من تجربة الحركة الإسلامية في تونس

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
من تجربةالحركة الإسلامية في تونس

الشيخ راشد الغنوشي

المركز المغاربي للبحوث والترجم

محتويات

المقدمة

حلقات الإصلاح في طريقها إلى الانتظام

هذا الكتاب تدور موضوعاته حول محور واحد هو التأسيس للحرية والحوار ومقاومة الاستبداد , رغم أن أفكاره قدمت في مناسبات مختلفة على هيئة محاضرات ومساهمات في ندوا ومقالات في مجلات ودوريات أكاديمية مختلفة ولأن هذه النصوص لم تصدر من قبل ولأنها ذات مساس وثيق بما يدور في الساحة التونسية وما يعتمل فيها من صراعات وموقع الحركة الإسلامية فيها وموقفها منها.

فقد رأينا مناسبا أن نلقي بهذه الأطروحات في خضم المعركة المحتدمة حول مستقبل تونس إسهاما منا في الحوار وتنوير الرأي العام التونسي وكل جهات الاهتمام بما يجري في هذه الساحة تقديرا منا لأهمية البعد الثقافي في مثل هذه المعارك ولا سيما في الحالة التونسية حيث يعد الإنتاج الثقافي أهم مكون لهوية هذا القطر وخصوصياته ..

كيف لا وقد أمكن للإسلام منذ أن أشرقت شمسه على حقوله الخصبة أن يحوله مشكلة لأنواره وقلعة لانطلاق فتوحاته شرقا وغربا ولقد مثلت جامعة القيروان ثم جامعة الزيتونة منذ القرن الهجري الأول مددا لا ينقطع لامتداد الإشعاع الحضاري والنفوذ الإسلامي في كل الاتجاهات بما جعل أثر هذا القطر الصغير يفوق حجمه البشري بآلاف المرات فإذا ذكرت مراكز العلم في حضارة الإسلام على امتداد التاريخ والجغرافيا الإسلاميين كانت تونس في الطليعة

وما ذاك إلا بأثر مؤسستها العلمية العتيدة " جامع الزيتونة المعمور" الذي أحلها في القلب من حضارة الإسلام وما لها من مؤهل آخر لهذه المكانة ولذلك لم يكن عجبا أن تكون هذه المؤسسة العتيدة غرضا لسهام كل احتلال غربي طامع في إدماج البلاد في بوتقته وطمس شخصيتها فعل ذلك الأسبان وواصل مسيرتهم المحتل الفرنسي الذي عمل على تهميش الزيتونة بالكامل

ووضعها على طريق الموت التدريجي سواء أكان ذلك من خلال أخبطوط التعليم الموازي الذي أنشأه سبيلا لتحديث البلاد في إطار الهوية والثقافة الفرنسية على أنقاض الهوية والثقافة العربية الإسلامية - على أن التفريط فيها هو الثمن الذي لا محيد للظفر بمنجزات التحديث – أم كان ذلك من طريق عرقلة كل مسعى لمشاريع الإصلاح للمؤسسة الزيتونية التي كان تيار الإصلاح إن في مستوي المشايخ أو في مستوي الطلبة تيارا كاسحا على وعي حاد بمعركة التحديث أى استيعاب العلوم والتقنيات والتنظيمات الحديث ولكن في إطار الثقافة العربية الإسلامية .

فكان الصراع في العمق ليس بين تيار تحديثي تيار تقليدي محافظ بقدر ما كان صراعا بين مشروعين للتحديث مشروع يقوده تيار التغريب ما كان منه معتدلا وهو الغالب ولكن من دون وعي بعمق المعركة أو ما كان متطرفا وبوعي كامل بعمق المعركة وبين تيار التعريب حيث لا يري التيار الأول طريقا للدخول بالبلاد في العصر من دون تهميش الإسلام أو في الأقل تطويعه للقيم الغربية ولا سميا لدي القسم المتطرف بقيادة بورقيبة الذي لم يري في الإسلام في المحصلة غير عقبة في طريق التطور لا مناص من إزاحتها بآلية من آليات الإزاحة : البتر : التطويع : التفكيك .

بينما الحركة الإصلاحية ف يجامع الزيتونة – وكانت امتداد لحركة الإصلاحية في المشرق العربي بقيادة رواد الجامعة الإسلامية – قد نجحت في أن تحول تونس إلى حين مركزا نشطا من مراكزها من خلال ما أنجزته الحركة الإصلاحية من قتح باب الاجتهاد وإعمال آلياته في إعادة اكتشاف الإسلام عودا إلى مصادره الأولي وإجراء الحوار بينها وبين ما استجد في العصر من لعوم ومعارف ومشاكل إلى جانب إحياء ما همشه الانحطاط من مواريث رجالات الإسلام العظام فأحيوا تراث العمران الخلدوني والسياسة الشرعية عند ابن تيمية والمصلحة عند الشاطبي

ولم تقف المساهمة التونسية في تجربة الإصلاح عند المستوي النظري من خلال القيام بتجديد في الإسلام فاعل قادر على استيعاب مكتسبات الحداثة إن على صعيد العلم والتقنية او على صعيد التنظيم السياسي والإداري للدولة بما يضع حدا للحكم الفردي ويعلي من سلطة القانون ويدخل الفعالية في تعاليم يحتظر لم تكتف الإصلاحية التونسية بالإسهامات النظرية مثل " أقوم المسالك"

ومشاريع الإصلاح في جامع الزيتونة وإنما أقدمت على وضع مشروعها موضع تنفيذ على صعيد الدولة وعلى صعيد المؤسسات الاجتماعية وذلك استباقا وقطعا للطريق على الاحتلال بما يقطع أن تجارب الإصلاح في الأمة انطلقت بأثر آليات التجديد الذاتية في الإسلام مثل إحياء الاجتهاد الذي انطلقت طلائعه في أقاصي جزيرة العرب منذ النصف الأول من القرن الثامن عشر على يد الحركة الوهابية بعيدا عن كل مؤثر غربي فلم تكن رد فعل عليه بل إن هذا الأخير عمل باستمرار على قطع الطريق على مثل هذا الانطلاق الذاتي بوسائل غير مباشرة حتى إذا فشلت كلها عمد إلى التدخل غير المباشر من خلال إفساد الحكام بتوريطهم في القروض ثم بادر إلى التدخل المباشر فأقحكم جيوشه وأساطيله في المعركة ليبادر بطرد رجال الإصلاح مثل خير الدين ونصب عملاء مكانهم تمهيدا للاحتلال المباشر .

وفي مصر وهي أحد أكبر جناحي الحركة الإصلاحية تولي الاحتلال الإجهاز على تجربة التحديث الواعدة فقوض أركانها ولم يتردد حتى في تفكيك المصانع وقلع السكك الحديدية تكريسا للانحطاط ومنعا لانطلاقه نهضوية ذاتية تستعيد بها الأمة قوتها فتتأبي عن الاحتلال والاستلحاق .

ولقد تواصل احتدام المعركة في ظل الاحتلال المباشر بين أنصار مدرستي التحديث:

مدرسة التغريب ومدرسة التعريب ( التحديث الذاتي ) . ورغم احتداد المعركة على هذه الجبهة الداخلية فإن وجود الاحتلال أسهم في توجيه معظم السهام صوب العدو المشترك

بهدف عام يلتقي عليه الجميع :

الاستقلال حتى إذا أدرك المحتل نهاية أن لا مناص له من الرحيل وغدت تكاليف الاحتلال تربو على منافعه كما أورد ذلك أحد أكبر أساطين الاستعمار الجنرال ديغول في مذاكراته غير أنه صمم على أن يرجح من بين التيارين المتصارعين على خلافته.

تيار التغريب وتيار التعريب التيار الموالي له فكرا وثقافة أو في الأقل الأقرب إليه ومن ثم لم يكن عجبا أن كان أول قرارات الاستقلال شطب أهم مركز ثقافي أفرزه تاريخ البلاد وحافظ على هويتها وأعطاها مكانتها العظيم وهي البلد الصغير في أمة مترامية الأطراف أعني الجامعة الزيتونة مما هو قمين بأن يدرج ضمن لجرائم التي لا تغتفر جرائم إبادة الشعوب وهو ما جعل الاستقلال في أبعاده الثقافية الحضارية ضربا من الصفقة بين الاحتلال الأجنبي ومنتوجه المحلي

تيار التغريب وذلك على حساب تيار التعريب الممثل الحقيقي للسكان الأصليين وهويتهم العميقة وعلى حساب الامتداد التاريخي والحضاري والجغرافي لتونس باعتبارها جزءا من العالم العربي ودار الإسلام لحساب انتماء أريد أن يفرض عليها بقوة الدولة الانتماء لما وراء البحار .

وبذلك كان الاستقلال امتداد لنفس المعركة بين التيارين وقد حقق تيار التغيب انتصاره الأعظم بل أكثر من ذلك مثل الاستقلال محنة أعظم للسكان الأصليين والتيار العربي الإسلامي المتمثل لهم وفي زخم الانتصار حقق تيار التغريب ما كان يضمر من مشروعه تدميرا للهوية والكيان غير أن هوية البلاد ما لبثت أن أفاقت من الصدمة واستشعرت الخطر فبدأت المعارضة بحركات طغت عليها في طور شعارات العدالة تحت لافتة الاشتراكية وفي طور ثان شعارات الديمقراطية

وفي طور ثالث غلبت عليها شعارات الإسلام وفي كل المراحل ظلت قضية التعريب قضية مركزية لدي جل هذه التيارات التي اتجهت صفوفها في مواجهة محنة الهجمة الشاملة على كل هذه الشعارات من خلالها تبنيها نفاقا من طرف دولة صممت على ابتلاع المجتمع واجتثاثه من الجذور واستكمال تفكيك أدوات مقاومته اتجهت إلى التقارب على خلفية الدفاع عن المجتمع ومؤسساته ومصالحه وهويته كالدفاع عن المواطن وكرامته وحرياته وذلك من طريق تجميع قوي الضغط الداخلي والخارجي في مواجهة الدكتاتورية المستهدفة لكل قوي المقاومة على اختلاف اتجاهاتها بحسب ما تقدره من خطرها .

المهم هو التحقيق بانفراد الدولة بالقرار والمصير وتهميش الآخر إلى حد استئصاله إذا أمكن وكانت دولة الاستقلال التي تزداد على مر الزمن احتواء للمجتمع واستهدافا لقوي المقاومة فيه وذلك بقدر ما تفقد من شرعيتها على مر الزمن كانت ف يكل مرة يقع اختيارها على طرف معارض تستهدفه بالاستئصال وتعمل على تأليب كل القوي ضده تحت اختيارها على طرف معارض تستهدفه بالاستئصال وتعمل على تأليب كل القوي ضده تحت شعار مناسب كالدفاع عن الوحدة القومية في مواجهة الخطر الشيوعي أو الدفاع عن مكاسب الحداثة في مواجهة الرجعية او حماية المجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان في مواجهة الخطر الأصولي مستفيدة من الدعم الخارجي باعتبارها حامية لمصالحة الحضارية والإستراتيجية والاقتصادية.

غير أن الدولة قد بلغت هذه المرة حدا بعيدا في استهداف الجميع بما جعل شعارات الحرب المرفوعة على المجتمع المدني تفقد كل مصداق واعتبار , مقابل تنامي وعي الجميع بخطر دولة التحديث هذا التحديث المزيف الذي اكتفي من التحديث بشكلياته وأدوات عنفه وما يوفره من آليات التأطير والرصد والاتصال السريع والضرب والتفكيك ولذلك لم يكن عجبا أن كانت مؤسسة القمع – مثل الجيش – أول مؤسسة مسها التحديث منذ القرن التاسع عشر وكانت مؤسسة " وزارة الداخلية" أول مؤسسة عرفت الكمبيوتر عند أول اجتيازه عتبة البلاد.

هناك وعيا يتنامي بسرعة ويجتاح القطاع الأوسع من النخبة التونسية مفاده أنه من دون أرضية واسعة للنضال تستوعب كل المقومات الدفاعية لمجتمعنا على اختلاف نقاط تركيزها في إطار المشروع الإصلاحي الشامل:

العدالة أو الحرية أو الهوية أو الوحدة العربية فنعمل على تقريب الشقة وتبادل الاعتراف بينها في استبعاد لكل منزع إقصائي حتى لا يكون مشروعها إعادة لإنتاج مشروع دولة التحديث الزائف وفتح قنوات الحوار والتعارف والتعاون وتكثيف المشترك واتخاذه صالحة لبلورة مشروع مجتمعي بديل تنهض للنضال من أجل تجسيده في الواقع – إن في طور النضال ضد دولة التحديث الزائف دولة التأله المافيوزي أو في طور إرسائه بديلا عنها ..

إنه دون قيام مثل هذه الجبهة فإن الأمل ما يزال بعيدا في وضع حد لليل تونس وترويض دولة الاستبداد من أجل استئناف مشروع الإصلاح الذي قطع الطريق دونه الاحتلال وانحرف به.

وما للحركة الإسلامية في هذا المنظور الإصلاحي غير تيار من تياراته تسهم في جمع شتاته وإثرائه وخروجه من دائرة المآزق والجدل العقيم وذلك من طريق البحث الجاد الناصب عن " المشترك" وتنميته ودفع مساعي التعاون والتساند والتضامن والمساعي الجبهوية في اتجاه فرض الحرية , التغيير , تجسيدا لطموحات شعبية في العدالة والحرية والهوية النزاهة الخلقية والمساهمة في حمل قضايا الأمة الكبرى ومنها قضية التجزئة وقضية فلسطين التي كان من ثمار التحديث الزائف ضياعها .

إن هذه الورقات ليست إلا إسهاما شخصيا يصب في النهر الكبير نهر الإصلاح المتدفق منذ القرن التاسع عشر يصاعد مدة فيفيض وفي طور آخر ينحسر حتى يكاد يغيض ثم ما يلبث أن يستأنف مدة العارم وهو اليوم – والحمد لله – يشهد في بلادنا وبلاد العروبة والإسلام طورا من المد والفيضان مؤشراته لا تخطئها عين وإن تجلت في أشكال مختلفة لقاءات بين تيارات مختلفة وعرائض تحمل مطالب وطنية وقومية مشتركة في العفو التشريعي العام وفي الدفاع عن مؤسسات المجتمع المدني وفي التصدي لدولة البوليس المافيوزي المتستر بشعارات التحدي الزائف كما يتجلي في مناشط متصاعدة نصرة للانتفاضة المباركة في فلسطين وفي مواجهة خطط : التطبيع والأمركة والعولمة التي راهنت الدولة على الدمج القسري للبلاد في أوتونها .

وما الانتفاضة المباركة في فلسطين وامتداداتها على طول الساحة العربية الإسلامية إلا جزءا من موجة عالمية متصاعدة ضد مشاريع العولمة والهيمنة على أمتنا وعلى مقومات وجودها وعلى كل الثقافات الأخرى وما كسبت البشرية من قيم الحق والخير والعدل والكرامة والهوية وذلك مما يجعل تصاعد التمرد والمعارضة وتقارب صفوفها في بلادنا ضد قوي الهيمنة الدولية وامتداداتها لمحلية جزءا عالمية تسفه أحلام دعاة نهاية التاريخ والانتصار النهائي للرأسمالية والصهيونية وأمركة العالم والإجهاز النهائي على مشروع الوحدة العربية وعلى الحركات الشعبية والنقابية والإسلامية وعلى التدين جملة وما افرزه من قيم ومؤسسات كالأسرة لصالح بديل وحيد هو ديانة السوق بأقانيمها المعروفة الربح الاستهلاك, الفردية , السيطرة , الجسد واللذة وسيادة الرجل الأبيض .

إن هذه الورقات إسهام ذاتي يندرج ضمن هذا المشروع العالمي للمقاومة وتيسير الحوار والتلاقي والتعاون والتضامن والعمل الجبهوري المشترك بين مكوناته على اختلاف ألوانها ومراجعها إن على الصعيد المحلي أو الدولي إنها سعي على الصعيد المحلي لتجلية طبيعة المعركة الكبرى في البلاد ضد عدو واحد للجميع ألا هو الاستبداد المتمثل في تغول الدولة وابتلاعها للمجتمع وتحويلها أداة استبداد وإفساد لا يتورع حتى عن تحويل البلاد مرمي للنفايات بكل أصنافها بما في ذلك النفايات النووية وقاعدة صهيونية للتآمر على الأمة .

إن الصراع الدائر في البلاد منذ النصف الثاني من القرن التاسع – هو كما سبق – ليس بين تحديث وتقليد , إنما هو صراع بين مشروعين للتحدي : تحديث على أرضية العروبة والإسلام وتحديث على أرضية التعريب والتبعية ذلك أن حركة الإصلاح الإسلامي منذ القرن التاسع عشر سرعان ما استوعبت فكرة التحديث – بما هي علوم وتقنيات وسلطة قانون – على أنقاض أوضاع التخلف المادي والمعنوي ومنها الحكم المطلق حكم الفرد وفي طور ثان عملت حركة الإصلاح الإسلامي على تطوير وضعية المرأة وإنقاذها من أوضاع الظلم والتخلف وفي طورها الحديث استوعبت كل ذلك الديمقراطية وحقوق الإنسان ومركزية المجتمع المدني عن مركزية الدولة .

أما في عصر خلفاء بورقيبة فقد غدا الصراع سافرا ليس بين مشاريع للتحديث بقدر ما هو صراع بين مشروع لتحديث والإصلاح يكاد يتجه قدما نحو التوحد تلتقي حوله كل القوي الفكرية والسياسية المعارضة بجد مشروع يستوعب مكاسب الحداثة المذكورة على خلفية الهوية العربية والإسلامية على اختلاف في الاجتهادات وبين دولة الاستبداد المحض الموظف في خدمة المافيا المحلية ومصالح العولمة والتطبيع الدولتين وهو ما يحمل كل الوطنيين الصادقين مسؤولية المساهمة في تعميق هذا الوعي تيسيرا لفتح قنوات الحوار والتفاهم والتعاون والتضامن والعمل الجبهوي وتهميشا للصراعات الثانوية ومراهنة على خوضها في إطار القانون والاعتراف المتبادل يوم تشرق الشمس على تونس بالحرية.

وذلك بعد إزاحة العقبة الكؤود التي لا تزال تحول بين شعبنا وبين الإفصاح عما يتوفر عليه ضميره الجمعي من طموحات وأعماقه من استعدادات هائلة لتقديم نموذج مجتمعي حديث يليق بتراث تونس ونضج نخبتها وشعبها بعد أن نجح الاستبداد طويلا في تأخير هذا الإنجاز الذي يعيد تونس إلى مركزها الثقافي الريادي ويغلق إلى الأبد بوابات جهنم

بوابات السجون الفكرية والسياسية , ويفتح أباب المستقبل الزاهر أمام الأجيال فتكون تونس لكل أبنائها تحتضنهم جميعا في رفق ومحبة ولكم كان عظيما الشعار الذي حملته الرابطة التونسية لدفاع عن حقوق الإنسان والذي عوقبت بسببه " كل الحقوق لكل التونسيين".

وكان الاتجاه الإسلامي في الحركة الطلابية قد رفع منذ نهاية السبعينات " الحرية للجميع في الجامعة وخارجها " وذلك في مواجهة تبادل الإقصاء بين الطلبة " الدساترة " وبين طلبة اليسار الستليني تحت شعار " الحربية لأعداء الحرية".

الفصل الأول: من القرية إلى الزيتونة

تنبيه وإشارة

" المؤلف وأطوار من نشأة الحركة الإسلامية في تونس "
"غني عن الذكر إلى الطابع الشخصي لهذا النص سواء أكان من جهة رواية الأحداث أم كان من جهة الحكم عليها أم كان من جهة الاستنتاجات والتوجيهات ولأنها كذلك فتبعتها شخصية بحتى الخطأ وسوء التقدير عليها واردان كما يشير صاحبها إلى سعادته بكل تقويم ا, نصح أو إضافة أو تصحيح معتذرا سلفا عما قد يكون ورد فيها مما يسئ لشخص أو هيئة ".

في مغارة – احتماء من القصف المتبادل بين الألمان والحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية – كان المشهد الأول من حياتي ولم يلبث الفرنسيون أن عادوا ينتقمون من " الخونة " أى الذين تعاملوا مع الألمان فشهدت منطقتنا " الحامة" انطلاقة الشرارة الأولي للمقاومة المسلحة ضدهم التي انخرط فيها بعض أقاربي ومع الاستقلال تجدد القصف على السكان الأصليين أهل الثقافة العربية الإسلامية من طرف خلفاء الاستعمار بأشكال أشد توحشا لم تزدها الأيام إلا شراسة لا سيما بعد ظهور الصحوة الإسلامية التي لا يزال القصف على حملة لوائها مستعرا

ومع كل ذلك يمكن أن أعتبر أن طفولتي كانت عادية فقد عشت في أسرة مستقرة يسودها الوئام فلم أر قط والدي – مثلا – يصيح في هاج على والدتي فضلا عن أن يضربها كانت والدتي – رحمها الله – محترمة جدا في البيت كانت نافذة جدا ومطيعة جدا لوالدي ومع أن والدي تزوج أكثر من امرأة إلا أن الانسجام بين الزوجين كان انسجاما كبيرا حتى أنني أدعو زوجة والدي الثانية" أمي " وكانت محترمة جدا وتحبنا حبا شديدا ولم يكن في البيت أزمات وكان العنف قليلا جدا في البيت , فلا أذكر أن والدي ضربني قط ولا أذكر أن والدتي شتمتني أودعت على بسوء حتى وأنا طفل وكانت عائلتنا متوسطة الحال ليست بالمعدمة.

كنا في قريبتنا نشتغل في الحق .كنا مستورين لم نكن من الأغنياء ولم نكن من الفقراء بين الفلاحين ولكن عيش الفلاحين في ذلك الزمان كان عيشا متواضعا جدا ما كانوا يشعرن بالحرمات إذ كان الناس يعيشون في قناعة فلم يكن هناك مجتمع استهلاكي يجعل الناس يزهدون في ما بين أيديهم لأنهم يرون أن هناك من هو أعلى منهم بل كان المجتمع كله متقاربا وكان هناك من هو أكثر غني ولكنه كان يعيش عيشة الآخرين ولم يكن هنالك أيضا المعدم الذي لا يجد قوت يومه أو ينام على قارعة الطريق فالمجتمع كان متضامنا وكأنه مجرد مجموعة عوائل كبري شديدة الارتباط والتراحم قليلة الحاجات.

كان تناول اللحم عزيز جدا لا يدخل البيت إلا مرات معدودة في السنة ولا سيما في عيد الأضحى حيث كان والدي عندما يتيسر أمره قليلا يشتري الذبيحة ويتقاسمها مع عشرات من الجيران والأقارب وكان العرف يقتضي أن من اشتري لحما عليه أن يطعم منه كل الجيران وكان بيتنا كبيرا يضم والدي وأعمامي إذا كانوا كلهم يعيشون في نفس البيت في جو من التضامن العائلي وكان بيتنا يتميز عن غيره من بيوت القرية بجوه الديني فوالدي كان الوحيد في القرية الذي يعرف القراءة والكتابة وكان يحفظ القرآن وكان إمام للناس ومفتيا لهم وكان غاية في العفة والتقوى ولم يحترف التدين بل كان يدرس الأطفال القرآن مجانا ويؤم الناس مجانا في البيت شتاء وفي المصلي تحت أشجار النخيل صيفا .

تعاطي والدي التجارة لفترة ولكن أفلست تجارته فعاد إلى الحقل يشتغل فيه من الصباح الباكر حتى المساء ومعه أفراد العائلة جميعهم كبارا وصغارا رجالا ونساءا حتى إذا أوينا إلى البيت متعبين وتناولنا طعام العشاء – وكان دائما كسكسا – نقبل عليه في شراهة ونجد فيه لذة عجيبة نفتقدها اليوم بدأت السهرة فينخرط الجميع في صناعة السلال من سعف النخل وتمتد السهرة خاصة في ليالي الشتاء إلى ما بعد منتصف الليل تدور خلالها كؤوس الشاي وتتردد الأناشيد والمدائح الدينية في نغمات جماعية توحي بالوجد والخشوع من مثل :

اللهم صل على المصطفي بديع الجمال وبحر الوفاء وصل عليه كما ينبغي الصادق محمد عليه السلام , صلاة تدوم وتبلغ إليه ومرور الليالي وطول الدوام "ونكرر هذا المقطع مئات المرات في إنشاد جماعي لذيذ تقوده والدتي بصوتها الجميل الذي يفيض خشوعا وحنانا .

ولم يكن يعكر صفو السهرة بالنسبة لى غير حصة استظهار ما حدده لى والدي من آيات للحفظ إذ كان صارما في المحاسبة ولا ينقذني من المأزق عندما يكون اللعب قد شغلني عن الحفظ غير قدوم ضيف ينزل على كالرحمة من السماء وحتى لسعة عقرب تصيبه أحيانا خلال السهرة لا تنقذني إذ سرعان ما يتحامل على نفسه ويعود إلى ولا أدري لماذا كانت حصة القرآن , كالصلاة , ثقيلتين على نفسي في طفولتي

ولكن بعد أن طوفت في الآفاق وتحررت منهما ومن سلطة والدي لم ألبق أن عدت إليهما في شغف وضمن رؤية كاملة والحمد لله ورحم الله والدي فلقد أحسن إلى أن حملني على ما أكره رغم قناعتي الآن أن ذلك ليس هو المنهج الأفضل للتربية لكن التجربة قد تكون لصالحه بالنتيجة فليست الفلسفة الليبرالية في التربية الأنموذج الذي يشهد الواقع المتسفخ لصالحه بل هو يشهد لإخضاعه إلى قدر غير يسير من المراجعة والاستدراك .

وكان أهم شغل لى في " اقتصاد العائلة" هو تسويق منتوج الحقل أخذه إلى السوق لأعطيه لتاجر الخضر لكي يصرفه وفي الغد آتية ببضاعة جديدة وأتسلم منه الثمن لابتاع حاجيات البيت القليلة التي لا ننتجها كالشاي والسكر والملح والزيت فكان شغلي في الحقل عامة محدودا وغير شاق عدا بضعة تجارب كان أشدها إيلاما ومشقة وكادت تغير مجري حياتي إلى الأبد تمثلت في اضطرار والدي لأن يخرجني من المدرسة بسبب عجزه عن العمل وحاجة الأسرة إلى الحراثة والحصاد خارج القرية إذ أن اقتصاد العائلة لم يكن يقتصر على زراعة الخضر والبقول في البستان.

بل كان يشمل قسما آخر يتمثل في الحراثة والحصاد في البادية ولما عجز والدي عن القيام بالجانب الأول من العمل تولت القيام به والدتي وشقيقتاي المحرومتان من الدراسة بسبب الأنوثة وكانتا تتألمان لهذا التمييز حتى أن إحداهما وهي جميلة تمكنت من استراق فن كتابة الأحرف وتلاوة القرآن استراقا من إخوتها دون أن يكلف أحد نفسه عنا تعليمها شيئا من لذلك فكانتا تكدحان داخل البين وفي الحقل الليل والنهار سيما وأن إخوتي للأب الذكور قد هاجروا إلى المدينة طلبا للعمل وشقيقي الأكبر مني سنا هاجرا إلى المدينة من أجل العلم والدراسة إذ بعد حفظ القرآن أرسلهما والدي إلى العاصمة للدراسة في جامع الزيتونة

ولم يكن ذلك من عادة أهل القرية فكان شقيقاي أول من ذهب للدراسة من أبناء القرية بسبب تحريض والدتي رحمها الله وكان على الأسرة ان ترسل بعض إعانات لهما مما كان الحقل ينتجه بالإضافة إلى إعاشة من فيه فلما كبر والدي وأشرف على السبعين ولم يعد قادرا على الخروج إلى البادية للحراثة وسافر كل أبنائه الذكور لم يجد بدا من أن يقطعني عن الدراسة لأتولي نيابة عن الأسرة مهمة السفر إلى البادية مكانه وكان عمري 12 سنة .

خرجت مع أبناء عمومتي للحراثة والحصاد وانقطعت عن الدراسة غير أن ذلك لم يمتد إلا سنة واحدة في نهايتها كان أخي الأكبر قد تخرج ووظف أستاذا فرجعت إلى الدراسة واستأنفت الدراسة كانت تلك أهم تجربة مؤلمة في طفولتي إذ اضطررت وأنا في الثانية عشرة من عمري للخروج إلى البادية لأقوم بعمل شاق في الحراثة والحصاد مع عمال كبار كان على أن أنوب عائلتي مع أبناء عمومتي الكبار وفيما عدا ذلك كانت طفولتي عادية .

بل كان من أمال الحقل الشاقة أقل من حظ إخوتي وأخواتي لأنني أصغر الجميع فكنت مدللا نوعا ما فوقع عليهم عبء التحول الشاق من أوضاع القرية إلى المدينة ونعمت أنا بثمرات التحول.

عندما كنت في السنة النهائية من الدراسة الثانوية حسب نظام التعليم الزيتوني الذي كان قد تعرض لعملية إصلاحية معتبرة استهدفت استيعاب العلوم الحديثة في إطار الثقافة العربية الإسلامية كانت أهم مواد الدراسة التي شدتني بقوة مادة الفلسفة فامتلأت إعجابا بها وفتحتني على فضاءات واسعة لا عهد لى بها وكنت مولعا كما أسلفت بالجدل حول القضايا النظرية كالإيمان بالله ومصير الإنسان بعد الموت والقضاء والقدر وهو ما جعل في يدي أسلحة كان يلد لى استخدامها في معاكسة وتسفيه والسخرية من بعض المشايخ الذين كانوا يدرسوننا العلوم الدينية

والحقيقة أنني تخرجت من جامعة الزيتونة لا يشدني إلى الإسلام إلا بعض ما تلقيته من والدي أما من الناحية الفكرية فقد كنت أقرب إلى الشك والحيرة والتمرد على القديم وما ذلك إلا رد فعل على أسلوب المشايخ في التعليم وضد المنهاج التعليم الذي كان سائدا في جامعة الزيتونة والذي كان يقدم صورة عن الإسلام لم تكن تجيبنا عن تساؤلاتنا ولم تكن تعطينا أى ثقافة في الإسلام ولا تقدم إلينا صورة معاصرة له بل منا نشعر عندما ندخل حلقة الفقه أننا ندخل متحفا تاريخيا وعندما نخرج نجد عالما آخر تسوده الحداثة والمعاصرة ولا علاقة له بالإسلام .

لم تقدم لما تلك الدروس أى جسر لقاء مع العصر أو تصور له أو بديل عنه أو مجرد علاقة به فلم يكن أحد من المشايخ يومئذ يتحدث عن اقتصاد إسلامي أو دولة إسلامية أو عن فن إسلامي أى عن الإسلام كمنهج حياة , ولم يتطرق أحد للمواقف الإسلامية من قضايا العصر ولم تكن تسمع إلا الحديث عن :

البعد الآبق والبعير الشارد وعن قضايا لا تمت للواقع بصلة وفرعيات موغلة في القدم وبحوث لغوية مقطوعة عن لغة العصر ومنطقة رغم أنه كان يقدم لنا إلى جانب تلك العلوم الدينية الجامعة مواد علمية حديثة في الرضيات والفيزياء والكيمياء والجغرافيا وهي نفس المواد التي تقدمها المدارس الحديث بلغة أجنبية فكنا نعيش في اليوم الواحد عالمين منفصلين فإذا خرجنا إلى الشارع ازدادت الغربة .

لقد كادت تلك الصورة المشوهة تقضي على ما تلقيته من الأسرة لولا عمق التربية الدينية التي نشأت عليها وكذلك كان حال معظم الطلاب فمن بين حوالي ثلاثة آلاف طالب كانوا يدرسون الحال والتعليم عربي إسلامي كان الجامع الزيتونة أبواب تفتح على الأسواق وكان التجار يعرفون موعد صلاة العصر عندما يخرج الطلبة إلى صحن الجامع ليدخنوا فكان ذلك مؤشرا على وقت صلاة العصر فيغلق التجار دكاكينهم مسرعين إلى أداة الصلاة بينما يكون طلبة العلوم الشرعية يدخنون ويمزحون وما ذلك إلا بسبب تخلف مناهج تدريس العلوم الدينية .

حاولت بعد حصولي على الثانوية العامة " التحصيل " كسر القيود الخانقة التي كانت تكبل طموح أمثالي من المقربين لى ارتياد حقول العلوم الحديثة التي كانت أبوابها موصدة أمامنا وكان الميدان الوحيد المفتوح هو التعليم الديني.

وكنت أبغضه فانخرطت في دروس مكثفة لتعلم الألمانية في المركز الثقافي الألماني لمدة تقارب السنة ورغم أن تحصيلي كان جيدا إلا أن نفسي عاودها الحنين إلى المشرق وكان المال هو الحاجز فقررت الانخراط في سلك التعليم الابتدائي لتحصيل قدر من المال أرتب به وضعي وأسافر وهكذا تم تعييني معلما في " قصر قفصة" أواخر السنة الدراسية 1963

فأنهيت تلك السنة والتي تليها ولكن طموحاتي كان أكب من لذلك لا سيما وأن شقيقي – وكان مثلين بالنسبة لى – كان أكبرهما قاضيا وكان الآخر الذي يكبرني مباشرة محاميا فلم يكن مناسبا لى أن أقتصر على التدريس الابتدائي كان قلبي طافحا بحب المشرق العربي الذي كان ملجأ روحيا للمجتمع الأهلي العربي الإسلامي في مواجهة الرياح اللافحة القادمة من الغرب

والتي حققت صرها مع الاستقلال بزعامة لورقيبة والنخبة المتفرنسة ولذلك سرعان ما عافت نفسي البلاد فظللت أتحين الفرص حتى استخرجت " جوازا للسفر ط وجمعت بعض المال من شغلي وسافرت باتجاه المشرق إلى مصر وكان لبعض أستاذتنا المحبوبين خريجي المشرق العربي مثل الأستاذ أحمد قاسم وغيره تأثير عظيم في تغذية تلك الصورة الجميلة عن المشرق منبع النور ومصدر الإلهام.

في مصر

وهناك اجتمعت مع حوالي 40 من الطلبة التونسيين المعربين من أمثالي كلهم قدم إلى المشرق بمفرده من أجل مواصلة الدراسة في الجامعات المصرية شاء الله أن نلتقي هناك وجدنا صعوبات كبيرة من أجل التسجيل في الجامعة إذ لم يكن التسجيل في الجامعات المصرية يسيرا في ذلك الوقت (أكتوبر 1964) وكانت السفارة التونسية تطاردنا وتعتبرنا خطرا مستقبليا لذلك كانت جاهدة في استعادتنا بالقوة إلا أننا استفدنا في البداية من الخصومة التقليدية التي كانت قائمة بين بورقيبة وبين عبد الناصر

فمارسنا ضغوطا شديد ة وتظاهرنا أمام بيت عبد الناصر إلى أن حصلنا على حق التسجيل في الجامعة – وسرعان ما التحقت بكلية الزراعة في جامعة القاهرة حيث درست حوالي ثلاثة شهور من عام 1964 وكان يدفعني إلى هذا الاختصاص ما عانيته وأبناء قريتي من مشاق الزراعة البدائية فكنت أحلم في صباي وقلبي ينفطر أمام معاناة والدتي وهي تلهث في إثر الحصان جيئة وذهابات المرات لاستخراج دلاء الماء من البئر لري أشجار النخيل والبقول كنت أحلم بتفجير الماء من باطن الأرض واستخراجه من دون عناء لقد كان يستبد بنفسي حلم تطوير القرية .

غير أن وضعنا لم يستقر إذ سرعان ما حصل نوع من التصالح بين الزعيمين , وما لبث أن استجاب النظام المصير لطلب السفارة التونسية في استرداد " هؤلاء الآبقين" فذهبنا إلى الجامعة ذات يوم لنجد أسماءنا وقد شطبت وبدأ البوليس يطاردنا لتسليمنا إلى السفارة التونسية لتعيدنا قهرا إلى البلاد وتنأي بنا عن مفاسد وأيديولوجيات الشرق وفعلا تمت استعادة عدد من زملائنا لم يدر بخلدي حينها أن فصلنا من الدراسة كان بقرار من عبد الناصر فهو عندي المثل الأعلى.

بل نسبت ذلك إلى بعض الموظفين إن عبد الناصر هو أكبر من أن يشتغل بقضية جزئية ويرتكب مثل هذا الجرم وحينها أصبحت قضيتنا كيف تهرب من مصر لأن السفارة كانت تريد أن تجمعنا وتضعنا في طائرة وترسلنا إلى تونس فتصرف كل منا بطريقة فردية.

أما أنا ففكرت أن أذهب إلى ألبانيا وما أدري ما الذي كان يجذبني إلى ألبانيا في ذلك الوقت لم أكن أعرف أحدا من أهلها أو ممن أقام فيها وإنما لأني كنت قد اعتدت الاستماع إلى البيث العربي من إذاعة " تيرانا" ومراسلة قسمها الأدبي ببعض القصص التي أكتبها فتذيع بعضها إذا كانت هوايتي مطالعة الروايات وكنت أحدث نفسي أن أكون روائيا أو صحفيا فلما تأزم الوضع في القاهرة خطر ببالي أن أذهب إلى هناك وبينما أنا في مركز حجز التذاكر لأحجز إلى ألبانيا التقي بي أحد أبناء بلدتي وكان يدس في مص فلما عرف أنني أنوي الذهاب إلى ألبانيا استغرب وقال " لا تذهب إلى هذا البلد هذا البلد مغلق "

وأخذ يشرح لى المساوئ وكان طالبا في السنة الأخيرة فأقنعني وصرفني بالكامل عن وجهتي إل وجهة نظر أخري , ورغبني في الذهاب إلى سوريا وطمأنني أن له فيها أصدقاء يمكن أن يساعدوني ويمكن أن أتابع دراستي هناك دون حاجة إلى أن ألقي بنفسي إلى المجهول , وهكذا في لحظة حول القدر وجهتي بشكل حاسم كما حصل أكثر من مرة لعله لأمر يريده الله .

