من أعلام الحركة الإسلامية السودانية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
من أعلام الحركة الإسلامية السودانية الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد

سلسلة من إصدارات تنشر دوريا الإصدارة رقم (2)

تأليف

الأستاذ:حسن آدم حسن عبد الله

الإهداء
إلى آباتي وقادتي
الشيوخ الأجلاء مؤسسي الإسلامية السودانية
أهدى هذا العمل.

محتويات

شكر وعرفان

الشكر أولا لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي هيأني لهذا العمل وأعانني عليه حتى نهايته ومن بعد الله سبحانه وتعالي الشكر للشيخ المجاهد العلامة معلم الأجيال صادق عبد الله عبد الماجد الذي جاد على بهذا الكرم الوافر من الحقائق والمعلومات من خلال حلقات عدة تكبد فيها مشقة الجلوس معي لساعات طوال سرد لى فيها الكثير من الوقائع والأحداث التي عاشها لأكثر من تسعين عاما أمد الله في عمره .

والشكر للإخوة في المركز العام للإخوان المسلمين الذين قدموا لنا يد العون في كل مراحل تسجيل أحدا هذا الكتاب

للأخ آدم والأخ الطيب

والشكر لأسرتي الصغيرة ... زوجتي وأبنائي محمد ومحمود ومؤيد الذين صبروا وتحملوا غيابي المستمر عنهم خاصة في الأمسيات والتي أقضيها في إعداد هذا الكتاب . وكذلك الشكر للأخت عديلة حسن على وتيسير كمال الدين بمدارس مبروكة الخاصة بأمدرمان المهندسين بطباعة هذا الكتاب في مراحله الأولي .

وأخيرا وليس أخرا خالص الشكر والتقدير لأخي وصديقي الخبير التربوي الأستاذ الكبير العلامة عبد الله محمد الخير القاضي الذي شاركني في كل مراحل إعداد هذه الكتاب (من خلف الكواليس) حتى توج هذا الجهد وأصبح مؤلفا ماثلا بين أيديكم .

مقدمة

الحمد لله الذي خلق كل شئ فقدره تقديرا الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات والحمد لله الذي أنعم علين بأجل النعم ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين وبعد:

لقد وعدت السادة القراء في مقدمة كتابي الأول (من أعلام الحركة الإسلامية السودانية) بأن أقدم لهم في لكتاب الثاني علما من أعلام هذه الحركة الإسلامية السودانية ممن وضعوا اللبنة الأولي لهذه الحركة بل من الذين تشربوا بفكرة الإخوان المسلمين في منبعها وعلى يد مؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا في مصر .

أقدم لكم في هذا الكتاب الشيخ المجاهد صادق عبد الله عبد الماجد بدء بميلاده في عام 1917 م بمدينة الرهد (الرهد أبو دكنة) في ولاية شمال كردفان مرورا بسنوات عمره التي قضاها كلها مجاهدا صابرا صادقا عابدا ممسكا بطريق الحق لا يخاف لومة لائم أمد الله في عمره .

تناولت في هذا الكتاب طفولته وأيام صباه الأولي أصله وأسرته ثم مراحله التعليمية التي بدأت في مدرسة أبي روف الأولية وانتهت بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن) مصر وحصوله على درجة البكالوريوس في الحقوق في عام 1954 م .

تناولت المجاهدات والتضحيات التي قدمها وما زال جعلها الله في يزان حسناته ومسيرته الدعوية والسياسية والاجتماعية القاصدة إلى الله ومناهضته للإستعمار ومصادماته ومواجهاته مع الأنظمة العسكرية ابتداء بحكومة عبود وانتهاء بحكومة مايو وقيادته لتنظيم الإخوان المسلمين (مراقبا عاما) لفترة قاربت الثلاثين عاما ومشاركته بفعالية في الحياة السياسية والاجتماعية والدعوية في الساحة السودانية قبل فجر الاستقلال وحتى الآن ودوره في صنع الكثير من القرارات والمواقف التي بلورت مستقبل السودان .

مررت على سيرة رجل قدم للإسلام والسودان مجاهدات وتضحيات تعجز الأقلام عن تدوينها كما سطرها على صفحات التاريخ خالص دعواتي له بدوام الصحة والعافية وفي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب أفردت حيزا لبعض الأشخاص فكتبوا لى بعض الصفحات بكلمات كالدر عما يعفونه عن شيخ صادق عبد الله شهادة لله في حقه بارك الله فيه وفيهم وفينا جميعا .

حسن أدم حسن عبد الله
يناير 2010م

بسم الله الرحمن الرحيم

من أعلام الحركة الإسلامية السودانية

الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد

المراقب العام للإخوان المسلمين بالسودان

الميلاد والنشأة وأيام الصبا الأولي

ارتبط ميلاد الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد بمكان انتقلت إليه الأسرة برفقة ربها الذي بدأ معلما بالمدارس الأولية وتدرج حتى أصبح ناظرا حيث تنقل بهذه الصفة إلى معظم مدن السودان على قلتها في ذلك الوقت .

كان الاستعمار يعمل على تقليل فرص التعليم مع قليل من الانفتاح الذي يحقق له الغرض الذي من أجله أدخل النظام التعليمي السائد آنذاك.

تحرك والد الشيخ صادق رحمه الله بين المدن المتقاربة والمتباعدة حينا ومن تلك المدن التي حط بها رحالة ناظرا مدينة (الرهد) بولاية شمال كردفان وكانت والدة الشيخ صادق حبلي في ذلك العام وقدر الله سبحانه وتعالي أن يكون ميلاد ذلك لمولود (شيخ صادق) في تلك البقعة التي تجاوز نهاية خور "أبو حبل" بكردفان الذي يكون بمياهه بحيرة من المياة النقية تحفها البساتين الممتدة في رمال كردفان كالسندس المفروش ومدينة (الرهد) وكما يحلو لأهلها بتسميتها (الرهد أبو دكنة) وتسمية أهل كردفان (الترده) وجاء اسم الرهد أبو دكنة كما ذكر لى بعض سكان المدينة من تسمية العرب الرحل للمكان .

مدينة الرهد

تعتبر مدنية الرهد من المدن العريقة في ولاية كردفان الكبرى ويكفيها عراقة أن أول مدرسة أنشئت فيها هي مدرسة الرهد الجنوبية وكان ذلك في عام 1916م وهى نفس المدرسة التي عمل بها ولد شيخ صادق عبد الله ناظرا .

مدينة الرهد مدينة جميلة واكتسبت جمالها من تلك المياه المتدفقة من أعالي جبال النوبة صوب السهول التي تجاورها والخضرة التي تكسوها وتلك الأشجار الوارفة ..

يتكون مجتمع مدينة الرهد من قبائل عدة ولكن الغالبية من قبيلة الجوامعة وتعتبر المدينة مركزا من مراكز تلك القبيلة بالإضافة إلى لجلابة وهم قبائل الشمال وفي مقدمتهم الجعليون كذلك توجد قبائل " الهوسا و" البرنو" وغيرهم .

أهم النشاطات البشرية في المنطقة الزراعة خاصة زراعة الكركدى بالإضافة إلى (طق) الصمغ العربي من شجر الهشاب المنتشر في المنطقة والرعي خاصة الضأن.

تعتبر خلوة الشيخ أحمد البدوى من أقدم خلاوى المنطقة وموقعها الآن بالمدينة في الموقع السابق لأقدم مسجد بالمدينة أما أهم الجوانب التاريخية للمدينة فكانت نقطة ارتكاز للإمام المهدى في طريقة لمهاجمة قوات "هكس باشا" وكانت موقعا استراتيجيا للقوات لتوفر الماء .

ولقد ذكر لى الشيخ صادق أنه لم ير مسقط رأسه مدينة الرهد حينا من الدهر وعندما كبر وقام بزيارتها وكان ذلك حوالي العام 1935 و حينما وصل القطار إلى المدينة وأول ما حطت قدما شيخ صادق على الأرض خر ساجدا حمدا شاكرا لله؛

ومن ذكريات طفولة شيخ صادق الأولي أن والدته ذكرت له أنها حملته ووضعته في سبعة أشهر فقط وبعد أن وضعته لم تره قط لمدة سبعة أيام وطوال هذه المدة كان يعتمد في غذائه على لبن الماعز ومن أقدار الله سبحانه وتعالي والتي تثير العجب في النفس أن الماعز التي يتناول لبنها ليوم واحد تموت في آخر اليوم ولقد عاش شيخ صادق سبعة الأيام الأولي من حيته على سبع معزات سمان !! والحمد لله مقدر كل شئ وهو كل شئ قدير .

لقد ذكر لى شيخ صادق بأنه في أيام صباه الأولي كان دائما في رفقة والده في معظم الأوقات متنقلا معه في كل مكان وعندما استقر المقام بالشيخ الأستاذ عبد الله الماجد والد شيخ صادق بمدرسة أمدرمان الأميرية والتي تضم مدرسة أمدرمان الأميرية الابتدائية (الأولية) كان شيخ صادق ضمن تلاميذ المدرسة حتى أكمل بها سنواته الأربع ..

ينحدر أصل شيخ صادق عبد الله عبد الماجد من قبيلة الجعليين نشأ في مدينة أمدرمان وكانت له علاقات بمنطقة (قرى) التي كانت فيما مضى عاصمة الجعليين وجده لوالده من تلك المنطقة أما والدة الشيخ صادق فهي من قبيلة المحس في أقصى شمال السودان وكان والدها شيخ يدير خلوته في مدينة أمدرمان في الحي الذي يسمى بحى الشهداء وما تزال أجزاء من تلك الخلوة باقية حتى اليوم .

للشيخ صادق ثلاثة أشقاء وسبع شقيقات نشأوا في بيت واحد مع والديهما في حى ودنوباوي بأمدرمان كان شيخ صادق في أيام صباه الأولي لصيقا بأسرته بوالده ووالدته ولقد عاشت الأسرة في فترة من فتراتها في منزل مستأجر شرق الجامع الكبير بأمدرمان وكانت تجاورهم أسرة مشهورة (عائلة شوقي)

ويذكر من أبنائهم الدكتور كامل شوقي الذي صار فيما بعد مديرا للغابات وكان له أخ صديق لشقيق شيخ صادق لأكبر (صابر عبد الله) وأسمه يحي الفضلي رحمه الله الذي كان وزيرا لعدة وزارات والسياسي المشهور وكان من أقطاب الحزب الوطنى الاتحادي (حزب الأشقاء سابق) حزب الزعيم إسماعيل الأزهري .

ومن الطرائف والمواقف التي يذكرها شيخ صدق والتي حدثت بينه و(ابن الجيران) يحيى الفضلي ورغم الفارق الكبير في العمر بينهما إلا أن السياسة لا تعرف المجاملة فقد جمعتهما بعد أن كبرا في حقلها في انتخابات 1968 م وكان يحي الفضلي وكما هو معروف من قيادات الحزب الوطني الاتحادي وسياسيا داهية بمعنى الكلمة وشيخ صادق قيادي في جبهة الميثاق الإسلامي وكانت المعركة الانتخابية ساخنة وكانت المفاجأة أن فاز شيخ صادق عبد الله على السياسي المخضرم يحى لفضلي وكان الأمر خبرا كبيرا ومفجعا ولكنها السياسة .

جدير بالذكر أن الدائرة الانتخابية الذي نزل فيها شيخ صادق لأول مرة باسم جبهة الميثاق عام 1968 م وأصبحت دائرة يتوارثها الإخوان حتى أخر انتخابات قامت في السودان وهي الدائرة 33 التي تقع في الخرطوم وتضم أحياء (الحلة الجديدة ، القوز ، الرميلة ، العزوزاب ، الشجرة ، اللاماب بحر أبيض ) (الدائرة التي توارثها مرشحو الحركة الإسلامية)

كذلك من ذكريات أيا الصبا الأولي التي ذكرها شيخ صادق انه كان يخدم البيت صباحا ومساء بل في كل حين مع أخيه المرحوم أحمد عبد الله عبد الماجد وكانا يتناوبان في الذهاب إلى سوق أمدرمان الذي كان بعيدا جدا عن منزلهم بودنوباوي لشراء حاجيات المنزل ووسيلتهم للتنقل حمار كان مخصصا لتنقلات والدهما .

ورغم مرور السنوات إلا أن شيخ صادق لم ينس (حبوبة أم دفع الله) بائعة (اللقيمات) والتي كانت تخصه بشئ من القطع المجانية كذلك يذكر شيخ صادق من أيام الصبا الأولي جدته م والده التي كانت تعمل في تجارة السمن والزيت بسوق أمدرمان والتي كانت تؤثر عليه أخاه بصورة مكشوفة كما ذكر حيث كانت تقدم لهما (حشوة السمن أو الزيت) وقد لاحظ شيخ صادق الطفل آنذاك أن جدته تقدم لأخيه كمية أكثر ولربما تكون حشوة أخيه بالسمن وحشوته بالزيت وعندما يقدم احتجاجه في ذلك ترد عليه جدته بعبارة (شه عليك يا صادق)

وعندما سألت شيخ صادق عن ذكرياته مع الأفراح في أيام الصبا الأولي قال لى أنه لم يكن ميالا للهو واللعب منذ نعومة أظفاره ولكنه أحيانا يذهب لبعض بيوت الأفراح التي غالبا ما تكون مشغولة بإبداعات " سرور وكرومة " وقد ذكر لى أن من الملاحظ أن الفنان أثناء الحفل يغني وعصاه في يده تحسبا لأى معركة تقوم أثناء الحفل حتى يتمكن من الدفاع عن نفسه به؛

ومن الأشياء اللافتة للأنظار في أحياء أمدرمان آنذاك التي ذكرها شيخ صادق قلة السيارات والتي تكاد تكون محصورة في أسر عددها لا يتعدى أصابع اليد وقد ذكر منها سيارة (أبو العلا) عبد المنعم محمد البرير عثمان صالح والشيخ مصطفي الأمين؛

وقد ذكر شيخ صادق أن غالبية رجال المال والأعمال في ذلك الزمان لم ينالوا قسطا كبيرا من التعليم ومنهم الأميون ومن الطرائف التي تحكى عن أحدهم أنه عندما يكون في سيارته التي يقودها أحد أبنائه فعند استعمال (البورى) يقول لأبنه (بالله ما تكمل علينا البنزين) وقال شيخ صادق نسبة لقلة السيارات كنا نلعب في الطرقات الكثير من الألعاب السائدة آنذاك مثل (شليل وين راح، ضقلت، سيجة) وغيرها كما كان يمكن للمرء أن يسير في لطرقات مغمض العينين .

وعندما سألت شيخ صادق عن الإنجليز وذكرياته في أيام الصبا ذكر لى مفتش المركز الذي يسمى (برمبل) البريطاني الجنسية وقال أنه كان رجلا مخيفا جادا منضبطا في أداء وظيفته الإدارية بكفاءة عالية وكان يخرج أسبوعيا في موكب وبرفقته شيوخ الحارات وشيخ الأرباع يمتطى فرسا ليتفقد أحوال المدينة وكان غالبا ما يتخذ بعض القرارات الفورية في بعض الأمور التي يجدها أمامه أثناء لموكب وكذلك يصدر بعض الأحكام والتي تنفذ فورا .

أما عن الأعياد والمناسبات فقد ذكر شيخ صادق أنها لا تختلف كثير عم يجرى في السننين القريبة الماضية حيث يخرجون في جماعة وهم يرتدون الملابس والأحذية الجديدة وفي جيوبهم شئ من النفوذ (العيدية) يطوفون بالمنازل يتبادلون التهاني وينالون شيئا من الحلوى ثم يخرجون إلى حيث اللعب بالمراجيح في السوق أما في المولد النبوي فقد أشار شيخ صادق إلى توزيع الخيام في الاحتفال مثل خيمة الختمية خيمة الأنصار والملفت خيمة (الحكومة) والتي يقوم على أمرها والإشراف عليها الحاكم العام الذي يبدأ جولته على الخيام وينتهى بخيمة الحكومة .

وعندما سألت شيخ صادق عن أشهر النساء في المجتمع في ذلك الوقت ذكر امرأة تسمى "بنت بيلا" وهي امرأة لها ثروت كبيرة وكانت تسكن حي المسالمة بأمدرمان قرب الكنيسة ولها ابن ضرب به المثل المشهور:(يحلنا الحل بله من القيد والذلة)

يقال أن بله بنت بيلا قبض عليه الأنصار في عهد الخليفة عبد الله التعايشي وفي فمه (سفه) فأحضروه للخليفة فما أن مثل أمامه قال للخليفة (أنا لو بسف التراب يملأ خشمي) وأخذ قبضة من التراب وأودعها فمه وبدأ بعد ذلك يفرغ مما فيه فأخلي الخليفة سبيله فكانت هذه الحيلة سببا في إطلاق سراحه .

ومن الأشخاص الذين علقت شخصياتهم بذاكرة شيخ صادق عمه الأمين على مدني وهو من كبار أدباء عصره وكان يسكن في شارع المسألة جوار الكنيسة ومن مؤلفاته (كتاب أعراس ومآتم) وكان متحررا وكير الحديث عن المرأة وكان يعمل بالتدريس وفد نقل من تندلتي إلى مستشفي أمدرمان وتوفي بها رجعة الله وكان ينافس شعراء عصره أمثال عبد الله محمد عمر البنا عبد الله عبد الرحمن ومحمد سعيد العباسي وكان في مقتبل عمره وهو القائل .أى فرق بيني وبينكم سوى أنكم تلبسون حزاما من الحرير والبس حزاما من المزوى .

المراحل الدراسية

أولا:المرحلة الأولية أبو روف الأولية بأمدرمان حوالي العام (1930 -1934)

كانت دراسة الشيخ صادق الأولية رهينة بوجوده مع والده الذي كان يعمل آنذاك ناظرا بالمدارس الأولية كما ذكرت من قبل وقد تنقل في هذه المرحلة بين المدارس الأولية في (طوكر،بورتسودان ،أم درمان ،أبو روف ،الهجرة الجيلي والقلابات)

بدأ شيخ صادق تعليمه بمدرسة أبي روف الأولية وكان والده ناظرا للمدرسة (مديرها) ويذكر شيخ صادق جيدا ذلك اليوم الأول له بالمدرسة حيث خرج في الصباح الباكر برفقة والده (مردوفا) معه في الحمار (وسيلة المواصلات في ذلك الوقت)

وعند وصولهما إلى المدرسة ذهب الوالد إلى حيث مكتبه (مكتب الناظر) وأنصف شيخ صادق التلميذ آنذاك إلى حيث مكان تواجد التلاميذ في فناء المدرسة الذي كان يموج بالتلاميذ ضرب الجرس فتجمع التلاميذ في الطابور الذي كان يضم الصفوف من الأول إلى الرابع حسب نظم السلم التعليمي آنذاك بنهاية الطابور تمت إذاعة الأسماء (التمام)

وانتقل شيخ صادق برفقة زملائه إلى الفصل وجلسوا في أماكنهم على الحصائر المفروشة على الأرض وأمام كل مجموعة تربيزة تسع لخمسة أو ستة تلاميذ وصرفت الكراسات التي كتب عليها صنع في بريطانيا ذات الألوان الزاهية بالإضافة إلى ألواح الإردواز وريشة مكونة من سنة وبنة وعود ومساحة .

من المعلمين الذين تتلمذ على أيديهم شيخ صادق في المرحلة الأولية الأستاذ محمد أحمد وديدي وأحمد أمين فهى من الذكريات العالقة بذاكرة شيخ صادق أنه في اليوم الأول له في المدرسة الأولية شعر بشعور آخر أنه أصبح (زول تاني) أى تغيرت الأشياء حوله وتغير كذلك فكره الخاص عندما استلم الأدوات المدرسية والحقيبة المصنعة من الدمورية .

كانت نظرة التلاميذ له بأنه ابن "الناظر" قد أضفت شيئا من كيفية التعامل معه ورغم ذلك لم يعبأ بذلك ومن ذكرياته في الأولية البائعات اللائي يقمن بالبيع في المدارس خاصة (حبوب عالياب) بائعة (الزلابية) والتي كانت تخصه ببعض القطع من الزلابية هدية منها كذلك من الذكريات والطرائف (تصفية الحسابات بين التلاميذ في بعض المشكلات التي تحدث أحيانا بينهم أثناء العام الدراسي)

حيث يحفظ كل واحد أو مجموعة الظلم الذي يقع عليه في مشكلة خلال العام ليقوم بالثأر في نهاية العام بعد توزيع النتائج حتى لا يتعرضوا للمحاسبة من قبل إدارة المدرسة حيث العطلة الصيفية الطويلة وفيها تنسى أحداث نهاية العام وكانت أدوات الصراع والثأر هي العصى تدفن في الرمال أو تخفى بعيدا عن الأعين .

من التلاميذ الذين زاملهم بمدرسة أبي روف الأولية ويذكرهم شيخ صادق حتى الآن (السماني أحمد عالم مقرئ القرآن الشهير ،أحمد عبد الوهاب الدكتور منصور خالد وزير الخارجية الأسبق بحكومة مايو والقيادي بالحركة الشعبية اليوم)

ختم شيخ صادق تعليمه بالمرحلة الأولية بمدرسة أمدرمان الأولية (موقع مدرسة وادي سيدنا حاليا) بعد أربع سنوات هي عمره هذه المرحلة وزملاء الدفعة الذين يذكرهم رحمة الله عبد الله والسر محمد أحمد وهو لفريق معاش السر محمد أحمد الملقب في القوات المسلحة بـ (السراب أب أحمد) .

ثانيا:المرحلة الوسطى أم درمان الأميرية الوسطي حوالي (1934 -1938م)

حتى هذه المرحلة ارتبطت بموقع عمل والد الشيخ صادق حيث كان يعمل ناظرا بمدرسة أم درمان الأولية التي كانت في نفس المباني التي ضمت أمدرمان الأميرية الوسطى (مدرسة وادى سيدنا) حاليا .

ويذكر شيخ صادق بعضا من زملائه في هذه المدرسة منهم محجوب زيادة حمور رحمة الله عبد الله . عبد المنعم وصفي ،جورج إسحق ،إسماعيل الحوراني ،إبراهيم حسن عبد الحفيظ وغيرهم ..

ومن الأستاذة الذين تتلمذ على أيديهم:الأستاذ عبد القادر تلودى أحمد ميرزا ،زمراوي بشير ،الأستاذ الهادي أبو بكر الشاعر الشهير رئيس جمعية أبي روف الأدبية ..

وقد ذكر لى شيخ صادق بأن العلاقة بينهم كتلاميذ كانت حميمة وصادقة تقوم على لتواصل القوى بينهم وكانوا كثيرا ما يقضون جزءا من أوقاتهم في المطارحة الشعرية ونظم الشعر وكانت هناك مسابقة تقام سنويا بمناسبة أعياد شم النسيم بالمدرسة تتضمن التأليف السريع لبعض أبيات الشعر ومن الأبيات التي شارك بها شيخ صادق الطالب آنذاك بالمرحلة الوسطي والتي ذكرها جيدا .

شم النسيم ذكرت اسمك مرة
فأهاج اسمك من إليه تسير

وقد فاز في تلك المسابقة الطالب آنذاك مكاوى مصطفي. جلس شيخ صادق مع أخيه عبد الله عبد الماجد لامتحن الدخول إلى المرحلة الثانوية ولكن لم يحالفهما الحظ في الحصول على مقعد دراسي بالمدارس الثانوية التي كانت تعد على أصابع اليد في السودان أرض المليون ميل مربع.

وكما ذكرنا سابقا فإن فرص التعليم كانت ضيقة لأن الإنجليز كانوا يهدفون إلى نوع معين من التعليم وبسعة محددة تحقق لهم الأهداف التي من أجله أدخلوا التعليم ولم يكن هدفهم آنذاك تعليم أبناء الشعب السوداني لأن من أهدافهم في ذلك تعليم كم محدد من أبناء السودان ليستفاد منهم في ملء بعض الوظائف الحكومية ومساعده الإنجليز في إدارة وحكم البلاد واختصوا أبناء العشائر والنظار بتلك الفرص المحدودة في التعليم .

بعد أن أكمل شيخ صادق عبد الله المرحلة الوسطى ولم يحظ بمقعد في التعليم الثانوى لضيق الفرص آنذاك رغم مكانة والده في ذلك الوقت (ناظر مدرسة أولية) قرر السفر إلى مصر لمواصلة تعليمه وعندما أبلغ والده ووالدته رحمهما الله وافقا على الفور ولكن كيف ؟ ومن الذي دل شيخ صادق على ذلك ؟ وكيف تم له ذلك ؟

شيخ صادق وأول هجرة له خارج السودان إلى مصر طلبا للعلم (1939-1940)

كانت رحلة شيخ صادق إلى مصر فاتحة خير وبركة له ولأهله ولأهل السودان أجمعين وكانت في حقيقة الأمر رحلة محفوفة بالمجهول رحلة في سبيل الله برعاية الله وعونه رحلة واجه فيها ما واجه من صعاب وغربة وكانت مليئة بالصبر والثبات والتضحيات رحلة ليس فيها شقيق ولا صديق ولا رفيق رحلة إلى هدف معلوم في عالم مجهول .

وتلك أمنية تساور الكثيرين من أبناء جيله فكلهم يتوق غلى المزيد من العلم حتى يحققوا مطامحهم فضيق فرص التعليم تجعل الهجرة إلى مصر أملا يداعب مخيلة الكثيرين ولولا هذا الطموح المبكر لأبناء جيله لما كان ذاك الكم الهائل من أبناء السودان الذين نهلوا من معين العلم الدافق في مصر سواء في مدارسها أو في جامعاتها المختلفة وهذه يد بارة من جار شقيق لابد أن نقابلها بالعرفان فهذا شأن الأخيار الأصلاء الذين يقدرون فضل المعروف .

كان شيخ صادق مولعا بالقراءة فارتبط في ذلك الوقت بمكتبة الثقافة التي كانت تقع في المحطة الوسطى بأمدرمان وصاحبها حسن عثمان بدري ومن روادها طلاب المعهد العلمي أمدرمان هذا المعهد الشهير والذي تخرج فيه كوكبة من العلماء الأفذاذ والشعراء والأدباء الموهوبين الذين أثروا دنيا الأدب والمعرفة والثقافة وكانوا عمادا لمادتي التربية الإسلامية واللغة العربية في مدارس السودان وجامعاته؛

وكذلك من الذين يرتادون المكتبة (المكتبة الثقافية) الطلاب القادمون من مصر في فترات الإجازات وبعض الأدباء والشعراء أمثال الشاعر الكبير أحمد محمد صالح (الإنجليزي الأسمر) كاتب نشيد العلم السوداني الذي يردده الكبار والصغار في المحافل المختلفة .

نحن جند الله جند الوطن
إن دعا داعي الفدا لم نحن

نتحدي الموت عند المحن

نشترى المجد بأغلي ثمن

هذه الأرض لنا فليعش سودانن

علما بين الأمم

يا بني السودان هذا رمزكم

يحمل العبء ويحمى أرضكم

هكذا نردده كل يوم في المدارس في طابور الصباح كذلك من رواد تلك المكتبة (المكتبة الثقافية) أعضاء نادي الخريجين وبعض الفنانين أمثال العندليب خليل فرح والشاعر محمد سعيد الكهربجي الذي كان يأتي إلى المكتبة يوميا راكبا على دراجته ليأخذ كل الجرائد .

ودق ذكر لى شيخ صادق أنه ذات مرة جلس مع الكهربجي وخلال النقاش قال له:كنت أحفظ مرثية التجاني يوسف بشي وكانت مكتوبة لدى إلا أن أحد الأشخاص أخذها وذكر منها الأبيات التالية.

العبقرية في الأماكن كلها
تبكي وتندب عبقري زمانه
مضي وقد جاء قبل أوانه

جدير بالذكر أن الشاعر محمد سعيد الكهربجي ينحدر أصله من الكتياب آل التجاني يوسف بشي والأخ والصديق الأديب صديق المجتبي .

علاقة شيخ صادق بالمكتبة الثقافية بأم درمان

موقعها كما ذكرت في المحطة الوسطى بأم درمان كانت منارة العلم في ذلك الزمان وكانت ملتقي الأدباء والشعراء والطلاب وكذلك السياسيين وكانت نافذة توزيع الكتب والمجلات والدوريات والجرائد خاصة المصرية مثل (الأهرام المصري) وغيرها .

