من أعلام الدعوة والفكر الإسلامي الشيخ أحمد عيسي عاشور

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
من أعلام الدعوة والفكر الإسلامي
الشيخ أحمد عيسي عاشور

بقلم: دكتور خالد محمد نعيم

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر كلية الآداب – جامعة المنيا

وكلية التربية للبنات بالقصيم – المملكة العربية السعودية

في ذكرى وفاة الشيخ/ أحمد عيسي عاشور .. الداعية الإسلامي الكبير والعالم الفقيه المجاهد..

مقدمة

ثلاثة أعوام مروا على رحيل الداعية الواعي , والمربي الفاضل الشيخ ( أحمد عيسي عاشور) – يرحمه الله – ثلاثة أعوام وما زلنا وسنظل بإذن الله تعالي نتذكر نصائحه الغالية وصفاءه الذي أتعب المحيطين بت إخلاصه الذي ملك عليه حياته , ونطالع في مؤلفاته العلمية والفكرية الإسلامية الكثيرة التي أثري بتا الفكر الإسلامي مادام العمر ممتدا بنا , إن شاء الله , العلم النافع والفكر القويم 15 يونيو عام 1193م, يوافق الذكري الثالثة لوفاة رائد من رواد الفكر الإسلامي والوطنية المصرية , والوحدة الإسلامية , ومجاهد صلب وقف ضد أعداء الإسلام .

وواجه رياح التغريب الفكري وأعاصير التحلل الخلقي ومؤامرات الفساد السياسي ومفكر إسلامي كبير وأصيل صاحب همة لا تعرف الملل عالم لا يخشي في الحق لومه لائم ضليع في مصطلح الحديث والفقه والنحو والصرف والمنطق والأصول وهب عقله وقلبه وقلمه لقضية تربية الناشئة والشباب وإيقاظ أصالة شعب مصر الإسلامية في حركة بعث إسلامي أصيلة من خلال ( الكلمة المنطوقة) و( الكلمة المكتوبة) رغم وطأة القهر والحصار من الحكام الجهلائيين!!

هذا الرائد هو شيخنا فضيلة العالم الجليل ( أحمد عيسي عاشور ) , نعم .. إنه اسم قد لا يعرفه في العالم العربي كثيرون ومع ذلك فهو بمؤلفاته العلمية , ذلك الفقيه العالم الداعية الإسلامي الكبير وأحد علماء الأزهر البارزين في مصر المعاصرة والذي يعتبره المفكرون المعاصرون : أحد القلائل الذين مهدوا لحركة البعث الإسلامي في مصر المعاصرة خلال الثلاثينات والأربعينات من هذا القرن بثورة فكرية إسلامية واعية إصلاحية سلفية من خلال مجلته التي أصدرها في عام 1938, الاعتصام الإسلامية هذه الحركة قامت على أساس من فهمه العميق للعقيدة الإسلامية وتجارب إخوانه المجاهدين السلفيين أمثال الإمام ابن تيمية, والإمام عبد الحميد بن باديس , وغيرهم .

فقد كان الشيخ ( أحمد عيسي عاشور) خلال عمره المديد قد التقي بالعشرات من أعلام الفكر الإسلامي والوطنية والحرية في مصر وفي خلال أسفاره الكثيرة لدول الشرق الإسلامي والمغرب العربي فكان رفيقا للإمام الشهيد ( حسن البنا) المرشد العام للإخوان المسلمين ومدونا لكل أحاديثه وآرائه وفكره الإسلامي العميق , طوال أربعينيات القرن العشرين , ومن قبل كان شيخنا الجليل يمثل وبحق لسان الإمام ( محمود خطاب السبكي) إمام أهل السنة في مصر المعاصرة ومؤسس الجمعية الشرعية وإلى جانب ذلك .

التقي والإمام( عبد الحميد بن باديس ) مؤسس جمعية العلماء الجزائرين المسلمين, وصاحب الحركة الإصلاحية السلفية في الشمال الأفريقي, في عام 1939 قبيل وفاته بعام واحد , وفوق كل لذك قرأ شيخنا ( أحمد عيسى عاشور ) آثار الإمام ( محمد بن عبد الوهاب ) إمام الحركة السلفية الإصلاحية في شبه الجزيرة العربية والأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وكون الشيخ ( أحمد عيسى عاشور ) فكرة واضحة عن العمل النافع حيث وجد جوهر الجهاد ضد أعداء الدين الإسلامي الذين كانوا جاثمين على صدر الأمة المصرية في ذلك الوقت من دعاة التغريب الفكري ومروجي التحلل الخلقي وغيرهم يكمن في ( التربية الروحية والاجتماعية لناشئة وشباب الأمة المصرية وتحرير الفكر الإسلامي من شوائب التقليد والبدع والخرافات.

لقد اختار شيخنا الجليل جانب أمته المقهورة بوعي وكان صادق الإيمان بالعمل لأمته وشبابها بمنهج سلفي يستمد أصوله من الكتاب والسنة جاهد من أجل الدفاع عن كيان مصر الإسلامية , والمحافظة على مقومات شخصيتها الإسلامية وأخذت حركته طريقها إلى ( المنابر) والصحف والمجلات الإسلامية ( كالفضيلة) و( المجلة الشرعية ) ثم في الاعتصام التي أصدرها بنفسه في عام 19387.

هذه الدوريات الإسلامية , التي كان لها دور إيجابي في زعزعة الفكرة الشيوعية والإلحادية في وجدان الشباب المسلم ثم كانت مؤلفات شيخنا الجليل – يرحمه الله – تمثل إثراء لحركة جهاده الإسلامي ضد ( التغريب الفكري ) و( أعاصير التحلل الخلقي) و( مؤامرات الفساد السياسي) والتي نذكر منها : (الفقه الميسر) و( الدعاء الميسر) و( حكم تارك الصلاة ) و( حكم تارك الصيام) و( الحج) و( بر الوالدين) و( المتفرقات ) و( الأذان وما يدور حوله ) وغيرها .

وهذه المؤلفات الإسلامية كانت تستهدف في فكر شيخنا ( أحمد عيسي عاشور ) تأصيل السلفية الواعية في قلب أتباع الإسلام المصريين ولقد تحمل في سبيل ذلك العنت والاضطهاد والحصار ومع ذلك لم يضع سلاحه, وظل صامدا يدافع عن الإسلام والمسلمين ليس في مصر وحدها وإنما في كل بقاع العالم حتي توفاه الله .

مولده ونشأته ومنابعه الفكرية

( 1899- 1931م):

ولد الشيخ ( أحمد عيسي) في ليلة السابع من شهر مايو عام 1899م بقرية ( الشنباب) من أعمال مركز مديرية الجيزة وشب في أسرة ريفية متدينة فوالده هو الحاج ( عيسي عاشور ) أحد كبار تجار ومزارعي مديرية الجيزة في ذلك الوقت وكان والده فوق ذلك رجلا ورعا وتقيا ومعروفا بين أهل بلدته بالصدق والأمانة وهما رأسمال التاجر الناجح والمزارع المجد .

وقد نشأ الصبي ( أحمد عيسي ) كما ينشأ كثير من أبناء جيله فلم يكن بالقري ولا معظم المدن الكبري في مصر مدارس فألحقه والده بكتاب القرية حيث تعلم مبادئ الكتابة والقراءة والحساب وهي مرحلة تمهيدية لحفظ القرآن الكريم فحفظ منه وهو في الخامسة عشر من عمره أكثر من نصفه بقليل . تقريبا !!

وبعد أن أتم الصبي ( أحمد عيسي) هذه المرحلة في عام 1914م ونشبت ( الحرب الكبري – العالمية الأولي ) اتجه الصبي مضطرا إلى العمل بالنشاط الذي كان يعمل به والده فعمل في مجالات الزراعة والتجارة فورث شهرة والده ( الصدق والأمانة) ولكن لما بلغ الصبي من العمر السادسة عشر كانت هناك في حياته نقطة تحول كبيرة فقد تصادف أن زار قريته في عام 1916 م أحد فضلاء المشايخ من علماء الأزهر البارزين وكان الرجل زائرا لأقربائه بالقرية فتعرف عليه ( أحمد عيسي) وأنس منه تشجيعا غير عادي على ضرورة مواصلة تعليمه خاصة بعد أن أنسته المشاغل التجارية وغيرها رصيده الهائل من محفوظاته القرآنية.

فأقبل ( أحمد عيسي)* على تجديدها وواصل سبيله في حفظ الكتاب الكريم وجوده آخر من والده – في هذه الفترة – تشجيعا متميزا أخر ضاعف من رغبته وجهوده في مواصلة دراسته والالتحاق بالأزهر والذي كان يمثل رمزا لأعلي الدرجات العلمية لا في مصر وحدها وإنما في كل العالم الإسلامي ولم يمضي عام على هذه الحادثة والتي كانت كما قلنا – نقطة تحول كبيرة في حياته حتي كان الشاب ( أحمد عيسي) في عام 1917 قد صار طالبا للعلم بالأزهر الشريف في الثامنة عشر من عمره وصبر نفسه على الدراسة واجتهد لنفسه في البحث عن أساتذته ودروسه ثم أغناه وجود الشيخ ( أمين محمد خطاب السبكي ) الذي كان يعرفه جيد المعرفة ويقوم بالتدريس له علوم الحديث في المرحلة الجامعية – عن المعلمين فيما يحتاج إلى المعلم وأغناه ذكاؤه وجلده وصبره عن الكتب المفيد حيث أصابه فيقرأ لنفسه ويجني منه ما يجني من الفائدة في زمن وجيز وكثيرا ما يكون الكتاب من غير الكتب المقررة لدراسة القاعات أو الحلقات فقرأ كتب المعتزلة والمتكلمين ووقف على عثراتهم فكان بذلك تلميذ متميزا عن أقرانه طوال فترة دراسته الأزهرية الجامعية.

كما شهدت هذه الفترة الممتدة من عام 1918 وحتي عام 1930 تأثره وبشكل مباشر بالإمام الشيخ ( محمود خطاب السبكي) إمام أهل السنة في مصر المعاصرة ومؤسس الجمعية الشرعية وبفكره الإسلامي السلفي ويقول الشيخ ( أحمد عيسي عاشور) عن هذه المرحلة : " ومما شدني إليه – يقصد الشيخ السبكي – أنه صلي الله عليه وسلم, المطهرة ويقف في وجه البدع والخرافات التي كانت شائعة في حواضر مصر وقراها خلال تلك الفترة – أيضا بالعالم الجليل الشيخ ( علي ندا) والذي يقول عنه ( أحمد عيسي): " كان يدرسنا علوم اللغة العربية : بطريقة : محببة إلى النفس شدت إليه انتباه الطلاب ورغبتهم في مادته وغيرهم كثيرون من علماء الأزهر تركوا بصمات واضحة في فكر ووجدان شيخنا.

والحقيقة أن هؤلاء العلماء والمشايخ لم يكونوا حملة علم ينقلونه إلى تلاميذهم فحسب بل كانوا إلى جانب ذلك رموزا طيبة من الأسوة الصالحة يؤدون عملهم في التدريس بنية التقرب إلى الله سبحانه وتعالي وبهذا جمعوا بين التعليم والتربية ما يفعل الوالد الصالح في تزويد أولاده بالرعاية الخالصة والتوجيه النافع في تزويد أولاده بالرعاية الخالصة والتوجيه النافع السديد فتتوثق العلائق بينهم وبين تلاميذتهم كما تتوثق بين الولد البار ووالده الحكيم .