من مصر إلى سوريا ومن الزراعة إلى الفلسفة

وهكذا تحولت وجهتي قدرا من ألبانيا إلى سوريا وهناك انتقلت من الزراعة إلى الفلسفة لا أدري على وجه التحديد لماذا ربما لأن عددا من الطلبة التونسيين الموجودين هناك كانوا يدرسون الفلسفة وكانوا متفوقين وربما لأنني كنت في الثانوية مولعا بهذه المادة أجادل بشراسة وكيد مشايخ الزيتونة حول قضايا الوجود الإلهي اليوم الأخر وكنت أحيانا جادا وقد تسلط على بعض الشك من وراء دراستي لبعض نظريات الفلسفة وأحيانا كنت أفعله لمجرد إغاظة المشايخ وتعجيزهم والسخرية منهم إذ كنت أبغض أكثرهم ربما لأني من أبناء الريف وهم من أرستقراطية المدينة وربما بسبب ما كان مشهورا عنهم من تناقض بين مظهرهم الديني وحياتهم الاجتماعية الغارقة في التغريب والترف .

سجلت في قسم الفلسفة وكنت قد قدمت إلى سوريا حاملا لفكر قومي عاطفي ككل المعربين في تونس الذين كانوا يتجهون إلى المشرق يطلبون عنده السند المعنوي والإلهام في مقاومة مجتمع قادته وأخذت تدفعه بلا هوادة الدولة الحديثة وحزب الدستور نحو أحضان فرنسا كان المجتمع التونسي منقسما بين متغربين هم الذين بيدهم السلطات وبين معربين تطوف قلوبهم بالمشرق دفاعا عن الذات وكان المشرق في ذلك الوقت يفيض بمشروع العروبة الناصرية التي كانت تجتذب المعربين بقوة وهم المجتمع الأهلي أو السكان الأصليون في مواجهة النخبة التي فصلها التغريب ن أصولها وربطها مصير مع الاحتلال رغم مقاومتها السياسية له

لقد مثلت مصر الناصيرية قطب جذب عارم للسكان الأصليين إذ أعطتهم آمالا واسعة باستعادة عزة المسلمين وعزة العرب وكانت الناصرية في شمال أفريقيا تأخذ صورة الإسلام لأن أهل شمال إفريقيا لا يميزون بين الإسلام والعروبة وكان خيالي عامرا بأروع الصور عن المشرق وساهم في ذلك بعض الأساتذة الذين كانوا يدرسوننا من تخرجوا من جامعاته كان هؤلاء معارضين وكانوا يملئوننا بحياة المشرق ويعطوننا آمالا كبيرة فيه وفي الناصرية خاصة ويعلقون عليها آمالا كبيرة في استعادة عزة العب وتحرير فلسطين

فرغبونا بشكل أو بآخر في أن نتجه إلى المشرق لطلب العلم كنا نريد العلوم الحديث مثل الهندسة والطب والزراعة والصيدلة والرياضيات التي كانت تدرس في بعض جامعات المشرق باللغة العربية وكانت مصر بلا شك هي قطب الجذب وإن لم تكن في الحقيقة قد عربت فيها مثل سوريا كل العلوم العصرية ولقد انفتحت جامعات القاهرة وبغداد ودمشق لاستقبال مئات من الطلبة التونسيين وكان ذلك من الآثار المتبقية لجهود مكتب المغرب العربي في القاهرة الذي حمل مشروعا موحدا لتحرير منطقة المغرب العربي في امتداد للمشرق غير أن المغتربين في تهميشه في إطار مشروع للتحرير القطري وفي ارتباط مصيري بفرنسا .

في السنوات التي قضيتها في دمشق من 1964 إلى 1968 كان حكم البعث ما زال في بدايته لم يتمكن بعد ولم تزل سوريا تعيش بقايا المرحلة الليبرالية صحيح أنه لم يكن هناك برلمان ولكن كانت ملامح المجتمع المدني واضحة وكان تراث الليبرالية سائدا فقد عرف عن السوريين ولعهم بالحرية حتى أطفال المدارس كانوا يقومون بمظاهرات ويخوضون في مجادلات سياسية وثقافية حامية فيما بينهم فلقد كان المجتمع السوري مسيسا جدا ولم يكن حكم البعث قد احتوي المجتمع كله إذ بدأ حكم البعث يحتوي المجتمع من رأس الهرم بالسيطرة على الجيش والشرطة

وأما المجتمع المدني – من مدارس ومساجد وجامعات وما كان يلقي في محاضرات تعبر عن مختلف التيارات وما كان يدور فيها من نقاشات وصراعات – فكان لا يزال قائما يضج حيوية ونشاطا وخصوبة وكان الصراع السياسي خاصة في الجامعة شديدا يومئذ بين مختلف التيارات الطلابية وكان التيار القومي من أهم هذه التيارات وكان الصراع على أشده بين القوميين أنفسهم بين الناصريين والبعثتين كانت قضية الناصريين السوريين يومئذ هي استعادة الوحدة وكان ذلك هو شعارهم المركزي أعني الوحدة بين سوريا ومصر التي كانت قد أجهضت لتوّها.

وكان يدور من جهة أخري صراع شرس بين التيار القومي العلماني عامة وبين التيار الإسلامي الذي كان تيارا قويا في وسط الجامعة وكان يوجد في مركز جامعة دمشق مسجد يحتل موقعا جميلا جدا في وسط الحديقة وكان يقوم بدور كبير في توجيه الطلاب عبر نشر الكتيبات الإسلامية وعبر الدروس والمناقشات وكان خطيب المسجد أستاذا معروفا هو " أديب صالح" الذي كان يصدر يومئذ المجلة الشهيرة " حضارة الإسلام" كما كان هناك أساتذة مشهورون منهم د. سعيد رمضان البوطي ود وهبة الزحيلي .

وكان الحوار محتدما حول موضوعات شتي من أهمها الموضوع الفلسطيني وما السبيل إلى مقاومة الكيان الصهيوني واستعادة فلسطين أما الإسلاميون فكانوا يؤكدون بأنه لن تتحرر فلسطين إلا بالإسلام والعودة إلى نظامه بإقامة الدولة الإسلامية الجامعة وأما الآخرون فكانوا يتحدون هذه الأطروحة مؤكدين على أن الطريق إلى فلسطين يمر بتوحيد العرب والقضاء على الأنظمة الرجعية وإقامة المجتمع الاشتراكي .

كما كان الموقف من الغرب موضوعا مهما وكان الطرف العلماني يري الغرب لا سيما في صورته الاشتراكية مثالا أعلي ومنتهي ما توصلت إليه الحضارات الإنسانية على حين كان الإسلاميون يجتهدون في إظهار عورات الحضارة الغربية وتتبع أمراضها والتبشير بسقوطها مؤكدين أن الغرب – بشقيه الرأسمالي والاشتراكي – عملة واحدة وأنه حليف للصهيونية وكارثة على المصير الإنساني فلابد من التباين معه والاستقلال الكلي عن منظومته ونموذجه وخاصة الوجه الشيوعي الملحد منه وإن مما لا زال راسخا في ذاكرتي الحدث الزلزال حرب 1967 لقد كان المشكل الأساسي المطروح يومها على الإسلاميين يتعلق بمدي شرعية الجهاد تحت قيادة حزب البعث راية عمية " جاهلية " أما أنا وكنت حديث عهد بالتيار الإسلامي

وكذا تيار واسع من الطلبة فقد اعتبرناه نقاشا بيزنطيا ونزلنا في مظاهرة تطالب بحمل السلاح للدفاع عن القدس بعد أن غدت دمشق نفسها مهددة ولقد استجابت السلطة لطلبنا ووزعت علينا بنادق قيل أنها يوغسلافية لم يكن لها من فعل وطائرات الميراج الإسرائيلية تمزق سماء دمشق تمزيقا ناشرة الحرائق وراءها – إلا ما أحدثته لبضعة أيام في نفوسنا من شعور بالقوة والنخوة لا سيما قد كنت من بين من رفض الاستجابة لدعوة السفارة التونسية لنقلنا إلى بيروت بعد أن غدت دمشق في خطر وما أن فتحنا أعيينا على الواقع المذهل سقوط الجولان والقدس والضفة وسيناء حتى كانت الصدمة صاعقة وسارعوا إلى سحب البنادق من أيدينا ليأتينا إلى مقر " اتحاد طلبة المغرب العربي" مندوبو حزب البعث لإقناعنا أن أهداف العدو لم تتحقق ما دامت الأنظمة الثورية وهي الهدف الرئيسي للعدوان لا تزال قائمة .

اكتشاف أوروبا

في شهر حزيران _ جوان ) سنة 1965 أى بعد انتهاء السنة الدراسية سافرت – على عادة الطلبة التونسيين هناك صحبة ثلة منهم افترقنا في الطريق – إلى تركيا ثم بلغاريا ثم يوغسلافيا فالنمسا فألمانيا ففرنسا وبلجيكا وهولندا قضيت سبعة أشهر في هذه الجولة التي استمرت من أول جوان _ حزيران ) إلى جانفي ( كانون الثاني ) من السنة الجديدة فكلية الآداب لم يكن الحضور فيها إجباريا وكان هدفي من هذه الجولة الإطلاع على بلاد الغرب كان عندي دافع لأن أعيش في الغرب العالم المجهول وأن أتعرف على الحياة فيه فكنت أتنقل من بلد إلى آخر أشتغل هنا وهناك من أجل توفير ثمن تذكرة السفر وتكاليف العيش .

اشتغلت في ألمانيا ثلاثة أشهر في مركز تجاري يوزع البضائع بالجملة على الدكاكين في " منطقة الرور" فكنت مساعدا لسائق شاحنة أتنقل معه وكانت فرصتي في ممارسة اللغة الألمانية التي كنت تعلمت مبادئها في المركز الثقافي الألماني بتونس وبعد ذلك اشتغلت في فرنسا في جني العنب واشتغلت بعدها في بلجيكا في غسل الصحون داخل أحد المطاعم

واشتغلت في هولندا مساعدا لنجار داخل معمل نجارة لمدة شهر ونصف تقريبا ولم أشعر بأثر للتسامح والانفتاح على الأجنبي وبدماثة الخلق وحتى الكرم إلا في هولندا من بين كل البلاد التي زرتها ففيها وحدها وخلال ستة أشهر من الجولان استضفت من طرف أسرة ألمانية خلال أعياد الميلاد مدن ضخمة ومصانع ومواصلات حديثه وشوارع نظيفة مرتبة ولكن لم ألاحظ فيها غير سباق محموم على المال والإشباع الغريزي والاحتقار للأجنبي ولتهميش لجوانب الدين والأسرة والجوار وسائر المشاعر الإنسانية .

كنت أسكن في الغالب في بيوت الشباب تلك التي تجمع شبابا من مناطق مختلفة وكانت صدمة بالنسبة إلى أن أري أنماطا من الشباب الضائع المتحلل فخمدت إلى حد كبير تلك الصورة الباهرة التي كانت عندي حول الغرب ثم تعززت الصورة المناقضة الواقعية ببعض القراءات حول الغرب والإسلام فالذين كانوا مشتغلين في الصراع مع القوميين ومع غيرهم من التيارات العلمانية كانوا يستخدمون لنقد الغرب بعض الكتابات مثل كتاب ألكسيس كاريل:"الإنسان ذلك المجهول " وكتاب شبنجلر :

" سقوط الحضارة " وكذلك كتابات بعض الكتاب الانجليز اللذين انتقدوا الحضارة الغربية مثل كتاب توينبي حول " تاريخ الحضارة " كان الإسلاميون مشتغلين في جمع هذه الكتابات الغربية التي تركز على انهيار الحضارة الغربية على حد سواء في وجهها اللبرالي الرأسمالي أو في وجهها الاشتراكي الماركسي ويستخدمونها كأداة في مقارعة التيار العلماني القومي السائد وقد يستخدمون كتابات بعض الشيوعيين المنشقين مثل:

اليوغسلافي جيلس ولسان حالهم انظروا هذا هو المثال الذي تطمحون إليه انظروا أهله ماذا يقولون عنه تأملوا في إحصاءات الطلاق والجريمة والأمراض النفسية وكانت مشاهداتي في الغرب وعيشي مع شبابه تعزز قراءة الإسلاميين للغرب أكثر مما تعزز قراءة التيار القومي الذي كنت أنتمي إليه يومئذ وبذلك بدأت فكرة الإعجاب بالغرب تخبو ومعها خبا وهج الحماس القومي ولا سيما بعد الهزيمة الكارثة في سنة 1967 التي جاءت مصدقة للرؤية الإسلامية .

الاتحاد الاشتراكي – من القومية العربية إلى الإسلام ؟

كانت سوريا خلال الستينات تمر بأزمة عميقة وكانت محكومة بمخلفات الانفصال عن مصر في تلك الفترة وكان الصراع داخل الساحة القومية على أشده بين أنصار الوحدة الناصرية وبين التيارات الأخرى كحزب البعث وغيرهم وبسبب خلفيتي الناصرية السابقة انخرطت في الصراع لصالح استعادة الوحدة .

كنت في البداية كما أسلفت ناصريا بالعاطفة لأن الصراع في تونس في بداية الاستقلال كان في وجه بارز من أوجهه صراعا بين الاتجاه العروبي والاتجاه لتغريبي وخاصة في الجنوب الذي نشأت فيه وكنت منفعلا جدا ومعبئا بالناصرية التي انطلقت سنة 1952 مبشرة بالوحدة العربية وبتحرير فلسطين فأعطت التيار العربي الإسلامي في تونس أيديولوجيا ودعما معنويا لا سيما وأن أكبر دولة في العالم العربي أصبحت هي التي تقود التيار العربي الإسلامي من هنا تولد في تونس صراع مرير بين بورقيبة وعبد الناصر لشعور بورقيبة بأن عبد الناص كان يهدده داخل بلده بسبب التعاطف العارم للتيار العربي الإسلامي معه فصارت وسائل الإعلام التونسية تهاجم الناصرية ملجأ نفسيا وروحيا يمنحهم القوة والأمل لم يكن للناصرية في تونس تنظيم ولم يكن التيار العربي الإسلامي كذلك منظما وإنما كان تيارا فكريا وعاطفيا .

ظللت وفيا للناصرية من بعد رغم أني لم أستطع أن أتابع دراستي في مصر بل طردت منها بعد أن وقع الاتفاق بين بورقيبة وعبد الناصر وزار بورقيبة المشرق سنة 1965 وطاف بقاعه وانتهي إلى أريحا حيث ألقي فيها خطابه المشهور الذي دعا فيه للاعتراف بإسرائيل وقبول قرارا التقسيم فثار عليه المشرق ثورة شديدة وإن تكن مصطنعه كما سيكشف عن ذلك المستقبل إن رفض وجود الكيان الإسرائيلي لم يكن مسألة جادة لدي النظام العربي.

بعد وصولي إلى سوريا وجدت طلبة تونسيين سابقين لى في الدراسة قد انتموا إلى " الاتحاد الاشتراكي " فانتسبت إليه في السنة الثانية من وجود في سوريا وهو حزب ناصري متفرع عن التنظيم الناصري الأساسي في مصر الذي كان يعرف باسم الاتحاد الاشتراكي العبي والذي ألغاه السادات وأنشأ لحزب الوطني بديلا عنه لم أبق في الحزب إلا سنة واحدة , انتقلت خلالها من قومي عاطفي إلى قومي أيديولوجي ملتزم وبدأت أتعرف ف يداخل خلايا القومية على حقيقة الفكر القومي .

كنا ندرس كتابات ساطع الحصري خاصة ولم أجد في هذه الكتابات ثقافة معمقة أو زادا يثبت في الصراع داخل حلقات النقاش في الجامعة بين التيارات الإسلامية والتيارات القومية فالرجل متأثر بالمدرسة الألمانية في سياق مختلف ومع تقدمي في الدراسة الفلسفية وبأثر الجولة التي قمت بها في أوروبا والكتابات التي قرأتها والمناقشات الحامية التي خضتها ضد التيار الإسلامي اهتزت في نفسي أساسيات الفك القومي وضعفت عن المقاومة وصرت أري حجج الفكر القومي هزيلة .

فما هي القومية العربية ؟ إنها اللغة والتاريخ ولكن هل كان لهذه اللغة من سبيل للخروج في طور اللهجات الذي كانت عليه قبل الإسلام فضلا عن البقاء موحدة والانتشار والثراء من دون اعتبار للأثر الحاسم للقرآن في ذلك ؟ وهل كان سيكون لتاريخ العرب وجغرافيتهم هاذ المعني وهذه الحقائق المعروفة اليوم لولا الإسلام فبأي منطق مقبول يمكن اعتبار هذا العامل الرئيسي في تكوين هذه البيئة القومية مكونا ثانويا كما فعل ساطع الحصري ؟

ثم هذه الشعارات التي يطوف القوميون حولها : حرية وحدة اشتراكية ما مصادقيتها ؟ ما الفرق بين الناصرية والبعث ؟ وجدت في النهاية أن الفرق إذا تجاوز الولاء لهذا الزعيم أو ذاك لا يتجاوز ترتيب هذه الشعارات هذا يقولوا حرية وحدة اشتراكية والآخر يقول اشتراكية حرية وحدة دون تحديد واضح لمضامين هذه الشعارات وأساسياتها الفلسفية واستراتيجيات تحقيقها في الواقع حتى أصبحت هذه المقولات في فجاجتها مصدر تندر بيننا يومئذ .

ثم أضيف عنصر آخر أيضا في توهين الفكر القومي لدي وهو علاقة الفكر القومي بالدين فأنا لم أتحول قط إلى ملحد بل ظللت باستمرار رغم ما كان يعتريني أحيانا من شك وحيرة مؤمنا أؤدي بعض شعائري الدينية لم أكن أشعر ولم يكن يدور بخلدي يوما حسب تربيتي المغاربية بأن العروبة تعني شيئا آخر غير الإسلام لكن عيشي داخل الحركة القومية كشف لى أن هاهنا موقفا مباينا للدين هاهنا عزل للدين عن كل نشاط في الحزب عندها أصبت بصدمة نتيجة اكتشافي بأن الحلم الذي عشت به حلم العرب والعروبة والقومية إنما هو خدعة

فالعروبة التي نعرفها في شمال إفريقيا تلك التي لا تصادم الإسلام ليست إذن هي العروبة التي يتأسس عليها الحزب الذي انتميت إليه من أجل أن أناضل في سبيل تحقيقها بل هي عروبة أخري منفصلة عن روحها بل معادية لروحها إنها بضاعة أخري مستوردة من مواريث الغرب في قرنه التاسع عشر مشبعة بمشكلات وثقافات لمجتمعات أخري لها سياقات تطورية أخري وخاصة التاريخ والثقافة الفرنسيتين والألمانيتين .

انخرطت في نقاش داخل الحزب حول علاقة القومية أو علاقة العروبة بالإسلام وكان يأتيني كل مرة مسئول يناقشني وكنت أطلب باستمرار تحديد واضحا لمكانة الإسلام في الحزب فانتهيت إلى أنه لا علاقة للإسلام بهذا الحزب كنت شديد الرغبة في أن أبقي في الحزب وكنت أريد أن أجد شيئا أتمسك به حتى أبرز لنفسي وأريح ضميري الديني أن وجودي في الحزب ليس مناقضا لديني بل ليس معاديا لمبدأ الإيمان فسألت :

هل يشترط الإيمان بالله على أصل أى دين – كعنصر مقوم لثقافة الحزب ؟ فكان الجواب أن هذا ليس شرطا وأن بإمكانك المنتمي للحزب أن يكون معتنقا لأي دين شاء أو أن لا يعتنق دينا أصلا .

عندئذ استيقنت أني مغرر بي قد استخدمت الأسماء الجميلة عندنا كالعروبة لخداعنا عن ديننا بعد أن أفرغت من المعاني التي نحبها ونؤمن بها وملئت بنقائضها من الفلسفات العلمانية الغربية عن بيئتنا اطمأنت نفسي لترك هذا الحزب وأدركت بأني خدعت إذ ظننت بأن انتمائي له يخدم العروبة التي نشأت عليها بل وجدته يرفضها ويعاديها جميعها واكتشفت ويا للهول أنني متروك في عروبة أخري ليس لأهل شمال أفريقيا بها علاقة .

كنت ولا أزال مقتنعا بأنه حتى الحزب الإسلامي يمكن أن ينتمي إليه مواطنون غير مسلمين بالعقيدة ولكنهم يقبلون البرنامج الحضاري الإسلامي على اعتبار الإسلام هو روح هذه الأمة وصانعها وباني أمجادها ولا يزال هو طريقها للمغالبة والنهوض فكيف يمكن تهميشه وتحويله إلى عنصر ثانوي في الأيديولوجي القومية كما حددتها أناجيل القوميين مثل كتابات ساطع الحصري وهناك ما هو أكثر منها سلبية وعداءا للإسلام ؟ وخاصة في مرحلة تمكين القومية .

كان الحوار في تلك الفترة يدور مع مجموعة من الشباب السوريين الباحثين عن الحقيقة .كنا مجموعة من الطلبة يجمعهم الانتماء للتيار القومي قد قادتهم مئات من ساعات النقاش المعمق حول الواقع العربي وأساليب النهوض به إلى الشك في الأيديولوجية القومية وشرعنا نبحث وفي بحثنا عن البديل كنا نلتقي مع جملة من التيارات الإسلامية الموجودة على الساحة كان منها تيار الإخوان المسلمين وجماعة الشيخ ناصر الدين الألباني وبعض المشايخ الذين كانت لهم نشاطات في دمشق مثل الشيح حنبكة الميداني رحمه الله وبعض عناصر حزب التحرير كنا نطوف على الحلقات لنتعرف على الإسلام ولنستدل على الباب الذي يمكن أن ندخل الإسلام منه ولم يكن الإخوان في ذلك الوقت إلا رقا من الأطراف التي دار معها الحوار.

وفي النهاية اطمأنت نفسي تماما إلى فساد المنهج القومي وإلى أن عروبة المشرق غير العروبة التي عرفتها في بلادي واطمأن قلبي تماما إلى الإسلام بديلا عن العروبة يحتويها ويعزها ويتجاوزها وأدركت في الوقت نفسه أن الإسلام الذي نشأت عليه ليس هو الإسلام الصحيح وإنما كان إسلاما تقليديا بدائيا مخلوطا بمواريث عصر الانحطاط لا يمثل رؤية عامة للكون والحياة ولا نظاما شاملا للحياة وإنما مجرد تدين تقليدي شخصي وخلاص فردي بعد الموت ولذلك اعتبرت نفسي أني لم أكن مسلما حقا وكان على أن اتخذ قرارا بدخول الإسلام بعد أن تيقنت أن ما كنت عليه ليس هو الإسلام وإنما تقاليد وعادات وشعائر لا تحمل أى منهاج حضاري أو نظاما للحياة .

الليلة الفاصلة

كانت ليل 15 حزيران ( جوان ) 1966 نقطة التحول في حياتي حيث تجمعت في الحوض محصلة خبراتي إلى حد الامتلاء ففاض فكان اليقين حازما برعاية الله لى والاطمئنان كاملا إلى أنه بدعوتي سبحانه دعوة لا تتحمل الانتظار إلى الخروج من عالم والدخول في آخر تلك كانت هي ليلة دخولي الإسلام خلعت فيها عني أمرين القومية العلمانية والإسلام التقليدي في عملية واحدة ودخلت في الإسلام الأصلي الإسلام كما تلقيته من مصدره الأصلي : الوحي لا كما صنعه التاريخ وصنعته التقاليد وفاضت على نفسي موجة عارمة من الإيمان والحب والفرح والإعجاب بهذا الدين فنذرت حياتي له .

تركت الاتحاد الاشتراكي في السنة الثالثة من إقامتي في سوريا وانتقلت إلى التيار الإسلامي فكرا وحياة ومصيرا مجردا من كل صيغة تنظيمية تاركا الناصرية وكانت في أوجها أى قبل هزيمتها عام 1967.

بعد أن اهتديت إلى الإسلام في سوريا لم تتكون لدي أى تجربة عملية في التحرك به فلم أنضم إلى أى حزب ولم أمارس أى عمل دعوي واقتصر نشاطي على محاولة استيعاب معظم ما كتب في الفكر الإسلامي الحديث فخلال السنتين اللتين قضيتهما في سوريا بعد ذلك ( 1966-1968) بعد تعرفي على الإسلام مجددا اقتصرت على النشاط الفكري تعمقا في دراسة الفلسفة واستيعابا لما كتب : محمد إقبال والمودوي وسيد قطب ومحمد قطب والبنا والسباعي ومالك بن نبي والندي إلى جانب دروس في الحديث والتفسير والفقه وليس صحيحا ما قيل عن انضمامي إلى الإخوان في سوريا .

كنت قد دعيت لأكثر من تنظيم بما في ذلك الإخوان ولكن اعتذرت لا لمانع عندي في الانضمام إلى الإخوان ولكن لعدم رغبتي حينها في الانتماء لأي حركة هناك على اعتبار أني لم أكن مستقرا في سوريا ولو كنت مستقرا فيها لربما انخرطت في الإخوان فباعتبار أني راجع إلى بلدي ولا أدري ماذا يوجد فيه من نشاط إسلامي لم أر مناسبا أن أدخل على بلدي بالتزام تنظيمي

بل أردت أن أدخل فقط بتوجه فكري وهناك أتفاعل مع الساحة التي قد أجد فيها تنظيما انضم إليه وبالرغم من رفضي الانتماء لأى تنظيم أو حزب إلا أنني تعرفت في سوريا على كل الاتجاهات على الإخوان وحزب التحري وجماعة الصوفية وجماعة السلفية ورغم أني طفت على كثير من حلقات المشايخ إلا أن حلقة الشيخ المحدث الكبير ناصر الدين الألباني – رحمه الله – هي التي شدتني إليها فقضيت في حلقته أكثر من سنة وتأثرت بمنزعه في تحقيق الحديث وبتطهيره الإسلام من الخرافات وكان مدخلي إلى أبن تيمية وابن القيم فهذا العنصر ظل في تكويني ثابتا .

لقد اقتنعت ابتداء بالمنهج السلفي ولكن لما رجعت إلى البلد أعدت النظر تدريجيا – بعد تجربة – في ما عليه هذا المنهج من صرامة وشكلانية ونظر جزئي أحيانا هذا التوجه الذي لا يرقي إلى النظرة الشمولية ولا يمكن أن يتفاعل مع بيئة وريثة لتقليد مالكي أشعري صوفي ولثقافة ممعنة في الحداثة واقتصرت منه على الجوانب العقدية بما تتسم به من صفاء بعيد عن التخريف والجدل الكلامي إلى جانب منهج التحقيق الحديثين في تناول الآثار الإسلامية .

من المشرقة إلى الغرب ( فرنسا)

ذهبت مباشرة بعد انتهاء دراستي في سوريا صيف 1968 إلى فرنسا لمتابعة دراستي العليا في الفلسفة وكانت إضرابات الطلاب التي تفجرت في 3/5/1968 قد انتهت منذ أشهر قليلة ولم أكن قد رجعت إلى تونس منذ خرجت منها مخافة أن تمنعني السلطات من المغادرة لأنني ذهبت للدراسة بمبادرة مني رغما عنها إذ كان الاتجاه إلى المشرق للدراسة ممنوعا بعد أن غربت تونس على إثر الاستقلال .

لقد تعرفت في باريس على جوانب من حياة الطلبة الوافدين من شمال أفريقيا وخاصة الجانبين الفكري والاجتماعي أما فيما يتعلق بالجانب الفكري فكنت أتردد على المقاهي التي كان الطلبة يجتمعون فيها في شارع سان ميشال بالحي اللاتيني ( صار يطلق عليه اسم شارع الطلبة ) وخاصة في مطعم مشهور لطلبة شمال أفريقيا في رقم 51 من نفس الشارع.

كانت تدور فيه وفي المقاهي المجاورة الحوارات حول قضايا الفكر والسياسة بين الاتجاهات الطلابية المختلفة ولم يكن في حينها في الحياة الطلابية أى توجه إسلامي وكان الطلبة التونسيون شيوعيين على اختلاف اتجاهاتهم أو قوميين عربا بعثيين وناصريين وكان التوجه الإسلامي هو الغريب حضرت كثيرا من المناقشات وكثيرا من الندوات وخاصة حول القضية الفلسطينية التي كانت مطروحة بقوة في باريس يومئذ وكان اليسار يتصدر معارضة لنظام البورقيبي وتأييد قضايا الثورة على الاستعمار لقد كان من بين المحاضرات العامة في الشأن السياسي محاضرة ألقاها مؤرخ فرنسي هو الأستاذ فإنسان مونتري " بقاعة الصداقة انتصارا للقضية الفلسطينية ".

كانت الحياة الطلابية عامة محكومة بالفكر اليساري ولم أتعرف على فكر أقصي اليمين إلا من خلال جريدة محدودة الانتشار كنت قد اشتركت فيها بسبب مناصرة للقضية الفلسطينية ومعركتها مع الصهاينة فزرت بمعية أحد الأصدقاء أحببته الأخ حميدة النيفر رئيس تحريرها في بيته وأعجبنا بأطروحاته إلا أننا صدمنا بموقفه الرافض لاستقلال الجزائر فكان اللقاء الأول والخير .

بعد نقاشات طوال سنة 1969 تكونت نواة صغيرة من عدد من الطلبة التونسيين كان منهم الأستاذ حميدة النيفر الذي كان متقدما على في الدراسة في سوريا حيث كان ناصريا وسبقني إلى فرنسا التي بدأت فيها شكوكه في التوجه القومي وانتهي به المطاف إلى التوجه الإسلامي غير أن التزامه العملي تأخر إلى حين عودته إلى تونس

ومنهم أحمد المناعي مؤلف كتاب شهير عن ابن على صدر عام 1995 وكان طالبا أيضا في الدراسات العليا وكان منهم طالب آخر في كلية الزراعة وآخر في كلية الفلسفة هو الأخ حسن الغضبان كنا خمسة طلاب تونسيين ربطتنا صداقة حميمة بعضهم بدأ يصلي وبعضهم اقتنع بالفكرة الإسلامية ثم بعد ذلك التزم بها وكان هذا بالنسبة إلى مجالا آخر موازيا لحياة المسجد التي تمثلت في علاقتي بجماعة التبليغ وهي العلاقة البعيدة عن كل نقاش وجدال وإفحام بالدليل كانت بالنسبة لى المحضن الأمن.

كانت حواراتي مع الطلبة وخاصة التونسيين منهم تدور حول هزيمة العرب يومئذ في حزيران ( يونيو)1967 وحول ثورة الطلبة في باريس عام 1968 وحول ما كان يجري في تونس لقد بدأت الثقة بالتوجه القومي تهتز إثر هزيمة الناصرية وبدأ عدد من أفراد هذه المجموعة من ذوي التوجه القومي يضعون علامات استفهام حول مصداقية وصحة التوجه القومي

أما بعضهم فاقتنع بالطرح الإسلامي خلال تلك الفترة وبعضهم وصل إليه فيما بعد أم أنا فلقد سبق انفصالي عن التيار القومي العلماني والتحاقي بالتيار الإسلامي قبل هزيمة 1967 كما ذكرت فقد كنا في التيار الإسلامي يومئذ نراها رأي العين قادمة لا محال بينما كان زملاؤنا القوميون يمنون أنفسهم بقضاء صائفة 1967 على شواطئ تل أبيب مع بنات اليهود.

أما الشكل الاجتماعي فكان يتمثل في الصعوبات التي يعيشها الطلبة لا سيما غير الحاصلين على منح دراسية وكان أهلهم فقراء مثلي فهؤلاء كانوا يلاقون عنتا شديدا لتوفير الحد الأدنى من المعاش معظمهم كان يشتغل في الحراسة الليلية للفنادق والمصانع فتلك كانت أقرب المهن إلى الطلبة على اعتبار أن الطالب يستطيع أ ن يذاكر وهو يمارس الحراسة ويستطيع أن ينام بعض الوقت إذا كان مكان الحراسة مناسبا

وهي وظيفة لا تحتاج إلى جهد عضلي ولكني لم أكن محظوظا إذ لم أحصل على فرصة للعمل في الحراسة رغم شد رغبتي فيها فتنقلت بين مهن كثيرة كمهنة التنظيف ومهنة توزيع مناشير الدعاية للمؤسسات وتلك كانت تتطلب أن يجول المرء أحياء كثيرة من أجل أن يسقط أوراق الدعاية هذه من خلال فتحات صناديق البريد وفي أبواب البيوت وكثيرا ما كان ذلك يتم تحت زخات المطر ولسعات البرد وكان حذائي أحيانا مثقوبا تتسرب منه المياه فتجمد أصابعي وكان المشرف على التوزيع فرنسيا بائسا لا يجد حرجا في أن يأمرنا بالاكتفاء بتوزيع قسم من المناشير الدعائية ثم إتلاف ما تبقي ورميه في نهر السين فكان ذلك مصدر قلق وضيق وجداني بالنسبة لي .

ومن المشاكل التي واجهتني موضوع السكن إذ تنقلت أثناء وجودي في باريس بين مساكن كثيرة فالأحياء الجامعية كانت مقتصرة على المنوحين وبلغ بي الأمر أن كنت أحيانا أترصد بعض الطلبة حتى أنام عندهم وفي ليال كثيرة كنت انتظر في الشتاء البارد إلى منتصف الليل حتى يأتي صاحب الغرفة فأنام عنده كما أن موضوع الأمل كان يمثل إشكالية أخري إذ كنت ملتزما بأشد شرائع الإسلام في الطعام

ولم يكن ذلك متوفرا بيسر يومئذ كما هو الآن أضف إلى ذلك ما كان يشكله الجو الجنسي الإباحي على طالب في مقتبل العمر من ضغط وتحد حتى لقد خلت نفسي في بعض الأحيان كما رسمتها في بغض مذاكرات تلط الفترة كأنني قلعة تكاد الريح تجتاحها من كل مكان من داخلها وخارجها

ولقد كانت تلك السنة التي قضيتها في باريس أقسي سنة في حياتي لقد كان امتحان عسيرا وكنت شديد الخوف من السقوط ويشتد بي الهول عندما أتخيل نفسي وقد سقطت ولو لمرة واحدة .. كم سأحتقر نفسي بعد ذلك وكم يغدو عبثيا عندئذ أن أقف بي الناس واعظا والحمد الله قد ثبتني الله وحماني من السقوط ومرت المحنة بسلام .

من المثقف الإسلامي إلى الداعية مع جماعة التبليغ

وفي باريس لم يكن للحياة الفرنسية أثر كبير على فكري وسلوكي ربما سبب حظ ساقه القدر لى إذ تعرفت فيها على " جماعة التبليغ" التي وجدت فيها الحماية من الريح العاتية فضلا عن كونها أضافت إلى تكويني بعدا لم يكن موجودا إذ أن هذه لجماعة تأسس فرعها في باريس على يد مجموعة صغيرة من الباكستانيين أتت إلى باريس سنة 1968 وأسست نواة صغيرة من بعض العمال المغربيين وبعض الباكستانيين وفي حي فقير جدا ومن منزل صغير لتاجر جزائري اسمه سي عبد القادر يقع في 15 شاع بال فيل اتخذ مكانا للدعوة كان منطلق تجربتي الدعوية الأولي .

ولما كانت المجموعة معظمها من العمال فقد جعلوا مني إماما لهم على الرغم من افتقاري لأى تجربة في العمل الدعوي وهناك اتبعنا طريقة جماعة التبليغ في الخروج للمساجد والشوارع والذهاب لمواطن العمال في أحيائهم وحتى في حاناتهم لدعوتهم إلى الإسلام إلى إسلام بسيط متمركز حول الجوانب الروحية الدافئة كالصلاة الجماعية والذكر والتلاوة والأخوة وإكرام المسلم والتلطف مع المخطئين ومساعدتهم في حنان على التوبة .

وكم من مسكين غارق في الخمر تلطف الدعاة معه وهو يعبث بلحاهم أو يسبهم ولكنهم لا يزالون به حتى يتطهر ويتحول إلى داعية كبير كانوا يقدموني فكنت أنا المتحدث لقد اندمجت وجدانيا وحياتيا مع هذه الطبقة المسحوقة من العمال المغربيين إذ عشت معهم في أحيائهم المعدمة ولمست عن كثب مدي شقائهم وأصالتهم وكانت تجربتي الدعوية الأولي معهم التي التحمت فيها خلفيتي الريفية الفقيرة مع إرث الفكر اليساري الناصري مع هذا الإسلام الشعبي البسيط .

فهنا في " حي بال فيل " و"درانسي" و"نانتير" نزلت ثقافتي الإسلامية من برجها الفلسفي إلى مستوي وهموم هذه الفئة المسحوقة الملفوظة والمقتلعة من أرضها فبدأت أتعلم الخطابة وتحولت من أستاذ فلسفة إلى مثقف إسلامي إلى داعية وتمت عملية لتحول هذه على أيدي جماعة التبليغ بما تتميز به حياتهم من بساطة وتواضع وتركيز على الجانب الروحي من الإسلام وعلى إتباع السنن وكان لهذا الجانب أثر في نفسي ظل ملازما لشخصيتي حتى أنني عندما عدت إلى تونس عدت بفكر إسلامي سياسي إخواني مودودي وفلسفي لكن بتجربة عملية تبليغية ولم يكن معي من منهج عملي للتحرك بالإسلام بعدما عدت إلى تونس غير منهج التبليغ.

