معاهدة السلام والإخوان في أربعين عاما

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
معاهدة السلام والإخوان في أربعين عاما


مقدمة

منذ أن وضع الصهاينة بذرة إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين في مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897م وهم يسعون بخطى ثابته وبكل السبل من تحقيق هذا الهدف، حيث استعانوا على تحقيقه بكل الوسائل ومساندة الدول الكبرى، حتى استطاعوا أن ينتزعوا اعترافا من الدول الاستعمارية بأحقيتهم في تحقيق ذلك عام 1917م حينما أطلق آرثر جيمس بلفور – وزير خارجية بريطانيا - وعده بأحقية اليهود في العيش في فلسطين في نوفمبر 1917م، حيث كانت البداية لتكوين كيان صهيوني في جسد الأمة الإسلامية، ولكي يتخلص الغرب من المشاكل التي يسببها تواجد اليهود في بلادهم.

ظل الغرب يعمد لتمكين اليهود من الأرض مع قمع أى اعتراض يقوم به أصحاب الأرض الأصليين، أو إعمال القتل والتفريق والتشتيت لهم في البلاد، حتى كان قرار الأمم المتحدة رقم 181 والذي صدر بتاريخ 29 نوفمبر 1947م بتقسيم فلسطين بين أصحاب الأرض والمغتصبين الصهاينة، وعلى إثر ذلك اندلعت مواجهات بين الدول الإسلامية والكيان الناشيء عمدت فيه الدول الكبرى إلى دعم الكيان الصهيوني بالقوة والتي حققت لهم انتصار على الجيوش العربية، بل استطاعت فرض الأمر الواقع على الحكومات والشعوب الإسلامية، بعد حصار الجيش المصري في الفالوجا، وبعدما استحوذت على ما يقرب من 75 % من مساحة فلسطين.

عمد اليهود منذ اللحظة الأولى إلى توجيه رسائل عنيفة إلى الشعب الفلسطيني الأعزال وإلى كل من ينادى بتحرير فلسطين، حيث أمعن الصهاينة القتل والمذابح في الشعب الفلسطيني الأعزل.

ظلت المواجهات مستمرة – مع خنوع تام للحكام العرب والمسلمين وحكوماتهم، بل وصل الأمر لخيانة بعضهم من أجلس عروشهم – حتى اندلعت مواجهات مع مصر عام 1956م ضاعت على إثرها مساحات كثيرة من أرض فلسطين، حتى جاءت حرب النكسة عام 1967م لتفرض إسرائيل هيمنتها على جميع الأراضي الفلسطينية وجزء من الأراضي المصرية والسورية، بعدما أذاقوا الجيوش العربية الذل والهوان في سبعة أيام، ورغم محاولات استرداد الكرامة بأى عمل إلا أن الحكومات العربية انشغلت بضرب الحركات الإسلامية فيها عن محاولة استرداد الأراضي المحتلة، وظل الحال ما يزيد عن الست سنوات، حتى اندلعت حرب أكتوبر 1973م والتي استطاع الجيش المصري فيها تحقيق بعض الانتصار قبل أن تتوقف الحرب برعاية الدول الكبري، وفرض السلام على الحكومة المصرية، والتي حاولت تصور السلام بين الطرفين أنه خير للوطن والشعب إلا أن المعرضة – وفي قلبها الإخوان الذين كان قد خرجوا للتو من السجون وعادوا لنشاطهم – وهو ما قابله النظام بالضرب بيدي من حديد لإسكات كل صوت عارض معاهدة السلام مع إسرائيل.

وبعد أربعين عاما كثيرا من هذه الأصوات العربية والإسلامية والحزبية قبلت بالأمر الواقع والتطبيع مع إسرائيل والتعاون معها وتمكينها من العيش بسلام والضرب بيدي من حديد على المقاومة المستمرة ضد الوجود الصهيوني.

معاهدة السلام رفض شعبي رغم الازدهار الرسمي

اندلعت حرب أكتوبر عام 1973م حيث اشتعلت جميع الجبهات المحيطة بإسرائيل حتى ظن البعض أن هذه نهاية إسرائيل، حيث حارب الجيش المصري على جبهة في حين الجيش السوري على الجبهة الأخرى، في الوقت الذي أعلن بعض الحكام العرب الحرب التجارية والاقتصادية على جبهات أخرى، بعدم توفير النفط لأمريكا الداعم الأول لإسرائيل، وقد عاشت المنطقة كلها على واقع انتصار الجيش المصري الذي حققا انتصارا بمعاونة روح الشعوب العربية والإسلامية وبعض جهود الحكام العرب.

إلا أن الأمر لم يطل كثيرا حتى تفاجأ الجميع بإعلان وقف الحرب بين الطرفين، لإفساح المجال لمعاهدات السلام أن تحل بين جميع الأطراف، وعلى الرغم من الرفض الشعبي والرسمي العربي والإسلامي لهذا الاتفاق الاحادي من جانب النظام المصري، إلا أنه صمم على اكمال وانجاز هذه المهمة مدفعا بوعود أمريكية في حال تحقيق هذه المعاهدة.

أقلعت طائرة الرئيس المصري من مطار القاهرة ضاربة بالغضب العربي عرض الحائط متجهة إلى واشنطن عاصمة الولايات المتحدة في 26 مارس 1979 في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد لعام 1978، حيث وقَّع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن، معاهدة سلام بين البلدين وشهدها رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر.