وفي هذا المناخ العلمي التربوي الأصيل تأصلت في وجدان الطالب الأزهري ( أحمد عيسي) مفاهيم ومبادئ الإسلام الحنيف حتي غدت لغة حواره مع أقرانه وأساتذته لغة متميزة لها خصوصية الالتزام علما وخلقا والحضور بالكتاب والسنة : الأمر الذي جعل المسئولين في عام 1927 يسندون إليه وهو ما يزال طالبا في دراسته بالأزهر وظيفة المأوذنية في بلدته ( الشنباب) .

وقد ظل يمارس هذه الوظيفة قرابة ثلاثة وعشرين عاما .

وخلال هذه المرحلة رأي ( أحمد عيسى عاشور ) – حيث كان ما يزال طالبا بالأزهر – أن العمل الصحفي وسيلة إيجابية للدعوة الإسلامية فشارك في تحرير مجلة ( الفضيلة ) الإسلامية بعد أن سعي رئيس تحريرها ( علي عبد الرحمن الحسيني ) إليه والتقي به وتم بينهما التعاون على المشاركة في تحريرها فأقبل الشيخ ( أحمد عيسي ) على هذا النشاط الدعوي برغبة جادة إلى الحق والخير ولما ذاع صيته , وعرف بحماسته الشديدة للدعوة الإسلامية صار يمثل أنموذجا لشباب الدعوة الذين يرجون أن يحققوا لدعوتهم غاية النجاح والتوفيق , اجتذبت قلمه ( المجلة الشرعية ) فراح يكتب على صفحاتها داعيا وموجها وناصحا صادقا أمينا حتي عام 1938م.

وكانت تلك الفترة الواقعة بين عامي 1927 و1931 من أخصب المراحل الفكرية في حياة الشيخ ( أحمد عيسي) حيث صار له أسلوب متميز في مجال الدعوة الإسلامية من خلال ( الكلمة المكتوبة) وسوف ينعكس ذلك فيما بعد على مهنجه في مجال الدعوة وأسلوبه من خلال ( الكلمة المنطوقة ) خاصة يوم أن يعتلي ( المنبر ) داخل المسجد داعيا إلى الله وسنة نبيه الكريم صلي الله عليه وسلم .

على كل حال .. تقدم الطالب ( أحمد عيسى عاشور ) في عام 1931إلى امتحان ( شهادة العالمية) وهو يحمل هذا الرصيد من الشهرة الطيبة في مجال الدعوة الإسلامية وكان عمره في ذلك الوقت 32 سنه حين دخوله الامتحان , وإحرازه شهادة ( العالمية النظامية) من الأزهر الشريف وهكذا تخرج شيخنا ( أحمد عيسى عاشور ) في الأزهر الشريف فأجاد علوم الحديث والفقه واللغة والأدب والنحو والبلاغة .

وبعدها اشتغل شيخنا الجليل ( أحمد عيسى عاشور ) :

بالإمامة والخطابة في عدة مساجد من قبل وزارة الأوقاف المصرية كان آخرها مسجد ( محمد على باشا) بقلعة ( صلاح الدين ) بالقاهرة .

وخلال هذه الفترة كان شيخنا خطيبا مفوها نقل إلى مستمعيه من الشباب والشيوخ عبر هذه المساجد أصول الإسلام الحنيف عبادات ومعاملات وكان مفسرا شارحا لكتاب الله العزيز وسنة نبيه المطهرة بلغة بسيطة تتوافق والعصر الذي كانوا يعيشونه فكانت شروحه وتفاسيره تدخل القلب والعقل في آن واحد فنقلت بعض الدرويات الإسلامية المعاصرة خطبه وشروحاته وتفاسيره وله في ( تفسير القرآن الكريم) باع طويل لا يسعفنا الحديث عنه في هذه الدراسة البسيطة.

سمات العصر الذي عايشه شيخنا

(1931- 1945)

كانت أوضاع الأمة الإسلامية في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين للميلاد تشبه حالة تائه ضل طريقه ونفذ زاده وأوشك على الهلاك في صحراء منقطعة أو تشبه حال إنسان أوشك على الغرق في بحر متلاطم عميق بعد أن نفذت قدرته وشلت عزيمته واستسلم للأمواج أو تشبه حالة إنسان أحاطت النيران بداره وليس له صلة في إخمادها أو مريض يئس من الشفاء بعد أن جرب كل دواء!!

كان هذا بعد أن تمكن ( مصطفى كمال أتاتورك) أحد أبناء " يهود الدونمة من ضرب وهدم الخلافة الإسلامية ومن أشهر يهود الدونمة قبل ( مصطفي كمال ) هذا , كان ( مدحت باشا ) الذي صار صدرا أعظم للدولة العثمانية الإسلامية وتنقل في حكم ولايات عثمانية عديدة منها ( سورية) ثم دبر مؤامرة خلع ( السلطان عبد الحميد) ومؤامرة اغتياله , بعد ستة أيام من خلعه وقد ثبت أن ( مدحت باشا ) هذا هو ابن حاخام يهودي مجري , اشتهر بالمكر والخداع والدهاء فوصل إلى أعلي مناصب الدولة الإسلامية ليكون أقوي متظاهرا بالإسلام ومبطنا يهوديته الحاقدة الماكرة!!

ثم قفز أعداء الإسلام وهم طواغيت الصليبية العالمية لتقطيع الأفكار والسلوك والعادات والتقاليد وكل شئ لهم كان يقوم على مادية حقيرة واستغلال دنئ, ومكر يهودي / صليبي حقود.

وفي وسط هذا المناخ المظلم ارتفع صوت الإسلام مرة أخري ينقذ التائه وينتشل الغريق ويطفئ النار ويأخذ بيد المريض ويداويه.

صوت ينادي الأمة من جديد يبعث فيها الأمل ويردها إلى قرآنها وتاريخها وحضارتها وأصالتها وقد جاء صوت الإسلام هذه المرة في شكل تيار الحركة السلفية التي أخذت أوج ازدهارها في مصر في ذلك الوقت على يد لفيف من العلماء المصريين كان أبرزهم الإمامان الجليلان.

( حسن البنا) و( محمود خطاب السبكي ) الأول قاد الحركة من خلال جماعة الإخوان المسلمين) التي تأسست في عام 1927م بمدينة ( الإسماعيلية ) والثاني قادها من خلال ( الجمعية الشرعية ) التي تأسست في عام 1912 بمدينة ( القاهرة)

وفي هذا المناخ استطاع شيخنا ( أحمد عيسى عاشور) ان يغمر نفسه المتوثبة في تيار الحركة السلفية التي كانت في أوج ازدهارها, في ذلك الوقت فكانت له ( مدرسته الخاصة) في الدعوة والإصلاح وكان له في نفس الوقت علاقات وطيدة ووثيقة بالإمامين ( محمود خطاب السبكي), ( حسن البنا) بل كان شيخنا واصلا للجسور بين الجماعتين العاملتين في حقل الدعوة والإصلاح إلى جانب ( مدرسته ) التي التفت حول مجلته الاعتصام الإسلامية . كما كان شيخنا الجليل – يرحمه الله – رفيقا للإمام الشهيد ( حسن البنا) وخاصة بعد وفاة الإمام ( محمود خطاب السبكي ) في 7 يوليو عام 1933 حيث كان شيخنا الجليل أول من نقل ( حديث الثلاثاء) للإمام الشهيد ( حسن البنا) إلى القراء في مصر والعالم العربي عبر مجلته الاعتصام عام 1940 في الوقت الذي لم يكن فيه أجهزة تسجيل هذه الأحاديث التي كان إمامنا الشهيد ( حسن البنا) يلقيها في ( دار الإخوان المسلمين ) بالحلمية الجديدة بالقاهرة .

وقد حرص شيخنا ( أحمد عاشور ) كل الحرص على إقامة ومد كل الجسور بين ( الجمعية الشرعية) التي كان وكيلا لها وبين ( جماعة الإخوان المسلمين ) ومهد لكثير من مجالات التعاون على البر والخير بين الجماعتين وسوف نعرض لتفاصيل ذلك في موضعه .

علاقة شيخنا بالإمام ( محمود خطاب السبكي ) والجمعية الشرعية

منذ أن كان شيخنا ( أحمد عيسي) طالبا للعلم بالأزهر الشريف خلال الفترة ( 19171933) وما بعدها وهو متأثر بفكر إمام أهل السنة ومؤسس الجمعية الشرعية ومنهجه في الدعوة التي كانت تقوم في أساسها على الكتاب والسنة ولما كان الوعظ والإرشاد من أهم أهداف هذه المدرسة الإسلامية الدعوية واقتضي ذلك أن تشرع الجمعية في اختيار وعاظ ومرشدين يقومون ببث التعاليم السلفية بين المسلمين بعد تزويدهم بالمؤهلات الضرورية للداعي إلى الله , وقد عهد مجلس إدارتها ( اللجنة التحضيرية ) إلى فضيلة الإمام المؤسس مهمة اختيار الوعاظ وتدريبهم على الطريقة المثلي في تأدية مهمتهم السامية .

فكان ( أحمد عيسى عاشور وهو ما يزال طالبا للعلم بالأزهر ذلك الشاب الممتلئ حماسة دينية متميزة واحد من القلائل السامية ودون أن يخضع لعملية التأهيل والتدريب باعتباره كان مؤهلا تأهيلا خاصا فقد كان شيخنا قد نهل من منابع فكرية إسلامية أصيلة ولذلك طلب إليه في عام 1927م أن ينضم إلى فريق العمل الدعوي ب ( مجلة الجمعية الشرعية) مجاهدا بقلمه على صفحاتها التي كانت تصل إلى معظم أنحاء العالم العربي وقد استمر شيخنا داعيا للدين الحنيف بالكلمة المقروئة من خلال ( مجلة الجمعية الشرعية) حتي عام 1938م وخلال هذه الفترة ( 1927-1938) التي عمل فيها شيخنا ( أحمد عيسي عاشور ) داعيا للإسلام من خلال هذه الدورية الإسلامية ( مجلة الجمعية الشرعية ) , كان بليغا إذا كتب أمينا إذا نصح فقيها إذا شرح يواصل العمل دون ضجر أو ملل ولذلك توطدت العلاقات بينه وبين الإمام السبكي وكذا كل القائمين على أمر ( الجمعية الشرعية ) .