ولذلك انعكست التجربة على أسلوب عمل مجموعتنا في تونس إذ ظللنا ثلاث سنوات تقريبا على منهاج جماعة التبليغ نجتمع في المسجد لحفظ آيات من كتاب الله العزيز وأحاديث النبي صلي الله عليه ثم ننطلق إلى المساجد ندعو الناس إليها من الشوارع المحيطة لوعظهم وترغيبهم في الصلاة والاستقامة وذلك بعيدا عن كل تأثير سياسي

غير أن السلطة ما لبثت إلى أن أوقفتنا بما فرض علينا إعادة النظر في هذا المنهاج العلني الصرف والبسيط وانتهينا إلى أنه لا يتناسب مع ظروفنا لأنه منهاج مفتوح لا سرية فيه إطلاقا قد يتناسب مع ساحة عمل مفتوحة كالهند والباكستان وبلاد الغرب ولكنه لا يتناسب مع بلد محكوم بنظام الحزب الواحد المتطرف في فرديته وعلمانيته فكيفنا وضعنا بحيث يشتمل على تثقيف شعبي علني وعلى تكوين تنظيمي سري ومن هنا بدأت حاجتنا للاستفادة من منهاج الإخوان وتجربتهم .

إقطاع حمزة أبو بكر مسجد باريس

كانت إقامتي في باريس تجربة مريرة وغربة حقيقية لأن الإسلام كان يومئذ غريبا تماما كانت الأقلية الإسلامية ولم يكن هناك سوي مسجد وحيد هو المسجد المركزي في باريس الذي تأسس منذ العشرينات مكافأة لجهود عشرات الآلاف من جنود شمال أفريقيا الذين حرروا فرنسا من الاحتلال الألماني غير أن هذا المسجد الوحيد كان تحت سيطرة رجل من أصل جزائري يسمي حمزة أبو بكرة يعتبر من المنظور الوطني الجزائري خائنا إذ كان نائبا عن الصحراء في الجمعية الوطنية الفرنسية خلال استعمار فرنسا للجزائر.

حاولت أن أقوم بنشاط في المسجد فمنعني وكان له أعوان - عبيد من الصحراء – يضربون كل من يسلطهم عليه وكان يشاع أنه يوجد تحت المسجد كهف يهدد بالإنزال إليه وتعذيب كل من ناوأه وأنا نفسي كنت مهددا بالضرب والطرد بسبب مشاركتي كعضو قيادي في " الجمعية الطلابية الإسلامية " التي كانت تتألف من مجموعة صغيرة من طلبة الجامعة مقرها في المسجد نفسه وكان يرأس الجمعية طالب إيراني تعرفت من خلاله على فكر " بازركان " وعلى فكر الإمام الخميني وقد كنت أعين الأخ الإيراني " فخري " في ترجمة خطب الخميني من الفرنسية إلى العربية وما كنت أعلم يومئذ شيئا عن الخميني حتى اندلعت ثورته وزرته في باريس في شتاء 1979 في نوفال لوشاتو .

وإن مما يلفت النظر أن ذلك الطالب الإيراني الذي اخترناه لرئاسة جمعية الطلبة المسلمين بفرنسا كان الإيراني الوحيد وكان شديد التدين على المذهب الجعفري وما اعترض أحد على تشيعه أو أثار هذا الموضوع جدلا أو شكل عائقا أو مصدر حرج لاختياره لموقع الرئاسة في جمعية كل أعضائها سنيون شدهم إليه تدينه وكفاءته فهل يتصور اليوم أحد إمكان حدوث ذلك في أى جمعية أو هيئة سنية أو العكس بأن يقدم سني ليترأس جمعية قاعدتها من الشيعة ؟ فماذا دهي المسلمين ؟ ولماذا هم يمشون القهقري في بعض مساراتهم ؟ العالم ينفتح وهم ينغلقون ؟ العالم يتوحد وهم يزدادون تفرقا وإمعانا في التطرف وهو منبع وسند التشقق ؟

لم يلبث حمزة أبو بكر أن طردنا في النهاية من المسجد فوجدنا مكانا صغيرا في الحي اللاتيني أجرناه مقرا للجمعية التي كنت أمينها لعام وكنا نعقد ندوة مساء كل سبت وكان يأتي إليها مجموعة من الطلبة ( حوالي 15 طالبا) وكان الدكتور العلامة محمد حميد الله يأتينا كل سبت ليلقي علينا كلمة مدتها تتراوح بين ربع ساعة إلى عشرين دقيقة حول موضوع إسلامي وهو – حفظه الله – لا يزال على قيد الحياة بارك الله في عمره

وهو الآن في التسعينات من عمره ولا شك أنه من كبار علماء الإسلام المعاصرين إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق وقد ترجم معاني القرآن إلى الفرنسية ومن أهم ما ألف كتابا في سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم بالفرنسية في جزأين كان أهم مراجعي في دروس السيرة النبوية ( نبي الإسلام) إلى جانب كتب كثيرة أخري أهمها الوثائق السياسية والإدارية في العهد النبوي ومدخل إلى الإسلام

كانت هذه السنة على قصرها غنية بالتجربة والثقافة ومارست خلالها حياة عملية إسلامية تمثلت أساسا في نشاط إسلامي مع العمال تلك الفئة المسحوقة في قاع المجتمع الفرنسي في ضواحي باريس الفقيرة جد وكنت معظم السنة قد عشت معهم إذ كان فيهم بعض أقاربي وأبناء بلدي وكنت عندما يضيق بي الحال ولا أجد من يؤويني أذهب إلى بعض أصدقائي العمال وكانت الأسرة صغيرة والسرير الواحد ينام عليه شخصان في غرفة تؤوي عشرين من العمال

وكان جزء من حياتي ضمن نواة من الطلبة الإسلاميين بعضهم إيرانيون وبعضهم مشرقيون كنا نخوص المناقشات مع مجموعات من الطلبة في الإطار الثقافي والسياسي العام وما تبقي من الوقت فهو للجامعة التي كان لها الحظ الأصغر من الوقت كنت أذهب إلى الجامعة حيث بدأت أعد أطروحة حول التربية بإشراف أستاذ اسمه سندارس وكان موضوع الأطروحة منهاج التربية في القرآن وكان ذلك يقتضي إشراف أستاذين مختص في التربية وأستاذ مختص في الإسلاميات بدأت خطواتي الأولي في إعداد الأطروحة .

العودة إلى تونس

ولكن بعد سنة ونيف جاء أخي الكبير الحاج المختار رحمه الله إلى فرنسا بعد أن بلغه أني كنت أتتنقل مع جماعة الدعوة والتبليغ بين أحياء العمال وبعض هؤلاء العمال كانوا من قري الجنوب فنقلوا هذه القصة إلى عائلتي التي هالها الأمر فابنهم الشاب غادر البلاد عصريا " موردن" وكان منتظرا أن يرجع أكثر عصرية فإذا به يبلغهم من أخباره أنه انتهي إلى شيخ سائح في الأرض فخشوا أن يكون قد أصابني جنون فأرسلوا لى كبير العائلة لإنقاذي !

وكان الناس في ذلك الوقت ينظرون إلى السلوك الإسلامي على أنه سلوك أهبل فمجرد رؤية شاب مثقف وقد أعرض عما هو معتاد في مناخات التحلل وأقبل على الالتزام بتعاليم الإسلام وتحول إلى داعية كان ذلك مثيرا للسخرية والاندهاش إلى درجة الشك في سلامة عقله فقد يكون قد اعتراه قدر غير قليل من الجنون أو الهبل وأنه يحتاج إلى علاج قبل فوات الأوان لذلك جاء أخي بقصة مرض والدتي وقد مضت خمس سنوات على مفارقتي لها , وهول لى الأمر لا لشئ إلا لأجل أن أرجع عن هذا " الهبل" حسب عرف تلك الفترة ".

والحقيقة أنني كنت أوشك على المضي في سبيل أخري فجماعة التبليغ هؤلاء يطلبون ممن ينضم إليهم أن يسافر إلى الباكستان مدة أربعة أشهر وإذا كان مثقفا وهم يسمونه عالما يحتاج إلى سبعة أشهر من أجل تأطيره التأطير الكامل فيعيش بينهم في الباكستان وبينما كنت أهيئ نفسي للسفر إلى هناك ظهر شقيقي فجأة فحول وجهتي مرة أخري أيضا كما حصل في مصر حينما كنت أهم بالسفر إلى ألبانيا فصادفت من حولني عنها إلى سوريا ( وإليه يرجع الأمر كله) .

وكانت النية أن أذهب لزيارة والدتي خلال شهر وأعود ولذلك تركت أشيائي في باريس وكانت عودتي عبر الأندلس فمررت بقرطبة وزرت المسجد الكبير وكان كذلك اثر كبير في نفسي إذ بكيت بكاء مرا وحتى أخي رغم عدم التزامه – مع أنه كان حافظا لكتاب الله إلا أنه بسبب لمناخات العلمانية في الخمسينيات والستينيات ترك الصلاة – عندما وقف في مسجد قرطبة انفجر من أعماقه يبكي بكاء الثقلي ومنذ تلك اللحظة عاد إلى الصلاة ولم يتركها حتى توفاه الله وأذكر أنني لما وقفت لأصلي في المحراب جاء قس ليمنعني فغضبت غضبا شديدا وكنت مستعدا لأن أقاتله فتركني وشأني أؤذن في المسجد وأصلي في المحراب .

وبعد ذلك مررنا على الجزائر والتقيت بمالك بن نبي وكنت أمني نفسي بلقائه بما عرف به من عقلانية وقدرة علي التحليل الاجتماعي والتاريخي وقد قرأت له ما شوقني لمقابلته وكان للقائي به تأثير كبير في نفسي وفي مجموعتنا التي ستنشأ .

وستتكرر رحلتي إلى الجزائر في السنوات الموالية مع جمع من الإخوة ثلاث مرات لحضور مؤتمرات الفكر الإسلامي وأساسا لحضور ندوات مالك بن نبي التي كان يعقدها في بيته رحمه الله .

وقد كان لذلك أثر بالغ على الحركة الإسلامية التونسية التي ربما تكون قد أفادت من أرث الرجل أوفر من أختها الجزائرية التي ربما تكون قد تمشرقت أكثر من اللازم وأذكر أنه في احدي الندوات سأله أحد تلاميذه هل يمكن للجزائر وقد استقلت وأسست التعليم الأصلي وجامعة الأمير عبد القادر أن تحل مجل تونس مركزا حضاريا أساسيا في المنطقة؟ فأجاب الحكيم إن المراكز الحضارية الكبرى في تاريخ كل حضارة لا تقوم ولا تختفي في يوم فكان ذلك تشجيعا أيما تشجيع لنا.

استقرار مفاجئ !!

عدت إلى البلاد وكانت التجربة الاشتراكية تحتضر والتغريب قد بلغ مداه حتى قدر أهل الفكر العلماني أنه إقلاع بلا عودة ولأول مر ة بعد زيارة أهلي في الجنوب مررت في طريق عودتي إلى باريس بجامع الزيتونة بعد أن استيقن أشقائي بما يمثله أسلوبي الذي باشرته في نقد الأوضاع علنا من خطر على العائلة وعلى نفسي أن الأصلح لى وللعائلة العودة من حيث أتيت فأنا - في تقديرهم

لم أعد أصلح لهذه البلاد ولا هي تصلح لي ولن أجد بهيئتي هذه حتى امرأة تقبل أن تكون زوجة لى فسافرت إلى العاصمة وكانت مفاجأتي كبيرة أن رأيت حلقة تدريس تضم شيخا اجتمع حوله بضعة عشرات من الصبية وبعض المسنين ولفت نظري وجود شاب كان ظاهرة شاذة حسب تقديراتي تعرفت عليه فقادني إلى حلقة لجماعة التبليغ أنشأها الباكستانيون منذ سنة تضم خمسة أنفار يقومون بالدعوة .

كان من بين الخمسة شاب معمم هو الشيخ عبد الفتاح مورو, وعرفت أنه كان طالبا في كلية الحقوق كان تعرفي على تلك الحلقة وعلى الشاب الشيخ قد أعاد لى الأمل أن الخير لام ينقطع في هذا البلد المنفلت فانضممت إليهم وانطلقنا نتواعد كل أسبوع على دعوة الناس إلى المساجد وتعليمهم الصلاة وانصرفت عن العودة إلى باريس ورأيت أن الواجب الأوكد هو متابعة هذا العمل وسرعان ما باشرت مهنتي كمدرس فلسفة في صف البكالوريا فكان ذلك حقلا أخر لنماء الشطء الجديد لزرع الإسلام.

مدرس الفلسفة وناقد الفلسفة

كنت أدرس الفلسفة لطلبة البكالوريا وكانت الفلسفة في سنة البكالوريات ذات أهمية كبيرة إذ كانت علاماتها تضاعف ست مرات وكانت تأخذ سبع ساعات في الأسبوع في أقسام الآداب وكان المنهاج ليس على الفلسفة الغربية في جملتها وإنما على فرع منها هو الفلسفة المادية في أبعادها الماركسية والفرديدية والدارينية والدوركايمية والوجودية والبنيونة

وكان واضع المنهاج هو مفتش الفلسفة الأستاذ " الكرايس " وهو ماركسي عرف عنه تعاونه مع بعض الفرنسيين الماركسين وكانت مادة الفلسفة تستهدف وضع اللمسات الأخيرة على الطالب قبل أن يذهب للجامعة حتى يصبح هناك مناضلا ماركسيا شاكا في كل القيم الدينية وشاكا في التاريخ الإسلامي وفي العقائد وفي كل القيم المطلقة عدا المطلق المادي مولها بالثورات والنماذج الغربية سيئ الظن بالإسلام وتاريخه وغالبا ما ينتهي مستهتر بهما ملحدا مرتدا عن الإسلام وعدوا له محاربا .

وكنت قد كتبت مقالا اشتهر في حينه نشرته أهم صحيفة يومية في تونس ثم نشر بعد ذلك في أكثر من كتاب وكان المقال بعنوان " برامج الفلسفة وجيل الضياع " اعتبرت فيه منهاج الفلسفة مسئولا عن جيل الضياع الموجود في تونس ووجهت انتقادات عميقة للمنهاج وطرحت بديلا له شعرت أنه لا بد للفكرة الإسلامية لكي تجد طريقها إلى الشباب من نقد عميق لبرنامج الفلسفة فكنت أقوم بذلك سواء في دروسي أو في الندوات التي كنت أنظمها خارج المدرسة أو في داخلها وفي مقالاتي ومحاضراتي التي غطت خلال عشرية السبعينات معظم المعاهد الثانوية والكليات فضلا عن المساجد والنوادي كان هذا هو العمل الرئيسي الذي ركزت عليه وإخواني مشروعنا الإصلاحي للبلاد.

كان للفكر الماركسي هيمنة كاملة على الثقافة والأدب وسائر العلوم الإنسانية ولا سيما الدراسات الفلسفية فكان لابد من نقد الفلسفة المادية إضافة إلى فلسفة التاريخ كما أسسها " هيجل" ونحي بها " ماركس" منحي ماديا.

نقد فلسفة الديالكتيك في الطبيعة وفي التاريخ والمجتمع أى صراع الطبقات ونقد الفرويدية" في تفسيرها للسلوك البشري من خلال الرغبات الجنسية المكبوتة وكان لابد من نقد الوجودية كما حددها " سارتر" في اعتبارها الإنسان الفرد مقياس كل شئ وفي نظرتها العبثية للوجود وكان لابد من نقد أسس علم الاجتماع كما حددها " دور كايم" التي تلغي في النهاية المسؤولية الفردية التي يقيم عليها الإسلام سلوك البشرية والثواب والعقاب في الدنيا والآخرة

وهذا النقد كان ينبغي أن يستخدم نفس الأدوات العلمية نفس الأدوات العقلية من أجل فتح الطريق أمام إعادة الاعتبار لنص الإسلامي الذي لا يمكن أن يأخذ مكانه في القلوب ما لم تطهر النفوس والعقول من هذه المطلقات المطلق الجنسي والمطلق الاقتصادي وسائر أدوات التحليل التي اعتمد عليها الفكر الغربي مطلقات مرجعية بديلة عن مرجعية الوحي العليا التي تمثل فضاء مفتوحا أكثر من كونها نقطة أو وصفة جاهزة وإجابات نهائية عن كل سؤال يطرح كما حاول بعض الإسلاميين المتشددين تصويرها قديما وحديثا.

وعندما أقرا أحيانا لمفكرين حتى ولو لم يكونوا شيوعيين أفاجأ بأنهم يتحدثون عن الإسلام ويحاولون أن يفسروا الصحوة الدينية في العالم الإسلامي بما لا يكادون يخرجون به عن التحليل الماركسي وعن التحليل الاجتماعي القائم على علم الاجتماع الديني عند الغرب أو تفسير التدين عند فرويد

وما ذاك إلا بسبب هيمنة الفلسفة المادية وما تولد عنها من رؤى على سائر مجالات العلوم الإنسانية ومن العجيب أن نري الغرب الذي حارب الماركسية كنظام سياسي يعتمد مرجعية فكرية مقولاتها تحليلية مطلقة وذلك ما يجعل ماركس هو الغربي الحق أو هو الغرب مكثفا والماركسي الأكثر تغربا هو الأكثر مركزة أوروبية من أى غربي آخر وكأن الماركسية هي التأليف النهائي للفكر الغربي وهي ذروة العلمنة فمن هنا لا مناص من نقدها .

لكن هذا النقد – ككل نقد- كان في مرحلته الأولي نقدا جذريا راديكاليا لا يستبقي من المبدأ شيئا بل ينسف هذه المادي سفا قم ما لبث في المرحلة التالية ان أصبح أكثر اعتدالا فلم نعد نرفض فكرة تأثير العامل الاقتصادي في السلوك البشري ومن هنا جاء التأكيد على العدل الاجتماعي وعلى محاربة الإسلام للفقر وعلى الانحياز " للمستعفين " حسب التعبير القرآني الذي كشف عنه أعظم ثوري في القرن العشرين الإمام الخميني .

فالماركسية بعد أن نسفت من الأساس أعيد لها الاعتبار كعامل من عوامل التحليل وليس باعتبارها قيمة مطلقة أو " دوغما" وكذلك الأمر بالنسبة للأشعور عند فرويد بمضمونه الجنسي فهذا أيضا أعيد له الاعتبار بحسبان العامل الجنسي مؤثرا من مؤثرات السلوك وأن الإسلام وخلافا لبعض الديانات أولي أهمية كبري للعامل الجنسي وارتقي بالنشاط الجنسي إلى مستوي العبادة عندما يمارس في الإطار المشروع أى الزواج.

كانت محصلة التحليل النقدي رفض هذه المبادئ باعتبارها قيما مطلقة أو باعتبارها الحق المطلق والسبب الوحيد مع الأخذ ببعض ما توهت به من مؤثرات في السلوك البشري وفي التاريخ البشري ففي حياة الإنسان عامة مؤثرات لا يمكن تجاهلها منها العامل الجنسي والعامل الاقتصادي والعامل الاجتماعي وليس من شأن دين الفطرة إلا الاعتراف بها والعمل على توفير أفض الشروط لإشباعها بما يزكي إنسانية الإنسان ويرتفع بها إلى آفاق أعلي بما يرتكس به إلى درك الحيوانية .

ومن هنا تأتي أهم إضافة أضافتها الحركة الإسلامية في تونس للفكر [[الإسلامي المعاصر أ لا وهي الانتقال في التعامل مع الفلسفة الغربية وكيفية النظر فيها من مرحلة النقد المطلق الذي يفقد هذه النظريات أى وجه للصواب وأى وجه للحق باعتبارها باطلا محضا إلى مرحلة " الرفض النسبي" أو التعامل الموضوعي وهو ما أفسح المجال أمام إمكان قيام علاقات حوار وتفاهم وتعاون بين التيار الإسلامي والتيارات العلمانية ليبرالية ويسارية ومن ذلك الدفاع عن الحريات وعن مؤسسات المجتمع المدني وعلى استقلال المنظمة النقابية.

لقد غدت الحركة الإسلامية هنا تتعامل مع الفكر الغربي ومع الواقع من منطلق الرفض الإيجابي أو النقد الإيجابي وليس النقد السلبي فبعد أن رفضت تلك الأيديولوجيات باعتبارها مطلقات قبلتها باعتبارها نظرات جزئية للحق وأدوات جزئية مفيدة للتحليل كقضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق العمال وحقوق النساء فما ينبغي أن نرفض فكرة لمجرد أنها تأسست على مرجعية فاسدة كالإلحاد أو بسبب ما صاحبها من غلو في النسبية وما رافقها من تحلل بل يجب وضع الأمور في ميزانها .

ولابد من الاعتراف بأنه كثيرا ما تعامل الفكر الإسلامي من موقع ردة الفعل مع الفكر الغربي وإذا كان العلمانيون العرب قد قبلوا الفكر الغربي كمطلقات وإذا كان الماركسيون قد اعتبروا ماركس الناطق باسم الحقيقة فقد حاول بعض الإسلاميين أن يرفضوا رفضا بالجملة كل ما جاء من الغرب أظن أن منطق الإسلام هو ما ورد في الآية الكريمة ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) المائدة 7) ومن معاني العدل النظر الموضوعي في كل ما يعرض والتعامل الإيجابي مع الإرث البشري كما تعامل ابن رشد وآخرون مع الفكر اليوناني فقبلوا ما رأوا فيه من حق ينسجم مع الإسلام ورفضوا ما فيه من باطل .

حصلت على شهادة الكفاءة في البحث من كلية الشريعة في تونس عام 1984, وكان موضوع الرسالة :" القدر عند ابن تيمية" وبعد ذلك بدأت أعد لرسالة الدكتوراه في موضوع " الحريات العامة في الدولة الإسلامية" الموضوع الذي أقض مضجعي طويلا .

ولكن طالت المحنة ولم أجد فرصة لأقدم الموضوع في الجامعة وجدت من بعد أن الموضوع تحتاجه الساحة الإسلامية فرأيت أن أنشره في كتاب بغض النظر عن الألقاب والرسميات حتى لا تتعطل هذه الأفكار التي ألحت في طلبها الساحة وأقضت مضجعي طويلا .

انبعاث الحركة الإسلامية

في الوقت الذي تغربت فيه الحياة بفعل السيطرة الاستعمارية على الاقتصاد والإدارة وبضغط وإصرار من السلطة الاستعمارية ظلت المعاهد الدينية قائمة على المناهج القديمة لم يدخل عليها تحديث لا في لغتها ولا في مضامينها وظل الفقه يدرس كما كان يدرس سابقا يطرح مشكلات لا وجود لها في الواقع, مشكلات هي غير مشكلاتنا أما المشكلات التي فرضها الاستعمار وأصبحت واقعا فلا يتطرق إليها ونتج عن ذلك انفصال بين الدين والحياة فبينما تغربت الحياة ظل الدين منغمسا في التاريخ

فكأنما الشباب الذي يدرس في المعهد الديني يقوم بجولة في متحف تاريخي لا يزوده بأى نور يهديه في حياته ولا يبين له كيف يعيش إسلامه في حياة قد تغربت كانت الدروس مملة وكان الذي ينتمي إلى المدارس الدينية إنما بفعل ذلك لأنه لا يجد مكانا يدرس فيه غير هذا المكان أو لأن والده دفعه لهذه الدراسة أو لأنه يدرس حتى يمتهن مهنة لا للاستنارة والفهم فقد كان معظم الطلبة ريفيون فقراء.

هكذا كان حال الزيتونة رغم ما قام به الشيخ الطاهر ابن عاشور وأصحابه – رحمهم الله – من جهود كبري لتطوير التعليم في الجامع حتى يكون هو إطارا للتحديث لقد كانت تلك تجربة طريفة , لو تم لها الاستمرار ووجدت الدعم لكان مصير تونس غير هذا المصير ولتم تحديثها ولكن في الإطار العربي الإسلامي ولكن التقت إرادة المستعمر الفرنسي مع حزب الدستور- خليفته – لإجهاض ذلك المشروع إلحاقا لتونس بفرنسا وتضحية بالإسلام والعروبة وأعتقد أن إجهاض مشروع التحديث في إطار عربي إسلامي كان أهم بند سري في صفقة الاستقلال وهو ما سيكشف عنه مستقبل البحث .

ولذلك لم تكن الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس من ثمار جامع الزيتونة بل لم يكن للجامع دور يذكر في نشأتها كانت الحركة الإسلامية إلى حد كبير انعكاسا لأثر الفكر الإصلاحي في المشرق ولم تكن امتداد لمنهج التعليم الذي كان سائدا في جامع الزيتونة لقد قامت محاولات كبيرة لتحديث التعليم في جامع الزيتونة منذ بداية القرن فقد زار الشيخ محمد عبده تونس في عام 1905 والتقي بالشيوخ وشجعهم على التحديث أى على نقل الحداثة لجامع الزيتونة من حيث تدريس العلوم الحديثة باللغة العربية وتشكلت لجان هامة للإصلاح كان يشرف عليها الشيخ المجدد محمد الطاهر بن عاش صاحب :

" تفسير التحرير والتنوير " وكتاب " مقاصد الشريعة " و" أصول النظام الاجتماعي في الإسلام" ولكن فرنسا كانت حاسمة في القضاء على المشروع فحالت دون تواصله حتى ينتهي إلى غايته في تحديث شامل للبلاد على أساس إسلامي فحاصرت المشروع وهمشته من خلال فرنسة الإدارة ثم من خلال ما زرعته من مؤسسات تعليمية فرنسية وموازية خريجيها بكل حظوة فجعلت لهم امتيازات في الوظائف وهكذا تغربت الحياة جملة .

لقد خرجت فرنسا جيلا غرب الحياة وغرب الإدارة والثقافة بينما ظل جامع الزيتونة مشرقا فاختنق وبدأت أكفانه تنسج منذ دخلت فرنسا إذ صار خريجوه لا يجدون أعمالا لأن الحياة أصبحت كلها تدار باللغة الفرنسية ولذلك كان من يرغب منهم في مواصلة تعليمه يذهب إلى المشرق رغم أن البرامج التي كانت تدرس في المعاهد الفرنسية في ميادين العلوم كانت نفسها تدرس في جامع الزيتونة بعد الإصلاح بما في ذلك الرياضيات والعلوم الطبيعية والجغرافيا والتاريخ مع فارق أن هذه البرامج كانت تدرس في المعاهد الفرنسية بلغة فرنسية مؤطر بإطار غربي بحيث كان الخريج منها يحمل منظورا عاما للحياة للحضارة والتاريخ من وجهة نظر غربية وبالمقابل كانت المواد نفسها تدرس في جامع الزيتونة باللغة العربية ولكن دون أن تكون مؤطرة بإطار إسلامي كاف فكان الخريج ممزقا بين ثقافة لا تزال غاية في التخلف وبين ثقافة حديث مفصولة عنه .

ولذلك كانت المهمة الأساسية للحركة الإسلامية هي الوصل بين هذين الجانبين بمعني القبول بالعلوم الحديث وتأطيرها في إطار إسلامي بحيث يتخرج الفرد في الحركة الإسلامية الحديث وهو يحمل مفهوما جديدا ومعاصرا للمجتمع الإسلامي.

بينما خريج جامع الزيتونة لم يكن عنده مفهوم عن المجتمع الإسلامي سوي ما قرأه وسمعه عن المجتمعات الإسلامية التقليدية فلم يكن يعرف معني للاقتصاد الإسلامي بل لم يكن هذا المفهوم وقد دخل جامع الزيتونة إطلاقا ولم يعرف مفهوم الدولة الإسلامية ومؤسساتها وعلاقتها بالدولة الغربية المعاصرة ولا مكانة المرأة ولا التعددية ولا الفنون والآداب ولا نظرة الإسلام للغرب وفلسفاته ونظمه في الحياة وقيمه وفنونه ولا رؤية الإسلام الفسلفية للإنسان والحياة والعلاقات الدولية .

لقد كان طالب العلم في جامع الزيتونة ممزقا يعيش حياته في إطار غربي ويتلقي العلم في إطار عربي قاصر لا يعطيه منظورا لمجتمع بديل فكان ينجذب بطبيعة الحال إلى نموذج الحياة الغربي الذي يؤطره والحياة كلها فيعيش في حالة اغتراب وتمزق تدفعه إما إلى الهرولة للانخراط الأعمى في الحياة الحديثة أو إلى محاولة التمرد اليائس .

نشأت الحركة الإسلامية لتجيب على مثل هذه الأسئلة الكبرى حول الوجود وحول التاريخ وحول الدين ونظام الحياة والموقف من الحداثة والمسألة الفلسطينية والعلاقة مع الغرب والموقف الغربي من الإسلام والمستقبل العربي فمثل هذه القضايا لم تكن مطروحة في التعليم الزيتوني ثم بعد أن شبت الحكة الإسلامية على الطوق أخذت تراجع نفسها وتحاول أن تجسر العلاقة بينها وبين جامع الزيتونة الذي كانت البورقيبية قد أحدثت بينه وبين الحياة الحديثة قطيعة تامة.

بدأت الحركة الإسلامية تبحث في جامع الزيتونة عن جوانب التجديد لتواصل نفسها في إرث البلاد كان ذلك في الثمانينات وأذكر أن أول ما قرأته لابن عاشور – وهو أهم رمز للثقافة الإسلامية في تونس الحديثة- كان في الثمانينيات ولم أكن قبل ذلك قد قرأت كتابا إسلاميا تونسيا واحدا بما في ذلك الكتاب المرجع لنواة فكرة الإصلاح " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك "

بل كل الذي قرأته من قبل كان كتابات مشرقية هي التي فتحت لى الطريق إلى الإسلام ولكنها أوقعتني في قطيعة مع تراث الإسلام المحلي ومع تراث تجربة التحديث العريقة في تونس والتي بدأت بمنطلقات وغايات إسلامية منذ منتصف القرن التاسع عشر سعيا لإنقاذ البلاد من مخاطر التفوق الغربي المهدد لها بالاحتلال وذلك عن طريق تحديث الإدارة بالحد من السلطان المطلق للحاكم وتحديث المؤسسة الدينية لتضم إليها العلوم الحديثة

غير أن ميزان القوة الدولي كان قد مال كليا للطرف الآخر فلم يسمح لهذه العملية أن تصل إلى غايتها فتم التآمر على رائدها الوزير خير الدين التونسي فأبعد وجماعته من أجل فرض فتح أبواب البلاد أمام الاحتلال .

ورغم أن مشروع الإصلاح وقعت محاولة استئنافه واستؤنف المشروع في العهد الاستعماري إلا أن المحتل صمم على إجهاضه وتواطأ في ذلك كما حصل في المرة السابقة مع النخبة المتغربة من أبناء البلاد التي سلم إليها زمام الحكم والقيادة عندها اضطر للرحيل مؤثرا الضرر الأصغر .

وأغرب ما في الأمر أن خلفاء فرنسا هم الذين أجهضوا بعون الدولة تجربة التحديث الإسلامي لصالح سياسة الإلحاق الحضاري للغرب ادعوا لأنفسهم وراثة الحركة الإصلاحية التي اقددها الدين وهم في حقيقة الأمر إنما استمدوا جانبا كبيرا من مشروعيه سلطتهم من القضاء عليها فانقلبت على أيديهم تجربة الإصلاح تغريبا مناوئا للإسلام متحرشا به ناظرا إليه على أنه عقبة في طريق التقدم وذلك بعد أن استولي العلمانيون على الحركة الوطنية وعلى تجربة التحديث وعلى البلاد جملة وعملوا على تهميش الإسلام كليا دون أن يتنازلوا عن مهمة الإشراف عليه واحتكار الحديث باسمه كما فعل الكماليون في تركيا أو أسلافهم في فرنسا مع المسيحيين فكان غاية في النفاق والخبث .

خصوصيات الحركة

للحركة الإسلامية التونسية خصوصية تميزها بعض الشئ عن غيرها وقد حاولت في ورقة لى بعنوان " الأصول الفكرية لحركة الاتجاه الإسلامي " أن أجيب عن سؤال:

" لماذا تبدو الحركة في تونس متميزة ولها بعض الخصوصية ؟ ومن أين تأتي هذه الخصوصية ؟" وكانت الورقة تعقيبا قدمته في ندوة نظمتها سنة 1984 جمعية الأمم المتحدة بالتعاون مع " مركز دراسات الوحدة العربية وكانت خلاصتها أن الحركة إسلامية في تونس ذات خلفية فكرية متنوعة تداخلت فيها في محصلة التحليل عناصر ثلاثة : التدين التونسي التقليدي المؤسس على التصور أو المذهب المالكي والثقافة الإصلاحية المشرقية والثقافة العقلانية الحديث.

إن التحديث الذي حصل في تونس وأصبح واقعا له تأثيره بلا شك رغم أننا في المرحلة الأولي من دعوتنا( 19691979) كنا في حالة رفض للمجتمع القائم أى للبورقيبية بكامل أبعادها وللتدين التقليدي لصالح التدين الإصلاحي المشرقي الوافد الذي حملناه إلى البلاد فاصطدمنا مع المجتمع في كل أبعاده اصطدمنا في مجتمع الحداثة المتغربة مع النخبة المتغربة وعلى رأسها الشيوعيين باعتبارهم الأكثر تغربا واصطدمنا في المجتمع التقليدي بمشايخ جامع الزيتونة وهذا الصدام في النهاية كان لابد أن يفضي إلى أحد أمرين:

إما أن نهمش أو أن تقلب المجتمع كله بأن نفرض عليه هذا الوافد وما كان هذا ممكنا فالمجتمع أصلب من أن يكون عجينا نطوعه لبضاعة وافدة إن الذي حصل كان نوعا من الأخذ والعطاء من الزواج أو الوفاق أفضي في نهاية السبعينات إلى نشأة حركة نقدية للفكر المشرقي وخاصة لفكر سيد قطب رحمه الله ممثلا في موضوع جاهلية المجتمع وفي مسألة مفاصلته واعتبار أن الجماعة هي الأمة الإسلامية وان بقية المجتمع ليست على شئ مع الدين أن المطلوب من هذه النواة أن تتوسع على حساب المجتمع أو أن تنقل المجتمع إليها حتى تستوعبه في الإطار الجديد.

أدت هذه الحركة النقدية إلى تمزيق الجماعة فخرجت عنها مجموعة اسمها " اليسار الإسلامي " بدأت بنقد سيد قطب ثم الإخوان المسلمين ثم الفكر السلفي عامة وانتهت إلى الصدام مع النص الإسلامي الأصلي معتقدة ضرورة التمييز فيه بين ما يناسب العصر وما لا يناسبه ولئن أحدثت هذه الحركة النقدية تمزقا في الجماعة إلا أن النقاش الذي تمخضت عنه كان مفيدا في استعادة العي وفي إحياء البعد النقدي في الحركة والتعامل مع هذا الفكر الوافد تعاملا نقديا وليس من موقع التتلمذ التسليم إلا أن مجموعة اليسار الإسلامي مضت إلى أبعد من ذلك في النقد إذ اقتربت إلى حد التطابق في محصلة طرحها العظمي من الحركة لئن قبلت في النهاية مبدأ المراجعة والنقد والتطوير فإنها أصرت أن يكون ذلك في إطار النص الديني وسلطة الوحي العليا أما الذين لم يقبلوا ذلك فقد غادروا الحركة وما لبثوا أن استو عبتهم إلى حد كبير المؤسسة الحديثة على شروطها .

إن الحركة النقدية للوافد المشرقي في تصوري أدت إلى تسهيل عملية التفاعل بين الإسلام والواقع التونسي الذي مضت فيه أفكار الحداثة الغربية شوطا بعيدا إذ توجب على هذا النمط من التدين عندما اصطدم بقوة مع المجتمع أن يعيد النظر في مقولاته وفي فهمه بمعني آخر لقد جري حوار بين الوافد وبين الواقع التونسي انتهي إلى التسليم بضرورة إعادة النظر في البضاعة الوافدة ولكن كما أشرت أفرزت الحركة بعد ذلك اتجاهين كان الاتجاه السائد يقر بالمرجعية العليا للنص وتاليا يقبل التطور والحداثة سواء التونسية او الغربية ولكن في إطار ما يطيق النص الإسلامي دو تعسف لأننا إذا تمردنا على النص لم يبق ما نتمسك به بعد زوال الإطار .

أما التيار الثاني فمثلته مجموعة قبلت التطوير دون تقيد بضوابط صارمة وفي النهاية تهمشت هذه المجموعة واستلم بعض أفرادها مناصب رسمية عليا مع علمانيين عتاة فوزير التربية الشرفي مثلا الذي عرف عنه عداؤه الشديد للخيار الإسلامي والذي أتي به لمصادرة ما تبقي من تدين في مناهج التعليم كان مستشاره الديني أحد رموز هذا التيار الإسلامي التقدمي .

مسيرة التحديث

نستطيع أن نقول بأن خصوصية الحركة الإسلامية في تونس أتت إلى حد كبير من خصوصية الواقع التونسي نفسه ومدي تغلغل أفكار التحديث فيه والحقيقة أن أفكار التحديث في تونس كانت مطلبا زيتونيا أى مطلبا دينيا منذ القرن التاسع عشر قبل أن يأتي الفرنسيون أى أن المجتمع التونسي طلب التحديث قبل الاستعمار وعندما جاء الفرنسيون عملوا على الإجهاز على تحديث يتم في الإطار الإسلامي لفرض تحديث غربي مستورد الأمر الذي يجعل الصراع الثقافي في تونس ليس بين الحداثة والتقليد الإسلامي

وإنما بين نمطين من الحداثة حداثة محتواها التغريب وإلحاق البلاد بما رواء البحار وحداثة محتواها استيعاب العلوم والفنون والنظم الغربية في إطار الإسلام وتراثه بحسب حاجة الإسلام إلى ذلك وبمقاييسه ومن أجل خدمته ونهوضه واستعلائه على اعتباره كلمة الله الأخيرة والميزان العلي للحق وإن مما يعين على هذا الاستيعاب مرونة وعمومية وعقلانية النص الإسلامي وغياب مرجعية كنسية .