وقعت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل بعد 16 شهرا من زيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل في عام 1977 بعد مفاوضات مكثفة، وكانت السمات الرئيسية للمعاهدة الاعتراف المتبادل، ووقف حالة الحرب التي كانت قائمة منذ الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 وتطبيع العلاقات وسحب إسرائيل الكامل لقواتها المسلحة والمدنيين من شبه جزيرة سيناء التي كانت احتلتها إسرائيل خلال حرب الأيام الستة في عام 1967، ووافقت مصر على ترك المنطقة منزوعة السلاح، وينص الاتفاق أيضا على حرية مرور السفن الإسرائيلية عبر قناة السويس والاعتراف بمضيق تيران و‌ خليج العقبة ممراتٍ مائية دولية، وكان الاتفاق قد جعل مصر أول دولة عربية تعترف رسميا بإسرائيل.

دخل تطبيع العلاقات بين إسرائيل ومصر حيز النفاذ في يناير 1980. وتم تبادل السفراء في فبراير. وقد ألغيت قوانين المقاطعة من قبل البرلمان المصري في الشهر نفسه، وبدأت بعض التجارة تتطور، وفي مارس 1980 تم تدشين رحلات جوية منتظمة. كما بدأت مصر بإمداد إسرائيل بالنفط الخام.

قوبلت هذه المعاهدة بجدل هائل في جميع أنحاء العالم العربي حيث أدينت واعتبرت طعنة في الظهر، وكان الشعور بالغضب قويا بوجه خاص بين الفلسطينيين، وقد نقل مقر الجامعة العربية كمقر دائم إلى تونس، وعزلت مصر عن بقية الدول العربية (1).

ظلت مصر محافظة على هذه المعاهدة، حتى بدأ الحكام العرب رويدا رويدا يسعون للاعتراف بالكيان الصهيوني، وتوفير الأمان له، وعادت الأمور لسابق عهدها، وعادت جامعة الدول العربية لمقرها الأول مصر عام 1990م.

وقد بلغت ذروة ذلك في السنوات الأخيرة حيث عمدت كل الدول وعلى رأسها الإمارات والسعودية والبحرين ومصر على التسليم التام بكل مسوغات المطالب الإسرائيلية.

الإخوان ومعاهدة السلام وجها لوجه

لم يكن اهتمام الإخوان المسلمين بقضية فلسطين وليد الحوادث والتطورات التي أعقبت قرار تقسيم فلسطين سنة 1947، ولكنه سبق ذلك التاريخ بزمن طويل. فهم أدرجوا القضية الفلسطينية في قائمة اهتماماتهم منذ بداية ثلاثينيات القرن العشرين، وتبنوها بكل حزم كقضية إسلامية تهم كل المسلمين. لقد كانت حقيقة الصهاينة معروفة وواضحة عند الإخوان المسلمين الذين أدركوا مبكراً طبيعة المشروع الصهيوني، وأنه لا بدّ من مواجهته بالجهاد.

من هذا الموقف المبدئي والاستراتيجي، استمر الإخوان المسلمون في طريقهم، وقدموا لها ما يملكون من طاقات وقدرات في محيط من المؤامرات والاتهامات سواء في مصر أو فلسطين أو بقية الدول.

استمر موقف الإخوان الداعم للقضية الفلسطينية والعمل على تحرير المسجد الأقصى حتى أنه شارك بعضهم في قواعد الشيوخ التي تمت أواخر الستينيات في الأردن والتي شكلت تهديدات صريحة للكيان الصهيوني ولولا الأنظمة الحاكمة لكان لها شأن أمام الكيان الصهيوني إلا أنه ما أن مرت السنوات حتى عادت للتشكيل المنظم والممنهج في حركة حماس الإسلامية.

حلت بالأمة نكبات متتالية منذ عام 1948م حينما سيطر الصهاينة على أجزاء كثيرة من فلسطين، وظلوا يعمدون إلى التوسع حتى اجتاحوا كل فلسطين وسيناء والجولان والضفة الغربية، في نكسة عام 1967م وظلت جميع الأراضي تحت سيطرتها حتى حرب 1973م التي أعادت جزء بسيط من سيناء فحسب، مما دفع النظام الحكام إلى التفاوض الأحادي في سبيل استرداد الجزء المسلوب من بلده دون غيره من بقية الأراضي العربية المسلوبة، فأعلن السادات في قاعة مجلس الشعب وأمام الأعضاء الذين انطلقت أيديهم بالتصفيق أنه على استعداد للذهاب إلى الكنيست الإسرائيلي، [أقول الآن أمامكم إنني مستعد أن أذهب إلى بيتهم، إلى الكنيست ذاته ومناقشتهم” وبالفعل، دُهشت إسرائيل والعالم كلّه من استعداد الرئيس المصري للذهاب إلى إسرائيل] (2).

وكما ذهلت إسرائيل صدمت الدول العربية من جراء هذا القرار الآحادي، مما دفع العرب لمقاطعة مصر وسحب جامعة الدول العربية من القاهرة ونقلها لتونس، وأصبحت مصر في عزلة عن العرب والمسلمين.

لم يكن الوضح الداخلي بأفضل حال من الوضع الخارجي، فعلي الرغم من كون أنصار النظام رحبوا بهذه المعاهدة – ومن قبلها معاهدة كامب ديفيد – بل أن أعضاء مجلس الشعب وقتها قابلوا القرار بعاصفة من التصفيق ولم يعترض عليها إلا خمسة عشر عضوا دفع السادات إلى حل البرلمان حتى تمر المعاهدة.

