معالم الوسطية في الوقاية من العنف والتطرف

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
معالم الوسطية في الوقاية من العنف والتطرف


بقلم / وصفي عاشور أبو زيد


تقديم رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية

الحمد لله الذي خلق الإنسان بقدرته، وفرض حمايته برحمته، والصلاة والسلام على نبي الهدي والسلام، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد...

فها هو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية يقدم العدد الرابع والثلاثين من هذه السلسلة المباركة "قضايا اجتماعية وإسلامية" لنقدم لأبناء البحرين خاصة، وأمتنا العربية والإسلامية عامة أبحاثا دقيقة، لكنها سهلة وبسيطة وواضحة لعلاج مشكلاتنا اليومية، وإصلاح أمتنا الإسلامية، وبحثنا هذا: "معالم الوسطية في الوقاية من العنف والتطرف" نقلة جديدة في تقديم حل عملي ينطلق من علم المقاصد الشرعية برؤيةٍ وسطيةٍ لظاهرةٍ تُؤرِّق الأمنَ الفرديَّ، والسلامَ المجتمعيَّ، والاستقرارَ الدُّوَلِيَّ، ولا يمكن أن تحدثَ عمارةُ الأرضِ بغير علاجِ طرائقِ تدميرِها؛ حتى لا نكونَ كالتي نقضتْ غَزْلَها من بعد قوةٍ أنكاثًا.

هذا بحثٌ يستحقُّ مؤلِّفُه منا الشكرَ الجزيل، والدعاء الكثير، وأملُنا أن يُقرأ ويُطبَّق؛ ليكونَ فاتحةَ خيرٍ لمشاركة العلماء في علاج سرطان العصر "العنف والتطرف".

والله ولي التوفيق

عبد الله بن خالد آل خليفة

رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية

صفر 1431هـ

تقديم أ.د. صلاح الدين سلطان

الحمد الله الذي جعل من القرآن نورًا مبينًا ومن السنة النبوية هديًا حكيمًا، والصلاة والسلام على من جعل الله من سنته هديًا حكيمًا، وعلى من اتبع هداه إلى يوم الدين، وبعد...

فإن قضايا العنفِ والتطرف قديمةٌ جديدة، فمنذ أولِ الوجودِ الإنسانيِّ بَغَى قابيلُ على هابيلَ، كما قال تعالى:"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)" (المائدة:27-30) وفُتح هذا الباب ولم ينسدّ إلى اليوم.

وهذه إحصائية علمية صادرة عن الباحثة الأمريكية "تانيا هسو" المحللة السياسية في صحيفة عرب نيوز حيث أوردت أن ضحايا مائة عام من 1907 -2007م حوالي 250 مليون إنسان قتلوا خلال القرن الماضي". ومما يؤسف له أنَّ ملفَّ مقاومة العنف والتطرف تُرك للجهات الأمنية وحدها لتعالجه، وهو من أكثر الملفات تشابكًا وتعقيدًا وانتشارًا، والأصلُ أن تتضافرَ الجهودُ من العلماء والأمراء، والسلطات التشريعية والقضائية لمواجهة كل صور التطرف الفكرية والعملية، المُعلَنة والمستترة، بشرط الالتزام بالموضوعية والعمق والعدالة في مواجهة القضية؛ فليس من العلمية ادعاء أن الفقر هو السببُ الرئيسُ لجنوح الشباب نحو العنف، وليس من الموضوعية أن يتم التركيز على عنف الأفراد والجماعات دون عنف الأنظمة الكبرى والصغرى، وليس من العدالة أن يُحاكَمَ مَنْ قَتل فردًا ظلمًا وعدوانًا دون مَن يَقتل شعبًا أو أمة قتلاً سريعًا بوابل من المتفجرات والمحرمات دوليًا على المستضعفين والمدنيين والمناضلين لتحرير بلادهم، أو قتلا بطيئا بالتلوث والانحباس الحراري والحصار؛ فتخرج المبادرات فاقدة الاحترام والتقدير والمعاونة فتزداد البلية وتعم القضية.

وفي هذا البحث يقدم لنا الأستاذ الشيخ الباحث المدقق الغيور: وصفي عاشور رؤيةً مقاصديةً وسطيةً لكيفية معالجةِ ظاهرة العنف والتطرف، ولم يُغرق نفسه ـ كما يفعلُ الكثيرون ـ في التعريفات والمقدمات والمُشهِّيات حتى إذا جئتَ إلى جوهر الموضوع والوجَبَات لم تجدْ شيئًا يُسمن أو يغني من جوع، بل عمد باحثُنا الشيخ وصفي إلى وضع حلول أو معايير خمسة، مع تأصيلها شرعًا أولا، ثم جوانبها، وكيفية تطبيقها، وثمار هذا التطبيق، ومخاطر تركها عمليًا، وقدم هذا من خلال خبرته ـ التي فاقتْ سِنَّهُ ـ بعلم المقاصد، وتوثيقٍ علميٍّ دقيقٍ لكل معلومة، وبساطةٍ في الطرح يجعلُه ـ بحقٍّ ـ بحثًا ذا جِدَّةٍ في بابه.

أسألُ اللهَ أن يجزيَ باحثَنا خيرًا، وأن ينفع به العباد والبلاد، والله من وراء القصد، وهو نعم المولى ونعم النصير.

أ.د. صلاح الدين سلطان

المستشار الشرعي بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية

مملكة البحرين

صفر 1430 هـ

المـقدمـة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، الذين آمنوا به، وعزروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون، وبعد،

فلا تخطئ عين المتابع لحركة التطرف والعنف ما يحدث لها ـ يوما بعد يوم ـ من انتشار وتوسع، وما يخلفه هذا الفكر من آثار مدمرة على مستويات عدة مما يوجب على أهل العلم أن يتصدوا له، ويقفوا أمامه، محددين أسبابه ودوافعه، وموضحين مظاهره ودلائله، وكاشفين عن طبيعته وماهيته، ومبينين آثاره ونتائجه، وواصفين علاجه ودواءه، مستهدين في هذا كله بهدي القرآن، والسنة العلمية والعملية لسيد البرية صلى الله عليه وسلم، وفهم السلف الصالح والعلماء الربانيين من أبناء هذه الأمة. ومن الأبعاد المهمة التي يجب تناولها والتركيز عليها في هذا المقام وصف الدواء بعد تشخيص الداء، ورسم معالم العلاج، وتوضيح كيفية الخروج من هذا المأزق، فما من داء إلا أنزل الله له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، وما من أثر إلا بعمل، وما من عمل إلا بسبب، فإذا عرفنا الأسباب وشخصنا الداء سهل علينا وصف الدواء.

ومن أهم الأدوية ـ في تقديري ـ إظهار معالم الوسطية في التعامل مع قضايا العنف والتطرف؛ إذ إن تناول هذه القضايا ابتداء وانتهاء، أسبابا وعلاجا، في ضوء الرؤية الوسطية لن يعالج هذا الفكر فقط بل سيعمل على تلاشيه شيئا فشيئا، وتجفيفه من منابعه، حتى يتم القضاء عليه تماما، إضافة إلى ضرورة توفير البيئة الصحية التي تتمتع بالحرية في الفكر والنقاش والحوار، مما يفضي في النهاية إلى غربلة هذا الفكر، وظهور الحق عليه، فالحق أبلج، والباطل لجلج، ولن يصح في النهاية إلا الصحيح: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ". الرعد: 17.