في الخمسينات ممن القرن التاسع عشر نشأت حركة التحديث في تونس تطالب بتحديث التعليم وبتحديث الإدارة وبتحديث الدولة وتطالب بالحد من سلطة الحاكم ولذلك كان دستور سنة 1864 في تونس أول دستور في العالم الإسلامي يضبط سلطة الحاكم ويحاول إدخال ما سمي في الخلافة العثمانية ب" التنظيمات " أى أسلوب الإدارة في المصطلح الغربي ولكن في الإطار الإسلامي تبلورت هذه الحركة على يد مصلح سياسي كان هو الوزير الأول خير الدين باشا أو خير الدين التونسي الذي كتب كتابا شهيرا اسمه " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"

يعتبر مرجعا مهما في تاريخ حركة التحديث في العالم الإسلامي وكان قد أعد المادة الدينية لهذا الكتاب مشايخ ف يجامع الزيتونة لأن الرجل لم تكن له ثقافة دينية بل كان سياسيا واقتصاديا قاد حركة التحديث في الإدارة التونسية غير أن عناصر الفساد في الإدارة والتي كانت متصلة بالنفوذ الأجنبي من خلال القناصل الغربية دفعت إلى عزل خير الدين التونسي وقضي الاستعمار بذلك متعاونا مع عناصر الدكتاتورية المحلية الفساد على حركة الإصلاح وجاء الاستعمار كثمرة لإفشال عملية الإصلاح داخل الإطار الإسلامي .

لقد كان خير الدين إسلاميا شديد الغيرة على الإسلام مؤمنا بصلاحية وعظمة شرائعه وكانت حركة التحديث التي قادها تستهدف الدفاع عن الإسلام واستيعاب الثقافة الحديثة ولكن في إطار إسلامي أما التحديث الذي فرضته فرنسا فكان على حساب الإسلام وتمردا عليه وتخلصا منه وعداءا له لقد كان التحديث الفرنسي أداة لمحاربة الإسلام بينما كان التحديث الذي طلبه رجال جامع الزيتونة دفاعا عن الإسلام ولذلك طرح خير الدين مفهوم " الاقتباس من الغرب مقترحا أن " نقتبس " من الغرب مادة نحيي بها مجتمعنا ونجدد بها حياتنا

فنج مثلا أن قضية إصلاح الأسرة التي يعدها رجال التحديث في تونس أهم إنجازات بورقيبة والمتمثلة في مجلة الأحوال الشخصية وإصلاح قوانين الأسرة كان قد دعا إليها رجال في جامع الزيتونة معتبرون منهم الشيخ عبد العزيز جعيط المفتي , وزير العدل في عهد الحماية الفرنسية الذي ألف مجلة للأحوال الشخصية جمع فيها بين الفقه المالكي والفقه الحنفي قنن فيها مسائل الطلاق ومسائل الزواج ودافع عن حقوق المرأة التي نصت عليها الشريعة .

وما المجلة التي أتي بها بورقيبة بعد سبع سنوات من ذلك التاريخ وتعرف بمجلة الأحوال الشخصية ويعتبرها أنصاره التاج البورقيبي وقمة الإصلاح إلا امتدادا لتلك المجلة مع إدخالا عناصر مناوئة للإسلام فيها مثل إجازة التبني والتسامح في إباحة العلاقات الجنسية خارج الزواج والانتهاء عن اعتبار العلاقة الجنسية الحرة جريمة يعاقب عليها القانون ما دامت تتم بالتراضي وكذلك تشددها المتطرف في تضييق حق الطلاق من خلايا الغرامات الباهظة التي تسلط على الراغب فيه والمضطر إليه إلى درجة التنفير من الزواج والخوف منه وكل ذلك تم تحت ضغط الانبهار بالغرب والروح الكاثوليكية وتحت ضغط زوجة الرئيس عليه وتدخلها المفرط في شؤون الدولة بدون وجه قانوني .

وبعيدا عن لواحقها المتطرفة والمناخ الثقافي العام المتمرد على الدين الذي صاحبها وساهمت في إشاعته تبقي مجلة الأحوال الشخصية في شكلها العام امتداد لإصلاح طالب به الزيتونيون وتذكر في هذا المجال جهود بعض خريجي جامع الزيتونة مثل الطاهر الحداد أديب تونس , الذي ألف كتاب " امرأتنا بين الشريعة والمجتمع " انتقد فيه الظلم الواقع على المرأة وانتقد ما نتج عن التعدد من مصائب للنساء ومع أنه كانت للمشايخ على هذا الكتاب مآخذ كثيرة منها أنه تجاوز في بعض مواطنه الحدود الشرعية إلا أن الكتاب يحمل دلالة واضحة على أن المجتمع التونسي

ومن داخل المؤسسة الدينية كان يطالب بتحديث في الإدارة وفي الأسرة وفي نظام الدولة وفي الأدب واللغة ( انظر شعرا أبي القاسم الشابي وهو زيتوني وأحد أبرز رموز التجديد الأدبي في الأدب العربي الحديث ) ولكن على حين كان المجتمع التونسي يطالب بتحديث في إطار الإسلام جاء الاستعمار الفرنسي ليحول دونه وليجهض تحديثا أصيلا دخيل هو التغريب وإلحاق تونس بما وراء البحار وكانت البورقيبية امتدادا متفاقما لهذا الانحراف .

نستطيع أن نقول بأن الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس وبعد فترة من التتلمذ على الفكر المشرقي فتحت من جديد ملف التحديث وبدأت تتعامل مع واقع مجتمعها وتمد جذورها إلى حركة التحديث الأولي التي بدأها رجال جامع الزيتونة وقادها المصلح خير الدين التونسي من أجل استئناف المسيرة المجهضة على أيدي المستعمر وخلفائه البورقيبيين لقد سعت الحركة الإسلامية في تونس إلى وضع البورقيبية بين قوسين وأن تميز بين التحديث وبين التغريب

فإذا هي قبلت الأول بمعني استيعاب العلوم والقيم العربية في إطار ما يسمح به الإسلام ممن أجله رفضت الثاني الذي يعني سلخ المجتمع التونسي عن هويته العربية ودمجه أو إلحاقه بفرنسا ورفعت الحركة شعار نعم للتحديث بمعني عقلنة الإدارة وعقلنة الاقتصاد وعقلنة المجتمع وأساليب الحكم ومناهج التعليم ولكن لا للتمرد على الأخلاقيات الفطرية وعلى التراث الإسلامي وعلى نظام الإسلام وقيمه نعم لتحديث يعزز استقلال أمتنا وعزتها واستئنافها لحمل رسالة الإسلام الإنسانية و لتحديث يرسخ التبعية للغرب والتذيل له .

إن التحديث الذي أنجزه بورقيبة في تونس والذي زعم بأنه امتداد للتحديث السابق تحديث مغشوش متطرف والحقيقة انه تجاوز التحديث السابق إلى أكثر مما كان يريد أهله الذين كانوا متمسكين بالإسلام لقد كان التحديث بالنسبة لبورقيبة عملية إلحاق تونس بما وراء البحار بل ليته كان تقليدا للغرب في كل شئ إذ لكنا أسعد حالا ولكانت تونس العلمانية لم تخسر مؤسساتها الدينية وسائر مؤسسات مجتمعها المدني التقليدي حيث كانت سلطة الدولة محدودة جدا .

لو كان تحديث بورقيبة تحديثا حقيقيا وليس تحديثا مغشوشا لكانت تونس تنعم الآن بدولة ديمقراطية تعددية – على الأقل مثل تركيا الكمالية على حين هي لا تزال ترزح تحت وطأة نظام فردي مطلق وأوليغارشيا فاسدة أشبه ما تكون بعصابة مافيا الأمر الذي يجعل حداثة بورقيبة أشب ه ما تكون من حيث نمط الحكم وعلاقة الدولة بالمجتمع بحداثة " تشاوشيسكو" أو موسوليني" أو" هتلر"

ويجعل نموذجه للحكم وكذلك نموذج خليفته أقرب انتماء لملوك وسلاطين عصر ما قبل الحداثة منه للنموذج الديمقراطي الحديث إن حداثة بورقيبة تشبه مظهري بالغرب ليس إلا لا سيما في مجال التمرد على الدين وقيمه والاعتقاد المطلق والمظهري في مثالية الغرب وحضارته إنها أحلام " فولتير" و" ديدرو" و"دونميار" أو قراءة متخلفة لأدبياتهم وإنزالها في بيئة غريبة عنها تلك هي البورقيبية والحداثة التونسية.

ومع ذلك لم نعد في الثمانينات نرفض البورقيبية رفضا مطلقا ولم نعد نرفض المجتمع الحديث الذي في تونس رفضا بالجملة وغنما أصبحنا نقوم بعملية فرز فنميز بين ا يمكن أن يجد له مكانا في الإسلام بين تحديث يمكن أن يتوقع في الإطار الإسلامي باجتهاد مرن وإن يكن مرجوحا وبين تحديث مصادم لا يمكن الدفاع عنه في إطار الإسلام إلا بالتضحية بالنص الإسلامي ونحن مسلمون قبل كل شئ .

وهذا يقودنا إلى أن بعضا من خصوصية الظاهرة الإسلامية في تونس ناجمة عن خصوصية تعامل تونس مع الغرب أو خصوصية شمال أفريقيا عامة إلى حد كبير في علاقته بالغرب من حيث القرب وشدة التأثر فالإسلام هنا لا يستطيع أن يرفض الغرب جملة إذ أن ضرورات التعامل مع الغرب اقتضت في هذه المنطقة بالذات أخذا وعطاءا مع الغرب ورفضا وقبولا له بينما لم تشعر مناطق القلب الإسلامي في بلاد الشام ومصر والجزيرة لعربية بهذه الضرورة

لأنها محمية إلى حد كبير من الرياح الغربية فالإسلام ليس مهددا في مناطق القلب تلك ولذلك يدور الصراع الثقافي هناك غالبا بين الإسلاميين من جهة والدولة فالإسلام هناك مقبول حتى من العلمانية هوية ومصدرا للأخلاق وكثير من التشريعات لكن لا على أساس أنه المصدر الأعلى الموجه لكي شئ كما يريد الإسلاميون .

بينما الصراع الثقافي في شمال أفريقيا كثيرا ما أخذ ويأخذ شكل صراع النقائض بين علمانيين متطرفين متأثرين بالنمط الفرنسي أو الماركسي للعلمانية يسعون لإقصاء الإسلام وتهميشه جملة عن أى دور توجيهي للمجتمع والدولة وبين إسلاميين يكافحون من أجل عودة الإسلام ليحتل مكان الصدارة في الثقافة والتشريع على اختلاف بينهم بين مرن ومتشدد إن الإسلام في الأطراف ومناطق الثغور مثل شمال أفريقيا شخصيته مهددة ولذلك نري فرقا بين الاستعمار الذي خضع له شمال أفريقيا والاستعمار الذي خضعت له مصر مثلا سواء من حيث المدة الزمنية أو من حيث الغزو الثقافي .

فبينما يكون السؤال في حالة مصر . كم من المثقفين المصريين مثلا يتكلم الانجليزية ويستعملها في بيته وفي حياته ؟ السؤال في شمال أفريقيا هو : كم من المثقفين لا يعرف الفرنسية بل كم منهم من لا يستعملها في تعامله اليومي في بيته بين أولاده وفي عمله ؟ فاللغة الانجليزية هناك لغة وظيفية بالنسبة لهل المشرق وليست لغة إدارة وثقافة وعادات وتقاليد كما أن فرنسا لم تفعل في سوريا ولبنان ما فعلته في شمال أفريقيا بسبب عدم التعامل المباشر وبسبب بعد المسافة بينها وبين مناطق القلب الإسلامي مقارنة بما بينها وبين بلدان الشمال الأفريقي .

حل تونسي !!

لأقد أسفرت عملية التفاعل بين الفكر الإسلامي الوافد وبين الواقع التونسي عن بلورة ما يمكن اعتباره على نحو ما صيغه تونسية للفكر الإسلامي وللحركة الإسلامية وتمخض ذلك عن حصول قناعة عامة في الوسط الإسلامي أن تونس لا يناسبها أن يستورد لها حل ثوري وإنما هي بحاجة إلى حل يتفاعل مع البيئة التونسية ويطورها بالتدريج لا حل يقلب الأوضاع رأسا على عقب وذلك رغم أننا كنا قد تفاعلنا مع الأحداث الكبرى الداخلية والخارجية التي عصفت بالبلاد في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات مثل الثورة الإيرانية التي كان تفاعلنا معها شديدا

خاصة وأن اندلاعها تصادف مع مرور تونس في نهاية السبعينات بأزمة سياسية حقيقية تمثلت في انتفاضة العمال والفقراء سنة 1978 إثر الإضراب العام الذي نظمه في 26 جانفي ( كانون الثاني ) اتحاد الشغل فشل الحركة في البلاد كلها وانطلقت مظاهرات عارمة شارك فيها العمال والفقراء والطلبة ضد النظام القائم الذي أصدر أوامره بنزول الجيش إلى الشوارع وإطلاق الرصاص على الناس مما أودي بحياة ما بين 400 -500 متظاهر.

لقد أيقظتنا ثورة العمال هذه – والتي مثلت قمة التحرك اليساري في تونس – من غفلتنا ونبهتنا إلى أهمية المشكل العمالي وخطورة المشاكل النقابية والاجتماعية وكنا قبل ذلك منشغلين بمسائل الدعوة والتبليغ وبالمسائل الفكرية البحتة وكنا ننتقد السلطة نقدا خفيفا لأننا بحكم تكويننا العقائدي السلفي كانت المسألة العقائدية هي المسألة الأساسية

وكان الشيوعيون هم عدونا المركزي سواء في الجامعة أو في النقابات ومع أن البورقيبية كانت عدوا أيضا إلا أنها لم تكن في الترتيب العدو الأول ولذلك كان اليساريون يشيعون ما اعتبروه حقيقة مسلمة من أن الحزب الحاكم شجع ظهور التيار الإسلامي من أجل ضرب التيار اليساري وهذا ما يردده اليساريون في مصر أيضا من أن السادات هو الذي أطلق الإسلاميين من السجون وشجع التيار الإسلامي من أجل ضرب اليسار .

ما من شك بأن التيار الإسلامي ساهم في إضعاف التيار اليساري ولكن من العبث أن يصور ذلك على أنه خطة أو مؤامرة فمثل هذا التصوير يندرج ضمن التفسير التآمري للتاريخ بمعني أن هذه الظاهرة الإسلامية الضخمة هي نتيجة مؤامرة أو لعبة أوجدتها الأنظمة وبالتالي يمكن لها أن تتخلص منها والحقيقة أن الأنظمة يمكن أن تكون قد استفادت من ظهور التيار الإسلامي في إضعاف التيار اليساري

ولكن الفرق شاسع بين أن نقول إن الأنظمة استفادت وبين أن نقول بأنها هي التي خططت لظهور التيار الإسلامي أو رحبت به أو كان لها دور في ظهوره هذا باليقين ليس صحيحا ونحن في تونس لم تكن لنا أية علاقة مع الحزب الحاكم أو مع الدولة بل كانت الدولة مطمئنة إلى أنها نجحت في القضاء على التيار الإسلامي حتى أن الدكتور عبد الباقي الهرماسي – وهو أستاذ مشهور في علم الاجتماع – أكد في محاضرة له عام 1969 على أن الحداثة في تونس بلغت من العمق والاتساع درجة لم يعد معها ممكنا ظهور تيار إسلامي .

ويشاء الله أن يظهر التيار الإسلامي في تلك السنة نفسها ولكن لما كانت البورقيبية تفتقر إلى تجربة – كتجربة الناصرية في المشرق – في مقاومة التيار الإسلامي لم تتنبه إلى خطورته ظنا منها بأنه بعد الذي أنجزت من عملية التحديث – أى عملية علمنة تونس – أن الدولة أصبحت حرة من أى ضغط إسلامي على سياساتها في الاقتصاد أو في الإدارة أو في الفن أو في التشريع وتشكلت لدي النظام قناعة بأن الدولة لم تعد مضطرة لتجامل الإسلام أو تقدم له التنازلات أو حتى تضعه في حسبانها ونقصد بعلمنة تونس أن الدولة أصحبت تسلك في سياساتها ما تراه نافعا مقلدة تقليدا يكاد يكون أعمي العلمانية الغربية الفرنسية في جوانبها الثقافية لا في نموذجها السياسي الديمقراطي فانطلقت تنظم الإدارة والاقتصاد والتشريع بتحرر واستقلال كامل عن الدين .

وقد ساهم اطمئنانها ذلك في غفلتها عن تنامي التيار الإسلامي لا سيما وأن الإسلاميين عندما نشئوا لم يركزوا على القضايا الحساسة فلم يكن نقدهم لسياسات الدولة مباشرا وكان اليساريون هم الذين يتبؤون الصف الأول في مقاومة الدولة وانتقاد سياستها وكان التيار الإسلامي بحكم تكوينه العقائدي والفكري يركز – إلى جانب بعض النقد الملطف للنظام – على نقد الأسس الفكرية للفلسفة المادية وصورتها الصارخة المتمثلة في الماركسية

وكانت الدولة مطمئنة إلى أن الإسلام انتهي وأن هذه الممارسات الدينية لبعض الشباب لعب أطفال معتبرة وجود مجموعات تصلي في المساجد ظاهرة من مخلفات التطور لا غير بتعبير دراوين ف لم تلق لها بالا حتى عام 1978 ولذلك استفاد التيار الإسلامي قرابة عشرية من العمل الدؤوب في الجامعات والمدارس والمساجد دون إعاقات من الدولة تذكر

ولكن عندما كنا نظهر نشاطنا على السطح في تجمعات كانت السلطات تعيق هذه التجمعات كما حصل في سوسة سنة 1973 غير أنها كانت إعاقة محدودة لأن الدولة لم تكن معبأة ضد التيار الإسلامي بل كانت مشغولة باليساريين غير أنها بعد أن فرغت من ضرب اتحاد الشغل سنة1978 بعنف شديد موجهة من وراء ذلك ضربة شديدة للتيار اليساري وظهر التيار الإسلامي إلى السطح وتضخمت أعداده وظهرت سافرة بواد خطابه المعارض لسياسات الدولة والمؤيدة لاتحاد الشغل تنبعث الدولة لهذا الخطر الجديد الذي ملأ المساجد وراح يصارع الشيوعيين في الجامعة بكفاءة ويقيم اجتماعات جماهيرية كبيرة ويندد بسياسات الدولة الداخلية والخارجية وينتهي إلى تأييد اتحاد الشغل .

عوامل التطوير

يمكن القول بأن العوامل التي ساهمت في تطوير فكر الحركة وبروز صيغة أو خصوصية تونسية للثقافة والحركة الإسلامية تمثلت أولا في الصراع والصدام العنيف الذي حصل سنة 1978 بين النقابات وبين الدولة وثانيا في الصراع في الجامعة بين التيار الإسلامي والتيار اليساري مما أدي إلى أن يستوعب التيار الإسلامي خلال صراعه المرير مع اليسار كثيرا من مقولاته حول طبيعة الصراع في العالم وفي البلاد ثم ثالثا تفجر الثورة الإيرانية

ورابعا , الفكر السياسي الاجتماعي للحركة الإسلامية في السودان ولا سيما فيما يتعلق بالفكر العملي ( البراغماتي ) والمشاركة الواسعة للمرأة في نشاط الحركة والمجتمع إلى جانب تأثرها بالتيار الليبرالي الديمقراطي الذي نشأ في تونس في النصف الثاني من السبعينات وازدهر في الثمانينات قبل الانقلاب عليه من طرف العسكر والبوليس بقيادة ابن على في 7/11/1987 دون أن نغفل عن تأثير فكر بن نبي في اعتماده المنهج الخلدوني في تحليل الظواهر الاجتماعية والحضارية .

اليسار

أدرك طلابنا عندما خاضوا الصراع في الجامعات مع الشيوعيين أن أدواتهم فيه حدوده وأن بضاعتهم قاصرة إذ كان الشيوعيون يخوضون في قضايا ليس في تكوين طلابنا ما يسعفهم للخوض فيها مثل قضايا الصراع الدولي بين الإمبريالية وبين قوي التحرر في العالم وقضايا الصراع المجتمعي بين الطبقات وإثر أحداث 1978 أصيب التيار الإسلامي بنوع من العقدة إذ صدمتنا انتفاضة العمال فكنا حينها نتساءل كيف حصلت هذه الانتفاضة ونحن غائبون لم نشارك فيها ولم نتوقعها أصلا؟

عندئذ فقط تنبهنا إلى المسألة الاجتماعية مسألة الفقراء وشعرنا أن هناك صراعا أخر في المجتمع غير الصراع العقائدي بين الشيوعية والإسلام صراع آخر لا يقل أهمية عنه هو الصراع بين فقراء معدمين مستغلين وبين فئة قليلة مستغلة متحالفة مع الدولة بل هي الدولة .

وقد تصادف تحولنا مع نشأة تيار ديمقراطي في نهاية السبعينات في تونس انشق أنصاره عن الحزب الحاكم يطالب لا بعدالة اجتماعي وإنما بالتعددية السياسية وبالحريات المدنية وكان من زعمائه أحمد المستيري بدأنا نتصل بهم ونتنبه أيضا لهذا البعد الآخر من الصراع وسرعان ما بدأنا نعيد النظر في البضاعة الفكرية الوافدة من المشرق والتي وردت إلينا من خلال كتابات سيد قطب الذي رسخ فكرة الصراع بين الحق والباطل والإيمان والكفر والجاهلية والإسلام

فأصبحنا نري للصراع أوجها أخري لم نستلهمها من الفكر المشرقي فهناك وجه اجتماعي للصراع بين فقراء مستغلين وأغنياء مستغلين هناك صراع على المستوي العالمي بين الرأسمالية الدولية والشعوب الفقيرة وهناك صراع بين جماهير تريد الحرية والمشاركة في السلطة ودولة الحزب الواحد والزعيم المتأله فمن هنا بدأت عملية نقد ومراجعة للنماذج الفكرية التي وفدت إلينا من باكستان ومن مصر والتي لم تر من الصراع إلا بعدا واحدا هو البعد العقائدي ومن هنا بدأت التجربة التونسية عملية إثراء أو اكتشاف لأبعاد أخري في الإسلام الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإنسانية للصراع من منظور إسلامي .

في سنة 1981 وفي سباق انتفاضة العمال سنة 1978 استيقظ وعينا الاجتماعي فبدأنا نكتشف هذه الأبعاد الراسخة في نصوص الإسلام مثل النص القرآني الذي أحياه فكر الخميني ( ونريد أن نمن على الذين استعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ..)

مصطلح جديد دخل خطابنا لأول مرة هو مصطلح " المستضعفين في مواجهة " المستكبرين " كما بدأنا نكتشف نصوص أحاديث نبوية تؤكد على مناصرة الفقراء والمستضعفين ومقاومة الترف والاستغلال , فبدأنا نبرزها في خطابنا مثل أحاديثه صلي الله عليه وسلم:

" كاد الفقر أن يكون كفرا " اللهم أني أعوذ بك من الكفر والفقر " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا " وعبرنا عن تلك المعاني ضمن البيان التأسيسي سنة 1981 الذي أعلن عن ولادة حركة سياسية ( حركة الاتجاه الإسلام ) عبرت عن التزامها الكامل بالفكرة الديمقراطية وعن انحيازها إلى صف الفقراء والعمال في صراعهم ضد طغيان الرأسمال .

وكانت تلك قفزة هائلة في سياق الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية حيث كانت هذه الأبعاد ضامرة أو غائبة تماما من الفكر الإسلامي لقد عدنا من أجل إبراز البعد الاجتماعي في الإسلام إلى كتابات سيد قطب القديمة مثل كتاب " العدالة الاجتماعية " و كتاب " الصراع بين الرأسمالية والإسلام" إلا أن هذه القضايا لم تعد كتب سيد قطب في المرحلة الثانية من فكرة تلقي لها بالا فرجعنا فيها إلى فكر مالك بن نبي .

بدأ التيار الإسلامي يدخل النقابات ويزاحم اليساريين وصرنا ندفع قاعدتنا للانتماء للحركة النقابية من منظور أن في المجتمع صراعا حقيقيا بين الرأسمالية وبين جماهير الناس المسحوقة وأن الإسلام ليس حياديا وإنما منحاز إلى الطبقة الفقيرة وسرعان ما حدث تحول في عملنا اليومي كنا في المرحلة الأول عندما يدعو اليساريون في الجامعة وفي النقابات إلى الإضرابات تعمل على كسرها وندعو إلى إفشالها على اعتبار أن عملا يقوده شيوعيون كفار لابد بالضرورة أن يقاوم لقد تغيرت نظرتنا إلى الأمور وصرنا نعي أن الله لم يخلقنا لنقاوم الشيوعية !!..

وإنما لنحقق أهداف الإسلام التي قد تلتقي مع الشيوعية وأى مذهب آخر في بعض النقاط , وأن أهداف الإسلام الأساسية قيام العدل في العالم فقيمة العدل هي القيمة الكبرى في الإسلام والعدل اسم من أسماء الله فكيف تتورط في معارضة الذين يكافحون لأجل مصالح الفقراء والمستضعفين حتى لو كانوا يساريين وأصلنا لذلك بما ورد في السيرة النبوية من أن الرسول صلي الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يختلفون بعاشوراء فسألهم عن ذلك فقالوا إنه اليوم الذي نجي الله فيه موسي وأغرق فرعون فقال عليه الصلاة والسلام نحن أولي بموسي منكم , وسن صيام التاسع والعاشر..

وعلى أساس ذلك قلنا إنه ما من قضية عدل إلا ونحن أولي بها من غيرنا وسرعان ما أصبحنا ندعو للإضرابات سواء في الجامعة أو في الحركة النقابية وذهبنا نناصر القضية النقابية وصدر أول بيان للحركة على الإطلاق بمناسبة أحداث 1978 أدنا فيه الحزب الحاكم واعتبرناه المسئول عن هذه الأحداث وأيدنا العمال ودعونا إلى قيان جبهة وطنية للتصدي للاستبداد في العالم الموالي .

الثورة الإيرانية

لقد جاءت الثورة الإيرانية في وقت مهم جدا بالنسبة إلينا إذ كنا بصدد التمرد على الفكر الإسلامي التقليدي الوافد من المشرق والذي يختصر عملية الصراع في المجتمع في بعد واحد كنا متهيئين لقبول فكرة وجود جبهات للصراع غير الجبهة العقائدية مثل الجبهة السياسية والجبهة الاجتماعية فجاءت الثورة الإيرانية لتعطينا بعض المقولات الإسلامية التي مكنتنا من أسلمت بعض المفاهيم الاجتماعية اليسارية

واستيعاب الصراع الاجتماعي في إطار إسلامي إذ كان الماركسيون يلحون على أن الماركسية هي التي اكتشفت طبيعة الصراع في المجتمع وأنها القادرة وحدها على أن تقدم الحل من خلال مقولة الصراع الطبقي وانتصار الاشتراكية ضد الرأسمالية ورأينا في الثورة الإيرانية شيخا معمما استطاع أن يقود ثورة المستضعفين ضد نظام مستبد عميل للإمبريالية وضد طبقة رأسمالية متعفنة أهم ما قدمته الثورة الإيرانية لنا كان مقولة الصراع الطبقي ولكن في إطار إسلامي أشمل وبمصطلحات إسلامية.

كان الفكر السياسي لسيد قطب في مرحلته الثانية يقوم أساسا على تفسيره لآيات المادة ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) فخلص إلى تكفير الأنظمة وتكفير حتى المجتمعات التي ترضي بها

فلما جاءت الثورة الخمينية علمتنا درسا آخر من الكتاب العزيز لخصته هذه الآية من سورة القصص : (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهم ما كانوا يحذرون) وجدنا فيها الحل وكأننا نقرأها لأول مرة وجدنا في هذه الآية الإطار الذي يستوعب الصراعات الاجتماعية .

لقد كانت هذه الآية مفتاحا ودواء ونورا , إذ أعطتنا هديا إسلاميا في قضية الصراع الاجتماعي فالإسلام يعترف بوجود صراع بين مستضعفين ومستكبرين والإسلام منحاز للمستضعفين بل هو ثورة لتحرير المستضعفين في العالم وما جاء الأنبياء إلا لنصرة المستضعفين على المستكبرين شعرنا كما لو أن الفكر الإسلامي من قبل لم يقرأ هذه الآية وكأنما هي كشف خميني .

من هنا اشتد حماسنا للثورة الإيرانية وأصبحت وسائل إعلامنا تنشر صورة الخميني ودروسنا أصبح فيها نفس جديد نفس جديد نفس ثوري يناصر النقابات يناصر الفقراء يتهجم على المترفين يتهجم على علاقات تونس الخارجية المتذيلة للإمبريالية منذ تلك الساعة لم يعد نقدنا للدولة نقدا دينيا أخلاقيا وحسب كما كان سابقا ولا تكفيريا اعتمادا فقط على أن الدولة لا تحكم بما أنزل الله أى لا تلتزم بالشريعة الإسلامية

وإنما أصبح نقدنا للدولة أعمق فازدادت الهوة بيننا وبينها اتساعا إذ أصبح للصراع معها – إلى جانب البعد الثقافي في أنها متغربة ضد هوية بلادنا الإسلامية العربية وأننا مدافعون عن هذه الهوية عن الإسلام مشروعا مجتمعيا متميزا – أبعاد اجتماعية فهي في صف المستكبرين داخليا وخارجيا ونحن تحيزنا إلى الصف المقابل والدولة ديكتاتورية ونحن مع الديمقراطية لقد جاءت الثورة الإيرانية في الوقت المناسب لتعطينا أدوات تحليلية إسلامية لصراعات لم تستطع بضاعتنا الثقافية التقليدية تأطيرها .

لقد أصبحت المساجد بعد أن ضرب اتحاد الشغل في يناير 1978 هي مأوي الثائرين الغاضبين على الدولة وتبنت المساجد القضايا الاجتماعية والسياسية في إطار إسلامي يرسخ الإيمان ويولد العاطفة الدينية ويحيي المواريث ويستقطب تأييد عامة الناس بينما اليساريون إذ تبنوا هذه القضايا ما كانوا قادرين على أن يحركوا بها العمق الثقافي بحكم عزلتهم عن الثقافة الإسلامية حفلت المساجد بالدروس الجماهيرية وصار آلاف من الناس يذهبون إليها واستقطبت اجتماعات الطلبة الحشود الهائلة من الشباب وتحولت الثانويات إلى ما يشبه المراجل , وصار الطلبة يحيون ذكري أحداث جانفي ( 2 يناير / كانون) 1978 في كل عام.

وفي سنة 1980 احتفلت الحركة في الأول من مايو ( أيار ) لأول مرة بعيد العمال في أكبر المساجد في تونس وحضر الاحتفال حوالي 5000 شخص وألقي رئيس الحركة محاضرة كانت ذات شأن حول طبيعة الملكية الزراعية في الإسلام أصلت مقدمات مهمة حول المسألة الاقتصادية ووضعها في الإطار الإسلامي وفي المسألة الزراعية أكدت أن الملكية ذات طبيعة اجتماعية وظيفتها أن تكون في خدمة المجتمع وأن القائمين عليها إذا لم يسخروها لخدمة المجتمع يمكن انتزاعها للصالح العام من طرف المجتمع ممثلا في الدولة التي عليها أن تنتزع الملكية التي لا تخضع للصالح العام وأن الأرض كلها – التونسية وأرض العرب – هي في الأصل أرض فتوحات

والحكم فيها أنها ملك للأمة وأن المالكين فيها ليس لهم إلا حق الانتفاع وفق سياسات الدولة وتاليا يمكن للدولة أن تنتزعها إذا أساء المنتفعون استخدامها ثم أكدت على مبدأ الارتباط بين الملكية والعمل فالطرف الوحيد الذي له حق أن يجني الثمرة في الأرض هو العامل فيها إن العمل في الإسلام هو أصل القيمة ولذلك فإن تأجير الأرض والمزارعات وكل المعاملات التي تعطي لمن يدعي ملكية الأرض حقوقا فيها دون أن يقوم بأى عمل فيها كلها باطلة فالطريق الوحيد لاستغلال الأرض هو العمل فيها .

وفي مايو الذي تلاه 1981 احتفلنا أيضا بتلك المناسبة وقدمت محاضرات حول حقوق العمال في الإسلام في كافة المساجد التونسية فأدركت الدولة عندئذ ما يمثله الاتجاه الإسلامي من خطر على المصالح الرأسمالية التي تحميها ولم يمر بعدها غير شهرين ونيف حتى جاء هجومها علينا كاسحا فاعتقلت القيادة وحوالي خمسمائة من أعضاء الحركة

وانفتح باب الصراع المكشوف بين التغريب والتعريب بين الأسلمة والعلمنة بين الحرية والاستبداد بين السكان الأصليين ثقافة ومصالح وارتباطات وبين القلة المتغربة المستنفذة وريثة مشروع الاحتلال وهذا الصراع الذي لم تنجح في تخفيف حدته كل ما عبرت عنه الحركة من اعتدال ودعوة إلى التعايش وذلك بسبب الطبيعة الاقصائية والاستئصالية اليعقوبية لمشروع التغريب في تونس وبسبب انحسار شعبيته وإفلاس مشروعه وتصاعد الطلب على التغيير في إطار هوية البلاد وعلاقتها العربية والإسلامية فقد تصاعدت نزعات العنف لديه حتى أسلم أمره للجهاز الأمني فكشف مشروع التغريب عن طبيعته التسلطية القمعية وريثة الاحتلال بعد أن مزقت الحركة الإسلامية أقنعته الحداثية المزيفة من ديمقراطية وحقوق إنسان وحرية المرأة .

من الشمولية إلى التعددية!

أما بالنسبة لما جذبنا في الثورة الإيرانية لعدم وجود شيعة في تونس تعاملنا مع الثورة على أ،ها ثورة إسلامية ولم نلق بالا لبعدها الشيعي الذي مثل حاجزا بينها وبين المسلمين في المشرق بل تعاملنا معها بانفتاح ولكن الملفت أن تبينا للثورة الإيرانية لم يكن تبنيا مطلقا وإنما ضمن الإطار التونسي فقد استفدنا من أبعادها الاجتماعية دون تبني نهجها في التغيير بل أعلنت في سنة 1981 في أوج الحماس للثورة عن تكوين حزب :

"حركة الاتجاه الإسلامي " وأكدنا في البيان التأسيسي لهذا الإعلان على الأبعاد الديمقراطية ولم يكن مسبوقا في الحركة الإسلامية ذلك التبني للتعددية وللتداول على السلطة عبر الانتخاب وعدم استثناء أى طرف بما في ذلك الطرف الشيوعي أى اعتبار العملية الانتخابية هي أصل الشرعية والالتزام بأنه إذا اختار الشعب التونسي الشيوعيين حكاما عن طريق عملية انتخابية نزيهة فسنعتبر حكمهم قانونيا وليس علينا إلا أن نتوجه إلى الشعب لإقناعه بالتراجع .

وما أن أسفر هذا التوجه الديمقراطي للحركة عن نفسه حتى انتقدنا الإيرانيون بعد أن كانوا قد استبشروا بتأييدنا العارم لهم فشنت بعض دورياتهم مل دورية " الحرس الثوري " علينا هجوما إذ رأوا في هذه الأبعاد الديمقراطية " تأثرا بالقيم الغربية الزائفة " فرددنا بأننا وإن كنا نعتبر الثورة الإيرانية ثورة عظيمة ونساندها ولكننا لا نعتبرها نموذجا ولا نري حقا لها في أن تمارس على المسلمين وصاية

بل انتقدنا اعتبارها نموذجا وحيدا للتغيير فنحن نري أن نماذج التغيير غير محدودة وكل بلد عليه أن يبحث عن أسلوب التغيير الذي يناسبه ثم انتقدنا ما تخللها من أبعاد طائفية وانتقدناها في تبسيطها للصراع الدولي واقتصاره على صراع مع الأمريكان فيما سمي بالشيطان الأكبر فهناك أبعاد كثيرة للصراع الدولي لا تقتصر على هذا البعد الواحد وأنه لا يضير الإسلام أن يلتقي بكل قيمة إنسانية نافعة كالديمقراطية فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنّي وجدها .

وكما رفضت الحركة الإسلامية في تونس الفلسفة المادية للماركسية رغم أنها تبنت بعض أبعادها الاجتماعية في إطار الإسلام فضت كذلك التجربة الإيرانية كمشروع مغلق مطلوب تمثله في حين استفادت من بعض جوانبها ضمن إطار عملية إصلاح وتطوير المجتمع الإسلامي التونسي في تونس تطويرا تدريجيا.

فتقدمنا في أوج حماسنا للثورة الإيرانية بطلب لاعتمادنا كحزب سياسيا في تونس معلنين التزامنا كاملا بالديمقراطية نظاما ومنهجا للتغيير وهو ما كان مرفوضا في أوساط الحركة الإسلامية في ذلك الزمان إما باعتباره نوعا من الاعتراف بالسلطة الحاكمة وبشرعية الدولة القائمة أو باعتباره تقليدا للغرب ولذلك أن انتقدنا بسببه في المشرق إذ لم يكن حزب إسلامي قد عبر بوضوح عن مثل هذا التوجه ولا سيما في البلاد العربية.

وقد ظلت الحركة الإسلامية التونسية منتقدة رغم أن الحركة الإسلامية عامة سارت في نفس ذلك الاتجاه ولكن على جرعات كلما ضغط عليها الواقع تتناول جرعة من ذلك الشراب الذي تناولته حركتنا سنة 1981 دفعة واحدة ورغم ذلك التحول على المستوي العام للحركة الإسلامية ظل هناك نوع من الحساسية والشعور بأن ثمة زعامة تونسية تنافس الزعامة المركزية وان هذا الفرع من الحركة الإسلامية ليس منسجما انسجاما مطلقا مع الأصل على افتراض انه ينبغي التطور من الأصل إلى الفروع لكن الذي حصل هو انبعاث التطور من الأطراف إلى المراكز المشرقية .