حتى أن صوفي أبو طالب قدم التهنئة للنواب الذين بقوا في القاعة، قائلا:

«بعد أن قالت الأمة ممثلة فيكم كلمتها، أقول ونقول جميعا لأنفسنا، مبروك»، كانت التهنئة لموافقة 329 نائبا على اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجين يوم 26 مارس 1979، فى مقابل رفض 15 نائبا، وامتناع نائب واحد.

لقد وقعت المعاهدة في 26/3/1979 تم توقيع اتفاقية الصلح بين مصر وإسرائيل في واشنطن، وفي 4/4/1979 وافق مجلس الوزراء بالإجماع في جلسة واحدة على الاتفاق.

وفي 10/4/1979 وفي نفس الجلسة أخذ التصويت على الاتفاقية وكانت نتيجته:

329 عضو موافق، و15 عضو معترض، وواحد امتنع، و13 تغيبوا، وفي 11/4/1979 أصدر الرئيس السادات قرارا بحل مجلس الشعب ، وبإجراء استفتاء على الاتفاقية وعلى حل المجلس وعلى عشرة موضوعات مختلفة خبطة واحدة.

جاءت معاهدة السلام لتكمل مسيرة معاهدة كامب ديفيد التي وقعها السادات على أرض فلسطين المحتلة ووسط الصهاينة داخل الكنيست الإسرائيلي، مع الرفض الشعبي والنخبوي لهذه المعاهدة.

كان الإخوان المسلمون أحد القوى التي رفضت المعاهدة واعترضوا عليها وعلى بنودها، وعلى ما ترتب عليها من إهدار للقضية الفلسطينية.

كتب الأستاذ عمر التلمسانيالمرشد العام للإخوان المسلمين يقول:

لقد عارضنا معاهدة السلام لأنها جرتنا إلى حلف مع الولايات المتحدة باعتبارها أحد الأطراف الثلاثة للمعاهدة (مصر وإسرائيل والولايات المتحدة) وعارضناها كذلك لأنها أجحفت بالأهم من حقوقنا، وعارضناها أصلا وفرعًا لأنه لا يجوز شرعًا أن يرضي مسلم طائعًا بإقرار غير مسلم على اغتصابه لأرض المسلمين، من نفس هذه الاعتبارات لا نرضى بالدخول في أحلاف، أيًا كان الاسم الذي سيطلق عليها، لما ذكرناه من أسباب حضرتنا وأخرى غابت عنا، وهنا يسأل الناس: وما البديل؟ أنه من السهل على كل إنسان أن ينتقده وليس النقد وحده هو مهمة الدعاة إلى الله، ولكنه النقد المقترن بالحل الأفضل، والطريق الأمثل، إننا لا نشك في قوة أحد المعسكرين قوة تبدو قوتنا أمامها لا شيء، ولعل هذا الوضع هو الذي يجعل بعض المشتغلين بالسياسة العامة يفضل أو يبرر الدخول في أحلاف، وقد سمعنا في حرب أكتوبر أننا لا نستطيع أن نحارب الولايات المتحدة التي فتحت الثغرة المنكودة، والإخوان المسلمون واقعيون، ليس للخيال في آرائهم أي مجال، كما أنهم يحكمون عقولهم أكثر مما يخضعون لمجرد عواطفهم (3).

وهاجم المعاهدة في مقال أخر بقوله:

بعيدًا عن مبادرة القدس، ووثيقتي كامب دايفيد، ومعاهدة السلام، بعيدًا عن هذا كله، فقد عارضنا هذه الخطوات كلها – لا يحدونا في ذلك غرض سياسي أو مزايدة سياسية، أو شعارات نفعية – لأننا ما طالبنا يومًا بحكم بغير الإسلام، فنحن كما قلنا ونقول وسنقول لا يعنينا من يحكم، ولكن كل الذي يهمنا ونحرص عليه، كيف يكون الحكم وما هو نظامه؟! إننا عارضنا من أصول ديننا، الذي يبيح لغير مسلم أن يحتل أرضًا مسلمة، ثم يقره المسلمون راضين مختارين، على هذا الاحتلال (4).

وكتب في موضع أخر يقول:

إننا لا نخاف السلام، بل إننا لنتمناه من كل قلوبنا، إننا برفضنا التعاهد معهم ندعو إلى السلام كل السلام، إن السلام ليست كلمة تلوكها الألسن لأن وقعها يحلو في الأسماع، وترتاح إليه النفوس، إن السلام ليس في منع الحرب، فلا يخاف الحرب دفاعًا عن الشرف والدمار، إلا الجبناء والرعاديد، إن الذين عرفتهم إسرائيل، صدق عند اللقا، صبر عند وقع القنا ودوي الرصاص، لا يخافون السلام ولكنهم يحبونه ويحضون عليه ويطالبون به، ما كان سلامًا يحفظ الحق كاملا، ويدرأ الغش والخديعة وانتهاز الفرص، وإذا كنا كما يقال – بغير حق – لا نقدر على إسرائيل، وهم شرق قناة السويس فنحن أضعف قوة، وأوهى قدرة على التخلص منهم، وهم بين أظهرنا، وفي دخيلة بيوتنا، سيقيمون في كل قرية مرقصًا، والشباب غير المدعم بالعقيدة يحب الفساد، سيفتحون في كل مركز "كباريه" والتافهون وما أكثرهم يحبون إزجاء الفراغ في تلك المواخير، سيحطمون بأساليبهم الخبيثة التي سيطرت عليها الأبالسة والشياطين، كل مؤسسة مصرية صميمة، ما لنا ولتجربة هذا الشر المريع!! (5).