كان شيخ صادق عبد الله يحض بانتظام إلى تلك المكتبة لينتقي منها ما تزخر به من روائع ومؤلفات خاصة مجلة الرسالة لصاحبها ومؤسسها أحمد حسن الزيات ومن خلال تردده على تلك المكتبة تعرف على بعض الطلاب من الرعيل الأول الذين هاجروا طلبا للعلم في مصر أمثال بشير البكري عقيل أحمد عقيل ،أحمد السيد أحمد ،أحمد الطيب عبدون ،قيلي أحمد عمر ،صلاح عثمان هاشم ،عثمان أحمد عبد الرازق وغيرهم ومن أكثر الطلاب الذين ارتبط بهم شيخ صادق وتوثقت علاقته بهم الطالب آنذاك أحمد السيد حمد وعقيل أحمد عقيل .

السفر إلى مصر حوالي العام 1939م

عندما طلب شيخ صادق من والده الموافقة على سفره إلى مصر لمواصلة تعليمه لم يجد طلبه إلا الموافقة السريعة ،بل شجعه والده لمواصلة مشوار الدراسة إلى النهاية وكانت تلك دفعة قوية زادت من حماس الشاب المتلهف آنذاك صادق عبد الله ثم عرج على والدته والتي أبدت موافقتها وأصبح الأمر بلينا يحفه رضا الوالدين بالرغم من أن السفر إلى مصر في ذلك الزمان كأنه الذهاب إلى القمر .

لم تكن إجراءات السفر إلى خارج السودان في ذلك الوقت تتطلب كبي عناء كل ما يمكن عمله هو الذهاب إلى قسم الشرطة واستخراج (إذن أو وثيقة سفر) لا جواز ولا تأشيرة دخول ولا خروج.

ثم بعد ذلك يتجه الشخص المسافر لاستخراج تذاكر السفر وكانت تكاليف السفر إلى مصر لا تزيد عن ثلاثة جنيهات ونصف فقط وكانت تبعية وإدارة القطار حتى حلفا والباخرة إلى أسوان لحكومة السودان التي تدار بواسطة المستعمر الإنجليزي في ذلك الوقت .

توكل شيخ صادق عبد الله على الله وحزم أمتعته إلى محطة السكة حديد بالخرطوم وكان ذلك حوالي العام 1939 وكان في وداعه بالمحطة والده ووالدته وأخواه صابر وأحمد وكانت تذكرته على الدرجة الرابعة أى آخر درجة بالقطار لا يوجد دونها .

وما إن دارت العجلات وانطلقت صافرة القطار إيذانا بتحركه ذرفت الدموع من الجميع لماذا لأن الشاب آنذاك صادق عبد الله كان مرتبطا ارتباطا شديدا بأسرته خاصة والده الذي كان كثيرا ما يكون في معيته في حلة وترحاله بالإضافة إلى ذلك هذه هي المرة الأولي التي يفارق فيها الأسرة في سفر خارج السودان إلى عالم مجهول وكما ذكرت أن السفر إلى مصر في ذلك الوقت كالذهاب إلى القمر .

تحرك القطار من الخرطوم حتى حلفا ومن هناك وعن طريق الباخرة عبر النيل إلى أسوان ومن أسوان بالقطار مرة أخي إلى مدينة القاهرة ( قاهر المعز )

شيخ صادق في مدينة القاهرة لأول مرة

كما ذكرت من قبل فإن سفر شيخ صادق إلى مصر كان كالسفر إلى المجهول لم يكن له قريب هنالك ولا صديق .

فعندما وصل به القطار إلى القاهرة بدأت رحلة المجهول لا يعرف أين يكون السكن؟ وكيف يكون؟ ومع من؟ وبدأت علامات الاستفهام في الظهور في الأفق ومن هنا بدأت المغامرات .

سأل شيخ صادق أصحاب الحناطير (جمع حنطور) وهو عربة تشبه عربة الكاروا عندنا في السودان تاكسي ذلك الزمان عن اللكوندات الرخيصة (جمع لوكاندة) فأشاروا إليه على لوكاندة (البرلمان) التي تقع في سوق العتبة الشهير في قلب القاهرة .

نزل شيخ صادق بلوكاندة البرلمان وكان في مقدمة مستقبلية حرس اللوكاندة وهكذا انتهت حلقة من حلقات المجهول وبدأت أخري حيث بدأ يتحسس قليلا قليلا معالم المدينة ومداخلها ومخارجها وأول عرفه الطريق المؤدي إلى الأزهر الشريف وكان يتحرك من وقت لآخر متوجسا حذرا قريبا من موقع اللوكاندة خوفا من الضياع ..

وبعد أيام قلائل وصل إلى نفس الفندق مجموعة من الشباب القادمين من السودان الباحثين في عالم المجهول الذين راق لهم أمر الذهاب إلى مصر . ومنهم إسماعيل الحوراني حسن محمود أنيس والغريب في الأمر أن هؤلاء الشباب كانوا زملاء دراسة مع شيخ صادق في ثالثة وسطى ..

كما ذكرت من قبل فقد بدأ شيخ صادق عبد الله يتلمس أجزاء مدينة القاهرة ومن أهم الشوارع التي عرفها وأتقن السير عليها الطريق المؤدي إلى الأزهر الشريف والطريق المؤدي إلى وزارة المعارف الهدف المنشود جدير بالذكر أن شيخ صادق لم يذهب إلى مصر بأى مستند يثبت مستوى تعليمه الذي ناله في السودان لكي يقدمه لوزارة المعارف المصرية .

أشار شيخ صادق إلى أن الكثيرين من السودانيين في مصر خاصة الطلاب يذكرون رجال البر والإحسان في ذلك الزمان على البرير وأبو العلا ومكاتبهم التجارية في مصر لذلك بحثوا عنهم وتعرفوا عليهم وشهادة لله لقد كان هؤلاء التجار من المحسنين كانوا كثيرا ما يمدون يد العون للطلاب والمحتاجين فيس مصر .

بعد ذلك تركزت مساعي الشيخ صادق عبد الله الطالب آنذاك بين وزارة المعارف المصرية ولوكاندة البرلمان وكانت الحركة بين الموقعين شبه يومية وكانت تتم سيرا على الأقدام وذلك للمحافظة على المصاريف القليلة المتبقية بالإضافة إلى انعدام الرؤية للمستقبل القادم.

عندما دخل شيخ صادق إلى وزارة المعارف شعر برهبة المكان وهيبة الأشخاص الجالسين في مكاتب فخمة وأثاثات لم يشهد مثلها في السودان فتوجس خيفة وبدأ يتحسس الأحوال في أيامه الأولي ويبحث عن مداخل إلى هذه المكاتب المهيبة ثم يعود أدراجه إلى حيث الإقامة والخلود للراحة من عبء السير على الأقدام .

شارك حسن محمود أنيس الشاب المتطلع إلى مقعد دراسي في مدارس مصر في ذلك الوقت شارك شيخ صادق في مواجهة صعاب ومتاعب البحث عن فرصة للدراسة وتكبد معه مشاق السير ذهابا وإيابا إلى الوزارة يوميا سيرا على الأقدام ولما طال ليهم أحد الانتظار كتب أنيس إلى والده في السودان يحكي له أصناف المعاناة التي يواجهونها في مصر والمجهول الذي يعيشون فيه .

حضر محمود أنيس والد الشاب حسن وعرف القضية الكاملة والحال الذي هم عليه فكتب قائلا :

أتضيق بأبن مصر وهي رحيبة
هذا لعمر الله جدير

مصر التي لم تأل جهدا

تحتفي بضيوفها في لذة وسرور

تأبي علينا مهجرا نشتاقه

ونجله عن سائر المعمور

يا مصر قد هجر البنون ديارهم

يرجون بين حماك خير نصير

ماذا فعلت بهم مصير محزن

وجفاء أقطاب وصد وزير

أرسل محمود أنيس تلك البيات إلى الصحف المصرية فأخذت طريقها إلى النشر وطالعها الوزير فأرسل إلى الطلاب آنذاك شيخ صادق عبد الله وحسن محمود أنيس للحضور إلى وزارة المعارف لمقابلته وفي هذه المرة وكما ذكر شيخ صادق أنهم ذهبوا إلى الوزارة (بقلب قوي) أى بكل طمأنينة وشعروا بأن الفرج في الأفق القريب وعادت إليهم آمالهم العراض.

أهتم الوزير بأمرهم ولكن عندما وصلوا الوزارة بدأ الخوف والتوجس مرة أخري وكما ذكر شيخ صادق دخلوا أحد المكاتب الضخمة بتوجس وخوف فوجدوا موظفا يجلس على منضدة كبيرة زاده الله بسطة في الجسم فسألهم:من فين؟ كان الرد بحذر كأن الأمر تحر في مكتب الشرطة ..

جئنا من السودان لكي نتعلم في مصر.

ماذا درستم في السودان؟

قالوا:درسنا حتى أكملنا المرحلة الوسطي.

كل رد والقلب يخفق بعنف (أيدينا في قلوبنا) ولكن رغم ذلك كان الموظف في دهشة من الأمر واهتم بالموضوع كثيرا وفي هذه الفترة زاد عدد الشباب السودانيين القادمين إلى مصر طلبا للعلم ومعظمهم حل بلوكاندة البرلمان وكما يقول المثل السوداني (موت الكتيرة عرس) أى بتوافد هذه الأعداد من الشباب تغير الحال لدى شيخ صادق ومن معه وأصبحوا أكث اطمئنانا .

أخذ الموظف المصري أسماء الشباب وهم صادق عبد الله حسن محمود أنيس عمر محمد طاهر عبد العزيز إبراهيم ثم سألهم:أتعرفون بني سويف رغم الرد غير المؤكد من الجميع إلا أن الموظف كتب لهم خطابا إلى مدرسة بني سويف المتوسطة أى أعادهم مرة أخري لمدة عام بالمرحلة الوسطي التي درسوها في السودان لأنه لم تكن معهم المستندات التي تثبت مستواهم الأكاديمي استلموا الخطابات وعليهم المغادرة إلى المدرسة؛

وهنا لاحت حلقة جديدة من حلقات المجهول ... بني سويف لم تكن معروفة لهم ولكن عن طريق الأسئلة والاستفسارات عرفوها وعرفوا موقع المواصلات التي سوف تحملهم إليها ولكن ؟ من أين لهم المبالغ اللازمة للترحيل ؟ ومن أين لهم بالمبلغ اللازم لسداد الدين الذي تراكم في اللوكاندة لدى صاحبها ؟

أيهربون؟ تاركين الشنط الحديدية بما حوت والتي استخدمت كضمان مقابل الديون التي على عاتقهم؟ كان الموقف حرجا جدا ويتطلب جهدا ذهنيا عاليا لمقابلته وأخيرا بحمد الله اهتدوا إلى رجل البر الإحسان السيد على البرير عليه رحمة الله من أجل المساعدة لإخراجهم من هذا الموقف الحرج فاستجاب لهم وقدم المبالغ التي حلت العقدة وأول ما فعلوه قاموا بسداد الديون الخاصة باللوكاندة لكي يطلق سراحهم ويرفع الحجز الذي وقع على الشنط الحديدية شبه الخاوية والتي أصبحت فقط رمزا لشخص مسافر .

أخذ شيخ صادق الشاب المكافح آنذاك شنطته الحديدية على كتفه واتجه صوب موقف مواصلات بني سويف ومع التعب الذهني والجسدي والجوع والمعاناة التي يكابدها في تلك اللحظة وما أن وصل إلى محطة المواصلات حتى أدرك أن كل المبلغ الذي يطرفه لا يفي بقيمة التذكرة (نص تعريفة)=(خمسة مليمات) وهذه معضلة جديدة لاحت هنا .

أصبح الشاب صادق عبد الله حائرا يجول ببصره حينا إلى الأفق وحينا إلى جموع الناس وحينا آخر في إعمال الذاكرة وأثناء ذلك فكر في مخاطبة أحد المارة وإخباره أنه من السودان يريد السفر إلى بني سويف ونقص مبلغ التذكرة واقترح عليه بيع الطابعة البريدية التي حوتها جيوبه الخالية بمبلغ خمسة مليمات على كل حال اكتمل المبلغ وتقدم الشاب صادق عبد الله فدفع قيمة التذكرة وأخذ موقعه في السيارة؛

وفي تلك اللحظة تجمعت كل الآلام مرة أخرى ذهنية وجسدية وظهر الجوع الكافر كما يقولون ومع كل تلك المتاعب والجوع إلا أن الجميع في السيارة يأكلون ما لذ وطاب من المأكولات في تلك اللحظة إلا شيخ صادق عبد الله ... من أين له بثمن الأكل ؟ وقد أكمل قيمة التذكرة بتعب !

عندما وصل شيخ صادق الطالب آنذاك إلى بني سويف سأل عن موقع المدرسة وعرف أنها تبعد كثيرا عن موقع المواصلات وقال الحمال سوف يقوم بترحيلها (ببريزة) (تساوي حوالي عشرة قروش) وعند مدخل المدرسة قصد شيخ صادق الحرس الذي ينحدر من جنوب (صعيدي) فأخذ الشنطة منه ولكن المؤسف أن الشنطة القديمة ذات النتوءات الحادة قد أحدثت جرحا في جسم الحارس الذي عبر عن سخطه ولكن تمالك شيخ صادق نفسه ولم يرد عليه بشئ حتى وصل إلى مكتب المشرف الذي قام باستدعاء شخص قام بحمل (الشنطة الحديدية) إلى حيث الداخلية .

وفي صباح اليوم التالي قابل شيخ صادق الطالب القادم لتوه لبني سويف ناظر المدرسة فسأله عن أحواله وتعرف عليه وطمأنه وفي اليوم الذي تلاه كانت المفاجأة وصول الطالبين عبد العزيز إبراهيم وعمر الطاهر لنفس الداخلية وبالتالي زادت طمأنينة وأصبحوا يمارسون حياتهم العادية داخل المدرسة بين الداخلية والفصول الدراسية وحتى ساحات النشاط ومن طرائف الأيام الأولي في (السفرة) عند الحضور لتناول الوجبات صعب على شيخ صادق وزملائه الأكل بالشوكة والسكين ولكن تعلموها من زملائهم الطلاب المصريين (بالمعاينة من بعيد) !!

كما ذكر لى شيخ صادق بأنهم كانوا من الطلاب المبرزين بالمدرسة وكانوا في مقدمة الطلاب وجلسوا لامتحان الشهادة في نفس العام لأن قبولهم تم بالصف الرابع وقد نالوا حظهم من النجاح ولكن إمكانية توزيعهم بالمرحلة الثانوية عقبة جديدة لاحت في الأفق .

اتجه شيخ صادق لدراسة المرحلة الثانوية بمدرسة أهلية وهي مدرسة مصر الثانوية بالقاهرة بعد أن بذل كل الجهود في الحصول على مقعد دراسي بالمرحلة الثانوية الحكومية ولم تثمر تلك الجهود.

شيخ صادق طالب بالمرحلة الثانوية في مدينة القاهرة

سكن شيخ صادق بأحد المنازل القديمة المتهالكة في حي السكاكيني بمدينة القاهرة لضيق ذات اليد ويذكر من زملائه في ذلك السكن تاج الدين البيلي وهذا ضرب آخر من ضروب المعاناة وكان عددهم ثلاثة أشخاص ثم التحق بالسكن معهم عبد الله عشري من أبناء حى الموردة بأم درمان ومما لا ينسى من الطرائف والذكريات قال شيخ صادق إنه كان يستخدم سريرا باليا له ثلاثة أرجل فقط قد يكون استخدامه الأول قبل عشرات السنين فأكمل شيخ صادق الرجل الاربعة بصفيحة مليئة بالرمل أما الإضاءة فهي عبارة عن علبة مثقوبة بها شريط من القطن مليئة بالجاز مثبتة على الجدران وتخيلوا كم الدخان المتصاعد من تلك اللمبة ؟

أما (الميز) والأكل والشراب فأمره عجب ! في تلك الظروف عاش شيخ صادق ورفاقه لمدة عام كامل جله معاناة وتعب ذهني وجسدي إلى أن جاء الفرج مرة أخري وتم قبول الطالب صادق عبد الله عبد الماجد بمدرسة حكومية ثانوية ألا وهي مدرسة حلوان الثانوية .

شيخ صادق طالب بمدرسة حلوان الثانوية 42/1945م

أعاد شيخ صادق الكرة مرة أخري إلى وزارة المعارف المصرية فبدأ الاتصال بها باحثا له عند مقعد للدراسة بالمدارس الحكومية وكان لابد له من الخروج من دائرة المعاناة التي كان يعيشها بحي السكاكيني كما ذكرنا من قبل .

ذهب إلى وزارة المعارف مرات عديدة يحمل آماله العراض بكل صبر وعزيمة ورباطة جأش وأثناء سعيه المتواصل بدأ بعض الطلاب السودانيين يتوافدون إلى مصر سعيا للعلم والمعرفة وحتى تلك اللحظة لا توجد أى جهة رسمية أو غير رسمية مسئولة عن هؤلاء الطلاب وإنما كل تلك المحاولات والاجتهادات فردية يدفعهم إلى ذلك شغفهم بالعلم والمعرفة وحتى في العلاقات بين مصر والسودان لا يوجد أى تمثيل رسمي بينهما غير مكتب الخبير الاقتصادي المصري بالخرطوم .

بدأت وزارة المعارف المصرية قبول بعض الطلاب السودانيين في المدارس والعاهد والجامعات المصرية عب مكتب الخبير الاقتصادي المصري بالخرطوم جدير بالذكر أن الإخوة المصريين حتى تلك الفترة لا يعرفون شيئا عن النظام التعليمي السائد في السودان أنذاك والذي أدخله المستعمر البريطاني لأغراضه الخاصة كما ذكرنا من قبل .

تقدم شيخ صادق للقبول بالمدارس الحكومية وتم قبوله بمدرسة حلوان الثانوية وكان ذلك في حوالي العام 1942 م جدير بالذكر أن كل الطلاب السودانيين تم قبولهم في ذلك الوقت بمدرستين هما مدرسة حلوان الثانوية ومدرسة السعيدية الثانوية بالجيزة ومدينة حلوان كانت مقر الزبير باشا رحمة التاجر المشهور في التاريخ .

علم طلاب مدرسة السعيدية من السودانيين بأن زملاءهم الذين تم قبولهم بمدرسة حلوان الثانوية ازداد وأصبح كبيرا فبدأوا الاتصال بهم من أجل إقامة كيان يجمع بينهم باعتبارهم سودانيين وكان على رأس ذلك التحرك والفكرة الطلاب آنذاك أحمد السيد حمد الزعيم الاتحادي المعروف الطالب آنذاك وعبد الحميد صالح القيادي بحزب الأمة القومي والطالب آنذاك والدكتور عقيل أحمد عقيل؛

وفي نفس الوقت بدأ قبول الطلاب السودانيين بالمدارس والمعاهد والجامعات المصرية يأخذ مساره الرسمي والنظامي وقد تكون الظروف السياسية في ذلك الوقت والعلاقات الثلاثية (السودان ومصر وبريطانيا) كان لها الأثر الكبير في ذلك .. كذلك تزايد الطلاب السودانيين وتدافعهم نحو مصر فيه كسب سياسي كبير لمصر ولوحدة وادى النيل في ذلك الوقت ..

لقد ذكرنا من قبل رجال المال والبر والإحسان السودانيين المقيمين بمصر ومنهم السيد على البرير عليه رحمة الله ودورهم المتعاظم في الوقوف مع الطلاب السودانيين ودعمهم وإعانتهم مما يجدر ذكره أن على البرير نال لقب بك من الملك فاروق (كما يسمونه في ذلك الوقت ملك مصر والسودان) بل ترشح في الانتخابات المصرية وفي دائرة عابدين الحي الذي يقع فيه قصر عابدين الذي يسكنه الملك فاروق نفسه .

وضمن مجهودات رجال الأعمال والإحسان السودانيين المقيمين بمصر المهتمين بالطلاب السودانيين بمصر قامت لجنة للتعليم برئاسة السيد على البرير ولقد اهتمت تلك اللجنة بكل الطلاب الوافدين من السودان إلى مصر طلبا للعلم وبهذه اللجنة وجد الطلاب السودانيون سندا أهليا أعانهم كثيرا في مهمتهم التعليمية بكل جوانبها ومن الذين شاركوا في تلك اللجنة وقدموا الكثير لها بفكرهم ومالهم الدكتور بشير البكري النحاس قيلي أحمد عمر عقيل أحمد عقيل عثمان أحمد عبد الرازق وآخرون .

ومن الطلاب الذين تزامل معهم شيخ صادق بمدرسة حلوان الثانوية جبر عبد الرحمن أبو العزائم عم الصحفي المعروف مصطفي أبو العزائم ومحمد زيادة حمور وآخرون وكان شيخ صادق عبد الله هو المسئول عن الطلاب السودانيين بحلوان حتى تخرجه منها وذهابه إلى الجامعة .

أول لقاء (الشيخ صادق عبد الله) بسيد قطب وهو طالب بمدرسة حلوان الثانوية

خلال الفترة التي قضاها شيخ صادق عبد الله طالبا بمدرسة حلوان الثانوية نشأت علاقة وطيدة بينه وبين زملاء له من عائلة مصرية مشهورة وهي عائلة عزام ومن أشهر أصدقائه من هذه الأسرة المرحوم عبد الرحمن عزام باشا والذي أصبح فيما بعد أول (أمين عام لجامعة الدول العربية) وعلى يده تمت الهدنة بين العرب وإسرائيل عقب نكبة ثمانية وأربعين والدكتور عبد الوهاب عزام مترجم أشعار إقبال (شاعر باكستان) من اللغة الأوردية إلى اللغة العربية بواسطة هذين الرجلين تعرف شيخ صادق على أفراد الأسرة

وقد أشار شيخ صادق إلى أن عبد الرحمن عزام وعبد الوهاب عزام هما من خيرة الذين عرفهم في مدينة حلوان وقد توثقت علاقته بهما وبالآخرين من أفراد الأسرة ومنهم سالم عزام ومحفوظ عزام القاضي والمحامي الشهير ورئيس حزب ... بمصر ودكتور عمر عزام وحامد عبد العال عزام وعلى عزام وعبد الهادي حسنين مخلوف ابن مفتي الديار في مصر سابقا بالإضافة لتقلده لعدة وظائف بالخارجية المصرية منها سفير مصر في بعض دول غرب أفريقيا .

كما ذكرت من قبل كان شيخ صادق مولعا بالقراءة منذ نعومة أظفاره خاصة وأنه ابن مدرس في زمن انعدمت فيه فرص التعليم لعامة الناس وعرفنا علاقته بالمكتبة الثقافية بالمحطة الوسطى بأم درمان وقراءته المنتظمة لمجلة الرسالة لصاحبها ومؤسسها أحمد حسن الزيات ومن خلال قراءته المنتظمة لكتابات سيد قطب في تلك المجلة أعجب به وكان كثيرا ما يحدث نفسه باللقاء به والاستماع إليه..

ومن أقدار الله سبحانه وتعالي أن نشأت علاقة وصداقة بين شيخ صادق ومحمد بكري شافعي وهو ابن شقيقة سيد قطب وبتلك العلاقة وجد شيخ صادق ضالته في الوصول إليه والقدر الثاني من أقدار الله في ذلك الأمر أن يكون منزل سيد قطب قرب مدرسة حلوان الثانوية بل قرب الداخلية التي يسكنها شيخ صادق ..

طلب شيخ صادق عبد الله من صديقه محمد بكري شافعي أن يرتب له أمر الزيارة لمنزل سيد قطب ولقائه ومن فرط إعجاب شيخ صادق عبد الله بسيد قطب كان ينتظر في أحد المقاهي التي يمر بها كل القادمين من القاهرة إلى حلوان بواسطة القطار يرقب مجئ سيد قطب من القاهرة التي كان يعمل بها موظفا في وزارة المعارف وقال شيخ صادق أنه كان دائما يرى سيد قطب وسط تلك الجموع القادمة المتدافعة من محطة القطار مربوع القامة أنيقا في مظهره خفيض البصر يسير مميزا بين الجموع .

تم ترتيب الزيارة وكان ذلك في صباح إحدى الجمع من عام 1942م وفي داره التي تقرب من المدرسة جلسوا إليه وتعرف عليهم وأكرمهم بالغذاء الجسدي والعقلي وقد وجدوه في تلك اللحظات وآثار الحب على أنامل كفه اليمني حيث يعد في كتابة المعروف " العدالة الإجتماعية في الإسلام " وفي خاتمة اللقاء طلب منهم سيد قطب معاودة الحضور وإلى داره صباح كل جمعة للمدارسة في بعض الأمور والاستماع إليه ولبعض الإخوة؛

ولقد توالت جلسات سيد قطب مع المجموعة لأكثر من خمس جلسات ومن الذين شاركوا في تقديم المحاضرات بجانب سيد قطب شخص متخصص ومهتم بأراضي مصر الزراعية فقدم محاضرة كان من نتاجها حقائق مذهلة عن ملاك الأراضي وعلاقتهم بالفلاحين (عهد الإقطاع في مصر)

وفي اللقاء اللاحق أوضح سيد قطب لشيخ صادق ومن معه من الطلاب الذين حضروا اللقاء أنهم في هذه المرحلة طلاب يرجي منهم التحصيل الأكاديمي فقط والمحافظة على مستواهم أى تفرغهم للدراسة الثانوية الأكاديمية وألا ينشغلوا بأى أمر أخر مثل تقديم الندوات والمحاضرات للآخرين .

بدأ سيد قطب تقديم الدرس قبل صلاة الجمعة أى في الفترة الصباحية عقب الإفطار وكان حضور تلك الجلسة شيخ صادق عبد الله جبر عبد الرحمن محمد زيادة حمور , عبد الهادي حسنين مخلوف وهو مصري بالإضافة إلى مجموعة من آل عزام .

بعد أن توالت عدة جلسات في دار سيد قطب لهذه الكوكبة من الطلاب السودانيين والمصريين شعر الجميع بشعور واحد ألا وهو أن هذه الجلسات قد صرفت سيد قطب عن الكثير من همومه وأشغاله ولكن رغم ذلك لم يظهر لهم منه ذلك ولكنهم استحوا وتوجسوا من مخاطبته في هذا الأمر .

تقع مدينة حلوان على الضفة اليمنى للنيل جنوب مدينة القاهرة وهي من المدن الصناعية اليوم ومن أشهر أنواع الصناعات فيها صناعة الأسمنت والحديد والصلب كانت الحياة فيها في ذلك الزمان سهلة وبسيطة (عيون حلوان) والتي يقصدها الكثير من السياح والزوار قاصدين الاستشفاء بتلك المياه المعدنية بالإضافة إلى وادي حوف الذي تقام فيه الرحلات الترفيهية والسياحية .

كما ذكرت من قبل فقد كان شيخ صادق عبد الله هو مسئول الطلاب في مدرسة حلوان الثانوية والقائم على أمرهم وقائد مسيرتهم اهتم بتقوية رباط العلاقة بينهم وقوى أواصر الإخوة الصادقة مع زملائهم الطلاب المصريين بالإضافة إلى توجيه سلوكهم وأخلاقهم ليكونوا خير من يمثل السودان في مصر ومن الذين عاونوا شيخ صادق في مهمته آنذاك جبر عبد الرحمن ومحمد زيادة حمور فكانوا خير معين له .

من الأحداث العالمية التي شهدها شيخ صادق وهو طالب بمدرسة حلوان الثانوية(42 – 1945م) الحرب العالمية الثانية فقد ذكر لى أنهم كانوا في داخليات المدرسة وقد شهدت المدينة احتياطات أمنية لا مثيل لها من قبل الإنجليز والجيش المصري خاصة وأن للجيش ثكنات عسكرية قرب المدينة وقد تعرضت للضرب أثناء الحرب وسقطت كمية من القنابل على المدينة جدير بالذكر أن داخليات الطلاب بمدرسة حلوان الثانوية كانت ثكنة عسكرية للجيش البريطاني .

ومن المناشط الثقافية التي قام بها شيخ صادق وزملاؤه في مدرسة حلوان الثانوية إصدار مجلة باسم الشباب لقد اتفق ومن معه من الطلاب على إصدار المجلة ليعبروا فيها عن أفكارهم وأشعارهم وآرائهم فقاموا بجمع المبالغ اللازمة لإصدار المجلة وأعدوا المادة التي يريدون نشرها وأبرز الطلاب الذين شاركوا في ذلك العمل مع شيخ صادق الطالبان كمال حليم ومحمد محمود.