وبعد وفاة إمام أهل السنة في مصر المعاصرة عام 1933 خلفه في إدارة ورئاسة ( الجمعية الشرعية) ابنة الأستاذ ( أمين محمود خطاب السبكي ) فتوثقت العلاقات بينه وبين شيخنا ( أحمد عيسي عاشور ) خاصة بعد أن أصدر مجلته الاعتصام في عام 1938 وكانت ثقة ( أمين خطاب ) كبيرة جدا في شيخنا ( أحمد عيسي ) حتي عندما وشي به بعض الحاقدين على شيخنا ( أحمد عيسي ) عند ( أمين خطاب ) قائلين له : إن الشيخ أحمد عاشور ينشر في مجلته الاعتصام –وهي مجلة الجمعية الشرعية - ملخصا أسبوعيا لمحاضرات الإمام حسن البنا مرشد الإخوان المسلمين ولكن الوشاية لم تجد مكانها في وجدان الشيخ ( أمين خطاب )

لثقته الكبيرة في أخلاق شيخنا كما وأن الشيخ (محمود عبد الوهاب فايد) والذي كان رفيقا للشيخ ( أحمد عيسي ) قال عنه " كان الشيخ أحمد عيسى عاشور حريصا على تأليف قلوب المسلمين يتحمل من أجل نشر دينه ويضحي بجهده وماله "

وكان الشيخ ( محمود فايد) وما يزال علما من أعلام الفكر والدعوة الإسلامية السلفية في مصر المعاصرة أحد قيادات ( الجمعية الشرعية ) البارزين خلال الفترة التي تولي فيها الإمام ( أمين خطاب ) وهكذا توطدت العلاقات الوثيقة القائمة على الود والثقة المتبادلة بين شيخنا ( أحمد عيسي) وقيادات ( الجمعية الشرعية ) حتي جاء الوقت الذي اختير فيه وبالإجماع ( أحمد عيسي عاشور ) وكيلا لمجلس إدارة ( الجمعية الشرعية ) فقام بمهام عمله على الوجه الأكمل ثم كلف ( أحمد عيسي عاشور ) رسميا بالقيام على شئون الفتوي فيها وفي عام 1945 اختاره مجلس إدارة الجمعية الشرعية بالإجماع ليكون رئيسا لبعثة الحج التي كانت الجمعية تبعثها سنويا وتتولي الإشراف عليها ومنذ ذلك الوقت صارت الاعتصام تلك الدورية الإسلامية الهامة في تاريخ الصحافة الإسلامية والمصرية المعاصرة منبرا عاليا للجمعية الشرعية المصرية كما هي منبر لمدرسة احمد عيس عاشور السلفية , كما صار شيخنا الجليل " اللسان للإمام الشيخ محمود خطاب السبكي ذلك الإمام الذي أحيا السنة لا في كتب تقرأ فحسب ولا في حلقات تدار للعلم ويجتمع فيها الناس ولكنه نشر السنة سمتا وهديا وحيا وسلوكا .

وهذه العلاقة التي كانت قائمة , بين شيخنا الجليل وهذه العلاقة التي كانت قائمة بين شيخنا الجليل ( أحمد عيسي – يرحمه الله , وبين قيادات الجمعية( الجمعية الشرعية) والتي تطورت إلى كسب الشيخ ( أحمد عاشور ) إلى عضوية الجمعية ثم إلى أحد قيادتها البارزين ومع ذلك لم ينفرط عقد ( مدرسة عاشور ) السلفية وإنما ظلت قائمة إلى جانب ( الجمعية الشرعية ) يعملان معا وفي تعاون صادق ومخلص في حقل الدعوة الإسلامية والحركة الاصلاحية .

علاقة شيخنا بالإمام الشهيد ( حسن البنا ) و (جماعة الإخوان المسلمين)

وكما كانت علاقة شيخنا بالإمام السبكي والجمعية الشرعية كانت علاقته بالإمام الشهيد ( حسن البنا ) تقوم على الود والتعاون من أجل إعلاء كلمة الله العليا فقد كان ( أحمد عيسي عاشور ) رفيقا للإمام الشهيد المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين خلال الفترة من ( 1930 وحتي قبيل استشهاده) سجل كلامه وحفظ علمه وورث بيانه , ودونه للناس علي حين غفلة من مصر ...

يقول شيخنا في هذا الصدد :"لقد تعرفت خلال سني حياتي المبكرة إلى شخصيات إسلامية جليلة , ممن كان لهم عميق الأثر في نشر الدعوة الإسلامية وإصلاح المجتمع المصري وتنبيه للأخطار التي تحيق به من كل جانب وكان في مقدمة هؤلاء الأجلة الإمام الشهيد ( حسن البنا) – يرحمه الله سعت عنه قبل أن ينتقل بدعوته من ( الإسماعيلية) إلى ( القاهرة) ....داعية من دعاة الإسلام الأفذاذ ... له قدم ثابتة في نشر الدعوة الإسلامية ثم التقيته في القاهرة وحضرت الكثير من محاضراته التي كان يلقيها في ( دار الإخوان المسلمين ) بالحلمية الجديدة بالقاهرة مساء كل ثلاثاء حتي عرفت – فيما بعد – بحديث أو عاطفة الثلاثاء كما يحب هو أن يسميها ..

وكان هذا اليوم من كل أسبوع مشهودا يحتشد فيه الآلاف من أنحاء القطر المصري من ( الإسكندرية إلى أسوان) بل ومن خارج مصر , ليستمعوا إلى ذلك الصوت الذي تتمثل فيه قوة العاطفة وسحر البيان ويعتمد الحقائق وحدها , فيستجيش المشاعر ويلهب الأرواح ويتغلغل إلى أعماق الوجدان ... وكنت أحد الحراص على حضور تلك الأحاديث حتى جعلت أسجلها بقلمي وكان ذلك خلال الفترة من ( 1938 حتى 1942) م وبالتحديد في عام 1940 إذ لم يكن قد عرفوا بعد ( أجهزة التسجيل الصوتي ) ثم توليت بنفسي – بعد ذلك – نشرها على الناس في مجلة الإعتصام ) وظللت على ذلك طوال حياة الإمام حتي قبيل استشهاده – برحمه الله – وبعد مبادرة شيخنا ( أحمد عيسي عاشور ) بنشر أحاديث الثلاثاء ) للإمام ( حسن البنا ) عام 1940م في مجلته الاعتصام الإسلامية وإقبال القراء على المجلة وبشكل متميز اقترح أحد الإخوة المشرفين على تحرير (مجلة الإخوان المسلمون آنذاك أن ينشر ( حديث الثلاثاء ) في مجلة الإخوان أسوة بالاعتصام , ولكن الإمام الشهيد رفض الاقتراح وقال " لقد جاء الاقتراح متأخرا !!" فقد سبقكم إلى ذلك الشيخ أحمد عاشور بارك الله فيه .

وهكذا توطدت الصلة بين شخنا ( أحمد عيسي عاشور ) وبين الإمام الشهيد ( حسن البنا) بل وصلت قوة ومتانة العلاقة بين الشيخين إلى نقطة هامة جدا وهي :" أن الإمام حسن البنا كان يقدم أحمد عاشور ويطلب إليه أن يصلي بالناس إماما في حضوره وداخل دار الإخوان المسلمين ويقول ( أحمد عيسي عاشور) عن هذه النقطة , فكنت أمتنع حياء منه وإكبارا له ..

فكان – يرحمة الله – يقول لي :( صل بالأمر ) فلا يسعني إلا امتثال الأمر نزولا على إرادته وكان وصول العلاقة بين الشيخين إلى هذه النقطة الهامة لدليلا قويا على اعتراف الإمام الشهيد ( بمدرسة عاشور السلفية ) وفي نفس الوقت كان شيخنا يمثل قيمة فكرية وتربوية عند جماعة (الإخوان المسلمين ) وهذه حقيقة مؤكدة فالصفات والخصال الحميدة التي كانت متأصلة في وجدان شيخنا ( أحمد عيسي ) وعلمه الوافر وتواضعه الجم كانت بالفعل هي أدواته التي جعلت منه هذه القيمة العظيمة عند الإمام الشهيد وجماعة الإخوان المسلمين لقد كان ( أحمد عيسى عاشور ) علما من أعلام مصر الإسلامية بعلمه وفقهه كما كان هذا الرجل نورا يشع فيمن حوله " " فسر القرآن الكريم ونشر العلم والحديث ودعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وعاش حياته داعية إلى الله عزوجل برفع هذه العمامة البيضاء الشريفة, ويفتح هذه الكتب الصفراء العظيمة التي انصرف عنها الناس وفيها الخير والهداية وفيها الطريق المستقيم لمعرفة الله العظيم .

وعن خصال شيخنا الجليل يقول العالم الإسلامي المعروف محمود عبد الوهاب فايد لقد عرفت في ( أحمد عيسى عاشور ) من خصال الخير مالا يعرفه أحد من الناس .. ويشهد له كل من خالطه بأنه كان تقيا صالحا ورعا لين الجانب كريم الخلق طيب النفس طاهر القلب نقي السريرة قوي الإيمان جواد سخيا .. كانت الدنيا في يده وليست في قلبه ... كان حسن المعاملة حتي مع خصومه لا يضمر لأحد سوءا ولا يكن لهم شرا يقابل أذاهم بعفوه ويرد إساءتهم بإحسان وفي عام 1945م وفق الله شيخنا ( أحمد عيسي عاشور ) لأداء فريضة الحج وهناك في البلد الحرام والأرض المقدسة تقابل مع الإمام الشهيد ( حسن البنا) وتزاملا الشيخان خلال أداء المناسك فالعلاقة قوية وطيدة ومكانة شيخنا العلمية والفقهية معروف قدرها لدي الإمام الشهيد .

يقول شيخنا الجليل في هذه المناسبة لبعض محاضرات الإمام الشهيد التي كان يلقيها في فندق ( مصر ) بمكة المشرفة مع رؤساء الوفود الإسلامية بدعوة من فضيلته كما استمعت لمحاضراته ب( مني) و( المدينة المنورة ) بدار الحديث لقد كانت وفود المسلمين تتقاطر في أى مكان ينزل فيه الإمام الشهيد وفود من ( أندونيسيا وسيلان والهند وجاوة ومدغشقر ونيجيريا والكاميرون وإيران وأفغانستان ) وهو مع كل وفد منهم كان يتحدث عن أمور هي مصدر اهتمامهم.. يحدثهم عن قضاياهم ومشاكلهم فيبهرهم وكأنه قادم من بلادهم وليسوا هم القادمين عليه "

وقد كان شيخنا الجليل ( أحمد عيسى عاشور ) – يرحمه الله – حريصا كل الحرص على تسجيل معظم هذه المحاضرات والندوات والتي كان يلقيها ويعقدها الإمام الشهيد ( حسن البنا) خلال رحلته إلى الديار المقدسة ثم تولي بنفسه نشرها – فيما بعد – على صفحات مجلته الاعتصام الإسلامية لأن الشيخ ( أحمد عاشور ) كان يري فيما يقوله الإمام الشهيد حقائق من شأنها أن تتأصل في وجدان الأمة .

هذه هي لمحة عن العلاقة بين شيخنا الجليل وبين الإمام الشهيد ( حسن البنا) الذي ربي الأجيال الإسلامية في مصر المعاصرة مع غيره من الرواد على مائدة الإسلام بأسلوب عصره والذي يتمثل الآن في المد العالي المشهود للحركة الإسلامية التي وضع بيده ودمه بذورها الأولي ويقول الشيخ الجلي في هذا الرجل :" وإذا كان الإمام الشهيد ( حسن البنا) قد مات فإن فكره لن يموت وتأثيره باق وممتد ( وحسن البنا ) بعد كل هذا ... هو مجدد الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري .

هذه كلمات صدق وحق في رفيق الجهاد من أجل نشر دين الله .

لقد عمل شيخنا ( أحمد عيسي عاشور ) خلال تلك الفترة على إقامة ومد كل الجسور بين الجمعية الشرعية ) – التي كان وكيلا لها – وبين ( جماعة الإخوان المسلمين) بل ومهد لكثير من مجالات المودة والتعاون على البر والخير بين الجماعتين وكان هذا السلوك الإسلامي الواعي من جانب الشيخ ( أحمد عاشور ) نابعا من وعيه العميق بمشاكل العصر وقضاياه وبضرورة وحدة النهل ووحدة النبع ووحدة الغايات والهداف والحرص على سمو السبل والوسائل خاصة وأن ظهور الصحوة الإسلامية وانتشار المد الإسلامي كان قد تزامن آنذاك في مواجهة أكثر من عدو وعلي أكثر من جبهة ..