وكتب أيضا عن موقف العرب المتخاذل فقال:

عقدت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل وعارضناها من أول يوم لأنها كانت وما تزال شرًا من جميع نواحيها، وعلت صرخاتكم غضبًا وتهديدًا، وكنا نظن أنكم ستفعلون شيئًا ينقذ المسلمين من أخطار هذه المعاهدة الفظيعة، فلم نر إلا مؤتمرات جوفاء، عدمها خير من انعقادها، ولم نسمع إلا احتجاجات كالطبل الأجوف، ولم نسمع إلا وسوسة بلايين الدولارات تنحدر من جيوب إلى جيوب، لا لترد إسرائيل على أعقابها، ولكن لينكل القابضون منكم بشعوبهم المسلمة بإغراء الدافعين منكم أيها السادة المغاوير!! عزيز علي وربي أن أتحدث عنكم هكذا ولكنه الحق الذي خذلتموه، ولكنه الحق الذي يصدع من يحبه وينصره، ولما فاضلت بين الاثنين لم أتردد أن آخذ جانب الحق مهما طالت أذرعتكم، التي لا تتطاول إلا على دعاة الحق المسلمين، ولا تعجز إلا عن أشد الناس عداوة لكم.. الصهيونية.

لقد قاطعتم مصر بسبب معاهدة السلام، وقد رفضنا هذه المعاهدة من أولى خطواتها، وها هي الأيام تثبت ضرر هذه المعاهدة بصور متواصلة من استغلال إسرائيل لكل معنى فيها، وترخصنا في التمسك بما هو في صالحنا منها، إن كان فيها شيء لصالحنا، وهو ما لا نعتقده، لقد أنكرتم على مصر هذه المعاهدة وكنتم على حق، ولكنكم بعد ذلك ضللتم طريق الإصلاح واضطربت بينكم المفاهيم في علاج أخطار هذه المعاهدة، لقد كانت مصر سببًا للقطيعة بهذه المعاهدة ولكنكم زدتم الطين بلة، وضاعفتم الأخطار لا على مصر وحدها، ولكن عليكم أنتم أيضًا وعلى المسلمين جميعًا، وإذا كانت مصر فكرت في استقرار تحصل عليه عن طريق هذه المعاهدة، فإن إسرائيل ما كان هذا في تقديرها، وما كانت لترضاه أبدًا، ولكن في تقديرها تمزيق شمل الوحدة الإسلامية وقد نجحت، وقد أعنتموها على النجاح بهذه المواقف التي لا خير يرجى من ورائها، وإن كانت محققة المضرة، إن فرقتكم تمكن لإسرائيل، فهل أنتم حريصون على التمكين لإسرائيل، فهل أنتم حريصون على التمكين لها منكم، ألا تقدرون أنكم لو تصالحتم واتفقتم ثم توحدتم، ألا تقدرون أن هذا كفيل بأن يوقف إسرائيل عند حدها، ويعين مصر على التنصل من هذه المعاهدة التي تخالف إسرائيل نصها وروحها بندًا بندًا وفقرة فقرة ومادة مادة "ثقوا أن مجرد لقاء بينكم حتى ولو لم تخرجوا منه بقرارات موحدة، وحتى لو لم تخرجوا منه متنابذين متقاطعين مجرد لقاء بينكم أيها الملوك.. أيها الأمراء.. أيها الرؤساء.. أيها البني آدميين.. أيها الشمس البهاليل، موقف واحد منكم مجتمعين، يهز إسرائيل ومن وراءها من الأعماق، ويزلزل كيانها وكيانهم جميعًا، جربوا مرة واحدة، تجردوا من كل شيء إلا ابتغاء وجه الله، واجتمعوا على هذا المعنى وبهذا الفهم، وسترون الآثار الضخام التي ستترتب على هذا اللقاء (6).

وقال: يوم أن تمت مبادرة القدس وعارضناها، هوجمنا هجومًا عنيفًا، اتهمنا المؤيدون للمبادرة، بفقدان الشجاعة الأدبية في مواجهة المشكلات العاتيات، ويوم أن أنكرنا وثيقتي كامب دايفيد، رمانا الكتاب الكبار، بالجهل في معالجة العقد السياسية المستعصية ويوم أن احتججنا على معاهدة السلام، اتهمنا كبار الكتاب في مصر، بقصر النظر، وعدم التقدير المستبصر الحكيم لم نقل كلمة تخدش مشاعر من رضوا بكل تلك الخطوات، ووصفونا بالبعد عن النظر المستبصر، ومجانبة الفهم السليم في تقدير الظروف، والإحاطة بالملابسات التي تحتم اتخاذ مثل ذلك محتسبين كل ما وجه إلينا عند العليم بخفايا الصدور، الخبير بمقاصدنا عندما اتخذنا موقف المعارضة والإنكار لكل ما اتخذ من تصرفات (7).

وذكرت موسوعة بيروت: لما أقدم السادات على زيارة إسرائيل سنة 1977م وعقد معاهدة كامب ديفيد أعلن التلمساني معارضته ومعارضة الجماعة لهذه الخطوة، ورفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتتابعت مقالاته التي تحذر من هذه السياسة في قوة وشجاعة.