صدر العدد الأول من المجلة وتم توزيعه على الطلاب بالمدرسة بسعر رمزي وعندما علم ناظر المدرسة بالأمر هاج وماج وقام باستدعاء الطلاب الذين قاموا بهذا العمل وعلى رأسهم شيخ صادق فزجرهم وكأنهم قد ارتكبوا جريمة العصر بهذا العمل لأنه يري في ذلك أنهم قاموا بعمل يعتبر ضمن واجبه كناظر للمدرسة بالإضافة إلى أن هذا العمل قد يخرج عن دائرة المدرسة وقد يسبب له مشكلة أو يدخله في الحرج أو قد يتطور وبالتالي يصعب ضبطه والرقابة عليه وأخيرا حذرهم من مثل هذا النشاط وبذلك وئدت الفكرة في مهدها .

كذلك من المناشط الأخرى التي قام بها شيخ صادق بمدرسة حلوان الثانوية إقامة الندوات والمحاضرات التي يقدم فيها تعريفا عن السودان للطلاب بالمدرسة .

شيخ صادق الطالب بمدرسة شبرا الثانوية بالقاهرة 1946م

كما ذكرت من قبل فقد درس شيخ صادق السنة الأولي بالمرحلة الثانوية بمدرسة مصر الثانوية بالقاهرة وهي مدرسة خاصة ثم انتقل إلى مدرسة حكومية وهي حلوان الثانوية ودرس بها ثلاث سنوات ونسبة لظروف أكاديمية ارتبطت بالتخصص انتقل إلى مدرسة شبرا الثانوية بالقاهرة حيث التخصص المطلوب لإعداده لامتحان " البكالوريا " وكما ذكر شيخ صادق فإن مدرسة شبرا الثانوية تقع في مبني ضخم كأنه القصر ومن الذين تزاملوا مع في شبرا الثانوية الطلاب آنذاك عبده حسن دهب سعد قباني .

واصل شيخ صادق نشاطه الثقافي والأدبي بمدرسة شبرا الثانوية وكان كثيرا ما يقدم شيئا من مقطوعاته الشعرية للطلاب بالمدرسة في المناسبات المختلفة وذات يوم استدعاه ناظر المدرسة إلى المكتب فرهب من ذلك الاستدعاء وتوجس خيفة وعندما ولج إلى الداخل وجد الناظر ومعه مجموعة من الضيوف فطلب منه أن يلقي عليهم أبياتا من الشعر قد سمعها منه سابقا فقال شيخ صادق :

لو درى معبد أنا بمعهدنا
نحى الفنون بآداب وشبان

لحطم المزهر النشوان في يده

وقال تعاسا لأدابي وألحاني

كذلك أشار شيخ صادق إلى الروح الأخوية الصادقة التي كانت سائدة في مدرسة شبرا الثانوية بين الطلاب السودانيين والمصريين المسلمين وغير المسلمين .

شيخ صادق الطالب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الأم) 47 -1953م

جلس شيخ صادق لامتحان البكالوريا من مدرسة شبرا الثانوية وحالفه الحظ بالنجاح فتقدم بجامعة فؤاد الأول وهي اليوم جامعة القاهرة الأم تم قبوله بكلية الآداب ويذكر من الطلاب الذين زاملهم بالجامعة من السودانيين عبد الماجد أبو حسبو ،أحمد السيد حمد ،عقيل أحمد عقيل وآخرين .

لم ترق دراسة الآداب لشيخ صادق ففكر في الانتقال إلى كلية أخري ولكن لم يكن أمامه خيار مباشر سوى كلية الحقوق فانتقل إليها ومن ذكريات شيخ صادق بجامعة القاهرة خاصة فيما يتعلق بالنشاط السياسي للطلاب بالجامعة لقد أوضح أن الإخوان المسلمين بقيادة خطيبهم حسن دوح (زعيم الجامعة كما يسمونه)

يهيمنون هيمنة كاملة على ساحة النشاط بالجامعة وما أن يصعد الزعيم حسن دوح على المنصة تصبح ساحة النشاط للإخوان فقط يصولون ويجولون فيها كيف يشاءون وينزوى ممثلو الأحزاب الأخري من الطلاب في أقاصي الجامعة يراقبون خوفا من الثائر (أبو شلوخ) وأبو شلوخ هذا هو أحد الإخوان المسلمين الثائرين ضخم الجسم طويل القامة ذو قوة غير عادية كان دوره في ساحة النشاط بالجامعة ينحصر فقط في أبعاد التنظيمات المنافسة من الساحة وعند ظهوره في ساحة النشاط يصيح أحد الحضور:يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم أبو شلوخ وجنوده.

ومن الأمور التي أشار إليها شيخ صادق عبد الله أن الشيوعيين في الجامعة الذين وقع على عاتقهم تحريك نشاط الحزب الشيوعى في ساحة نشاط الجامعة من الطلاب السودانيين أمثال أحمد سليمان المحامي الإسلامي الشهير أخيرا والتجاني الطيب الزعيم الشيوعي السوداني المعروف بالإضافة إلى المرحوم الكادر القياد بالحزب الشيوعي السوداني أيضا عبد الخالق محجوب .

ومن طرائف المواقف التي ذكرها شيخ صادق في ساحة نشاط الجامعة في أحد الأيام خرجت مظاهرة إلى ساحة النشاط يقودها الشيوعيون بقصد إظهار شئ من القوة والهيمنة وكانت هتافاتهم عاش كفاح الطلبة ...

ولكن الغريب في الأمر ظهور احدي الطالبات تدعي لطيفة من قيادات الشيوعيين محمولة على الأعناق في تلك المظاهرة فدهش الجميع لذلك المظهر العجيب فبدأ زعيم الإخوان وخطيبهم حسن دوح يصيح بمكبر الصوت "يا لطيفة كوني لطيفة"؛

ومن ذكريات شيخ صادق عبد الله معسكر التدريب الذي أقامه الإخوان المسلمون في حرم الجامعة وشارك فيه والذي استخدمت فيه متفجرات كانت من صنع الطلاب في كلياتهم المختلفة وكانت كل قنبلة تقدم للتفجير تعرف بأنها هدية من إخوانكم في كلية كذا ....

وفي شهر يناير عام 1952 م شب حريق هائل في مدينة القاهرة التهب الكثير من العمارات والأماكن التجارية وأحدث دمارا سجل في تاريخ القاهرة والغريب في الأمر وكما ذكر شيخ صادق أن الملك كان في اجتماع بالقصر دعا له جميع الضباط الكبار والقاهرة تحترق في تلك اللحظة .

وفي ذلك الوقت كان معسكر التدريب العسكري للطلاب من الإخوان المسلمين قائما في ساحة النشاط فدخلت إحدي سيارات الأجرة إلى ساحة النشاط تحمل خزانة فهب شيخ صادق مهرولا إلى زعيم الإخوان وخطيبهم حسن دوح وأخبره بالأمر وأشار إليه إلى أن الأمر قد يكون مكيدة قصد بها إشانة سمعة الطلاب الإخوان بأنهم قاموا بنهب القاهرة لحظة الحريق فقاموا بإخراج السيارة من ساحة النشاط .

كذلك أشار شيخ صادق إلى الإخوة السادة التي كانت تربط بينهم وأشار إلى تلك الزيارة التي قام بها حسن دوح زعيم الجامعة كما يسمونه وقائد وخطيب الإخوان إلى شقة شيخ صادق التي كان يسكنها في الجيزة مع زملائه محمد الخير عبد القادر وعبد الباقي عمر عطية وعمر بخيت العوض .

كان الوضع المالي للطلاب يسير حسب الوضع والاتجاه السياسي فالمنح المالية تقدم لطلاب معينين فقط من غير الإخوان المسلمين وتحت أعينهم لإحداث شئ من الضغط النفسي عليهم ويذكر شيخ صادق أنه في يوم من أيام (الفلس) كان خارجا إلى القاهرة برفقة زميله أمين الشبلي وفي الطريق شاهد ورقة تحركها الريح يمنة ويسرة وعندما دقق نظرة فيها فإذا هي خمسة جنيهات تسعى في الأرض بغير صاحب ..

خطفها وقبض عليها بقوة وأخبر أمين الشبلي بالأمر فأسرعا إلى حيث السوق واشتريا المطلوبات والأمر العجيب أنهما أقاما حفلا للشاى بتلك المناسبة التي أدهشت جميع سكان الشقة من زملائهم الذين عقدوا مقارنة بين الفلس وإقامة حفل شاى بواسطة أشخاص مفلسين أمر عجيب !!!

ومن ذكرياته مع زملائه الذين يسكنون معه في الشقة بالجيزة ومنهم محمد الخير عبد القادر الذي حضر ذات يوم غاضبا إلى السكن وأخبر شيخ صادق بأنه يريد العودة إلى السودان فسأله شيخ صادق ما السبب في ذلك فقال أوضاع الإخوان المسلمين في مصر ... وفي تلك الفترة بدأت الهجمة الشرسة على الإخوان اعتقالات تعذيب تشريد ومعاملات سيئة .

دور الإخوان المسلمين في فلسطين عام 1948م

أعد الإخوان المسلمون جيشا بقيادة الإمام الشهيد حسن البنا ويذكر شيخ صادق عبد الله ذلك اليوم الذي تحركت فيه تلك القوات إلى فلسطين واللحظات التي صعد فيها الشهيد حسن البنا على مقدمة اللوري " الكبوت " مخاطبا الجمع الهادر من المجاهدين مودعا لهم؛

ولقد قامت تلك الجماعات من المجاهدين ببعض الهجمات على مواقع قوات الإنجليز في القنال والتل الكبير جدير بالذكر أن قوات المجاهدين من الإخوان لم تشارك في القتال في فلسطين عام 1948 مع القوات العربية المشتركة بل كانت تقاتل وحدها تحت قيادتها الخاصة وبجهودها الخاصة في التسليح والإمداد اللوجستي وبعد إعلان الهدنة لم يعد الإخوان المجاهدون من فلسطين بل ظلوا مرابطين بها حتى تم سحبهم أخيرا إلى منطقة القنال للخلود للراحة في معسكر "هاك استيب"

اللقاءات الأولي لشيخ صادق عبد الله بالإمام الشهيد حسن البنا

الموقف الأول

كما ذكر شيخ صادق بأن لقاءه الأول بالإمام الشهيد حسن البنا كان في عام 1948 م عندما خرج مودعا القوات التي تكونت من الإخوان المسلمين المتجهة إلى فلسطين لنصرة الشعب الفلسطيني إبان النكبة شهده يودع تلك القوات الإخوانية التي تكونت كجيش مستقل بقيادته وجنوده وعتاده وعدته لماذا ؟ لأن الحكومات العربية في ذلك الوقت قد أعدت قوات متنافرة بأسلحة فاسدة لمقاتلة اليهود ونصرة الفلسطينيين وتلك القوات كانت تحمل بذرة فشلها في تكوينها وتسليحها أولا .

شهد شيخ صادق الإمام حسن البنا صاعدا على مقدمة أحد اللوري الحاملة للقوات وهو يشحذ همم الرجال لمواجهة الصهاينة والانتصار للإسلام وكانت جموع القوات والجماهير تحيط به من كل جانب وهو يشحذ القوة الإيمانية لتلك القوات التي انتظمت في صفوف طويلة تشق شوارع القاهرة بدءا من ميدان الأزهر الشريف مرورا بشارع إبراهيم باشا وانتهاء بمسجد الكخيا في وسط القاهرة .

الموقف الثاني

الذي التقي فيه شيخ صادق بالشهيد حسن البنا كان في المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة عندما أقيم احتفال ضخم للوفد السوداني بقيادة الزعيم الكبير إسماعيل الأزهري ذلك الوفد الذي كان متجها إلى أمريكا حيث مقر هيئة (الأمم المتحدة)

وذلك لعرض قضية السودان وكان ذلك حوالي العام 1947م فكان ذلك الاحتفال سندا ومؤازرة من قبل جماعة الإخوان المسلمين لإخوانهم السودانيين عامة في قضيتهم العادلة ألا وهي نيل الحرية .

الموقف الثالث

كان في مدينة حلوان جنوب القاهرة حيث حضر الإمام الشهيد حسن البنا وقدم محاضرة رائعة كانت نبراسا أضاء جزءا من ظلمة الطريق للكثيرين ممن حضروا تلك المحاضرة القيمة والتي كانت في وقت الظهر أما في المساء فكانت الليلة الإخوانية بحضور جمع غفير من الإخوان يتقدمهم الإمام الشهيد؛

وكان ذلك في عزبة حلوان ولكن المهم في الأمر دور شيخ صادق عبد الله في تلك الليلة الإخوانية الجامعة فقد أتيحت له الفرصة لكي يتحدث أمام الإمام الشهيد حسن البنا في جمع حاشد من شباب الإخوان وشيوخهم وقد ألقي شيخ صادق في تلك المناسبة قصيدة طلبها منه أحد الإخوة .وكانت هي بداية الارتباط بين شيخ صادق وتلك الجماعة المؤمنة.

شيخ صادق عبد الله والتخرج في جامعة فؤاد الأول عام 53 -1954م

أخيرا وضع شيخ صادق عصا الترحال منهيا حوالي أربعة عشر عاما قضاها متجولا بين منارات العلم في مصر بدءا بمدرسة بني سويف الإعدادية مرورا بمدرسة مصر الثانوية بالقاهرة ثم حلوان الثانوية ثم شبرا الثانوية وأخيرا جامعة فؤاد الأول (القاهرة الأم) لكلية الحقوق في العام 1954م جدير بالذكر هنا مجموعة من الطلاب السودانيين تخرجوا في نفس الجامعة (فؤاد الأول) قبل تخرج شيخ صادق بعام ومنهم المرحوم جبر عبد الرحمن محمد زيادة حمور ،إبراهيم الشيخ ،أمين الشبلي وآخرون .

عندما سئل الإمام الشهيد حسن البنا من أنت؟ قال:أنا شخص يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس".

شيخ صادق وعلى شمو وسيد خليفة وإذاعة ركن السودان بالقاهرة

حدثني شيخ صادق عن ذكريات له مع الإعلامي الكبير البروفسور على شمو والمرحوم الفنان سيد خليفة وقد أشار لى على موقف كان هو السبب فيه غير به مجريات حياة البروفسور على شمو فلقد ذكر لى أن توفيق البكري الأستاذ بكلية الحقوق جامعة القاهرة في الخمسينات من القرن الماضي وهو سوداني الجنسية كان مسئولا عن إذاعة ركن السودان التي تبث برامجها في ذلك الوقت من القاهرة

فطلب من شيخ صادق عبد الله وهو مسئول الطلاب السودانيين بمصر في ذلك الوقت أن يختار له اثنين من الشباب ليعملا في الإذاعة على أن يكون الأول صاحب صوت جميل ومميز ليكون مذيعا والثاني يكون فنانا فاختار شيخ صادق عبد الله الطالب على شمو ليكون المذيع المرشح وهذا الاختيار كان نقطة البداية لانطلاقة البروفسور لاحقا على شمو ولقد تعير مجرى حياته من كلية الشريعة والقانون ليتخرج قاضيا أو محاميا إلى الإعلام ليكون إعلاميا .

أما الفنان المرحوم سيد خليفة وكما ذكر شيخ صادق فقد كان موجودا في القاهرة ولكن لم يكن معروفا كفنان لعامة الناس ولكنه كان فنان الطلاب يقدم له فنه في مناسباتهم الخاصة في الإجازات عندما يبقي الطلاب بالقاهرة لقضاء الإجازة بسبب بعض الضرورات التي تحول دون سفرهم لقضاء الإجازة مع أهلهم بالسودان ومن خلال إذاعة ركن السودان التي رشحه لها شيخ صادق أصبح الفنان سيد خليفة ذائع الصيت في السودان وخارجه وكانت هذه بداية الانطلاقة الأولي للفنان الكبير سيد خليفة عليه رحمة الله .

شيخ صادق عبد الله والعودة إلى السودان بعد التخرج في نوفمبر من عام 1954 م

ذكر لى شيخ صادق عبد الله أنه كان يسابق الزمن للعودة إلى السودان الوطن الغالي وقال إن الوطن هو حياته ... وجهاده ... واستشهاده فكان يتحرق شوقا للعودة... والأمل الوحيد الذي كان سببا في تأخره هو أنه كان يأوى مجموعة من الإخوان المسلمين الذين احتموا به هربا من سلطات المباحث المصرية التي كانت تطاردهم بل كانت تسكن عند أبواب منازلهم للقبض عليهم لم يغادر شيخ صادق القاهرة إلا بعد أن اطمأن عليهم وعلى أحوالهم بعد أن أستأجر لهم شقة أودعهم فيها واستودعهم الله .

وعندما أراد شيخ صادق مغادرة القاهرة عن طريق السكك الحديدية مر على الشقة مرة أخري لكي يودعهم فوجد أربعتهم يكتبون على صفحة خالية من صفحات مصحف .. أخانا صادق ... إليك نهدي هذا الكتاب الكريم ...ذكري ...

فكرة أظلتنا معا... وأيام أويتنا فيها .. وابتلاء هو بعض مما يصيب أصحاب الدعوات ..وعهد ...أن نمضي بإذن الله قدما نبذل أنفسنا روحا ودماودعاء ...أن يحفظنا الله على الحق قائمين ... ويحشرنا يوم القيامة مع الشهداء والصالحين ..

غادر شيخ صادق القاهرة في نوفمبر من عام 1954 م متوجها إلى حيث الوطن السودان وعند وصوله بأيام قلائل علم بخبر اعتقال الإخوان الأربعة (على ،حسن ،محي ،عصام) بواسطة المباحث المصرية التي قامت بتمشيط القاهرة وشوارعها ومساكنها ومتاجرها حتى ألقي القبض على أعداد كبيرة من الإخوان المسلمين المختبئين خوفا من تعذيب وبطش المباحث المصرية وجماعات جمال عبد الناصر ولقد حزن شيخ صادق حزنا شديدا لاعتقالهم ووقوعهم أيدى سلطات المباحث المصرية .

شيخ صادق عبد الله معلم بمدارس الأحفاد الوسطى بأمدرمان 1954 -1955م

وصل شيخ صادق السودان في نوفمبر من العام 1954 م حاملا حصاد حوالي أربعة عشر عاما قضاها طالبا بجمهورية مصر يحمل درجة الليسانس في الحقوق (القانون) من جامعة فؤاد الأول (القاهرة الأم)

وكان أبرز ما يتوق إليه هو أن يخلد للراحة شهرا أو شهرين ثم بعد ذلك ينهض لمجابهة الحياة بوجهها الجديد ولكن هيهات له فقد اتصل به فور وصوله صديق عزيز عليه هو حسن علوب طالبا منه أن يحل محله مدرسا بمدارس الأحفاد الوسطى وليكمل له مدة العقد الذي بينه والمدارس (أى يخلفه في إتمام العقد الذي أوشكت مدته على الانتهاء ولكن هنالك ظروف حالت دون انتظاره لإتمامه)

اصطحب حسن علوب شيخ صادق عبد الله إلى الأستاذ يوسف بدرى ليقدمه له بديلا وينصرف وما أن حل عند الأستاذ يوسف بدأ حسن علوب يقدم ويعرف الشيخ صادق فقاطعه الأستاذ يوسف وقال في سؤال استنكاري هل تريد أن تعرفني بصادق عبد الله ؟ بل أنا أعرفك به وبوالده وأسرته .

كذلك نشط الأستاذ صادق عبد الله في العمل الدعوى والسياسي في السودان عند وصوله مباشرة تحدث في الندوات والليالي السياسية والمساجد واهتم كثيرا في خطبه الأولي بعد عودته بتبصير الرأي العام السوداني بحال الإخوان في مصر والأذى الكبير الذي أصابهم من عبد الناصر؛

كذلك كتب شيخ صادق عبد الله في الصحف مناصرا ومساندا الإخوان في مصر شارحا لبرنامجهم الدعوى ومجاهداتهم ومدافعا عنهم ردا على كل وسائل إعلام عبد الناصر عمل شيخ صادق عبد الله معلما بمدارس الأحفاد الوسطى بنين حوالي العام ومن الزملاء الذين زاملهم شيخ صادق بمدارس الأحفاد الأستاذ إبراهيم زين العابدين الأستاذ حسن التاج الأستاذ الشاعر الكبير عبد الله الشيخ البشير الأستاذ إبراهيم إدريس وكان ناظرا للمدرسة والأستاذ أبو القاسم هاشم .

ومن الطلاب الذين تتلمذوا على يد شيخ صادق بمدارس الأحفاد الدكتور عبد الله البرير معتمد الخرطوم المرحوم الطيب بدري .

شيخ صادق عبد الله ورئيس لتحرير صحيفة (الإخوان المسلمين)

بعد أن قضى شيخ صادق حوالي العام بمدارس الأحفاد الوسطى (54 -1955م) تم تكليفه بواسطة الإخوان وعلى رأسهم الرشيد الطاهر بكر ليتولى رئاسة تحرير صحيفة (الإخوان المسلمين) وكان ذلك في يونيو 1956 م.

تولى شيخ صادق رئاسة التحرير وكان معه من المعاونين اثنان فقط هما طه محمد أحمد وآدم محمد حامد وثلاثتهم كانوا يستغلون مكتبا واحدا فقط هو كل مكاتب الصحيفة في موقع يجاوز موقع بنك النيلين للتنمية الصناعية غرب ميدان الأمم المتحدة سابقا ثم انضم إليهم الأستاذ يس عمر الإمام الإسلامي الشهير وكان المبني الذي يقع فيه مكتب الصحيفة عبارة عن عمارة تسمى (عمارة الصحف الاستقلالية)

أول إصدارة لصحيفة (الإخوان المسلمين) كانت في يونيوم وكانت افتتاحية الجريدة تكتب بقلم الشيخ صادق عبد الله إلى أن ضاقت بها ذرعا حكوما عبود.

فعندما استولي الفريق عبود ورفاقه على السلطة في السودان في نوفمبر 1958م كما يعلم الجميع ضيقوا الخناق على الصحف الحزبية التي كانت تصدر في ذلك الزمان والتي كانت تمثل صوت الحزب أصدرت حكومة عبود قرارا بأن أى صحيفة تحمل اسم حزب عليها تغيير الاسم فورا لأى اسم آخر أو أن تتوقف عن الصدور .

قرر القائمون على أمر صحيفة (الإخوان المسلمين) تغيير اسمها إلى صحيفة (البلاغ) حتى لا تتعرض للإيقاف من قبل الحكومة ولكنها لم تستمر رغم ذلك جدير بالذكر أن صحيفة (الأمة) التي تصدر باسم حزب الأمة توقفت مباشرة مع القرار .

المقال الذي أدي لإيقاف صحيفة (البلاغ)

في إحدى افتتاحيات الصحيفة كتب شيخ صادق مقالا بعنوان (إلى أين نتجه) تناول فيه موقفين متناقضين للرئيس عبود الأول زيارته للكلية الحربية للمشاركة في حفل تخرج طلاب حربيين وجاء في كلمته في الاحتفال حث المتخرجين على التحلي بالأخلاق الفاضلة والسلوك القويم وغيرها من مكارم الأخلاق وبعد يومين فقط شارك الرئيس عبود في حفل افتتاح مصنع (البيرة) لكى تفسد الأخلاق .

إذن كما قال شيخ صادق في افتتاحية الصحيفة (إلى أين نتجه) وحقيقة كما قال إلى أين الاتجاه ؟ هل إلى مكارم الأخلاق أم إلى مفاسدها .

تم استدعاء شيخ صادق إلى وزارة الداخلية وتم التحقيق معه بواسطة وكيل الوزارة شخصيا وأثناء التحقيق أو في بدايته قال شيخ صادق لوكيل الوزارة:يجب أن يتحدث كلانا بوطنية في هذا الأمر لأنه قضية وطن وشعب وتوجه . وفي نهاية التحقيق أخطر وكيل الوزارة شيخ صادق بقرار فرض رقابة على الصحيفة (البلاغ) وإذا لم تلتزم مرة أخرى توقف عن الصدور.

جانب أخر من تدخل حكومة عبود في شأن الصحيفة فقد صدر توجيه من وزارة الداخلية للصحيفة بعدم التعرض لأى رئيس دولة من دول العالم بشئ من النقد وغيره أى إما أن تذكروهم بخير أو لا تتحدثوا عنهم .

وفي ذات يوم حدث تصف غير سليم من الرئيس الفرنسي (ديجول) فكتب شيخ صادق عمودا تناول فيه هذا التصرف العجيب فتم استدعاؤه إلى وزارة الداخلية مرة أخري وعندما دخل إلى مكتب وكيل الوزارة وجده جالسا وأمامه صحيفة الإخوان (البلاغ) وقد خط باللون الأحمر على العمود الذي تناول فيه أمر ديجول العجيب بعد التحية والسلام مباشرة ودون أى مقدمات وجه وكيل الوزارة سؤالا غريبا لشيخ صادق : " ديجول مالو ؟؟؟" فرد عليه شيخ صادق ما فاهم !!!"

فقال الوكيل:دى ما جريدتك ؟؟؟ قال شيخ صادق : نعم قال الوكيل:" أنت ما عارف كتبت شنو عن ديجول ؟" قال شيخ صادق " ما بتذكر " وخلاصة الأمر كما ذك شيخ صادق أن وكيل الوزارة تناول معه كلاما " لا يودى لا يجيب " أى كلام لا فائدة منه وفي ختام اللقاء أبلغ وكيل وزارة الداخلية شيخ صادق بأن هذا إنذار نهائي وأن الرقابة على الصحيفة سوف تنفذ من اليوم يجدر ذكره أن وزير الداخلية في ذلك الوقت هو اللواء أحمد مجذوب البخاري .

خرج شيخ صادق من مكتب وكيل وزارة الداخلية وفي الاستقبال وجد الصحفي عبد الرحمن مختار صاحب ومؤسس جريدة الصحافة وكان في ذلك الوقت يصدر نشرة إخبارية يومية يتناول فيها الأخبار الساخنة وكان كثير الاهتمام بالسبق الصحفي في نشرته .

قبل انصراف شيخ صادق من وزارة الداخلية قال له الوكيل : " الكلام ده ما يخرج من المكتب ده " والكلام المقصود الحوار الذي دار بينه والوكيل وقرار فرض الرقابة على الصحيفة ولكن شيخ صادق رد على الوكيل بأنه عندما تم استدعاؤه إلى وزارة الداخلية كان زملاؤه في الصحيفة على علم وفي انتظاره لمعرفة نتيجة الاستدعاء فهل يكذب عليهم ويقول لهم ذهبت للمؤانسة مع الوكيل  !! إذن سيخرج الأمر من مكتب الوكيل ليس للزملاء في الصحيفة فقط ولكن للملأ .

في مكتب الاستقبال وأمام مكتب الوكيل أخذ شيخ صادق ما دار من حديث مع الوكيل وقرار فرض الرقابة إلى الصحفي المخضرم عبد الرحمن مختار وطلب عبد الرحمن مختار من شيخ صادق أن يكتم هذا الأمر حتى الساعة مساء اليوم وألا يحدث به أحدا يريد من وراء ذلك تحقيق سبق صحفي .

جدير بالذكر أن النشرة التي يصدرها عبد الرحمن مختار كانت مقروءة في كل السفارات الأجنبية المعتمدة بالخرطوم.قام عبد الرحمن مختار بإعلان الأمر في نشرته الصادرة في نفس اليوم الساعة الخامسة مساء وبالخط العريض (الحكومة تفرض رقابة على صحيفة البلاغ)

وما أن وصلت نشرة عبد الرحمن مختار إلى الصحف مساء ذلك اليوم حتى توالت الاتصالات الهاتفية من كل الصحف يسألون شيخ صادق هل ما جاء في نشرة عبد الرحمن مختار صحيح ؟ فأجاب شيخ صادق للجميع بأن الخبر صحيح وفي صبيحة اليوم التالي عم الخبر القرى والحضر عبر الصحف التي كانت تصدر في ذلك الزمان ومنها الرأي العام والأيام والصراحة .

