الاستجابة للمطالب البريطانية أو التخلي عن الحكم وما يترتب على الضغط من دخول مصر الحبر كارهة وتكرار ما حدث خلال الحرب العظمى الأول وما بعدها تلك كلها احتمالات لها خطرها على الجبهة الداخلية التي رأينا أن الجانب البريطاني كان شديد الحرص علي صيانتها لذلك كان مترددا في أن يبلغ بضغطه المدى.

هذا الإلحاح في الحقيقة تبرره بعض الحقائق من ذلك ما سبقت الإشارة إليه من ضعف القوات البريطانية في مصر في مواجهة القوات الكبيرة التي حشدتها إيطاليا في ليبيا مما جعل الجانب البريطاني يدخل في حساباته دخول مصر الحرب ووضع الجيش المصري الصغير الحديث التسليح تحت قيادته وتبرره أيضا الأسباب التي تذكرها الوثائق البريطانية من ذلك التأثير الأدبي الكبير في الشرق الأدنى لإعلان مصر حالة الحرب فقد كان مفوضا أن تضرب مصر بذلك مثلا وتقود العالم العربي في هذا الطريق وقد كان لامتناعها في رأي الجانب البريطاني أثر سيء على العراق الذي تردد هو الآخر ولم يعلن حالة الحرب بل لم يعلن الأحكام العرفية من ذلك أيضا أن عدم إعلان حالة الحرب قد يؤدي في المستقل إلى عدم تقديم التسهيلات اللازمة إلى الجانب البريطاني خاصة وقد أدى فعلا إلى بعض العقبات التي وضعها الموظفون المصريون يضاف إلى ذلك الخوف من أن إحراز ألمانيا بعض الانتصارات في المستقبل قد يؤدي إلى تردد مصر في الموافقة على أية إجراءات يحتمل أن تغضبها أي أن الجانب البريطاني كان يخشى انتقاض مصر عليه في حالة انتصار ألمانيأن وأنه بإصراره على إعلان حالة الحرب كان يريد أن يقطع الطريق على ذلك ويضمن استمرار مصر إلى جانبه وارتباطها نهائيا بمعسكره.

يؤكد هذه الفكرة الأخيرة عودة لامبسون في 16 سبتمبر إلى فكرة الضغط على رئيس الوزراء وتهديده لإعلان حالة الحرب ذلك أنه كما يقول لهاليفاكس وصلته معلومات تؤكد أن علي ماهر يتبع سياسة ذات وجهين وأنه على اتصال مستمر بوزير إيطاليا المفوض وفي نفس الوقت كتب إليه هاليفاكس أن القائم بالأعمال المصري في برلين قرر أن أعضاء المفوضية والقنصليات المصرية سيغادرون ألمانيا في 12 سبتمبر وأن الحكومة الألمانية قد سمحت للمصريين بمغادرة ألمانيا بأمتعتهم وقد أخبر القائم بالأعمال المصري الحكومة الألمانية أن ممثلها في مصر سيسمح له بمغادرتها بالتكريم اللازم ولم تفرض أية قيود على مغادرة الرعاية الألمان لمصر وأن الحكومة المصرية وأن الحكومة المصرية قطعت علاقاتها الدبلوماسية بألمانيا ولكنها لن تعلن حالة الحرب معها لذلك اقترح لامبسون أن يخبر رئيس الوزراء أنه يجب عليه أن يعلن حالة الحرب فإذا رفض يخبره بأن لديه تعليمات بمقابلة الملك فاروق خلال 24 ساعة وفي هذه الحالة قد ينتزع منه الإعلان فهؤلاء الناس كما يقول لامبسون جبناء حين يواجهون لحظة الحسم وعلي ماهر لا يريد أن يتخلى عن منصبه الآن وفي هذه الظروف.

وهذا يعدو بنا إلى ما سبق الإشارة إليه من حرص الجانب البريطاني على تأمين الجبهة الداخلية كشرط أساي لازم لتأمين القاعدة البريطانية في مصر.

والآن كيف قابل الجانب البريطاني رفض مصر إعلان حالة الحرب؟

كانت الحكومة البريطانية والعسكريون البريانيون كما كان لامبسون يتوقع أن تدخل مصر الحرب إلى جانب بريطانيا وكان لامبسون يعتقد أن شعور غالبية الشعب المصري كان متجها من صميم القلب إلى جانب الدول الديمقراطية وضد النازية ولو كان هناك قائدا يعيد النظر لسار وراء هذا التيار الشعبي وألقى بثقله بإخلاص إلى جانب الحلفاء وأعلن الحرب على ألمانيا هذا الاتجاه كان كفيلا بالقضاء على جميع المؤامرات الموالية لألمانيا في بعض الدوائر العليا تلك المؤامرات التي تلت ذلك وأدت إلى حدوث تدهور لا ينصب على الموقف فحسب بل على مصير رئيس الوزراء نفسه ذلك لأن دعوة البرلمان بصفة عاجلة للموافقة على إعلان الحرب والأحكام العرفية إبان الشعور الشعبي الذي كان سائدا في الأيام الأولى في شهر سبتمبر كان من الممكن أن تؤدي بسهولة إلى حصول رئيس الوزراء على أغلبية لا شك فيها في المجلسين حيث لم يكن الوقت قد انفسح بعد للمؤامرات الحزبية للإفصاح عن المعارضة التي أظهرتها فيها بعد لرئيس الوزراء شخصيا نظرا لما كان سيحرزه علي ماهر باشا م قوة نتيجة تأييد البرلمان وثقة حكومة حضرة صاحب الجلالة فإنه كان يستطيع باستخدام السلطات المخولة بمقتضى الأحكام العرفية بذكاء، أن يمضي بمهارة في طريقته شبه الدكتاتورية بحيث يصبح قادرا على كتم أنفاس المعارضين واستخدام البرلمان والجهاز الإداري لصالحه.