وترتب على موقف الجماعة من معاهدة السلام والتطبيع مع إسرائيل أن ساءت العلاقات بينها وبين الدولة التي لم يتسع صدرها للنقد والمراجعة، فضاقت بمعارضة الإخوان لسياستها. وفي ندوة الفكر الإسلامي التي عقدت في الإسماعيلية في (شهر رمضان 1399هـ= أغسطس 1979) وحضرها التلمساني وجه السادات له وللإخوان تهما عديدة، من بينها التخريب والعمالة وإثارة الطلبة وإشعال الفتنة الطائفية، وما كان من التلمساني إلا أن طلب الرد تعقيبا على اتهامات السادات، ووقف أمامه وقال له: "لو أن غيرك وجه إليّ مثل هذه التهم لشكوته إليك، أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها، فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، لقد آذيتني يا رجل، وقد أَلزم الفراش أسابيع من وقع ما سمعته منك".

وارتج السادات لوقع هذه الكلمات الصادقة النابضة بالثقة والإيمان فقال له: "إنني لم أقصد الإساءة إلى الأستاذ عمر ولا إلى الإخوان المسلمين.. اسحب شكواك.."، فأجابه التلمساني بأنها رفعت إلى من لا أستطيع استرداد ما وضعته بين يديه.

وبعد أن انتهى الاجتماع أرسل السادات كلا من عبد المنعم النمر وزير الأوقاف ومنصور حسن وزير الثقافة والإعلام لاسترضاء التلمساني، وأن الرئيس لم يقصد الإساءة إلى شخصه وسيحدد موعدا لمقابلته (8).

وقد ذكرت صحيفة الأهرام قول الأستاذ التلمساني قوله: ولقد تم بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة ما صرح به السيد رئيس جمهورية مصر العربية "إننا لم نصل إلى اتفاق سلام ولكننا اتفقنا على إطار للتفاوض" (9).

لقد خلف الاعتراض على هذه المعاهدة بما يسمى "اعتقالات سبتمبر" التي بدأت يوم 3 سبتمبر 1981 ، التي اعتقل على أثرها محمد أنور السادات ما يزيد علي 1536 من رموز المعارضة في مصر إلى جانب عدد من الكتاب والصحفيين ورجال الدين، وذلك من أجل قمعهم لمعارضتهم للاتفاقية، بالإضافة إلي أن السادات قام أيضا بإلغاء إصدار صحف المعارضة.

وكان السادات قد وجه لمعارضيه كلمات عبر مجلس الشعب يوم 5 سبتمبر قائلا: إن هناك فئة من الشعب تحاول إحداث الفتنة الطائفية، وأن الحكومة حاولت نصح تلك الفئة أكثر من مرة، وأن الآونة الأخيرة ،شهدت أحداثا هددت وحدة الوطن واستغلتها تلك الفئة وسلكت سبيل العنف وتهديد الآمنين، أو حاولت تصعيد الأحداث.

وقد اعتقل عدد كبير من المعارضين صنفهم السادات بقوله: 469 جماعات تكفير وهجرة، 235 جماعات إسلامية، 100 تطرف ديني من الإخوان المسلمين وأعضاء جمعيات دينية إسلامية وأئمة مساجد متطرفين، 259 مثيري شغب وتعصب واعتداءات متبادلة مسلمين ومسيحيين، 107 قيادات مسيحية متعصبة ومتطرفة، 240 مثيري شغب ومجرمين من أصحاب السوابق الجنائية، 57 متهمين بحوادث الزاوية الحمراء، 36 من الأحزاب التي أسماها المناهضة «المعارضة» منهم 16 حزب التجمع، 7 من حزب العمل، 3 الوفد، إضافة إلى 12 مضبوطين بتهمة التخابر مع السوفييت، هكذا صنف السادات المعتقلين في حملة 3 سبتمبر (10).

وكتب الدكتور إبراهيم قاعود قوله:

منذ ذهاب السادات فى مبادرته للقدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع اسرائيل فإن موقف الإخوان حدد بوضوح تجاه الخطوات وعبر عنه أقطاب الإخوان بصراحه على صفحات مجلة ا لدعوة وهو المعارضة التامة لهذه الخطوات ولكنهم ِ أى الإخوان ِ أبدوا معارضتهم بأسلوب يتسم بالصراحة والموضوعية بعيدا عن الاسفاف والدخول فى معارضة جانبية .. وحرص عمر التلمساني على طرح هذا الموضوع مرارا فى افتتاحيات الدعوة وعبر بوضوح عن وجهة النظر الاسلامية تجاه هذه الخطوات قائلا فى حديث لجريدة السياسة الكويتية *

" إن السادات كان يحب أن يرى فى مصر من يعارض المعاهدة مع اسرائيل ويعتبر أن هذا شدا لأزره ضد المفاوض اليهودى .. فنحن جميعا عارضنا المعاهدة عن عقيدة لأن هذا عمل ينكره الإسلام .. وحينما اشتدت معارضتنا ووجد ان الاستقبال الشعبى للمعاهدة وخاصة بعد تلاعب الاسرائيليين بالمعاهدة ومواقفهم فيما يعنى الحكم الذاتى قلب ظهرة وتنكر لنا خاصة بعد أن وجد أن الرأى العام تجمع حول رأى الإخوان المسلمين .. "

ويقول عمر التلمساني  :