حيث كانت مصر تموج بتيارات صليبية وتغريبية ويهودية متباينة تمثلت في رياح التغريب الفكري والتحلل الخلقي وعمليات التنصير الصليبية ومؤامرات الفساد السياسي كل ذلك كان وراء الوعي العميق الذي كان يحمله شيخنا في فكره ووجدانه في كل وقت وكل مناسبة وكل ذلك هو الذي كان وراء إحساس شيخنا وفي مختلف مواقفه وفي شتي المناسبات بعظم المسئولية وأهمية وضرورة التنسيق والتعاون بين المؤسسات الدعوية والإصلاحية لتحقيق مفهوم التكامل وفي الإسلام العقيدة والشرعة ونظام الحياة وقد توافق الوعي العميق بهموم أمة الإسلام في مصر والدعوة الإسلامية عند شيخنا في ذلك الوقت بما جاء في رسالة ( المؤتمر الخامس ) لجماعة الإخوان المسلمين حين قال فيها الإمام الشهيد ( حسن البنا) ما نصه :

أحب أن أوضح عن موقف الإخوان المسلمين من الهيئات الإسلامية في مصر .. ذلك أن كثيرا من محبي الخير يتمنون أن تتجمع هذه الهيئات وتتوحد في جمع إسلامي يرمي عن قوس واحدة .. وذلك أمل كبير وأمنية عزيزة يتمناها كل محب للإصلاح والإخوان المسلمون يرون أن هذه الهيئات على اختلاف ميادينها تعمل لنصرة الإسلام ويتمنون لها النجاح ولم يفتهم أن يجعلوا من منهاجهم التقرب منها والعمل على جمعها حول الكلمة الواحدة .

وكأن الإمام الشهيد ( حسن البنا) كان يوجه هذا المديح وذلك الثناء لشيخنا الجليل ( أحمد عيسي عاشور ) على جهوده المخلصة في إقامة ومد جسور التعاون الصادقة المخلصة بين ( الجمعية الشرعية) وبين ( جماعة الإخوان المسلمين) من ناحية وبين ( مدرسة عاشور السلفية) وبين كافة الهيئات والمؤسسات الدعوية والإصلاحية في مصر كلها من ناحية أخري .

هكذا كان الشيخ ( أحمد عيسي عاشور ) ومدرسته السلفية رمزا للوحدة الإسلامية في العمل الدعوي فعندما سئل الإمام الشهيد ( حسن البنا) عن الإخوان المسلمين و( الجمعية الشرعية ) قال الإمام :" الإخوان المسلمون هم المدرسة الابتدائية والجمعية الشرعية تمثل الجامعة والمرحلة المتخصصة ... وعندما يسئل مرة أخري عن المسافة بين (الإخوان المسلمين ) وبين ( الجمعية الشرعية) فيجيب الإمام الشهيد :" إنها المسافة بين ( الدرب الأحمر ) و( الخيامية) وهذا دليلا على القرب والتلاصق .. في المنهج والسبيل والأهداف السامية .

وبذلك كانت الصلات الطيبة القائمة بين ( جماعة الإخوان المسلمين ) و( الجمعية الشرعية ) بفضل جهود شيخنا الجليل – يرحمه الله – الذي سخر عقله وقلمه التفاهم والحوار الهادئ وصولا إلى الحقيقة الإيمانية .

فالذين لم يطلعوا على مؤلفات الشيخ ( أحمد عيسى عاشور ) الكثيرة المنشورة و( غير المنشورة) وبياناته ومقالاته في الدوريات الإسلامية المصرية و( الفضيلة) و( الجمعية الشرعية) والاعتصام وهي مجلات إسلامية كانت تصدر خلال الفترة من ( 1913 وحتي يومنا هذا !!) يحسبون أنه كان محدود الذهن والتفكير قليل العلم وأن كل علمه ينحصر فيما تلقاه من علوم الدراسة بالأزهر الشريف والحقيقة غير ذلك فقد كان شيخنا ( أحمد عاشور ) بحرا في العلم مثقفا ثقافة واسعة ذا ذهن متوقد وذكاء فطري وعبقرية ومن أكابر العلماء الفاهمين المجددين الصالحين المصلحين.

درس القرآن الكريم بعد أن استظهره على مراحل ووقف على تفسيره وعرف حلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله وخاصة وعامه وأقضيته وأحكامه وأسراره وحكمه ولم يكن وقوفه على تفسير واحد بل اطلع على ألوان متباينة في التفسير وتخير منها ما رآه متفقا مع الحق كره تفسير أهل الباطن ومؤوله وبعض المتصوفين المتصوفين – الذين يتخذون الأوهام والأضاليل في تفسير آيات الله البينات واستوعب الصحيحين والأمهات والمستدركات والمسانيد في الحديث وفهم الحديث فهما صحيحا سليما كما فهم القرآن الكريم .

ودرس المذاهب الأربعة وغيرها من مذاهب أهل السنة كما درس مذاهب غيرهم كالشيعة والدورز ولم يفته ( علم الكلام) فقد درسه واتخذ معه سبيل أهل السلف الصالح والخلف الطيب فاستنكر مصطلحات علماء الكلام وأسلوبهم في النفي والإثبات تلك المصطلحات المستحدثة التي نقلت إلى البيئة الإسلامية في مصر في ذلك الوقت من بيئة الصليبية والوثنية اليونانية واستنكر طريقة الكلاميين في الجدل والمنطق لأنها مزلقة ومضلة وكان شيخنا – يرحمه الله – يري في طريقه الوحي غناء عن تلك الطريقة فأسلوب القرآن الكريم في النفي والإثبات ومجادلة المنكرين والشاكين هو الأسلوب الحق الذي يعتمد على العقل والوجدان ولم يرض – يرحمه الله – عن أى منطق آخر اعتمده الكلاميون .

آثار شيخنا العلمية والفكرية

والحق يقال أن هذه المنابع الفكرية وغيرها التي استقي منها شيخنا علومه ومعارفه هي أيضا التي فجرت لديه طاقات العطاء في مؤلفاته الإسلامية الكثيرة فقد خلف لنا – يرحمه الله – من آثار علمية ما يدل على منهجه القويم في التوحيد وتشبثه بمنطق القرآن الكريم دون أن يتخذ كغيره مصطلحات أو أساليب لم يعرفها الإسلام .

ويمكننا أن نجمل مؤلفاته العلمية وعطاءاته الفكرية فيما يلي :-

1- ما سطره قلمه الحر من بيانات ومقالات وتعليقات على الأحداث في ديار المسلمين وتفسيره القرآن الكريم في الدوريات الإسلامية التالية ( مجلة الفضيلة ) خلال الفترة من ( 1928 وحتى 1933).

(مجلة الجمعية الشرعية ) خلال الفترة من 1931 وحتى 1938 ثم مجلة الإعتصام ) خلال الفترة من ( 1938 وحتى 1985).

2- دروسه ومحاضراته الإسلامية التي كان يلقيها في مساجد وزارة الأوقاف المصرية وفي الجمعية الشرعية أيام الأربعاء من كل أسبوع قرابة نصف قرن من الزمان حتى إنه – يرحمه الله – لم يتغيب عن الأخيرة إلى أن بلغ الثمانين من عمره إلا لسفر خارج القطر أو لمرض ألم به .

3- مؤلفه الفقهي الضخم ( الفقه الميسر في العبادات ) ط1, دار الاعتصام القاهرة 1964م.

وهذا الكتاب هو ( الجزء الأول ) وقد طبع أكثر من ثلاثين طبعة شرعية وحوالي عشرين طبعة عادية .

4- ( الجزء الثاني ) من كتابه ( الفقه الميسر في المعاملات ط1 بيرون 1972م.

وطبع مثل سابقه ( الجزء الأول ) أكثر من ثلاثين طبعة شرعية وحوالي عشرين طبعة عادية .

5- كتابة ( الدعاء الميسر) ط1 دار الاعتصام , القاهرة 1965.

6- كتابة ( حكم تارك الصلاة ) ط2 , دار الاعتصام القاهرة , 1965 .

7- كتابة ( حكم تارك الصيام ) ,ط1 , دار الاعتصام , القاهرة 1964.

8- كتابة ( الحج) ,ط1, القاهرة 1964.

9- كتابة ( بر الوالدين ) ط1 القاهرة 1942

10- كتابة ( المتفرقات ) ط1 القاهرة 1963 .

11- حديث الثلاثاء, للإمام الشهيد ( حسن البنا) سجلها وأعدها للنشر ( أحمد عيسي عاشور ) الناشر مكتبة القرآن , القاهرة 1985.

وهذا الكتاب الضخم , كان الشيخ ( أحمد عاشور ) قد نشر مادته العلمية على صفحات الاعتصام خلال الفترة من ( 1940 إلى 1945) ثم جمع هذه المادة وأخرجها في الكتاب المذكور . وقد صور هذا لكتاب في عدة طبقات عربية وبكميات ضخمة وترجم إلى عدة لغات أجنبية وشرقية منها ( الانجليزية, والتركية, والإندونيسية , والأردية) .

12- كتابة ( الآذان وما يدور حوله ) ط3 , القاهرة 1974.

13- ( سلسلة شهرية إسلامية ) بعنوان( عادات وتقاليد يجب أن تزول ) صدر منها حوالي تسع كتب بالاشتراك مع الأستاذ الشيخ ( سيد سابق ) وبتكليف من ( وزارة الأوقاف المصرية) وكان صدورها في القاهرة عن مطابع الوزارة خلال الفترة من ( 1972 وحتي 1985).

وكان لصدور هذه السلسلة الأخيرة صداها الطيب وأثرها البارز في المجتمع المصري وغيره من المجتمعات الإسلامية في شمال وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا والهند .

14- هذا علاوة على العديد من ( المؤلفات الأخري ) غير المنشورة والتي ما تزال مخطوطة وهي حتى الآن في حوزة أبنائه , وورثة علمه النافع وأعتقد أنها في طريقها إلى النشر إن شاء الله تعالي .

ويلاحظ من هذا الكم الهائل من العطاء العلمي والفكري لشيخنا الجليل ( أحمد عيسى عاشور ) , والعناوين التي حملتها مؤلفاته الفقهية وغيرها أن الهدف منها كان تقديم ذاد إيماني من العلم والمعرفة الفقهية بشكل ميسر , هذا الزاد الإيماني كان متصلا بحياته اليومية كالمعاملات ( البيع وشروطه , وأنواعه والرهن ومتي يلزم , والربا والذي كان يطلق عليه وحتي اليوم المعاملات المصرفية أو البنكية!! والكفالة والشركة , والوكالة , والمزارعة والمواريث وغيرها ).

وكذلك العبادات كالصلاة , والصيام ,والزكاة, والحج أما كتابة القيم والمعنون – ( الأذان وما يدور حوله ) فقد أفرده شيخنا الجليل لتقويم الأذان وخصص صفحات عديدة منه للجدل القائم في كل بلاد المسلمين حول الصيغة الشرعية لألفاظ ( الأذان) الذي تكاثرت صوره وأشكاله بينهم وتناوله المبتدعون بالزيادة والتفنن حتي زادت كلماته أحيانا على كلمات الأصل هذا فضلا عن ( الأناشيد) الدخيلة التي يترنم بها المتعطلون من فوق المآذن تحت دعوي ( التسابيح) أثناء الليالي , فلا يزالون بها حتي يختموها بأذان الفجر ومثلها أو أطول منها قبيل الأذان لصلاة الجمع في العديد في ديار المسلمين ومصر بصفة خاصة !! والتي نقلت في تراثها الإسلامي الكثير من البدع التي صدرها لها " الحكام الفاطمين " خلال حكمهم في مصر !!