وقد ركزت في هذا البحث على ذكر معالم تقودنا إلى وسطية في التعامل مع هذه القضايا، من شأنها ـ لو أحسنا فقهها وتبنَّيْناها وروَّجنا لها ودعونا إليها ـ أن تعالج ما نعاني منه من مظاهر الغلو والتطرف، بل تكون وقاية من الوقوع في مثل ذلك، وتجنب البلاد والعباد شر الحوادث والتفجيرات التي تقع في عواصم العالم شرقا وغربا، ومن أهم هذه المعالم:

أولا: التعمق في فقه مقاصد الشريعة، وبخاصة مقاصد الجهاد.

ثانيا: فهم نصوص الشرع بعيدا عن التقاليد الراكدة والوافدة.

ثالثا: إدراك فقه المآلات وفقه الأولويات.

رابعا: التبصر بالواقع الذي يتم تنزيل النصوص عليه بكل أبعاده.

خامسا: الرجوع للعلماء الصادقين والدعاة الربانيين.

وبينت مخاطر إهمال كل نوع من هذه المعالم، كما وضحت الآثار والثمار التي يمكن أن نجنيها من وراء التركيز عليه والاهتمام به في ضوء موضوعنا وليس بشكل عام، ودوره في القضاء والوقاية من هذا الفكر الذي عانينا منه كثيرا، ولا زلنا نعاني حتى اليوم.

ولست هنا بصدد الحديث المفصل عن الأسباب التي أدت بالبعض إلى اعتناق هذا الفكر، واعتماد هذا الفهم في التعامل مع النصوص الشرعية أو في فهم الواقع، فهذا ـ في رأيي ـ ينحصر في سببين: الأول: الفهم المغلوط للنصوص الشرعية.

والثاني: الظلم الواقع على الشعوب، والاستبداد الذي يمارس ضدها في الداخل والخارج. وإنما ركزتُ هنا على هذه المعالم التي ينبغي أن نهتم بها، ونسعى لها، ونعول عليها، ونعمل على غرسها في نفوس الناشئة حتى ينشئوا مستقيمي الفكر مستنيري الرؤية مدركين للواقع، ومراعين لمقاصد الشرع ومصالح الناس.

والله تعالى أسأل أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد، وأن يقيلها من عثرتها، ويعافيها من عللها، لتستعيد مكانتها وريادتها، وتكون أمة شاهدة لا راكدة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وصفي عاشور أبو زيد

الكويت في 27/4/1430هـ

23/4/2009م

المبحث الأول: التعمق في فقه مقاصد الشريعة وبخاصة مقاصد الجهاد

للتعمق في فهم مقاصد الشريعة دور كبير في التوجه نحو التوسط والاعتدال والتوازن في كل القضايا العلمية والفكرية، فمن شأنها أن تضبط حركة التفكير، وتقارب بين وجهات النظر، وتقلل مساحة الخلاف، وتعطي أفقا رحيبا للباحث والفقيه والمفتي والمجتهد عند بحث القضايا المستجدة المندرجة تحت مسألة معلومة المقصد والغاية.


فقه مقاصد الشريعة

ومما ينبغي أن يعلم هنا أن من مقاصد الشريعة الكبرى ومفاهيمها التأسيسية: العمل على حفظ الأمن العام، وإرساء دعائمه في المجتمع، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه أن يفكر في تقويضه أو تبديده أو تهديده؛ ولأجل هذا حرم الله تعالى الجرائم الكبرى، مثل: الحرابة، والسرقة، والقذف، والقتل، وغيرها، وشرع لها ما يردع مرتكبيها أو من يفكر في ارتكابها، مثل: حد الحرابة، وحد السرقة، وحد القذف، والقصاص، وغيرها.

ومن المقاصد الكلية التي يجب أن تعلم هنا ويتم التأكيد عليها والتشديد فيها: أن النفس وحرمتها أمر خطير في شريعة الله، وأن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، ومن قتلها بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، وكذلك حفظ المال وخاصة المال العام، وحفظ النسل والعقل والدين والعرض.

وفي هذه الجرائم وعقوباتها جاء القرآن حاسما، ففي الحرابة يقول الله تعالى: "مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ . إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ". المائدة: 32-33.

وفي السرقة: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ". المائدة: 38.

وفي القصاص قال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". البقرة: 178-179.

وفي القذف قال: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ". النور: 19.

ومن المفاهيم الكبرى والمقاصد العليا: إيجاد الحرية والحفاظ عليها، ونشر العدالة، وتحقيق المساواة، وإشاعة التسامح، وكل الأخلاق والمبادئ الإنسانية التي اتفقت عليها البشرية، وتواضعت عليها الإنسانية.

ففي الحرية وبخاصة حرية العقيدة يقول القرآن: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" البقرة: 256.

وفي العدالة يقول: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ". الحديد: 25.

وفي الأخلاق يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

ولقد وجدت هذه المبادئ والمقاصد سبيلها التطبيقي في سير الخلفاء الراشدين ومن سار على دربهم، ومدونات الحضارة الإسلامية مليئة بوقائع تمت فيها مراعاة هذه المقاصد وتلك المبادئ والمفاهيم الكبرى، لا سيما في معاملة الأمم الأخرى حال السلم أو الحرب.

وحسبنا هنا ما قاله "غوستاف لوبون" في كلمته التي طبقت الآفاق: "فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا دينا سمحا مثل دينهم"، فلم يكره أحدا على اعتناق شيء، ولا أسال دماء بغير حق، بل كان حريصا عليها كل الحرص، وقد تمثلت الرحمة وقيم الإنسانية في الحرب كما تمثلت في السلم سواء بسواء، وهذه القيم ـ قيم العدل والتسامح والمساواة ـ هي التي أدى انتشارها إلى انتشار الإسلام واعتناق الناس له طوعا دون أدنى إكراه.


فقه مقاصد الجهاد

وإذا كان الجهاد والغلو في فهمه وتطبيقه هو البوابة الرئيسة لأعمال العنف وسلوكيات التطرف، مما له الأثر الكبير على زعزعة الأمن وتهديد دعائم النسيج الوطني، فإننا نكون بحاجة إلى وقفة أمام مقاصد الجهاد حتى تتجلى صورته، وتظهر أغراضه وغاياته ومقاصده.