عندما علمنا بنبأ حرب أكتوبر 1973 وانتصار ا لجيش المصرى أرسل الأستاذ حسن الهضيبي رحمة الله عليه تلغرافا يهنىء فيه الرئيس السادات بالنصر وطبعا أى مواطن كريم يسعده أن جيشه ينتصر على جيش آخر بأية وسيلة من الوسائل وكنا نظن أننا سنجنى ثمار هذا النصر فوائد كثيرة تعود على مصر ولكن انتهى الأمر .. بمعاهدة السلام " كامب ديفيد " ومبادرة القدس ووقفنا منها موقف المعارضة من أول الأمر الى الآن ونحن لا نقرها لأنها اعتبرت وجود اسرائيل فى هذه المنطقة وجودا شرعيا وهذا أمر لا يقره الإسلام بأية صورة من الصور .. قد يظن البعض أنه لا وسيلة إلا هذه المعاهدة وإلا فماذا كنا نفعل ونحن ضعاف ولا نستطيع أن نقاوم أمريكا أو أسرائيل ؟ لأنهم كانوا جميعا متآمرين على زرع اسرائيل فى هذه المنطقة لتقطع اوصال العالم الاسلامى .. نحن كنا لا نيأس من رحمة الله وكنا نظن أن صمودنا على رفض أى خطوة تعطى لإسرائيل شرعية فى هذا المكان هو قوة وتضحية وأن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يحدث لنا فرجا نتمكن معه من إجلاء إسرائيل من هذه المنطقة لأن الغيب لا يعلمه إلا الله ولا ندرى ماذا سيحدث فى الغد ؟ إنما الناس وعامة الناس الذين يستجيبون الى الأمن والسلام والدعة يمكن أن تكون المعاهدة قد أرضتهم لأنها جنبتهم الأحداث والحروب الى آخره .. ولكن لو علموا ما عاناه المسلمون وقاسوه فى أول دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكونوا ليقبلوا هذا الوضع ولكن بعدهم عن تعاليم الله ورضاؤهم بالعيش على حساب العقيدة والدين جعلهم يميلون الى هذا الرأى .

ويقول الأستاذ عمر التلمساني فى مكان آخر فى افتتاحية الدعوة :

ورضى بعض الشعب بما حدث طلبا للسلامة المفترضة والأمن المزعوم ظانين أن ما حدث هو نهاية ما بيننا وبين اسرائيل ومن وراءها غافلين عن الهدف الذى غرست إسرائيل من أجله وهو الفصل بين العقيدة وبين الشريعة عند المسلمين هذا إن كفاهم ما نقول متجاوزين . ولعل هذا البعض الذى رضى بما تم سيظل على هذا ا لرضا حتى يفيق على خاتمة سريعه ترده الى الاستبصار حين لا تنفع هذه الاستفاقة ففى هذا الرضا ما يقضى على كل شىء ونسأل الله جلت قدرته ألا يكون ما نحن واثقون منه لأننا نراه رأى العين لا ذكاء منا ولكن إيمانا بأن النتائج كلها فىتقدير البشر وليدة هذه المقدمات ولهذا دلائله .. ""

فى افتتاحية أخرى يقول عمر التلمساني بعنوان " البديل موجود لمن يريد "

الضعف الذى نستشعره فى أنفسنا والقوة التى يهولنا أمرها عند خصمنا هو السبب الوحيد الذى يجعل ساستنا وكتاب صحافتنا يبحثون عن بديل للسلام مع إسرائيل فيخيل اليهم أنهم لا يجدون : الوهن الذى أصبح يملآ فلوبنا التى ترهبها القوة المادية هو الذى يحير ساستنا وكتابنا عند البحث عن بديل للسلام فلا يجدون .. التهافت على السلام المضيع لكثير من الحقوق دفعا لأثقال النضال وتبعات الكفاح وأعباء الجهاد هو الذى يجعلنا نضرب أسداسا فى أ خماس للوصول الى حاصل ضرب يجنبنا الحرب حتى مع الفئران فلا نجد ؟ ألم يعلم ساستنا أنه كان إذا أسر جندى اسرائيلى كان يبكى وينحنى على قدم العسكرى المصرى ألا يقتله لأنه خرج الى الحرب رغم أنفه مكرها ؟؟

ياسادة .. يا ساسة .. يا أبطال .. يا رجال .. البديل موجود لمن يريد أن يراه والبديل قائم أمام من يريد أن يلجأ إليه ولكننا نغمض أعيننا فلا نرى البديل ونبحث بأقفيتنا لا بوجوهنا فنضل السبيل !

ويستطرد عمر التلمساني :

البديل أيها السادة هو عودتكم الى شعوبكم وتوثيق ما بينكم وبينها حتى تشعر أنها شريكتكم فى السراء والضراء فى ميسور العيش وقسوته فى التنعم بخيرات بلادها لا بحرمانها منها البديل أيها السادة فى وحدتكم ونبذ الشقاق فيما بينكم وعودة الوفاق والتعاون وخيرلكم ألف مرة أن يرأسكم واحد منكم أيا كان خير لكم ألف مرة من أن يسودكم عدوكم .. "

وفى افتتاحية أخرى بعنوان يا حكام المسلمين انصروا الله ينصركم :

قال عمر التلمساني : لا يعارض عاقل فى أن السعى الى الحلول السلمية أمر يرضاه كل الناس الذين يحبون السلام أما أن يكون الحرص على السلام نتيجة ما نرى من إضعاف روح المقاومة فى الأمم الاسلامية والتمكين القهرى لليهود حتى يحققوا أمانيهم وتصبح خرائطهم المعلقة على جدران الكنيست حدودا واقعة فى عالم الأرض والحدود الدولية أما كل هذا فشىء لا اجد له فى اللغة وصفا يمكن أن يوصف به : وأهم وصف فى تقديرى أن حكام المسلمين أصبحوا لا يعلمون البديهة السافرة التى يعرفها كل من له أبسط المام بالسياسة العالمية : بديهية أن الدول لا تقيم وزنا للقيم والعواطف عند التعامل مع بعضها ا لبعض ولكنها تنظر الى مصالحها ولو ضحت فى سبيلها بكل شىء حتى شرف الكلمة أو شرف المعاهدات ,ء.

