مناظرة بين معتقل ومحقق

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث

مناظرة بين معتقل ومحقق

بعد ثلاثة أيام من الشبح المتواصل الذي لم يذق خلاله طعم النوم، جيء به إلى غرفة التحقيق، رفع الكيس عن رأسه، بينما ظلت قيود الحديد تضغط على يديه وقدميه، نظر فوجد نفسه في غرفة صغيرة، يحدق فيه خمسة من المحققين اليهود، تذكر قوة ربه ومولاه، واستشعر عظمته، فحضره قوله تعالىلنبيه موسى: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعْلَى﴾ (طه:68)، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج:38)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (النحل:128)، وردد دعاء حفظه لمثل هذا الموقف "اللهم إني أجعلك في نحورهم وأعوذ بك من شرورهم"، فأحس بقوة عجيبة، وشعر بضآلة مَن حوله من المحققين، واطمأن قلبه، وأيقن بأن الله معه يسمع ويرى.

أراد المحققون كعادتهم أن يبدءوا بمعنويات المعتقل، فيشككوه في مبادئه ومفاهيمه وقناعاته وعدالة قضيته، فأخذ كبيرهم يتحدث عن عظمة دولة إسرائيل (الكيان الصهيوني)، وعن الهزائم المتتالية التي ألحقوها بالعرب، بالرغم من تعدد دولهم، وكثرة أعدادهم وأموالهم، وعن فشل من قاومهم من الفلسطينيين، وعن غباء كل من يفكر في مقاومتهم. وبصوت جماعي أخذ المحققون يغنون أغنية وطنية لهم، وهم يميلون رؤوسهم ويتضاحكون، ثم وجه كبيرهم سؤالاً إلى المعتقل عن رأيه فيما سمع.

فأجاب: أنتم لم تهزموا أمتنا، ولم تخوضوا معها في هذا العصرحروبًا حقيقية، لقد خضتم حروبًا تمثيلية مع حكام عملاء لكم، أو لأصدقائكم الإنجليز والأمريكان، الذين طلبوا منهم أن يدخلوا الحرب معكم، ويهزموا أمامكم، وقد قرأنا الكتب والوثائق والمذكرات التي تفضح مؤامرات أولئك الحكام على جيوشهم، وكيف سلحوهم بالأسلحة الفاسدة، ووجهوا إليهم الأوامر بالانسحاب كلما حققوا عليكم انتصارًا، وكيف سلموكم أسرارهم، وكشفوا لكم عن خططهم، وكيف منعوا المجاهدين والمخلصين من قتالكم، وكيف عاقبوا بالسجن أو القتل مَن تمكن منهم من الوصول إليكم، وقتالكم قتالاً حقيقيًا، ومازلنا نرى كيف يحرسون لكم الحدود الطويلة من شعوبهم الراغبة في قتالكم، وكيف بطشوا ويبطشون بكل مَن فكر أو يفكر في حربكم، وها أنتم منذ سنوات عدة تواجهون أطفالنا وصبيتنا وشبابنا بجيوشكم ودباباتكم وطائراتكم وكل وسائلكم اللاإنسانية وتقفون أمامهم حائرين عاجزين فاشلين، ذلك لأنهم أخلصوا في مقاومتكم.

لقد قاتلتكم أمتنا قتالاً حقيقيًا في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر، عندما غدرتم ونقضتم العهود، فهزمتكم شر هزيمة، وأجلتكم نهائيًا عن جزيرة العرب.

وقاتلَتْ قتالاً حقيقيًا إمبراطوريتي الفرس والروم عندما حالوا بين الإسلام وشعوبهم، فهزمتهم، وحطمت كبرياءهم وغرورهم، وفتحت أرضهم، وأنقذت شعوبهم من الظلم والضلال والعبودية للبشر، وكان نصرنا حاسمًا وسريعًا، بالرغم من الفرق الشاسع في العدد والعدد بيننا وبينهم، وكان نصرنا حضاريًا، لم يعرفه تاريخ البشرية من قبل، إذ أقبلت شعوبهم برغبة وحب ولهفة على ديننا ولغتنا وتقاليدنا، تاركة معتقداتها ولغاتها وعاداتها التي توارثتها منذ آلاف السنين، وتحولت في سنوات قليلة إلى شعوب إسلامية عربية في عقيدتها ولغتها وعاداتها وأخلاقها.

وعشتم أنتم وأمثالكم ممن اختار البقاء على دينه، مئات السنين تنعمون بعدالتنا وتسامحنا، وتهنأون بالعيش تحت حكمنا، تسكنون أينما شئتم، وتسافرون متى رغبتم، وتمارسون طقوسكم كيفما أردتم، تتعلمون في مدارسنا، وعلى أيدي علمائنا، حتى صار لكم- بعد طول جهل- أدبًا ونحوًا وفلسفةً وفكرًا، وبرز منكم المفكرون والعلماء أمثال "موسى بن ميمون" و"أبراهام بن عزرا" و"مناحيم بن ساروق" و"سليمان بن جابيرول".