وأذكر في هذا المجال بأنني كنت في الفترة بين 1979 و1980 قد التقيت بالشيخ عمر التلمساني رحمه الله وهو رجل رباني مهيب , معتدل في فكره رصين في مواقفه وقفت وكنت شابا يتدفق حماسا أمام الشيخ أناقشه بحدة على عادة ماج أهل المغرب في موضوع التعددية السياسية ملحا عليه في أن يتقدم الإخوان بطلب للاعتراف بهم كحزب وفي أن يتحالفوا مع أحزاب المعارضة الأخرى فاعتبر هذا كلاما فارغا وأمرا غير وارد فالإخوان في نظره حزب فوق الأحزاب وجماعة فوق الجماعات.

بل وأكبر من أن يكونوا حزبا وبالتالي كيف يمكن أ، يتحالفوا مع هذه الجماعات العلمانية أو الفاسدة ولكن ما أدهشني وأنا في السجن في سنة 1982 أو1983 أن بلغني أن الإخوان تحالفوا مع حزب الوفد فأدركت بأنه لولا أن يسر الله هذا القائد بفكره القانوني الحي ما كان لهم وبعد خمسين سنة أن ينفكوا عن فتوي مؤسستهم العظيم الرافضة للتعددية رغم ملابساتها المعروفة .

فقد اعتبروا مخالفة الإسلام للديمقراطية التعددية مسلمة ورثوها عن أسلافهم وبالذات عن الشيخ المؤسس حسن البنا , وهو صاحب فكر سياسي حي ومجدد ولكنه وقف ضد الأحزاب ويمكن تفسير تلك النزعة لديه بظروف مصر وطبيعة الأحزاب السياسية في ذلك الوقت وبنظرته هو للصراعات الدولية كما يمكن أن يعزي ذلك في تقديري إلى تأثره بالأحزاب الشمولية كالفاشستية والشيوعية .

وقد يستهجن البعض أن نقول بأنه تأثر بتلك الأحزاب والحقيقة أنه في الأربعينات والثلاثينات لم تكن سمعة مثل هذه الأحزاب سيئة كما هي اليوم بل على العكس كانت هي الملهم الأكبر لزعماء الحركة الوطنية في العالم الثالث فكلهم كانوا يتصورون أن الطريق إلى مقاومة الاستعمار وبناء النهضة يمر بتكوين حزب للأمة يجمع كل طاقاتها لمواجهة الاستعمار وقضايا التنمية وأن التعددية تاليا هي تفريق للصفوف في وقت يستلزم الهجوم على الأمة تجميع قواها لا تشتيتها .

وليس صحيحا أن البنا طالب بحل الأحزاب لفسادها كما يحاول البعض تفسير وتبرير موقف ه معتبرين أنه كان يؤمن بالتعددية وأنه إنما كان ضد تلك الأحزاب لفسادها لا بل هو لم يؤمن بالتعددية أصلا لأنه كان يري بأن التعددية ستفرق الصفوف وتبلبل الأفكار وتضيع الأوقات .

وجاء عبد الناصر لينفذ وصية شيخه البنا ويحقق نموذج الإخوان ولكن طريقته الخاصة وحسب المزاج السياسي السائد فأول ما عمله بعد استلامه للسلطة هو حل الأحزاب والاستعاضة عنها بحزب واحد يعبئ صفوف الشعب في تقديره من أجل البناء والنهضة الشريفين وتوحيد أمة العرب وتحرير فلسطين ومواجهة الأعداء ..

لقد كانت الناصرية امتدادا لفكر الإخوان من هذه الناحية ويمكن القول بأنها حققت النموذج الإخواني في عدة مستويات أولا : حل الأحزاب دون الإخوان المسلمين وتكوين حزب للأمة وثانيا تطبيق جانب كبير من البرنامج الاجتماعي للإخوان مثل برنامج الإصلاح الزراعي وبما في ذلك التأميم الذي قاده عبد الناصر

وكان قد دعا إليه الإخوان أصلا وثالثا أيديولوجيا توحيد العالم العربي وتحرير فلسطين هي في الأصل أيديولوجيا إخوانية احتواها عبد الناصر أو استولي عليها ولكنه أراد أن يحققها في إطار علماني دكتاتوري لا سيما بعد أن تآمر عليه الغرب واستهدفه فاضطر للاتجاه إلى الطرف المقابل إلى الم عسكر الشيوعي وكان لهذا التوجه تأثيره الكبير على علمنة المشروع الناصري وترسيخ تصادمه مع الحركة الإسلامية دون أن يتحول الرجل إلى عدو للإسلام بل ظل الوجه السياسي هو الغالب على صراعه مع الإخوان .

خلاصة القول في هذا النطاق أن الحركة الإسلامية في تونس نشأت متتلمذة على الحركة الإصلاحية المشرقية ولكنها لما نمت وتفا علت مع التحديات التي طرحها المجتمع التونسي خاصة تحديات التحديث والصراع الاجتماعي السياسي اكتشفت أن بضاعتها المشرقية لا تسعفها في قيادة عملية التغيير المطلوبة في مجتمعها الأكثر تغربا من مجتمعات المشرق وفي استيعاب إرث الحداثة فيه والإبعاد الأخرى للصراع غير البعد الثقافي.

وعلي هذا الصعيد استفادت الحركة الإسلامية في تونس بلا شك في تطورها من الثورة الإيرانية ومن إرث اليسار والحركة الديمقراطية كما استفادت من بعض المفكرين المجددين من مثل محمد فتحي عثمان ومالك بن نبي ومن المنهج الأصولي التجديدي والبراغماتي لحسن الترابي من أجل صناعة نموذج تونسي للحركة وللتفكير نحسب أنه كان نموذجا متقدما في الحركة الإسلامية على الصعيد العالمي وقع امتصاصه على جرعات من طرف الحركات الإسلامية الكبرى ولا يزال مرفوضا بالكامل من طرف بعض التيارات الإسلامية التي لا تزال تفكر بمنطق مبسط .

وكما تطورت الحركات الشيوعية في أوروبا إلى حركات ديمقراطية كذلك تطورت الحركة الإسلامية التونسية من فكر شمولي إلى فكر تعددي وهذا التطور يحصل الآن في معظم الحركات الإسلامية في العالم وإنه تطور من الفكر الشمولي الذي يلخص الصراع في أنه صراع بين حق وباطل وأننا على حق والآخر على باطل.

إلى فكر فيه جرأت من النسبية أى الاعتقاد بأننا على حق ولكن بشكل نسبي فالإسلام وحده هو الحق المطلق أما ما نفهمه نحن من الإسلام فهو حقيقة نسبية تاليا هناك تعددية داخل الإسلام انطلاقا من مبدأ الاجتهاد وللأمة مكانتها في الإسلام انطلاقا من مفهومي الإجماع والشوري وبهذا وقع إحياء جملة من المفاهيم المكنونة في الإسلام من خلال الصراع مع الغرب واستيعابه

من الواضح هنا أن هذا المسار هو استئناف جاد لمشروع الحركة الإصلاحية قيادة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد العزيز الثعالبي وحسن البنا الذين كان هدفهم الأساسي نهضة الأمة من خلال استيعابها لمكاسب الحداثة الغربية على شروط الإسلام ومصلحته قبل أن ينحرف به تيار التغريب ونموذجه بورقيبة وشاه إيان وأمان الله خان وأتاتورك فتحولت عملية الإصلاح والانفتاح على الغرب إلى عملية انبهار به وتقليد أعمي له ورغبة في الانصهار فيه تحت شعار اللحاق بركب الأمم المتقدمة .

أما التيار الثاني فهو تيار الحركة الإسلامية الذي انكمش على نفسه تحت وقع الضربات ومال إلى التشدد والالتفاف إلى الماضي حكما على الحاضر لا سيما مع تصاعد الخط الغربي الأمر الذي كادت معه حركة الاجتهاد التي انطلقت مع حركة الإصلاح أن تتوقف جملة تاركة مكانها لمفاهيم التميز والجاهلية والمفاصلة والاستعلاء وتحريم الديمقراطية ومشاركة المرأة ولا شك أن كتاب " الحريات العامة في الدولة الإسلامية يمثل تكثيفا وتأطيرا لهذا التطور الذي لا يزال يحتاج إلى جهد كبير حتى يستكمل مراحله استيعابا لحداثة في إطار الإسلام

والمقصود استيعاب مكتسبات العقل الغربي وتجاوزها في إطار اجتهاد إسلامي حديث وبدل أن يكون المشكل كيف نقضي على الحداثة أو كيف نقضي على منجزات العقل الغربي باعتبارها مصادمة للإسلام وبدل تبني مفهوم التقدم كما تبلور في الغرب من خلال السؤال الذي تم انحراف به عن معناه الإيجابي لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟

يصبح المشكل كيف نستوعب مكاسب وقضايا عصرنا ونرسم أهدافنا الخاصة وفلسفتنا في الحياة في إطار ذاتية الإسلام وأسسه وفي إطار هويته المستقلة تماما كما استوعب الإسلام الإرث الديني الذي سبقه وكما استوعبت الحضارة الإسلامية مكتسبات الحضارات اليونانية والهندية الفارسية وكما فعل الغرب مثل ذلك في عصر نهضته في علاقته بالحضارة الإسلامية .

إن التحدي اليوم لا يمكن في كيف نتصادم مع الحضارات – والحضارة الغربية بالذات – و إنما في كيف نستوعبها ونتجاوزها ليس المشكل كيف نهرب من العصر الذي يؤطره الغرب وإنما كيف نعيش في العصر مسلمين كما ذكر ذلك العلامة الشيعي السيد حسين فضل الله على حين كان مشروع التحديث البورقيبي وأمثاله يدور حول كيف ننخرط بأسرع ما يمكن في الحياة الغربية وننعم بخيراتها وهو ما يجعل من الإسلام وتراثه عقبة لابد من إزاحتها أو الاحتيال عليها إنه الثمن الوحيد في نظر " حداثيي العرب " حتى تتم عقلنة السياسة وعقلنة الاقتصاد

وحتى نحكم على الأشياء بنتائجها وبأسبابها بمقاييس موضوعية وتصبح المصلحة بمعناها المادي مقياسا أساسيا في الحكم على مصلحة الفرد ومصلح الأمة ويمكن النهوض بالاقتصاد وتحرير السياسة من سيطرة النخبة وتحويلها إلى مصلحة الجماهير ويتم استيعاب التقنيات المعاصرة وتحقيق مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية والسياسية إن الحركة الإسلامية الحديث هي المشروع الذي يؤكد أن كل ذلك ممكن ولكن في إطار إسلامي يحفظ الأسرة ولا يهدمها بل إن ذلك غير ممكن خارج هذا الإطار إذ لا تجديد جديرا بهذا الاسم لا يتأسس على النص الإسلامي ولا يكون مشبعا إيمانا بمقاصده وجدارته غن الإسلام روح هذه الأمة فأني لتحريكها وتعبئتها لمشروع دون المرور بالإسلام الذي أطلق للعقل العنان وحرره من كل وصاية .

التجربة السودانية

وعلى ذكر المرأة فقد نشأت الحركة الإسلامية في تونس متأثرة في هذه القضية وغيرها بالأدبيات المشرقة التي تنجو في عمومها إلى مهاجمة وضع المرأة في الغرب وخطر ذلك الوضع على الأسرة والمجتمع مكتفية في الإسلام بالتأكيد على دور المرأة كأم وزوجة وربة بيت منتقدة لكل اختلاط لها مع مجتمعات الرجال والحق أن الأدبيات الأول للحركة الإسلامية كما صاغها البنا كانت في هذا الشأن وغيره أكثر انفتاحا ومرونة

ولكن أدبيات المحنة واشتداد تأثير منطقة الخليج علي قطاعات من الفكر الإسلامي في بعض المراحل صوب التشدد والضيق بسبب التحدي البورقيبي للإسلام وهجومه عليه انطلاقا من موضوع تحرير المرأة والإيحاء الدائب بظلم الإسلام للمرأة وإنقاذ بورقيبة لها وبسبب رد الفعل ضد مناخات التحلل التي فشت في المجتمع فقد انصب خطاب الحركة في هذا الباب خلال العشرية الأولي على مهاجمة الموقف البورقيبي في مسألة منعه للتعدد وتجريمه لفاعله وفي إباحة الزنا وفي فرض الاختلاط في المدارس .

وفي هذا السياق غدا حتى موضوع تعليم المرأة حسب منزعنا في تلك المرحلة غير مرغوب فيه وإن كان ولابد منه فليكن بالحد الأدنى الضروري الذي يرفع الأمية عن المرأة دون حاجة إلى مواصلتها التعلم بل من الأفضل تزويجها مبكرا الحد من كل فرصة للاختلاط غير أنه ومع فشو مناخ النقد للوافد المشرقي ومع زيارتي الأولي للسودان سنة 1979 ومشاهدتي لنموذج آخر غير الذي قدمته الأدبيات المصرية الباكستانية السائدة في مرحلة نشأتنا في السبعينات التي تأثرنا بها في موضوع المرأة بدأت نظرتنا تتغير

وكان مرحلة نشأتنا في السبعينات التي تأثرنا بها في موضوع المرأة بدأت نظرتنا تتغير وكان النموذج السوداني متميزا باتساع مشاركة المرأة في المجهود الإصلاحي والدعوي وعقوبة علاقتها بالرجال ووجودها الكثيف في مناشط مشتركة كثيرة في الجامعة وفي الندوات والرحلات وأذكر أن اتحاد الطلبة نظم رحلة نيلية ( نسبة إلى نهر النيل ) ليوم كامل شارك فيه عدد من الطلبة والطالبات

وكنت أنا والشيخ حسن الترابي والشيخ المرحوم محمد صالح النيفر رحمه الله ضيوفا في تلك الرحلة وكان الشباب من الجنسين يشاركون بكل عفوية وبراءة في كل المناشط مثل إلقاء الكلمات والأسئلة والإنشاد وإعداد وتقديم الطعام والتنكيت فمثلت هذه المشاهد نموذجا إسلاميا آخر متميزا في العلاقة بين الرجال والنساء كان له أثر كبير فيه المرأة حظوظا كبيرة من التطور المحمود وغير المحمود تصدينا لها بدافع رد الفعل دون تمييز والجدير بالملاحظة أن اكتشاف التجربة السودانية وتميزها عن بقية التجارب الإسلامية السائدة على صعيد الفكر والعمل مثل مصدرا مهما من مصادر تطوير فكر الحركة الإسلامية في تونس .

وأذكر أنني ألقيت سنة 1980 بمقر مجلة " المجتمع " بساحة المنجي بالي بالعاصمة محاضرة حول المرأة بعنوان " وضع المرأة في الحركة الإسلامية " قمت فيها بنقد ذاتي شديد لموفقنا السابقة داعيا إلى تجديد في الموقف باتجاه تأكيد مبدأ المساواة بين الجنسين وضرورة المشاركة الفاعلة للمرأة في كل نشاط اجتماعي وسياسي يتجاوز دورها في البيت مع التأكيد على هذا الدور الحيوي وعدم إلغائه بدعاوي تحررية زائفة وما يقتضيه ذلك من إعداد علمي لها يتجاوز مستوي رفع الأمية إلى تشجيعها على بلوغ أعلي المراتب العلمية والتأكيد على حاجة النهضة الاجتماعية إلى عملها وأن يكون مقياس توزيع العمل بحسب الكفاءة والاقتدار

كما أكدت المحاضرة على ضرورة الحاجة إلى زعامات نسائية إسلامية تجسم قيم الإسلام من أجل نهضة عامة شاملة ومن أجل التصدي لزعامات نسائية علمانية بورقيبية لا تعدو كونها زينة في صالونات المدن والأوساط المترفة والتأكيد كذلك على أن الاختلاط البرئ ليس ممنوعا وأن تعدد الزوجات ليس فريضة في الإسلام نجعل منه قضية من قضايا الدعوة ولقد ساهم هذا النقد في تطوير العلاقة المرأة التونسية بالحركة فازداد إقبالهن على الحركة وتضاعفت مشاركتهن في مناشطها سواء أك يرتدين الزي الإسلامي أولا!!.

وظهر ذلك في تعزيز الصف الطلابي في الجامعة وفي تعزيز موقف الحركة وفوزها بأغلبية ساحقة في الانتخابات التشريعية سنة 1989 التي تورط النظام في تزييفها على نطاق واسع حاكما على وعود ( 7 نوفمبر) بالإفلاس دافعا البلاد إلى المجهول كما أدي هذا الموقف إلى إعلان الحركة في 17 / 7/1988 قبولها اعتبار مجلة الأحوال الشخصية إطارا صالحا في عمومه لتنظيم شؤون الأسرة في عمومه سنده الديني . وكذلك أدي إلى وجود عناصر نسائية في كل مستويات القيادة منذ مؤتمر 1981 .

وهذا التطور يعود بنا إلى جذور الحركة الإصلاحية في القرن التاسع عشر كما نشأت مع خير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي وعبد العزيز الثعالبي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده هؤلاء جميعا كانوا مخلصين للإسلام شديدي الإيمان به وكانوا متألمين لما حققه الغرب من تقدم في كافة المجالات بينما المسلمون متخلفون وكان مشروعهم كيف يقتبسون - بلغة خير الدين – من الغرب مادة تفيد المسلمين وكيف يستوعبون مكاسب التقدم الغربي دون التضحية بالاسم لأن المشروع الذي كان يطرحه الغرب وتلاميذه عليهم لسان حاله:

لا سبيل لكم أيها المسلمون لتحصلوا على بركات التقدم وخيراته إلا بالتضحية بالإسلام أو على الأقل بأبعاده الاجتماعية أى أن تحيدوا الإسلام وتقصوه عن مهماته ورسالته في توجيه الحياة كلها أى أن تعلموه كما علمن الغرب مسيحيته ولئن كانت المسيحية في الأصل متهيئة لذلك ( دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ) فإن الإسلام لا يقبله بل ينبغي أن تمتد توجيهات الله وأنواره في كل أرجاء الفكر وميادين العمل ولكن دون وصاية من سلطة دينية إذ أن السلطة في الإسلام مدنية من كل وجه أى من صنع البشر باجتهادهم وفهمهم ولخدمتهم ومسئولة أمامهم .

مالك بن نبي

لقد كان لمالك بن نبي تأثير في المجموعة الإسلامية التونسية التي استفادت كثيرا من " ملتقيات الفكر الإسلامي " التي كانت تنعقد مرة أو أكثر كل سنة في الجزائر خلال السبعينات وكانت مجموعتنا – التي تضم الشيخ عبد الفتاح مورو والفاضل البلدي وصالح بن عبد الله وحميدة النيفر راشد الغنوشي - تذهب في كل سنة في الأعوام 1970 -1971 -1972 من تونس إلى الجزائر لحضور تلك الملتقيات حيث تلتقي بمالك بن نبي الذي كان يخصنا باللقاء

والمحاضرة والحوار والتوجيه وكنت ولا أزال شديد الإعجاب به وأعتقد أنه يمثل عنصرا من عناصر الثقافة الإسلامية المعاصرة لم يشغل نفسه بشرح مفاهيم الإسلام في المطلق وإنما سلط أدوات التحليل العلمي والمعرفة المعاصرة على واقع المسلمين والواقع الدولي عامة لتبصير المسلمين بحقائق هذا الواقع والقوي المتحكمة فيه وعوامل تطوره بما جعله بحق – من دون غيره – الامتداد الطبيعي لمدرسة ابن خلدون .

ومما أتذكره جيدا خلال لقائي الأول مع هذا العلامة وكان ذلك في طريق عودتي من فرنسا إلى تونس صائفة 1969 مرورا بالجزائر أنه – رحمه الله – وجه انتقادات شديدة لسيد قطب , رحمه الله الذي ذكر في أحد كتبه أن الحضارة هي الإسلام أو الإسلام هو الحضارة وأنه حين كان في أول عهده يعتقد مثل ما كان يعتقد " كاتب جزائري " كان يكتب عن الإسلام " إن الإسلام شئ والحضارة شئ آخر " في إشارة إلى مالك بن نبي دون أن يذكر اسمه ويبدو أن مالك بن نبي اعتبر ذلك تحقيرا من شأنه فوجد في نفسه على سيد رحمهما الله وقد أنجزت إلى موقف مالك بن نبي واعتبرت أنه أعمق فهما للحضارة من سيد قطب .

ذلك أن الحضارة هي حركة الإنسان بالفكرة في الواقع حركة تفهم الواقع وتغيره وتوظفه لمصلحة الإنسان أما الإسلام مجردا فهو منهاج هو هداية هو مشروع للحضارة وليس حضارة ناجزة وإنما يصبح حضارة عندما يفهم على حقيقته ويطبق التطبيق الجيد من خلال تحرك معتنقيه به في الحياة الحكة المؤثرة في " الإنسان والتراب والزمن" التأثير الإيجابي الفاعل وعليه نقول بأن المسلمين يمكن أن يكونوا متحضرين كما يمكن أن يكونوا متخلفين

وأما سيد قطب فمقتضي موقفه أن الإنسان متحضرا إذا كان مسلما ومتخلف إذا كان غير مسلم وهذا يقود في النهاية إلى التكفير مثل اعتقاد الخوارج بأن المسلم هو الإنسان الكامل لأن الإسلام هو الكمال ولا يكون الإنسان مسلما بزعمهم حتى يتماهي مع هذا الكمال وتاليا كفر الخوارج الناس بالمعاصي والذنوب لأنها تتناقض م ع صفة الكمال كذلك طور سيد قطب هذه الفكرة المثالية للخوارج وطبقها على موضوع الحضارة ومقتضي ذلك أنه لا يكون الإنسان متحضرا إلا إذا كان مسلما كاملا وتاليا فإن مجتمعاتنا جاهلية غير مسلمة غير متحضرة ومن هنا أتت فكرة الجاهلية ويكون غير المسلم بالضرورة بدائيا متخلفا وهو ما لا يشهد عليه الواقع بل يشهد أن الحضارة دول ( وتلك الأيام نداولها بين الناس )

تماما كالصحة والمرض والفقر والغني وهو ما يتساوق مع شهادة التاريخ والواقع فتكون الحضارة – وفق مالك بن نبي – شيئا آخر غير الإسلام وأن المسلم يمكن أن يكون متحضرا إذا أحسن فهم الإسلام وتفاعل به مع الواقع فغيره وأما إذا لم يحسن الفهم والتطبيق حتى مع اعتقاده في الإسلام فهو مسلم ولكنه مسلم متخلف أو ظالم وتاليا يمكن أن نتصور مسلما متحضرا وآخر متخلفا ومسلما عادلا وآخر ظالما تماما كما يمكن أن نتصور كافرا ظالما وكافرا عادلا فالكافر الذي يحسن زراعة حقله متحضر في الزراعة بينما المسلم العابد الذي يقوم الليل لكن لا يحسن الفلاحة أو يهمل زراعة الحفل فهو مسلم متخلف في الزراعة.

وسيكافئه الله على قيامه الليل يوم القيامة ولكن لن يرفع من مستوي إنتاجية حقله المتدنية , ولن يحرم الكافر من ثمار حقله التي استحقها بجهده لا بسبب كفره وكان أن الفلاح المسلم لا يكفر ولا يخرج عن الإسلام لمجرد كونه فلاحا بدائيا أو فاشلا فكذلك الحاكم المسلم الذي لا يعدل لا يخرجه ظلمه بالضرورة من الإسلام مع أنه سيبقي به متخلفا ظالما على حين أن نظيره الحاكم الغربي وإن يكن كافرا بالعقيدة لكنه ما عدل في حكمه بين الناس أو أحسن توظيف الطاقات البشرية في اكتشاف كنوز الكون وتسخيرها لمصالح الناس فهو متحضر ومستحق لثمار جهده في الدنيا انتصارا وازدهارا.

وقديما تحدث علماء الإسلام مثل ابن تيمية عن العادل الكافر والمسلم الظالم فقالوا إن الله ينصر الحاكم العادل وإن يكن كافرا ولا ينصر الحاكم الظالم وإن يكن مسلما فكان تفكيرهم أقرب إلى الاعتدال والمعاصرة وروح الإسلام من كثير من مناهج التكفير الرائجة في أوساط من الحركة الإسلامية المعاصرة التي لا تخلو من ادعاءات النطق باسم الحقيقة الإسلامية المطلقة واحتكار تمثيل جماعة المسلمين والفرقة الناجية وهو تفكير تكفيري متشدد مصادم لتعددية الإسلامية ولمنطق الإسلام السمح إنه " الكنيسة الإسلامية" المعاصرة أو الانحطاط الإسلامي المعاصر الذي مثل نكوصا بالفكر الإسلامي عما كان عليه في زمن الأفغاني وعبده ورشيد رضا والتعالي وابن باديس والبنا .. الخ إنه زحف الصحراء على المدن في زمن انكماش دور الحواضر الإسلامية الكبرى التي كانت معروفة.

لقد أضاف مالك بن نبي بعدا آخر إلى تكويننا هو البعد التاريخي الاجتماعي أو البعد التحليلي للظاهرة الاجتماعية والسياسية والتاريخية فلم نعد نتعامل مع نظريات إسلامية مثل المرأة في الإسلام أو الاقتصاد في الإسلام أو الحكومة في الإسلام كما هو سائد في الأدبيات الإسلامية وإنما أصبحنا نتعامل مع واقع المسلمين سواء الواقع القائم الآن أم الواقع التاريخي على ضوء مفهوم الحضارة والتخلف والعدل والظلم والديمقراطية والديكتاتورية وليس فقط على ضوء الإيمان والكفر .

ذلك أن معادلة السلوك الإنساني فردا وجماعة لا تقوم بعنصر واحد على أهميته هو عنصر الإيمان وهو ما يتساوق مع منطق القرآن في تعامله مع الأمم الأخرى حيث الأداة المستخدمة غالبا ليست أدوات التعميم مثل كل وإنما أدوات التبعيض ( ليسوا سواء من أهل الكتاب ..)

وهذا المنطق التحليلي النسبي يجعل غير المسلمين ليسوا كتلة صماء واحدة معادية بل منهم العدو ومنهم المحايد ومنهم الصديق وكل حين له أحكامه الخاصة في التعامل ( سورة الممتحنة 7) والمسلم ليس مبرءا من الظلم وصدور العدوان عنه مما يوجب في رده عن غيه ولو بمقابلته ( سورة الحجرات ) لقد منحنا ابن نبي أدوات أخري للتحليل فوسع من آفاقنا فأصبحنا نري أنه من الخطأ أن يظل المجتمع والسلوك البشري بمختلف تعقيداته يحلل على ضوء واحد مبسط مثل مفهوم الإيمان والكفر لأن السلوك البشري أكثر تعقيدا من أن يستغرق في مفهوم واحد – كما تقدم .

ثم بعد ذلك جاء الخميني ليضيف إلى تكويننا في نهاية السبعينات بعدا آخر وأداة تحليلية أخري هي الاستكبار والاستضعاف وهي أداة تحليلية مفيدة في فهم السلوك البشري فالناس لا ينقسمون فقط إلى مؤمنين وكافرين بل ينقسمون أيضا إلى متحضرين وكمتخلفين وعادلين وظالمين ومستكبرين ومستضعفين .

وأنه في الصراع الدائر بين هؤلاء وأولئك يوجب الإسلام على المسلم الوقوف مع مواقف التحضر ضد التخلف ومواقف العدل ضد الظلم ومع صف المستضعفين ضد صف المستكبرين ومع ا،صار الحرية والديمقراطية ضد الطغاة والمتجبرين مع موسي ضد فرعون بقطع النظر عن الجانب العقدي لهؤلاء وأولئك فالحق أحق أن يتبع وهو ليس منحصرا في المؤمنين قال تعالي( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوانين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) المائدة 7)

من ثمار تعدد التجارب والمرجعيات

هيأتنا هذه الأدوات التحليلية لخوض الصراع من الحركة اليسارية في الجامعة وكانت حركة أصولية تكفيرية بالمعني الاجتماعي أو الفلسفي ذات بعد واحد تسعي جاهدة لاختزال حركة التاريخ وصراعات المجتمع ومسالك الأفراد في بعد واحد هو العنصر الاقتصادي.

لقد بدأنا نستوعب الصراع في تعقداته وندرك أن الله لم يخلقنا لمحاربة الشيوعيين بل خلقنا لمحاربة الظلم والظالمين والظلم قد يصدر من المسلم وقد يصدر من الكافر وإنما جاء الإسلام بالعدل ولذلك ينبغي أن ندافع عن العدل وحثيما العدل فثم شرع الله وحيثما الظلم فثم أعداؤنا .

بعد هذا التوجه أصبحنا في طليعة المدافعين عن الحركة النقابية في الثمانينات يعد أن استوعبنا قضايا الحرية والعدل ومنها أننا أصبحنا نحن الذين نقود الإضرابات وقد احتوينا قضايا العمال في إطار الإسلامي وأصبحنا نحن الذين نقود النضال ضد الظالمين وأوليائهم ضد الحكومة والرأسماليين الجشعين وأصبحنا نؤكد على انحيازنا للمستضعفين لا تأبيدا الصراع اجتماعي بين العمال وبين أس المال إذ ليس في المجتمع المسلم المثالي ظلم مجحف يؤدي إلى انقسام المجتمع وإلى صراع بين الطبقات .

مجتمع الإسلام مجتمع أخوة مجتمع عدل وتضامن وتعاون تقارب في مستويات العيش ولكن مادام الظلم والانقسام والصراع قائما فالحركة الإسلامية ينبغي أن تنحاز للمظلومين وأن تقف في وجه الظالم المتمثل في رأس المال ودولته .

نحن مع المظلوم في الصراع بين الاستكبار والاستضعاف بين الرأسماليين المحتكرين والشعوب المستضعفة إن على الصعيد المحلي أو على الصعيد الدولي فكما لا ينبغي لنا أن نقف مع الظلم لا يجوز لنا أن نظل حياديين بل يفرض علينا ديننا أن نقف مع المظلومين المستضعفين من أهل ملتنا أو من غيرهم على حد السواء .

نقلتنا هذه المقولات من المعارضة الآلية ذات البعد الواحد للدولة إلى المعارضة المؤسسة على مبادئ وقيم إنسانية تجد أسسها ومكانها في الإسلام بل إن مكانها الأساسي في الإسلام وكان خطأ أن ضيقنا إطار الإسلام فخترلناه في بعد واحد من أبعاده هو البعد العقدي أى معيار الإيمان والكفر .

لقد استوعبنا حقيقة أن الإيمان بالله الحق العدل الرحيم تجلياته تتبدي في المجتمع : كفاحا ضد الظلم ونضالا من أجل العدل وحقوق المستضعفين بينما الكفر في أحلك صوره هو الظلم وفي ضوء ذلك يمكن أن يفهم المرء قول الله تعالي ( إن الشرك لظلم عظيم ) لقمان 12) وفي هذا ا لمنظور الواسع للإسلام أمكن بيسر لحركتنا استيعاب قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومناصرة ثورات التحرر في العالم في جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية فضلا عن القضية الفلسطينية حتى عندما كانت تقودها منظمة التحرير العلمانية فقد ناصرناها على حين كانت حركات إسلامية أخري متحرجة .

وكذلك كان حالنا في قضية تحرير المرأة فكما عارضنا في الأول مفهوم الاشتراكية أو العدل لتلبسه بالشيوعية عارضنا " تحرير المرأة " لأن جماعة بورقيبة هي التي رفعت رايته ولكن في نهاية السبعينات عندما استيقظ الحس الاجتماعي فينا تحت وطأة حركية المجتمع مستفيدين من تجربة التحرر النسوي في السودان

وهي تجربة متميزة في الحركة الإسلامية المعاصرة تبين لنا وجود ظلم حقيقي للمرأة في المجتمع الإسلامي التقليدي وكان العلمانيون هم الذين يرفعون لواء الدفاع عنها حتى وإن كان ذلك تأثرا بالنمط المجتمعي والحضاري الغربي وليس امتدادا مع تراث الحركة الإسلامية الإصلاحية تماما كما أن ضحايا الرأسماليين من المظلومين حمل لواء الدفاع عنهم الشيوعيون

وهي بالأساس قضية إسلامية دافع عنها محمد على الحامي والطاهر الحداد وسيد قطب من موقع الإسلام أدركنا أن ذلك لا يبرر ولا يجيز بحال أن نتخلي عن قضية نحن أولي بها منهم بل مطلوب منا أن نتفاعل مع كل قضية عدل.

بل ينبغي على المسلم فهم ما يجري في المجتمع والعالم بسبب تضييقهم للجهاز التحليلي مما أفقدهم القدرة على استيعاب القضايا الإنسانية مثل قضية الديمقراطية وقضية مبادئ حقوق الإنسان ودعم سلطة المجتمع المدني ومؤسساته إلى ما سواها من القضايا العادلة التي هي من جوهر إسلامنا ولا يضي المسلم أن يكون قد حمل لواء الدفاع عنها غيره بل إن في ذلك ما يحمله على الشعور بالذنب والتقصير وما يدفعه إلى الاستدراك واللقاء مع القائمين يناضلون على أى جبهة من تلك الجبهات للشد من أزرهم وتنسيق الجهد معهم في اتجاه توحيد الجهد والتحالف .

ومما يؤسف له أنه لا يزال قطاع من المسلمين يماري في الدفاع عن هذه القضايا العادلة ويعتبر أنها جاءتنا من الغرب والمتغربين وأنه ما دام قد حمل لواءها الأمريكان والغربيون فينبغي أن نجافيها أو نعارضها أو نتحفظ على الأقل في استخدام مصطلحاتها وذلك على غرار الشيوعيين الذين طالما ناصبوا الديمقراطية وحقوق الإنسان العداء واعتبروها بضاعة امبريالية بورجوازية ولكنهم بعد أن روضتهم المحن وعركتهم التجارب لم يكتفوا بالانتماء إليها وإنما عمدوا إلى احتكارها اتخذوها سيفا مسلطا على رقاب الإسلاميين كما فعلوا مع مفهوم المجتمع المدني مع أن الأصل أن كل ما هو خير فالإسلام أولي به أليست الحكمة ضالة المؤمن وهل بعث النبي صلي الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق أو ليس الإسلام هو مجتمع الأسماء الحسني ؟؟ ( ولله الأسماء الحسني ) .

لكل هذه الاعتبارات التي أسلفنا نحسب أن مشروع الحركة الإسلامية في تونس رغم أنه أقصي بالقوة والعنف إلا أنه لا يزال يمثل أملا لا للتونسيين فقط وإنما لغيرهم في الحوار والتعايش بين التيارات والأحزاب وحتي بين الحضارات كالإسلام والغرب .

ولذلك لا عجب أن يجد هذا المشروع – الذي أخذت الحركة الإسلامية العالمية تستوعبه بالتدريج بوعي أو بدونه دون أن تسميه في كثير من الحيان بعد أن كانت في السابق ترفضه وتنال من دعاته – صدي كبيرا متعاظما إذ كان له دور كبير في الحوارات الوطنية بين الإسلاميين وبقية الأحزاب وفي التحالفات والمشاركات الإسلامية في الحكم وفي إقامة العلاقة مع القوميين والمبادرة بالحوار معهم مما تمخض عنه في النهاية تكوين مؤسسة تجمع بين القوميين والإسلاميين

كما وكان له دور مهم أيضا في الحوار مع الغرب حتى غدا كثير من الغربيين الآن يؤكدون على أهمية هذا الفكر الذي يقدم أرضية مشتركة ويطرح الحوار والتعاون بديلا عن حتمية الصراع كما كان لهذا المشروع الفكري دور في الدفاع عن صورة ا الإسلام في العالم وهي تتعرض لحملات منظمة من طرف أعتي وأمضي أجهزة الفكر والإعلام الغربية وامتداداتها بقيادة الأخطبوط الصهيوني الذي نصب الإسلام غرض على إثر سقوط الاتحاد السوفياتي وخشيته من فقدان الدور والأهمية والتمويل والدعم

فنفخ في كير العداء للإسلام والتهويل من خطره حتى كادت صورة الإسلام تقترن بكل ما تبغ ض النفوس واعتباره الخطر الأعظم المهدد لكل منجزات الإنسانية فكان لفكر الوسطية الإسلامية وما أقامه من علاقات مع الأوساط العلمانية التحررية إن في الوطن العربي أو في الغرب دور مقدر في التخيل عن الإسلام وفي المساعدة على اكتشاف مشروعه الإنساني العظيم وكان من ذلك " حلقة الأصالة والتقدم" التي تأسست من طرف عدد من المفكرين الإسلاميين والغربيين من بلاد مختلفة منذ سنة 1996 وعقدت ندوتين حتى الآن .

كلمة أخيرة

هذه الجولة في مشاهد من حياتي الشخصية في تفاعلها مع البيئة الأولي التي نشأت فيها ومع اعدد من البيئات الأخرى التي ساقتني الأقدار إليها ثم واقع الكيان الفكري والحركي الخاص " الحركة الإسلامية في تونس " الذي يبدو من السياق وكأن الخاص قد ذاب في العالم وفقد تماما ذاتيته ولا سيما والكيان يخوض منذ عقدين من الزمان معارك لإثبات الوجود أى دفاعا عن الوجود تفاعل خلالها مع أحداث البلاد والمنطقة والعالم .

غير أن ما تجدر ملاحظته أن هذه السيرة الذاتية إذ صح التعبير كانت بطلب من الأستاذ عزام التميمي خلال إعداده لأطروحة دكتوراه بجامعة واست منستر بلندن حول " الفكر السياسي للغنوشي " فلم تكن هذه السيرة إذن مبادرة شخصية مني ولم تكن وافية بمقتضيات السيرة الذاتية بقدر ما كانت وافية بغرض الباحث لا سيما في تغطيتها لعشريتين من المحنة لأن لذلك لم يكن مما يهم الباحث بقدر ما كان يهمه تتبع أطوار النشأة والعوامل التي أثرت في توجهاتي وتوجهات الحركة التي كان لى شرف الإسهام في تأسيسها بفضل الله وهي في كل الأحوال وثيقة أخري للتعريف لا بكاتبها بقدر ما هو تعريف بأطوار من الحركة الإسلامية التونسية كظاهرة اجتماعية تسري عليها سنن التطور الاجتماعي وربما يجعل الحكم عليها مستعصيا دون وضعها في سياقها التاريخي والمجتمعي وتفاعلها مع جملة مؤثراته المحلية والخارجية.