نحن مسلمون هذا صحيح .. والمسلم إذا وعد أوفى وإذا قال صدق وإذا عاهد أنجز .. كل هذه أخلاق إسلامية عرفها العالم فى عالم السياسة يوم أن كانت السيادة للمسلمين أما اليوم والعرف السياسى كما نرى ونعلم فلم يعد لنا إلا أن نتذأب لهم ومن لم يتذأب فى عالم الذئاب تأكله الذئاب .

إن المسلم يجب ألا يكون خبا ولا يرضى أن يخدعه الخب .. إن المسلم لا يجب أن يكون أبله يستغله البلهاء والأغبياء وغيرهم لقد حان ِ وربى ِ أن يتغير حال حكام المسلمين الى غير ما هم عليه وإلا فهم أول ضحايا هذا التوانى والتخاذل لا بيد شعوبهم ولكن بيد أعدائهم الذين يحسنون بهم الظن .. "

وتحت عنوان " يوم أغبر " قال عمر التلمساني :

يوم قاتم الغبرة من الأيام الحزينة التى تجثم على الشعوب المبتلاه فى أيام محنتها يوم ا لأحد 26 من أكتوبر سنة 1980 يوم زار نافون مصر يوم وطئت أقدام أشد الناس عداوة للذين آمنوا أرضهم الطاهرة .لقد أعتصر الحزن المكتوم أهل مصر وهم يرون ضباط جيشهم يرفعون أيديهم تحية لممثل سفاحى دير ياسين ومغتصبى بلاد المسلمين لقد عارضنا محالفة هؤلاء الناس وما زلنا نعارض ولكن هذا المنظر أدمى قلوبنا وحز فى نفوسنا إننا ننكر هذه الزيارة وننكر مظهرها الذى بدأ فى مطار القاهرة ورجالنا يمدون أيديهم مبتسمين يصافحون يد ممثل دولة ما تزال أيدى رجالها ملطخة بدماء الفلسطينيين الأبرار المغلوبين على أمرهم غنه سوء الطالع وكم لهذه الدنيا من نكد . لا أهلا ولا سهلا ولا مرحبا ولكن بعدا بعدا ورفضا رفضا وسحقا سحقا . وماذا نملك اليوم إلا الاسترجاع . إنه من نكد الدنيا على الحر أن يرى صداقة عدو ما من صداقته بد وبد وبد ..

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .اللهم إنك تعلم أننا لا نملك اليوم إلا هذا ولكن أملنا فى عافيتك واسع فسيح سنترقب يوم الخلاص يوم استرداد الحق المغصوب والمال المنهوب مهما طال زمان المحن ولن يقرب منا هذا اليوم الا بقدر ما نقترب من تعاليم الاسلام . هيا ياشباب المسلمين إقبالا على ربكم وتمسكا بدينكم .. فعلى أيديكم سيفرح المؤمنون بنصر الله فى يوم يظنونه بعيدا ونراه قريبا " والله من ورائهم محيط "

وهكذا أعلن الإخوان رأيهم بوضوح لا لبس فيه وهو معارضتهم التامة لمعاهدات واتفاقيات السلام من منظور إسلامى محض لا يصادره الواقع ولا تجبره الظروف على الالتواء .. والذين يعرفون أنور السادات يعلمون تماما أنه كان على عكس ما صوره وأبداه فى خطبه كان يضيق بالمعارضة حتى ولو كانت بين صفوف رجاله فى السلطة التنفيذية .. وكثيرا ماغضب وأرغى وأزبد عند سماعه رأيا معارضا لمعاهدة السلام وخطواته للصلح مع اليهود .

وخلاصة القول إن الإخوان المسلمين لم يحاولوا الطعن فى أنور السادات شخصيا كما فعلت الأنظمة العربية وأجهزة إعلامها من المحيط الأطلسى وحتى الخليج العربى وإنما انطلقوا فى معارضتهم الى لب القضية وهى تخاذل العالمين العربى والاسلامى عن واجب الجهاد المقدس وأن أنور السادات ِ على حد قول عمر التلمساني فى إحدى مقالاته ِ قد فعل ما فى استطاعته وفى حدود إمكانياته ولكن ما ذا فعل قادة وزعماء العالم العربى والإسلامي ؟ وأين هذا الجهاد المقدس الذى يتغنون به فى إذاعاتهم وصحفهم ؟ ولكن رغم سلوك الإخوان فى معارضتهم فإنه لم يرض أنور السادات من قريب أو بعيد وبدأت بوادر الصدام تظهر فى الأفق !! (11).

الإخوان ومعاهدة السلام بعد أربعين عاما

ظل الإخوان على موقفهم الرافض للتطبيع مع إسرائيل أو الموافقة على معاهدة السلام معهم بصورتها التي وقعها السادات، إلا أنهم حينما وصلوا للسلطة في 2012م جعلوا الشعب هو صاحب القرار في التعامل مع هذه المعاهدة، لكونهم خرجوا من حيز وعمل الجماعة إلى المسئولية عن دول وأكبر شعب عربي، إلا أن مخاوف إسرائيل كانت كبيرة من تولى الإخوان حكم مصر حيث يعتبرونهم – ومن خلفهم حماس – أكبر الأعداء الذين يشكلون خطرا على دولتهم.