وقد أطلقتم على مرحلة حكمنا لكم في الأندلس "العصر الذهبي للأدب العبري"، وشهد على ذلك الكثير من مُفكريكم وزعمائكم المعاصرين أمثال د. "إلياهو آشتور"، ووزيركم الأسبق "أبا إيبان" الذي قال: "لم نعرف العدل والتسامح والرخاء منذ أن أخرجنا "نبوخذ نصر" قبل أكثر من ألفي سنة إلا في مكانين الأول في الأندلس تحت حكم المسلمين لمدة ثمانية قرون، والآن في الولايات المتحدة الامريكية".

وقد حررناكم منذ أن فتحنا الأندلس، وأنقذناكم من حكم القوط الكاثوليك، الذين استعبدوكم مدة تزيد على القرن، إذ أصدرت مجامعهم الكنسية، القوانين تلو القوانين، المذلة لكم، والتي كان آخرها القانون رقم "8"، الذي أصدره المجلس الكنسي السابع عشر في طليطلة في (9/11/694م)، والذي يقضي بتحويل جميع يهود الأندلس إلى عبيد للقوط، ومصادرة جميع ممتلكاتهم، ومنعهم من ممارسة طقوسهم، وانتزاع أطفالهم منهم إذا بلغوا سن السابعة، وتوزيعهم على عائلات نصرانية، ليتنصروا في أحضانها، ويزوجوهم عندما يكبروا من النصارى.

هذا ما شهد به التاريخ، وما أقره زعماؤكم عن أفضالنا عليكم، وسعادتكم تحت حكمنا، خلال أكثر من ثمانية قرون.

وما نذكره اليوم، وما سجله التاريخ عن خمسة وخمسين سنة من اغتصابكم لأرضنا، وحكمكم لنا، هو بالمختصر:

  • المجازر الجماعية التي أبادت قرىً بأكملها كدير ياسين والدوايمة.
  • إخراجنا من أرضنا وبيوتنا وترحيلنا، لنعيش مشتتين في المخيمات، في ظروف غاية في لقسوة، بينما تنعمون أنتم بجنان وخيرات بلادنا.
  • ترويع وقتل أطفالنا ونسائنا وشيوخنا.
  • قصف أحيائنا ومخيماتنا بالدبابات والطائرات.
  • هدم بيوتنا واقتلاع أشجارنا ومصادرة أراضينا وبساتيننا.
  • منعنا من السفر، وعزلنا بالأسوار الشاهقة، وحرماننا من التنقل حتى داخل مدننا وأحيائنا، ووضعنا في سجن جماعي، ومنعنا من زيارة مقدساتنا، لدرجة أن معظم شبابنا وفتياتنا لم تتحقق لهم أمنية الصلاة في المسجدين الأقصى والإبراهيمي، أو حتى رؤيتهما من بعيد.
  • ضربنا بالغازات السامة، واليورانيوم المشع، الذي ينشر الأمراض الخطيرة ويلوث البيئة.
  • نشر وترويج المخدرات والرذيلة والفساد بين أبناء شعبنا.
  • محاولة إسقاط شبابنا وفتياتنا في العمالة لكم بأساليب رخيصة قذرة تتنافى مع أبسط قواعد الخلق والتحضر.
  • الاستئثار بمياهنا العذبة وتحويلها إلى مزارعكم ومسابحكم لتبقى لنا المياه المالحة غير الصالحة للشرب.
  • تصدير السلع الفاسدة إلى مناطقنا بهدف تسميمنا وإبادتنا.

إن انتصاركم أمر شاذ وطارىء، حدث بسبب سُوء حكامنا، وبعدهم عن تطبيق منهج الله، والذي يجعلنا على يقين بحتمية انتصارنا عليكم وعد الله تعالى الذي لا يخلف وعده حيث يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء:7). وما يدلنا على قرب تحقيق هذا الوعد، مجيئكم إلى فلسطين من أرجاء الأرض كافة، تحقيقًا لقدر الله بهزيمتكم، حيث يقول:﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء:104)، إضافةً إلى أن الحكم الإسلامي قد صار مطلبًا ملحًا لكل جماهير أمتنا، وأنها توشك أن تطيح بعروش عملائكم وأصدقائكم، وأن تولي عليها الصالحين، وحينئذ لن نكتفي بتحرير فلسطين، بل سنحرر العالم كله من الظلم والعبودية لغير الله، مثلما حررناه وحررناكم من قبل، وسوف تسعد البشرية كلها بحكمنا لها على منهج الله، وسوف تسعدون أنتم أيضًا، سواء دخلتم معنا في الإسلام، أو عشتم أهل ذمة في ظل حكمه، ولسوف تكتشفون أن سعادتكم تحت حكمنا أكبر بكثير من سعادتكم الآن في دولة إسرائيل (الكيان الصهيوني).


المصدر : إخوان أون لاين