ف للجهاد عند المسلمين مكانة كبيرة؛ فهو ذروة سنام الإسلام، وارتبطت به عزة المسلمين في كل العصور، ولقد امتازت فلسفته في الإسلام عن الديانات والمذاهب والأفكار الأخرى سواء كانت سماوية أو أرضية، فقد ربطه القرآن الكريم والسنة النبوية بأنه "في سبيل الله"، ومعنى ذلك أنه ليس لإشباع رغبات بشرية دنيئة، أو للتشفي وتفريغ مشاعر إنسانية ذميمة، أو تحقيق مصالح شخصية فاجرة، وإنما هو لبلوغ مقاصد شرعية نبيلة، وتحقيق أهداف إنسانية عظيمة، حددها الشارع الحكيم، ونصبها أمام القائمين به؛ وذلك لكي يكون "في سبيل الله" لا في سبيل غيره، ولتكون كلمة الله هي العليا، وتسعد البشرية في ظلال الإسلام العظيم.

وحين نتحدث عن مقاصد الجهاد هنا لا نعني به الجهاد بمفهومه الشامل الذي يشمل جهاد النفس وجهاد المنافقين وجهاد الشيطان، والأنواع الأخرى من الجهاد التي ذكر العلماء منها أكثر من ثلاثة عشر نوعا، وإنما نعني به معناه المباشر وهو القتال؛ ولأن الغلو في هذا المعنى هو الذي جر الوباء والوبال على البشرية كلها عن طريق أحداث العنف والتفجيرات التي تحدث في عواصم عربية وغربية..

وعند التأمل في أحكام الجهاد وتدابيره الشرعية التي شرعها الإسلام بنصوصه الشرعية الشريفة وبالتطبيق العملي لهذه النصوص وجدنا أن الله شرعه لمقاصد وأوجده لأهداف وحكم وآثار، يمكن عند التأمل أن نقسمها إلى قسمين: مقاصد وآثار لازمة أو فردية، ومقاصد وآثار متعدية أو جماعية. ونعني بالمقاصد والآثار الفردية أو اللازمة التي تتحقق للفرد وتعود على ذاته ولا تروم غيره، ومن ذلك:

1ـ نيل الدرجات والفوز بمرتبة الشهادة.

2ـ إصلاح النفس.

3ـ ابتلاء المؤمن وتمحيصه.

4- ابتغاء مرضاة الله تعالى.

أما المقاصد والآثار الجماعية أو المتعدية فهي التي يتجاوز نفعها الفرد إلى المجتمع والأمة، والبشرية كلها باعتبار الإسلام دينا للإنسانية جميعا.

1ـ تخليص المستضعفين وتحرير الناس ورفع الظلم عنهم.

2ـ حماية الدين ومنع الفتنة.

3ـ بسط قيم الإسلام ونشر هدايته.

4ـ حفظ حرية الاعتقاد ودُور العبادة وممارسة الشعائر.

5ـ حفظ الأمن العام.

6ـ تحقيق التمايز في صفوف الأمة .


خطورة إهمال فقه المقاصد

إذا لم نراع هذا الفقه سواء المقاصد عامة، أو مقاصد الجهاد خاصة، فسوف نوقع أنفسنا ومجتمعاتنا في مخاطر وأزمات وبلاء كبير وشر مستطير.

ومن هذه المخاطر:

1- قصور في الفهم والرؤية للقضايا التي تعرض وتتصور.

2- التحجر والتشدد والتنطع في الفهم والسلوك.

3- توسيع هوة الخلاف لا سيما في القضايا الخلافية.

4- إظهار الشريعة على أنها قانون تاريخي، دون القدرة على التفاعل مع النوازل المعاصرة.

5- التهوين من أمر النفوس البشرية والأرواح، والإقدام على إتلافها دون مبالاة.

6- نشر الفتنة وزعزعة أمن المجتمعات.

7- إرهاق الدولة بمعالجة قضايا جانبية عن التخطيط المستقبلي والتنموي.

8- تخريب مؤسسات المجتمع وإتلاف المال العام.


ثمار مراعاة فقه المقاصد

ومن شأن المعرفة والتفقه بمقاصد الشريعة ومقاصد الجهاد أن يؤتي ثمارا عظيمة، وينتج نتائج مهمة، ومن ذلك:

1- تلافي كل السلبيات السابقة الناتجة عن إهمال هذا الفقه.

2- فهم النصوص ومقتضياتها على ما أراده الشارع منها.

3- ضبط حركة التفكير والانتقاء في التعامل مع تراثنا قديما وحديثا بما يمنع من الانحراف.

4- يتمثل للشباب المسلم ـ فضلا عن العلماء ـ أفق شرعي رحيب ومشروع؛ يعصمهم من الوقوع في براثن العنف ومهاوي التطرف على مستوى المدارسة والممارسة.

5- ترشيد الخطاب الدعوي الذي يؤدي بدوره لترشيد عقل الأمة الإسلامية الخادم لصحوتها.

6- الوقاية من أحداث المتفجرات والعنف التي تقع هنا وهناك.

7- تصحيح الصورة الذهنية والنمطية عن الإسلام والمسلمين لدي غير المسلمين.

8- ترغيب غير المسلمين في الإسلام.

ولأجل تحقيق هذه المقاصد نحتاج إلى جهد كبير سواء على مستوى المدارسة أو مستوى الممارسة؛ فإن تغيير الفكر يحتاج لوقت طويل، وتغيير النفوس يحتاج لوقت أطول، والزمن جزء من العلاج، لكن ذلك أفضل ـ بلا شك ـ من التمادي فيما نعاني ونشكو منه .. !

المبحث الثاني: فهم نصوص الشرع بعيدا عن التقاليد الراكدة والوافدة

من أخطر المناهج التي تؤدي إلى الانحراف غلوا أو تقصيرا أن نجعل الواقع والموروث الثقافي الذي نشأ عليه الفرد مصدرا للحكم على التصرفات والأفعال والرؤى بالصحة والبطلان، أو الحلال والحرام. ولا يقل خطورة عن الموروث الثقافي الراكد أن يجعل الفرد العادات والتقاليد الوافدة هي الأساس والمنطلق في الرؤى والتصورات وبناء الأحكام على السلوكيات والتصرفات بالتحليل والتحريم، وهذا يقتضي أن نفرد بالحديث كل واحدة منها لنبين مآلاتها وخطورتها:


أولا: التقاليد الراكدة والموروث الثقافي

حين ينشأ المسلم في بيئة من البيئات، ويتربى على عادات وتقاليد معينة يترسخ في ذهنه أن هذا هو الصواب وما عداه هو الباطل.

أسباب اتباع الراكد:

ولسيادة هذا الفكر مجموعة من الأسباب نجملها فيما يلي:

1- الكسل الفكري وتسليم زمام العقل للموروث الثقافي الموجود.

2- عدم مراجعة المسلمات الموروثة ـ التي يحسبونها مسلمات ـ بين الحين والآخر؛ فضلا عن غيرها.

3- ندرة العلماء الكبار الثقات الراسخين الذين يرجع إليهم في استيضاح هذه المعضلات.

4- ثقافة الأمية والجهل السائدة في مجتمعاتنا العربية والتي تجعل المسلم على ما نشأ عليه دون تغيير.

وهذه منهجية متبوعة منذ قديم، قالها صناديد الكفر حين ظهرت دعوة الإسلام، ودعاهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها، وقد أورد القرآن الكريم مقولاتهم حول اتباع آبائهم، واستنكار ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وغيره من الأنبياء، ومن ذلك:

ـ "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ". البقرة: 170.