ومن ضمن برنامج الرقابة المفروضة على صحيفة الإخوان طلب الوكيل من شيخ صادق (رئيس التحرير) أن يحضر يوميا المادة التي يريد نشرها إلى وزارة الداخلية لتتم مراجعتها وإقرارها والموافقة عليها قبل الطبع ولكن أوضح شيخ صادق للوكيل أن هذا الأمر من الصعب تنفيذه حسب الطريقة التي يتم بها إعداد الصحف حيث تجمع الصحيفة حرفا حرفا وبالتالي أى حذف أو تعديل يكون سببا في إعادة ترتيب الصحيفة تماما؛

وبالتالي يتعذر صدورها في اليوم التالي والمقترح الثاني الذي قدمه شيخ صادق للوكيل قاصدا تنبيهه لاستحالة أمر الرقابة بهذه الكيفية والسخرية من أمرها ويصعب تنفيذه وهو تجهيز مكتب في وزارة الداخلية يتم فيه تجميع الصحيفة إذا قامت الوزارة بذلك تصبح الصحيفة صحيفة وزارة الداخلية وليست صحيفة (الإخوان المسلمين)

اتصل شيخ صادق بقيادة الإخوان المسلمين وأبلغهم بكل تفاصيل ما دار بينه ووكيل الداخلية وأوضح لهم أن الرقابة المفروضة من قبل الحكومة لا تمكن الصحيفة من الصدور وقدم لهم رأيه الأخير في شكل مقترح بأن تتوقف الصحيفة عن الصدور وافقت قيادة الإخوان على المقترح وأصدرت قرارا بإيقاف الصحيفة .

كتب شيخ صادق عبد الله خطابا طويلا إلى الصحفي والإعلامي المخضرم بشير محمد سعيد عليه رحمة الله وأخبره بكل تفاصيل المواجهة مع وزارة الداخلية ونقل له قرار قيادة الإخوان بإيقاف الصحيفة عن الصدور بسبب العقبات التي وضعتها الحكومة بفرض الرقابة عليها .

كتب الإعلامي بشير محمد سعيد مقالا في صحيفة الأيام تناول فيه بالحزن والأسي ما وقع على صحيفة (الإخوان المسلمين) من ظلم ووصف الدور العظيم الذي كانت تقوم به وأشار إلى خوفهم من أن يكون مصير صحيفة الإخوان هو مصير صحف أخري .

في خاتمة الأمر توقفت الصحيفة عن الصدور وانسدل الستار على نافذة من نوافذ التعبير وانصرف القائمون على أمرها وتفرقت بهم السبل في ميادين أخري من ميادين الحياة .

في صفحة الأيام هذه الأيام
كاتب جديد من نوعه فريد

يكتب بالإشارة من داخل السفارة

فالعين في القاموس للرجل الجاسوس

وردنا عليه هدية إليه

موكبنا يسير للهدي والنور

من شاء أن ينضم

أو شاء فلينطم
صادق عبد الله عبد الماجد
رئيس تحرير صحيفة الإخوان المسلمين

شيخ صادق معلم بمدارس الأحفاد للمرة الثانية 59-1963م

لقد ذكر لى شيخ صادق عبد الله أنه طيلة حياته أمد الله في عمره لم يتقدم بطلب للعمل في أى جهة حكومية كانت أو غير حكومية ولكن هناك ظروف ومصادفات كانت السبب المباشر لانتقاله للعمل في موقع ما فانتقاله للعمل بمدارس الأحفاد مرة ثانية في الأعوام 59 - 1963 م كان وليد صدفة جمعته مع المرحوم "يوسف البدري"

حيث كان في زيارة المرحوم السيد "الصديق المهدي" في داره وكان من ضمن الحضور في تلك الزيارة المرحوم "يوسف بدري" والغريب في الأمر بعد انصرافه من المكان بقليل حضر خادم السيد "الصديق المهدي" يحمل التلفون الخاص بالمنزل وطلب من شيخ صادق أن يتحدث مع شخص يطلبه فعجب شيخ صادق فإذا بالمرحوم يوسف بدري على الخط يحدثه طالبا منه أن ينضم لأعضاء هيئة التدريس بمدارس الأحفاد الثانوية متعاونا في تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية .

قام شيخ صادق باستشارة بعض الإخوة ومنهم الأخ جمال عمار فهو رجل له دور كبير في العمل الدعوي للإخوان في ذلك الزمان توفي إلى رحمة مولاه فرد عليه الأخ جمال بأن لا يتردد في الموافقة وأن يتجه فورا للعمل لأن المعلم يعنى داعية خاصة وأن المواد التي سوف يقوم بتدريسها هي مواد الدعوة وأصل الدعوة (التربية الإسلامية، اللغة العربية)

أرسل شيخ صادق موافقته إلى الأستاذ يوسف بدري مدير مدرسة الأحفاد الثانوية في ذلك الوقت ومن المواقف التي يذكرها شيخ صادق في يومه الأول بالمدرسة أنه عندما وصل إلى المدرسة قابله أحد الأساتذة ويدعى أبا القاسم زين العابدين واستفسره إن كان قدومه للمدرسة للإنضام لهم والعمل معهم فأجاب صادق بنعم فتحركا إلى مكتب المعلمين وكانوا في ساعة الإفطار؛

فقدم الأستاذ أبو القاسم زين العابدين شيخ صادق لكل الحضور بأنه زميلهم صادق عبد الله من الإخوان المسلمين جاء للعمل معهم فتقديم شيخ صادق بأنه من الإخوان المسلمين قصد منه التنبيه لأن بعض أعضاء هيئة التدريس في مدرسة الأحفاد الثانوية في ذلك الوقت من الشيوعيين .

من الأساتذة الذين تزامل معهم شيخ صادق بالمدرسة الأستاذ الشاعر عبد الله الشيخ البشير حسن التاج الشيخ الرشيد وفاروق كدودة وبعض الأساتذة من مصر وسوريا .

شيخ صادق وحركة الإخوان في السودان

عندما تقدمت بالسؤال للشيخ صادق عبد الله عن بدايته الحقيقية وانخراطه في العمل التنظيمي للإخوان المسلمين أشار إلى ضرورة الحديث عن بداية العمل التنظيمي للإخوان المسلمين بالسودان متى بدأ؟ وكيف بدأ؟ ومن هم أهل السبق ؟ وكما يسمونهم (البدريون) لذلك انتقلنا بالحديث إلى .

كيف بدأت حركة الإخوان في السودان ؟

حركة الإخوان المسلمين في السودان امتداد طبيعي لحركة الإخوان في مصر ومن الملاحظ أن معظم قيادات الإخوان في السودان (الأوائل) كانوا من الذين تلقوا تعليمهم بمصر أو كانوا على ارتباط بها وحتى قيادات الشيوعيين الأوائل في السودان أمثال احمد سليمان عبد الخالق محجوب تلقوا تعليمهم بمصر وبذلك يمكن القول إن معظم الأحزاب السياسية السودانية كانت نقطة انطلاقها من مصر .

بداية شيخ صادق وانضمامه لحركة الإخوان المسلمين كانت بمصر التي ذهب إليها طالبا للعلم ومكث بها حوالي أربعة عشر عاما كما ذكرنا من قبل ويقول شيخ صادق عن انضمامه لجماعة الإخوان إن ظروفا كثيرة قيضها الله سبحانه وتعالي لتكون السبب في التحاقه بركب هذه الجماعة المؤمنة؛

ولكن الفضل العظيم بعد الله يعود لأحد الإخوان الصادقين وهو محمود يونس الشربيني ذلك الرجل المؤمن الذي بذل جهدا مقدرا تجاه شيخ صادق حتى تكلل بالتوفيق والغاية المطلوبة وهي أن سلك شيخ صادق طريق الإخوان المسلمين .

ومن البرامج التي أعانت شيخ صادق وهو في بداية الطريق بحركة الإخوان المسلمين حضوره الدائم المنتظم للمركز العام للإخوان بالحلمية الجديدة في مدينة القاهرة حيث المحاضرات والندوات واللقاءات التي يشارك فيها قيادات الإخوان وعلى رأسهم الإمام الشهيد حسن البنا وسيد قطب كما ذكرنا فإن (تجنيد) شيخ صادق تم بواسطة الأخ محمود يونس الشربيني الذي كان دائم الحضور عند شيخ صادق .

وكما ذكرنا ما أن ينتهي اليوم الدراسي بمدرسة حلوان الثانوية وينصرف الجميع إما إلى ديارهم أو إلى داخلياتهم إلا وظهر الشربيني أمام شيخ صادق بالداخلية وكان كثيرا ما يتحدث عن الإخوان المسلمين ويحاول أن يشد انتباه شيخ صادق الطالب آنذاك إلى تلك الحركة المباركة ويعدد له مقدرات تلك الحركة وقوتها البشرية والمادية وطلب منه ذات مرة مرافقته يوم الثلاثاء من كل أسبوع إلى دار الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة لحضور (حديث الثلاثاء) والذي يؤمه جمع غفير من الإخوان ويخاطبه الإمام الشهيد حسن البنا .

كان شيخ صادق شديد الاهتمام بالثقافة العربية الإسلامية وهذا الاهتمام دفعة للبحث عن أماكن إضافية غير الجامعة (جامعة القاهرة) ومراكز الإخوان المسلمين لينال منها المزيد ويشبع رغبته فكان يتردد على الجامعة الأمريكية التي كانت تقدم سمنارات دورية في اللغة العربية والثقافة الإسلامية بقاعة كبري تسمى قاعة (يورت) يؤمها جمهور من الناس ويقوم على أمر تلك "السمنارات"

والمحاضرات كبار الأدباء والكتاب أمثال الدكتور طه حسين زكي مبارك أحمد أمين والعقاد والرافعي وآخرين .

قصة شراء دار الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة بالقاهرة (المركز العام)

هذه القصة تؤكد صدق وقوة برنامج حركة الإخوان وعزيمة الرجال القائمين على الأمر في ذلك الوقت وعلى رأسهم الإمام الشهيد حسن البنا وإخوانه الصادقون الكرام عندما فكر الإخوان في إنشاء أول دار لهم طرح في نفس الوقت أحد قصور باشوات مصر للبيع فقرر الإخوان شراءه ليكون أول دار لهم؛

فقد تمت عملية الشراء بطريقة تكافلية نابعة من أصل برنامج تلك الجماعة المؤمنة حيث أعلن عن تبرعات لجمع المبلغ اللازم للشراء ومن شروط التبرع أن يدفع الأخ المتبرع ملبغا لا يقل عن القرش الواحد ولا يزيد عن خمسة وعشرين قرشا وقد جمع المبلغ وتم شراء الدار بطريقة تؤكد التعاون والتكاتف والتعاضد في أسمي معانيه وأصبح القصر (دار الإخوان المسلمين) بالحلمية الجديدة في مدينة القاهرة ملكا لكل أخ وكل من يدخل تلك الدار ينتابه إحساس قوي أنه شارك في شراء هذه الدار ولو بالقليل الذي أصبح كثيرا بنصيب إخوانه الآخرين ..

بعد أن سلك شيخ صادق طريق الإخوان وأمن بالفكرة أصبح دائم الحضور بالمركز العام للإخوان بالحلمية بدأ يدعو بعض زملائه لمرافقته إلى ذلك المركز أى بدأ بتجنيد زملائه في حركة الإخوان ويذكر من الذين رافقوه في بعض المرات محمد زيادة حمور وجبر عبد الرحمن عليهما رحمه الله وحسن عثمان دبلوك ومحمود الحكيم .

ظل شيخ صادق على اتصال بالمركز العام والإخوان بمصر لعدة سنين قبل عودته إلى السودان في عام 1954م.

علاقة شيخ صادق عبد الله بالإخوان المسلمين في السودان قبل 1954 م

كما ذكر لى شيخ صادق أنه كان على اتصال ببعض الإخوان في السودان الذين يدرسون في ذلك الوقت بكلية غردون (جامعة الخرطوم) حاليا حيث كان يقوم بزيارتهم من وقت لآخر وهؤلاء الإخوان أصبحوا فيما بعد النواة أو البذرة التي أنبتت حركة الإخوان المسلمين في السودان ومنهم بابكر كرار القيادي الإسلامي الشهير ميرغني النصرى عضو مجلس رأس الدولة في الديمقراطية الثالثة 86 -1989م محمد يوسف محمد ،عبد الله محمد أحمد الوزير بحكومة لإنقاذ سابقا وسفير السودان بإيطاليا ،أحمد محمد بابكر .

عندما قرر شيخ صادق العودة إلى السودان نهائيا في عام 1954 م تذهب إلى المركز العام للإخوان المسلمين وقابل عبد القادر عوده ويوسف طلعت وأخبرهم بأنه في طريقه إلى السودان وطلب منهم بعض معينات الدعوة ليحملها إلى الإخوان في السودان من كتب ومجلات ودوريات ونشرات وغيرها من الدورات فقاموا بتجميع جزء من تلك المعينات وقام بحملها إلى الإخوان في كلية غردون؛

وعندما وصل وجدهم قد بدأوا في دراسة لعمل تنظيم خاصة وأن الشيوعيين قد سبقوهم بتكوين تنظيم بسمى (الجبهة الديمقراطية) وكانت هذه الجماعة تعمل على هدم الدين والعقيدة ومن أخطر ما قاموا به التشكيك في وجود الخالق عز وجل فكثيرا ما يسألون الممسكين بدينهم السؤال الذي يؤدى إلى الكفر والتهلكة والعياذ بالله (أثبت لى أن الله موجود ؟؟؟) ويطعنون في الدين .

بدأ الإخوان بكلية غردون في دراسة كتبا (منزل الوحى) للكاتب والمفكر محمد حسين هيكل (حياة محمد) ضمن برنامجهم الدعوى والأسري وكما ذكرنا من قبل فهؤلاء الإخوان مع إخوتهم القادمين من مصر كانوا النواة لحركة الإخوان المسلمين بالسودان تجمع الإخوان القادمون من مصر والإخوان بكلية غردون وتوصلوا إلى ضرورة التحرك بصورة واسعة بين الخريجين والطلاب ونشر فكرة الإخوان المسلمين بينهم لأنهم هم مستقبل البلاد والأمل معقود عليهم في مقبل الأيام لنشر الدعوة في ربوع السودان؛

وقد أشار شيخ صادق إلى بداية الأخ على طالب الله في نشر فكرة الإخوان وأوضح أنها بدأت بسبعة أشخاص من أصحاب المهن العمالية البسيطة وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى بطء تيار الدعوة فيذلك الوقت .

وضع الإخوان خطة لتنفيذ برنامج استهدف المثقفين والطلاب مع التركيز بجانب طلاب كلية غردون على طلاب المرحلة الثانوية الذين ينتشرون في أربع مدارس فقط في ذلك الوقت هي كل مدارس السودان الثانوية (وادي سيدنا ،حتوب ،خورطقت ،بورتسودان )؛

وأبرز قيادى من الإخوان تولي العمل في ذلك الوقت هو المرحوم بابكر كرار استمر برنامج الإخوان بهذه الصورة من عام 1948 م إلى عام 1951 ومن الأمور التي خدمت أمر دعوة الإخوان في السودان مشاركة الإخوان في مصر في العمل العسكري ضد اليهود في فلسطين عام النكبة 1948م ودورهم العظيم في ذلك الموقف وانتشار أخبار بطولاتهم ومواقفهم الجهادية دفاعا عن العروبة والإسلام في كل ربوع الدنيا خاصة البلاد العربية .

مشاركة شيخ صادق عبد الله في وفد الإخوان القادم من مصر إلى السودان 1952م

حضر وفد من الإخوان المسلمين من مصر وكان على رأسه الأخ عبد البديع صقر وحسن الشافعي وعبد الباقي عمر عطية الذي يعمل مهندسا معماريا بالخرطوم ويسكن المنشية أمد الله في عمره وقد كان شيخ صادق ضمن الوفد الذي توجه فور وصوله إلى مدرسة حنتوب الثانوية وكان الاستقبال الكبير من قبل الإخوان وعلى رأسهم جعفر شيخ إدريس أمد الله في عمره ومحمد قسم السيد؛

وكانت المقابلة في البنطون وكان ذلك حوالي العام 1952 وكانت المقابلة والاستقبال سرا خوفا من إدارة المدرسة التي كان معظم أعضاء هيئة التدريس فيها من الإنجليز مع وجود بعض الأساتذة السودانيين أمثال المرحوم هاشم ضيف الله .

لقد رتب الإخوان أمر هذه الزيارة ترتيبا ممتازا لسريتها وتم إعداد مكان نزول الضيوف بمنزل طباخ المدرسة ويسمى هباني وقد تمثلت دقة التنظيم في المحافظة على سرية الزيارة فالوفد دخل المدرسة والتقي بالطلاب وأكمل مهمته في يومين ولم يعرف أحد من إدارة المدرسة بالأمر وكانت اللقاءات تتم في جنح الليل بمسجد المدرسة وفي جماعات صغيرة (3- 6) أفراد في كل مقابلة حتى قابل الوفد معظم طلاب المدرسة في تلك الزيارة؛

وذكر لى شيخ صادق أن الطلاب في ذلك الوقت يطلقون على أنفسهم اسم الإخوان المسلمين بالرغم من أن إقرار هذا المسمى لم يتم إلا في مؤتمر الإخوان الأول بنادي أمدرمان الثقافي عام 1954 م دهش الأخ عبد البديع لهذا الكم الكبير من الإخوان في مدرسة واحدة فقط "حنتوب الثانوية" وأن هذا الكم وهذا التنظيم الدقيق نتاج عامين فقط بالإضافة لالتزامهم وتنظيمهم الدقيق للزيارة .

بعد ذلك توجه الوفد إلى كردفان حيث مدرسة خور طقت الثانوية منارة العلم التي أضاءت فضاء غرب السودان وشارك الوفد الطلاب في البرنامج المعد من الإخوان بالمدرسة .

عاد الوفد إلى الخرطوم ومنها إلى مصر وبعد فترة قضاها شيخ صادق بين الأهل عاد هو الآخر إلى مصر وهو على أعتاب التخرج من الجامعة (جامعة فؤاد الأول) القاهرة الأم .

كما يعلم الجميع فإن عام 1952 م شهد ميلاد ثورة يوليو التى أحاطت بالملك فاروق والحكم الملكي في مصر وجاءت بعبد الناصر ورفاقه في مجلس الثورة وقد ذكر لى شيخ صادق وهو شاهد على ذلك العصر أن الإخوان المسلمين عندما قامت ثورة يوليو وقفوا معها وساندوها وناصروها وحملوا معها السلاح ضد أعداء الوطن ولكن انقلبت عليهم سريعا فأعدمت من أعدمت من قياداتهم وسجنت بعضهم وشردت آخرين.

من الأمور التي أشار إليها شيخ صادق في علاقة الإخوان في مصر ومع إخوان السودان أن المرحوم على طالب الله الذي يعتبر أول مراقب عام للإخوان بالسودان وكان على اتصال بالإمام الشهيد حسن البنا وهنالك تبادل للرسائل بينهما وتنسيق في زمن مبكر في نهاية الأربعينات من القرن الماضي بل هناك وفود متبادلة بينهم .

جدير بالذكر أن المرحوم على طالب الله كان موظفا بوزارة الخارجية السودانية وكان مسئولا عن مكتب مقاطعة إسرائيل فاستفاد من موقعه هذا في علاقته بالإمام الشهيد حسن البنا .

تركزت مجهودات المرحوم على طالب الله في بداية دعوته لبرنامج الإخوان على المجتمع عامة ولم يركز على فئة معينة مثل الطلاب أو المثقفين الخريجين .

ومن أوائل الذين عاونوا المرحوم على طالب الله في برنامج دعوة الإخوان الشيخ عوض عمر إمام مسجد أمدرمان الكبير وأخو القيادي الإسلامي يس عمر الإمام .

وكان المرحوم على طالب الله يسلك في طريقته للدعوة لبرنامج الإخوان نفس الطريقة التي سلكها الإخوان في برنامج الدعوة في مصر أى دعوة جميع أفراد المجتمع دون التمييز أو التركيز على فئة معينة وكذلك امتدت دعوتهم حتى إلى أشخاص منحرفين في أخلاقهم وقد ذكر لى شيخ صادق في إحدى المرات كان عند المرحوم على طالب الله واشتم رائحة خمر في أحد الإخوان حديثي العهد؛

وأشار إلى المرحوم على طالب الله أن أمر دعوة الإخوان والبداية لا يمكن أن تكون بمثل هؤلاء ولكن شيخ على طالب الله رحمه الله لم يكترث لمثل هذا الرأي وكانت نظرته للطلاب بعدم رضا إذ أنه لا يثق في دورهم في دعوة الإخوان لذلك لم يعتمد عليهم وقام بتكوين تنظيم الإخوان بعيدا عن الطلاب وأسس له دارا استأجرها بالقرب من منزل الزعيم الأزهري بأمدرمان في وقت مبكر ومع مرور الأيام تنازل المرحوم على عن القيادة وحتى تلك اللحظة لا يوجد تنظيم للإخوان بالصورة المتعارف عليها اليوم لكنهم كانوا منظمين في جماعات متفرقة يجمع بينهم هدف مشترك؛

وأصبح الحال كما هو حتى جاء المؤتمر العام الأول للإخوان المسلمين بالسودان في عام 1954م وحسم الأمر وأصبح الأخ الرشيد الطاهر بكر أول مراقب عام للإخوان المسلمين في السودان تم انتخابه مباشرة من المؤتمر العام وبذلك أصبحت قيادة الإخوان المسلمين في السودان موحدة وفي تنظيم جامع خرج منه فقط بعض الإخوة بقيادة الأخ بابكر كرار وكونوا الحزب الاشتراكي الإسلامي .

ميلاد الإخوان المسلمين بالسودان

(53 –1954م) في هذا العام بلغت الدعوة أوجها وانتشرت انتشارا كبيرا في بقاع السودان المختلفة بسبب الدور الدعوي الذي قام به الطلاب في أنحاء السودان تداعى القوم إلى نادي أمدرمان الثقافي لأول مؤتمر يقيمه الإخوان في السودان وكان مؤتمرا جامعا حضته وفود من معظم جهات السودان..

نادى أمدرمان الثقافي كان في الأصل في أمدرمان حى الشيخ قريب الله يديره الشيوعيون يقيمون فيه مناشطهم ولم ينتبه لهذا الأمر إلا الإخوان المسلمون حيث أدركوا ما يفعله الشيوعيون انطلاقا من هذا النادى الذي يمثل واجهة من واجهات مدينة أمدرمان الثقافية قرر الإخوان الاستيلاء عليه فقاموا بتسديد اشتراكاتهم كأعضاء بالنادي ضمن سكان الحي؛

وعندما قويت شوكتهم وأصبحوا يمثلون أغلبية الأعضاء وفي أول جمعية عمومية سيطروا سيطرة كاملة على مقاليد الأمر وأصبح النادي الثقافي بأمدرمان مركزا لنشاط الإخوان المسلمين ولقد لعب هذا النادي دورا عظيما في المراحل الأولي لحركة الإخوان المسلمين بالسودان .

ومن أشهر المناشط التي تمت بهذا النادي دعوة الإخوان للسيد أحمد حسن الباقوري وزير الشئون الدينية والأوقاف المصري الذي كان في زيارة رسمية للسودان لتقديم محاضرة بالنادي والتي احتشد لها جمهور غفير ضاق بهم المكان انتظارا وترقبا لتلك المحاضرة أو الندوة التي سوف تقام عقب صلاة المغرب بعنوان (الإسلام دين ودولة) وهذه بدايات عمل الدعوة في ذلك الوقت .

عندما تأخر الضيف عن الحضور في الزمن المحدد للندوة انتدب الإخوان شيخ صادق عبد الله للذهاب للخرطوم لمقابلة السيد الوزير لمعرفة سبب التأخر خاصة وأن الجمهور الذي ضاق به المكان ينتظر مترقبا علم شيخ صادق أن السيد الباقوري في ندوة بمدرسة جمال عبد الناصر جامعة القاهرة الفرع (النيلين حاليا) فذهب إليه ووجده يتوسط احتفالا أقامته المدرسة؛

فقام بإبلاغ الحرس بأمر المحاضرة المعلنة في أمدرمان والتي تجمهر لها الناس أبلغ الحرس شيخ صادق بأنهم متجهون إلى حيث موقع المحاضرة وطلب منه وصفا إضافيا للمكان وعندما وصلوا قابلهم الجمع الهادر بالهتاف وقدم السيد الباقوري محاضرته فنالت إعجاب جميع الحضور وأحدثت أثرا بالغا في النفوس وأسهمت إسهاما كبيرا في مسار الدعوة في ذلك الوقت .

أول مؤتمر عام للإخوان المسلمين في السودان

في عام 1954 م نظمت لجنة من الإخوان المسلمين أول مؤتمر عام ودعت الإخوان من كل بقاع السودان وكان مقر المؤتمر نادي أمدرمان الثقافي الذي يقع في شارع الوادي وكان القائمون على أمر اللجنة من الإخوان محمد الخير عبد القادر مالك بدري وآخرين ولقد وجهت الدعوة لكل قيادات الإخوان في السودان ومن أبرز المشاركين قطاع الطلاب والخريجين من أمثال الأستاذ محمد يوسف محمد الإسلامي الشهير يرحمه الله وفي ذلك الوقت كان شيخ صادق عبد الله في مصر ولم يكن حضورا في ذلك الوقت .

تناول المؤتمرون حال الإخوان في ذلك الزمان في السودان وبالرغم من انتشار أمر دعوة الإخوان بين العامة إلا أنه حتى تلك اللحظة لم يشكل التنظيم بصورة رسمية بهيكل وقيادة فتداعي هؤلاء الإخوان في مؤتمرهم الأول هذا من أجل وضع الأساس أو اللبنة الأولي لهذا التنظيم .

أول ما طرح في المؤتمر هو مسمي التنظيم فأول اقتراح قدم أن يسمى (الإخوان المسلمون) وتقدم الأخ الإسلامي الشهير بابكر كرار بمسمي أخر هو الجماعة الإسلامية وأصر على هذا المسمي بل عندما أجيز مسمي "الإخوان المسلمون" بواسطة المؤتمر انسحب الأخ بابكر كرار من المؤتمر ومعه حوالي ثلاثة عشر شخصا أشهرهم ميرغني النصري ولقد قام هؤلاء الإخوان في المستقبل بتأسيس الحزب الاشتراكي الإسلامي بقيادة الأخ بابكر كرار .

في هذا المؤتمر تم اختيار الأخ الرشيد الطاهر بكر مراقبا عاما للإخوان المسلمين بالسودان ويعتبر بهذا الاختيار في أول مؤتمر عام للإخوان أول مراقب عام منتخب للإخوان في السودان ويجدر ذكره أن الأخ على طالب الله هو أول من تولي هذا المنصب ولكن لم يكن بالاختيار المباشر في مؤتمر عام وإنما كان عن طريق صلته بالإمام حسن البنا وإدارته لأمور الإخوان لفترة من الزمان .

قصة مجهودات شيخ صادق في العثور على ديوان الشاعر التجاني يوسف بشير وطباعته بالقاهرة.معظم الشعب السوداني يعرف الشاعر الفذ التجاني يوسف بشير ذلك الشاعر الأسطورة الذي توفى في ريعان شبابه رحمه الله وقد ترك ديوانا من الشعر طبع بعد وفاته وقد كان لشيخ صادق عبد الله القدح المعلي في البحث عن هذا الديوان الذي ضاع ولم يعرف أحد مكانه .

لقد ذكر لى شيخ صادق عبد الله أنه في أحد اللقاءات التي جمعته ببعض المهتمين بالأدب والشعر في المكتبة الثقافية بأمدرمان ومنهم صديق عمر الإمام عبد القادر عمر الإمام إمام دوليب الصادق عبد القادر وآخرون دار حوار بين الحضور حول ديوان شعر التجاني يوسف بشير وأوضحوا له أنهم قاموا بجمع مبلغ من المال لطباعته وسلموا المبلغ والديوان لشخص اسمه مبارك إبراهيم ليقوم بطباعته في مصر ولكن مرت الأيام والليالي ولم يعرفوا شيئا عن الموضوع جدير بالذكر أن هذه النسخة من الديوان هي النسخة الوحيدة لا يوجد سواها .

طلب هؤلاء النفر من شيخ صادق بحث الموضوع عند عودته للقاهرة فعندما عاد ذهب إلى المكتبة التجارية بالقاهرة والتقي بإدارتها وعلم أن مبارك إبراهيم أحضر لهم كتابا واحدا فقط يتحدث عن مدينة الخرطوم وقاموا بطباعته ولكنه لم يعد لاستلامه ولم يسدد المبلغ المتفق عليه بينهم بل طلبت إدارة المطبعة من شيخ صادق معاونتهم في البحث عنه .

قبل عودة شيخ صادق إلى القاهرة كتب أربع مقالات عن التجاني يوسف بشير بعنوان (التجاني الشهيد) في جريدة صوت السودان التي يصدرها آنذاك محمد عشري الصديق وتناول من خلال تلك المقالات ديوان التجاني يوسف بشير ومصيره المجهول في مصر وشاع بين الناس أن الديوان وقع في يد أحد الشعراء في مصر وقام بسحب بعض من قصائده وأبياته ونسبها لنفسه؛

وفي خاتمة مقالات شيخ صادق أوضح أن إنقاذ ديوان التجاني يوسف بشير لا يتم إلا على يد رجل البر والإحسان على البرير رجل الأعمال السوداني المقيم بمصر وكما يسميه شيخ صادق (سفير بدون سفارة) واعتبر أن الديوان أمانة في عنقه .