4- لكن علي ماهر باشا سلك الطريق المضاد ثم حاول أن يستغل عمله هذا لكي يظهر نفسه أمام الشعب المصري بأنه الرجل الذي يحميهم من المجهودات التي تبذلها بريطانيا لجر مصر إلى حرب عظمى كريهة وقد ظفر في بداية الأمر بتأييد ومحبة رخيصة.

5- إن بعض الأمراء والأميرات وبعض الارستقراطيين من الأتراك المتمصرين وصدقي باشا وأنصاره وجميع الذين يعادون بريطانيا ويوالون ألمانيا وجميعهم متحدون في الاتجاه مع السراي انتهز فرصة الموقف غير الواضح الذي خلقه علي ماهر باشا وانغمسوا إما في دعاية لصالح ألمانيا أو في شعور انهزامي غير مرغوب فيه

وهكذا كان لامبسون لا يمانع، في سبيل إعلان مصر الحرب على ألمانيأن في أن يكتم علي ماهر أنفاس المعارضة وبقيم حكما ديكتاتوريا في مصر، وقد اعتبر الموقف المائع بين الحرب والحياد الذي اتخذه علي ماهر مسئولا عما ظهر في اتجاهات معادية لبريطانيا وودية تجاه المحور أو اتجاهات انهزامية.

لذلك كان رد الفعل شديدا لدى الجانب البريطاني حين لم تعلن مصر الحرب علي ألمانيا واتضحت له سياسة علي ماهر ذات الوجهين واتصالاته الودية بكل من إيطاليا وألمانيا يتضح هذا من تلغراف لهاليفاكس في 28 سبتمبر ورد لامبسون عليه في 2 أكتوبر 1939 يشير هاليفاكس إلى الأوضاع القائمة في مصر والأخطار المترتبة على استمرارها كما يشير إلى موضوع إحالة أمين عثمان صديق الإنجليز إلى المعاش وخطورة ذلك على نفوذ بريطانيا في مصر ويطلب من لامبسون رأيه في الوسائل التي تساعد على أن تقوم في مصر حكومة أفضل

وقد رد لامبسون بأن ذلك الموضوع كان يشغل فكره من مدة ثم استطرد:

1- لدي شعور بأن الحكومة الحالية هي نبت ضار، وأن استمرارها في الحكم سيؤدي إلى تزايد ضعف نفوذنا في مصر لكي ينبغي أن أعترف أن هذا الرأي في الوقت الحالي قائم على الحدس والتقولات أكثر منه على حقائق يكن الإشارة إليها.

2- حين نذكر ما هو في جانب الحسنات من علي ماهر يجب أن نشير إلى أنه بث نشاطا دافقا في كل ما مسته يداه وأنه فيما عدا إستثنائين بارزين هما إعلان الحرب واعتقال الشخصيات الألمانية الهامة قد أجاب جميع مطالبنا بسرعة وأصدر تشريعات الطوارئ بسرعة تفوق ما كان يمكن توقعه من أية حكومة مصرية أخرى أما فيما يختص بالاستثنائيين المذكورين، فإن موقفه قد يعزي إلى الخوف من نتائج الحرب، وقد يتغير مع أول نصر حاسم يحرزه الحلفاء.

3- وحين نذكر ما هو في جانب السيئات منه نشير إلى الآتي: علي ماهر عمليا هو رئي الوزراء ورئيس الديوان الملكي في نفس الوقت لأن صنيعته عبد الوهاب طلعت وكيل الديوان الملكي يصرف أعمال الديوان عمليا عن طريقه وذلك أصبح الملك معزولا تحت نفوذ علي ماهر المتهم بأنه يستخدم الأحكام العرفية في خنق جميع أنواع المعارضة خارج السراي.

4- التقارير التي تصل من مصادر مختلفة تشير إلى أن الجو داخل السراي وبين العناصر الارستقراطية المتصلة بها باستثناء الأمير محمد علي يميل إلى أن يكون معاديا لبريطانيا بل ومواليا لألمانيا وحيث لا يكون مواليا لألمانيا فإنه يكون جوا انهزاميا ويقال أن علي ماهر يتكلم علانية عن خلافاته مع السفارة، ونسب إليه الرغبة في دق إسفين بين السفارة والسلطات العسكرية البريطانية وذلك بإظهار السفارة بمظهر التشدد بشكل غير معقول وإظهار العسكريين بمظهر المهدئ وفي نفس الوقت يقال أن علي ماهر ينسب إلى نفسه أنه يقاوم مطالب بريطانيا غير العادلة ومحاولاتها إقامة شبه حماية على مصر.

5- يقال أيضا أن عزيز المصري وعزام وصالح حرب يحاولون، على الجانب العسكري أن يديروا أداة الحرب المصرية بطريقة تقضي على نفوذ البعثة العسكرية البريطانية.

6- إن فصل أمين عثمان باشا وعبد الرازق أبو الخير باشا بفظاظة، وقد أنعم عليهما حديثا بأوسمة بريطانية قد فسرته دوائر كثيرة على أنه صفعة على الوجه قصد توجيهها إلينا عن عمد وهناك دلائل أخرى تشير إلى أن علي ماهر وهو ينفذ بالكامل التزامات مصر العسكرية بموجب المعاهدة المصرية البريطانية يستهدف في النهاية إضعاف قبضتنا على مصر عن طريق إضعاف نفوذنا فيها تدريجيا.