ـ "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ". المائدة: 104.

ـ "قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ". يونس: 78.

ـ "وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ". الأنبياء: 51-53.

ـ "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ". الشعراء: 70-74.

ـ "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ". لقمان: 21.

ـ "بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ . وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ". الزخرف: 22-23.

وهكذا نجد مساحة هذا الأمر واسعة في القرآن الكريم مما يعطي إشارة إلى خطورة الأمر وأهميته في الحال والمآل، فالتقليد الأعمى سببٌ في الضلال والعمى، ومانع من موانع التوفيق والهدى، ويغلق أمام العقل روافد الإيمان الصحيح، ويعطل القلب عن اعتقاد العقيدة السليمة عبر إعمال الفكر والتأمل والنظر، وقد قال الإمام ابن الجوزي يرحمه الله: "اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنه إنما خُلق للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أعطى شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة".

مخاطر اتباع الراكد:

وترك ما كان على ما كان، والاعتقاد بأن هذا الموروث ـ بصوابه وخطئه ـ هو الصواب المطلق وما دونه هو الباطل، وأن هذا الموروث هو المصدر الذي يستمد منه التحليل والتحريم ـ هذا له خطورته بلا شك ومآلاته السلبية على الفرد والمجتمع، ومن ذلك:

1- الخلل العقدي الذي يقع في عقيدة المسلم بفعل التقليد الذي يورث الجهل، وبخاصة في عقيدة الولاء والبراء؛ لأن المقلد سوف يوالي ويعادي على العادات والثقافة الموروثة بعيدا عن محكمات الشرع.

2- تحليل الحرام وتحريم الحلال، ومخالفة الشرع بنصوصه وفهمه السليم.

3- الإمعان في التخلف العلمي والفكري والحضاري.

4- الانغلاق والتقوقع على الموروث وعدم الانفتاح على الصالح والنافع من الوافد.

5- إعطاء صورة سيئة عن الإسلام مما يعزز من وصْف الإسلام بالإرهاب والتطرف.

6- ذهاب الأجيال الناشئة ضحايا لهذا الانغلاق مما يوفر بيئة خصبة للتربية على العنف والتكفير.

بهذه الصورة يتضح لنا خطورة اعتماد الموروث الثقافي والفكري والعقدي والعبادي منهجا في التفكير والممارسة بعيدا عن مظلة الشرع وحاكمية النصوص الشرعية من قرآن كريم وسنة صحيحة.


ثانيا: التقاليد الوافدة

وكما أن للانغلاق على الراكد من الموروث الفكري والثقافي خطره في طبيعته وآثاره، فإن للانفتاح على الثقافة الوافدة دون ضابط من أصولنا، أو مرجعية من شرعنا أيضا مخاطر وآثارا كبيرة ربما تزيد في طبيعة خطورتها وجسامة آثارها عما يترتب على التقاليد الراكدة.

أسباب اتباع الوافد:

ولهذا الاستلاب الذي يحدث للبعض أسبابه أيضا كما أن للانغلاق على التقاليد الراكدة أسبابه، ومن هذه الأسباب:

1- عدم التأصيل الشرعي المناسب الذي يقي الإنسان من الوقوع في براثن الوافد، وتمييز ما يقبل منه وما يرفض.

2- قلة العلماء الثقات الذين يُرجع إليهم عند الاختلاف في القضايا الكبرى لبيان الصحيح من الباطل، والحلال من الحرام.

3- النشأة والتربية التي ينشأ عليها الفرد قد تخيل إليه أن الانفتاح على كل جديد مهما كان هو التحضر والمدنية وأن التمسك بالأصول والمبادئ هو التخلف والرجعية.

4- المناهج التعليمية التي ربما لا تزرع فيه منذ الصغر كيف يتعامل مع الوافد ـ والراكد أيضا ـ بضوابط وشروط معينة، ولا تنمي فيه العقل والفكر بقدر ما تعوده على الحفظ والتلقين.

5- التعصب والتشدد في رفض كل ما هو وافد، والعكوف على الراكد فقط، فإن هذا يورث ويولِّد تيارا آخر مضادا له في الاتجاه ينادي بقبول كل ما هو وافد، ورفض كل ما هو راكد؛ فغلو التفريط دائما يكون مقابلا لغلو الإفراط، والعكس صحيح.

آثار اتباع الوافد:

ومن النتائج والآثار السيئة والخطيرة الناتجة على هذا الانفتاح غير المنضبط ما يلي:

1- الانعتاق بعيدا عن مظلة الإسلام، وقد يدخل صاحبه في دائرة الكفر.

2- ضياع الهوية والقضاء عليها تماما، ونسيان الأصول والأخلاق الإسلامية.

3- النظر بازدراء ودونية لكل ما هو أصيل وتراثي على أنه لم يعد صالحا لهذا العصر.

4- تمييع الشخصية المسلمة، ووضعها في مأزق حضاري في الاختيار بين الوافد الذي يبدو متحضرا ومتقدما حتى لو كان مخالفا لثوابتنا، وبين القديم الموروث الصالح الذي قد يبدو غير مناسب، وهو غير متعارض مع ثوابتنا، ومن أسباب حدوث ذلك العرض الخطأ للدين، والخطاب الإسلامي الذي يحتاج لمراجعة وتطوير.

5- انطلاق الأجيال الناشئة بعيدا عن حظيرة الإسلام، بقيمه وأخلاقه، وعاداته وموازينه، واتباع منهجيات أخرى ماسخة للهوية، وقاضية على الدين والخلق.


ثالثا: المنهج الوسطي هو طوق النجاة

ولا يشك أحد في أن المنهج الوسط هو التعامل من خلال الشرع لا في ضوء الراكد ولا الوافد، فيتخذ المسلم من شريعته ـ بقرآنها وسنتها الصحيحة ـ مرجعا أعلى يستقي منه العقائد والأحكام، ويأخذ منه التصورات والأفكار، ويعادي عليه ويوالي عليه، ويكون ضابطا له في حركة الأخذ والرد، والقبول والرفض، فما وافق ديننا قبلناه، وما خالفه رفضناه، وما كان فيه حق وباطل ميزنا حقه عن باطله فقبلنا حقه ورددنا باطله.

وهذا المنهج الوسط في التعامل مع الوافد والراكد يقينَا ـ يقينًا ـ من التطرف في الفكر، والعنف في السلوك، والجنوح في الممارسة، ويصحح صورتنا في العالم كله، والتي أصبحت تطارد كل مسلم اليوم على أنه رمز للعنف والإرهاب والتدمير والتخريب، كما أنه يجعلنا نقيس الأمور بمقياس حساس وقسطاس مستقيم، ونضع الأمور في نصابها، فلا نقدم ما من حقه التأخير، ولا نؤخر ما من حقه التقديم، بل يوضع كل شيء في عدلِ مكانه وحاقِّ موضعه.

معالم المنهج الوسطي في فهم النصوص:

وحتى لا يكون الكلام فضفاضا نضع بعض المعالم التي تعيننا على تلمس المنهج الوسطي في فهم النصوص، والتي أهمها ما يلي:

1- فهم النص مجردا دون أن يطغى عليه موروث أو وافد، أو ترغيب أو ترهيب.