عندما عاد شيخ صادق إلى القاهرة قام بزيارة المحروم على البرير وقال عن تلك الزيارة:

(أشد ما هالني وأثلج صدري بعد السلام والترحيب هو مفاجأة السيد على البرير لى بأنه قرأ مقالاتي الأربع المنشورة في صحيفة صوت السودان) والمفاجأة الكبرى هي أنه أخرج لى (ملازم) معدة للطباعة هي ديوان شعر التجاني يوسف بشير وقال لى:(أنا عملت العلي) (إن تشيل شيلتك).

أخذ شيخ صادق نسخة من الديوان المعدة للطباعة وتقدم بالشكر للمرحوم على البرير على الجهد الذي بذله حتى تكلل بالنجاح وتم الحصول على الديوان ودعا له الله وأخذه وانصرف جدير بالذكر أن شيخ صادق قام بكل هذا الجهد وما زال طالبا بالسنة الثالثة بمدرسة حلوان الثانوية .

أخذ شيخ صادق ديوان الشعر وانصرف وأول ما بدأ به بعد ذلك عكف على قراءته من أوله ومن خلال القراءة وجد بعض الأخطاء اللغوية والمطبعية فقام بتصحيحها ومنها بعض الأبيات التي وصف فيها التجاني يوسف بشير حالته الصحية .

وحنايا معروقة وعيون غائرات
ووجهة ومحاق

بت استنشق الهواء اختصارا

نفس ضيق وصدر نطاق

فعدل شيخ صادق عجز البيت:

ثم من بعد ذلك تابع شيخ صادق الأخطاء حتى نهاية الديوان بعد ذلك اتصل بالسيد على البرير وأخبره بأنه وجد بعض الأخطاء في الديوان وقام بتصحيحها فطلب منه إعداد كل الأخطاء في جدول وأخذها للمطبعة في شارع الساحة بالقاهرة وإبلاغ إدارة المطبعة بإضافة تلك الصفحة بالديوان يجدر ذكره أن هذا التصحيح الذي أجراه شيخ صادق ورد في الطبعة الأولي لديوان شعر التجاني يوسف بشير..
بعد فترة اتصل السيد على البرير بشيخ صادق وقام بتسليمه الكميات المطبوعة من الديوان وبذلك تم إنجاز وإنقاذ ديوان الشاعر الفذ التجاني يوسف بشير وكلف السيد على البرير شيخ صادق بالاتصال بوالد المرحوم التجاني بالخرطوم وتسليمه الكمية المطبوعة من الديوان وإبلاغه أن ربع هذه المطبوعات يكون خالصا له .

انقلاب 17 نوفمبر 1958م

كما يعلم الجميع أن انقلاب 17 نوفمبر 1958 م كان انقلابا عسكريا على السلطة المدنية ويعتبر هذا الانقلاب هو فاتحة الانقلابات العسكرية في السودان أى أنه أول انقلاب عسكري بعد أن نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956م.

كما ذكر لى شيخ صادق عبد الله أنه موجودا في السودان حينما وقع الانقلاب وكان يعمل رئيسا لتحرير صحيفة الإخوان المسلمين التي بدأت تصدر في يوليو عام 1956 م أى بعد شهور قلائل بعد الاستقلال وكانت نصف أسبوعية واستمرت حتى قيام الانقلاب الذي ألجم الصحف أولا لذلك أصبحت صحيفة الإخوان تكتب بحذر شديد وكما قال شيخ صادق إن هذا الحذر في الكتابة وتناول الموضوعات لم يمنع من القدر ...

والقدر الذي يقصده هو أن الصحيفة أصبحت تتابع فيما تكتب ثم وضعت تحت الرقابة ووضع أمامها الكثير من المتاريس إلى أن اضطرت إلى التوقف عن الصدور من الإجراءات الأولي التي اتخذها قادة الانقلاب تجاه الأحزاب السياسية في البلاد أنه تم حلها ومن ضمنها حل تنظيم الإخوان المسلمين في السودان وحجمت الحياة السياسية المدنية وحولت إلى حياة عسكرية خاضعة لقادة الانقلاب بقيادة الفريق المرحوم إبراهيم عبود.

أما تنظيم الإخوان المسلمين وكما ذكر شيخ صادق (نحن كحزب ظاهريا نزلنا تحت الأرض شوية) أى انتقلوا إلى العمل السري وكانوا واثقين من أن العسكريين لم تكن لهم القدرة على متابعة الحياة السياسية في البلاد لذلك من السهل على الأحزاب والتنظيمات السياسية ممارسة نشاطها سرا بسهولة ويسر كذلك أشار شيخ صادق إلى الشعار الذي رفعه الانقلابيون وكان كثيرا ما يردده عبود في مخاطبته للجماهير (احكموا علينا بأعمالنا)

أما جمهور الشعب فظاهرة الانقلاب كانت جديدة عليه فهالته المفاجأة ودائما ما يكون مع التجارب الجديدة الحذر والتوجس أما الانقلابيون بشهادة ذكرها شيخ صادق أن بعضا منهم كانوا مخلصين للوطن كانوا متريثين في الأمور وربط ذلك بعامل السن حيث إنهم كانوا في معظمهم كبار السن لم يكن بينهم الشباب المندفع والمتطلع وهذا يحمد لهم كذلك أشار شيخ صادق إلى انفرادهم بالسلطة حيث جعلوا حكمهم هو الأول والآخر وهو الظاهر والباطن .

عقب الانقلاب مباشرة قام اللواء طلعت فريد وهو أحد قادة الانقلاب بجمع عدد من الصحفيين وكان شيخ صادق رئيس تحرير صحيفة الإخوان المسلمين آنذاك أحدهم ويذكر منهم إسماعيل العتباني وخاطبهم بلغة لم يكن فيها شئ من الدراية بالحياة السياسية ولا حتى العمل العام والخبرة وغيرها وقال لهم (نحن عايزنكم تمشوا عديل !!) كما طلب منهم ألا يمسوا أى حاكم في العالم بكلام يسئ له (تشكروهم أو تسكتوا)

شيخ صادق مدير لمطبعة الإخوان بالمنطقة الصناعية أمدرمان

في عام 1963 م ترك شيخ صادق العمل بمدارس الأحفاد الثانوية وانتقل للعمل مديرا لمطبعة صغيرة في المنطقة الصناعية أمدرمان أسسها الإخوان حيث تم شراؤها وتركت مغلقة لفترة من الزمن حتى قام شيخ صادق بفتحها وكانت تسمى (مطبعة أمدرمان الحديثة) وجاء شيخ صدق لهذه المطبعة بناء على خبرته السابقة في صحيفة الإخوان وانشغاله بأمور الطباعة من زمن مبكر؛

حيث كان على صلة بالمطابع والطباعة قضي شيخ صادق حوالي العامين بالمطبعة (63 – 1964م) وكان دخله من العمل في هذه المطبعة ضعيفا لا يفي بحاجاته ومعيشته بل كان ضعف الدخل وشظف العيش سببا في تأخر زواج شيخ صادق عبد الله وقد ذكر لى أنه تزوج مرتين المرة الأولي تزوج فيها شقيقة إخوة له في الإسلام من الإخوان المسلمين وكانوا يسمون (يحى إخوان) وهم من أشهر التجار في ذلك الوقت .

نهاية حكم عبود أكتوبر 1964م

بعد ست سنوات من الحكم العسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود ورفاقه وست سنوات من العمل السري الخفي وكما يسمي بالمصطلح السياسي للأحزاب السياسية (العمل تحت الأرض) بدأ الشعب السوداني (يتململ) وبدأت التحركات لمناوئة للحكم بصورة جماعية ومن كل الأحزاب في ذلك الوقت وتم تكوين جسم موحد من الأحزاب والتنظيمات السياسية باسم (الجبهة الوطنية) لتقوم بتنسيق لعمل الجماعي للأحزاب والتنظيمات من أجل إسقاط حكومة عبود.

ذكر لى شيخ صادق أنه كان على اتصال بالإمام الصديق المهدي والد السيد الصادق المهدي إمام الأنصار وكان دائم لحضور والمشاركة في الاحتفالات الرئيسة التي يقيمها الأنصار حيث توجه له الدعوة سنويا لحضور احتفالات 27 رجب وفي احتفال من هذه الاحتفالات شارك شيخ صادق فيها وكان الصادق المهدي ابن الإمام آنذاك حضورا في الاحتفال فتناول المناسبة الدينية بأبعادها ومراميها وصور للحضور ليلة الإسراء والمعراج كاملة .

ولكن عندما جاء دور شيخ صادق في الحديث عرج على السياسة بشئ من الحماسة والاندفاع ومن العبارات الذي ذكرها في حديثة (الحكومة دي بدل ما تعبد في الشوارع من وسائلهم الأمنية) . وعندما وصلت لمدير الشرطة آنذاك وهو أحمد أباور تناول الأمر عندنا وما قاله صادق عبد الله فيها كان خطيرا ومن المفترض أن نقوم باعتقاله ولكن لم نقم بذلك حتى لا يقول جمهور الشعب تم اعتقال صادق عبد الله في ندوة أقامها أهل المهدي (ما عندو ضهر) فبهذه الحكاية وقفت (جبارية)

جدير بالذكر أن الليالي السياسية ظلت مستمرة حتى وفاة السيد الصديق المهدي والذي أوصي بخلافته في إمامة الأنصار لخمسة من آل المهدي منهم يحي أحمد الهادي على أن يتم اختيار واحد منهم فوقع الاختيار على السيد الهادي شقيق الصديق وعم الصادق المهدي ليكون إماما للأنصار .

في ذلك الوقت تكونت الجبهة الوطنية من معظم الأحزاب السياسية والتنظيمات لتقوم بدور المعارضة المشتركة ضد حكم عبود ورفاقه وقويت برامج المعارضة ونشطت الجبهة الوطنية في إقامة الليالي السياسية واستفادت من مناسبة تنصيب الإمام الهادي خلفا للمرحوم الإمام الصديق؛

فقامت بحشد جمهور غفير من مؤيديها في تلك المناسبة ظاهر الأمر تنصيب الإمام الجديد وباطنه حشد الشعب لإسقاط نظام عبود ولكن كلمة السيد الهادي التي أريد لها إشعال حماسة الشعب المحتشد جاءت مخيبة للأمال بالرغم من أن القائمين على أمر الاحتفال من الجبهة الوطنية المعارضة كونوا لجنة لتقوم بإعداد الخطاب الذي يقدمه الإمام في الاحتفال من الآتية أسماءهم .

  1. صادق عبد الله عبد الماجد.
  2. أحمد المهدي
  3. نصر الدين السيد.

قامت اللجنة بإعداد خطاب (ناري) يلهب مشاعر الوفود المتدفقة من كل أرجاء السودان وسلم للسيد أحمد المهدي الذي قام بدوره بتسليمه للسيدين الهادي المهدي وعبد الله الفاضل المهدي والد السياسي المعروف مبارك الفاضل .

ولكن المؤسف في الأمر أن الخطاب (الناري) أدخل في جبال من الثلج وأخرج بواسطة الرجلين الهادي وعبد الله الفاضل جمدا باردا (لا رائحة له ولا طعم) فألقي على الجمهور المحتشد من كل الأحزاب والتنظيمات السياسية في الاحتفال .

وانهارت لآمال وعلم الجميع بعد ذلك الحكاية (بيع ومساومة) حيث طلبت الحكومة من الإمام الهادي وعبد الله الفاضل عدم مهاجمتها في الاحتفال مقابل تجميد الحكومة لقرارها الذي أصبح قاب قوسين أو أدني من مصادرة بعض المشاريع الخاصة بالرجلين وقد كان وتم البيع .

وبعد يوم من هذا الاحتفال دعا الصادق المهدي لجبهة الوطنية المعارضة لاجتماع عقد بمنزل ميرغني حمزة تناول الاجتماع الفشل الذي لازم الاحتفال بسبب الخطاب الهزيل الذي قدمه الإمام الهادي المهدي ومن خلفه عبد الله الفاضل ووجهت كلمات لاذعة للرجلين وهجما هجوما عنيفا من كل الممثلين للجبهة الوطنية المعارضة .

قام الصادق المهدي وقال للحضور (يا جماعة الحصل أمس أمسحوه لى في وجهي) إشارة إلى ما فعله عمه الإمام الهادي ومن خلفه العم الآخر عبد الله الفاضل في الاحتفال أو الليلة السياسية التي ماتت بفعل فاعل من آل المهدي . فحديث الصادق المهدي هذا خفف على الجميع بعضا من الغبن الذي حل بهم وأرضاهم قليلا فقرروا مواصلة المعارضة الجماعية بمسمي الجبهة الوطنية .

عقد اجتماع آخر ضمن سلسلة اللقاءات والاجتماعات التي تنظمها الجبهة الوطنية بمنزل الإمام الهادئ المهدي بود نوباوي وكان ضمن الحضور الزعيم إسماعيل الأزهري وكان الاجتماع مرصودا بواسطة أجهزة الأمن التي أخذت أرقام لوحات السيارات التي وقفت خارج منزل الإمام الهادي في وقت الاجتماع؛

ومن بعد ذلك تم اعتقال كل من سجلت لوحه سيارته أمام ذلك المنزل ومنهم الزعيم الأزهري وأرسلوا إلى مدينة "ناقشوط" في جنوب السودان لقضاء فترة الحبس وبالرغم من ذلك استمرت المعارضة بل اشتدت رياحها على الحكومة ووصل التذمر وسط الشعب قمته ..

وتطورت الأحداث بطريقة دراماتيكية غير متوقعة بدأ بمحاضرة الدكتور حسن الترابي عن مشكلة الجنوب وانتهاء بالدور التاريخي لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي تسيطر عليه الحركة الإسلامية وقد أقر قيام الندوة التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه (الأربعاء 21 / 10/1964م) بالرغم من معارضة العناصر اليسارية التي رأت ألا جدوى من مصادمة السلطة آنذاك لقد كان للإخوان دور قيادي بارز في سير الأحداث التي تتابعت حتى وصلت إلى مرحلة الإضراب السياسي تم تنازل المجلس الأعلى الحاكم بناء على رغبة الشعب .

وفي آخر يوم من أيام المعارضة وبينما اجتمع أعضاء من الجبهة الوطنية المعارضة بمنزل الإمام الهادي المهدي شرق قبة المهدي بأمدرمان وعكفوا على طباعة منشور يوزع سرا على الشعب وفي منتصف الليل جاء شخص مسرع وخبر الحضور بأن الفريق عبود تنزل عن السلطة وفي دقائق معدودات عم الفرح كل شوارع أمدرمان حيث تدافع الشعب إلى كل الطرقات يعبرون عن فرحتهم بانتهاء ست سنوات من حكم العسكر (58 -1964م) وسقوط حكومة عبود وبداية عهد جديد.

تكوين جبهة الميثاق الإسلامي

وكما ذكر لى شيخ صادق أنهم في انتخابات 1965م غيروا اسم التنظيم من الإخوان المسلمين إلى جبهة الميثاق الإسلامي وجاءت فكرة التغيير من قبل الدكتور حسن عبد الله الترابي القادم لتوه من الخارج بعد أن نل درجة الدكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا.وكانت فكرته تقوم على أن الإخوان المسلمين اسم صغير وهذا الاسم لوثه جمال عبد الناصر وجعله اسما منبوذا بين العامة فلابد من تغييره.

عقدت الجماعة اجتماعا بنادي أمدرمان الثقافي الذي يقع في ذلك الوقت شرق منزل الزعيم الأزهري وكان من الحضور بجانب شيخ صدق المرحوم الشيخ مجذوب مدثر الحجاز والدكتور حسن الترابي وآخرون كان لغرض من الاجتماع البحث عن مسمي جديد يكون بديلا لمسمى الإخوان المسلمين تداول الحضور عدة مسميات وأخيرا وقع ل الاختيار على مسمي (جبهة الميثاق الإسلامي) وكما ذك شيخ صادق أن مقترح هذا المسمي جاء به أحد الإخوة النشطاء وهو إبراهيم هارون .

بعد إقرار الاسم الجديد بدأت الجماعة في الإعداد للانتخابات وتحركت بنشاط لإقناع القاعدة بالاسم الجديد ومن ثم بسطه على الشارع السياسي وتولي أمر الجماعة من تلك اللحظة الدكتور حسن عبد الله الترابي ومن هنا كانت بدايته في قيادة جماعة الإخوان التي تغير اسمها .

تداولت القيادة الجديدة في أمر دخول الانتخابات وقامت بتحديد بعض الدوائر الجغرافية وأخري من دوائر الخريجين ليترشح فيها مرشحو جبهة الميثاق الإسلامي وكان نصيب شيخ صادق عبد الله الدائرة (33) الخرطوم التي ضمت أحياء (المحلة الجديدة والقوز ، الرميلة ، اللاماب بحر أبيض ، الشجرة ، العزوزاب ، الدباسين)

ويري شيخ صادق أنه كان من الأفضل للتنظيم أن يترشح بدوائر الخريجين لأن فرصة فوزه فيها أعلي من الدائرة الجغرافية ولكن كانت هناك يد خفية لا ترغب في وجود شيخ صادق مع الجماعة في القيادة لذلك حاولت إبعاده بترشيحه في دائرة جغرافية غير مضمونة .

ومن الدوائر التي اختارتها قيادة الجماعة ويذكرها شيخ صادق دائرة في شرق السودان كان المرشح فيها المرحوم موسى حسين ضرار وفي رفاعة حسان أبو سن وكانت موارد الجماعة شحيحة لدرجة ومنها سيارة (لاندروفر) متهالكة يمتلكها شيخ صادق تعمل في خدمة الجماعة فازت جبهة الميثاق الإسلامي في دوائر محدودة منها دائرة بشرق السودان فاز فيها المرحوم موسي حسين ضرار وأخري في رفاعة فاز فيها حسان أبو سن ولكن المفاجأة كانت من جنوب السودان حيث فاز أحد المرشحين باسم جبهة الميثاق الإسلامي ويدعى عبد الله آدم زكريا ولم ترشحه الجماعة بل رشح نفسه وحده وفاز .

وكان هذا الفوز مفاجأة حتى لقيادة جبهة الميثاق التي لم ترشح أحدا بالجنوب خرج وفد كبير من جبهة الميثاق وكان من ضمنهم شيخ صادق إلى مطار الخرطوم لاستقبال هذا الأخ الذي أحدث هذه المفاجأة المذهلة وقف الجميع داخل مطار الخرطوم يترقبون بلهفة واشرأبت الأعناق تنظر من بعيد فإذا برجل طويل القامة جاء يسعى بثبات وطمأنينة فاندفع الجميع نحوه بترحاب وحفاوة بالغتين ومن ثم أخذ على الفور إلى حيث إقامته التي لم تكن بلكوندة أو فندق وإنما كانت بمنزل الشيخ صادق عبد الله بأمدرمان حي ونوباوي العريق .

أقام الضيف الكريم المرحوم عبد الله آدم زكريا لمدة عام هو عمر البرلمان (68 -1969) بمنزل الشيخ صادق عبد الله جدير بالذكر أن إقامة هذا الضيف بمنزل شيخ صادق تم الاتفاق عليها من قبل المستقبلين من جبهة الميثاق في مطار الخرطوم ولم يكن مرتبا لها من قبل.

ومن طرائف وغرائب الأمور أن عمر البرلمان هذا بدأ في مايو 1968 م وانتهي في مايو 1969 م بقرار حله الذي أصدره الرئيس جعفر نميري بعد استيلائه على السلطة في ذلك العام .

أول اعتقال للشيخ صادق عبد الله بواسطة أجهزة أمن مايو

جاءت حكومة مايو بانقلاب عسكري في الخامس والعشرين من شهر مايو عام 1969 م والذي قاده الرئيس جعفر محمد نميري العقيد آنذاك وفي صبيحة اليوم السادس والعشرين من نفس الشهر تم القبض على مجموعة من السياسيين وأودعوا سجون السودان المترفقة؛

وكان من ضمن الذين تم القبض عليهم في ذلك اليوم الشيخ صادق وتم اعتقاله من منزله حيث حضرت مجموعة من أفراد جهاز الأمن وطرقوا الباب وعندما قابلهم شيخ صادق طلبوا منه مرافقتهم إلى مكاتب الأمن أخذ شيخ صادق الإذن منهم من أجل تغيير ملابسه وإعداد نفسه لمرافقتهم وعندما دخل خرجت والدته التي علمت بأمر اعتقاله وقالت لأفراد الأمن (سوقوه لا سرق ولا نهب ولا خان بلده وأنا بفتخر بيهو)

اصطحب أفراد الأمن شيخ صادق وأبلغوه بأنهم متجهون إلى الخرطوم ولكن عندما وصلوا منزل الزعيم الأزهري اتجهوا شرقا وهذا الاتجاه يؤدي إلى بحؤي حيث سجن كوبر وفي الطريق سألوا شيخ صادق عن منزل جعفر شيخ إدريس والذي كان قريبا منهم ولكنه امتنع عن الإجابة .

وأشار شيخ صادق أن اعتقالهم تم بإيعاز وإشارة الشيوعيين الذين طردوا من البرلمان في عام 1965م بإجماع الأحزاب المكونة للبرلمان في ذلك الوقت وعلى رأسها حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي فأرادوا أن يكيدوا لتلك الأحزاب (أخذ الثأر) وعندما وصل شيخ صادق إلى سجن كوبر وجد بعض الإخوان بداخله قد تم القبض عليهم قبله ومنهم يس عمر الإمام وتوفيق طه .

عبد الرحيم على الشفيع إبراهيم سعيد زين العابدين أحمد زين العابدين د. حسن عبد الله الترابي ثم بعد ذلك توالي اعتقال الإخوان وإيداعهم في السجن ومن الذين تم القبض عليه لاحقا الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر والشيخ عبد الجليل النذي الكاروري .

ذكر لى شيخ صادق أنهم بعد أن مكثوا لعدة أشهر بسجن كوبر تم نقله إلى سجن مدينة ود مدني . وفي كوبر من ذكرياته أنه كان يسجل مذكراته يوميا حتى خروجه من السجن عام 1972 م أى بعد ثلاث سنوات وذكر لى بعض المواقف الغريبة التي لا يجد العقل البشري لها تعليلا والسجن دائما هو مكان المفاجآت وكل الأشياء فيه تأتي عكس التوقعات والتكهنات إلا القليل منها وفي ذات يوم وبينما شيخ صادق ومن معه يلعبون في الشطرنج وكما ذكر (تلعب تزهج) (تقرأ تزهج) (تنوم تزهج) (تأكل تزهج)

حضر مأمور السجن إليهم ووقف مليا دون أن يقول شيئا ونظر إلى جميع السجناء ولكن شيخ صادق رأى أن هذا المأمور يحمل في داخله أمرا ما ولكن يظهر عليه التوجس والحذر عندما هم بالانصراف نادي شيخ صادق وقال له سوف تنقل أنت وعبد الرحيم حمدى إلى سجن ود مدني غدا الساعة الرابعة صباحا لكن ما تكلم الجماعة ديل وعندما انصرف المأمور وفي نفس اللحظة دار شيخ صادق على جميع الحضور

وقال لهم:" يا جماعة أنا وعبد الرحيم حمدي منقولان بكرة الصباح بدري إلى سجن مدني " فخرج المأمور مسرعا في تلك اللحظة أعد شيخ صادق وعبد الرحيم حمدي لوازمهما وفي الصباح الباكر تم نقلهما إلى سجن مدني حسب وعد المأمور .

شيخ صادق عبد الله وعبد الرحيم حمدى نزيلان بسجن مدني

سجن شيخ صادق وعبد الرحيم حمدي في مخزن في سجن مدينة مدني كان مشغولا ببعض مواد البناء وحتى سقف ذلك المخزن تطايرت منه بعض ألواح الزنك أى هناك جزء أو أجزاء من السقف مكشوفة فأصبح مسكنا ملائما لبعض (الوطاويط) سكن شيخ صادق ورفيقه عبد الرحيم حمدي في هذا المكان القبيح بمعني الكلمة الذي لا تناسب حتى لسكن حيوان؛

وحتى تلك اللحظة لم يعرف شيخ صادق ولا عبد الرحيم حمدي السبب في نقلهما إلى هذا المكان البائس وما الداعي لذلك ولكنها أوامر السلطات لا فكاك منها وبعد مدة تم إطلاق سراح عبد الرحيم حمدى وترك شيخ صادق منفردا نزيلا في ذلك المكان .

في يوم من أيام السجن خرج شيخ صادق للقيام ببرنامج الرياضة اليومي الذي تسمح به سلطات السجن وبينما هو في برنامجه سمع الرئيس نميري يتحدث في المذياع في مدينة من مدن غرب السودان في احتفال من احتفالات في المذياع في مدينة من مدن غرب السودان في احتفال من احتفالات مايو:(الإخوان عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، الخونة ...) بعد سماع شيخ صادق كل ما أصاب الإخوان من نميري جادت قريحته ببعض الأبيات ردا على ذلك حيث قال:

أبعد الذي ولي وأدبر من عمري
أخون أماناتي؟فيا ضيعة العمر

كذلك ذكر لى شيخ صادق حادثة الخطاب الذي أرسله الأخ عبد الرحيم حمدي لوزارة الداخلية في فترة سجنه بمدني والذي أحدث الكثير من اللغط وتناولته الجهات المختلفة كل حسب رؤيته وتحليله.

وحسب قول شيخ صادق أن الأخ عبد الرحيم حمدى أوضح له أن دافعة لكتابة الخطاب هو الخوف من أن يحدث للإخوان في السودان ما حدث قبل للإخوان في مصر لذلك قرر أن يكتب هذا الخطاب لوزارة الداخلية ليعمل حماية للإخوان وافقه شيخ صادق على الفكرة فكتب حمدى الخطاب وبعثه للوزارة فأرسلت وزارة الداخلية سيارة لنقله إلى الخرطوم (سجن كوبر) مرة أخري وترك شيخ صادق بسجن مدني وحيدا وبعد فترة وجيزة قضاها الأخ حمدي بكوبر أطلق سراحه .

عند سؤالي لشيخ صادق هل طلب منه أن يكتب حتى يطلق سراحه أجاب أبدا وقال لى عندما قرر الأخ حمدي الكتابة نبهته إلى أن هذا الخطاب قد يقدم لشخص ليقوم بطباعته وبالتالي قد يحدث بعض التغييرات فيه عن قصد أو عن طريق الخطأ أو قد يكون هذا الشخص عدوا للإخوان فيستغل هذا الخطاب استغلالا سيئا وقد حدث لقد أرادت حكومة مايو إظهار موقف الإخوان بشكل تخاذلي فقامت بعرض خطاب الأخ حمدي على شاشة التلفزيون لعامة الشعب وقام المذيع بقراءته كلمة .

فعلا لقد استغلت الحكومة الخطاب لصالحها سياسيا وأشار شيخ صادق إلى أن الخطاب كان محررا باسم عبد الرحيم حمدي بعيدا عن اسم الإخوان أو التنظيم بعد حوالي شهين من إطلاق سراح الأخ حمدي نقل شيخ صادق مرة ثانية إلى سجن كوبر حيث وجد كل الإخوان داخل سجن كوبر ما عدا دكتور الترابي الذي نقل من سجن كوبر إلى سجن مدني وبعد فترة قصيرة تم إبلاغ شيخ صادق بأمر نقله من سجن كوبر إلى سجن بورتسودان مع بعض السجناء؛

وبعد مدة قضاها هناك نقل مرة أخري إلى كوبر أعيد شيخ صادق مرة ثالثة إلى سجن كوبر وكان من نزلاء سجن كوبر من السياسيين في ذلك الوقت ويذكرهم شيخ صادق في بداية الاعتقالات للسياسيين عبد الماجد أبو حسبو،أحمد المهدي ،خضر حمد والزعيم إسماعيل الأزهري عليه رحمه الله؛

ومن تعليق شيخ صادق على اعتقال وسجن الزعيم الأزهري قال:

أنه جل لا يستحق أن يعامل هذه المعاملة غير اللائقة فهو الذي رفع علم السودان في عام 1956 م لذلك لا يتصور العقل البشري أن يكون مصيه في يوم من الأيام السجن والإهانة ولكن قوة الباطل دائما تتصرف بعيدا عن العقل وحقيقة للتاريخ ذكرها لى شيخ صادق أحدثت له ولى حزنا عميقا هي أن الزعيم الأزهري أدخلته مايو وقائدها نميري سجن كوبر ووضعته في غرفة كانت عبارة عن مخزن لا نوافذ فيها
وقال شيخ صادق كنا عندما نمر بجانب غرفته حيث كان يجاورهم نجده جالسا خلف (ضلفة) الباب ليجد من ظلها مكانا يستظل به لأن باب الغرفة مفتوح في اتجاه الشمس التي تملأ الغرفة بشعاعها ولا تترك مكانا يستظل به ؟ هذا ما قدمته مايو إكراما لمن رفع علم السودان وأعلن استقلال السودان في يناير 1956م.
وكما ذكر شيخ صادق حكاية سجن الزعيم الأزهري في كوبر بهذه الطريقة المهينة حزنت له حزنا عميقا ألا رحم الله زعيمنا الأزهري رحمة واسعة .