7- الزمن وحده هو الذي سيظهر لنا ما إذا كان هذا الرأي عن علي ماهر صحيح أم أننا أسأنا الحكم عليه لكن إذا وضعنا المصالح البريطانية في الاعتبار فإن شعوري أنه سيتعين عليه أن يذهب يترك السلطة عاجلا أكثر منه آجلا لكن هذا ليس بالأمر يتعجله المرء ولو أننا يجب أن نكون على استعداد لاتخاذ قرار سريع في أي وقت إذا استلزمته الظروف ذلك أنه لا يوجد في الوقت الحالي ما يدل على وجود معارضة عامة لعلي ماهر كما أنه يجب أن يكون في البال أننا لا نستطيع أن نتخلص منه دون الدخول في معركة كبرى مع الملك فاروق ولو أنه سيكون علينا عاجلا أو آجلا أن نواجه هذا الاحتمال بتصميم في الوقت الحالي لا يوجد مصري يجرؤ على أن يتحدث بصراحة إلى الملك فاروق فإن ما انتابه من جنون العظمة بالإضافة إلى نفوذ علي ماهر قد جعله جموحا لذلك فحين نعتزم اتخاذ إجراء سيكون من الضروري أن واجه الملك فاروق بوضوح وإذا قاومنا بعناد نقول له أنه، إذا لم يسلم بما نريد، سيكون عليه هو نفسه أن يذهب لكن يجب عينا في هذا الأمر أيضا أن نأخذ في حسابنا اتجاه الرأي العام وموقف الجيش وهو تهديد لا نوجهه في الظروف الحاضرة إلا إذا كنا على استعداد لتنفيذه بالقوة وهذا إجراء قد يصعب حاليا التوفيق بينه وبين أهدافنا والتزاماتنا الحربية.

8- إذا كان سيتعين علينا في النهاية أن نتدخل لتشكيل حكومة أدي إلى الرضاء، فإن خير أسلوب نتخذه الآن لتجنب تكتيل معارضة مصرية لتدخلنا هو أننا نعتبر الحكومة الحالية لا تمثل البلاد إلى حد يجعلها غير جديرة بالسلطات شبه الدكتاتورية التي يقتضيها قيام الأحكام العرفية.

9- المشكلة في هذا المجال هي عدم وجود ساسة قديرين يحلون محل عليم ماهر إلا إذا استرد محمد محمود صحته بشكل كافي هو بالتأكيد أفضل بكثير من علي ماهر لكني لا أظنه سيكون في حالة صحية مناسبة لبعض الوقت وفيما عدا ذلك لا يوجد حاليا أي مرشح مناسب.

10- لذلك فالخلاصة في رأي، هي أنه يحسن بنا في الوقت الحالي ألا نتدخل فعلي ماهر شخصيا ليست له شعبية ويبدو أن خير ما نفعله هو أن نرخي له الحبل حتى يقضي على نفسه وستأتي اللحظة المناسبة لتدخلنا حين يتزايد الشعور المعادي له إلى الحد الذي يجعل تدخلنا يبدو للشعب أمر مطلوبا بسبب الأخطار التي تترتب على استمرار نظام كهذا في زمن الحرب أو إذا بدأ يعبث بالدستور.

11- قد يمكننا الاجتماع غير العادي للبرلمان هذا الأسبوع من الوصول إلى تقدير أفضل لاحتمالات قيام معارضة جدية لعلي ماهر

الاجتماع غير العادي الذي يشير إليه لامبسون هو الاجتماع الذي نظر موضوع الأحكام العرفية. تزودنا هاتان الوثيقتان بالكثير سنتناولها بالتحليل مع إيضاحات تفصيلية نستعين فيها بتقرير لامسبون في 8 نوفمبر 1939 عن الموقف السياسي في الفترة السابقة عليه والتي تبدأ بتولي علي ماهر الوزارة بذلك نصل إلى الوضع بين علي ماهر والجانب البريطاني في نهاية الشهرين الأولين لقيام الحرب يتضح من الوثيقتين أن رأي الجانب البريطاني قد استقر على أن علي ماهر يجب أن يذهب عاجلا أكثر منه آجلا بالإضافة إلى عدم إعلانه الحرب واحتفاظه بعلاقات ودية مع ألمانيا وإيطاليا هناك أسباب أخرى لذلك على الجانب المدني عمل علي ماهر على تقوية مركزه الضعيف في الداخل بمحاولة كسب شعبية على حساب الجانب البريطاني وذلك بكشف محاولات لامبسون جر مصر إلى الحرب ومقاومة وزارته لها يضاف إلى ذلك استمرار وجود الجو المعادي لبريطانيا والموالي للمحور في السراي وبين الطبقات الأرستقراطية الملتفة حولها واعتبار علي ماهر مسئولا عن ذلك على أساس استمرار سيطرته على السراي واستمرار نفوذه لدى الملك عن طريق وكيل الديوان عبد الوهاب طلعت كما أن حالة بعض كبار الموظفين الموالين لبريطانيا وبخاصة أمين عثمان إلى المعاش قد اعتبر هجوما على النفوذ البريطاني في مصر وإضعافا له بذلك أصبح استمرار علي ماهر في الحكم خطرا على النفوذ البريطاني وعلى الجبهة الداخلية من وجهة النظر البريطانية.