2- فهم النصوص في ضوء ملابساتها وظروفها وبيئاتها.

3- التفريق في النصوص بين ما هو خاص وعام، ومطلق ومقيد.

4- فهم النصوص في ضوء عللها وحكمها ومقاصدها.

5- التفريق في النصوص بين ما هو واقعة عين لا تتعدى غيرها وبين ما هو مطلق مطرد.

6- التشبث والتمسك بالثوابت، والمرونة في المتغيرات.

7- التشدد في الأصول والكليات، والتسامح في الفروع والجزئيات.

8- التفريق في فهم النصوص بين الحقيقة والمجاز.

9- الترحيب بكل ما يؤيده النص حتى لو كان وافدا، ورفض كل ما يتعارض معه حتى لو كان موروثا.

10- الرجوع للعلماء المشهود لهم بالحجة الشرعية والخشية القلبية فيما أشكل في الفهم أو التطبيق.

أحسب أننا بهذه المعالم العشرة ـ وبالطبع هناك غيرها ـ نستطيع أن نصل إلى رؤية وسطية في التعامل مع النصوص وفهمها؛ تجعلنا نعتز بالموروث دون انغلاق، وتمكننا من الانفتاح على الوافد دون ذوبان، وهي رؤية تجعل النص هو الحَكَم في الأخذ والرد، وفي القبول والرفض، وليس ما ورثناه أو ما استوردناه.

المبحث الثالث: إدراك فقه المآلات وفقه الأولويات

فقه الأولويات وفقه الموازنات وفقه الواقع وفقه المقاصد وفقه السنن، هذه الأنواع من الفقه لها أهمية خاصة في ترشيد الشباب المسلم وتوجيهه نحو الاعتدال والتوازن بما يحقق محكمات الشرع ولا يهمل متطلبات العصر، ولا يعني إطلاق هذه الأنواع من الفقه والدعوة إلى الاهتمام بها والتركيز عليها أمرا قد يبعدنا عن الأصول أو الكليات، بل إننا بغير مراعاة هذا الفقه نبعد كثيرا عن روح الشرع وننعزل بعيدا عن الحياة والأحياء، وما جاء الدين لنعيش به في الماضي، إنما جاء لنستهديه لمشكلات عصرنا كما استهداه من قبلنا لمشكلات عصرهم، وسوف نقتصر هنا على نوعين فقط، لما لهما من صلة مباشرة بموضوعنا، ولما للاهتمام بهما من نجاعة وقوة في الوقاية والعلاج، وهما فقه المآلات وفقه الأولويات، وقد تحدثنا من قبل عن فقه المقاصد، ونتحدث لاحقا عن فقه الواقع.


أولا: فقه المآلات

اعتبار المآلات التي تؤول إليها الأفعال والأقوال والتصرفات أمر مطلوب شرعا بل لعله من المقاصد المهمة التي ينبغي مراعاتها؛ لأن إطلاق الأحكام الشرعية والحديث في الشرع دون مراعاة لمآلاته إنما هو نوع من العبث، وأقصر الطرق إلى الضلال المبين.

وقد قال الله تعالى: "وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ". الأنعام: 108. فنهى الله تعالى عن هذا السب مراعاة للمآل الذي سيؤول إليه وهو سب الله تعالى وجل.

وعن عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي (يعني عائشة) قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة ! لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة. فألزقتها بالأرض. وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا. وزدت فيها ستة أذرع من الحجر. فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة".

فراعى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ما يؤول إليه هدم الكعبة، وسبب ذلك أن القوم حديثو عهد بالإسلام. وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ يقول: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها الله رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما هذا). فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوها فإنها منتنة). قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد. فقال عبد الله بن أبي: أو قد فعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي صلى الله عليه وسلم (دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه).

وهنا خشي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مآلات قتل المنافقين، وهي الحملة الإعلامية المسعورة التي ستحدث بلبلة وتعطي صورة مشوهة عن الإسلام ونبي الإسلام، فتحسَّبَ لها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يقدم على هذا التصرف مراعاة لمآلاته.

وعن أنس بن مالك؛ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال" يا معاذ!" قال لبيك رسول الله وسعديك. قال: "يا معاذ!" قال لبيك رسول الله وسعديك. قال: "يا معاذ!" قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله! أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: "إذا يتكلوا" .

فقد خشي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مآل البشارة؛ أن يترتب عليها اتكال الناس وقعودهم عن العمل، وعدم اجتهادهم في العبادة.

ولقد تنبه الإمام الشاطبي لخطورة المآلات وأهمية اعتبارها فقال في كلام مفصَّل منضبط: "النظر في مآلات الأفعال مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا، سواءٌ كانت الأفعال موافقةً أو مخالِفَةً، وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعلٍ من الأفعال الصادرةِ عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نَظَرِهِ إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحةٍ فيه تُسْتَجْلَبُ، أو لمفسدةٍ تُدْرَأُ.. ولكنّ له مآلًا على خلاف ما قُصِدَ فيه. وقد يكون غيرَ مشروعٍ لمفسدةٍ تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكنَّ له مآلًا على خلاف ذلك، فإذا أُطْلِقَ القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية. وكذلك إذا أُطْلِق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدةٍ تساوي أو تزيد، فلا يصحُّ إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجالٌ للمجتهد صَعْبُ الْمَوْرِد، إلا أنه عَذْبُ المذاق، مَحْمُودُ الغِبِّ، جارٍ على مقاصد الشريعة".

ولقد قرر الإمام ابن القيم ما قاله الإمام الشاطبي عند حديثه عن حكم الوسائل المؤدية للمقاصد، فقال: "القول المفضي إلى المفسدة قسمان:

أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وكالقذف المفضي إلى مفسدة الفرية، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش ونحو ذلك، فهذه أفعال وأقوال وضعت مفضية لهذه المفاسد، وليس لها ظاهر غيرها. والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائز أو مستحب، فيتخذ وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصد منه.

فالأول: كمن يعقد النكاح قاصدا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدا به الربا، أو يخالع قاصدا به الحنث، ونحو ذلك، والثاني: كمن يصلى تطوعا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، أو يصلى بين يدي القبر لله ونحو ذلك.

ثم هذا القسم من الذرائع نوعان:

أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجح من مفسدته، والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته.


فهاهنا أربعة أقسام:

الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة. الثاني: وسيلة موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة. الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها. الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها.

فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم.

ومثال الثالث: الصلاة في أوقات النهى، ومسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها، وأمثال ذلك.

ومثال الرابع: النظر إلى المخطوبة والمستامة والمشهود عليها ومن يطؤها ويعاملها، وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي، وكلمة الحق عند ذي سلطان جائر ونحو ذلك، فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجات في المصلحة، وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريما بحسب درجاته في المفسدة.".