فكان لزاما على شيخنا الجليل وهو صاحب المنهج والمدرسة السلفية أن يرد الناس في مصر وديار المسلمين إلى الحق ببيان حكم الشريعة في هذه الشئون وأمثالها ودعوتهم إلى الالتزام بالأصول التي لا يجوز الزيادة عليها ونحن نعترف هنا بأن الفضل يرجع لشيخنا الجليل – يرحمه الله – في أن الحكومة المصرية قد أخذت برايه دون أية زيادة أو تعديل كما كان عليه في عهد المصطفي عليه أفضل الصلاة والسلام وكما كان ينطق به ( بلال بن رباح) – يرحمه الله- وقد ظلت مساجد وزارة الأوقاف المصرية , في طول البلاد وعرضها والإذاعة الحكومية المصرية – كذلك – وعلى مدي خمس سنوات تذيع ( الآذان الشرعي ) الذي جاء نصه في كتاب

شيخنا الجليل . إلى أن تدخلت أيد خفية وعادت بالأذان إلى سابق عهده بما عليه من بدع .

أما كتابه الفقهي العظيم عندما سأل شيخنا الجليل ( أحمد عيسي عاشور) : لعلك بكتابك الفقه الميسر تريد به مذهبا حديث ؟! قال – يرحمه الله – " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. والله ما أريد أن أتطاول إلى مقام الفقهاء الأكابر ولكني استهدفت أن أقدم للناس أصول الفقه الإسلامي بما يتناسب مع لغة عصرهم .. كان حرصي في هذا المؤلف أن لا أخرج عن قاعدة أصولية وأن لا أبتدع فيما استقر عليه الرأي عند أصحاب المذاهب , إنه تواضع العلماء الأجلاء ونحن لا نشك لحظة واحدة في ان شيخنا – يرحمه الله – قد أثري بالفعل الحركة لعلمية والفكر الإسلامي في مصر المعاصرة بمؤلفاته الفقهية والإسلامية الكثيرة وقد ترجم لنا عن الفكر عالم إسلامي سلفي خاطب أمته بلغة عصرها وقدم لها المعرفة الإيمانية في سهولة ويسر وهذا هو جوهر ديننا الحنيف اليسر لا العسر .

إصدار شيخنا لمجلته الاعتصام الإسلامية عام 1938

أصدر الشيخ ( أحمد عيسى عاشور ) العدد الأول من (مجلة الإعتصام) الإسلامية في الخامس عشر من شهر يوليو 1938 وكانت في إصدارها الأول هذا ( أسبوعية) ثم توقفت أو أوقفت بقرار من السلطات الحاكمة ( في عهد الرئيس أنور السادات ) في سبتمبر عام 1981 وعاودت الصدور مرة أخري في رمضان 1404هـ ( 1985)م وتابعت جهادها لكن بعد أن ترك الشيخ أمر إداراتها وتحريرها لولديه ( محمد وحسن) وما تزال تتابع سبيلها في خدمة الإسلام والدفاع عن قضايا المسلمين حتي يومنا هذا على نفس المنهج السلفي الذي اختطه شيخنا الجليل لها منذ أكثر من نصف قرن من الزمان غير أنها في إصدارها الثاني , تحولت إلى ( دورية شهرية) تصدر كل أول شهر عربي .

وكان صدور " الاعتصام" في ذلك الوقت ( 1938 -1940) يمثل كسبا إيجابيا متميزا للصحافة الإسلامية الملتزمة يقول شيخنا ( أحمد عيسى عاشور):" ووجدت في العمل الصحفي مجالا للدعوة إلى الخير أؤدي من خلالها واجبي بحرية تامة واستقلال فقد كان – يرحمه الله – خلال عمله بمجلات ( الفضيلة) و( الجمعية الشرعية) كاتبا ومفكرا إسلاميا بارزا تتعرض بعض مقالاته وأفكاره للاختصار وكان هذا الأمر يقلقه ولذلك لما وجد الفرصة المناسبة أصدر الاعتصام لتكون لسان حاله كداعية مصلح حر وفتح بابها لكل رأى ينشد الإصلاح على المنهج السلفي الصالح فأقبل على الكتابة فيها خلال الفترة من ( 19401952) نخبة من أولئك الكفرين المصريين المشهود لهم بالفضل وبالنزاهة في الدعوة والحق أنهم راحوا يعملون جاهدين على تغذية مضمونها الإسلامي وفق المنهج القويم الكتاب والسنة فكان هذا المنهج يمثل شكلا من رموز الجهاد الإسلامي الذي لا يوفيه إلا رضوان المولي عزوجل ومثوبته .

وقد حرص شيخنا الجليل كل الحرص على تأمين المدد المالي النظيف للمجلة بعيدا عن أية مؤثرات قد تفقد الاعتصام مصداقيتها وحرية فكرها في أداء رسالتها الدعوية الإصلاحية ففي البداية واجهت الشيخ صعوبات كثيرة ولكنه بفضل الله تعالي – يقتطع من قوته وقوت أولاده ليوفر قيمة ورق الطباعة للمجلة فقد كان ينتظر – بفارغ الصبر – راتبه الشهري من وظيفته بوزارة الأوقاف المصرية ليدفع به كاملا إلى صاحب المطبعة التي كانت تتولي طبعها حتي لا تتأخر الاعتصام عن قارئها الذي ينتظرها .

ولما كانت هذه الوسيلة غير مجدية في كل الظروف كما وأن الراتب في حالات كثيرة كان لا يفي بقيمة ورق الطباعة فإن شيخنا – يرحمه الله – استقر فكره على أن يؤمن ( الاعتصام ) التمويل الطاهر المستقل والفوري .

والذي يضمن استقرار صدورها وحرية فكرها وحتي يكون عرضة للتأخير أو الاحتجاب فأنشأ لذلك ( الاعتصام للطباعة والنشر) وبذلك أمنت وعلي طول المسيرة إصدار الاعتصام في موعدها كل أسبوع بالإضافة إلى أن ( دار النشر) تبنت نشر التراث والفكر الإسلامي واستطاعت ( دار الاعتصام للطبع والنشر) بإصدارتها الكثيرة في مجالات الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي أن تمد معظم ديار المسلمين في الشرق والغرب بهذا الإنتاج العلمي المتميز والذي أسهم في تغذية الصحوة الإسلامية المعاصرة وترشيدها وهكذا أتيح لمجلة الاعتصام أن تواصل سبيلها في خدمة الدعوة صادعة بالحق فاسحة صدرها لكل قلم حر مخلص أمين من المفكرين والكتاب الإسلاميين لا في مصر وحدها وإنما في كافة أنحاء العالم الإسلامي وكان من بين هؤلاء المفكرين والكتاب الإسلاميين الذين غذوا مضمون الاعتصام الإسلامي فضيلة الشيخ ( أبو القاسم إبراهيم) – أحد علماء الأزهر الأفذاذ الذين نبغوا في علوم التفسير والحديث والتاريخ الإسلامي والشيخ ( محمود عبد الوهاب فايد) – من علماء الأزهر الذين لهم في تاريخ الدعوة مواقف مشرفة في الدفاع عن منهج الله – والكاتب الإسلامي المعروف بجرأته في الحق وصلابته في الاستمساك بعقيدته الأستاذ ( محمد عبد السمان) والعالم الفقيه الشيخ ( مصطفى مجاهد ) أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة جامعة الأزهر والشيخ ( سيد سابق ) الداعية المعروف والمجاهد الكبير الشيخ ( حافظ سلامة) ومئات غيرهم من أعلام الدعوة الإسلامية في مصر والعالم الإسلامي ولا يتسع المقام لذكرهم جميعا وأخص من بينهم الأستاذ (طه عبد الباقي سرور) الكاتب الإسلامي المعروف وفضيلة القاضي الشرعي الشيخ ( كامل قطب نعيم) وفضيلة الإمام الدكتور ( عبد الحليم محمود) والشيخ (محمد حسنين مخلوف ) والأستاذ (محمد عطية خميس) الرئيس الأسبق لجماعة شباب سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم والشيخ (محمد الحسيني ) ولن أبالغ إذا قلت أن منهم غالبية أعلام الدعوة الإسلامية اليوم في مصر والعالم الإسلامي بدءا من الدكتور (يوسف القرضاوي ) وفضيلة الشيخ (محمد متولي الشعراوي) والشيخ (عبد الحميد كشك) وعشرات غيرهم . وما تزال الاعتصام حتي بعد رحيل المؤسس الأول شيخنا الداعية ( أحمد عيسي عاشور ) تواصل رسالتها المخلصة الصادقة بفضل جهود جهود رئيس تحريرها النشط الدكتور (محمد أحمد عيسي عاشور , ومديرها الشاب الوقور الممتلئ حماسة دينية صافية الأستاذ ( حسن أحمد عيسي عاشور ) نجلي شيخنا الجليل – يرحمه الله – وهكذا كانت وما تزال الاعتصام ) " الدورية الإسلامية الخطيرة في نظر الحاقدين على الإسلام تصدع بكلمة الحق فترضي الله سبحانه وتسخط كل عدو له والتي استطاع شيخنا الجليل أن يجعل منها مدرسة تقوم على مبادئ الحق وأساس الفضيلة وأمانة الكلمة فكانت منبرا دعويا خالصا لوجه الله ولم يرض شيخنا طوال حياته أن يكتب فيها كلمة باطل يراد بها أن تدحض حقا ولا كلمة حق يراد بها أن تدعم باطلا ". وظلت ( الاعتصام ) ليس كما هو معروف عن الصحافة تجارة من التجارات أو سعيا إلى الشهرة أو تهديدا للناس في أغراضهم وحرماتهم أو ملقا ورياء ولكن ( أحمد عيسى عاشور ) أخذها جهادا في سبيل كلمة حق تقال عندما تخرس الألسنة وتنخفض الرؤوس وينكمش الناس ويتواري المنافقون في الجحور عندها ترتفع الاعتصام نعم تحارب وتحاصر من السلطات لكن مع كل ذلك يظل صوت الحق مدويا !!

لقد كانت الاعتصام تتكلم وليس في مصر إلا ضميرها المؤمن ووجدانها الصادق ولكن لسانها قد قطع وبيانها قد توقف لأن الطغيان قد رفعت ألويته وظلت الاعتصام في مصر الإسلامية المعاصرة تتكلم تتمسك بالكتاب والسنة تحت الحصار والرقابة والتضييق بفضل شجاعة صاحبها ومؤسسها شيخنا الجليل – يرحمه الله – الذي كان صديقا ورفيقا لكل الرجال المؤمنين الأطهار في مصر المعاصرة .

موقف شيخنا ومجلته الاعتصام من القضية الفلسطينية ( 1938-1990)

ولم تكن الاعتصام هي صوت مصر الإسلامي وضميرها الواعي فحسب وإنما كانت تصيرا صادقا لكل قضايا المسلمين في العالم كله ومنذ عام 1940 وحتي يومنا هذا حيث جعلها الشيخ ( أحمد عيسى عاشور ) منبرا ونصيرا للشريعة الإسلامية في أى بلد عربي أو إسلامي أو أجنبي حيث الأقليات المسلمة المضطهدة هناك.