من الأمور التي أشار إليها شيخ صادق أن سجون السودان امتلأت في عهد مايو الأول بالسجناء السياسيين من معظم الأحزاب والتنظيمات السياسية ما عدا الشيوعيين الذين قادوا الانقلاب مع نميري وناصروه للانتقام من الأحزاب والتنظيمات السياسية التي قامت بطرد نوابهم من البرلمان في عام 1965.

بعد فترة قضاها شيخ صادق بسجن كوبر تم استدعاؤه لمقابلة إدارة جهاز الأمن غرب القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة وعند مقابلته لأحد ضباط الأمن لاستجوابه سئل .

ماذا تعرف عن مايو؟ رد شيخ صادق :مايو تعامل!وأنا منذ قيامها في السجن لم أتعامل معها وبالتالي لا أعرف شيئا عنها والشئ الوحيد الذي أعرفه هو أننا ضحايا نظام مايو وبعد عودة شيخ صادق إلى سجن كوبر أخبر دكتور الترابي بما دار بينه وبين ضابط الأمن أثناء الاستجواب .

بعد فترة أرسلت قيادة جهاز الأمن لإحضار دكتور الترابي لمباني الأمن لاستجوابه وبعد الاستجواب وعندما عاد إلى سجن كوبر وكما ذكر شيخ صادق أنه عاد مطمئنا وقال لهم سوف لا نستمر طويلا في هذا السجن وقد كان فقد تم إطلاق سراح كل الإخوان في فترة وجيزة ما عدا شيخ صادق ودكتور الترابي.

في الأيام الأخيرة قرب ميعاد إطلاق سراحهم هم شيخ صادق في الطريقة التي يخرج بها المتبقي من مذكراته التي كتبها داخل السجن حيث تمكن من إخراج الكم الكبير منها بصحبة والدته في زياراتها المتكررة له بالسجن حيث كانت تدسها في ثوبها وتخرج بها خفية من أفراد الأمن ..

بعد أيام قلائل تم استدعاء شيخ صادق ودكتور الترابي إلى مكاتب جهاز الأمن وتم إبلاغهم بقرار إطلاق سراحهم ومن المواقف الطريفة التي ذكرها شيخ صادق أن كبار ضباط الأمن قابلوهم وبدأوا (يباركوا لهم ... حمد الله على السلامة !!)

شيخ صادق والاعتقال التحفظي بالمنزل

قضي شيخ صادق عاما كاملا آخر معتقلا بالمنزل اعتقالا تحفظيا لا يخرج من المنزل إلا تحت حراسة أفراد الأمن الذين تم تقسيمهم لثلاث وديات.

من ذكريات أيام الاعتقال التحفظي بالمنزل ذكر لى شيخ صادق أنه في ذات يوم وبينما هم مهتمون بمناسبة لهم داخل المنزل سمعوا طرقا على الباب فطلب من بعض الشباب مقابلة من بالباب وإدخاله ولكن عاد الشاب المرسل إلى شيخ صادق وقال له إن من بالباب لا يريدون الدخول بل يطلبون حضورك لهم عند الباب ..

ولما وصلهم شيخ صادق قال لهم (تفضلوا يا جماعة) ردوا عليه بأنهم من الأمن العام ويريدون القبض على الموجودين .. كل الموجودين وقالوا دى تعليمات!! قال لهم شيخ صادق : (أتعرفون جعفر نميري؟ سؤال استنكاري قالوا نعم طبعا قال لهم:لو جاء جعفر نميري هنا وأدخل جله الأولي في هذا المنزل وأراد إدخال الثانية للقبض على الأسرة لوجد رجله الأولي قد قطعت ...)

وبعد ذلك طلب شيخ صادق من الشباب فقط (الأولاد) الخروج وعند الباب وجدوا عربات الأمن جاهزة لنقلهم وفي موقع الاعتقال بدأ استجوابهم بواسطة أحد ضباط الأمن ومن المصادفات العجيبة أن هذا الضابط من تلاميذ شيخ صادق فحاول تلطيف الجو وعند الثانية صباحا عاد الجميع إلى منزل شيخ صادق بود نوباوي .

ومن المواقف التي يذكرها شيخ صادق نقلا عن الأخت البروفسور سعاد الفاتح أنه في ذات يوم خرجت مسيرة نسائية غاضبة في شوارع الخرطوم ضد الحكم المايوي ومن ضمن المشاركين بروفسور سعاد الفاتح وأثناء المظاهرة شاهدت امرأة كبيرة في السن في طرف المسيرة تهتف مشاركة فنادقها وقالت لها يا حاجة إنت منو؟ فقالت أنا عائشة خرجت من أمدرمان إلى الخرطوم قاصدة المشاركة في هذه التظاهرة العجيبة .

شيخ صادق عبد الله يغادر السودان عام 1974 مهاجرا

في عام 1974 م فكر شيخ صادق في مغادرة السودان إلى المملكة العربية السعودية وعندما تقدم بطلبه للسفر سأله ضابط الأمن (ماشى مؤتمر المعارضة) فرد عليه شيخ صادق بأنه قاصد بيت الله الحرام وبعد أيام قلائل أكمل إجراءاته وغادر إلى المملكة السعودية التي وصلها عام 1974م.

وكانت مدينة جدة أول محطة لشيخ صادق عبد الله وأول من قابله من الإخوان أحمد عبد الرحمن محمد وزكريا بشير إمام.وبعد الترحيب به أشاروا له أن جريدة "المدينة المنورة" الآن في حاجة إلى سكرتير تحرير لأن الشخص القائم بهذه المهمة قد تقدم باستقالته من العمل بالجريدة ..

طلب الأخ أحمد عبد الرحمن والأخ زكريا بشير إمام من شيخ صادق أن يعطيهما الموافقة والإذن للاتصال بإدارة الجريدة وترشيحه سكرتيرا للتحرير وبالفعل اتصل الإخوان بإدارة الجريدة وصدر أمر التعيين وأصبح شيخ صادق بهذا القرار سكرتيرا لتحري جريدة المدينة المنورة التي تصدر في المملكة العربية السعودية استمر شيخ صادق لمدة عام بهذه الوظيفة؛

وفي ذات الوقت حضر إليه أحد الإخوان يدعي زين العابدين الركابي الذي كان يعمل بجانب شيخ صادق والأخ عبد الرحيم حمدي في جريدة القبس التي كانت تصدر في الخرطوم عندما علم بوجوده في المملكة وطلب منه أن يشرفهم بالحضور في الكويت متى ما ترك العمل بجريدة المدينة المنورة؛

وقد كان بعد فترة شعر شيخ صادق أن العمل في الجريدة لم يكن بالصورة المرضية له فتقدم باستقالته وترك الجريدة ولكنه لم يغادر السعودية بل أقام بها لمدة ثلاثة أشهر أخي واتصل بزين العابدين الركابي في الكويت ولكن في نفس الوقت صدر قرار من وزارة الداخلية السعودية بإبعاد الآتية أسماؤهم من المملكة:

  1. توفيق عثمان صالح
  2. عثمان خالد مضوى
  3. أحمد عبد الرحمن محمد
  4. عبد الله محمد أحمد
  5. صادق عبد الله عبد الماجد

أرسلت المجموعة مندوبا إلى إدارة الأمن السعودي لمعرفة أسباب الإبعاد عن المملكة ولكن مدير الأمن أشار إلى أنه لا يعلم السبب ولا توجد في دفاترهم مخالفات أو بلاغات ضدهم ولكنها تعليمات من الجهات العليا ..

بعد فترة علمت المجموعة أن الرئيس جعفر نميري رئيس الجمهورية آنذاك وصل المملكة السعودية لأداء فريضة الحج وعندما علم بوجود تلك القيادات في المملكة اتصل بالملك وطلب منه إبعادهم خارج المملكة فأصدرت السلطات السعودية أمرها وتفرق الجميع إلى جهات مختلفة وغادر شيخ صادق إلى الكويت .

بوادر خلاف بين الإخوان

ظهرت بوادر خلاف في صفوف الإخوان عام (1977 -1978م) بسبب دخول بعضهم للسلطة ومشاركتهم لمايو في الحكم بقيادة الدكتور حسن الترابي وعزوف آخرين عن المشاركة مع مايو بالإضافة إلى الاختلاف في الرأي في كيفية التعامل مع مايو من ناحية تكتيكية تمكنهم من تحقيق أهدافهم تحت مظلة حكم مايو.

الأم الثاني لقد جاء دكتور الترابي بمقترح جديد لتغيير مسمي جبهة الميثاق الإسلامي وأيده في ذلك بعض الذين يثقون به كثيرا ويؤمنون بشدة بكل أطروحاته السياسية وغيرها .

ذكر لى شيخ صادق عبد الله أنه في عام 1977م بينما كانوا في دولة الكويت وصل إليهم الأخ محمد حسن طنون بخبر منشور في صحيفة من الصحف (ترابي يعلن فض الجبهة الوطنية) فدهش الجميع ممن كانوا حضورا من الإخوان في الكويت وبدأت التساؤلات تسري بينهم لم فض الترابي الجبهة؟

ومن الذي شاركه بالرأي في هذا الإجراء؟ وماذا بعد فض الجبهة؟ والكثير الكثير من التساؤلات دارت في أذهان الجميع ودخلوا في حيرة من أمرهم .قام الإخوان الموجودون بالكويت بصياغة خطاب أرسل إلى الدكتور الترابي في الخرطوم تضمن الخطاب كما من التساؤلات منها ما هذا الذي قمتم به ؟ في إشارة إلى فض الجبهة .

ومن الذي شارك في ذلك؟ وكيف اتخذ هذا القرار؟ ولماذا لم تشركونا في هذا الأمر؟ علما بأن عشرات الإخوان المنتشرين في أوروبا ودول الخليج لم يكونوا على علم بهذا الأم بل لم يكن لهم رأي في اتخاذ هذا القرار .

أرسل دكتور الترابي مندوبين إلى دولة الكويت هما الأخ يس عمر الإمام وأبو جديري يحملان مضامين ما تم في السودان في غياب هؤلاء الإخوة اجتمع المندوبان مع الإخوة بالكويت يجدر ذكره أن الإخوان في الكويت كانوا منتظمين في أسرة وفق برنامج ونظام الإخوان فكان الاجتماع الذي ضم بجانب شيخ صادق عبد الله الأخ سامي خليفة محجوب يرحمه الله والأخ عبد المطلب وآخرين .

من ضمن ما حمله المندوبان سؤال أو أسئلة وجهت للإخوة بالكويت وهذه الأسئلة حملت في معناها (صوت لوم) لهم .. لم أنتم الوحيدون الذين تكتبون وتعترضون على ما تم دون الآخرين من الإخوان المنتشرين في بقاع العالم .

رد شيخ صادق للمندوبين:يا إخوة أيصح أن تتخذ قرارات في صميم عمل وموقف الإخوان المسلمين وعندما يسأل إخوانكم يكون الموقف عليهم وليس لهم؟

ومن الإجابات التي حملها المندوبان أن دكتور الترابي لم يتخذ القرار وحده بل إنه أرسل لكل أنحاء السودان طالبا منهم إرسال مندوب أو مندوبين لحضور مؤتمر أو لقاء الغرض منه التقرير في أمر يخص الجماعة وعلى كل جهة تفويض مندوبها للمشاركة في اتخاذ القرار والالتزام به فجاء المندوبون للمؤتمر وكان قرار فض التنظيم؛

وبالرغم من أن القرار جاء من القاعدة حسب الإجراءات التي تمت إلا أن القرار وحسب مجريات الأمور ومعطياتها كان جاهزا عند القيادة كان حضور المندوبين لإقراره فقط وبذلك انفض سامر القوم وشارك بعض الإخوان تحت لواء دكتور الترابي في حكومة مايو؛

ووقف بعضهم في الرصيف يتفرجون مذهولين غير راضين بالذي تم ومنهم شيخ صادق عبد الله إلى أن عاد إلى السودان في أغسطس 1978 م وانتقل إلى مرحلة أخري من مراحل الصراع مع مايو وفي نفس الوقت تجنب الصدام مع بعض الإخوان الذين أصبحوا شركاء لمايو .

شيخ صادق وبنك دبي الإسلامي

غادر شيخ صادق دولة الكويت بعد عام قضاه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وكان ذلك في مطلع عام 1978م وكان هذا الانتقال بتكليف من مؤسس بنك دبي الإسلامي وهو أول بنك إسلامي في العالم وأسسه السيد سعيد أحمد لوتاة وكان الاتصال الذي تم مع شيخ صادق بواسطة مدير البنك وهو سوداني الجنسية توفي إلى رحمة مولاه فوجد شيخ صادق في الإمارات حسن الاستقبال وكرم الضيافة والتي صادفت أهلها وكانت المهمة التي كلف بها شيخ صادق هي تأسيس دار نشر تتبع لبنك دبي الإسلامي .

مكث شيخ صادق حوالي أربعة أشهر لإنجاز تلك المهمة حي وضع الخطة الكاملة للتنفيذ وأشار لإدارة البنك أن أجود أنواع ماكينات الطباعة توجد في ألمانيا في منطقة (هايدل بيرج) وهي من أشهر جهات العالم التي عرفت بصناعة أجود أنواع المطابع لتلك الصناعة . جدير بالذكر بعد أن اكتملت الخطة طلب السيد سعيد أحمد لوتاه مؤسس البك من شيخ صادق أن يبقي بالإمارات لحين عودته من سفر خارجي .

ولكن شيخ صادق من شدة حبه للسودان وتلهفه وشوقه للعودة رفض الإقامة والانتظار وخيرهم بين التنفيذ الآن أو المغادرة إلى السودان ولم تنجح كل المحاولات والإغراءات في إثناء شيخ صادق عن عودته للوطن ومن الطرائف والمزاح الذي حدث بين شيخ صادق ومدير البنك السوداني الجنسية فيما يختص بالمنزل الذي يسكنه شيخ صادق بالإمارات وكان عبارة عن قصر في زمن كان الجميع في دولة الإمارات يعانون أشد المعاناة في إيجاد سكن مناسب ومريح ورخيص.

قال المدير لشيخ صادق: ما بدري شنو ماشي؟ رد عليه شيخ صادق:(إلى أهلي طوالي)

قال المدير:والبيت! إشارة إلى القصر

قال شيخ صادق:شايلوا معاي .

عودة شيخ صادق إلى السودان في عام 1978م

عاد شيخ صادق عبد الله إلى السودان بعد غياب دام حوالي أربع سنوات قضاها متجولا بين المملكة العربية السعودية والكويت ودولة الإمارات العربية فوجد الجو السياسي في السودان خاصة وسط الإخوان غير طبيعي فهناك فئة شاركت في حكومة مايو بقيادة دكتور الترابي وأخري لم تشارك وغير راضية بالمشاركة متململة بل شاب علاقة الإخوان شئ من الفتور والتوتر بسبب تلك المشاركة .

شيخ صادق وصراع الرأى والفكر ضد مايو ومن شايعها

عندما عاد شيخ صادق إلى الخرطوم عام 1978م من دولة الإمارات المتحدة وجد الحال قد تغير تماما نقصد علاقة الإخوان بمايو لقد أصبح حال الإخوان على غير ما تركهم عليه فقد تركهم لحكومة مايو معارضين فوجدهم مشاركين في السلطة بعد أيام من وصوله أرسل دكتور الترابي والمشاركون معه في السلطة من مايو مندوبا لشيخ صادق وهو الأخ عباس حسن التوم الذي يسكن بحري اليوم أمد الله في عمره وقال لشيخ صادق جئت لأبلغك بأنه تم اختيارك عضوا بالجمعية العامة وأريد الآن إبلاغك بذلك وأن الاجتماع الأول يوم كذا .

رد عليه شيخ صادق وقال له (بارك الله فيك) وثانيا أنا لن أحضر لأن موقفي ينطلق من مبدأ كل شئ لم أشارك في قراره لا أشارك في تنفيذه .بعد أيام جاء الشيخ محمد صادق الكاروري عليه رحمة الله إلى شيخ صادق وأبلغه أنه تم اختياره عضوا في المكتب السياسي فرد عليه شيخ صادق وطلب منه أن يترك هذا الأمر معلقا إلى حين .

علم دكتور الترابي أن شيخ صادق عند رأيه رافضا مبدأ المشاركة مع مايو ولا يريد المشاركة في أى عمل قد يقوده بطريقة ما إلى المشاركة وبالفعل قام دكتور الترابي ومن معه بنشاط كبير في مجال الندوات واللقاءات السياسية بالمشاركة مع حكومة مايو بقيادة الرئيس جعفر محمد نميري؛

وضمن برنامج الندوات هذه قدمت الدعوة لشيخ صادق للمشاركة في ندوة أقيمت في قاعة الامتحانات الكبرى بجامعة الخرطوم وتحدث فيها شيخ صادق أمام جمع غفير من الطلاب وشاركه متحدثا في تلك المحاضرة المرحوم الدكتور أحمد عبد الحليم سفير السودان سابقا بجمهورية مصر العربية؛

ومن الواضح جدا كما ذكر شيخ صادق في تلك المحاضرة والمحاضرات التي تلتها أن معظم الطلاب من الإخوان ضد نظام مايو وضد المشاركة معه ودليله على ذلك أنه كلما تناول أمرا برأي مخالف لمايو يقاطعه الطلاب بهتافات داوية تعبر عن معارضتهم وعدم ضائهم عن مايو والمشاركة فيها وموافقتهم لرأيه وكل ما يطرحه أثناء المحاضرة عكس موقفهم مع حديث المرحوم الدكتور أحمد الحليم الذي كان يمثل حكومة مايو في تلك الندوة .

كذلك تحدث شيخ صادق في ندوة ثانية أقيمت في دار اتحاد طلاب جامعة أمدرمان الإسلامية شاركه فيها القيادي الإسلامي المعروف يس عمر الإمام وأبو جديري وآخرون وكانت ندوة كبري ولكن كما قال شيخ صادق أنه كان يتحدث في واد والآخرون يتحدثون في واد أخر .

ذكر لى شيخ صادق أن الأخ محمد محمد صادق الكاروري عليه رحمة الله جاء مندوبا من قبل الإخوة المشاركين في حكومة مايو بقيادة دكتور الترابي وآخرين يطلب منه عدم مهاجمته لحكومة مايو ما دام الإخوان مشاركين فيها هذه المشاركة تمت وتم إقرارها بواسطة مجموعة كبيرة من الإخوان في ذلك الوقت قال شيخ صادق الكاروري:يستحيل أن يجري على لساني حديث يتضمن تأييدا لجعفر نميري عليه رحمة الله .

بعد اكتمال ثماني سنوات قضيناها في المعارضة واجهنا فيها كل أنواع المرارات وقال والله لو حضر إلى طلاب مرحلة (الكتاب) وطلبوا منى التحدث في ندوة أو محاضرة سوف ألبي النداء وسوف أقول ما أريد .

ظل حال الإخوان كما هو مجموعة مؤيدة للمشاركة في حكومة مايو وأخري رفضت المشاركة بل اختارت جانب المعارضة وكانت مجموعة المؤيدين بقيادة دكتور حسن عبد الله الترابي والمعارضين بقيادة شيخ صادق عبد الله والدكتور الحبر يوسف نور الدائم وعلى جاويش والدكتور جعفر شيخ إدريس وإبراهيم أبو حسنين وعبد الرحمن رحمة؛

وكانت اجتماعاتهم تعقد في منزل شيخ صادق في أمدرمان حى الدومة وقد شهد هذا المنزل أهم وأخطر الاجتماعات التي تم فيها إقرار الكثير من الموضوعات التي تهم السودان وفي هذه الفترة وكما ذكر شيخ صادق أن الصفوف قد تمايزت .

اجتمع الدكتور حسن عبد الله الترابي ومجموعته وتناولوا في اجتماعهم هذا فصل المعارضين من الإخوان بقيادة شيخ صادق خاصة وأن معارضتهم ومجموعاتهم في ازدياد كل يوم والمفصولون في تنظيم الإخوان هم:

  1. صادق عبد الله عبد الماجد.
  2. الحبر يوسف نور الدائم .
  3. جعفر شيخ إدريس
  4. على جاويش.
  5. إبراهيم أبو حسنين.

اجتمع المفصولون من تنظيم الإخوان حسب قرار دكتور الترابي ومن معه في منزل شيخ صادق وتداولوا الأمر بينهم (أمر فصلهم من التنظيم) أجمع الحضور على أنهم أصحاب دعوة ورسالة ولا يمكن أن يتركوا أمر الدعوة الإسلامية بسبب قرار فصلهم الذي صدر عن مج مجموعة كبرت أم صغرت ولابد لهم من مواصلة المشوار حتى نهايته.

أرسل صادق عبد الله خطابا للدكتور الترابي مضمومنه ونصه ستجدونه في آخر هذا الكتاب وبعث الدكتور الترابي بشخصين لشيخ صادق حملا رسالة محددة وقد حضر لشيخ صادق ويظهر عليهما التوجس والحذر وقد لاحظ ذلك شيخ صادق وسألهما ما بكما؟

فقالا (عندنا كلام مرسلين بيهو) هذا الكلام مكتوب على ورقة تفاصيله (تلاحظ أنك تعقد اجتماعات مستمرة تهاجم فيها التنظيم وقيادته وسياسته بطريقة مستمرة ولما كان التنظيم قد اتخذ قرارا بفصل بعض أعضائه أصبحت على صلة بهم تعقد معهم الاجتماعات عليه فإن التنظيم يري فصلك منه على أن يراعى العلاقة العامة ما رعيتها) وانتهي الأمر إلى هذا الحال .

اجتمع شيخ صادق مع إخوته المفصولين من التنظيم للتفاكر في مستقبل العمل الدعوى وأجمعوا على أن لا يستسلموا ويتركوا أمر دعوتهم وبدأوا في الترتيب لتنظيم ليقودوا من خلاله عملهم الدعوي وفكروا في تجميع الإخوان المعارضين لتنظيمهم والبحث عن أفراد آخرين .

جاء كل هذا التحرك والعمل بناء على معرفتهم بما يراد لتنظيم الإخوان من خلال تفهمهم لما يدبره الدكتور الترابي .

بدأ التحرك والعمل بقلة من الإخوان بقيادة شيخ صادق عبد الله ولكن كان سريعا ومكثفا لكي يقيموا تنظيما جديدا للإخوان المسلمين وأخذت الجماعة تزداد شيئا فشيئا إلى أن وصل العدد للنصاب اللازم لإقامة مؤتمر بحمد الله تعالي لم تكن استجابة عدد كبير من الإخوان لهذا التحرك والعمل سريعا وذلك لهيمنة دكتور الترابي على وضع الإخوان وتأثيره الكبير على قيادات الإخوان في ذلك الوقت وتأثير القيادات على القاعدة .

إعلان القوانين الإسلامية في السودان 1983 م

عندما بدأت مايو في حكم السودان عام 1969م التف حولها الشيوعيون وحاولوا احتواءها والسيطرة عليها في مهدها والعبور بها إلى مقاصدهم الهدامة ولكن بقدرة الله سبحانه وتعالي فطن الرئيس جعفر نميري رحمه الله لذلك فانقلب عليهم وضربهم في مهدهم في عام 1971م.

بعدما قضي نميري على الشيوعيين كان لابد له من سند أخر لمواصلة المشوار ولم يجد أمامه بعد أن خرج من اليسار غير اليمين والفترة من 1971م إلى 1983م كان يتحسس الطرق والدروب المؤدية إلى اليمين تارة بالتقرب من الطرق الصوفية وتارة أخري يتقرب من الجهات السياسية ذات التوجه الإسلامي ولقد تابع هذه الطرق والدروب إلى خارج السودان لتقوية علاقته بالدول الإسلامية خاصة المملكة العربية السعودية .

جدير بالذكر أن الرئيس نميري عليه رحمه الله رجل نشأ في منزل عقيدة ودين في حي ود نوباوي بأمدرمان فكان كثيرا ما تهزه العاطفة الدينية في الكثير من المواقف وأن الوازع الديني تحرك في داخله عندما تجاوز الشيوعيون الحد وتطاولوا على الدين والعقيدة وعندما عاد إليه وعليه بأمر الدين انقلب على الشيوعيين وصادمهم بقوة إيمانه (انقلب عليهم) كما يقولون فبدأ بقياداتهم من أمثال عبد الخالق محجوب جوزيف قرنق الشفيع أحمد الشيخ وانكشفت أمامه رؤية جديدة لإدارة الأمر في السودان .

كما ذكرنا بدأ المرحوم جعفر نميري الاتجاه يمينا فقام بتوجيه وزارة العدل بالبدء في أسلمة القوانين في البلاد تدريجيا بطريقة تتناسب مع التوجه الإسلامي الجديد فقد أعادت الوزارة صياغة بعض القوانين لتتناسب مع التوجه وتنفق مع الإسلام وكانت البداية بقوانين محاربة الخمور وهناك الحادثة المشهورة يوم أن قام المشير المرحوم جعفر نميري بحضور عدد كبير من الوزراء وجمهور غفير من المواطنين وعلى شارع النيل بالخرطوم بإبادة كميات كبيرة من الخمور وإعلان إغلاق كل الحانات (البارات) في السودان .

من غرائب الأمور التي أشار إليها شيخ صادق عبد الله توزيع الحانات (البارات) في مواقع مقصودة ومخطط لها بدقة وعلى سبيل المثال توجد حانة (بار) في مواجهة مسجد أمدرمان الكبير وتكاد تقع عين الذي يؤدى صلاته داخل المسجد على تفاصيل ما يدور في تلك الحانة (البار) والعياذ بالله .

القرار الذي أصدره المرحوم المشير جعفر نميري بإغلاق الحانات (البارات) وتحريم شرب الخمر في السودان وجد معارضة من بعض اليساريين وأصحاب الأهواء ولكن السند والمؤازرة الواسعة جاءت من القاعدة العريضة من أبناء الشعب السوداني المسلم . ولقد أحدث هذا القرار إن كان صادقا أو غير ذلك من جانب نميري تحولا كبيرا في حياة الشعب السوداني ونقله نحو التمسك بقيم الدين الحنيف والرجوع إليه.

أما الجانب المتعلق بتطبيق الحدود فقد أحدث ضجة كبيرة بل وتدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الشأن السوداني من الكثير من المنظمات والحكومات والجهات العالمية وكما ذكر شيخ صادق أن أى توجه نحو الإسلام حدث في السودان سابقا أو سوف يحدث بإذن الله لاحقا سيجد معارضة ومقاومة ومحاربة من الغرب أى إن شخص أو دولة تتجه صوب الإسلام سيكون العدو الأول للغرب؛

وأن هذا التوجه الإسلامي الجديد في السودان فتح عيون وآذان الغرب نحو السودان وأصبح هدفا لهم منذ ذلك الوقت أما داخليا فقد أحدث إجماعا واسعا بين الجماعات والكيانات الإسلامية خاصة الطرق الصوفية والتي أعلنت بوضوح وقوفها ومساندتها لهذا التوجه؛

ذكر شيخ صادق أن أول ما أخذ على تطبيق القوانين الإسلامية في السودان عام 1983 أن القائمين على أمر التطبيق بدأوا بالحدود وهذا ما تمسكت به المنظمات والحكومات الغربية وحاولت من خلاله إظهار صورة مشينة للقوانين الإسلامية والإسلام ولكن رغم تلك الحملة الداخلية والخارجية إلا أن المرحوم نميري لم يعبأ بها وسار في طريقة في تطبيق القوانين إلى أن انتهي حكمه فيما يسمي انتفاضة أبريل 1985م.