ومن الواضح من كلام الفقهاء هنا، ومن النصوص الشرعية قبل ذلك أن فقه المآلات واضح وبين ومؤصل ومهتم به، ومع هذا ظل هذا الفقه الخطير غائبا مثلا عمن يزاولون أعمال العنف الذين يخربون بها المجتمعات، ويسفكون بها الدماء، ويهددون بها أمن الأوطان والنسيج الاجتماعي فيها.

آثار اعتبار المآلات :

ومن شأن الاهتمام بهذا الفقه أن يجعل عندنا نظرة مستقبلية تمنعنا من الإقدام على فعل أو تصرف تفوق مضرَّتُه مصلحتَه، ويحملنا على أداء فعل أو تصرف تترجح مصلحته على مفسدته.

كما أن من شأنه أن يضبط حركة المجتمع، واجتهاد الفقهاء، واختيار الآراء، وترجيح الأقوال، وترشيد التخطيط الاستراتيجي والتفكير المستقبلي بما يمثل وقاية من الجنوح إفراطا أو تفريطا.


ثانيا: فقه الأولويات

لفقه الأولويات أهمية كبيرة أيضا مثل باقي أنواع الفقه (مقاصد، أولويات، واقع، سنن، موازنات..الخ)، فهو يبين فقه مراتب الأعمال، وأيها يجب أن يقدم، وأيها يجب أن يؤخر، ويبين فقه النسب بين الأحكام، أيها واجب وأيها مستحب، وأيها محرم، أيها يستحق الاهتمام، وأيها لا يستحق، أيها حان وقته، وأيها يمكن تأخير الحديث عنه؛ ليس تقليلا من شأنه، وإنما مراعاة لواجب الوقت، وهكذا.

وما أحوج أمتنا اليوم إلى هذا النوع من الفقه، بعد أن أصبحت تكبر الصغير، وتصغر الكبير، وتهون العظيم، وتعظم الحقير، وتقدم ما من حقه التأخير، وتؤخر ما من حقه التقديم؛ فاختل فيها فقه مراتب الأعمال والنسب بينها اختلالا كبيرا.

فترى الاهتمام بالمظهر أكثر من المخبر، وبالأسماء أكثر من المسميات، وبالعناوين أكثر من المضامين، وبالتوافه أكثر من العظائم؛ فإذا مات الفنان أو الراقصة أو لاعب الكرة تقوم الدنيا ولا تقعد، فتعقد الندوات، وتكتب المقالات، وتتكلم الشاشات والإذاعات، والصحف والمجلات، أما إذا مات العالم والداعية والمربي فلا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا...!

ولقد قرر القرآن الكريم أن الأعمال ليست سواء، قال سبحانه: "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ". التوبة: 19.

وجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإيمان شعبا منها أعلى ومنها أدنى، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "الإيمان بضع وستون شعبة. فأفضلها قول لا إله إلا الله. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان".

وإن الناظر في أحكام الإسلام، وفي كل مجالاتها وأبوابها الفقهية والخلقية والعقدية يجد فيها الأهم والمهم، والواجب والفرض، والمندوب والمستحب، والمكروه والمحرم وهكذا.

فهناك أولويات في العقيدة، وهناك أولويات في العبادات، وهناك أولويات في المعاملات، وهناك أولويات في الدعوة والإصلاح، وهناك أولويات في العلم وتحصيله، وهناك أولويات في العمل ومراتبه، وهناك أولويات في الفتوى، وفي كل مجال من مجالات الإسلام والحياة نجد أولويات.

وقد فصل في هذا كله شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الرائد عن الأولويات، والدكتور محمد الوكيلي عن فقه الأولويات أيضا الذي عمق فيه هذا الفقه، وقد أصبح للأولويات اهتمام خاص عند دعاة العصر وعلمائه.

آثار اعتبار الأولويات:

ولا يخفى ما للاهتمام به من آثار طيبة على العقيدة والعبادة والدعوة والإصلاح، بل إن له أثرا لا ينكر على ترشيد العمل الإسلامي، وتعزيز الاعتدال والتوازن عند شباب الصحوة، وحسبنا ما قرره شيخنا القرضاوي في مقدمة كتابه عن هدفه من هذه الدراسة حين قال: "وتحاول هذه الدراسة أن تلقي الضوء على مجموعة من الأولويات التي جاء بها الشرع وقامت عليها الأدلة، عسى أن تقوم بدورها في تقويم الفكر، وتسديد المنهج، وتأصيل هذا النوع من الفقه. وحتى يهتدي بها العاملون في الساحة الإسلامية والمنظِّرون لهم، فيحرصوا على تمييز ما قدَّمه الشرع وما أخَّره، وما شدَّد فيه وما يسَّره، وما عظَّمه الدين وما هوَّن من أمره. لعل في هذا ما يحد من غلو الغالين، وما يقابله من تفريط المفرِّطين، وما يُقرِّب وجهات النظر بين العاملين المخلصين".

فمتى أدرك الشاب أولويات دينه، وأولويات واقعه فلن يقدم على أعمال ليست من واجب الوقت؛ فضلا عما من شأنه أن يزعزع أمن المجتمعات مثلا، ويهدد سلامتها، ويسفك دماءها.

المبحث الرابع: التبصر بالواقع الذي يتم تنزيل النصوص عليه بكل أبعاده

ولإدراك فقه الواقع أيضا أهمية لا تقل خطورة عن فقه المآلات أو المقاصد أو الأولويات؛ إذ إن كل الرسالات السابقة على الإسلام جاءت تعالج واقعا معينا، ولم تكن بمعزل عن واقعها الذي يتميز بالتغير والتحول والتجدد والتنوع والاختلاف، وكذلك جاءت رسالة الإسلام لتصلح الناس وتسعد حياتهم في ظلاله.

وقد عرف الدكتور ناصر العمر فقه الواقع بقوله: "علم يبحث في فقه الأحوال المعاصرة من العوامل المؤثرة في المجتمعات والقوى المهيمنة على الدول، والأفكار الموجهة لزعزعة العقيدة، والسبل المشروعة لحماية الأمة ورقيها في الحاضر والمستقبل".

وهذا الفقه له أهمية عند الحاكم والمفتي، يقول ابن القيم عن ذلك وأهميته: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر.

فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله..... ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله".

ثم إن المتأمل في أحكام الإسلام وآيات القرآن يجد منها ما أنزل في مكة، ومنها ما أنزل في المدينة، وهذا دليل على مراعاة الواقع الذي يحياه الناس.

ولقد راعى الشارع الحكيم أحوال الناس؛ فلم يفرض عليهم المواجهة المسلحة من أول الأمر، ولم يحرم عليهم الخمر مرة واحدة، ولم يفرض عليهم الصيام مرة واحدة، ولكن كان هذا كله ـ وغيره ـ عبر مراحل وتدرج حتى يتقبل الناس شرع الله تعالى؛ لأنه هو الذي خلق، وهو يعلم من خلق؛ متى يستجيبون ومتى لا يستجيبون: "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ". الملك: 14.