فقد صرح الدكتور محمد حبيب – نائب المرشد العام آنذاك – بقوله: الجماعة لم ترفض الاتفاقية وكانت ترى أنه يجب أن تعرض على المؤسسات الوطنية، تلك المؤسسات المنتخبة بشكل حر ونزيه من قبل الشعب، مضيفا أنه حينها سيكون قرار إلغاء الاتفاقية أو الموافقة عليها أو تعديل بنودها بيد هذه المؤسسات المنتخبة من الشعب، مؤكدا أن الجماعة لم تسع للإلغاء، مشددا على أنه من المفترض في مثل هذه الحالات أن يستفتي الشعب المصري على مدي رغبته في الإبقاء على الاتفاقية من عدمه.

كما نفى محمود حسين – الأمين العام للجماعة- نفى محمود حسين، الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين، وجود أي تفاهمات بين قيادات الجماعة، والجانب الأمريكي أو الإسرائيلي بشأن موقفها من معاهدة «كامب ديفيد» للسلام التي وقعتها القاهرة مع تل أبيب نهاية سبعينيات القرن الماضي.

غير أن حسين أشار إلى إمكانية مراجعة المعاهدة، وقال في تصريحات لصحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية الصادرة اليوم السبت: «كل المعاهدات تعقد لصالح الشعوب ومن حق الشعب والبرلمان الذي يمثله مراجعة أي معاهدة».

وتابع: «معاهدة (كامب ديفيد) مضى عليها وقت طويل، وهي كغيرها من المعاهدات تحتاج لإعادة النظر وهو أمر متروك للبرلمان». وأضاف: «ترى جماعة الإخوان أن المعاهدة على قدر كبير من الأهمية لكنها لا تضعها في الوقت الراهن على سلم أولوياتها. هناك أولويات أهم بكثير في الوقت الراهن.. وعموما إسرائيل لا تحترم هذه الاتفاقية على أرض الواقع».

يأتي ذلك في أعقاب تصريحات نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية ونسبتها لجيفري فيلتمان، كبير مستشاري وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون التغيرات في العالم العربي، والتي قال فيها إن جماعة الإخوان أبلغته «تفهمها لأهمية الحفاظ على معاهدة السلام» (12).

لكن حينما وصل الإخوان السلطة اكدوا على احترامهم لكل الاتفاقيات المبرمة بين الدولة وغيرها من الدول لكن ستطرح بعض المعاهدات على الشعب ليقرر رأيه فيها، وهو ما أقلق الكيان الصهيوني، حيث صرح الدكتور محمد سعد الكتاتني أن الجماعة تحترم جميع المعاهدات الموقعة بين مصر وإسرائيل، موضحاً أن إعادة النظر فيها يرجع للشعب والأطراف التي وقعتها، إذا ما رأت أنها تحقق الهدف من إبرامها.

وقال الكتاتني إن "الجماعة عارضت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، حينما كانت تناقش، ولكن عندما تم توقيعها وأقرت أصبحت واقعاً ومعاهدة يجب احترامها"، مشدداً على أن "الجماعة تحترم جميع المعاهدات الدولية التي وقعتها مصر".

وزاد إخوان الأردن على ذلك التصريح بتصريح الناطق الرسمي باسم "إخوان الأردن" القيادي البارز جميل أبو بكر أنه في الوقت الذي "ترفض" فيه إخوان الأردن اتفاقيات السلام الأردنية أو المصرية مع إسرائيل ، فإن إشارة إخوان مصر لترك مسألة فض معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية يتطلب إجراء مؤسسيا ، من خلال برلمان منتخب وحكومة منتخبة ، مضيفا بالقول إن التعبير عن ذلك هو أمر طبيعي بصرف النظر عن الموقف منها، ولأنها معاهدات وقعت عليها دول.

وحول ما إذا كان لإخوان الأردن ذات الرؤية في فض معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية قال:" ليس المطلوب منا الإعلان عن ذلك الآن، والمعاهدة بطبيعة الحال هي مرفوضة... وهذه قضية ترتبط بأبعاد إقليمية وبالمنطق السياسي القائم"( ).

تظل معاهدة السلام حاجز بين الإخوان وبين قبولها لكونها تعطي شرعية للكيان الصهيوني وتنسف القضية الفلسطينية ومصير شعبها، وهو ما لا يقبله الإخوان.

المراجع

  1. معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية: الرابط
  2. أنور السادات: خطب وأحاديث الرئيس محمد أنور السادات بمناسبة مبادرة للسلام وزيارته للقدس، وزارة الإعلام، الهيئة العامة للاستعلامات، مصر, 1977م.
  3. الدعوة – العدد (62) – شعبان 1401هـ / يونيو 1981م.
  4. الدعوة – العدد (47) – جماد أول 1400هـ / أبريل 1980.
  5. الدعوة – العدد (62) – شعبان 1401هـ / يونيو 1981م.
  6. الدعوة – العدد (64) – شوال 1401هـ / أغسطس 1981م.
  7. الدعوة – العدد (48) – جمادى آخر 1400هـ / مايو 1980م..
  8. عمر التلمساني: موسوعة بيروت، الرابط
  9. الأهرام 20-9-1978.
  10. الرابط
  11. إبراهيم قاعود: الإخوان المسلمون فى دائرة الحقيقة الغائبة، مؤسسة دار المختار الإسلامي للطباعة والنشر, 1985م.
  12. «الإخوان» تنفي وجود تفاهمات مع أمريكا أو إسرائيل بشأن «كامب ديفيد»، الرابط
  13. هديل غبون: حركة الإخوان بمصر تحترم معاهدة السلام ولا تريد الرئاسة، الرابط