فقد ناصرت الاعتصام قضية الفلسطينيين منذ عام 1938, ودافع شيخنا بقلمه ضد مشروع تقسيم فلسطين: الذي أقرته ( اللجنة الملكية البريطانية ) برئاسة ( اللورد بيل) والذي كان ينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين : عربية : وتنقسم إلى شرق الأردن وأخري يهودية ولما أصدرت بريطانيا في عام 1358/1939م ( الكتاب الأبيض) وعدلت فيه عن مشروع التقسيم تحت ضغوط يهودية – أمريكية كتب ( أحمد عيسى عاشور ) يومها في افتتاحية الاعتصام يقول : كانت معظم البنود الواردة في الكتاب الأبيض يكتنفها الغموض والإبهام بشأن التصاريح البريطانية والصهيونية عادة ومع ذلك فأهلا به وبالفعل كان شيخنا – يرحمه الله – محقا بما كتبه فقد نددت الصهيونية ( بالكتاب الأبيض ) ولجأ اليهود إلى اعنف والإرهاب في محاولة الإقامة الدولة الصهيونية الفعلية ونجحوا بالفعل في التمهيد إلى جانب اليهود فألغت ( الكتاب الأبيض) عام 1365هـ/1945م فتزايدت عملية الهجرة اليهودية إلى داخل فلسطين من كل أنحاء العالم :

ولم تقف الاعتصام أمام هجرة اليهود إلى فلسطين مكتوفة الأيدي وإنما راح كتابها وعلى رأسهم شيخنا ( أحمد عيسي عاشور ) ينددون بمؤامرة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وحاولت ( الولايات المتحدة) بزعامة (روزفلت) أن تحقق الدولة اليهودية على أيدي الزعماء العرب المسلمين فاجتمع بالملك ( عبد العزيز آل سعود ) ملك العربية السعودية يوم 14 فبراير عام 1945 في مؤتمر ( يالطا) وحاول إقناعه بذلك فرفض ( ابن سعود) رفضا قاطعا وكذلك حاول معه (ونستون تشرشل) – الزعيم البريطاني – فأجابه ( ابن سعود) قائلا:" إنها خيانة للرسول وللمسلمين ولا أستطيع الإذعان أو أخذ أى خطوة في هذا الاتجاه ".

وأمام هذا الموقف الإسلامي العظيم لحاكم عربي مسلم كانت الاعتصام إحدي الدوريات الإسلامية في العالم العربي قد أشادت بموقف الملك العربي الذي كان صداه في قلب العروب والإسلاميين طيبا للغاية وعندما تدخلت ( الولايات المتحدة ) فعليا في عام 1946م في فلسطين ولصالح الصهيونية بتأليفها لجنة التحقيق المشتركة ( الأمريكية – البريطانية) والتي أوصت في تقريرها " بالسماح لمائة ألف يهودي بالدخول إلى فلسطين في الحال " ثارت ثائرة شيخنا الجليل ( أحمد عيسى عاشور ) وراح على صفحات مجلته الاعتصام يندد بأعمال هذه اللجنة الصليبية التي تستهدف زرع اليهود والصليبيين في الأرض التي طهرها صلاح الدين !!

وعند منتصف ليلة15 مايو 1948/ 1367) عندما أعلن ( بن جوريون) قيام دولة إسرائيل واعترفت بها ( الولايات المتحدة) بعد لحظات – في ذات الليلة تحولت الاعتصام في ذات الأسبوع من شهر مايو 1948 إلى " مجلة إسلامية فلسطينية" قاد فيها شيخنا الجليل حملة رفض قيام هذه الدولة اللقيطة كما سارع لفيف من علماء الأزهر البارزين بالكتابة على صفحات المجلة مقالات نارية تندد بهذه الدولة التي ولدت بعملية قيصرية وكتب شيخنا يقول :" وقامت إسرائيل المسخ على أقدس بقعة من أرض الإسلام فأين أنتم يا عرب!!؟

وكان كلمة شيخنا الجليل ( أحمد عيسى عاشور ) هي التي حركت العروبة وجمعتهم إلى التضامن فرفضوا الاعتداء الصهيوني ودخلت الجيوش العربية أرض فلسطين من الأردن وسوريا ولبنان والعراق ومصر والمملكة العربية السعودية ) وكانت قوات الجهاد المقدس بقيادة الشهيد ( عبد القادر الحسيني ) طليعة العمل النضالي هناك ومنذ الحادي عشر من يونيه 1948 حتي الثامن عشر من يوليو عام 1948 وهي الفترة التي أصيبت خلالها الجيوش العربية الإسلامية بالانتكاسة رغم البطولات التي أبداها أهل فلسطين والمتطوعون المسلمين , لم تهدأ الاعتصام بمقالاتها النارية ضد الصهيوني والخيانة وهكذا كان موقف الشيخ الجليل – يرحمه الله- ( أحمد عيسي عاشور ) ومجلته الاعتصام مع بداية نشأة القضية الفلسطينية ثم تواصل موقف شيخنا الجليل من المأساة الفلسطينية بالدعم المادي حيث جعل من " الاعتصام" منبرا لجمع التبرعات لأبناء فلسطين وبقي الرجل على هذا الموقف المؤيد للقضية الفلسطينية طوال حياته وحتي اليوم بعد وفاته ما تزال الاعتصام على موقف مؤسسها الراحل المؤيد والمناصر لحركة الجهاد الإسلامية الفلسطينية .

مشكلة مسلمي جنوب الفلبين على صفحات الاعتصام (1366هـ/1946م – 1413/1993م)

ولم تكن " قضية فلسطين هي الهم الأوحد في وجدان شيخنا الجليل – يرحمه الله – فقط وإنما كانت المشكلات الإسلامية في كل العالم تجد في الاعتصام نصيرا ومؤيدا لها في مصر وكانت مشكلة مسلمي جنوب الفلبين واحدة من هذه القضايا التي وجدت في صفحات الاعتصام نصيرا لها .. كيف حدث ذلك ؟

فى أعقاب الحرب العالمية الثانية أعلنت الحكومة الأمريكية استقلال ( الفلبين) عام ( 1366/1946م) وسلمت كاثوليكي صليبي حاقد فراح القساوسة الكاثوليك يحرضون الحكومة ضد المسلمين .

فضمت الحكومة جنوب الفلبين الإسلامي إلى نفوذها السياسي ثم تصاعد التحدي الكاثوليكي الصليبي خلال الفترة من ( 19491956) بشن هجمات إبادة جماعية ضد المسلمين قتلت خلالها الحكومة الصليبية مالا يقل عن مائة ألف مسلم وشردت نصف مليون واغتصبت مليون هكتار من أجود الأراضي الزراعية للمسلمين وحرقت البيوت والمساجد والمدارس الإسلامية وقد بلغ عدد المذابح والحوادث الدامية التي ارتكبت ضد المسلمين في جنوب الفلبين 417 حادثة في خلال ثلاث سنوات فقط "

وكان من الطبيعي أن تجد هذه المشكلة الإسلامية صفحات الاعتصام مفتوحة لها : على الرغم من الرقابة الشديدة التي كانت مفروضة على أخبار المسلمين في الفلبين فقد كان بعض مشايخ الأزر الذين سافروا إلى جنوب الفلبين خلال الفترة من ( 1947 وحتي 1952) موفدين من قبل الأزهر لتدريس العلوم الإسلامية واللغة العربية هناك كانوا يراسلون الاعتصام) وشيخنا الجليل – يرحمه الله – ويكتبون عن كل هذه الحوادث الخطيرة ضد المسلمين وخاصة الحوادث التي كانت تتبناها المنظمات الصليبية الأمريكية والتي تستهدف تنصير مسلمي جنوب الفلبين أو تهجيرهم قسرا وكان شيخنا الجليل ( أحمد عيسي عاشور) يوالي نشر هذه الأوراق الملطخة بدماء المسلمين في الفلبين على صفحات الاعتصام ويلصق عليها بقلمه مع توجيهه النصح لمسلمي الجنوب الفليبني بالصمود والتحدي والصبر حتي النصر القريب من عند الله وظلت الاعتصام طوال محنة المسلمين في الفلبين حتي في عهد ( حكومة ماركوس ) تناصرهم وتنشر أخبار جهاد ( جبهة المرور الإسلامية) وتواصل الاعتصام اليوم منهجها المناصر للحركات الإسلامية في العالم الصليبي وما تزال إلى اليوم الاعتصام منبرا لقادة جبهة التحرير الإسلامية ( مورو) في القاهرة ( قبل أن تتوقف عن الصدور )

قضايا المسلمين في آسيا

مشكلات الأقليات المسلمة في أوربا

وكان صوت شيخنا ( أحمد عيسى عاشور ) – يرحمه الله دائما مدويا على صفحات الاعتصام) ناطقا بالحق مناصرا لكل قضايا المسلمين في قارة آسيا ومشكلات الأقليات المسلمة في أوربا فقد جازت الاعتصام قصب السبق يوم أن نقلت " أخبار المسلمين في شبه جزيرة الهند الصينية وقضية فطاني " وكان صدي قلم الشيخ ( أحمد عاشور) لا يقل عن ذوي مجاهدي فطاني , فقد شهدت تايلاند – وهو الاسم الحديث – خلال الفترة من ( 1954) حتي ( 1982 عمليات قتل جماعي للعلماء والدعاة المسلمين ففي عام 1954 اغتيل ( الحاج محمد سولنج وابنه ورفاقه ) على يد السلطات التايلاندية وفي عام 1977 اغتالت السلطات النصرانية الداعية الإسلامي الكبير ( عبد الرحمن داوود ثابت) مدير مدرسة العلوم الإسلامية بمنطقة ( جالا) وفي عام 1981 اغتيل الداعية الإسلامي ( محمد لطيف حسن) المبعوث من قبل دار الإفتاء السعودية وتعرضت الأحياء السكنية الإسلامية للحرق والتدمير لدرجة أنه تم إعدام ( مائة شاب مسلم) بالحرق بالبنزين في إقليم ( فطاني)

خلال عام 1401 هـ ( 1981 ) م وخلال هذه الحوادث كلها كانت الاعتصام راصدا واعيا لمعاناة المسلمين في ( فطاني) ومن يطلع على أعداد الاعتصام الصادرة خلال الفترة من ( 1954 وحتي 1980) لا يجد عددا يخلو من أخبار المسلمين في شبه جزيرة الهند الصينية ما سيجد صفحات عددا تحمل إخبار الجهاد الإسلامي في إقليم فطاني وسيجد تعليقات كثيرة بقلم شيخنا الجليل – يرحمه الله – تحض على الجهاد والصبر والابتهال إلى الله بالنصر لمجاهدي العالم الإسلامي في قارة آسيا وبالتحديد في ( شبه جزيرة الهند الصينية) .

كما حظي ( المسلمون في شبه القارة الهندية – ومشكلة كشمير) باهتمام شيخنا الجليل ( أحمد عيسى عاشور – يرحمه الله ومجلته ( الاعتصام ) الإسلامية وخاصة خلال الفترة الممتدة من ( 1357 هـ / 1938م وحتى عام 1360هـ / 1941 وهي الفترة التي شهدت انتخابات الداعية المسلم ( محمد على جناح زعيما للرابطة الإسلامية لعموم مسلمي الهند ثم مطالبته بتقسيم الهند في عام 1939 كما وأن ذلك العام شهد عددا من المشروعات والمقدمات التي تدعو إلى إقامة دولة أو دول إسلامية في الهند حتي كان يوم ( 21 مارس 1940) عندما تم صياغة قرار ( لاهور) بإنشاء الدولة الإسلامية في باكستان بالهند ثم أعقب ذلك في أول شعبان 1960 هـ/1941 م تأسيس الجماعة الإسلامية بمدينة لاهور وانتخاب الداعية الإسلامي ( أبو الأعلي المودودي ) أمير لهذه الجماعة للسير على المناهج الإسلامية .