أما على الجانب العسكري فإن جهود كل من صالح حرب وعزيز المصري وعبد الرحمن عزام بتأييد من علي ماهر كما يقول لامبسون قد سارت في ثلاث اتجاهات شعر بخطورتها وهي تكوين الجيش المرابط خارج نطاق وزارة الدفاع وإضعاف الثقة داخل الجيش ببريطانيا كقوة عسكرية وإضعافها نفوذ البعثة العسكرية البريطانية وإضعاف قبضتها على الجيش أما المرابط الذي أشرف على إنشائه وتولى قيادته عبد الرحمن عزام، فإن وجوده خرج نطاق وزارة الدفاع وبالتالي خارج إشراف البعثة العسكرية البريطانية قد أثار مخاوف الجانب البريطاني الذي ارتاب في أن الوزارة تريد بإنشائه أن يكون قوة تحت يدها تستخدمها عند اللزوم لتحقيق أغراض سياسية أما الاتجاه الثاني فيعزوه لامبسون إلى عزيز المصرية رئيس أركان حرب الجيش وهو أنه كان معجبا بقوة العسكرية الألمانية ونظامها وتفوقها وان يعتر عن هذه الأفكار في أحاديثه مع ضباط الجيش المصري مصغرا شأن الجيوش البريطانية وهكذا أصبح استمرار علي ماهر في الحكم ومعه الثلاثي العسكري يشكل من الناحية العسكرية خطرا على الجبهة الداخلية وعلى التعاون المنشود بين القوات المصرية والبريطانية.

هنا تبرز مسألة التخلص من علي ماهر وتمهيد السبيل لوزارة يرضى عنها الجانب البريطاني وهو ما طلب هاليفاكس رأي لامبسون يه من الجلي أن لامبسون وجد في ذلك مشكلة عويصة أجهد فيها دون أن يصل إلى حل يطمئن إليه ذلك أنه لم تكن هناك معارضة عامة وقوية في البلاد ضد علي ماهر تجعل التخلص منه أمرا يسيرا لا يثير مشاكل أو يؤدي إلى تعقيدات بل إن الأمر على العكس من ذلك فقد عمل علي ماهر على أن يكسب شعبية على أساس حرصه على مصالح الوطن ومقاومته للتدخل البريطاني يضاف إلى ذلك أن لامبسون كان واثقا من وقوف الملك فاروق إلى جانب رئيس وزرائه وهكذا أصبح التخلص من علي ماهر يستدعي في أغلب الأحوال التهديد بالقوة واستخدامها للتغلب على مقاومة الملك أو إنزاله عن عرشه، وهو أمر لا يبرره في ظروف الحرب سوى حدوث تهديد خطير لمصالح بريطانيا الجوهرية وهذا ما لم يحدث لأن مؤامرات السراي والولاء للمحور والكلام عن الضغط البريطاني أمور كانت محصورة في مجال الكلام ولم تخرج إلى مجال الأعمال الحقيقية يضاف إلى ذلك أنه لا يوجد في رأي لامبسون ساسة قد يرون يحلون محل علي ماهر سوى محمد محمود، وصحته حينئذ كانت أسوأ من أن تسمح له بتولي الحكم والاستمرار فيه لذلك رأى لامبسون الانتظار وعدم التدخل وفي نفس الوقت تشجيع المعارضة ضد علي ماهر على أساس أن تزايدها سيؤدي إلى تهيئة الجو والظروف المناسبة للتدخل.

وحتى هذا الحل لم يكن مما يطمئن إليه لامبسون ذلك أن تزايد المعارضة كان مشكلة تثير مخاوفه بنتائجها ووضع الملك كان مشكلة أخرى ويضع لامبسون المشكلتين على الوجه الآتي:

إذا واجه علي ماهر برلمان معاديا فيحتمل أن يفضل عدم المخاطرة بأحداث انقلاب والرجوع إلى منصبة كرئيس للديوان الملكي الذي حرص على تركه خاليا.

12- وإذا استجمع شجاعته وخاطر بالقيام بانقلاب فإننا سنقع في حيرة إذا رضينا بدكتاتورية مكروهة فسنواجه غضب الشعب على أساس أن تلك الدكتاتورية لا تقوم إلا بتأييد منا وبسبب حالة طوارئ قمنا بفرضها وإذا تدخلنا لمنع لا تقوم إلا بتأييد منا وبسبب حالة طوارئ قمنا بفرضها وإذا تدخلنا لمنع الانقلاب فإن مثل هذا التدخل الصارخ سيقحمنا ثانية إلى حد بعيد في الصراع السياسي الداخلي الذي كان أملنا أن نخلص أنفسنا منه كنتيجة للمعاهدة المصرية الإنجليزية.

13- وإذا ما قرر علي ماهر باشا الاستقالة ونجح في العودة إلى عمله كرئيس للديوان الملكي وأشعر أنه سيكون من الصعب منعه من ذلك فأنه سيكون في استطاعته أن يجعل وضع أي رئيس وزراء مستقل في حكم المستحيل وسيواصل عزل الملك عن كل نفوذ جدي سوي نفوذه هو مما يلحق الضرر بأي حكومة صالحة، بل وربما بالعلاقات المصرية البريطانية

أما الملك فإن استهتاره وطبعه الاستبدادي وتأثير علي ماهر عليه، كما يقول لامبسون يجعل من المتعذر قيام حكومة مناسبة في مصر حتى تحل مسألة الملك إما بتحسن في سلوكه أو بوجود قيد رادع على استبداده. وهكذا أصبح علي لامبسون أن ينتظر للتخلص من علي ماهر والقضاء على مقاومة الملك أمرا من اثنين: إما حدوث أعمال حقيقية يقوم بها أشخاص مسئولون ضد مصالح بريطانيا الجوهرية أو قيام ظروف تهدد مصالح بريطانيا ومركزها في مصر تهديدا خطيرا حينئذ كما يقول لامبسون يمكن تطبيق العلاج الحقيقي الوحيد وهو أن نفرض على الملك رئيس وزراء مناسب وكذلك رئيسا مناسبا للديوان الملكي وأن نجبر جلالته على العمل بنصائحها وقد يجبرنا هذا العمل في النهاية إلى ضرورة وضع مالك يرضي الجميع على عرش مصر