إن فقهاءنا السابقين جاءوا في عصر فكانت لهم اجتهاداتهم الخاصة بعصورهم، ومن المشهور أن أصحاب أبي حنيفة ـ رضي الله عنهم ـ أفتوا بغير ما أفتى به شيخهم في كثير من المسائل، وقالوا في هذا: "هذا اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان"، مع أن ما بين أبي حنيفة وتلاميذه لم يكن طويلا بل كان عقدا أو عقدين، وقالوا: لو عاش أبو حنيفة ورأى ما رأينا لقال بما نقول به.

ولما نزل الشافعي إلى مصر وترك العراق غير بعض معالم مذهبه، وأفتى بفتاوى مغايرة لما كان عليه مذهبه، واشتهر بأن له مذهبين: مذهبا قديما، ومذهبا جديدا؛ وما هذا إلا مراعاة لتغير المكان والزمان واعتبارا للأشخاص والحال.

ومن المعروف أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال والشخص والمآل، وهذا كله اعتبار لفقه الواقع، قال ابن القيم في كلمة صارت علما يُهتدَى به: "فصلٌ في تغير الفتوى واختلافها يحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ص - أتم دلالة وأصدقها".

هذا كله يدلك على مدى اهتمام الشرع بالواقع، ومدى تفاعل فقهائنا السابقين مع واقعهم، وأنهم استفرغوا جهدهم لاستهداء الشرع لهذا الواقع ومشكلاته، وعلينا أن نجتهد كما اجتهدوا، لنستنزل لواقعنا ومشكلاته من هدايات الشرع ما يجعلنا على طريق مستقيم وصراط قويم.

ثمرات الاهتمام بفقه الواقع :

ولعل من آثار الاهتمام بفقه الواقع اليوم أن يقينا من الجفاء عن الشرع أو الغلو فيه، ويجعل العلماء مدركين تماما لطبيعة العصر الذي نعيشه؛ فلا يجلبون آراء واجتهادات ناسبت عصورا معينة، ثم يعتسفونها لواقعنا وهي لا تناسبه، وهذا ما يؤكد حاجة الأمة إلى علماء مجتهدين؛ ليجتهدوا لعصرهم، كما اجتهد من قبلهم لعصورهم.

ومن ثمرات الاهتمام بفقه الواقع أن يدرك الشباب المسلم الملتزم والمتحمس لدينه أن الواقع قد تغير عما كان عليه قبل عقد وقبل عقدين فضلا عن زمن الخلافة الراشدة، وأصبحنا الآن نعيش في زمن الدولة الحديثة التي أفرزت حدودا لها أحكامها، ومزقت الأمة إلى دويلات، كل دولة لها شئونها، ولها سياساتها، ولها مشروعاتها المنعزلة عن غيرها، وهذا كله يفرض علينا تساؤلات وقضايا سياسية وشرعية، تحتاج إلى اجتهاد جديد.

ومن أبرز ما يتصل بهذا هو قضية الجهاد، وفي كل أزمة تقع ـ أفغانستان، العراق، فلسطين ـ نرى ونسمع مثلا عن الشباب المتحمس أنه يريد أن يتسلل ليصل إلى هذه البلاد المعتدى عليها، وينضم هناك للمقاومة ليظفر بالشهادة، ويشرف بمقاومة العدو دون نظر لما يمكن أن يؤدي إليه هذا المسلك من مفاسد خاصة وعامة.

فإدراك فقه الواقع، وتغير العصر، وتطور الأوضاع يجعل المسلم أكثر وعيا، ويجعل شباب الأمة أعمق فهما، وأكثر ترشيدا؛ فيتصرفون التصرفات المناسبة التي تجمع ـ قدر الإمكان ـ بين قضاء الواجبات، وعدم إهمال تغيرات الواقع وتطورات الزمان.

المبحث الخامس: الرجوع للعلماء الصادقين والدعاة الربانيين

يختلف الإسلام عن الديانات الأخرى في النظر إلى طبيعة وجود العلماء، فالرسالات الأخرى كانت رسالات محدودة بأزمنة محددة، وأمكنة معينة، وأقوام وأجيال بأعيانهم، ثم إذا انحسم الأمر وآمن بالرسول من آمن وكفر به من كفر يقضي الله تعالى بالنجاة للمؤمنين وبالهلاك على الكافرين، ثم ينتهي المشهد الرسالي لينكشف الستار على رسالة أخرى ورسول جديد وقوم آخرين.

ولما جاءت رسالة الإسلام جعلت للعلماء مكانا أيَّ مكان، ومنزلة أي منزلة؛ ذلك أن هذه هي الرسالة الخاتمة والخالدة، فالعلماء فيها ورثة النبوة؛ يقومون بدورها في إبلاغ الدعوة وإقامة الحجة وإزالة الشبهة، فلا يزال نور النبوة موجودا وممدودا في أمة الإسلام ما وُجد فيها العلماء المخلصون، والدعاة الصادقون الربانيون.

ومن هنا كانت الآيات التي تتحدث عنهم وعن مكانتهم وفضلهم وثوابهم كثيرة، ومن ذلك:

قول الله تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". سورة الزمر: 9 .

وقوله سبحانه: "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء". سورة فاطر: 28 .

ويقول جل وعلا: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". سورة النساء: 59 . وأولو الأمر ـ كما يقول أهل العلم ـ: هم العلماء، وقال بعض المفسَّرين : أولو الأمر: الأمراء والعلماء.

ويقول الله جل وعلا: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ". المجادلة: 11.

وقوله عز وجل: "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً". طه: 114. وهل استزاد النبي من شيء غير العلم؟

وأدخل الله تعالى من يكتمون العلم في دائرة الملعونين في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ . إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ". البقرة: 159-160.

وفي السنة النبوية وبعض الآثار وجدنا هذا وأكثر:

فعن مالك: أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: "يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء".

وروي أنه: "يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء".

قال المناوي: "(مداد العلماء) أي الحبر الذي يكتبون به في الإفتاء ونحوه كالتأليف (ودم الشهداء) أي المهراق في سبيل الله (فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء)، ومعلوم أن أعلى ما للشهيد دمه، وأدنى ما للعالم مداده، فإذا لم يف دم الشهداء بمداد العلماء كان غير الدم من سائر فنون الجهاد كلا شيء بالنسبة لما فوق المداد من فنون العلم، وهذا مما احتج به من فضل العالم على الشهيد".

وقد عبر بعضهم عن ذلك فقال:

يا طالـبي علم النبي محمـد

ما أنتمُ وسواكـمُ بسـواء

فمِدادُ ما تجري به أقلامُكـم

أزكى وأرجحُ من دم الشهداء

وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "... ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة...".

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".

وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من سئل عن علم علمه ثم كتمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلجام من نار".

فكل هذه نصوص تبين قيمة العلم، ومنزلة العلماء، والأمر بتبيينه، والنهي عن كتمانه، وفضل طلبه، وأن موت العالم مصيبة يقبض بها العلم، وهذا كله يدل على تميز منزلة العلماء في الإسلام؛ لما يقومون به من تبليغ ميراث النبوة، ويحملونه من دعوة الإسلام.