ولقد كانت هذه الفترة تمثل مادة خصبة وغنية للصحافة الإسلامية في العالم العربي وبخاصة في مصر ولما كانت الاعتصام في بداية نشأتها فإن قضية ( المسلمين في شبه القارة الهندية) كانت حاضرة وبشكل متميز على صفحاتها لكون مؤسسها وصاحبها شيخنا ( أحمد عيسى عاشور) له اهتمامات خاصة بقضايا ومشكلات المسلمين في القارة الآسيوية ولذلك كانت معظم أخبار ( دولة باكستان الإسلامية ) انفرد لها صفحات أربع ( بالاعتصام) أسبوعيا وفي بعض الأعداد ( صفحتان) تشتمل على أخبار الحركة الإسلامية هناك وتعليقات بقلم شيخنا الجليل وبعض المفكرين المصرين وصور لزعماء الباكستان المسلمة .

كما لم تهمل _ الاعتصام) عرض ( قضية كشمير) على صفحاتها خلال الفترة من ( 1358هـ/ 1939م) عندما تألف ( حزب المؤتمر الوطني ) تحت زعامة الشيخ ( محمد عبد الله) وحتى عام 1957 م وقد عرضت مجلة الإعتصام لتاريخ المشكلة وأبعادها السياسية والقتال الذي دار خلال الفترة ( 19471948) ثم عرضت ( المجلة) الاعتصام لنصوص الهدنة التي عقدت بين المتحاربين في ( أول يناير عام 1949) حتى بعد أن دخلت ( مشكلة كشمير ) إلى أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن ظلت الاعتصام تتابع أخبارها على صفحاتها حتى عام 1970م.

وأما ( الحركة الإسلامية في أفغانستان) فقد حمل همومها على عاتقه شيخنا الجليل ( أحمد عيسى عاشور ) منذ أن كان الأستاذ ( غلام محمد نيازي ) – أول من حمل لواء الحركة الإسلامية في أفغانستان والذي تعلم في مصر بالأزهر – صديقا شخصيا لشيخنا الجليل – يرحمهما الله – فلما رجع ( غلام محمد نيازي ) إلي بلاده وعين أستاذا بكلية الشريعة بجامعة ( كابل) وبدأ بتوجيه وتربية شباب هذه الكلية ثم عمل على إيجاد الإصلاحات في وزارتي العدل والتربية والتعليم ثم أسس ( الجمعية الإسلامية ) واختار أحد أعضائها عام 1973 الأستاذ (برهان الدين رباني ) – أحد أساتذة الكلية – أميرا لها. وبقي (غلام محمد نيازي ) كمؤسس وموحد صفوف النهضة والمرشد والمنظر للجمعية .

في ذات العام ( 1973 ) قام ( محمد داود ) بانقلابه الشيوعي الهادئ ضد ابن عمه الملك ( محمد ظاهر شاه ) الذي غادر على أثره أفغانستان متوجها إلى إيطاليا فأعقب ذلك حركة اعتقالات واسعة لكل العناصر الإسلامية البارزة بالجمعية الإسلامية غير أن الأستاذ (برهان الدين رباني ) نجح في الذهاب إلى باكستان في أواخر عام 1973 بعد محاولة لاعتقاله وسبق إلى المعتقلات والسجون في أفغانستان المئات من الإسلاميين بتوجيه من ( موسكو) .

ولما شعر ( محمد داود) بأن الشيوعيين الأفغان و( موسكو) يتدخلون في كل شئون البلاد وحاول التفلت من القبضة الشيوعية زار في عام ( 1978) عددا من الأقطار الإسلامية منها مصر والمملكة العربية السعودية وباكستان والكويت وغيرها وخلال زيارة ( محمد داود) لمصر في عام 1978 كتبت الاعتصام الرئيس الأفغاني في مصر وكأنما يستنجد العالم الإسلامي " ومع أن بعض الزعماء المسلمين قد وعدوا ( محمد داود) بالمساعدة إلا أن الوقت قد فات وتنبهت ( موسكو) إلى أن ( محمد داود) قد التقي وبعض زعماء ( الجمعية الإسلامية ) في باكستان والمملكة العربية السعودية فقررت الإطاحة به في نهاية ( 1978) وجيئ بـ (نور محمد تراقي ) الشيوعي والذي قام بمجزرة تمثل الأخلاق والسلوكيات الشيوعية أفظع تمثيل إذ قتل _ داود خان) وجميع أفراد عائلته وجميع أعوانه , كما قتل مئات من الإسلاميين البارزين وزج بالآلاف منهم في السجون .

ونشرت الاعتصام في عدد ( ذو القعدة 1401هـ) ( استطلاع في أفغانستان ) وضح أن محمد تراقي يحاول إقناع ( موسكو) بإخلاصه فعمد إلى إجبار أعضاء الجمعية الإسلامية على نبذ الإسلام واعتناق الشيوعية فكانت النتيجة أن لاقي مقاومة شديدة حيث أخذ المخلصون العاجزون عن المقاومة والقادرون على الفرار بدينهم وأخلاقهم وإخلاصهم لبلدهم يفرون ملتجئين إلى باكستان ومصر وإيران وغيرها أما المجاهدون فقد انحازوا إلى الجبال يعملون على إسقاط .

حكومة تراقي الشيوعية ,واضطربت الأمور في أفغانستان وتصاعدت حركة الإسلاميين ضد الحكومة الشيوعية فعلمت ( موسكو) على الإطاحة ب( محمد تراقي ) على يد عميل آخر قادا انقلابا عسكريا هو ( حفيظ الله أمين ) عام 1979م.

وقد أراد ( حفيظ الله أمين ) أن يكمل ما بدأه أسلافه, من أعمال إجرامية ضد المسلمين , بالحديد والنار ولكنه لم ينجح أمام تنامي الحركة الإسلامية الأفغانية وإصرار زعماء ( الجمعية الإسلامية) في الخارج في فضح المؤامرة الشيوعية ضد الإسلام والمسلمين في أفغانستان وكان الأستاذ (برهان الدين رباني ) قد قام بجولة في العالم العربي شارحا القضية الأفغانية, ومعروفا بها , ولما زار ( القاهرة ) فتح شيخنا الجليل ( أحمد عيسي عاشور ) – رحمه الله – ( دار لاعتصام) و( مجلة الإعتصام للأستاذ ( رباني ) ورفاقه المجاهدين لشرح قضيتهم على الرأي العام الإسلامي في مصر .

ولما أزاحت ( موسكو) عمليها ( حفيظ الله أمين) على يد عميل آخر وبطريق آخر وهذا العميل هو ( بابراك) كار ميل ) الذي وصل البلاد من ( موسكو) رأسا واستلم الحكم ومعه 100 ألف جندي روسي مدججين بالسلاح كتبت الاعتصام تقول :" إن كار ميل كان يعمل كعميل لجهاز المخابرات السوفيتية ( كي. جي . بي) لفترة طويلة من الوقت وهكذا تم غزو الشيوعية لأفغانستان وأخذت الاعتصام وشيخنا الجليل يواصلان دعم حركة الجهاد الإسلامي في أفغستان فكريا وإعلاميا وماديا وجمعت التبرعات عن طريق ( الاعتصام ) للشعب الأفغاني اللاجئ إلى باكستان حيث بلغ عدد اللاجئين الأفغان إلى باكستان أكثر من مليون أفغاني .

وأصبح هم شيخنا الجليل ( أحمد عيسي عاشور القضية الأفغانية وحركة المجاهدين الأفغان وكان – يرحمه الله – يطرب لسماع أخبار الجهاد في أفغانستان وهذا ما قاله عنه الأستاذ الدكتور ( حسين حامد حسان) مدير الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد بباكستان بل أوصاف كان ( أحمد عيسى عاشور ) قدوة صالحة للإخلاص والدعوة والتضحية من أجل التمكين لعقيدة التوحيد وكان يسره نصرة الإسلام في أى مكان على ظهر الأرض وكان يطرب لسماع أخبار الجهاد في أفغانستان.

ومكث شيخنا الجليل – يرحمه الله ) شاهرا قلمه وإمكاناته الإعلامية المادية من أجل نصرة حركة الجهاد الأفغاني , حتي آخر لحظة في حياته كان يسأل وهو على فراش المرض أولاده ما هي أخبار برهان الدين وإخوانه؟!! وبعد وفاته – يرحمه الله – ما تزال ( الاعتصام ) صوت حركة المجاهدين إلى حقق الله لهم النصر المبين وتسلموا قيادة بلادهم .

أما أحوال ( المسلمين في أندونيسيا) ومنذ 27 ديسمبر 1949 وهو اليوم الذي حصلت فيه أندونيسيا على استقلالها من براثن الاستعمار الصليبي الهولندي فقد وجدت في شيخنا الجليل ( أحمد عيسي عاشور ) ومجلته الاعتصام خير نصير لهم : فبالرجوع لأعداد الاعتصام خلال الفترة من عام 1957 وحتي منتصف عام 1959 نجد حضورا أندونيسيا على صفحات " الاعتصام" وخاصة أخبار حركة المقاومة الإسلامية الواعية لبعثات التنصير الصليبية" وقد ندد قلم شيخنا الجليل – يرحمه الله - بأعمال " التبشير " في أند ونسيا بين المسلمين وحتي اليوم ما تزال الاعتصام تواصل فضح المخططات الصليبية لتنصير مسلمي أندونيسيا.

كما أن ( المسلمين في أوربا الشرقية ) حيث ( بلغاريا , يوغسلافيا , رومانيا , بولندة , ألبانيا ) كان لأخبار جهادهم ضد السلطات الشيوعية حضورا متميزا على صفحات الاعتصام منذ عام 1945 عندما سيطر الحكم الشيوعي على كل أوربا الشرقية وبدأت السلطات الشيوعية تحيي مشروع التنصير الصليبي ضد المسلمين في ( بلغاريا) ومنعت التوجه والتعليم الديني الإسلامي ثم نظمت حملات من الكتاب الملحدين والحاقدين على الإسلام للتشويه والتشهير بالإسلام والمسلمين بل وصلت بهم الوقاحة إلى إخراج العديد من الأفلام السينمائية التي تصور المسلمين والإسلام, في أوضاع كاذبة تقشعر لها الأبدان وعبر هذه السنوات الطوال كانت الاعتصام وقلم مؤسسها ( أحمد عيسى عاشور ) منبرا حرا إسلاميا لعرض قضايا المسلمين في أوربا الشرقية.

وما حدث في ( بلغاريا) ضد الإسلام والمسلمين, حدث ويشكل منظم في كل من ( رومانيا وبولندة , وألبانيا) لكن مع اختلاف ( السيناريو) وكانت أخبار الجهاد الإسلامي فيها لها نفس الحضور المتميز على صفحات الاعتصام أما ( يوغسلافيا) المفككة اليوم فما تزال قضية البوسنة والهرسك تشغل الرأي العام العالمي كله ولها على صفحات الاعتصام اهتمام بالغ لأنها تمثل جرحا عميقا في كرامة كل مسلم .