الخلاصة أن عدم إعلان حالة الحرب والاحتفاظ بصلات ودية بدولتي المحور، وموقف الملك بالإضافة على العوامل الأخرى التي أشرنا إليها قد جعلت الجانب البريطاني وبخاصة لامبسون يعود إلى انطباعه الأول من علي ماهر باعتباره شخصا مراوغا متآمرا ميالا إلى المحور ولا يؤمن جانبه وعن ميول السراي الودية نحو المحور وتبلور اتجاه الجانب البريطاني منذ منتصف سبتمبر 1939 على أن علي ماهر يجب أن يذهب وإلى كان ذهابه يعتبر مسألة وقت ومشكلة يترك حلها للظروف الضرورات كما أخذ الجانب البريطاني يوطن نفسه على احتمال حدوث مواجهة مع الملك قد تضل إلى حد استخدام القوة وإقصائه عن العرش هكذا أخذت السياسة البريطانية تسير في الطريق الذي أوصلها إلى طرد علي ماهر من الوزارة في يونيو 1940 وحادث 4 فبراير 1942.

الفصل السابع: علي ماهر يجب أن يذهب

علي ماهر بين وضع وزارته وعلاقته ببريطانيا:

والآن لنرى كيف تطورت الأحوال مع علي ماهر في مصر وفي علاقاته بالجانب البريطاني بما أدى في النهاية إلى استقالة تحت ضغط من بريطانيا في 27 يونيو 1940

أشرنا إلى المشكلة الدستورية التي واجهت علي ماهر بعد أن شكل وزارته، وتتلخص في أن وزارته كانت وزارة سراي وحكمه يمثل دكتاتورية السراي لكن مظاهر الحكم الديمقراطي كان ينبغي أن تراعي وكان ينبغي أن يكون للبرلمان دوره ولما كان علي ماهر مستقلا لا ينتمي إلى حزب يؤديه فقد كان موقفه ضعيفا في البرلمان بعد أن تخلى الأحرار الدستوريون عن الاشتراك في الوزارة ولم يشترك فيها سوى السعديون.

لذلك فقد واجه علي ماهر داخل البرلمان إذ كان عليه أن يحصل على تأييد داخله يكفل للحكومة تنفيذ سياستها رغم ضعف نصيب من التأييد الحزبي وقد رأينا نموذجا لهذا الحرج الذي واجهه في مسألة الأحكام العرفية وقد لجأ علي ماهر في مواجهة هذا الموقف إلى وسيلتين: في أول الأمر حين واجه أزمة الأحكام العرفية والمصاعب الاقتصادية والمالية التي تزايدت خطورتها بقيام الحرب بدأ سياسة التقارب مع محمد محمود لهذا الغرض لكن الأحرار الدستوريين رفضوا الاشتراك في الوزارة وذلك كما قالوا مع الاحتفاظ بخطة المعارضة البعيدة عن الإحراج والهدم مع الاستعداد الصادق للتشاور مع رئيس الحكومة في كل ما يتصل بالصالح العام أي أنهم رفضوا الوزارة ووعدوا بالتعاون ويلاحظ أن محاولة علي ماهر اكتسبت ثوب الدعوة إلى الوحدة وقيام وزارة قوية لكن جرائد الوفد كانت حريصة على الإشارة إلى أن ما يقال عن اشتراك الوفد في مباحثات لتشكيل وزارة قومية غير صحيح، مما يوضح أن الأمر اقتصر على محاولة دعم الوزارة بضم عناصر من المستقلين وأحزاب الأقلية، ولم تتسع لتتضمن قيام وزارة قومية يشترك فيها الوفد

أما الوسيلة الثانية فكانت التقرب إلى أعضاء البرلمان وإرضائهم وإجابة مطالبهم سواء أكانوا مستقلين أو حزبيين وذلك لكسب ودهم والحصول على تأييدهم فحين تبين تخوف النواب من أنه يعتزم زيادة سلطاته فإنه كما يقول لامبسون وافق على أنه قبل أن تقوم الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة بمقتضى الأحكام العرفية فإنهم يجب أن تعرضها على لجنة برلمانية لتنظرها على وجه الاستعجال وقد طور علي ماهر باشا بمهارة هذا الاتفاق ليصبح اتفاقا عاما يبحث الحكومة بمقتضاه مع مختلف اللجان جميع المسائل الهامة التي تحتاج إلى موافقة البرلمان وتحصل على موافقة عليها قبل تقديمها فعلا إلى البرلمان وقد كان هذا النظام جزيل الفائدة لرئيس الوزراء، ذلك أنه لم يكن برلمانيا ولا خطيبا مفوهأن كما كان يتعذر عليه أن يسوس المجالس الشعبية لكن تربيته القضائية كانت تمكنه من أن يناقش بشكل مقبول اللجان التي كانت موافقتها على مشروعاته تشكل ضمانا عمليا لموافقة البرلمان عليها ويبد أن هذه الطريقة قد سهلت في الوقت الحاضر عمل رئيس الوزراء في برلمان لا تستغله في الفترة التي نستعرضها فترة نوفمبر 1939- يناير 1940 أية مسائل ذات أهمية كبيرة فالميزانية والمسائل الأخرى لا تزال أمام اللجان.