انتفاضة أبريل 1985م وسقوط حكومة مايو وذكريات شيخ صادق

ذكر لى شيخ صادق عبد الله أنه في أواخر مارس 1985م تم اعتقاله ومجموعة من قيادات الإخوان المسلمين حيث تم تجمعهم أولا في بيت الضيافة بالخرطوم ومن غرائب ذلك الاعتقال أن من بين المعتقلين السيد وزير الشئون الداخلية آنذاك الأخ أحمد عبد الرحمن الذي جئ به إلى موقع الاعتقال وبدأ الجميع يتساءلون ما هذا الذي يحد؟ وزير الشئون الداخلية معتقل معنا !! أمر عجيب!

وبدأ المعتقلون يتوافدون ومن هؤلاء المعتقلين كما ذكر شيخ صادق الدكتور حسن الترابي ،أحمد عبد الرحمن ،عثمان خالد مضوي ،المرحوم أحمد محجوب حاج نور دكتور عبد الرحيم على ،بروف الطيب زين العابدين المرحوم مبارك قسم الله ،بروف زكريا بشير إمام ،الشيخ عطية محمد سعيد محجوب عروة ،الحبر يوسف نور الدائم ،ميرغني عبد الرحمن الحاج ،محمد محي الدين الجميعاني ،صلاح عبد الله ،يس عمر الإمام ،عبد الرحيم حمدي ،ميرغني عبد الرحمن .

سأل الأخ أحمد عبد الرحمن وزير الشئون الداخلية بعض الجنود القائمين على أمر الحراسة ما الذي حدث ؟ فكان الرد أنهم جاءتهم تعليمات بنقل هؤلاء إلى بيت الضيافة فقط وانتظار التعليمات .

عند الفجر اكتمل العدد فأخذ الجميع إلى المطار باكرا قبل شروق الشمس وفي المطار بدأ المعتقلون حسب التعليمات الصعود إلى الطائرة المعدة للرحلة وقد لاحظ شيخ صادق الدهشة التي بدت على وجه كابتن الطائرة الذي وقف يتابع دخول المعتقلين إلى داخل الطائرة ومن بينهم وزير الداخلية نفسه؛

وحتى تلك اللحظة لا يعلم أحد من المعتقلين إلى أين هم ذاهبون ولكن بعد الرحلة نظر أحدهم من خلال نافذة الطائرة وقال للجميع نحن في اتجاهنا إلى مدينة الفاشر وبالفعل بعد دقائق حطت الطائرة في مطار مدينة الفاشر ومن المطار استقل الجميع عربة (مجروس) تابعة للقوات المسلحة حيث حملتهم إلى سجن (شالا) الذي يقع بالقرب من المدينة في منطقة شبه صحراوية تبعد بعض الكيلو مترات عنها .

من طرائف المواقف في اليوم الأول بسجن (شالا) عندما نزل الجميع من العربة المجروس وجلسوا في انتظار التوجيهات جاء أحد العساكر ووقف أمام الجميع وسألهم (أنتو منو) أجاب بعض الحضور:نحن مواطنون سودانيون! قال العسكري:والله يا جماعة متأسفين والله (جيتكم دي من عندي علم بيها) (ما في زول كلمنا) (عشان كده ولا جهزنا ليكم سراير ولا مراتب تنوموا فيها) (ولو قلنا ليكن الحكاية يمكن أن تم اليوم كضبنا عليكم)

كل هذا الحديث الذي جاء على لسان هذا العسكري القائم على أمر السجون ما هو إلا مكر مكره هو من كلفه بالمهمة والقصد واضح هو إذلال هؤلاء المعتقلين وذهب أكثر من ذلك وأوضح لهم أنه لا توجد أى وجبة سوف تقدم لهم في هذا اليوم أمدهم بإناء به القليل من التمر مع الاعتذار المبطن بالمكر .

بعد ذلك اجتهد العسكري القائم على إدارة السجن وأحضر عشرين سريرا من سراير أكل الدهر عليها تمت صيانتها على عجل ووضعت كلها داخل غرفة واحدة (عنبر) وكان سري شيخ صادق مجاورا لسرير الدكتور الحبر ومن الذكريات التي ذكرها شيخ صادق أنه لا يوجد داخل السجن طباخ كل جماعة يقومون بإعداد وجباتهم بأنفسهم (ميز) وكان رئيس (الميز) القائم عليه هو الأخ الدكتور محمد محي الدين الجميعاني ويعاونه في ذلك ثلاثة من الإخوة المعتقلين .

بدأ المعتقلون في تنظيم أنفسهم للتأقلم مع الحياة الجديدة داخل السجن فبعد أن تولي الجميعاني مسئولية الطعام قسمت بقية المجموعة في مناشط أخري الجانب الثقافي وشرح بعض الأحادي النبوية وهكذا .

ومن الطرائف التي يرويها شيخ صادق أن مأمور السجن أحضر بعض المساجين الذين لهم إلمام بعمل الكهرباء لكي يقوموا بإصلاح الإضاءة بالعنبر ومع أن اللمبة في مكان مرتفع انتظر شيخ صادق ومن معه مترقبين هؤلاء المساجين كيف يمكنهم إصلاح هذه اللمبة بدون سلم في هذا المكان المرتفع ! وما هي إلا لحظات حتى شب أحدهم على كتفي الآخر وصعد إلى أعلي وقام بإصلاح اللمبة وكان ذلك من المواقف التي أضحكت شيخ صادق ومن معه كثيرا .

مكث شيخ صادق ومن معه من المعتقلين في سجن (شالا) حوالي خمسة أيام بعدها أخطرتهم إدارة السجن أن بعضا منهم سوف يتم نقلهم إلى مكان آخر وبالفعل جاء أحد مسئولي السجن ينادي بعض الأسماء فلان ... فلان .. فلان .

وتم تجميعهم نقل بعضهم لسجن مدينة الأبيض ومنهم دكتور الترابي والطيب زين العابدين وميرغني عبد الرحمن الحاج وفي سجن الأبيض تغيرت معاملة القائمين على أمر السجن مع المعتقلين واتضح بعد ذلك بأن بعض المعتقلين نقل إلى سجن سواكن وبعضهم الآخر أعيد إلى سجن كوبر؛

ومن الذين تم إعادتهم إلى سجن كوبر شيخ صادق عبد الله والشيخ الدكتور الحبر يوسف نور الدائم ولكن هذه المرة تغير الحال داخل السجن حيث تم وضعهم في زنازين كل واحد منهم في زنزانة منفردا واستمر الحال إلى قيام الانتفاضة في السادس من أبريل 1985م

وقد ذكر لى شيخ صادق عبد الله أن كل الأخبار التي تصلهم عن الحال العام في السودان تصلهم بواسطة أفراد أسرهم أثناء الزيارات التي يقومون بها لهم في السجن كما علموا أن بعض الجهات بدأت في تنظيم مظاهرات ومسيرات احتجاج ضد النظام بصورة علنية وواضحة رغم البطش والقمع الذي تقوم به أجهزة أمن نميري خاصة (جهاز أمن الدولة)

ويذكر أن نميري عندما أراد السفر إلى أمريكا وفي نفس يوم سفره اندلعت مظاهرات في شوارع الخرطوم كادت أن تتسبب في إلغاء سفره إلى الخارج حيث كل الشوارع مغلقة بالمتظاهرين وأجهزة الأمن التي كانت تحاول وتعمل على إخماد تلك المظاهرات بالرغم من ذلك سافر الرئيس؛

ويقال إنه نقل بطائرة عمودية إلى مطار الخرطوم لصعوبة الوضع في الشوارع وكان إصرار نميري على السفر فى تلك الظروف قصد منه نقل رسالة إلى الداخل والخارج بأن الوضع في السودان رغم تلك المظاهرات عادي وطبيعي وأن مايو وأجهزتها مسيطرة على الأمور تماما .

ذكر لى شيخ صادق أنهم داخل السجن كانوا يسمعون بقيام المظاهرات الصغيرة والمتفرعة من وقت لآخر في شوارع الخرطوم ولكن ل يتخيلوا أن تلك المظاهرات يمكن أن تتطور بصورة مذهلة وتسقط النظام وتكون السبب في خروجهم من السجن؛

وبينما هم كذلك وفي صبيحة يوم السبت السادس من أبريل سمعوا في الإذاعة أن هنالك بيانا مهما من القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة وما أن أشرقت شمس ذلك اليوم حتى أعلن الفريق أول آنذاك عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب البيان الأول والذي جاء فيه انحياز القوات المسلحة لخيار الشعب حقنا للدماء؛

وبذلك انتهي حكم مايو للسودان بعد ستة عشر عاما امتدت من الخامس والعشرين من مايو 1969 وانتهي في السادس من أبريل عام 1985م وانطوت صفحة من صفحات تاريخ السودان وبدأت صفحة جديدة حقيقة للتاريخ عندما أعلن الفريق أول عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب البيان الأول؛

والذي تأكد فيه سقوط مايو تدافع الشعب السوداني أجمعه وتدفق إلى الشوارع فرحا وتوجهت الجموع الهادرة نحو سجن كوبر لإطلاق سراح السجناء وعندما اقتربت الأصوات الهادرة من السجن بدأ شيخ صادق ومن معه من المعتقلين بداخل السجن يسألون الحرس الذي كان يتجول في أعلي السور ويظهر عليه الخوف بل الفزع والتوتر ... الحاصل شنو

لم يجب الحارس بشئ لأنه كان يرتب للفرار (بجلده) من الجموع المتدفقة كالسيل نحو السجن من كل الجهات .. وبعد لحظات وصلت تلك الجموع إلى أبواب السجن وبدأت تحاول خلع الباب والدخول ولكن لم تستطع وأخيرا تحرك البعض وقاموا بإحضار إلية تقريبا شاحنة لأحد المواطنين ودفعوا بها نحو بوابة السجن فهوت إلى الأرض والتقي الجمعان وتعانقت النفوس في مظهر فريد عجز الجميع عن التعبير عنه وحمل المعتقلون خاصة السياسيين من أمثال الدكتور الجزولي دفع الله نقيب الأطباء في ذلك الوقت على الأعناق إلى خارج السجن في موقف لا يمكن لأى إنسان أن يصفه مهما أوي من قوة البيان مشاعر مختلفة اختلاط عجيب وغريب وكما قال الشاعر .

أصبح الصبح ولا السجن والسجان باق

وكان شيخ صادق واقفا أمام زنزانته مندهشا يكاد لا يصدق كل الذي أمامه حيث تمكنت الجموع من إزالة كل أبواب السجن ومن شدة تزاحم الناس بداخله وصف شيخ صادق السجن في تلك اللحظة بدار الرياضة كل من أراد الدخول داخل ومن أراد الخروج خرج؛

وبينما كان واقفا يترقب ماذا ي يفعل حضر بعض الشباب وحملوا كل مقتنياته داخل الزنزانة وتقدموا أمامه إيذانا بالخروج من السجن بأمر الشعب فخرج متوجسا حائرا خلف هؤلاء الشباب وفي طريقهم وقد كانوا يسيرون على الأقدام وتقريبا بالقرب من شمبات وجدوا سيارة أقلتهم كانت تحمل أعداد مضاعفة من الناس في كل جزء منها في مظهر عجيب وبوصول شيخ صادق عبد الله إلى منزله بشمبات تدافع الجيران والأهل لاستقباله في مشهد اختلطت فيه أشياء كثيرة وتعابير مختلفة من فرحة غامرة ودهشة لما حدث وحذر وتوجس من المستقبل القادم والمصير بعد سقوط مايو بهذه الطريقة الدراماتيكية .

الوضع السياسي بعد سقوط حكومة مايو في أبريل 1985م

تولي المجلس العسكري الانتقالي بقيادة الفريق أول آنذاك عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب إدارة وحكم السودان ابتداء من أبريل 1985 وحتى أبريل 1986 م لمدة عام انتقالي واحد حسب وعد المجلس العسكري للشعب وأقيمت الانتخابات العامة في البلاد وانتقلت السلطة إلى ممثلي الشعب بمقتضاها .

ذكر لى شيخ صادق أنه بعد أيام قلائل من سقوط مايو وجه المجلس العسكري دعوة لكل الأحزاب السياسية القائمة لحضور لقاء جامع لممثليها للتشاور في كيفية تشكيل حكومة انتقالية لكل الأحزاب والتنظيمات السياسية وعقد هذا اللقاء في دار الأطباء بالخرطوم على شارع النيل ..

تداعى الجميع إلى تلك الدار ومن طرائف الأمور التي صورها شيخ صادق في موقع اللقاء كان الجميع يهيجون ويموجون في ساحة الدار كأنهم في سوق لا تعرف من المنظم للحضور ومن هو رئيس الاجتماع ؟ أى كان الناس في فوضي عارمة وكما قال شيخ صادق كانت فوضى:ناتجها حزب يسمي (حزب البهجة والمسرة) إقامة بعض الفوضويين تحت مظلة تلك الأحوال ويحدث كل ذلك في زمن الديمقراطية التي هي فهم البعض أنها تعني الفوضي وتعامل المجلس العسكري بحكمة وحذر شديدين مع واقع الأمر الخطير وانتقال السلطة المفاجئ للجميع .

يري قادة المجلس العسكري وعامة الشعب والمراقبون في ذلك الموقف لابد أن تكون الكلمة الفاصلة في الأمر للأحزاب السياسية الموجودة في الساحة في ذلك الوقت ولكن المؤسف أن تلك الأحزاب لم تكن على قدر المسئولية وما يؤكد ذلك الفوضي العارمة التي ضربت السودان إبان الديمقراطية الثالثة (86 – 1989م) في الوقت الذي انتقل فيه الأمر برمته إلى الأحزاب ممثلة في الحزبين الكبيرين حزب الأمة القومي بقيادة السيد الصادق المهدي والحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة السيد محمد عثمان الميرغني .

بعد الهرج والمرج الذي حدث داخل دار الأطباء تمكن الجميع من السيطرة على الموقف وتنظيم اللقاء ثم وصلت رسالة من المجلس العسكري لتجمع الأحزاب لكي يختاروا شخصا من بينهم يرتضيه الجميع ليكون رئيسا للوزراء وكان أقوي المرشحين الدكتور الجزولي دفع الله نقيب الأطباء آنذاك وميرغني النصري المحامي والسياسي المعروف عندما عرض الأمر على دكتور الجزولي دفع الله رفض التكليف بتولي رئاسة الوزراء مع أنه كان الأكثر قبولا عند الأحزاب والتنظيمات السياسية والعامة .

في تلك اللحظة جاء عمر عبد العاطي المحامي المعروف (نقيب المحامين) في ذلك الوقت مهرولا إلى شيخ صادق عبد الله وقال له:(يا شيخ صادق الحق نزولكم دا... لو رفض رئاسة الوزراء سوف ينقض عليها آخر ...) تحدث شيخ صادق إلى الدكتور الجزولي دفع الله طالبا منه أن يوافق على تولي رئاسة الوزراء؛

وقال له:(إذا لم توافق على هذا التكليف تكون قد ارتكبت خطأ تاريخيا في حق الشعب ومهدت الطريق أما الشيوعيين ليتولوا أمر البلاد ويسرقوا حصاد الشعب في لحظة حرجة) وافق دكتور الجزولي على المنصب وأرسلت مذكرة تمثل الحضور حملها بعض الأشخاص إلى المجلس العسكري وبذلك تم اختيار الدكتور الجزولي دفع الله رئيسا للوزراء للحكومة الانتقالية التي مدتها عام حسب التزام المجلس العسكري للشعب .

وجه المجلس العسكري الدعوة للأحزاب والتنظيمات السياسية لاجتماع عقد بالقيادة العام للتشاور في أمر تشكيل الحكومة الانتقالية حضر ممثلوا تلك الأحزاب والتنظيمات وكان من ضمن ممثلي تلك اللحظة التاريخية من داخل قاعة الاجتماع بالقيادة العامة حيث جلس ثلاثة من أعضاء المجلس العسكري الانتقالي في أعلي منصة الاجتماع وجلس بقية الحضور أمام المنصة في صفين متوازيين في منضدة طويلة الصف الأول ضم ممثلي الأحزاب والصف الآخر المواجه لهم ضم المهنيين (أطباء ،محامين ،مهندسين وغيرهم من قادة النقابات)

ذكر لى شيخ صادق أنه كان يحضر الاجتماعات باستمرار وهنالك الكثير من الأمور التي تحتاج لقرار فوري لضيق الوقت وصعوبة عقد لقاءات عاجلة للجماعة للتقرير بشأنها اتخذ فيها قرارات وحسمها وحده للضرورة المائلة أمامه من تلك الأمور ترشيح أحد الإخوان ليتولي حقيبة وزارية في الحكومة الانتقالية فرشح شيخ صادق الأخ الدكتور بشير حاج التوم ليتولي وزارة التربية والتعليم اعترض صف المهنين على الترشيح وأبلغوا الوسيط أن المرشح أخ مسلم فقال لهم شيخ صادق (عايزني أرشح شيوعي!!) نعم رشحته لأنه أخ مسلم .

وأقول لكم حقيقة إذا رفض بشير حاج التوم سوف أطلب من رئاسة الجلسة في المنصة فع الاجتماع إلى يوم غد لكي نأتي في اليوم التالي لكشف الاتجاهات السياسية لكل ممثلي المهنيين الموجودين أمامنا الذين تدثروا بثياب المهنية وأخفوا اتجاهاتهم وانتماءاتهم الحزبية تحتها أخيرا وافق المعترضون من المهنيين على ترشيح شيخ صادق للدكتور بشير حاج التوم.

بعد إكمال الترشيحات وبنهاية الاجتماع خرج شيخ صادق إلى وزارة الخارجية ووجد بها زميلا له درس بمصر وسكن معه في بيت السودان لأكثر من عام وهو وكيل الوزارة إبراهيم محمد على في مكتبه فسأل شيخ صادق عن سبب مجيئه في هذا الوقت إلى الوزارة فأجابه شيخ صادق بأنه جاء لتوه من القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة كان في اجتماع تم فيه تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور الجزولي دفع الله وتم اختيار الدكتور بشير حاج التوم وزيرا للتربية والتعليم؛

ويريد الآن إبلاغه عبر وزارة الخارجية ليحضر فورا من السعودية حيث كان يعمل محاضرا بجامعة أم القرى وللتاريخ ذكر لى شيخ صادق أنه قبل اجتماع القيادة العامة ذهب للشيخ على جاويش في منزله وأخبره بأنه يريد ترشيح الدكتور بشير حاج التوم وزيرا للتربية والتعليم أمن الشيخ جاويش على المقترح وقال له (خيرا فعلت) ومن هناك انطلق شيخ صادق بمقترحه الذي وافق فيه وتم إبلاغ الدكتور بشير وحضر من السعودية وشارك في الحكومة الانتقالية .

جدير بالذكر أن الأحزاب في نهاية الفترة الانتقالية طلبوا من المجلس العسكري الذي كان بقيادة سواء الذهب والحكومة المدنية الانتقالية بقيادة الدكتور الجزولي دفع الله تمديد الفترة الانتقالية والمواصلة في حكم البلاد إلى أن ترتب الأحزاب صفوفها وهذا ما يدل على أن الأحزاب لم تستفد من فترة الستة عشر عاما لحكومة مايو التي كانت فيها الأحزاب خارج السلطة لكي ترتب وتنظم أحوالها؛

لذلك تخوفت من استلام السلطة وطلبت التمديد بل وبعد الاستلام عقب الانتخابات فشلت في إدارة البلاد وقد ذكر الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب أن الأحزاب طلبت منهم تمديد الفترة الانتقالية لأنها غير جاهزة وغير قادرة على تولي أمر السلطة في البلاد ولكن كان رد سوار الذهب لهم بأنه أعطي وعدا للشعب بنقل السلطة بعد عام انتقالي واحد إلى ممثليهم ولا يستطيع أن يخلف وعده وذكر الدكتور الجزولي دفع الله أن الأيام السبعة التي زادت على الفترة الانتقالية وتسليم السلطة تعتبر من أصعب وأمر الأيام التي عاشها من عمره.

وحقيقة للتاريخ أن إيفاء سوار الذهب بوعده وتسليم السلطة للشعب أكسبه تقدير الكثيرين محليا وإقليميا ودوليا .

شيخ صادق ومجئ ثورة الإنقاذ 30 مايو 1989م

ذكر لى شيخ صادق عبد الله أنه في ليلة الثلاثين من يونيو يوم 1989 م مجئ الإنقاذ كانوا في ليلة سياسية أقامها الإخوان المسلمون في أم دوم ببحري (شرق النيل) وعند عودتهم إلى المركز العام للإخوان في شمبات بعد انتهاء الليلة السياسية وجدوا مجموعة من الإخوان في المركز يستعدون لقيام الليل حسب برنامج الإخوان المسلمين التربوي المعروف؛

فأخذوا معهم بعض الوقت ثم تفرقوا إلى ديارهم وفي صبيحة (الجمعة) الثلاثين من يونيو 1989م عندما علم الإخوان المرابطون بالمركز العام للإخوان بخبر الانقلاب العسكري أول ما قاموا به هو التأمين المكتبة حيث قاموا بنقل كل الكتب إلى الجيران (بأعلي الحيطة) لحفظها ولقد تجاوب معهم الجيران بصورة طيبة .

حضر شيخ صادق صبيحة يوم الانقلاب (الجمعة) إلى المركز العام فوجد مجموعة من أفراد الأمن أمام الدار فاعترضوا طريقه فطلب منهم الدخول لأخذ جرائد قديمة بالدار هي أعداد لصحيفة القبس التي كانت تصدر بإسم الإخوان (إرشيف) رفض رجال الأمن طلب شيخ صادق الدخول؛

وقام بمحاولة أخري حيث ذهب للضابط المسئول وأخبره برغبته في دخول مركز الإخوان لأخذ بعض الجرائد فرد عليه الضابط هذا انقلاب وممنوع دخول أى شخص لهذه الدار حسب التعليمات الصادرة انصرف شيخ صادق حزينا غاضبا وقال إن أكثر ما أغصبه هو عدم تمكنه من أخذ مجلدات صحيفة الإخوان المسلمين التي كانت في مكتبه والتي فقدها ولم يعرف مكانها حتى اليوم جدير بالذكر أن كل مجلد منها يضم أربعين عددا من الصحيفة ..

ومن طرائف المواقف سمع أحد الأشخاص من قرية فداسي بالجزيرة حديث شيخ صادق عن ضياع إرشيف صحيفة القبس ومجلدات لأعداد من صحيفة الإخوان المسلمين فأخبر الشخص شيخ صادق بأنه يمتلك معظم هذه الأعداد ووعده بإحضارها له وعندما عاد في اليوم التالي أخبر شيخ صادق بأنه جاء بجوال جرائد؛

ولكن عند (التفتيش) في مدخل الخرطوم قام رجال الأمن بمصادرته فجاءه (بخفي حنين) والجانب الدرامي الطريف الذي صاحب مصادرة الجوال الملئ بالجرائد هو أن الشخص صاحب الجوالي عندما وصل إلى نقطة التفتيش عند سوبا طلب رجال الأمن من الجميع النزول ومعهم حقائبهم فنزل ومعه جوال الصحف فسأله العسكري ما هذا؟ قال:صحف قديمة .

قال له هازئا:(جاي من أهلك للخرطوم بشوال الورق ده) قال نعم بلطف وأردف (دي صحف إسلامية) رد عليه العسكري (بلا صحف إسلامية ولا غير إسلامية شيل الورق ده وارميه في الخيمة ولا أحرقوا ليك هسة !!) أخذ الرجال الجوال خائفا يرتجف أما الحضور إلى داخل الخيمة المنصوبة قرب نقطة التفتيش وعاد خجلا وصعد إلى مقعده في السيارة

من الأمور التي أشار إليها شيخ صادق في أيام الانقلاب الأولي 1989 م أنه لم يتم اعتقاله ضمن حملة الاعتقالات التي شملت معظم السياسيين وقادة الأحزاب آنذاك بل ولم يتم التحقيق معه كما أنه لم تتم دعوته لأى اجتماع مع قادة الانقلاب وكان يمارس حياته بصورة طبيعية .

يجدر بالذكر أن قادة الإنقاذ في أيامهم الأولي بذلوا كل جهدهم من أجل إخفاء توجههم الإسلامي خوفا من أعداء الإسلام وعلى رأسهم أمريكا لذلك عمدوا إلى التمويه والتوازن في كل تحركاتهم وأفعالهم في الأيام الأولي ومن الطرائف أن المشير البشير في أى لقاء صحفي معه ومن كل الإعلاميين يوجه إليه السؤال التالي:أنتم جبهة أى جبهة إسلامية وفي أحد الحوارات المطولة التي أجراها معه صحفي عربي لم يسأل المشير البشير السؤال المعهود في خاتمة اللقاء فبادره المشير قائلا (ما سألتني نحنا جبهة وإلا .. لا) فضحك الصحفي كثيرا .

شيخ صادق وصحيفة القبس

صحيفة القبس هي الصحيفة الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين كانت تصدر مرتين في الأسبوع وقد أدت دورا عظيما ورسالة قوية حملت توجه لإخوان السياسي والاجتماعي وغيره إلى عامة الناس في ذلك الوقت من أعوام (86،87 ،1988م) وكان رئيس تحريرها ويعاونه كل من عصام يوسف بدري ،اليناوي ،عيسي مكى ،ويذكر شيخ صادق بعض الطرائف مع المنياوي وهو الآن نائب بالمجلس التشريعي بكردفان عن مقاعد الإخوان وكان يملك في ذلك الزمان (موترا قديما) ويسكن الكلاكلة وكان كثيرا ما يفاجئ شيخ صادق بعبارة أنا مسافر فيسأله شيخ صادق مندهشا : إلي أين ؟ فيرد عليه إلى الكلاكلة !.

ومن الأشياء التي أشار إليها شيخ صادق أنهم في صحيفة القبس في ذلك الوقت لم يجدوا من الصحف والصحفيين بوجه عام من يقف معهم في صف واحد إلا القليلين لماذا؟ لأن الصحيفة تميزت بصدق الكلمة والجرأة في عرض الموضوعات والقضايا المختلفة وكانوا يواجهون صعابا جمة في طباعتها التي تتم في مطبعة في المنطقة الصناعية ببحري .

ولكن رغم كل تلك الصعاب إلا أن خبرة شيخ صادق الطويلة في العمل الصحفي كانت أداة في تذليل تلك الصعاب يجدر ذكره أن خبرة شيخ صادق في العمل الصحفي بدأت عام 1956 م بصحيفة الإخوان المسلمين وامتدت إلى خارج السودان في الكويت والسعودية حيث عمل رئيسا لتحرير صحيفة المدينة المنورة التي تصدر في اثنتين وثلاثين صفحة يوميا وتوزع على آلاف القراء .

بالعودة مرة أخري لأيام الإنقاذ الأولي أوضح لى شيخ صادق أنه بعد عامين وتصف تقريبا من مجئ الإنقاذ اتصل بهم المشير البشير والسبب في ذلك أن الدكتور الترابي حال بينهم وبين المشير في تلك الفترة ومن الإشارات المهمة في حديث شيخ صادق عن الإنقاذ أنهم في تنظيم الإخوان المسلمين؛

وفي الأيام الأولي للإنقاذ بعد أن استيقنوا وتأكدوا أن توجهها إسلامي أجمعوا على تأييدها والوقوف معها من أجل تثبيت دعائم الشريعة الإسلامية في السودان . بعد أن أوشكت على السقوط في عهد الصادق المهدي في عهد ما يسمي بالديمقراطية الثالثة .

علاقة الإخوان المسلمين بثورة الإنقاذ في أيامها الأول

كما ذكر شيخ صادق عبد الله من قبل أنهم أيدوا الإنقاذ لأنها جاءت وأعلنت الشريعة لذلك كان علي الإخوان تأييدها والوقوف معها ومساندتها لأنها أظهرت وجهها الإسلامي بوضوح للعامة .

بدأت أولي الاتصالات بين الإخوان وقيادة الإنقاذ بعد حوالي عامين أو عامين ونصف بالرغم من تأييدها ومباركتهم للشعار الذي رفعته الثورة ولكن هنالك جهات كانت وراء ذلك وكان الأمر مقصودا فدكتور الترابي كان له دور كبير في قيام الإنقاذ والمشاركة فيها لذلك حال دون التواصل بين الإخوان المسلمين وقيادة الثورة في تلك الفترة المبكرة من عمرها .