جهود ( أحمد عيسي عاشور ) في مجال أعمال الخير ومشروعات البر

إن جهود شيخنا الجليل – يرحمه الله – في مجالات الخير والبر كثيرة والحقيقة أنه لا يمكننا عمل حصر لها في هذا المجال , فيكفي أن نقول أن ( أحمد عيسى عاشور ) توفي ولم يتبق من أمواله درهم واحد فقد وجهها جميعها في سبيل الخير ومشاريع البر وشئون الدعوة الإسلامية, فقد شيد الرجل عشرات المساجد والمدارس الإسلامية والمشاغل النسائية والمستشفيات ودور العلاج المجاني في مصر وأخيرا معهدا دينيا شاملا يشرف عليه الأزهر وكل مشروع من هذه المشروعات يحتاج إلى صفحات طويلة لكي نتعرف على دور شيخنا الجليل في تشييده بالمال والقلم واللسان أما عن دعمه المالي لحركتي الجهاد الأفغاني والجهاد الفلسطيني فالأرقام تتحدث عن حج العون المالي للرجل وأيضا ليس هذا مجال للحديث فيرحمه الله كان يكره المن بالصدقة أو الإحسان أو حتي إذا بذل المال في شئون الدعوة الإسلامية ولهذا سوف نحترم هذه الرغبة عند شيخنا .

اعتقال شيخنا وتقديمه للمحاكمة عام 1965م

لشيخنا الجليل- يرحمه الله – مع أجهزة الأمن الحكومية , في أكثر من عهد ومنذ عام 1940م معارك كبري باعتباره داعية اسلاميا له خصوصية تناول قضايا مجتمعه الاجتماعية والسياسية من المنظور الإسلامي السلفي . ,كل هذه المعارك لم يكن فيها سلاح سوي الصدق في القول والسلامة في القصد والنصح لله وللرسول صلي الله عليه وسلم, وللمؤمنين فقد حورب ( أحمد عيسي عاشور ) في كل العهود فلم يضع سلاحه ونكل به ظل الأنظمة الشمولية فلم يعطل قلمه , وحوصر بالتجريح بالشائعات الخبيثة فلم يختزن لسانه ولقد انتصر بفضل الله تعالي في كل معاركه لأنه كان هادئ النفس ثابت القلب رابط الجأش رغم الحصار والإزعاج والمضايقات التي لم تفت في عضده أو تنل من عزيمته أو تؤثر في عقيدته ففي عهد ( عبد الناصر) وبالتحديد في عام 1965, ألقي القبض عليه ووجهت إليه السلطات الحاكمة تهمة ( المساس بالدستور) لأنه طالب الحاكم على صفحات الاعتصام بتطبيق شرع الله وقدم للمحاكمة أمام القضاء والقوانين الوضعية وتشاء العناية الإلهة أن تتأجل محاكمة الشيخ الجليل ( أحمد عيسي عاشور) أكثر من مرة وخلال فترات التأجيل هذه يتم انتدابه من وزارة الأوقاف ليرأس بعثة الوزارة إلى ( محافظة البحر الأحمر ) ويسافر الشيخ المتهم !! من ( القاهرة) إلى ( البحر الأحمر) وهناك يلقي كل التقدير والرعاية من جانب كافة المسئولين الحكوميين لسمعته الطيبة في حقل الدعوة الإسلامية ولموقفه من الحاكم وعلى رأسهم ( محافظ الإقليم الذي أكرم وفادة الشيخ حيث خصه بالضيافة في استراحة كبار الزوار بالمحافظة).

ثم يعود الشيخ الجليل ( المتهم !!) إلى القاهرة ) بعد الانتهاء من مهمته واستعداد لحضور جلسة محاكمته, ولكن قبل أن يحين موعد جلسة محاكمة الشيخ ( أحمد عيسي عاشور) تلغي الأحكام العرفية في البلاد وتسحب القضية من أمام القضاء المصري ويعود شيخنا الجليل غلى مواصلة جهاده من جديد بـ ( الكلمة المكتوبة ) و( الكلمة المنطوقة ) في سبيل إعلاء كلمة الحق عالية وفي عهد ( أنور السادات ) وبالتحديد في نهاية عام 1981 ضيقت السلطات الحاكمة على حركة الشيخ ( أحمد عيسي عاشور ) وعلى حركة مجلته الاعتصام ومنعوا عنه حصته من ورق الطباعة حتي لا تري الاعتصام النور وقد تسبب هذا المنع من حصة الورق , في إزعاج الشيخ الجليل وسبب له كثيرا من المضايقات لكن تلاميذ الشيخ وعددا من أصدقائه المخلصين تمكنوا من تدبير( حصته من ورق الطباعة) وبالزيادة لطباعة الاعتصام وإخراجها إلى القراء,في سرية تامة وفوجئت السلطات الأمنية بصدور الاعتصام في موعدها رغم الحصار الحديدي الذي فرضته السلطات الأمنية على حرية الشيخ ( أحمد عيسي عاشور ) وجاءت افتتاحية هذا العدد , الصادر في أغسطس عام 1981 بقلم شيخنا الجليل ونوهت إلى الحصار المضروب حوله من جانب السلطات الأمنية ولقد تزامن ذلك الحدث مع إصدار ( الرئيس السادات ) لقراراته العشوائية في سبتمبر 1981 م والتي زجت بالكثيرين من رموز الحركة الإسلامية في مصر إلى داخل المعتقلات فأوقفت السلطات صدور مجلة الاعتصام .

إعتكاف شيخنا الجليل وتمكن المرض منه

ولما كانت قرارات سبتمبر 1981 العشوائية قد نالت من لفيف متميز من الدعاة والمفكرين الإسلاميين الذين كانوا يمدون الاعتصام ببحوثهم ودراساتهم وآرائهم في حقل الدعوة فإن وجدان الشيخ الجليل لم يتحمل الصدمة في هؤلاء الرموز الإسلاميين فلزم داره حزنا وكمدا فتمكن منه المرض خاصة وأنه في ذلك التاريخ كان قد جاوز من العمر ثمانين عاما وظلت الاعتصام محتجبة عن القراء بسبب قرار التعطيل الإجباري من الحكومة ما يقرب من ثلاث سنوات إلى أن عادت إلى الصدور مرة أخري – في شهر رمضان عام 1404هـ ( 1985م) لكن هذه المرة بدون شيخنا الجليل الذي كان ما يزال ملازما لداره حزينا مريضا ويوم أن أبلغ شيخنا الجليل بقرار الإفراج عن الاعتصام كلف ولديه ( محمد وحسنا ) بتحرير وإدارة المجلة على منهجه الذي بدأه بها في عام 1938م وامتثل شباب الصحوة لمراد الوالد القدوة الحسنة الطيبة وهاهي الاعتصام تتواصل مع مسيرة المجاهد الإنسان شيخنا الجليل – يرحمه الله – الدعوية ملتزما بالكتاب والسنة في معالجة قضايا المسلمين في مصر والعامل بفضل أبنائه البررة.

وفاة الشيخ الجليل

أما شيخنا الجليل فقد ظل معتكفا في داره مستسلما لقضاء الله حتى وافته لمنية في مساء الجمعة 22 من ذى القعدة عام 1410 هـ الموافق ( 15 يونيه عام 1990) وانتقل من داره إلى جوار ربه بعد حياة امتد به العمل فيها أكثر من تسعين عاما كانت حافلة بجلائل الأعمال , فسلام عليه في الخالدين ورحمه الله عليه وعونا وتوفيقا لكل السائرين على دربه من علماء المسلمين وولاة أمورهم فكان بطلا للدعوة الإسلامية في مصر والعالم الإسلامي وخطيبا للمنابر وإماما للإفتاء على امتداد الثلاثة أرباع القرن من عمره.

خاتمة...

وأخير هل – بعد ذلك – نعزي أحدا في شيخنا , كلا .. إنما نعزي أنفسنا وتقول : إن عواءنا الوحيد هو أن شيخنا الجليل – يرحمه الله – قد خلف لنا صدقة جارية وخلف لنا علما ينتفع به وخلف لنا أولادا صالحين أنجالا ستة هم : محمد وحسن وحسين وطه ومصطفي وعبد اللطيف , جميعهم ورثوا مهنة أبيهم ( الدعوة الإسلامية ) عن طريق عملهم في مجال الإعلام الإسلامي ووفقا لرغبة وتوجيه والدهم الشيخ الجليل , وهكذا تواصلت شجرة شيخنا الجليل – يرحمه الله – في مجالات الدعوة والتأليف والصحافة والنشر فالأستاذ الدكتور (محمد عاشور ) يعمل رئيسا لتحرير مجلة الإعتصام الإسلامية ) والأستاذ ( حسن عاشور) مدير تحريرها والأستاذ ( حسين عاشور ) صاحب مجلة المختار الإسلامي ) الإسلامية الشهرية و( دار المختار الإسلامي للطباعة والنشر) وكاتب إسلامي معروف بأسلوبه المتميز في معالجة القضايا الإسلامية.

والأستاذ ( طه عاشور ) صاحب دار الفضيلة للطباعة والنشر ) بالقاهرة .

والمهندس ( مصطفي عاشور ) صاحب _ دار ابن سينا للطباعة والنشر ) بالقاهرة .

والأستاذ ( عبد اللطيف عاشور) صاحب ( مكتبة القرآن الكريم ) بالقاهرة .

بارك الله تعالي فيهم جميعا ونفع بهم.

هذا علاوة على عشرات المئات من الأولاد الصالحين الآخرين خلفهم شيخنا الجليل للأمة الإسلامية فلا يشترط أن يكون الولد الصالح صلب وإنما الولد الصالح عهدا والولد الصالح تأسيسا واقتداء هكذا كان الشيخ ( أحمد عيسي عاشور ) والدنا جميعا داعية يقظا ومجاهدا صلبا شجاعا حارب التغريب الفكري والتحلل الخلقي ومؤامرات الفساد السياسي ودافع عن قضايا العالم الإسلامي والأقليات المسلمة المضطهدة بالسلاح الماضي وبالمنهج الملائم لروح العصر واستطاع أن يعيد السلفية الأصلية إلى وجدان شباب مصر الإسلامية في حركة بعث أصيلة تشهدها الديار اليوم .

لقد صدق ( أحمد عيسى عاشور ) مع نفسه وشعبه فعاش حياته مجاهدا ومد الله في عمره حتي أدرك الصحوة الإسلامية الكبري ولم يصمت وإنما واصل جهاده من أجل إرساء قواعد الإسلام الحنيف والحرية في مصر وظل يدعو للوحدة الإسلامية حتي يوم وفاته بعد أن ترك أثرا قويا فاعلا وبعيد المدي في مرحلة الصحوة الإسلامية التي حققت هذا الحضور الإسلامي المتميز في مصر اليوم .

ونحن نعترف بأنه عندما دون المؤرخون تاريخ الدعوة الإسلامية في العصر الحديث فإن ( أحمد عيسي عاشور ) سوف يكون بين ابرز أعلام المجاهدين الكبار الذين حملوا هموم الإسلام بإخلاص مثالي نادر وعمل نفي دائب فتحية له في ذكراه فنحن المؤرخين المسلمين نعي قدر الرجل مجاهدا كبيرا ونحتفي بآثاره الفكرية والعلمية وكلماته المؤثرة .

هذه سيرة عالم إسلامي كبير , ومفكر وداعية ومجاهد مسلم أهمله التاريخ والمؤرخون عندما سلطوا الأضواء على بعض رموز الحركة الإصلاحية دون البعض في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين ولكن مع كل هذا الإهمال – غير المعتمد – من جانب المؤرخين فإن ( أحمد عيسي عاشور ) وتاريخه سيظلان رمزا صادقا ومشرفا للداعية والمفكر والمجاهد الإسلامي من أجل إعلاء كلمة الله العليا.

دكتور / خالد محمد نعيم