وفي نفس الوقت بدأ رئيس الوزراء في الإكثار من توجيه الدعوات في المناسبات الاجتماعية إلى النواب والشيوخ من جميع الأحزاب بما فيهم الوفد ولا شك أنه يأمل بذلك في الحصول على ما كان يحلم به منذ وقت طويل وهو إيجاد سند قومي بظاهره، وفيما يختص بالأحرار، الذين سبق له أن أغراهم أثناء انتخابات رئيس المجلس يقصد رئيس مجلس النواب لوح أمامهم بالأمل في الوصول إلى الوزارة وبخاصة أولئك الذين ساءهم أنهم لم يدخلوا وزارة محمد محمود بل أنه لوح بمثل هذه الآمال لبعض الوفديين..

الأستاذ يوسف الجندي وآخرون من الوفديين الذين كان علي ماهر يحاول إغرائهم من زمن كانوا حريصين على أن يتقدموا للتعاون مع رئيس الوزراء لكن زعماء الوفد أدركوا أن مثل هذا التعاون لابد أن ينتهي إلى تدمير الوفد علي أيدي عدوهم الداهية ورغم الاعتراضات التي أثارها الأستاذ يوسف الجندي وآخرون ممن هم على مثل رأيه فقد قررت الهيئة التنفيذية للوفد أنه يجب على الوفديين ألا يحضروا أي حفل اجتماعي يقيمه علي باشا أو يشتركوا في مناقشات اللجان البرلمانية مع علي ماهر باشا فالوفد يعتبر تلك المناقشات خلف الكواليس عاملا على الحد من سلطات البرلمان وكان لنظام الوفد من القوة ما اضطر يوسف الجندي وغيره من المتأرجحين إلى الالتزام بما يقرره الوفد.

ومع ذلك فقد واصل علي ماهر باشا تودده إلى الوفد، ووصل في ذلك إلى الحد السماح بحرية نسبية في التصويت في الانتخابات الفرعية في إحدى دوائر الإسكندرية وقد أدى ذلك إلى أن مرشح الوفد تصدر القائمة واكتسح منافسيه من السعديين والأحرار.

انتهى تدليل الوفد هذا إلى انزعاج أحمد ماهر باشأن وكان قد بدأ يشعر بقلق بالغ لعداء أخيه الواضح للبريطانيين.

وقد فكر محمد محمود باشا بعض الوقت في الاتفاق مع الوفد وذلك نتيجة لاستيائه مع أحمد ماهر باشا والسعديين بعد انتخابات رئاسة المجلس مجلس النواب فقامت اتصالات بين الحزبين ودارت بعض مناقشات أوضحت عدم وجود أسس يقوم عليها الاتفاق فقد استمر الوفد يرفض قبول أية حكومة ائتلافية ويطالب بحكومة محايدة لإدارة البلاد حتى تسمح الظروف بإجراء انتخابات حرة

يتضح من تقرير لامبسون هذا أن موقف ماهر في البرلمان، ولو أنه تحسن بعض الشيء في الفترة التي يتناولها التقرير وهي فترة نوفمبر 1939 إلى يناير 1940 إلا أنه استمر مزعزعا ذلك أن أخيه الدكتور أحمد ماهر عندما اجتمع البرلمان في دورته العادية في نوفمبر 1939 فاز برئاسة مجلس النواب بتأييد من السراي متغلبا في ذلك على منافسه بهي الدين بركات باشا الذي أيده الدستوريون هذا الفوز دعم مركز علي ماهر وأضعف مركز محمد محمود، لكنه في نفس الوقت زاد من معارضة الدستوريين للوزارة ودفعهم إلى محاولة الاتفاق مع الوفد يضاف إلى ذلك أن تودد علي ماهر إلى الوفديين وعلاقاته السيئة مع الجانب البريطاني جعلت أخيه أحمد ماهر يشعر بالقلق لأنه رأى في ذلك بداية الطريق الذي يؤدي إلى عودة الوفد إلى الحكم وهو ما لا يريده أحمد ماهر لعدائه لزعامة الوفد القائمة من جهة ولوجود قضية البنك التجاري بينه وبين مصطفى النحاس، ولم يكن قد فصل فيها بعد من جهة أخرى لذلك فإن الهيئة البرلمانية السعدية عقدت في يناير 1940 اجتماعا ناقشت فيه الموقف السياسي وسياسة علي ماهر وقد انتقدت الأعضاء سياسة رئيس الوزراء وقررت الهيئة ألا يوافق الوزراء السعديون على القرارات الهامة في مجلس الوزراء دون موافقة مسبقة من الحزب

هذا الضعف الذي اتسم به موقف علي ماهر في البرلمان جعل موقف وزارته ضعيفا بوجه عام، حيث كان سندها الوحيد هو السراي وقد زاد من ضعف الوزارة ما واجهته من مشاكل داخلية وبخاصة في النواحي الاقتصادية والمالية ويوجه أخص مشكلة محصول القطن.

كانت الحالة الاقتصادية والمالية بوجه عام سيئة قبل الحرب نتيجة لعدة عوامل سبقت الإشارة إليها وأهمها أعباء الاستقلال بعد معاهدة 1936 وبخاصة إنشاء جيش وطني والوفاء بالتزامات المعاهدة وعجز الجهاز المالي في الحكومة عن مواجهة الظروف التي استجدت بعد معاهدة 1936 وإلغاء الامتيازات الأجنبية بالإضافة إلى عجز محصول القطن في موسم 1938، 1939 وانخفاض أسعاره