الفصل الثاني: العناصر الفكرية المكونة للحركة الإسلامية بتونس

مقدمة

كثيرا ما لجأ خصوم الحركة الإسلامية في تونس وأمثالها إلى التفسير التآمري متنكبين عن المنهج العلمي كلما فاجأتهم مواقفها الفكرية السياسية بتفاعلها الايجابي مع قضايا طالما اعتبروها خصوصيات لهم ومرفوضة بالضرورة من طرف الحركات الدينية حسب ما قرؤوا عنها في علم الاجتماع الديني وذلك من مثل ضم صوتها إلى كل الأحرار في مقاومة الديكتاتورية والتبشير بالحكم الديمقراطي ودفاعا عن حقوق متساوية لكل الجنس البشري مهما اختلفت مللهم وأجناسهم .

ويهمني هنا أن أتناول الظاهرة الإسلامية في تونس من زاوية أخري أعني زاوية الأصول الفكرية المكونة لهذه الظاهرة – فتلك جهة أخري قمينة بأن تقدم للدارس عونا كبيرا في عمله التفسيري لخصوصية النزعة الإسلامية التونسية في تفاعلها مع بيئتها وزمانها .

والتقرب إليهم على الرغم مما قد يبدو من تلاؤم بين مختلف ضروب النشاط الإسلامي من حيث اتجاهها نحو هدف واحد هو الأحياء الإسلامي والمجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي مما يغري بالاتجاه إلى بساطة الظاهرة إلا أنه ظن خادع فالظاهر معقدة وهي – فيظننا – ثمرة تمازح وتفاعل لعناصر ثلاثة أثمر تفاعلها واشتراكها تكوين الظاهرة بدرجات وأنصبة متفاوتة ولم يكن تفاعلها يسيرا ولا تأثير منها مساويا دائما لتأثير الآخر بل كان مركز الثقل متنقلا بينها من مرحلة إلى أخري وكان الصراع الظاهر أ و الخفي بينها قائما بوعي أو من غير وعي .

العنصر الأول : التدين التقليدي التونسي ويتكون من عناصر ثلاثة متآلفة التقليد المذهبي المالكي والعقائد الأشعرية والتربية الصوفية تلك العناصر التي صاغها الفقيه المالكي ابن عاشر : في عقد الأشعري وفقه مالك , وفي طريقة الجنيد السالك – أى المذهب المالكي او العقائد والأشعرية والتربية والصوفية .

العنصر الثاني : التدين السلفي الإخواني , الوارد من المشرق وهو بدوره تألف بين العناصر التالية .

  1. المنهجية السلفية التي تقوم على محاربة البدع في مجال العقائد ورفض التقليد المذهبي في المجال الفقهي والعودة في كل ذلك إلى الأصل: الكتاب والسنة وتجربة الخلفاء والأصحاب والتابعين ومحاربة الوسائط بين الخالق والمخلوق بتقديس الأضرحة ومحاربة الطرقية والبدع في الدين , وتقوم هذه المنهجية أساسا على أولوية النص المطلقة على العقل .
  2. الفكر السياسي والاجتماعي الإخواني والقائم على تأكيد شمولية الإسلام ومبدأ حاكمية الله سبحانه مبدأ العدالة الاجتماعية .
  3. منهج تربوي يركز على التقوى والتوكل والذكر والجهاد والجماعية والاستعلاء الإيماني والإخوة والتقلل من الدنيا وتحري السنة حتى في الجزئيات .
  4. منهج فكري يضم الجانب العقائدي الأخلاقي على حساب الجوانب السياسية والاجتماعية ويقيس الأوضاع والجماعات بمقياس عقيدي مما ينتهي معه الأمر إلى تقسيم الناس إلى أخوة وأعداء ويغلب جانب الرفض في تعامله مع الواقع والثقافات الأخرى وحتى مع المدارس الإسلامية فهو أحادي النظرة ويكاد يشكل منظومة مغلقة .

العنصر الثالث : التدين العقلاني وهذا العنصر وإن لم يعبر عن نفسه بشكل واضح إلا في مرحلة متأخرة نسبيا في النصف الثاني من السبعينات إلا أنه كان موجودا منذ وقت مبكر من دون وعي كاف بنفسه وقد جرفته في النصف الأول من السبعينات موجة التدين الإخواني السلفي العاتية فسار في طريقها فترة ولكن لم يلبث أن توقف متحيرا متسائلا باحثا عن نفسه حتى اكتشفها على مراحل اكتملت مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ويتألف التدين العقلاني من الأجزاء التالية .

  1. التراث العقلاني الإسلامي الذي عمل أيضا أنصار هذا التيار بعد الوعي بأنفسهم على إحيائه والدفاع عنه بإعادة الاعتبار إلى المنهج الاعتزالي في التعامل مع الإسلام حسب فهمهم لهذا المنهج وبالقدر المحقق لمطالبهم في التحرر من ظواهر النصوص وفق منظومة فكرية محددة كالتوحيد والحرية العدل والإنسانية وكذلك إعادة الاعتبار للمعارضة السياسية في التاريخ الإسلامي كالخوارج والشيعة والزنج وللتيارات المناوئة للسلفية وأهل السنة عموما .
  2. النقد الجذري الصارم للإخوان ومن هم على شاكلتهم في فهم الإسلام ممثلين للسلفية في هذا العصر نقدا لا يري في الإخوان غير كونهم أكبر عائق في طريق نهضة الإسلام .
  3. إعادة الاعتبار للمدرسة الإصلاحية التي اجتهد " الإخوان " أو أكثر كتابهم المقروء لهم في الحط من شأنها باعتبارها منهجا حرف الإسلام وأوله بما يناسب المدينة المعاصرة مثل عبده والكواكبي والأفغاني والطهطاوي وقاسم أمين .
  4. اعتماد الفهم المقاصدي للإسلام بدل الفهم النص فالنصوص ينبغي أن نفهم وتؤول في ضوء المقاصد " العدل " التوحيد الحرية الإنسان .." ونصوص الحديث يحكم على صحتها أو ضعفها لا حسب منهج المحدثين في تحقيق الروايات وإنما حسب موافقتها أو مخالفتها للمقاصد .
  5. إعادة الاعتبار للغرب وللتيار اليساري فيه بالذات فخلافا للفكر السلفي الإخواني الذي لا يري في الغرب إلا مدنية مادية منحلة متداعية إلى السقوط لا مجال للاستفادة منها إلا في جوانبها العملية والعلمية والتقنية البحتة نادي هذا التيار بضرورة الاستفادة من الغرب – أيضا – في تنظيماته وثقافته وعلومه الإنسانية .
  6. وفي مقابل اعتماد التدين الإخواني المقياس العقيدي في تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر اعتبر التدين العقلاني ذلك تهميشا للصراع الحقيقي إذ التقسيم الحقيقي ينبغي أن يكون على أسس سياسية واجتماعية وطني وخائن ثوري ورجعي فلاح وإقطاعي إذ يمكن أن يكون مسلما عميلا وماركسيا وطنيا .
  7. إعادة الاعتبار للمدرسة الإصلاحية في تونس ( خير الدين الحداد) ولمنجزاتها في امتدادها الحديث من خلال ما أنجزته البورقيبة مثل تحري المرأة والعقلانية في التعليم .

قلناان هذا التيار لم يكن واعيا بنفسه في النصف الأول من السبعينات إلا من خلال القلق وعدم الرضي على واقع الحركة بل كان أحيانا أكثر حماسا في الدفاع عن المواقف السلفية الإخوانية وكان لابد لنزوعه العقلاني من حوافز الاكتشاف نفسه فكان لما شهدته ساحة البلاد في النصف الثاني من السبعينات ن تطورات ولموقع أهم رموزه في مجلة " المعرفة " الذي أتاح لهم فرصا أكبر من الاحتكاك بمصادر كثيرة للتلقي ومنها إن لم يكن أهمها المصدر الغربي وبعض تيارات النقد الإسلامي في المشرق العربي

مثل تيار مجلة " المسلم المعاصر " وما نادي به فتحي عثمان وحسن حنفي من فكرة " اليسار الإسلامي " وبسبب ضعف البنية والبضاعة الدينية في المجتمع التونسي عموما – بعد إغلاق الجامعة الزيتونة – كانت الحصانة من الاختراق لدي دعاة التدين العقلاني محدودة وكذا قدراتهم على الاستيعاب المستقل للبضاعة الوافدة بما يميز ما يجوز مما يتواءم مع البيئة الإسلامية مما لا يجوز .ولا شك أن صورة هذا النمط من التدين لم تتبلور بالشكل الذي عرضناه إلا مع نهاية السبعينات .

تفاعل هذه التكوينات

ولم يكن لقاء هذه التيارات في صلب الجماعة الإسلامية في تونس ممكنا من دون القيام بتنازلات متبادلة بينها سواء أتمت بوعي أم من غير وعي . فكيف تم ذلك اللقاء وما هي نتائجه ؟ فالتدين التونسي ولئن حافظ على المذهبية المالكية والعقائد الأشعرية – إلى حد ما – كما حافظ على ما ترسب في المجتمع التونسي من عادات وأدبيات دنية كالاحتفال بالمولد النبوي والأناشيد الصوفية فدخلت تلك المكونات في صلب " الجماعة " كلها قد تخلي أمام هجوم الموجة السلفية العاتية عن تقديس الأضرحة ووساطة الأولياء , وعن الالتزام بالطرق الصوفية كما قبل مبدأ الشمول والتسييس ومبدأ الحاكمية وهي عناصر ليست غريبة عن المذهبية المالكية الأصولية..

أما النزعة السلفية ولئن حافظت على هجومها العنيف على عناصر الخرافة والتقليد الجامد في التدين التونسي ودعوة العودة إلى الأصول فإنها خففت من غلائها أمام ضغط الواقع وخشية العزل فخف نقدها للتقليد المذهبي المالكي وللمشائخ وللطرق الصوفية وتركت جملة التعرض لمسألة التوسل بالنبي صلي الله عليه وسلم

وذلك منذ أواسط السبعينات فما بعد لدرجة تفكير قيادة الجماعة في أواخر السبعينات في التبني الرسمي للمذهب المالكي كأسلوب في التعبد بما له من دلالة واضحة على استمرار فاعلية المجتمع التقليدي ومقاومته للوافد اتجاهه إلى استيعابه وتأصل نزوعات الإصلاح فيه بعيدا عن التطرف والغلو في أى اتجاه .

أما النزعة العقلانية فقد ولدت متأزمة لأنها لم تكن منذ البداية على وعي بنفسها فتجلت بداياتها في شكل تبرم الحركة وسخط متزايد على الأفكار السائدة والرموز والهياكل والأساليب مما جعل استمرار رموز هذا التدين ضمن تنظيم الجماعة مع نهاية السبعينات أمرا لا تتحمله البنية النظمية فلقد كان نزوع لهدم والغلو في النقد يحكم تلك الولادة المتأزمة دونما تمييز رشيد متعقل بين ما ينبغي أن يهدم في التدين الإخواني السلفي والتدين التونسي التقليدي وما هو إيجابي ينبغي الاحتفاظ به وبين ما يمكن أن يهدم الآن وما يمكن تأجيله

وسرعان ما تطور الهجوم على الإخوان إلى الهجوم على السلفية من دون تحديد دقيق للسلفية المراد هدمها ولا وقوف دقيق على منجزاتها على صعيد النهضة والإصلاح في المشرق أو على صعيد التحديث في المغرب وتدرج الهجوم الشامل إلى نقد مدرسة أهل السنة جملة مما جعل إمكان التعايش والتفاعل مع بقية مكونات الظاهرة مع اقتراب الثمانينات أمرا غير ممكن فقادت رموز التدين العقلاني حركة انشقاق لم تلبث أن عبرت عن نفسها في تيار دعي باسم اليسار الإسلامي ثم اختار صفة الإسلاميين التقدميين وتعتبر " مجلة 15/21" لسان حالهم ؟

ولكن ذلك لم يمنع استمرار التفاعل في صلب " الجماعة الإسلامية " التي ظلت الإطار الذي يضم القطاع الأوسع من الإسلاميين التونسيين وفي منتصف عام 1981 عبرت " الجماعة الإسلامية" عن نفسها في تنظيم سياسي تسمي باسم " حركة الاتجاه الإسلامي " مع ذلك ظل التفاعل في صلب الاتجاه الإسلامي بين عناصر التركيب الثلاثة السابقة رغم ظاهرة الانشقاق التنظيمي التفاعل عبر الصراع الخفي والمكشوف ذلك في التدين السلفي الإخواني – مثلا – ولئن استمر عنصرا فعالا في التركيبة ربما أكثر قوة من العنصرين الآخرين .

إلا أن دوره مع اقتراب الثمانينات أخذ يتراجع لمصلحة الواقع وتحت النقد داخل الحركة وكان للعقلانية دور مهم في ذلك إضافة إلى ضغوط الواقع والشعور بعزلة الحركة نتيجة للانكسارات التي أحدثتها في علاقة الفرد مع وسطه حتى غدا التوتر والعزلة سمتين لأغلب العاملين من أبناء الحركة في علاقتهم بمجتمعهم نتيجة لعنف المنهاج الإخواني السلفي في تعامله وغربته مع الواقع .

ومن جهة أخري فإن التدين التقليدي رغم ما تعرضت له مؤسساته التاريخية من تدمير على يد النظام القائم هب أمام هجوم التدين السلفي يدافع عن نفسه من خلال بقية رموزه فتنامي النقد تحت ضغط الواقع لمناهج الفكر وأساليب الحركة مما هو وارد علينا من المشرق بلغ الضغط على القيادة إلى درجة أن التوجيهات التي أخذت تصدر من قيادة الحركة ومؤسساتها إلى القواعد لم تعد تقتصر على دعوة القواعد إلى الانصراف عن التعرض بالنقد للمذهبية والصوفية

بل تجاوز ذلك إلى التفكير في اعتماد المذهب المالكي ورغم أن الدعوة إلى الالتزام بالمذهب المالكي ل تصبح موقفا رسميا إلا أنه ساد الاعتقاد في أن الحركة زجت بنفسها في كثير من المعارك الهامشية فلم تنته السبعينات إلا وقد تخلت أغلبية العاملين في الحركة عن الخوض في تلك القضايا ومالوا في ممارستهم للعبادات كالصلاة إلى التساوق مع النموذج السائد فانقطع الكثير منهم مثلا عن حركات الرفع في الصلاة في غير تكبيرة الإحرام وبعضهم عن القبض في الصلاة وانقطعوا جملة عن الخوض في مسألة التوسل والتعرض للصوفية

بل قطعت الجماعة خطوة أبعد فعملت على تخفيف التوتير مع المشايخ والصوفية وأخذت في تنظيم لقاءات مع هؤلاء وأولئك ليس فقط في اتجاه المصالحة معهم بل تجاوز الأمر إلى محاولة ضمهم للجماعة دون الوصول إلى ذلك لأسباب سياسية وكان ذلك بمثابة الحد من غلو الوافد قاطعة بذلك مع التدين السلفي الوارد علينا من المشرق في صيغة كتابات للشيخ ناصر الدين الألباني وجابر الجزائري ولكن دون أى تنازل في مستوي صفاء العقيدة من الخرافات والبدع ومظاهر الشرك القبوري ودون أى تنازل في مستوي صفاء العقيدة من الخرافات والبدع ومظاهر الشرك القبوري ودون أى تنازل كذلك في مستوي الحرص على الرد إلى الكتاب والسنة في كل ما يعرض من مسائل

وذلك بحسب المنهج السلفي في الالتزام بقواعد تصحيح الحديث ولكن دون الوصول إلى التورط في اللامذهبية والمعارك بين المذاهب غير أنه مع تنامي دور الجناح الطلابي وحجمه في قاعدة الحركة ومؤسساتها مع نهاية السبعينات وهو جناح اضطره موقعه في مهب المعارك الأيديولوجية والسياسية في الجامعة إلى تقديم الإسلام لا كدعوة بل كرؤية أيديولوجية عالمية

إنما بفعل ذلك وبفعل التطور السريع للواقع الاجتماعي السياسي نما الطلب على التدين العقلاني من أجل التعامل مع التيارات الطلابية اليسارية التي كانت تطرح محاور للتنافس لم يكن التدين السلفي الإخواني قد وعي بها أصلا أو مستها أدبياته مثل قضايا الصراع الطبقي في المجتمع وقضايا الصراع الدولي وقضايا التحرر في العالم والديمقراطية وحرية المرأة الأمر الذي ألفينا معه طلبتنا يتكلمون لغة معهودة في أدبياتنا ولا يكاد يفقهها احد من مؤسسي الحركة .

ولقد جاءت جملة من التطورات في البيئة التونسية وخارجها ترجح جانب التفاعل مع الواقع على حساب المثالية الإسلامية المسقطة على الواقع من خارجه كما صورتها السلفية الإخوانية ممثلة في فكر سيد قطب والمودوي والألباني وقاد ذلك إلى إعادة نظر تدريجية في جملة مفردات التدين الذي أنشأت عليه الحركة وتصوراتها للواقع وأساليب التعامل معه وذلك على أساس التمييز الواضح للإسلام من الفكر الإسلامي كتمييز مواطن الثبات في الإسلام ومواطن الاجتهاد

وكان من الطبيعي أن تنتهي المراجعة الطويلة إلى اعتبار الوافد الديني المشرقي مع التدين الإخواني السلفي مجرد صورة من صور التدين وليس هو النموذج الملزم فهو مجرد اجتهاد إسلامي وليس هو الإسلام ذاته ومما أعيد النظر فيه الرؤية التي كانت سائدة عن الغرب وقضايا كثيرة أخري كانت من نتيجتها نمو الحس السياسي والاجتماعي في التعامل مع الواقع بدل الاقتصار على الرؤية العقائدية المسقطة من فوق على المجتمع

فكانت الاتصالات مع المعارضة لدرجة التفكير في التحالف معها مع أنها تتكون من علمانيين وملحدين والحوار معها والاتجاه نحو التنسيق معها لمواجهة خصم مشترك هو السلطة المستبدة وذلك على خلفية سياسية وليس عقائدية أعني الدفاع عن الحريات العامة وكذلك إعادة النظر في بعض الضحايا الاجتماعية كقضية الأسرة والمرأة والملكية ورفض العنف أسلوبا في الصراع الفكري .ولقد هيأ النقد أسلوبا في الصراع الفكري .

ولقد هيأ هذا النقد الداخلي للتدين السلفي الإخواني :

(أ‌) للتفاعل العميق مع الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات على نحو اختلف نوعا ما عن تفاعل الحركات إسلامية السلفية البحتة فلقد بلغ الحماس هنا لهذه الثورة أوجا لم تر مثله أية حركة إسلامية أو غير إسلامية في البلاد وكان لهذا التفاعل أثره الكبير في تجدير الفكر السياسي والحركي للجماعة مع ما قد يكون فيه من تجاوز لمقتضيات المصلحة

وكان من أهم نقاط الجاذبية والتأثر بالثورة الإيرانية إبرازها للبعد الاجتماعي للصراع في العالم وفي مجتمعاتنا الصراع بين المستضعفين والمستكبرين ورغم أنه واضح في القرآن إلا أن أحدا قبل الخمني لم يدل عليه كما هو بين في صورة القصص ( ونريد أم نمن على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) فالصراع ليس فقط من طبيعة عقائدية دائما أ،ه

كثيرا ما تكون أسبابه سياسية اجتماعية وهو ما يعطي للإسلام على الصعيد المحلي والدولي قدرة على الحوار والتعاون وعقد التحالفات مع المقهورين على اختلاف عقائدهم وكان من نتيجة اكتشاف هذا المفهوم البعد الجماهيري للثورة الإيرانية وتحريكها لقوة الشارع وتنويهها بالجماهير وبسطاء الناس كطاقة تغيير بينما غلب على الفكر الإسلامي التزهيد في الكثرة واحتقار الجماهير الزاعمة الدهماء وكذلك دور المرأة ومشاركتها في الثورة وحملة الخميني على الإمبريالية وكل ذلك أسهم في تيسير تفاعل الاتجاه الإسلامي مع ما كان يعتمل في أحشاء المجتمع التونسي من تحولات .

(ب‌) للتفاعل مع التجربة السودانية وهي محاولة من داخل الحركة الإسلامية السنية لتجاوز الرؤية المعاصرة للسلفية وإقامة نوع آخر بين السلفية الأصولية وبين الواقع الحضاري المعاصر فقد كان للتجربة السودانية تأثير فعال في تطوير الجماعة الإسلامية في تونس على المستوي الأصولي والاجتماعي وعلى المستوي الطلابي وعلى المستوي الإداري وعلى المستوي الإداري وعلى مستوي المكانة المتميزة التي تحتلها المرأة في الحركة والمجتمع وإليها يعود أساسا تفوق تلك الحركة في مجتمعها على حركات أعرق منها .

(ت‌) للتفاعل الإيجابي مع اختيار التعددية إذ لم يمض على إعلان النظام إقرار التعددية غير شهرين تقريبا حتى أ‘لنت الجماعة الإسلامية تكوين حركة سياسية حركة الاتجاه الإسلامي – حريزان / جوان 1981 ولا يمكن تفسير ذلك وقبول الحركة منذ 1978 الجلوس جنبا إلى جنب مع أحزاب شيوعية علمانية والحوار معها من أجل دعم الحريات في البلاد إلا بتراجع التدين السلفي الإخواني – بالصيغة التي ارتسمت في أذهاننا – وتحت تأثير ضغوط الواقع وحركة النقد الذاتي التي دفع إليها التدين العقلاني .

ولم يقتصر التفاعل بين التدين السلفي والعقلاني مع الواقع بضغوطه واحتياجاته وتياراته وبخاصة التيار الليبرالي بزعامة أحمد المستيري والتيار اليساري – رغم الصراع المرير مع هذا الأخير – على الصعيد السياسي من خلال إعلان موقف إيجابي من التعددية في حين كان الفكر السلفي الإخواني منذ نهاية الأربعينات قد أصل مع الشيخ حسن البنا موقفا سلبيا من التعددية واحتاج الإخوان قرابة نصف قرن حتى يتحرروا من ذلك الموقف

وكان البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي وثيقة غير مسبوقة في الفكر الإسلامي الحديث ن جهة تبنيها الكامل للديمقراطية منهجا في التغيير وفي الحكم الإعلان عن حركة سياسية هي حركة الاتجاه الإسلامي بل تجاوز ذلك إلى التفاعل على صعيد الفكر السياسي والاجتماعي فنمت في صفوف الحركة وبخاصة في جناحها الطلابي القراءات الاجتماعية ومحاولة الاستفادة من كل التجارب الثورية الاجتماعية في فهم التناقضات والصراعات الدولية والمحلية بين فئات مجتمعنا ..

تلك الصراعات والتناقضات التي تزداد حدة بين المستضعفين والتحالف الإقطاعي الرأسمالي السلطوي فكان ذلك دافعا آخر لتجاوز المواقف التقليدية السائدة في قطاع عريض من الحركة الإسلامية المعاصرة ولكن مع الحرص كله أن يكون هذا التطور لا حركة هدم متأزمة وإنما احتفاظا مع التجاوز وأن يتم في سلفية أصولية أى في حدود ما تسمح به النصوص من إمكانات حتى وغن أدي الأمر إلى مخالفة اجتهادات سادت قديما أو حديثا .

وكان من مظاهر ذلك التحول: تحول الموقف من اتحاد الشغل من التصدي للإضرابات بحجة أن الشيوعيين هم الذين يقودونها وكأن الله إنما خلقنا لمقاومة الشيوعيين إلى الدعم القوي لقضية العمال وإعلان تحيزنا إليهم لأننا منهم وعدونا هو ذاته التبعية في كل أشكالها والقائمون على حمايتها و" التمعش" منها وكان أول بيان أصدرته الحركة في تاريخها دشن في دخولها الحياة السياسية أنصب على تحديد موقفها من أحداث 26 كانون الثاني / جانفي 1978ودان بكل شدة النظام الحاكم وحمله مسؤولية كل ما حدث وتتالت بعد ذلك مواقف الدعم لقضية العمال والنضال من أجل إطلاق سراح قيادتهم .

ومنذ عام 1980 غدا الاحتفال بعيد العمال في أول مايو ( أيار ) في المساجد وتقديم حلول الإسلام للمشكلات العمالية تقليدا معروفا في الحركة يقام في عوم القرى والمدن في المساجد ففي عام 1980 ألقي بتلك المناسبة في احتفال حاشد في جامع صاحب الطابع ضم ما يزيد عن خمسة آلاف مناضل مجموعة من الشيوخ أضواء على حقوق العمال في الإسلام وفي المناسبة نفسها والمكان نفسه في السنة الموالية قدم رئيس الحركة محاضرة حول الملكية الزراعية في الإسلام ومقترحات تطبيقية لإعادة توزيعها على أساس الربط بين العمل والملكية .

أما التدين العقلاني فهو من جهته حد من غلوائه وخفف من حدة هجماته سواء أكان ذلك بفعل ضغط الواقع واقع التدين السلفي والتقليدي الغالب على القاعدة الإسلامية أم خشية منه أن تستغل مواقفه في التشهير به بخاصة بعد أن أصبح وضعه خارج التنظيم يعرضه لمحاصرة شديدة ويجابهه برفض مسبق لمواقفه فلم يعد يجاهر بمواقفه من بعض القضايا الحساسة.

واتخذ تناوله لرجال الحركة الإسلامية وأقطاب السلفية المعاصرين والقدامي طابعا أكثر جدية وأبعد عن تهمة الهزء والتحقير التي كانت سائدة في طرحه عند تناول القضايا والأشخاص المنتسبين إلى الحركة الإسلامية كما تخلي عن مقولة اليسار الإسلامي والاستعاضة عنها باسم أقل إثارة للحساسية السلفية " الإسلاميون التقدميون "

ولكنه ظل يحتفظ برؤيته الأساسية حول أولوية العقل على النص وإن صاغ هذه العلاقة صياغة جديدة العلاقة الجدلية بين العقل والنص وهي صياغة لا تغير من العلاقة السابقة شيئا كبيرا جل ما في الأمر أنها تجعلها في منزلة واحدة – مما لا يمكن للأصولية الإسلامية قبولها بحال – وظل هذا التيار محافظا على موقفه من تطوير الشريعة بما يتلاءم مع تطور الواقع من دون تمييز بين مجال التطور والثبات في الشريعة حتى وإن أدت مقتضيات التطور إلى تجاوز ظواهر القطعية وتعطليها تحقيقا للمقاصد كذلك اتخاذ العقل لا النص مقياسا .

ولكن الهجوم على السلفية إن خفت حدته بعض الشئ فإنه استمر مهمة رئيسية للتدين العقلاني ومقابل ذلك بذل هذا التيار أقصي جهده للتقرب من اليسار واليسار الماركسي بالذات على مستوي الفكر والممارسة سواء بتبني الموقف الماركسي من السلفية القديمة والحديثة أو في الموقف من الملكية أو على الصعيد السياسي ففي استجواب مع مجلة جون أفريك إثر إعلان حركة الاتجاه الإسلامي – أجاب أشهر رموز هذه العقلانية عن سؤال هل سيصوب لمصلحة الاتجاه الإسلامي أجاب أنه سننتخب الحزب الشيوعي لأنه يملك برنامجا وفي الجامعة تحالف الطلبة التقدميون الإسلاميون مع الجبهة المضادة لهذا الاتجاه .

ومع كل الصراعات التي حدثت استمر التفاعل بين عناصر تركيب التيار الإسلامي التونسي : التدين التونسي والسلفية الإخوانية والعقلانية أو بين التراث والنص والواقع ولكنه تفاعل صعب .

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ماذا بقي في بداية الثمانينات بل في بداية القرن لخامس عشر الهجري ماذا بقي في تركيب " الاتجاه الإسلامي " من عناصر يمكن نسبتها إلى التدين التقليدي أو السلفي وذلك بعد المواقف التي اتخذها الاتجاه خلال مؤتمره الاستثنائي نيسان/ أفريل 1981" مثل إقرار التعددية والإعلان عن حركة سياسية ودفع العلاقة مع المعارضة في اتجاه التحالف الاعتراف بمكانة المرأة على قدم المساواة في الجماعة فكان لها تمثيل معتبر في مؤتمر 1981 وانتخب اثنتان لعضوية مجلس الشورى

وكذلك التطلع إلى توزيع للثروة يخالف جل المواقف التقليدية السلفية والتدين التونسي وعدم التحرج من نقد التجارب الإسلامية المعاصرة وغيرها وتجاوز البعد الطائفي في التعامل مع الثورة الإسلامية في إيران ؟

ويبدو أن الذي بقي من التدين التونسي التقليدي هو احترام خصوصياته احترام المذهبية المالكية كأسلوب في ممارسة العبادات واحترام العادات الدينية في الاحتفال بالمواسم والأعياد مع تخفيف التدين إلى أقصي حد تجاه بعض البدع في التوسل والممارسات الطرفية واعتبارها جزئيات لا تستأهل شن الحرب ضدها ولا تمنع اللقاء والانتماء للحركة مع ترك حركة التطور الطبيعي تفعل فعلها وهي بالتأكيد ليست لمصلحة مثل تلك الممارسات ..

أما ما بقي من التدين الإخواني السلفي فمنهج أكثر منه تطبيقات ونتائج ويمثل هذا المنهج في أمرين :

  1. اعتبار أن الملزم بالنسبة إلى الملم هو نصوص الكتاب والسنة من دون تأويل متعسف أو تعطيل جائر , واعتبار العقل ليس منشئا للحكم الشرعي وإنما كاشف عنه إما مباشرة في حالة صحة النص في وروده ووضوح دلالته اللغوية وعدم خصوصيته أو عن طريق ضرب من ضروب الاستنباط المعروفة وذلك لأن المشرع كما هو إجماع المسلمين هو الله تعالي على اعتبار الشريعة ثابتة بينما الفقه ينبغي أن يتطور أحوال المجتمعات وأن المسلم الذي بلغ درجة الاجتهاد أو لولي الأمر أن يختار من المواقف الفقهية قديمها وحديثها ما يناسب أوضاعه بلا اعتراض مشروع من أحد وأن يستنبط من الأصول, إذا كان من أهل الاستنباط وأنه مع تطور العلوم والمعارف وتعقد مشكلات الواقع لا يبقي مكان لاجتهاد معتبر غير الاجتهاد الجماعي : اجتهاد المؤسسات .
  2. الإيمان بشمولية الإسلام طولا كل الزمان وعرضا : كل البشر وعمقا كل خاصيات الإنسان وطموحاته في عالمي الغيب والشهادة .
  3. ضرورة العمل الجماعي المنظم من أجل تحويل المنهج الإسلامي إلى نظام فعلي للحياة والحضارة وأما ما بقي من العقلانية فعناصر مندمجة في مكونات الاتجاه الإسلامي .
ضرورة التحرر من التقليد للتراث واعتبار أن النماذج الاجتماعية التي عرفها التاريخ الإسلامي ليس فيها ما هو ملزم لنا , وأن الملزم هو النص وتفاعله مع الواقع عن طريق الاجتهاد لاستنباط نماذج جديدة للمجتمع والحضارة .
  1. ضرورة استيعاب الواقع المحلي والعالمي بكل تطوراته ومكاسبه وتوظيف كل المكاسب الإنسانية في عملية البناء الجديد بعقل منفتح وروح متحررة .
  2. إقرار حق الاختلاف في ما يجوز الاختلاف وواجب وحدة الصف .

الخلاصة

إن الحركة الإسلامية في تونس برزت في السبعينات في أعقاب اهتزاز الثقة في المشروع الوطني بأثر انهيار المشروع التنموي وبروز ظواهر التصدع في المجتمع وفي عناصر الهوية الإسلامية العربية برز التيار الإسلامي استجابة للطلب على الهوية واستعادة الرباط الاجتماعي والمعني الوجودي والقيمة الخلقية

فكان الإحياء العقدي والديني والتصدي للعناصر المعادية للهوية وإحياء المساجد في الجامعات والثانويات ثم في المصانع والإدارات والأحياء مراكز لإنعاش الروح ومحاضن للإخوة من مجتمع يتمزق كان ذلك مركز الاهتمام خلال السبعينات حيث غلب المكون الشرقي السلفي الإخواني على أدبيات تلك المرحلة إلا أنه نهاياتها ومع اتساع العدد وتعقد مشكلات الواقع دب القلق في صفوف نخبة الحركة بأثر عجز البضاعة الوافدة عن فتح مسارات أمام تطور الظاهرة واصطدامها بأوضاع جديدة تقتضي مواقف مستحدثة

فاشتد تيار النقد للبضاعة الوافدة لصالح الاندماج ف الواقع متوسلا بأدبيات إسلامية قديمة وحديثة لتسويغ تيارات الفكر الحديث وبفعل أصالة الفكر الإصلاحي منذ منتصف القرن الثامن عشر من حيث هو إصرار على استيعاب الحداثة الغربية وتوظيفها لإحياء الإسلام دون أينما تنازل عن مقوم من مقوماته

فقد أمكن للظاهرة أن تتحرر إلى حد كبير من وطأة البضاعة الوافدة لصالح التفاعل مع التحديات المطروحة في البيئة لتنتهي إلى معادلة مركبة من عناصر تكوينها الأولي السلفية التدين التونسي العقلانية بما شكل أساسا متينا لبناء فكري سياسي إسلامي التقت عليه قطاعات واسعة من الشباب التونسي الحديث وقطاعات من المجتمع القديم أمكن لها على تلك الأرضية المرنة المؤصلة أن تقاوم كل عوامل تمزقها واحتوائها

كما أمكن لها – بفضل الله – أن تستمر في التطور واستيعاب الجديد وممارسة النقد الذاتي للتحرر أو على الأقل للتقليل من أثر الأخطاء واستمرار الحوار والتنوع والاختلاف في إطار مؤسسات الحركة بما يحفظ وحدة صفها وتطورها وتفاعلها المستمر مع الواقع الأمر الذي رسخ تيار الحركة لأن يشكل القوة الاجتماعية الرئيسية في البلاد.

الفصل الثالث: دروس من تجربة الحوار في تونس

مقدمة

يفترض الحوار وجود اختلاف بين طرفين أو أكثر وليس المقصود هنا أساسا الاختلاف الطبيعي بين البشر وهو مركز في أصل الخلقة قال تعالي ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) ( هود : 71) و إنما قصدنا يتجاوز ذلك فينصب على الاختلاف في الأسس والمنطلقات والتصورات والفلسفات حول الكون والإنسان ومناهج الحياة وعلى هذا الصعيد فإن ما يميز أمة أو جماعة عن أخري في مضمار الرقي ويحدد مصيرها هو قدرتها على الحوار والوصول إلى وفاقات وحلول سلمية لاختلافاتها وذلك هو لعمري الحد الفاصل بين مجتمعات التقدم والحضارة ومجتمعات التخلف والانحطاط .. فما هي الأطوار الأساسية للاختلاف وما أفرزته من حوارات في تاريخ تونس منذ الفتح الإسلامي ومدي إدارتها سلميا ؟

الطور الإسلامي الخالص

تاريخيا لم تكن تونس منذ أكرمها الله بالإسلام وتحولت إليه بالكامل وتوحدت على مذهب إمام دار الهجرة على رواية ابن القاسم وشرح الإمام سحنون وعلى بن زياد عدا أقلية إباضية محدودة جدا .. لم تكن أرضا خصبة للحوار فلم تزدهر في جامعيتها (عقبة والزيتونة ) الدراسات المقارنة والمناظرات الفقهية والكلامية لقد تبلور وساد منذ وقت مبكر تحالف بين مذهب مالك كما صاغه على بن زياد وسحنون وابن أبي زيد القيرواني ( الرسالة9 وبين السلوك الصوفي والمذهب الأشعري :

" في عقد الأشعري وفقة مالك
وفي طريقة الجنيد السالك"

وبقدر كا ساهم ذلك في انتزاع سيادة مطلقة للإسلام وصياغة الشخصية الدينية المغاربية الاندلسية صياغة موحدة مبسطة تضيق بالاختلاف ولا ترتاح له ربما يحتاجها الوضع الجغرافي والسياسي للمنطقة باعتبارها ثغورا مهددة باستمرار ف يمواجهة الغرب بما يجعل الاختلاف ترفا لا يتحمله الوضع وربما يمثل خطرا وجوديا بقدر ما كان عاملا ركود ومبعث تعصب ضاق بالمخالف من خارج المذهب حتى خنقه كما فعل بمذهب ابن تومرت والخوارج والاعتزال ومذهب الفلاسفة والظاهرية

ومن لذلك تبادل التناقي الاستئصالي بين أتباع مذهب مالك وأتباع مذهب الشيعة الإسماعيلية ومن ذلك الأسلوب الفظ الذي ردت به رسالة ابن عبد الوهاب من طرف باى تونس بمشورة من العلماء بل إن الاختلاف يتحمل حتى داخل المذهب ومن ذلك إحراق كتابات ابن رشد وابن حزم وما لاقاه العلاقة ابن خلدون من محاصرة على يد مشيخة الجامع بقيادة العلامة ابن عرفة والشيخ الأعظم لجامع الزيتونة الأمر الذي حمل مبدع علم العمران على الرحيل إلى المشرق حيث تبوا مقام محمودا ومثل ذلك كان مصير الشيخ خضر ابن حسين الذي اضطرته هو الآخر العقول الضيقة لمشيخة الجامع إلى الهجرة حيث سطع نجمه شيخا أعظم للأزهر .