وكما أشار شيخ صادق أن ثورة الإنقاذ بقيادة البشير وجناحها السياسي الجبهة الإسلامية لا يمكن أن يغيب عنهم ذلك الكيان السياسي المعروف في الساحة السياسية (الإخوان المسلمين) والأقرب إليهم توجها وفكرا إلا بفعل فاعل وحدث ذلك في وقت كانت الإنقاذ في حاجة ماسة للسند والموازرة من التنظيمات السياسية الداخلية على الأقل لتشد من عضدها في مواجهة الهجمة الخارجية عليها في أيامها الأولي وقال شيخ صادق كان من المفترض إشراك الإخوان في الإنقاذ منذ ضربة البداية في الانقلاب نفسه ما دام الأمر أمر الإسلام والشريعة في السودان .

ذكر لى شيخ صادق أنه بعد هذا الغياب المقصود والمبرمج بل نقول (تغييب الإخوان المسلمين) عن المشاركة في الإنقاذ بواسطة دكتور الترابي وبعض أنصاره اتصل الرئيس عمر البشير عن طريق مدير مكتبه بالشيخ صادق عبد الله وطلب منه التكرم بمقابلته بالقصر الجمهوري .

تحرك شيخ صادق في اليوم المحدد (الذي ضرب فيه الميعاد مع مدير مكتب رئيس الجمهورية) متوجها إلى القصر الجمهوري حيث اللقاء ولكن في طريقه عرج على جامعة الخرطوم حيث التقي بالشيخ الدكتور الحبر يوسف نور الدائم وأخبره بأنه في طريقه إلى القصر الجمهوري لمقابلة رئيس الجمهورية عمر البشير وأنه رغم الميعاد المسبق إلا أنه لا يحمل أى أجندة لهذا اللقاء مع أهميته الكبيرة التي تأتي من أنه اللقاء الأول لزعيم الإخوان المسلمين مع رئيس الجمهورية منذ قيام الإنقاذ .

قال شيخ الحبر لشيخ صادق (توكل على الله ... ربنا يفتح عليك) وصل شيخ صادق القصر الجمهوري فوجد السيد الرئيس المشير البشير وبدأ اللقاء في وجود مدير مكتب الرئيس والمسئول السياسي ذكر لى شيخ صادق بينما هو في طريقه إلى القصر جالت بخاطره ثلاثة أشياء

أولها: أن يحدث الرئيس بأزمة المواصلات الخانقة التي تعيشها ولاية الخرطوم والتي أرهقت كاهل المواطن .
الثاني: موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان
الثالثة: الضائقة الاقتصادية التي يعيشها الشعب السوداني في ذلك الوقت نتيجة للحصار والمقاطعة التي واجهت الشعب السوداني مثلا في حكومة الإنقاذ التي رفعت راية (لا إله إلا الله) منذ مجيئها .

ومن خلال النقاش والحوار الذي دار بين شيخ صادق عبد الله والمشير البشير في لقائهما الأول ساد الوضوح والصراحة بينهما وتناولا الكثير من الموضوعات الآنية والمستقبلية بكل شفافية وصدق ومن ذلك حديث شيخ صادق للمشير البشير حيث قارن له بين موقف الإنقاذ من الشريعة وموقف الرئيس الأسبق المرحوم جعفر نميري؛

وأوضح أن نميري أعقب خطوة إعلان تطبيق الشريعة في السودان بخطوات عملية أكدت التطبيق الفعلي للشريعة على أرض الواقع لكن الإنقاذ التي ما زالت في عامها الثاني ولم تجر على الواقع أى خطوات تؤكد أن الشريعة ماثلة في أرض وواقع السودان واستدل شيخ صادق على ذلك بقرارات المرحوم المشير نميري ومنها إغلاق جميع الحانات في السودان في بادرة فريدة لم يشهد العالم لها مثيلا وإبادة الخمور الموجودة في تظاهرة ضخمة تقاطر الناس لها بشارع النيل بالخرطوم إيذانا بإبادتها في كل بقاع السودان ..

تواصل النقاش ومن خلاله حاول شيخ صادق تنبيه المشير البشير إلى أمر مهم هو أن الإخوان المسلمين تم تغييبهم عن المشاركة في الإنقاذ بفعل فاعل معلوم وعلم شيخ صادق أن الرئيس لم يكن على علم بالخلاف بين الجبهة الإسلامية القومية بقيادة دكتور الترابي والإخوان المسلمين بقيادة شيخ صادق عبد الله والتمس شيخ صادق العذر للمشير البشير في عدم معرفته بذلك الخلاف لأن الإنقاذ في أيامها الأولي واجهت صعابا جمة شغلتها كثيرا عن الانتباه لهذا الأمر .

وعندما سألت شيخ صادق عن مشاركتهم في حكومة الوحدة الوطنية أخيرا كيف صدر قرار المشاركة والترتيبات التي تمت داخل قيادة الإخوان قال:إن اللقاء الأول له مع المشي البشير فتح الطريق أمام الجميع للتعاون واستمرت اللقاءات والمشاورات بين الإخوان المسلمين وقيادة الإنقاذ ومن أبرز الذين دخلوا وشاركوا في اللقاءات اللاحقة للقيادتين من جانب الإنقاذ الشيخ على عثمان محمد طه والدكتور عوض أحمد الجاز واللذان ركزا على ضم الإسلاميين وتوحيدهم لتقوية الصف الإسلامي أمام الهجمات المعادية للإسلام داخليا وخارجيا ومن جانب الإخوان الدكتور الحبر يوسف نور الدائم والشيخ على جاويش .

من الأطروحات التي تقدم بها بعض الإخوة قيادات الإنقاذ ضم أو دمج الإخوان المسلمين داخل صف واحد ضمن مظلة المؤتمر الوطني وأول دعوة صريحة لذلك تلك التي تقدم بها البروفسور إبراهيم أحمد عمر في اللقاء الذي جمع بينه وشيخ صادق وشيخ الحبر بمنزل الأخ أحمد عثمان الحاج في أمدرمان ولكن رفض المقترح على أن تستمر اللقاءات والمشاورات والتنسيق بين الطرفين من أجل التقارب وقد قام بقيادة ذلك العمل من طرف الإنقاذ الدكتور عوض الجاز ومن طرف الإخوان الشيخ على جاويش .

استمر الحال كما هو إلى أن توج بلقاء كبير ضم من جانب الإخوان كل أعضاء المكتب التنفيذي ومن جانب قيادة الإنقاذ المشير البشير نفسه ودكتور عموض الجاز والدكتور أحمد على الإمام والبروفسور عبد الرحيم على ببيت الضيافة مرة أخري أشار الإخوان إلى تحفظهم على الاندماج في المؤتمر الوطني لأنهم حزب عمره أكثر من خمسين عاما لا يمكن أن يندمجوا في حزب جمع في داخله كل ألوان الطيف السياسي بالإضافة لذلك فهم حزب له مؤسساته فعليهم طرح هذا الأمر على تلك المؤسسات لتتخذ القرار اللازم (مجلس شوري الإخوان)

وعلي ذلك آمنوا على أن يستمر التواصل والتشاور بل والتعاون فيما بينهم إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ..كذلك أشار شيخ صادق إلى أنه بعد انشقاق الحزب إلى وطني وشعبي وخروج دكتور الترابي بجماعته أصبح الطريق ممهدا بل أصبح السير أسهل مما كان عليه من ذي قبل ليس في علاقة الإخوان بالإنقاذ فحسب بل في علاقة الإنقاذ بالتنظيمات والأحزاب السياسية الأخرى؛

وكان ذلك واضحا جدا لكل المراقبين للساحة السياسية قد ذكر شيخ صادق أن الدكتور نافع على نافع لعب دورا كبيرا في مشاركة الإخوان المسلمين والتنظيمات السياسية الأخرى في حكومة الوحدة الوطنية في ظل الإنقاذ

بسم الله الرحمن الرحيم

خاتمة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الحمد لله الذي أعانني على إكمال هذا الكتاب والذي قصدت منه التوثيق لحياة شيخ من شيوخ الحركة الإسلامية السودانية والتوثيق بطريقة غير مباشرة لجزء طفيف من مسار الحركة الإسلامية العريض الذي بدأ في أربعينات القرن الماضي بمسمي الإخوان المسلمين وانتهي اليوم إلى عدة مسميات مع احتفاظ بعض الإخوة بمسمي الإخوان المسلمين إلى يومنا هذا .

لقد تناولت حياة الشيخ المجاهد صادق عبد الله في حلقات امتدت لما يقارب العامين وبلغت أكثر من أربعين حلقة تحمل معي مشقة الجلوس لساعات طوال امتدت أحيانا لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة لحلقة واحدة وقد آثرني في تلك الحلقات بأسرار أكثر من تسعين عاما أمد الله في عمره .

لقد سرد لى شيخ صادق من خلال تلك الحلقات أحداثا تاريخية لم تنشر من قبل وذكر لى معلومات وحقائق كثيرة من أحداث التاريخ وأشخاصه وكلما جلست إليه في حلقة من الحلقات ينفحني بحقائق ومعلومات ثرة حقا لأجدنه بحرا زاخرا لا حدود له وعلمت أن الإبحار في هذا الخضم يحتاج إلى سنوات عدة ولما كان من الضروري على أن أختم هذا الكتاب عمدت إلى الإيجاز في الكثير من الموضوعات التي تناولتها في حواراتنا بل كثيرا ما كنت أقاطعه بالحديث لأوقف تدفق المعلومات المتواصلة حتى نتمكن من الانتقال إلى عنوان وموضوع آخر؛

كذلك وجدت في شخصية شيخ صادق كثيرا من صفات الصادقين الأتقياء حقا إنه نعم الأخ والأب والصديق وجدته سهلا وسمحا في تعامله وجدته مؤمنا صادقا مجاهدا أمينا قدم لى كل حقائق التاريخ الذي عاشه بأمانة وصدق .

وأنا أكتب خاتمة هذا الكتاب وعقلي متيقن بأن مجاهدات وتضحيات شيخ صادق عبد الله لم تختتم أمد الله في عمره وأعد السادة القراء إن شاء الله بأنني سوف أقوم بإضافة المزيد في المستقبل في كل طبعة لاحقة من طبعات هذا الكتاب .

ختاما وإذا شاء الله تعالي وقدر سوف أتناول في كتابي (من أعلام الحركة الإسلامية السودانية) الإصدارة الثالثة والرابعة علمين من أعلام الحركة الإسلامية أحدهما هو مكمن أسرار الجبهة الوطنية التي تكونت في السبعينات من عدد من الأحزاب السودانية وقاومت نظام مايو والثاني ممن تشربوا بفكرة الإخوان المسلمين وهو طالب بالأزهر الشريف بجمهورية مصر العربية أسأل المولي عزوجل أن يعينني ويوفقني حتى أتمكن من التسجيل والتوثيق للكثيرين من أعلام هذه الحركة الإسلامية السودانية

والله ولي التوفيق

ماذا قال هؤلاء عن الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد؟

  1. البروفسور الحبر يوسف نور الدائم.
  2. الشيخ على جاويش .
  3. البروفسور على شمو.
  4. الشيخ حسن أحمد أبو سبيب.
  5. الأستاذ هاشم الإمام .
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.

صنفان من الناس يصعب على المرء أن يصفها وصفا جامع إلا أن يكون قد أوتي من البلاغة والفصاحة ما يبلغ به كل ما في نفسه من معان.الصنف الأول هو من إذا رمت أن تغدد صفاته الحسنة تدافعت إليك كل منها تريد أن تكون المقدمة في الذكر على أخواتها لما تري أنها أحق في ذلك من غيرها .

والصنف الآخر هو إذا ظننت أنك تجمع من صفاته المنكرة شيئا ينبئ عن دخيلة جاءتك الواحدة تلو الأخرى متدافعة حتى تختار ما تقدم وما تأخر منها .

والشيخ صادق عبد الله من الصنف الأول من الناس ولعل ما يمكن أن نذكره عنه من غير أن نبلغ به ما نريد من الوصف ن نقول كل من نعرفه من الناس مطمئن إلى أن الرجل قد وقف حياته على نشر دينه ودعوته والذود عنهما بكل ما أوتي من عزم وكرس حياته في الذود عن وطنه السودان ووطنه العربي والإسلامي وأنه بذلك من حبه الخير للناس ما استطاع وأنه جمع إلى ذلك استواء الظاهر والباطن فيما يقوله بلسانه ويجري فيه بقلمه معبرا عما يعتقده بقلبه ولا نزكيه على الله بل نحسبه كذلك

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
على جاويش محرم 1431 هـ ديسمبر 2009م
بسم الله الرحمن الرحيم

صادق عبد الله عبد الماجد

بقلم البروفسور على شمو

صادق عبد الله عبد الماجد في رأيي يمثل الإنسان القدوة توفرت فيه كل مقومات الإنسان الصالح ويمكن لأى شخص أن يتخذ قدوة بكل اطمئنان في سلوك ،قيمه ،صلابته ،شجاعته ،أمانته ،زهده ،وفي صدقة وفي كثير من الأشياء .

أنا عرفته في مصر مع مجموعة من الإخوة السودانيين في الجامعات المصرية كان شابا نشطا في الكثير من الأنشطة الثقافية والطالبية والاجتماعية خاصة النادي السوداني بالقاهرة تحت إشراف على البرير كان من دعاة الوحدة بين السودان ومصر.

يعتبر صادق عبد الله من أعمدة حركة الإخوان المسلمين وصادق تاريخيا هو مؤسس لحركة الإخوان المسلمين وليس ضيفا أو منتميا للحركة كما ينتمي الآخرون .كان صادق عبد الله في سبيل كسبه يتحري المهن فعمل معلما بالرغم من أنه خريج حقوق لأنه عرف أن هذه المهنة نظيفة وأجرها نظيف .

ما كان مولعا بالدنيا لبسه منزله وكل أشيائه تدل على زهده فيها وكان بالرغم من زهده وطيبته وتواضعه وكل هذه الصفات تجعل الإنسان ناعما جدا ولكن صادق رغم ذلك خشن وصعب جدا عندما تستثيره وغضبته غضبة مضرية لا يساوم وعنده (واحد + واحد = اثنين) لا يرضي إلا بما يراه صحيحا نذر نفسه للعمل العام لم يتول أى وظيفة أو منصب عام مرموق رغم تأهيله ومقدرته على ذلك وإتاحة الفرص له قضي سنوات من عمره في سجون الأنظمة التي اختلف معها وأخري منفيا .

قدم شيخ صادق نموذجا نادرا عندما تنزل عن قيادة الإخوان طوعا وبمبادرة من عنده عندما شعر بضرورة أن يفسح المجال لغيره في قيادة الإخوان.تعتبر حيته كلها نضالا لم يركن للدعة والنعيم والراحة.أول عمل مشترك بيني وبينه كان في صحيفة السودان الحديث التي تصدر في القاهرة برئاسته حيث كلفني بتحرير الجانب الرياضي فيها.

كانت لشيخ صادق علاقة حميمة ووطيدة بالسوداني الشهير توفيق البكري الذي كان مديرا لإدارة الثقافة بالجامعة العربية وكان مسئولا عن إذاعة ركن السودان التي تبث برامجها من القاهرة وعندها طلب توفيق من شيخ صادق ترشيح سودانيين ليتم تعيينهم مذيعين بإذاعة القاهرة رشحني مذيعا مسار حياتي على يد شيخ صادق عبد الله . ومهما أقل من كلمات فلن أوفي الرجل حقه أمد الله في عمره

على شمو
بسم الله الرحمن الرحيم

صادق عبد الله عبد الماجد رائد الحركة الإسلامية في السودان

بدأت الحركة الإسلامية في السودان منذ 1947 م وكانت البداية قد قامت على الإيمان والتربية الإسلامية والصدق والإخلاص والتجرد والإخاء في الله بعيدا عن الأغراض والمصالح وكنا في ذلك الزمان طلابا بمعهد م درمان لعلمي كنا نعكف على دراسة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا؛

وعند قدوم الأخ المجاهد الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد هرعنا إلى داره في ود نوباوي في شارع الدومة فصار يحدثنا حديث القلب إلى القلب عن دعوة "الإخوان المسلمين" التي نهل من معينها القرأني الصافي فتكونت في داره التي كانت أشبه بدار الأرقم الأسرة الإخوانية فكان هو القدوة وكنا عندما يقيم ندوة أو يتحدث في محاضرة نشد إليها الرحال في أى مكان .

الأخ صادق كان ولا يزال مفكرا إسلاميا وخطيبا وأديبا وكاتبا وهب فكره وقلمه وحيته ووقته بل حياته المديدة الحافلة بالكفاح والجهاد في سبيل الله كان يجمعنا في دار التبشير الإسلامي في أم درمان في شارع السيد على الميرغني ويحدثنا عن إخوانه في مصر ويقدم لنا في تلك الجلسات (كتاب العدالة الإجتماعية في الإسلام) و(كتاب شبهات حول الإسلام) ورسالة الشهيد عبد القادر عودة وعنوانها (الإسلام بين عجز علمائه وجهل أبنائه)

الأخ صادق قاد مسيرة العمل من أجل الدستور الإسلامي وجاهد في ذلك إلى ن وصل الدستور للقراءة الأولي في الجمعية التأسيسية وفاز في دائرة الخرطوم في تلك الجمعية كتب في جريدة الإخوان في الستينيات عندما اختلف الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة وأحرقت العملة فكتب مقاله الشهير (حريق العملة حريق الشعب) وكتب مقاله القوي والرصين (زعامات تتهاوي) وكتب مقاله الذي انتقد فيه صراع الأحزاب بعنوان (كلكم يبكي فمن سرق المصحف)

الأخ صادق استطاع بحنكته وتجرده وصفاء نفسه وانفتاحه على أهل السودان ن يجلب إلى الحركة الإسلامية العلماء والمفكرين أمثال سعيد رمضان وعز الدين إبراهيم والدكتور مصطفي السباعي وأحمد حسن الباقوري وجمال السنهوري عليهم الرحمة .

إن الأخ صادقا ما هان ولا لان ولا انحنت هامته لطاغية بل ظل على عهده ووعده حتى الآن فهو ركن من أركان المد الإسلامي وواحد من أفذاذه تعلمنا منه لكثير لأن الحركة الإسلامية قامت وتأسست على التربية الإسلامية والولاء للإسلام ورسالته الخالدة وكل ذلك كان على يد معلم الحركة الإسلامية في السودان الأخ صادق عبد الله عبد الماجد لأنه كان ولا يزال نموذجا للتعامل والقبول برحابة صدره وسمو خلقه وإيمانه إن هذا العالم الحائر لا مخرج له إلا بالإسلام

حسن أحمد أبو سبيب
يناير 2010م

صادق عبد الله عبد الماجد كلمة وفاء

بقلم:هاشم الإمام

لو قدر لى أن أكتب على غرار كتاب "مايكل هارت" أترجم فيه لمائة شخصية سودانية ممن تركوا أثرا إيجابيا فيمن أدركوهو أو خلفوهم من الأجيال لجعلت الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد أفسح الله له في عمره وبارك له فيه على رأسهم فقد أتاه الله محاب القلوب وجمع فيه من خصال الخير ما لو قسم على كثير من أهل الأرض لوسعهم .

ولعل أبرز هذه الخصال وأظهر تلك الخلال:صدق اللهجة ،والحياء والبساطة والوفاء ،وحسن الخلق ،والسخاء ،فمعارف الأستاذ وهم العدد الوفير والجم الغفير على اختلاف أعمارهم وتباين أفكارهم ،وتفرق آرائهم مجمعون على اجتماع هذه المزايا فيه لذلك لم يجرؤ حتى خصومه السياسيون أن يتهموه بشئ مما كانوا لا يتورعون أن يتهموا به رموز الحركة الإسلامية وقادتها الآخرين لطهارة يد وعفة لسانه ،وصفاء سريرته وترفعه عن سفساف الأمور وبعده في خصومته عن الفجور .

لما انشقت الحركة الإسلامية كان للشيخ صادق من قادة التيار المناوئ للدكتور الترابي ولكن رغم ذلك لم يجرؤ أحد من شيعة الترابي وفيهم الغلاة المتطرفون أن ينالوا منه ،أو يذكروه تلميحا أو تصريحا ،لما وقر في نفوسهم أنه إنما دفعة إلى هذا الموقف صدقه مع نفسه والآخرون ووفاؤه لجماعة الإخوان المسلمين الذين انتمي إليهم أيام طلبه للعلم في أرض الكنانة حيث بايع الإمام حسن البنا منشئ هذه الجماعة ورأسها وعاش وسط كبار دعاتها وقادتها وتأسي بهم وتربي على أيديهم وأخذ عنهم طرائق التفكير ووسائل الدعوة فكيف يتنكر لهذا الماضي المشرق المحفور في وجدانه .

فيستبدل باسم "الإخوان المسلمين" اسما آخر وإن زعيم الزاعمون أن الزمان قد تجاوزه ،أو أن المرحلة تقتضي تفكيك التنظيم وفكه من أسر النخبة المتعلمة والترخص في شروط الانتماء إليه لتلحق به طبقا الناس جميعا ،وتغلغل فيهم رؤاه الفكرية وما كان له أن يخون تلك الصحبة الخيرة والإخوة العالقة بأسباب السماء فتنبت صلته بإخوانه في التنظيم العالمي بدعوى خصوصية العمل السياسية والدعوي واختلاف وسائله من قطر إلى آخر؛

فالانتماء إلى التنظيم العالمي لا ينافي هذه الخصوصية ولا يمنع مراعاتها ولكن فكرة الانتماء القومي الضيق التي سادت في المشرق العربي تسربت إلى حملة الفكر الإسلامية فشكلت بعض طرائق تفكيرهم ومناهجهم في التغيير على أن ذلك لم يكن وحده سبب المفارقة فإن للشيخ صادق ومن انشق معه رأيا في منهج الترابي السياسي وآرائه الفقهية وقناعاته العقدية التي تخالف ما كان عليه سلف هذه الأمة .

الشيخ صادق رجل بسيط في مظهره ومطعمه ومسكنه كيم لا يبخل بما عنده ولا يتكلف ما ليس عنده بيته عامر بالضيوف يلقاهم هاشا باشا يقسم الحديث بينهم حتى ليظن من يلقاه بوجهه منهم أنه المعني بحديثه دون سائر جلسائه .

أذكر أنني كنت أجلس معه مرة في بيتا أسرته بود نوباوي وأنا طالب في محلة الجامعية دخل علينا الدكتور حسن الترابي وكان على موعد معه زيارته فما خصه بقري غير ما أقراني به ولا أحسست أنه يهتم به أكثر مني ويستعجل انصرافي ولو فعل ما عوتب على ما فعل فما جنته على موعد ولا ممن يؤبه له ولكن هذا صادق وهذه أخلاقه وأخلاق المرء لا تتجزأ .

اختلفت على حي ود نوباوي (شارع الدومة) لزيارة أخوالي في العطلة الصيفية وكان يعجبني أن أجلس مع أقراني من شباب ود نوباوي في الشارع نلعب الكرة ونحكي غرائب القصص وقد وجدتهم يدخلون بيت أسرة الشيخ صادق (ود الناظر) بلا استئذان يشربون من ماء البرادة التي في الصالة ثم يخرجون فصرت أفعل ما يفعلون لاحظ صادق أنني لست من أهل الحي فاقترب مني بلطيف حديثه حتى استأنست به وقويت علاقتي فصرت أوثر بيته إلى الصفر (قريتي قرب شندي) أو عدت إلى "مدني"

حيث تعيش أسرتي وازدادت هذه العلاقة متانة حين قدمت إلى أم درمان للدراسة في جامعتها الإسلامية ثم أوهنت الأيام وطول الغربة عن الوطن هذه العلاقة وأضعفتها حتى كادت أن تذهبها فلقد زرته العام الماضي في مركز الإخوان المسلمين بالعمارات في رفقة أخي الفنان التشكيلي عصام عبد الغفار فما عرفني إلا بعد أن أرهق ذاكرته بالحفر والتنقيب وأني له أن يذكرني بعد ربع قرن من الزمان مر على السودان من الأحداث ما يجعل الحليم حيران .

الأستاذ الصديق عصام عبد الغفار من قدامي الإسلاميين ومن السمار ومحبي (الونسة) ورواية القصص وإذا جمعك به مجلس أو اصطادك على الهاتف فوطن نفسك على الصبر والاستماع فلا مطمع لك في مشاركته بكلمة واحدة لأن حكاياته لا يفصل بينها فاصل ولكن إحقاقا للحق فإن أكثر حديثه مفيد وممتع وتتخلله الطرف والنكات وعنده من الروايات التاريخية الشفوية والوثائق والصور النادرة ما يستحق أن يطلع عليه الناس وممن شهد بابكر بدري وأحد كتابه الذين أملي عليهم مذكراته لذلك اقترحت عليه أن يسجل مذكراته إن لم يكتبها .

الأستاذ عصام ينافسني في حب شخصين آخرين إلى جانب الأستاذ صادق هما العالم التحرير والشاعر المطبوع البروفسور الحبر يوسف نور الدائم والفيلسوف الاجتماعي والمؤرخ والعالم اللغوي البروفسور جعفر ميرغني ولكني أنا أعترف بحبي لجعفر ميرغني أكثر منه .

بمناسبة المذكرات فقد سألت الأستاذ عن نش مذكراته فما أجابني بما يشفي وإن لم يفعل فقد ظلم الشعب السوداني والمنتمين إلى الحركة الإسلامية خاصة لأنه شاهد عصره شهد أهم الأحداث في تاريخ السودان الحديث وشهد مولد الحركة الإسلامية وكان من مؤسسيها وكذلك إن لم يفعل فقد ظلم محبي التاريخ وعشاق الأدب وحرمهم من متعة قراءة التاريخ بلغة الأدب .

ما كنت أتعجب منه ويعجبني في الشيخ صادق صبره على ضيوفه الذين لا ينقطعون حتى منتصف الليل, ووداعه لهم بمثل الحفاوة التي استقبل بها أو لهم وهي صفة فارقة ومزية أحسب أنها تميزه عن أقرانه من الساسة المتصدين للعمل العام .

ويتفرد من دونهم بالحدب على من يعرفهم ويخلص لهم الود والرعاية يحدهم في اهتماماتهم ولا يميل إلى المناصحة الباردة مما يجعل جليسة يشاركه في الحوار غي هياب فمجلسه تجد فيه الطلاب والأساتذة والموظفين والعمال وجيرانه وناخبي دائرته وكل يجد في حديثه ما يهمه ويمتعه ولا غرو فقد حباه الله إلى جانب حسن الخلق حسن البيان والقدرة على إيصال أفكاره بأوجز عبارة وأيس كلام ولكل مقام مقال .

كان الأستاذ صادق كيرا ما يسمعني الشعر أو يحدثني في الأدب لأن ذلك مما يعجبني وأذكر أنني قابلته في (جدة) في منتصف السبعينيات فأخذني إلى شاطئ البحر الأحمر وهناك أنشدني قصيدة إيليا أبي ماضي التي مطلعها:

قد سالت البحر يوما هل أنا يا بحر منكا ؟!

وما فعل ذلك إلا ليؤنسني ويدخل المسرة في قلبي رغم علمه بما في القصيدة من هنات عقدية.

الأستاذ صادق من جيل الحركة الوطنية العظام الذين كانوا يحرصون على تجويد لغتهم العربية والإطلاع على آدابها لا سيما الشعر يستوي في ذلك من درس الآداب أو العلوم التطبيقية أو القانون وكان صادق ممن درسوا القانون في مصر ولكنه أعلم بلغة العرب ومذاهبها في القول من كثير ممن درسوا في كليات الآداب .

والأستاذ صادق صاحب قلم جرئ وأسلوب متميز ومن رواد الصحافة الإسلامية في السودان فهو يكتب منذ الخمسينات وعموده الصحفي (ما قل ودل) يطابق عنوانه حقيقته ويكشف عن خبرة في الكتابة الصحيفة وقدرة بلاغية وقديما قيل:البلاغة هي الإيجاز.

رغم أن الأستاذ يملك من المؤهلات العلمية والمواهب الكلامية التي تجعل منه محاميا ضليعا أو قاضيا مميزا إلا أنه أثر مهنة التدريس على مهنة القانون فعمل معلما في مدرسة الأحفاد وأحسب أو الورع ورقة الحاشية وراء زهده في المهن القانونية كما أن التدريس مهنة أبيه وقد أحسنت السلطات المحلية إذ سمت الشارع الذي يفتح عليه بيت أسرته من الناحية الغربية باسم أبيه (شارع الناظر)

ليست هذه سيرة شخصية للأستاذ الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد وإن كنت أطمع أن يجدني أهلا للكتابتها فيأذن لى ولكنها وفاء ودين له على أردت أن أرد بعضه .