بقيام الحرب تزايد سوء الحالة الاقتصادية والمالية، فقد تزايد الضغط على موارد الميزانية نتيجة طلبات السلطات العسكرية وسواء في ذلك السلطات البريطانية وفاء لالتزامات المعاهدة بتقديم المساعدات والتسهيلات التي تلزمها أو السلطات العسكرية المصرية استكمالا لإعداد قواتها يضاف إلى ذلك عدم التناسب بين أسعار سلع التصدير التي ترتفع قيمتها وبين الواردات التي ارتفع ثمنها كثيرا تلك كلها عوامل أدت إلى عجز في ميزان المدفوعات وفي ميزانية الدولة مما ألجأها على الاحتياطي العام وإلى محاولة ضغط المصروفات إلى حد أن قررت إغلاق المدارس التي يقل عدد طلبتها عن 100 طالب وتوزيعهم على المدارس الأخرى كما أدت إلى عجز في القدرة الشرائية للأفراد نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة بارتفاع أسعار كثير من السلع الضرورية وقد كان سوء الحالة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة مجالا لهجوم صحف المعرضة على الحكومة

أما محصول القطن فقد كان مثار قلق بالغ للمصرين حين قامت الحرب خوفا من العجز عن تصريفه وانخفاض أسعاره خاصة وقد وضعت الحكومة البريطانية قيودا على تصديره باعتباره سلعة استراتيجية خوفا من تسربه إلى بلاد الأعداء كان هذا القلق هو الذي دفع أعضاء البرلمان خلال الدورة الاستثنائية التي عقدت في أكتوبر 1939 إلى الضغط على الحكومة حتى تعهدت بالعمل على أن تشتري بريطانيا محصول القطن

وقد دارت فعلا مفاوضات بين الحكومة المصرية إلى الدخول مشترية في كل من سوقي القطن والبذرة لإيقاف انخفاض الأسعار عن حد معين حددته وحين تحركت الحكومة البريطانية متأخرة خيبت آمال المصريين إذ عرضت شراء جزء بسيط من المحصول يعادل ما كانت تشتريه دول الأعداء وحددت له سعرا أصبح يعتبر منخفضا بعد أن أخذت الأسعار ترتفع وحتى ارتفاع الأسعار جاء متأخرا بعد أن كان المحصول قد تعرضت سياسة الحكومة البريطانية في موضوع القطن إلى هجوم مرير سواء في الصحافة أو في البرلمان أو في الخطاب الذي وجهه الوفد المصري إلى السفير البريطاني في أول أبريل 1940 واتجه جانب من الهجوم إلى حكومة علي ماهر هذا ولم توضع القيود على تصدير القطن فقط بل إن التصدير والاستيراد جميعه خضع لرقابة فعالة من السلطات المصرية والبريطانية فقامت المصاعب في وجه التجار.

ويرتبط بسوء الأوضاع الاقتصادية مشكلة الديون العقارية على ملاك الأراضي للمصارف فعندما عجز المدينون عن السداد تدخلت الحكومة ووضعت تسوية لتيسير سداد تلك الديون مع تأجيل البيوع الإجبارية حفظا للثروة القومية لكن تلك التسوية فشلت في حل الجانب الأكبر من الحالات التي أصبح الملاك فيها مهددون بفقد ممتلكاتهم نتيجة إصرارا المصارف على البيع فضجوا بالشكاوي إلى السراي والبرلمان والوزارة، مما أتاح الفرصة لصحف المعارضة لمهاجمة الحكومة

وكان لامبسون يقظا لخطورة الأثر المترتب على سوء الحالة الاقتصادية والمالية، وبخاصة مشكلة القطن على موقف الشعب من الحكومة ومن بريطانيا فكتب في نوفمبر 1939 يقول أن مركز مصر المالي والاقتصادي تكتنفه مشاكل خطيرة يتعذر على عي ماهر حلها وأشار إلى مشاكل ما قبل الحرب ثم قال أضعف إلى هذه المشاكل القائمة أيضا المشاكل الوقتية الناتجة عن اقتصاديات الحرب وعلى الأخص عدم التناسب بين أسعار سلع التصدير التي لم ترتفع قيمتها وبين الواردات التي ارتفع ثمنها كثيرا..

إن هذا الموقف الاقتصادي الذي يؤسف له قد ساعد على هدم ثقة الناس في نظام علي ماهر باشا إلا أنه في الوقت نفسه محفوف بالمخاطر بالنسبة إلينا نحن البريطانيون الذين ينتهزون فرصة الحرب فيخفضون أسعار القطن لفائدتهم الخاصة لكن هذه الدعاية يمكن دحضها بأن تتدخل الحكومة البريطانية وتشتري القطن المصري بأسعار ترتفع قليلا عن الأسعار السائدة في الوقت الحاضر وقد سبق أن أدت مرارا ضرورة عمل شيء لمواجهة الموقف، وإني لأشعر بالأسف لتأخر إصدار قرارات بتنفيذ التوصيات التي تقدمت بها ذلك لأن المسألة ليست مسألة حق المصريين في طلب المساعدة الاقتصادية منا بل هي مسألة ضرورة سياسية يجيب من باب العدل أن نتأكد من أن الحرب التي تورطت فيها مصر بسبب تحالفها معنا قد جلبت الشقاء على الشعب المصري نتيجة عدم التناسب بين أسعار الصادرات وأسعار الواردات كما سبق أن أشرت ومن الخطر أن نترك المصرين تحت هذا الشعور بالظلم

وكتب لامبسون بعد ثلاثة أشهر يقول (إن الشعب المصري بسبب الحرب التي وجد نفسه متورطا فيها نتيجة ارتباطه ببريطانيا العظمة قد أصبح لزاما عليه أن يتحمل بعض المصاعب.. لقد زادت تكاليف المعيشة وبخاصة أسعار بعض السلع الضرورية كالكيروسين الذي يلعب دورا في الرأي والأمور المنزلية بمصر أكثر مما يلعبه في البلاد الأخرى أما عن معالجتنا لمشكلة القطن فقد أثارت نقدا قاسيا حتى ن أعز أصدقائنا المصريين وإذا أردنا ألا تصبح تلك المشكلة خطيرة حقا وجب أن نصغي إلى شكايات المصريين الحقه التي تقول أننا نفرق تفريقا ظلما بين مصر والولايات المتحدة في موضوع الرقابة على السلع الممنوع تصديرها فليس هناك من منطق يقنع المصريين بأن الواجب يحتم عليهم أن يمتنعوا عن تصدير أقطانهم إلى الأسواق التي يسمح للولايات المتحدة بالتصدير إليها.