مرحلة الإصلاح الفاشل

لقد عرفت تونس ما قبل الاستعمار ومن ثلاثينات القرن الماضي مشروعا للتحديث أى تطوير أنظمة الإدارة والإنتاج والدفاع استشعارا لتفاقم اختلال التوازن بيننا وبين الأجانب لا سيما بعد غزو مصر ووقع الجزائر تحت مصيبة الاحتلال وفي هذا السياق نشأ معهد باردو العسكري بمناهج وبمدرسين غربيين فتغيرت أزياء العسكر ولغة التدريس وتنظيم الجيش ثم نشأت الصادقية لتعليم العلوم الحديثة في إطار عربي إسلامي وجرت ضغوط أجنبية لفتح أسواق البلاد وتمتيع الجاليات الأجنبية بامتيازات تفاعل ذلك مع مطالب داخلية هي ثمرة حوارات داخل نخبة الحكم والدين في اتجاه الحد من السلطان المطلق للباي

مما أدي إلى سن دستور 1891 الذي هدف إلى تقييد سلطة الباي لكنه فتح أبواب البلاد أمام البضائع الأجنبي وتغلغل النفوذ الأجنبي وتدخلال القناصل ففشا الفساد الأمر الذي فجر أكبر ثورة شعبية في تاريخ تونس الحديث ثورة على ابن غذاهم , التي تظاهر عليها الباي بالأساطيل الأجنبية وبالسلطات المعنوي للخلافة فأجهز عليها وبذلك فشلت موازين القوة الداخلية في إيقاف مساء التدهور المدعوم بميزان قوة مائل لصاح أعداء الأمة وكانت النتيجة وقوع البلاد تحت وطأة الديون فالسقوط تحت الاحتلال الأجنبي المباشر بعد أن أفشل التدخل الأجنبي متعاونا مع النخبة الفاسدة في الداخل محاولة أخري للنهوض وقطع الطريق على الاحتلال الأجنبي !!

والمقصود تلك المحاولة التي قادها المصلح خير الدين عن طريق تحديث الإدارة والحكم ووسائل الإنتاج عبر الاقتباس من الغرب تقنياته في إطار الاعتزاز بالذاتية الإسلامية والتي يمكن أن تنقذ البلاد من الوقوع في قبضة الاحتلال لولا التدخل الأجنبي الذي أطاح بالمحاولة ونصب قيادات فاسدة وسعت الهوة بين الشعب والدولة بفعل ما مارسته من عنف على الناس واحدة الدعم الوفير من الدول الغربية وحتى من دولة الخلافة وظلت الهوة تتسع حتى انتهت علاقة تسلطية .

لا شك أن هذه التحولات وبعضها ثمرة مطالب داخلية بالتحديث ( كتاب أقوم المسالك لخير الدين ) وبعضها ثمرة ضغوط أجنبية لم تفلح في ظل توازنات دولية مختلة لصالح الأجنبي في إنقاذ البلاد لا شك أيضا أنها فرضت محاور جديدة للاختلاف والحوار غير مسبوقة في تاريخ البلاد تبلورت كما هي العادة في ثلاث جبهات كما سيأتي.

مرحلة الاحتلال المباشر

نظرا للطبيعة المتميزة للاستعمار الفرنسي في استهدافه لمقومات الهوية الوطنية للبلاد المستعمرة ونظرا لما أورثته مرحلة الإصلاح الفاشل من تهيئة وإعداد للتفاعل مع أوضاع الاحتلال من جهة والتفاعل من جهة أخري مع ردود الأفعال على احتلالات مشابهة في المشرق العربي وهو يمثل العمق الطبيعي والملجأ للإسلام التونسي وقبلته فإن البلاد لم تلبث تحت الاحتلال زمنا طويلا حتى تفجرت فيها تيارات متناقضة دبت فيها ردود أفعال مختلفة تجاه الاحتلال .

دعاة الإصلاح داخل جامع الزيتونة

لقد دب شعور سرعان ما اتسع في الأوساط الزيتونة بالخطر المحدق بمستقبلهم ومستقبل البلاد أمام اتساع التعليم الفرنسي الذي أخذ يخرج جيلا معدا للخدمة المدنية التي اتخذت اللسان الفرنسي مركبا للثقافة والتعامل مع إدارة المحتل وشركاته بما جعل الزيتونيين يشعرون بخطر التهميش وبأخطر على هوية البلاد العربية الإسلامية وفي هذا الصدد جاءت زيارتا محمد عبده إلى تونس 1883 , 1903 في اتجاه التبشير بأسلمة الحداثة من خلال إصلاح التعليم الديني وذلك بعد أن " غربت البلاد وظلت الزيتونة مشرفة .

وفي هذا الصدد جاء الدفاع عن اللغة العربية ( مؤتمر اللغة العربية 1933) كما جاء تطوير جامع الزيتونة إطارا لتحديث بالموازاة الصادقية والخلدونية وفي رحم هذا الجهد من التحديث في إطار هوية البلاد العربية الإسلامية ودفاعا عنها تشكلت نخبة الحركة الوطنية وكان من رموزها البشير صفر والإخوان باش حامبة والشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي تزعم الجناح المعرب من حركة الشباب التونسي ثم آلت إليه زعامة الحركة الوطنية ولكن لأن موازين القوة لم تكن لصالح تحديث في إطار تراث البلاد العرب والإسلامي

فسيتم الانقلاب على الزعامة التاريخية للحركة الوطنية وعلى التيار العربي الإسلامي وتهميشه وافتكاك زمام قيادة البلاد من أيديهم لإصلاح تيار التغريب والعلمنة والاستلاب الحضاري ثمنا للاستقلال غير أن تيار الهوية لئن اكتسحه الموج العاتي فكمن فإنه لم يلبث أن انبعث مجددا مع بداية فشل المشروع التنموي في إطار التغريب انبعث في نهاية الستينات مثلا في الحركة الإسلامية باعتبارها الامتداد الطبيعي والوريث للمدرسة الإصلاحية ومشروعها النهضوي في إطار هوية البلاد وتراثها مقابل مشروع التغريب والإلحاق الحضاري ليتأجج الصراع الثقافي مجددا آخر ما يكون .

تيار العصرنة

لقد افرز مشروع التحديث على النمط الغربي ممثلا في المعاهد الفرنسية ومنذ بداية القرن العشرين اتجاها آخر أخذ يتفاقم لمحاكاة الثقافة الفرنسية ونمط حياة الفرنسيين ورغم أن حركة الشباب التونسي هي امتداد لحركة الشباب التركي المفتون بالنمط الغربي فإن أكثرهم بدوء حياتهم على ولاء للخلافة وللجامعة الإسلامية

ولكن لم يبلثوا مع انهيار الخلافة وتغربها أن انجرفوا مع الخيار الثقافي الفرنسي الذي تربوا عليه وسيشكلون النواة الأولي لتغريب تونس الحديثة بعد أن مالت موازين القوة في الحركة الوطنية لصالح تيار التغريب فأمكن تهميش الجناح العربي في حركة الشباب التونسي المؤسس الرئيسي للحركة الوطنية بقيادة الثعالبي باعتباره امتدادا لحركة الجامعة الإسلامية بقيادة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني كما كان الامتداد الطبيعي لمشروع خير الدين التونسي الإصلاحي المجهض .

ورغم أن هذا الجناح هو الذي أنشأ الحركة الوطنية والحزب الدستوري التونسي بقيادة الثعالبي إلا أنه تم تهميشه من خلال انقلاب جيل المدرسة الفرنسية الذي قادا انشقاقا خطيرا وشكل قطيعة مع تونس العربية المسلمة من خلال سيطرة تيار التغريب في الحزب الدستوري الجديد بقيادة بورقيبة وتهميشه بالتدريج للتيار العربي الإسلامي إلى أن تم له الاستيلاء على الحركة الوطنية والانحراف بها عن أصولها العربية الإسلامية ممثلة في مشروع خير الدين مشروع الجامعة الإسلامية لصالح الارتباط المصيري بالمشروع الفرنسي التغريبي ومعني ذلك أن الحوار بين المدرستين لم يكن منتجا لأنه رافضا للتعددية إذ كان انقلابيا مدفوعا بنزوع توحيدي حلولي هيمني تبسيطي يدفع في اتجاهه الوافد الثقافي الحداثي الفرنسي الهيمني بقطائعه المعروفة

كما انه استمد من الموروث السياسي السلطاني الثيوقراطي المبسط سندا الأمر الذي ساهم في بلورة مفهوم الوحدة القومية سيتولي نقل مركز السلطة من معادلة الحكم إلي حكمت منذ سقوط الخلافة الراشد ة وحتى قيام دولة التحديث وريثة الاحتلال المعادلة الممثلة في التحالف بين الفقيه والسلطان على خلفية المذهبية المالكية كما صاغها الفقيه المغربي ابن عاشر في " عقد الأشعري وفقه مالك وطريقة الجنيد السالك " نقل مركز السلطة من تلك المعادلة إلى معادلة مختلفة تمام

حيث يستمد الحكم شرعيته شكليا من الإرادة العامة وفق الدستور وواقعيا من شرعية قيادة حركة التحرير والتحديث حتى إذا تم اهتراء هذه الشرعية حلت القوة السافرة بديلا إنها الدولة المركزية المتمامهية أو الحالة في الحزب والزعيم ومطلاب من المواطنين أن يتماهوا مع مركب الدولة – الحزب الذي تماهي في النهاية مع الزعيم الأمر الذي سيؤسس مشروعية للعنف باسم التحديث لتفكيك المجتمع القديم وإعادة تركيبة والقضاء على اندفاعاته وحنينه إلى الهوية والعدالة إنه نفس المنطق الاستعماري ومبرراته نقل الحضارة إلى المتخلفين وإجراء ما يلزم من الجراحات ومصادرة ما هو ضروري من الحريات تحقيقا لتلك الغاية النبيلة .

تيار المحافظة

ويتشكل ممن همشتهم الحداثة أو أجهزت عليهم بالكامل ( شيوخ طرق قبائل ) وما يدعمهم من قيم ومؤسسات كالوقف والمسجد والعصبية والدين .

وكانت أهم محاور الحوار في هذه المرحلة تدور حول موضوع الهوية بما هي لغة عربية وإسلام وكان موضوع المرأة قد احتل حيزا كبيرا من الحوار منذ صدور كتاب الطاهر الحداد " امرأتنا في الشريعة والمجتمع ".

اتسمت العلاقة بين هذه التيارات والاتجاهات وأنماط الحوار بينها بالتوتر وتبادل الاتهام ورغم ان التيار الشعبي كان لصالح أنصار الهوية إلا أن أنصار التغريب نجحوا في حسم المعركة الثقافية لصالحهم من خلال انتصارهم في المعركة السياسية فقد استطاعوا مزودين بثقافة سياسية معاصرة مكنتهم من إجادة التعبئة الشعبية والتأطير الجماهيري ومخاطبة الناس في مدنهم وقراهم وفي أريافهم واضح حامل للآمال العريضة في المستقبل تعلوه غلالة رقيقة من الدين والترثا أن ينتزعا راية الدفاع عن القضية الوطنية وحمل شعار الاستقلال انتزعوها من دعاة الهوية

ووجد الاحتلال فيهم الخيار الأقل سوء لأنه بهم يمكن أن يحفظ الإرث الثقافي الفرنسي والمصالح الفرنسية مقابل خيار أنصار الهوية الحامل لراية الاستقلال الثقافي والارتباط بمركز حضاري محوره الوطن العربي الإسلامي لقد مارس دعاة التغريب كل فنون السياسة بما في ذلك الخديعة والمناورة والقمع إلى حد التصفيات الجسدية والإقصاء والازدواجية ومن ذلك موقفهم من الحجاب إذ دافعوا عنه خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار ثم شنوا عليه الحرب عندما تمكنوا .

ومن ذلك ما روينا عن الشيخ سيدي محمد الصالح النيفر من قصة الخلاف بين الشباب المسلمين وبين حزب الدستور في كثير من المناطق منها منطقة قربة حيث ترجحت كفة الشبان المسلمين حتى همشوا دعاة الحزب فلما رفع الأمر إلى قيادة الحزب تم ترتيب لقاء بين القيادتين حضره من جانب الحزب الهادئ نويرة ومن جانب الشبان المسلمين الشيخ محمد الصالح النيفر رحمه الله تم الاتفاق في نهاية الحوار على تقاسم الأدوار بين المنظمتين بمقتضاه يتفرغ الشبان لشؤون الدين ويتفرغ الحزب لشؤون السياسة بما يعيد للأذهان حوار أبي موسي الأشعري وعمرو بن العاص.

وكما هو منتظر وفي الطرف الإسلامي بالا تفاق ولم يبادله الطرف الآخر الوفاء لقد كان حزب الدستور رافضا للتعدد وعمل كل شئ من صوت الطالب الزيتوني وسائر مؤسسات المجتمع المدني كالصحافة التي كانت مزدهرة واتحاد الشغل وما أن تمكن الحزب الفاشي حتى دمرها أو احتواها ولقد لاقي الثعالبي مؤسس الحركة الوطنية صنوفا من الكيد والتحقير وصلت إلى حد رميه بالطماطم المتعفنة في الأسواق وبعد أن كان الرجل زعيم البلاد مات شبه منبوذ – رحمه الله - .

الخلاصة : إن الحوار بين أنصار الهوية ودعاة التغريب لم يكن منتجا بسبب افتقاده المرجعية المشتركة وبسبب عدم إيمان طرفه التغريبي بالاختلاف والتعدد تأثرا بالنموذج اليعقوبي والفاشي فانتصر الوافد مستنصرا بدعم الأجنبي بحكم أنه الخيار الأقل سوء هربا من شبح " أصحاب العمائم أعداؤنا وأعداؤكم أن يكونوا الوارث .

مرحلة الاستقلال

لم يضيع بورقيبة وقتا بل بادر منذ أيامه الأولي في الحكم وحتى قبل أن يتولي رئاسة الدولة باستخدام جهاز الدولة لحسم موضوعات الحوار لصالحه ومن ذلك أنه أصدر من موقعه كوزير أول في حكومة الباي باسم هذا الأخير الحاكم الشكلي " مجلة الأحوال الشخصية " انتصارا لوجهة نظره محدثا أكبر هزة في خلية المجتمع الولي من دون أن يسبق ذلاك حوار وطني موسع في مسألة على هذه الدرجة من الأهمية يربطها بتراث البلد حتى لا تتخذ سندا لثقافة التمرد على الدين من خلال ربط تحرر المرأة بالتحرر منه إذ الخطر في المجلة ليس أساسا في نصوصها الأصلية وكثير منها كان مطلبا لرجال حركة الإصلاح وحتي من إعدادهم ( المشروع الأصلي للمجلة كان من إعداد الشيخ عبد العزيز جعيط رحمه الله بقدر ما كان في الروح التغريبية التي حملها الاستقلال في عمومه .

ومن ذلك أيضا إقدامه على التقرير في مسألة خطيرة ذات اتصال وثيق بتاريخ البلاد وهويتها أعني المسألة التعليمية مسألة النظام التعليم الزيتوني فتحت لافتة توحيد التعليم في إطار المدرسة الغربية تم شطب أعظم قلاع التعليم الإسلامي في إفريقيا بعد الأزهر خرجت أجيالا من فطاحل العلماء في كل أرجاء البلاد بعد أن نفض عنها الغبار مشروع الإصلاح وانفتحت على العلوم الحديثة وتهيأت لتكون إطارا لتحديث البلاد وتحت نفس لافتة التوحيد ألغيت المحاكم الشرعية

وتم احتواء المؤسسة القضائية وأفرغت من كل سلطة كما صودرت أعظم مؤسسة شعبية مثلت في تاريخنا العمود الفقري لسلطة المجتمع وهي الوقف وبذلك أنفسح المجال واسعا أمام التسلط الفردي وتزييف الإرادة الشعبية حتى كانت آخر انتخابات نزيهة تلك التي جرت في عهد الباي خلال انتخاب المجلس التأسيسي وبذلك دشن بورقيبة مرحلة جديدة للحوار لم تبق أداتها الأساسية الصحافة والمنتديات والكتب

كما كانت في العهد الاستعماري ومن قبله وإنما الدولة عبر الحملات الإعلامية الرسمية ضد الخصم لتشويهه وتجريمه وتخوينه وتكفيره بلغة السياسة وحتى الدن تمهيدا للقضاء عليه وتهميشه عبر المحاكم والسجون والتعذيب والحرمان من الشغل وحتى من مغادرة البلاد ومطاردته بلا هوادة إذا تمكن من الإفلات خارج البلاد من أجل القضاء عليه معنويا وحتى جسديا إذا أمكن .

هكذا حسم الحبيب بورقيبة ثم خليفته الخلافات داخل الحزب مع اليوسفيين ومع بقايا الحوب القديم مع الحزب الشيوعي ومع النقابيين ثم مع اليساريين وأخيرا مع الإسلاميين من خلال توظيف جهاز الدولة القمعي والوضع الجيوسياسي إلى أقصي الحدود في محاولة لإلغاء الآخر نهائيا الأمر الذي حمل بعض الخصوم على اللجوء إلى العنف في شكله الشعبي ( اليوسفيين) أو من خلال تدبير الانقلابات كما حصل سنة 1961 بقيادة بعض شيوخ الزيتونة متخالفين مع بعض العسكريين والمقاومين القدامي

ولم يكتب لهم النجاح وستتكرر المحاولة مرة أخري بعد أكثر من ربع قرن بسبب انسداد قنوات الحوار وأساليب التغيير السلمي الأمر الذي عرض البلاد لهزات دموية دورية وفرت سنة 1987 فرصا لأكثر من محاولة نجحت منها واحدة بقيادة ابن على ولا ضمان لعدم تكرها في أشكال مختلفة منها الانتفاضات الدموية التي تلوح نذرها أمام الإصرار على شدة مركزة الدولة وتحويلها قطاعا خاصا ومزرعة لبضعة عوائل والإعراض صفحا من الاعتراف بالآخر وبالمساواة وحقوق المواطنة وبالحوار طريقا لقيام وقافات ومساومات بين النخب من أجل تأسيس عقد جديد لحكم ديمقراطي الخشية حقيقة أن لا يستمر الاستئصال الرسمي وإنما من معارضة من نفس جنسه وبعض ذلك قائم في أشكال كثيرة من بينها ورثة المقولة الستالينية " لا حرية لأعداء الحرية" في مواجهة خصومهم ولا سيما من أنصار الهوية

الظهور المجدد لأنصار الهوية

ما كان الخيار التغريب المتغطرس الهادف في جموح حلولي إلى تدمير الهوية واحتواء المجتمع وتأليه الدولة والحزب والزعيم واحتكار الثروة لا سيما وقد بلغ حد الاستهتهار بأقدس عناصر الهوية وقدس أقداسها الله – جل جلاله – والرسول والجنة والنار والقرآن إلى جانب انتهاك حرمة الصيام والحجاب والمساجد ما كان لكل ذلك أن يمر دون مقاومة وكما يحصل عادة بدأت ضروب من المقاومة الفردية ممثلة برموز المؤسسة الدينية الرسمية مثل مفتي الديار التونسية فلقد قادت معارضة كل من المفتي الحنفي والمالكي لاستهتار رئيس الدولة بفريضة الصيام إلى عزلهما سنة 1961 كما عبرت المعارضة الدينية عن نفسها من خلال خطب جمعية لبعض الأئمة مثل:

الشيخ عبد الرحمن خليف الذي اعتقل وطالبت النيابة بإعدامه غير أنهم اكتفوا بالحكم عليه عشرين سنة مع الأشغال الشاقة تعرض خلالها لضروب قاسية من النكال كما احتج بعض القضاة في جربة وتعرضوا للانتقام وجري بإغلاق جامع الزيتونة ما يشبه مذبحة واسعة شملت عشرات الآلاف من الطلبة والمدرسين في سياق انقلاب حضاري شامل.

اضطرت أمام وطأة عنفه والرياح التاريخية المواتية له إلى حالة من الكمون في انتظار انكسار الموجة ومع بدء تكشف المشروع عن حقيقته وما يحمله من أخطار على هوية البلاد ومن عنف ودجل وزيف أخذت المقاومة تظهر على السطح في أشكال مختلفة سياسية واجتماعية وثقافية .

وكان من جملة المقاومة الثقافية مبادرة بعض المشايخ ومنذ النصف الثاني من الستينات غلى نفض الغبار على بعض الكتاتيب لتعليم القرآن وتطورت هذه المبادرات في بداية السبعينات إلى تأسيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم ولم تلق السلطة - مفعمة بنشوة الانتصار – بالا لتلك المبادرات البسيطة فتطورت إلى حركة إحياء ديني بحث أخذت تجتذب الشباب إلى المساجد ثم أخذت طريقها إلى الثانويات فالجامعة .

كما أن محور التعريب ظل أبدأ مطروحا على استحياء في الستينات وأصبح مطلبا نقابيا وشعبيا في السبعينات بعد إلغاء شعبة " أ" المعربة التي وعدوا في البداية أنها ستكون الشعبة الأساسية التي ستؤول كل الشعب المتفرنسة إليها ولكنهم انتهوا إلى إلغائها ولقد كان للجامعة دور مهم في ولادة " الآخر" الذي مثل الاستقلال مشروعا لإبادته ضمن حلولية فاشية رهيبة لقد انطلقت منذ أواخر الستينات من مناقشات طلابية معارضة للدولة كان أبطالها طلبة اليسار والقوميين المعارضين للخيارات الاقتصادية والسياسية للنظام البورقيبي ولم يكن الخيار الثقافي مطروحا على اليساريين فهم يقفون على نفس الأرضية تقريبا ولقد قدمت هزيمة العرب في فلسطين سنة 1967 المناسبة لتفجر النقمة المتراكمة ضد خيارات النظام فشهدت البلاد تحركات عارمة في الشوارع وكان للجامعة دور طلائعي في قيادة الجماهير.

وكانت عناصر الهوية وشعور الانتماء إلى الأمة حاضرة ولكن من غير تميز ووضوح إلا أن هذه التحركات السياسية الاجتماعية مهدت إلى جانب بدايات الإحياء الديني لولادة الحركة الإسلامية في بداية السبعينات بعد أن أسفر المشروع البورقيبي عن هويته المعادية للأمة لدينها ولغتها ولقيم العدالة والحرية وارتباطها بالأجنبي كما كثلت خيبة الأمل في وعود الاستقلال بالازدهار والعدل والحرية إلى جانب تنامي عوامل الخوف على الهوية وبواعث الطلب عليها وعلى من يرفع رايتها ويذب عنها لا سيما مع أخذ يتفاقم من ظهور فشل موعودات الاستقلال وخيبة الأمل في المشروع الوطني فكانت الحركة الإسلامية أقوي وأشمل الاستجابات لنداءات الضمير الوطني وأشواقه في الحرية وخوفه من ضياع الهوية.

الحركة الإسلامية ومراحل الحوار

لم يشكل التراث الإسلامي المحلي المكون الأساسي في بنية الحركة الإسلامية التونسية وإن كان حاضرا من خلال بعض شيوخ الزيتونة ومن تتلمذ عليهم لكنه لم يكن المكون الأهم وإنما كان الفكر الإصلاحي المشقي كما انتهي إليه بالخصوص عند الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في باكستان وعلى نحو ما فكر مالك بن نبي وهذا التنوع في مصادر التكوين فرض داخل المجموعة الشبابية المؤسسة نوعا من الاختلاف ونوعا من الحار اقتضته المرجعيات الدينية المختلفة وبسبب ضعف المكون المحلي في تشكيل المجموعة المؤسسة كان حوارها مع البيئة صعبا متسما بقدر غير قليل من التوتر إنكارا على نمط التدين القائم وأخالطه من تحريف وجمود وعلى المذهبية السائدة .

لقد كان النظر السائد إلى الناس داخل المجموعة الولي في بدايات التأسيس أوائل السبعينات من القرن المسيحي ( العشرين ) محكوما إلى حد كبير بفكر سيد قطب في موضوعه المجتمع الجاهلي مما يجعل دور الحركة الإسلامية ودعوته إلى الإسلام عبر إنشاء ما يسميه - رحمه الله – بالقاعدة الصلبة - المتطهرة التي ستحتوي المجتمع نهاية .

أولا : الحوار داخل المجموعة

بسبب اختلاف المكونات والروافد الفكرية للمجموعة فقد نما واتسع الحوار داخل نخبتها اختلافا حول قضايا ل تكن مطروحة في الأول مثل نقد فكر الإخوان المسلمين وتؤدي ذلك إلى نقد فكر السلفية وانتهي إلى طرح أصولي حول مسائل:

علاقة النص بالعقل وما هو الملزم من الشريعة من غير الملزم وكان حوارا صعبا لأن معظم إشكالياته ناهيك بحلولها لم تكن مستوعبة في قاعدة الجماعة وحتى لدي نخبتنها ولم يكن طرحها متأنيا بما جعل الحوار غير منتج ولا معززا للوحدة بل كان متعجلا ضعيف المحتوي والمنهجية ولا مسنودا بمرجعية هي محل اتفاق فكانت نتيجته المحتمة حصول أول وأهم انشقاق في الحركة الإسلامية الناشئة بخروج الرمز الذي بدأ طرح تلك الإشكاليات د. حميدة النيفر وعدد من الإخوة الذين تفاعلوا معه مشكلين المجموعة التي عرفت بالإسلاميين التقدميين او اليسار الإسلامي

وكان ذلك تعبيرا عن فشل تجربة الحوار وعدم رسوخ تقاليد في إدارة الاختلاف في ثقافة " الجماعة" وفي الثقافة الإسلامية عامة ومع ذلك كان الحار بالنتيجة مفيدا وعاملا مهما في تطوير الجماعة من خلال إدخال الروح النقدية إلى صفوفها وتخصيبها بفكر جديد وترويضها على التعامل مع الاختلاف وتوسيع فضاءات تفكيرها الأمر الذي هيأها لحسن التفاعل مع مرحلة التعددية السياسية الإعلامية التي كانت على الأبواب وإن تكن شكلية .

وأعطاها كذلك حماية بعد ذلك من أى انشقاق في شكل مجموعة عدا مجموعة الشيخ عبد الفتاح مورو وكان شقاقها لم يسبق بأى اختلاف جاد وإنما تم في ظروف قاهرة خاصة جدا يمكن تخريجها على مخرج الضرورة الشرعية أماانشقاق مجموعة الحبيب الأسود فلم يكن ثمرة خلاف فكري ولا استراتيجي بقدر ما كان تعبيرا عن هوي متبع وطيش شباب وطموح خطير لم يسلك في التعبير عنه المسالك الشرعية التنظيمية وإنما اتخذ شكل الاختراق والحيلة والكمون داخل التنظيم للتمكن منه .

والخلاصة أن الحركة الإسلامية في تيارها العريض – الجماعة – الاتجاه – النهضة قد استوت على منظور فكري وسطي قادر على استيعاب كل خلاف فكري يمكن أن يجد له سندا من الشريعة في أوسع تأويلاتها شريطة الالتزام نهاية بمقتضيات العمل المنظم المؤطر في مؤسسات شورية الأمر الذي يجعل الحوار داخلها ليس عسيرا من الناحية النظرية أما من الناحية العملية فهناك صعوبات حقيقية بعضها فرضته وضعية المحنة وبعضها أملاه ضعف الفكر والتربية وتقاليد السرية الأمر الذي جعل بعض الحوارات غير منتج لأنها غير ذات جدوى وغير ذات موضوع غير الشخصية والعارضة فأنا مع هذا الرأي لمجرد أن فلانا ضده أو معه أن ضعف عنصر الجدية والنزاهة كضعف الأساس الثقافي خطر على كل حوار .

ثانيا : الحوار مع الآخر الإسلامي

وهو في البيئة التونسية غي معقد جدا كتضاريسها هناك مجموعات صوفية وهناك جماعة التبليغ وهناك مجموعة حزب التحرير وهناك مجموعة " الجبهة الإسلامية" وهناك بقايا رموز التدين التقليدي وكل هذه المجموعات لا تمثل منافسا حقيقا للحركة ولكنها موجودة وجرت حوارات معها أعسرها الحوار مع مجموعة حزب التحرير بسبب انغلاقه الفكري الذي أفشل تجربة الحوار بينما حققت التجربة نجاحا لا بأس به مع رموز التدين التقليدي ومعظمهم أصدقاء للحركة مدافعون عنها بما هو متاح لهم بما في ذلك اغلب أفراد الجهاز الديني الرسمي كما حصلت حوارات مع جماعات صوفية ومع جماعة التبليغ قديما ولا توجد تناقضات حقيقية بل علاقة بين عموم وخصوص وهو ما يجعل الحوار ممكنا مع كل المجموعات – عدا التحريريين اللهم إلا أ، يشهدوا تطورا انفتاحيا يكسر جمود الفكر المؤسس وردود الفعل على تحجر وانغلاق وعنف الدولة لصالح التفاعل مع البيئة واعتدال ميراثها .

ثالثا : الحوار مع مؤسسات المجتمع المدني

1- اتحاد الطلبة النقابة

الجامعة كانت الرحم الذي أمد الحركة بالطاقات الجديدة والمخبر الذي ساهم في فرض التطوير على خطابها في اتجاه التماهي مع هموم المجتمع والقضايا التحررية في العالم لقد ساهمت الجامعة غالبا في تقديم صورة جيدة عن الإسلام صورة الانفتاح السياسي يسبقها إلى رفع شعار ( الحرية في الجامعة وخارجها للجميع ) والانفتاح الثقافي من خلال تنظيمها للأسابيع الثقافية ودعوتها للحوار بين الجميع وبذلك أمكنها ا، تسحب البساط من تحت أقدام الحركة اليسارية وتهميشها إلى حد بعيد بسبب رفضها للآخر وإصرارها على ممارسة العنف لإقصاء حتى الرفاق الماركسيين المعتنقين لتفسير آخرية غير أنه قد عيب على الحركة الطلابية عامة ومنها الإسلامية التسيس المفرط متابعة للنهج الماركسي

الأمر الذي ضار الثقافة والدراسة والمطلب النقابي أما فشل مسعى توحيد الإطار الطلابي النقابي فعائد أساس إلى انغلاق الحركة اليسارية ورفضها للتوحد تجنبا لظهورها بمظهر الأقلية بالقياس للتيار الطلابي الإسلامي بما يشكل فضا منها موروثا لمنطق الديمقراطية يشهد عليه فشل لكل محاولات توحيد اليسار داخل الجامعة أو خارجها وحتى التنسيق أو التعاون وأحسب أن باب الحوار الطلابي يجب أن يظل مفتوحا في اتجاه استئناف المسعي لتوحيد الحكة الطلابية أخذا بعين الاعتبار حالة الضعف والتشرذم التي انتهت إليها الحركة الطلابية بأثر قمع الدولة الوحشي للحركة الإسلامية من ناحية وضعف المقاومة الطلابية نتيجة للتشرذم من ناحية أخري.

2- الدوار مع أحزاب اليسار

رغم أن اللقاء مع الحركة عبر الحزب الشيوعي تم من وقت مبكر منذ أواخر السبعينات وتمت أعمال مشتركة ضمن " لجنة الاتصال " التي جمعت الحركةمع كل أحزاب المعارضة فإن الحوار لم يمض بعيدا بسبب انغلاق الفكر الماركسي ونزوعاته الاستئصالية

ومع أن الحركة الإسلامية قد سبقت كل الحركات الإسلامية والعلمانية على حد سواء إلى تبني موقف إيجابي مبدئي من الديمقراطية منذ لحظة الإعلان عن حزبها:

" حركة الاتجاه الإسلامي في 6/6/ 1981 مؤكدة أنها ستحترم إرادة الشعب وتمضي معها إلى النهاية حتى في صورة حصول الحزب الشيوعي على الأغلبية – وهو مجرد افتراض لم يحصل قط في بلد إسلامي – إلا أن هذا الحزب بالذات اتسمت مواقفه عموما بالعداء لكل ما هو ديني وباللامبدئية بل قل الانتهازية إذ سرعان ما انتقل من طور التنسيق مع الإسلاميين إلى طور تقديم مطلق الدعم لدولة البوليس على أمل أن تخلصه من المنافس الإسلامي بينما هو لم يرفض العمل المشترك معهم قبل ذلك حتى إذا أعلنت السلطة الحرب اصطف إلى جانبها أداة من أدواتها .

وليس كذلك شأن كل الحركة اليسارية فمجموعات منها وشخصيات كانت مبدئية في دفاعها عن الحريات وشجب ا عنف الدولة بل والمطالبة بإطلاق سراح المساجين الإسلاميين ولقد اتسمت علاقة الحركة مع بعض الأحزاب اليسارية منذ نهاية السبعينات مثل حركة الوحدة الشعبية بزعامة ابن صالح والتجمع الاشتراكي التقدمي بزعامة أحمد نجيب الشابي إلى جانب حركات يسارية أخري بما يشبه التحالف غير أن معظم التيار اليساري قد مال خلال المحنة الأخيرة إلى جانب السلطة بسبب المخاوف الوهمية مما سمي بالخطر الأصولي وبسبب شئ من تقصير الحركة في الاتصال والإعلام والتشاور فضلا عن التنسيق مع زميلاتها من حركات المعارضة قبل اتخاذ قرار المواجهة وبسبب الظرف الدولي وما من شك في أن موقف التواطئ مع السلطة على الحركة الإسلامية ومع دولة البوليس لئن كانت له أسبابه فإنه يبقي موقفا لا أخلاقيا فضلا عما جلب من كوارث على الحياة السياسية جملة ليس أقلها تغول السلطة وتقزم المعارضة وترد لها في نظر الشعب .

ومع ذلك فإن الخط العام للتطور يتجه إلى جبر الكسور وعودة مياه التواصل إلى مجاريها وتجاوز وآثار المحنة التي نالت من الجميع ورأب الصدع بين الحركة الإسلامية والحركة اليسارية ومع المعارضة الوطنية عامة .

3- الحركة النقابية:

الانفتاح على النقابة إن تأخر بسبب الرواسب الفكرية الإسلامية العدائية المتبادلة مع اليسار فإن أحداث جانفي 1978 مثلت تحولا جذريا في علاقة الحركة مع المؤسسة النقابية ورموزها وتاريخها من خلال إصدار الحركة لأول بيان لها على الإطلاق ألقي بالمسؤولية الكاملة فيما جري من أحداث دامية على الحزب الحاكم ودعا كل التيارات الوطنية إلى الحوار في اتجاه تشكيل جبهة ضد الطرف الذي يرفض الحوار ولقد نما بسرعة نشاط الإسلاميين في الحركة النقابية منذ أواخر السبعينات كما تمتنت علاقتهم مع العاشورين حتى هدد ذلك بتشكيل تكتل قوي يهمش اليسار المتطرف لولا تدخل النظام في مؤتمر سوسة 1988 بالتهديد والإغراء لإقصاء التيار الإسلامي.

بينما كان لأنصار الحركة في مؤتمر 1984 أكثر من 100 نائبا من بين 400 وهم جملة المشاركين تقريبا ولقد كان إقصاء التيار الإسلامي من الحركة النقابية المقدمة الضرورية لتدجين المنظمة النقابية جملة تماما كما هو الشأن مع الحركة الديمقراطية ففي محنة الناقبة سنة 1986 كان واضحا جدا للحركة أن ضرب النقابة هو الخطوة التمهيدية الضرورية لضرب المعارضة كلها وسائر قوي المجتمع المدني وأساسا الحركة الإسلامية.

ولذلك عملت الحركة على أكثر من صعيد للدفاع عن المنظمة النقابية سواء أكان ذلك من خلال محاولة إقناع السلطة بالعدول عن مواصلة ما ابتدأته من الهجوم على النقابة وذلك بمناسبة لقاء قيادة الحركة الوزير الأول محمد مزالي سنة 1986 أم كان من خلال لجنة التنسيق بين حركات المعارضة حيث قدمت الحركة مشروعا متكاملا عن الحركة النقابية يبدأ بحملة إعلامية تنتهي بالدعوة لإضراب عام تضامني في البلاد غير أن حركة الديمقراطيين والحزب الشيوعي لم يوافقا علي التحرك إذ ربطا الموافقة عليه بتبني القيادة النقابية له ممثلة في الطيب البكوش وهذه كانت متواطئة ضد الحبيب عاشور فلم تتبني المشروع فسقط .

4- الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان

مثل الانبعاث المبكر لهذه المنظمة العتيدة أرضية لقاء مهمة بين النخبة العلمانية المسيسة ليبرالية أو يسارية ( وهي صاحبة المشروع) وبين التيار الإسلامي الذي تولت الرابطة الدفاع عنه في بسالة في أكثر من مناسبة ما شكل عامل توتر مستمر بينها وبين السلطة التي تمخضت مع إفلاسها الفكري والتنامي المتواصل للتيار الإسلامي تنينا رهيبا استمرأ القمع ولعق الدم ولقد كان للتيار الإسلامي الرئيسي ( حركة الاتجاه الإسلامي ) منذ سنة 1974

وإلى بداية مواجهة 1990 ممثل داخل قيادة تأصيل مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في الثقافة الإسلامية وتليين الجفاء الحاصل المنبعث من وراء الخلفية العلمانية الغربية لشعاري الديمقراطية وحقوق الإنسان وكانت عائدات ذلك على طرفي العلاقة العلمانيين والإسلاميين مهمة جدا إن على صعيد توسيع القاعدة الشعبية المتفاعلة إيجابيا مع المشروع الديمقراطي والحقوقي أو على صعيد تعبئة المنظمات الحقوقية المحلية والدولية لمناصرة قضايا الإسلاميين

أو بمنطلقاتهم الحزبية مناضلي الرابطة من تأثر بخلفياتهم الأيديولوجية المعادية للإسلاميين أو بمنطلقاتهم الحزبية المنافسة بما جعل دفاعهم عن مظلمة الإسلاميين أحيانا باردا ومترددا دافعه أحيانا مجرد رفع العتب إزاء المنظمات الدولاية ولقد وصل في بعض الأحيان إلى حد التواطؤ إلا أن الموقف العام كان مقبولا إن لم يكن جيدا بالقياس إلى الأخطار المحدقة والضغوط الرهيبة المسلطة ولا شك أن موقف الدكتور المرزوقي من بين الزعامات التي تداولت على الرابطة كان الأكثر مبدئية وجرأة في وجه طوفان هستيريا الدولة دفاعا عن قيم حقوق الإنسان دون تمييز .