ولا تزال جماهير الأمة المسلمة ترجع إلى العلماء في جميع الظروف، فتترقب كلمتهم في حال السلم والحرب، حال الغنى والفقر، حال القوة والضعف، حال الحرية والاستبداد، ولا تزال الشعوب تلتف حول علمائها، ولا يزال للعلماء مكانة وهيبة وكلمة ومرجعية وقيمة كبيرة في قلوب الأمة، وكل أزمة تمر بها الأمة تُقوِّي هذه المعاني وتؤكدها.

وحينما نَصِفُ العلماء بـ "الصادقين"، والدعاة بـ "الربانيين" إنما نعني العلماء الرساليين والدعاة المخلصين أصحاب التجرد والإخلاص، والقوة في الحق، والجرأة في الصدع به دون خشية من ترهيب هنا أو رجاء في ترغيب هناك، الذين قال الله فيهم: " الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً". الأحزاب: 39.

إذ إن هؤلاء هم الذين تلتف حولهم الأمم والشعوب، وتثق في كلمتهم الجماهير، ويخشاهم الحكام الظالمون، ويؤثرون في الأمة التي تنتظر كلمتهم وتترقب رأيهم فيما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم. ثمرات الرجوع لهم:

ووجود هذه النوعية من العلماء والدعاة في الأمة، ورجوع الناس إليهم، له آثار كبيرة وثمرات عظيمة، من ذلك:

1- تقديم وتوضيح الدين كما أراد الله وأراد رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون إفراط ولا تفريط.

2- الكشف عن حكم الله الحق دون خوف من ترهيب، أو رجاء في ترغيب.

3- رسم الطريق الصحيحة المتوازنة لكي تسير فيها الأمة.

4- تبصير الأمة بحكم الله ـ اجتهادا ـ في الوقائع الجديدة والملمات المستحدثة.

5- الوقاية من تيارات الإفراط والغلو بإظهار مخاطر الغلو وآثاره المدمرة، وبيان اعتدال الإسلام وتوازنه.

6- القضاء على تيارات التفريط والانحلال ببيان سماحة الدين ورحمته واستيعابه لكل مظاهر الحياة.

7- وجودهم في الأمة يعتبر صمام أمان وضمانة للأمن والسلام والاستقرار الفكري والأمن الوطني.

وإذا كان الأمر كذلك وجب علينا أن نهتم بتكوين علماء ودعاة من هذه النوعية؛ لأن واقعنا اليوم أصبح فقيرا إلى علماء من هذا النوع، وقد بدأت مشروعات في بعض الدول العربية تهتم بتكوين علماء ربانيين ودعاة صادقين.

خاتـمة وتوصـيات

من خلال المعالم والمعايير التي عرضناها في هذا البحث يتبين لنا أهميتها، ودورها الناجع في الوقاية من أمراض العنف وعلل التطرف ودفعه؛ فضلا عن معالجته ورفعه، ولو أحسنا القيام بتطبيق هذه المعالم ومحاولة إيجادها واستثمارها إعلاميا وفضائيا لكان لها نتائج طيبة على شباب الأمة الذي هو ـ في الحقيقة ـ ضحية للثقافات الموروثة الضالة في غيبة من توضيح الثقافة الشرعية الأصيلة، المعتدلة والمتوازنة دون تبرئتهم شخصيا من مسئولية يتحملونها أيضا بشكل أو بآخر.

ذلك، أن القناعات المعرفية هي البوابة الطبيعية للتغيير الوجداني الذي ينعكس إيجابا أو سلبا على السلوك والتصرف حسب هذا التغيير وتلك القناعات، ولن تتغير هذه القناعات ـ في رأيي ـ بسهولة، بل لابد من تفكير وتخطيط لذلك، وتدرج في الخطوات والوسائل، وعرض مشرف ولائق بالإسلام، بعيدا عن الإفراط والتفريط، وبمعزل عن الغالي فيه والجافي عنه، وتوفير لأجواء الحرية المنضبطة التي لا ينبت الفكر الصحيح والفهم السليم إلا فيها.

وتوصي هذه الورقة بما يلي:

1- إبراز العلماء ذوي التوجهات المعتدلة والمتوازنة إعلاميا وفضائيا؛ ليكون في انتشارهم ووجودهم ضمانة للتوازن والاعتدال.

2- إنشاء مراكز علمية متخصصة تبحث في أسباب وآثار وشبهات الغلو والتطرف؛ لترد عليها ردا علميا يبلغ الدعوة ويقيم الحجة ويزيل الشبهة.

3- إعداد برامج إعلامية تروج لثقافة الاعتدال ونبذ العنف مستخدمة ما تنتجه هذه المراكز العلمية في خطابها الإعلامي لترشيده وتقويته.

4- الاهتمام بفقه الأولويات وفقه الموازنات وفقه الواقع وفقه المقاصد وفقه السنن في مناهجنا الدراسية بمختلف مراحلها التعليمية، كل مرحلة بما يناسب مستواها.

والحمد لله رب العالمين،،،

السيرة الذاتية للمؤلف

الاسم: وصفي عاشور علي أبو زيد.

مكان الميلاد وتاريخه: محافظة كفر الشيخ بجمهورية مصر العربية: 11 جمادى الثاني1395هـ الموافق: 20/6/1975م.

عنوان المراسلة: [email protected]

المؤهلات والخبرات :

  • سجل لدرجة الدكتوراه بعنوان: «المقاصد الجزئية وأثرها في الاستدلال الفقهي» في ديسمبر 2005م. بكلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة.
  • ماجستير في الفقه والأصول من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، بتقدير ممتاز، في مارس 2005م ، بعنوان: «نظرية الجبر في الفقه الإسلامي، دراسة تأصيلية تطبيقية».
  • ليسانس اللغة العربية والعلوم الإسلامية من الكلية نفسها والجامعة 1997م .
  • شارك في إعداد معلمة القواعد الفقهية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي ­ جدة.
  • عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
  • عضو الجمعية الفلسفية المصرية منذ عام 2005م.
  • مستشار دعوي وإيماني لموقع إسلام أون لاين، وموقع الإسلام اليوم.
  • باحث شرعي بالمركز العالمي للوسطية بالكويت منذ عام 2006م.
  • نشرت له الصحافة الورقية والإليكترونية مئات المقالات والأبحاث في الفقه والأصول، والفكر والدعوة، والتربية، وشئون الأسرة، وغيرها.

أهم المؤلفات :

1 ­ نظرية الجبر في الفقه الإسلامي، دراسة تأصيلية تطبيقية.

2 ­ الحرية الدينية ومقاصدها في الإسلام.

3 ­ مشاركة المرأة في العمل العام.

4 ­ المحاولات التجديدية المعاصرة في أصول الفقه، دراسة تحليلية.

في ظلال سيد قطب، لمحات من حياته وأعماله ومنهجه التفسيري..

رعاية المقاصد في منهج القرضاوي.

منهج الشيخ محمد الغزالي في تناول مسائل العقيدة.

حفظ الأسرة في الإسلام، قراءة في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها.

أهمية القرآن في حياة المسلم.

10ـ أسس التعامل مع القرآن الكريم.