أي هبوط في أسعار القطن لا يثير دعاية ضد البريطانيين فحسب، بل يضع أيضا مصاعب حقيقة على عاتق الشعب المصري فالميزانية غير متوازنة نظرا لازدياد النفقات العسكرية التي ترتبط في أذهان المصريين بالالتزامات التي فرضتها المعاهدة البريطانية وقد فرضت ضرائب جديدة لسد العجز لكن تلك الضرائب انصبت على سلع تهم الشعب وقصاري القول أنه يوجد في مصر أساس حقيقي لضيق واستياء شعبي هو في حد ذاته أقوى مساعد لدعاية العدو وإذا حدث فوق ذلك أن حاولت الحكومة أن تثير شعور العداء ضد بريطانيا العظمى وعدم الثقة بها فمن الواضح أن يصبح مسرح الأحداث معدا لمتاعب يحتمل أن يثور عاجلا أو آجلا

وعاود لامبسون بعد أشهر ثلاث أخرى يشير إلى المتاعب المالية التي تعانيها الحكومة المصرية والنتائج المترتبة عليها قائلا:

وفي نفس الوقت أخذت متاعب الحكومة في النواحي المالية تصل إلى درجة الأزمة وقد سبق في عديد من رسائلي وبرقياتي أن أكدت على تزايد خطورة مركز الميزانية المصرية إذ يبدو أن الجهد الذي تبذله الحكومة لإنشاء جيش حديث كامل العدة الميكانيكية قد ثبت أنه يحتاج إلى نفقات باهظة لا تتحملها موارد البلاد، وما لم تمنح حكومة صاحب الجلالة الحكومة المصرية بعض التيسيرات بتأجيل دفع نفقات التسليح وتقسيطها فإن الحكومة تواجه أزمة خطيرة وسيكون عليها أن تترك الجيش الذي كونته دون أن تجهزه بالمهمات اللازمة أو أن تلجأ إذا أمكنها ذلك إلى عقد قرض بشروط مجحفة لسداد نفقات التسليح وأي من هاتين الطريقتين سيجعل الحكومة هدفا سهلا لهجمات خطيرة من المعارضة.

لا شك أن هذه المصاعب السياسية والمالي هي إلى حد ما التي حسنت موقف الملك فاروق ورئيس وزارته منا لقد عاد جلالته وعلي ماهر باشا مؤخرا إلى إظهار رغبة واضحة في تنمية علاقات المودة بيننا أما إلى متى تستمر مظاهر الصداقة هذه فإن ذلك يعتمد كثيرا على تطورات الموقف الداخلي وعلى درجة استعدادنا لتقديم المساعدات المالية أو غيرها من المساعدات

هذه الملحوظة الأخيرة للامبسون توضح العامل الأساسي المؤثر في موقف علي ماهر الجانب البريطاني وهو تطورات الموقف الداخلي والمساعدات البريطانية وهذا يتفق مع ما سبق أن أشرنا إليه من أن علي ماهر كان مضطرا إزاء ضعف موقفه إلى اتخاذ سياسية يراعي فيها الرأي العام والمصلحة الوطنية كي يحصل على قدر من الشعبية يوازن به ضعف نصيبه من التأييد الحزبي وهي سياسة تتعارض مع سياسة أخرى جاء بها علي ماهر إلى الوزراء واستدعتها ظروف الحرب في نفس الوقت، وهي تحسين علاقاته بالجانب البريطاني

كان طبيعيا أن يكون موقف علي ماهر بالغ الصعوبة وهو يحاول الجميع بين هاتين السياستين وإن تتذبذب سياسته تجاه الجانب البريطانية ودا وتعاونا أو جفاء ومقاومة تبعا لتغير موقفه قوة وضعفا من جهة وتبعا لتغير الشعور في مصر تجاه بريطانيا من جهة أخرى وتبعا للسياسة المتذبذبة ولم يكن الجانب البريطاني ليرضي بهذه السياسة المتذبذبة ولم يكن يقنع منه في ظروف الحرب بأقل من تعاون كامل يرقى إلى درجة الخضوع الكامل لمطالب بريطانيا وتعاون قلبي مخلص يعبئ الرأي العام والجبهة الداخلية فكريا ونفسيا إلى جانبها لم يكن ذلك استطاعة علي ماهر لذلك فإن الانطباع السيئ الذي كان قد تكون عنه لدى لامبسون قد تأكد والقرار الذي كان وصل إليه بشأن وزارته قد استقر بحيث أنه حين أشتد تأزم الموقف السياسي والعسكري الدولي المصاحب لاجتياح ألمانيا لكل من هولندا وبلجيكا وهجومها على فرنسا ولدخول إيطاليا الحرب، كان الجو ممهدا تماما لقرار الجنب البريطاني بأن علي ماهر يجب أن يذهب.

أما ذلك الانطباع فهو أن علي ماهر إنسان مراوغ مخادع متآمر لا يمكن الوثوق به وأنه أقرب إلى العداء لبريطانيا والميل إلى المحور، تكون هذا الانطباع خلال الأزمة الدستورية أواخر 1937 وخلال رئاسة