الحوا ر مع الأحزاب السياسية

حصل ذلك في مرحلة مبكرة أن تبرز الحركة الإسلامية على السطح كحركة سياسية أى منذ 1977 وكانت البداية مع حركة الديمقراطيين الاشتراكيين هي في طور تشكلها بزعامة الزعيم أحمد المستيري ثم بزعامة خليفته الأستاذ محمد مواعدة ولقد تطورت العلاقة على خلفية المنظور الثقافي العربي الإسلامي الديمقراطي المنفتح للحركة وكانت الحوارات المبكرة مع السيد أحمد المستيري هي بذاتها عاملا مساعدا على تنضيج الخيار الديمقراطي داخل التيار الإسلامي ولقد تطور اللقاء الفكري والسياسي مع حركات المعارضة نحو القيام بنضالات مشتركة على صعيد الحريات بدءا بالديمقراطيين الاشتراكيين وانتهاء بالحزب الشيوعي ضمن علاقات تعاون ثنائي مع أكل أحزاب المعارضة ولا سيما حركة الوحدة الشعبية وحزب التجمع التقدمي .

ولقد تؤدي هذا المسعي إلى انبعاث مؤسسة للعمل المشترك بين التيار الإسلامي وجملة من أحزاب المعارضة " لجنة الاتصال " التي أصدرت في الثمانينات بيانات مشتركة ونظمت ندوات مشتركة ومسيرات في إطار الدفاع عن الحيرات وبعض تلك البيانات بلغت في انتصارها للحريات إلى حد مناصرة حرية المساجد وحرية المرأة التونسية في اختيار لباسها بما يعني في السياق التونسي الدفاع عن " الزي الإسلامي"

ومن المسيرات ما كان احتجاجا على العدوان الأمريكي على ليبيا ولا سيما سنة 1986 وهي المسيرة التي أدت إلى اعتقال كل زعماء المعارضة وكان من بين العمال المشتركة التحرك لنصرة القيادة النقابية سنة 1982 وكانت الحركة الإسلامية الأكثر حماسا وراديكالية في الدفع نحو أعمال ميدانية لنصرة الحركة النقابية ولقد عرف زعماء النقابة للحركة الإسلامية صنيعها فتوافدوا على بيت رئيس الحركة يهنئونه بمناسبة إطلاق سراحه سنة 1984 ,1988

وتواطدت العلاقات الميدانية مع التيار العاشوري خاصة ورغم تسلط تيار التخاذل والانتهاز على الحركة النقابية وتحالفهم مع سلطة القمع خلال أحلك السنوات التي مرت بها الحركة الإسلامية خاصة والحركة السياسية والنقابية عامة فإن النقابيين الأصيلين لم يتورطوا في موبقات الانتهاز ومن ذلك رفض السيد الحبيب عاشور أن يبعث ببرقية تأييد للسلطة في حملتها الوحشية على الحركة الإسلامية بمناسبة حدث باب سويقة مبديا شكوكا حول الجهة الحقيقية المسئولة عن هذا الحدث الفخ .

ولا يزال المستقبل مفتوحا على علاقات متقدمة والحوار بين الحركة النقابية الحقيقية المدافعة عن العدالة وحقوق المستضعفين وبين الحركة الإسلامية الحاملة للواء العدل الإسلامي كما أن تجربة الحركة الديمقراطية العلمانية المريرة ف يتحالف معظم فصائلها مع السلطة ضد الزميل المعارض الإسلامي كانت عواقبه وخيمة على المجتمع ما قادر تيار الوسط إلى مد خيوط اللقاء والحوار مجددا على نفس الخلفية السابقة الدفاع عن الحريات وقوة واستقلال مؤسسات المجتمع المدني والضغط الفاعل من أجل التحول الديمقراطي المجهض في هذا الاتجاه تتطور الأحداث متسارعة صوب منتدى ديمقراطي أو جبهة وطنية ديمقراطية يلتقي فيها الجميع لغرض التغيير .

مشروع الميثاق الوطني

في إطار الآمال الخلب التي بعثها 7/11 انطلق مسعى إرساء أرضية فكرية وسياسية للقاء بين التيارات الرئيسية في الحركة السياسية والنقابية وسائر مؤسسات المجتمع المدني تشمل أحزاب المعارضة بما في ذلك الحركة الإسلامية والحزب الحاكم والنقابة والرابطة واتخذت هذه الأرضية المشتركة صفة الميثاق الوطني الذي أمضت عليه كل التشكيلات المذكورة بما في ذلك الحركة الإسلامية رغم أفصح عنه هذا الميثاق من استهداف صريح للحركة الإسلامية

يكاد يفرض عليها فرضا الاختيار بين إسلامها وبين الانخراط في إطار العمل القانوني ولما فوتت الحركة بإمضائها على تلك الوثيقة فرصة إقصائها لم يجد الحكم البوليس مؤيدا بفريق من اليسار الاستئصالي مشحون بالعداء للإسلام والحركة الإسلامية وكان قد أنجز نقلة شاملة من طور المعارضة الراديكالية للسلطة إلى طور التحالف معها

لم تجد دولة البوليس سبيلا غير المبادرة بالهجوم الشامل على الحركة وخيل للبعض في انتهازية قميئة أنها الفرصة الذهبية لإزاحة منافس " خطي" ما تبدو الوسائل السياسية الفكرية مجدية في الحد من تصاعد شعبيته فاندفع في غير تبصر وفي ذعر وطمع يضع كل أرصدته المعرفية وتجاربه النضالية تحت تصرف جلادين طالما اكتوي بسياطهم إلا أن المخطط ما لبث أن أسفر عن طبيعته من حيث هو مخطط شامل لتصفية المجتمع المدني بكل مكوناته من أجل الاستفراد بالسلطة والتهام المجتمع لقد ندم الكثير ممن تورط بوعي أو بغفلة في مخطط القمع وانسحب من الشراكة الآثمة فاتجه المسار عودا إلى الحوار والتلاقي بين المعارضة الجادة والحركة كما قدمنا .

الحوار مع الدولة وحزبها

ولأن الدولة المكون الأساسي في البنية التونسية ولا سيما في زمن الحداثة حيث أخذت على عاتقها مهمة تفكيك المجتمع قيما ومؤسسات لإعادة تركيبة وفق النموذج اليعقوبي الفاضي بما اتجه بالدولة قدما صوب الانفصال المتسارع عن المجتمع والاستعلاء عليه والوقف منه موقف من التقنيات الإعلامية والإدارية والأمنية من وسائل الضبط والتطوير وبسبب رؤيتها الأحادية اليعقوبية التغريبية المتألهة لأن هذه طبيعة دولة الاستقلال فقد مثل التعامل معها أكبر تحد أمام كل المعارضات ومكونات المجتمع المدني وأمام الحركة الإسلامية على الخصوص لقد مرت علاقة الحركة الإسلامية بالدولة بالمراحل التالية:

  1. في السبعينات مرحلة التجاهل والحذر.
  2. في نهاية السبعينات مرحلة التعبئة العدائية المتبادلة 1977 -1981 بسبب تطورات داخل الحركة والمجتمع وفي العالم أدت إلى تضخم نشاط الإسلاميين وانبعاث كيان ظن أن التحديث قد حسم معه إلى الأبد ولقد جاءت أحداث قفصة ( جانفي 1980) لتؤخر بعض الوقت الهجوم على الحركة الإسلامية الذي بدأت آلة القمع الإعلامي الرسمي تمهد له مباشرة بعد ضرب الاتحاد في جانفي سنة 1978.
  3. 1981 -1984 : المواجهة الجزئية
  4. 1984 -1986 بداية للحوار مع السلطة ممثلة بالوزير الأول السيد محمد مزالي أجهضها تطرف بورقيبة.
  5. الهجوم الشامل على الحركة .
  6. 1988-1990 : الهدنة والبحث عن مصالحة من طرف الحركة والتطمين وسحب البساط وإعادة ترتيب الأوضاع استعداد للمواجهة من الطرف الآخر:السلطة
  7. 1991 -1995 استمرار خطة الاستئصال وتجفيف ينابيع الإسلام من جهة ووقف التعبئة من الجهة الأخرى.

1995 النهضة تتبني في مؤتمرها نهج المصالحة الوطنية الشاملة بينما تستمر السلطة في خطتها الاستئصالية غير أنه لم يكن من حوار في كل هذه المراحل إلا ف المرحلتين (د) و(و) لأن الحوار يقتضي طرفين مستعدين للتعايش أو يبحثان عنه بينما سلطة الاستقلال لم تدخل الآخر قط في إستراتجيتها وفكرتها التأسيسية وربما لم تحاور على مضض ولفترات محدودة جهة أخري غير اتحاد الشغل وفيما عدا ذلك فإن الآلية الثابتة في التعامل مع الآخر هو القمع والاحتواء

وذلك عائد إلى اغترابها الثقافي والاجتماعي عن المجتمع بما يجعلها في حالة توجس أبدي من حركته وقواه فتراهن على السيطرة للإنفراد وليس على الحوار المفضي للاشتراك بينما سلطة ما قبل الاستعمار فلئن كانت على نحو أو آخر فردية مستبدة إلا أن اغترابها عن المجتمع وانفصالها عنه محدود بسبب الاشتراك الثقافي ووجود وسائط من العلماء وأرباب المهن ورؤساء القبائل ومشايخ الطرق الصوفية تحد من انفصال فضلا عن تخلف تقنيات الاتصال التأطير بما يجعل سلطة الدولة محدودة جدا وما هو قائم منها إلا يتم غالبا بشكل عمودي مباشر وإنما يتم من خلال الوسائط المذكورة التي جاء التحديث لتدميرها تاركا الناس في أفرادا معزولين في مواجهة دولة مغتربة عنهم متوجسة منهم بيدها كل وسائل السيطرة والقمع والتأطير .

  1. مرحلة محمد مزالي : فشل الحوار بسبب التطرف العلماني للسلطة ممثلة في بورقيبة حامل مشروع التحديث السلطوي التغريبي .
  2. فشل الحوار لنفس السبب إذ السلطة لا تزال رافضة للآخر لا سيما بعد أن أصبح على رأسها رجل أمن لا يحسن لغة السياسية إنما لغة رجل الأمن وقد أحاطت به أكثر العناصر راديكالية ضد الإسلام وأخري متورطة في القتل والتعذيب ونهب الأرزاق فضلا عن التحالفت الدولية المعادية للعرب والمسلمين التي عقدها وكان يمكن للحركة هنا كما هو في المرة الأولي أن تؤجل الصدام أو تخفف من خسائره – وإن كان ذلك لن يغير من الاتجاه العام للإحداث – لو أنها توفرت على فكر تاصلحي أكثر رسوخا وعلى رؤية سياسية للواقع المحلي والدولي أكثر نضجا ولكن لأن الحكم القائم ليس سلاحه الكلمة والثقافة بل نقطة الضعف فلم يكن منتظرا منه عند التحقيق أن يفسح أى مجال للسياسة والفكر حتى مع العلمانيين فبالأحرى مع الإسلاميين اللهم إلا أن يبلغ الاهتراء الداخلي للدولة درجة الإنهاك وتتطور من الجهة الأخري قوي المجتمع ودفاعاته بما يولد توازنا معقولا بين الداخل والخارج بين الدولة والمجتمع يؤسس لحوار جاد بحثا عن معادلة جديدة لحكم البلاد غير المعادلة القائمة ( غالب ومغلوب ).
  3. إن سبيل ذلك المقاومة أولا والمقاومة أخيرا وما يتطلبه ذلك من نفس طويل وصمود وتجميع لقوي المقاومة لفكر الحوار والاختلاف واحترام الإرادة الشعبية والثقة في الناس في الشارع : قوة التغيير وصاحب المصلحة فيه وذلك بعيدا عن كل إقصائي أو أسلوب عنيف أو ادعاء مغرور بالانفراد بامتلاك الحق وقارب النجاة لأنه إذا كان هناك من سبيل للنجاة فلن يكون وحال نخبنا على ما هي عليه من تمزق واستهداف لن يكون خارج إطار الاعتراف المتبادل بين كل الفرقاء على أساس المواطنة وسائر الحقوق الديمقراطية ومنها حق الاختلاف والحوار بما يجعل الوطن منظورا إليه حسب توجيه النبي القائد صلي الله عليه وسلم سفينة قد أبجر فيها الجميع وارتبطوا بمصير واحد وليس أمامهم لتجنب التنازع المهلك غير الحوار والاحترام والبحث عن تسويات تاريخية يعترف فيها الجميع بالجميع وتفرز معادلة جديدة أو عقدا جديدا لحكم الشعب يستوعب كل قواه وتياراته كبيرها وصغيرها من دون أى إقصاء بما يضع حدا لمعادلة الحكم القائمة ( غالب ومغلوب ) .

ومن دون التوصل إلى هذه المعادلة سينتهي أمرنا إلى أن نكون مغلوبين جميعا الحاكم والمحكوم في عولمة تتجه غلى الهيمنة والتمزيق !!..إن منظور النجاة لا يتأسس على المنطق الفرعوني ( أنا ربكم الأعلى ) أو ( ما أريكم إلا ما أري ) وإنما على المنطق القرآني المحمدي : ( وإنا أو إياكم لعلي هدي أو ضلال مبين ) و( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)

الخلاصة : لئن لم تكن البيئة التونسية وربما المغاربية عموما تاريخيا بيئة خصية جدا للحوار ربما لموقعها الجيو – حضاري من حيث كونها ثغورا متقدمة في مواجهة القوي الأوروبية الكبرى : إسبانيا وإيطاليا وفرنسا بما حتم على وحدة مذهبية مطلقة تصلح لتعبئة كل القوي لمواجهة الخطر الخارجي المتربص على الأبواب .

ولذلك تمت تصفية الديانات والمذاهب الأخرى – تقريبا – فإن ما أدخله التحديث عبر الغزو على هذه البيئة منذ قرن ونصف من أفكار وقيم وأساليب قد زلزل بنيانها القيمي والفكري والمجتمعي وشق أخاديد عميقة بين النخب التقليدية والحديثة من جهة وبين النخب الحديثة التي احتلت رأس هرم المجتمع وبين قاعدة المجتمع العريضة التي ظلت مخزونا للإسلام .

إن ما أحدثه هذا التحديث بسلبياته وإيجابياته من تأثير فاعل على النخب وعلي مؤسسات المجتمع المدني وقيمه وعلاقاته في ظل هيمنة غربية جعل الحوار والتافهم فضلا عن الوفاق والتسوية أساسا لمعادلة حكم جديدة تقوم على التراضي بين الحاكم والمحكوم وبين النخب في ما بينها أمرا غاية في التعسر ولا سيما في المنطقة المغاربية التي كان حظها الابتلاء باجتياح صيغة متطرفة من العلمانية الغربية أعني العلمانية اليعقوبية الفرنسية بتراثها الأنواري المتوتر الحامل لقطائعه المشهورة بين الأرض والسماء وبين الروح والعقل الأمر الذي جعل التناقض في هذه المنطقة بالذات بين الإسلاميين والحداثيين ولا سيما في الجزائر وتونس هو الأشد في المنطقة العربية كلها .

وإن ما حدث من عنف وحشي صارخ في الجزائر وصامت في تونس – ليس إلا تعبير عن حجم الهوة والقطيعة بين نخبة الحداثة التي تحولت مع إفلاسها الفكري في قطاع عريض منها إلى عصابات مفياوية وقواعد النفوذ الغربي الصهيوني ورصيدا لأجهزة الاستخبارات وبين الحركة الإسلامية ممثلة للثقافة المحلية المطعمة باقتباسات حداثية والمدعومة بقوي حداثية نزيهة لم تتمرغ في أو حال الفساد السلطوي واستنكفت خلافا للأغلبية القيام بدور شاعر البلاط التاريخي أو دور ساحر لفرعون أو رجل الاستخبارات .

وأمام رياح العولمة التي تجتاح الأمة لا تبدو هناك من فرصة جادة للمقاومة فضلا عن النصر من دون الرهان على الحوار الجاد الصبور بين النخب العلمانية الوطنية الجادة وبين الإسلاميين في اتجاه التواصل إلى وفاقات وتسويات تنهض عليها معادلة جديدة للحكم بعيدا عن كل أساليب العنف والإقصاء والتهميش والتمييع ( تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا تعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون ) ( آل عمران )

إن ثقافة التعالي عن الشعب وثقافته الرهان على تفكيك قيمة ومؤسساته عبر توظيف أجهزة الدولة إرضاء لنموذج الدولة اليعقوبية الفاشية حول الدولة إلى تنين رهيب وجزيرة معزولة عن الناس يزداد ارتباطها يوما بعد يوم بجسور ضخمة مع الخارج بما في ذلك المشروع الصهيوني احتماء من السكان الأصليين وعن طريق التطوير التواصل لأجهزة القمع والتأطير التدمير لكل صوت معارض بدافع أوهام التحديات وتصديا لأخطار يتناسل بعضها من بعض .

والحقيقة أن الاستبداد لا دين له بل هو في حد ذاته دين ومستعد لأن يوظف كل إيديولوجيا ودين من أجل ضمان استمراره ولا مناص أمام ضحاياه غير رص صفوفهم لمواجهته وتفكيك آلته الضخمة عودا إلى نموذج الدولة التقليدية البسيطة بنقل معظم سلطاتها إلى المجتمع ومؤسساتها وسلطاته المدنية المحلية حتى لا يكون المشروع المعارض لدولة الاستبداد دولة أشد استبدادا إن تفكيك هذا التنين عبر التبشير بنموذج آخر للحكم بسيط يعلي من شأن الفرد وكرامته ومن شأن الوحدات الاجتماعية الصغيرة ويؤسس لفكر الحوار والمساواة بين الناس وللوفاق والمساواة شروط ضرورية لوضع حد لتداول الاستئصال والانفراد والتسلط .

الفصل الرابع

دروس وعبر من تجربة انتخابات2 أبريل 1989

مثلت الانتخابات التشريعية التي جرت في تونس في 2 أبريل ( نسيان ) 1989 القاعدة المؤسسة لشرعية حكم الرئيس الحالي ابن على على إثر انقلابه على حكم بورقيبة وقد صاغت هذه الانتخابات ولا تزال الحياة السياسية من حيث علاقة الدولة بالمجتمع السياسي والمدني ولقد تناولت الدكتور الكندية أستاذة Lise Garon أستاذة العلوم السياسية بالتحليل والدراسة هذه الانتخابات ضمن كتابها :

حول ما سمي بالإسلام السياسي في المغرب العربي وفي هذا الإطار سنتناول هذا الحدث بالعرض والتحليل والاستنتاجات .

في صمت تام مرت الذكري العاشرة لحدث نوعي مثل منعرجا خطيرا لا تزال آثاره تحكم الحياة التونسية على كل صعيد أعني صدمة الانتخابات التشريعية في 2 أبريل 1989 .

  1. فما هو السياق التاريخي الذي جرت فيه تلك الانتخابات ؟
  2. ما هي الترتيبات التي سبقتها ؟
  3. كيف جرت هذه الانتخابات وما هي نتائجها ؟
  4. كيف تفاعلت مختلف القوي الوطنية مع هذه النتائج ؟
  5. ما هي آثار تلك النتائج على جملة الحياة التونسية ؟

ما هي الدروس المستخلصة السياق التاريخي

على إثر مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري سنة 1986 الذي حكم البلاد دون انقطاع ولا مشاركة منذ استقلالها سنة 1956, اصدر الرئيس بورقيبة على غير انتظار قرارا بعزل " ابنه البار" وزيره الأول محمد مزالي وعندما زاره هذا الأخير في الغد لتوديعه لم يعتب عليه سوي أم روحيد إذ أفهمه أن سبب عزله هو برنامجه الثابت في التعريب والذي كان قد عزل من قبل من وزارة التربية بسببه وسرعان ما انعقدت برئاسة الوزير الأول الجديد رشيد صفر لجنة ضمت زين العابدين بن على وزير الداخلية في ذلك الوقت

وكان انعقاد هذه اللجنة بناء على توجيهات الرئيس وكان ما ورد في كلمة بورقيبة التوجيهية لمؤتمر الحزب ( تعلمون الفسلفو بالعربية ثم تقولون من أين أتي " الإخوانجية " علموهم بالفرنسية كما تعلمت أنا ) وبسرعة البرق تم التراجع عن الخطوات المتواضعة في برنامج التعريب وكانت تلك هي الخطوة الثانية بعد عزل محمد مزالي على طريق الحرب الشاملة ضد الحركة الإسلامية التي أعلنها بورقيبة خلال اجتماع اللجنة المركزية للحزب في نفس السنة 1989 فلقد حدد رئيس الدولة طموحه في أنه يريد أن يخرج من الدنيا وليس في تونس أكواخ ولا " إخوانجية"( أى إخوان مسلمين ويقصد بهم الإسلاميين) !!

أما الخطوة الثالثة فتمثلت في فرض الرقابة المشددة على حركة الاتجاه الإسلامي وإخضاع رئيسها للرقابة المباشرة ومنعه من كل نشاط في المساجد حتى إذا تمسك بحقه في التدريس على اعتبار أن القانون أنذاك لم يكن يمنع ذلك تم إيقافه ومورست عليه ضغوط للامتناع عن التدريس بقطع النظر عن موضوع الدرس وقد كان موضوع سلسلة الدروس التي استأنفها بجامع ابن عروس " فضائل العلم والعلماء وأدب المتعلم في الإسلام وذلك كما وردت في الباب الأول من موسوعة حجة الإسلام الإمام الغزالي المعروفة ( إحياء علوم الدين) غير أن السلطة

وبقطع النظر عن موضوع الدرس صممت على منعه وأمام إصراره تقرر اعتقاله حيث كانت تلك الخطوة الرابعة وبسبب عدم وجود تهمة يحاكم عليها القانون وجهت له السلطة تهمة تكوين جمعية غير مرخص فيها وذلك ما قاد إلى شن حملة شاملة ضد أعضاء وقيادات حركة الاتجاه الإسلامي ( النهضة حاليا) باعتبارهم أعضاء في تلك الجمعية وكان ذلك يوم 9 مارس 1987 وخلال بضعة أشهر من انطلاق الحملة الشاملة والرد عليها من طرف الإسلاميين بالمسيرات تحولت البلاد إلى ما يشبه ساحة حرب أذن فيها لأعوان الأمن بإطلاق الرصاص على المتظاهرين فسقطت عشرات الأرواح رميا بالرصاص أو تحت التعذيب امتلأت السجون بأكثر من عشرة آلاف سجين إسلامي .

وكان الصيف هو موسم الحصاد فانعقدت محكمة أمن الدولة تواتر النقل عن بورقيبة أنه طلب رأس ثلاثين قياديا من حركة الاتجاه الإسلامي وجهت لهم اتهامات بالتخطيط لتغيير نظام الدولة وسلب الرئيس وتهم أخري كما وجهت تهمة القيام بأعمال عنف محددة إلى شابين صدر بعد ذلك حكم بإعدامها نفذ فيهما رحمهما الله غير أن المحكمة رغم لا دستوريتها بشهادة رجال القانون في تونس ورغم الأحكام الجائرة التي أصدرتها إلا أنها لم تلب كل رغبات الرئيس بورقيبة الذي كان متعطشا للدماء مما دفعه إلى طلب إعادة المحاكمة إذ اكتفت بإصدار أحكام بالسجن المؤبد على قيادات الاتجاه الإسلامي وذلك ما جعله يتفجر غيظا فاصدر أمره إلى البرلمان بتشديد القوانين

وأمر بتشكيل هيئة أخري للمحكمة وكان مقررا أن تنعقد المحاكمة مجدد في يوم 9 نوفمبر 1987 لتصدر أحكاما بالإعدام وتنفذ حالا لولا أن انقلابا أطاح به يوم 7 نوفمبر مستبقا انقلابا آخر خطط له عدد من الضباط الوطنيين الشبان إلا أنهم بادروا – لما رأوا المهمة قد أنجزت حسب ما صرحوا به أمام حاكم التحقيق العسكري – بإلغاء مشروعهم الذي كان يستهدف فقط إبعاد رئيس قد خرف ودفع البلاد إلى الكارثة وكانت تلك الخطوة الخامسة في مخطط تهيئة الظروف المناسبة المواجهة شاملة للحركة الإسلامية لن تتجلي معالمها إلا فيما بعد على يد وزير الداخلية القوي في حكومة بورقيبة زين العابدين بن على رئيس الاستخبارات العسكرية السابق وهو أول عسكري يدخل حكومة بورقيبة الذي لم يكن يرتاح لأصحاب هذه المهنة لولا أن غيظة على الإسلام والحركة الإسلامية أعماه فاستقدم جنرالا قدرا أنه مجردا عصا غليظة لاستعمالها في تنفيس أحقاده فكانت القاضية .

لقد نجح الرئيس الجديد بسرعة فائقة في إشاعة مناخ من الأمل مستفيدا من ضيق الناس من حكم بورقيبة وخوفهم أن يكون الانتقال مكلفا جدا فما يبدو أن عينا واحدة قد ذرفت دمعة عليه. بل قد تنفس الناس الصعداء وغلبوا جانب الأمل على الشك في نوايا رجل الاستخبارات العسكرية والمدينة الذي لم يعرفوا عنه غير الحزم والقمع ولكن ما يدريك أنه إنما كان يفعل ذلك تنفيذ لتعليمات بورقيبة وللظفر بثقته لا سيما والرجل قد بادر بإعلانات تؤكد استجابته لمطالب المعارضة في حياة ديمقراطية لا ظلم فيها ولا إقصاء وأنه سيعيد الاعتبار للعروبة والإسلام !!

ولم تنتظر المعارضة لا ظلم فيها ولا إقصاء وأنه سيعيد الاعتبار للعروبة والإسلام !! ولم تنتظر المعارضة على اختلاف توجهاتها أفعالا من الرجل حتى تبايعه على أساسها وإنما اكتفت بما صدر عنه من نوايا حسنة فتباري الجميع تقريبا في تأييد غير مشروط ولم تشذ ولم تشذ الحركة الإسلامية التي كانت شديدة الإرهاق بمخلفات مادية ومعنوية ثقيلة جدا من العهد السابق لا سيما وهي تشهد قائد الحملة الوحشية ضدها يتربع على العرش !

لقد عمت الفرحة كل أرجاء البلاد وذبحت الذبائح في استقبال أكثر من عشرة آلاف سجين غالبيتهم من الإسلاميين وكانت السلطة خلال ذلك تراتقب عن كثب وتستكمل قوائمها ولقد تعززت الفرحة بما بادر إليه الرئيس من الإعلان عن إلغاء محكمة أمن الدولة وإلغاء الرئاسة مدي الحياة وإمضائه على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كما أعلن عن تكوين مجلس إسلامي أعلي ستعرض عليه القوانين للتحقق من مطابقتها للشريعة الإسلامية وتوج ذلك بالقيام بعمرة أمعنت وسائل الإعلام وخصوصا التلفاز في إعادة بث صورها و في خطوة تالية أعلن عن إعادة التعليم في جامعة الزيتونية الذي تعطل منذ بداية الاستقلال وفي الذكري الثانية لتسلمه السلطة استقبل ابن على رئيس حركة الاتجاه الإسلامي ووعده بالاعتراف بالحركة .

وقام بمبادرة أخري في اتجاهها تمثلت في الاعتراف بحركة طلابية قريبة منها ولقد سبق ذلك الدخول في مفاوضات مباشرة مع الحركة أفضت إلى الإنفاق على طي كل الملفات التي كانت لا تزال عالقة واستعادة حقوق المسرحين من السجن والاعتراف بالحركة نهاية في إطار القوانين القائمة ومنها قانون الأحزاب الذي سن في العهد الجديد والذي يحظر تكوين الأحزاب الإسلامية إلى جانب قوانين الجمعيات والصحافة والمساجد وكلها ذات طبيعة زجرية سلحت الدولة بأسلحة فتاكة وهيأتها مادية ومعنويا لمواجهة خصومها خصوصا الإسلاميين مواجهة أكثر فعالية مما سبق بما تعتبره كسرا للعمود الفقري للمعارضة.

الإعداد المباشر للانتخابات

لقد أتمت السلطة عملية هيكلة وضعها وترميم جدرانها وتهيأت لخوض معركة الشرعية الدستورية عبر انتخابات تعددية تضفي على انقلاب ابن على شرعية ديمقراطية هو حريص عليها فهو لم يظهر قط أمام الجمهور بمثوبة العسكري لقد بدا حريصا على احتواء برنامج المعارضة الذي أرهق بورقيبة والذي يتمحور حول الديمقراطية والهوية العربية الإسلامية لقد اطمأن ابن على إلى أن جملة تلك الإجراءات على صعيدي المطلب الديمقراطي ومطلب الهوية قد أعادت للدولة ولرئيسها وحزبها – ما أضاعا من هيبة في العهد السابق وأن البساط قد تم سحبه من طرف كل من الحركة الديمقراطية والحركة الإسلامية وكان هذا هو عنوان خطة المقاومة ( سحب البساط) قبل بدء المواجهة مع الحركة الإسلامية لنحل محلها مع بدء المواجهة خطة تجفيف الينابيع والخيار الأمني الشامل .

إنه لم يبق غير الترتيبات الجزئية الضرورية وكان من بينها :

طرح مشروع الميثاق الوطني في إطار الجبهة الانتخابية :

لقد تعامل ابن على بحذر شديد شأن أى رجل أمن مع أول تجرب انتخابية في عهده لقد كان شديد الحرص على ضبط كل شئ سلف بما لا يبقي معه مجال للمغامرة والمفاجأة فعمد إلى اقتراح ميثاق وطني على أحزاب المعارضة شاركت في مناقشته هيئات من المجتمع المدني مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان واتحاد النقابات لقد وضع الميثاق كانوا من غلاة العلمانيين الذين هالهم خروج الحركة الإسلامية منتصرة من معركتها مع بروقيبة الذي راهن على استئصالها فقاومته بلا هوادة حتى سقط مخزيا وخرجت هي منتصرة تستقبل القرى والمدن أبناءها في احتفالات حاشدة .

لقد جاء المضمون الثقافي للميثاق موغلا في العلمنة الإقصائية للإسلاميين فلم يكتف في موضوع قانون الأسرة مثلا بإدراجه ضمن مقومات الهوية الوطنية وهو في ذاته تحكم يطعن في تونسية الأجيال السابقة بل نص على ضرورة التزام الجميع بالدفاع عنه معني ذلك أنه لا يكفي الإسلاميين أن يقبلوا بهذه المجلة إطارا عاما لتنظيم الأوضاع الأسرية غاضين – لمصلحة الوفاق – الطرف عما تضمنته من مخالفات شرعية كتشريع التبني وعدم توازن الحقوق والواجبات بين الزوجين واعتبار التعدد لأي سبب استثنائي جريمة يعاقب عليها القانون بينما الزني بالتراضي مباح بل له مؤسساته المحمية بالقانون والتي تجني منها الدولة الضرائب كسائر المؤسسات الاقتصادية كما أن هذا الميثاق الوطني اعتبر الحدود الشرعية مسا بالحرمة البدنية للإنسان تتناقض مع حقوقه الطبيعية .

أما ما تعلق بالمضمون الديمقراطي للميثاق رغم أن محرريه طالما تبجحوا بالانتساب للديمقراطية لدرجة ادعاء احتكارها فإن الميثاق جاء خاليا من أى حديث عن جوهر الديمقراطية وهو تداول السلطة وهو تداول السلطة عبر انتخابات نزيهة .

ولقد مثل هذا الميثاق محنة حقيقية للحركة الإسلامية التي كانت شديدة الحرص على الوفاق الوطني باعتباره شرطا للتحول الديمقراطي واكتساب الشرعية لسد الطريق أمام القوي المعادية لها والمصممة على استدراجها للصدام مجددا حتى لا تتمتع بالوقت الكافي لتضميد جراحاتها واستثمار نضالاتها .

وتأسيسا على فقه المصالح والضرورات أمضت على الميثاق المذكور الذي تصب لها فخا وذريعة للإشهاد عليها لا سيما والحركة لم يكن تمثيلها رسميا بسبب عدم تمتعها بالاعتراف الذي كان يتمتع به الشيوعيون والاشتراكيون والليبراليون والقوميون بما جعل المطلب الرئيس للحركة في تلك المرحلة ومنذ أعلنت عن نفسها حزبا سياسيا سنة 1981 طلب الاعتراف بها على أساس القوانين القائمة وكانت تلك سابقة متقدمة في الحركة الإسلامية العربية على الأقل ولكن الجواب كان دائما الرفض ثم الهجوم على الكيان في مسعي لاستئصاله باعتباره نباتا غريبا !!

بينما أهله أبناء السكان الأصليين وحتى تتجنب السلطة كل مفاجأة أو مغامرة حرصت متأثرة بعقليتها الأمنية الحذرة على ترتيب الأمور بأقصى ما يمكن من الضبط ولقد بلغ هذا الحرص حد دعوة المشاركين إلى الاتفاق على النسبة التي ستسند لكل حزب وواضح أن ذلك سيفرغ العملية الانتخابية من كل محتوي ويجعلها تمثيلية هزيلة ويزيد الأمر سوءا أن المعروض من طرف حزب السلطة لم يكن ليصل ف يكل الأحوال إلى ثلاثين مقعدا من بين عدد مقاعد المجلس المائة وأربعين وذلك حتي لا يفكر نواب المعارضة مجتمعين في أن يرشحوا أحدهم للرئاسة خلال الانتخابات القادمة إذ يشترط الدستور على المترشح تزكية ثلاثين نائبا برلمانيا .

(أ‌) موقف الحركة الإسلامية لم تكن مشغولة بعدد المقاعد التي ستحصل عليها في هذه الانتخابات وذلك بسبب تقديرها أنها انتخابات غير جادة وأن البرلمان حتى مع فرض الوصول إليه مفرغ من السلطة لصالح الرئاسة فضلا عن أن همها الأول كان منصبا على الظفر بالاعتراف بها وهو ما تلقت به وعدا من الرئيس مباشرة منذ بضعة أشهر فقط خلال اللقاء مع رئيس الحركة في 6 نوفمبر 1988 وإذن فلا عبرة بعدد المقاعد التي ستحصل عليها حسبها أن تمثل في البرلمان ولو بأربعة أو خمسة مقاعد بما يعد نوعا من الاعتراف بها يدرأ عنها تحرش خصومها واستدراجها مجددا إلى الصراع

بل إن الحركة كانت تري أن الوضع في البلاد وما حول البلاد من قوي مؤثرة لا تسمح في كل الأحوال بحصولها على أكثر من بضعة مقاعد ولقد أرسلت قيادة الحركة رسالة بهذه المعاني إلى رئيس الدولة لطمأنته والتأكيد له علي تفهم الحركة للموازين القائمة وأنها لديها في الإخلاء بها لأن وطنيتنا تمنعنا من ذلك حتى وإن بدا ذلك " صالحا لحزبنا " وتأسيسا على هذه الاعتبارات فقد أعلن مندوبنا في هيئة الميثاق الذي جاء تدخله متأخرا عن قبوله بخيار التوافق المسبق على تقسيم الأنصبة فكان لذلك وقع سيئ جدا على الأستاذ أحمد المستيري فيما يبدو بسبب أنه لم ينتظر مثل هذا الموقف الخاذل له وهو على حق في ذلك .

(ب‌) موقف الديمقراطيين الاشتراكيين يعتب الأستاذ أحمد المستيري زعيم حركة الديمقراطيين الاشتراكيين من أبرز زعماء الحركة الوطنية شغل مناصب عليا في الدولة وعرف بنزعته الليبرالية كما أنه بلا منازع رائد الفكرة الديمقراطية في البلاد بعد تمرده المبكر على خيار الحزب الواحد مسقيلا من كل مسؤولياته في الحزب والحكومة منذ بداية السبعينات احتجاجا على تدخل الرئيس لصالح ابن قريته الهادي نويرة التدخل الذي أفسد عملية تطوير الحزب من داخله في اتجاه الديمقراطية فما كان من المستيي إلا أن جمع حوله ثلة من النخبة حملت على عاتقها مهمة تطوير فكر ومؤسسات ديمقراطية كان من بينها أسبوعية " الرأي " التي كان لها دور ريادي في تشكيل رأي عام ديمقراطي ضد وحدانية السلطة والحزب والزعيم والدعوة إلى حياة تعددية ودعم مؤسسات المجتمع المدني والدفاع عن ضحيا القمع .

(ت‌) وكانت جريدة الرأي تحت إشراف ليبرالي آخر هو السيد حسيب بن عمار الذي له دور مقدر في الدفاع عن الحركة الإسلامية وكان من ثمار الدعوة الديمقراطية أيضا الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي كانت لها الريادة في إفريقيا والوطن العربي كافة في هذا النوع من الاهتمام والتأسيس ولقد أفصحت هذه الدعوة في نهاية السبعينات عن تأسيس أول حركة معارضة في تونس هي " حركة الديمقراطية الاشتراكيين " بزعامة السيد أحمد المستيري ولقد كان اتصالنا نحن الإسلاميين مبكرا بالسيد المستيري ثم خليفته السيد محمد مواعدة والسيد حمودة بن سلامة والسيد بولحية كما كانت لنا اتصالات مع السيد حسيب بن عمار .

ومن المؤكد أن كان لهذه المبكرة بين إسلاميين ديمقراطيين معظمهم علماني أثر مقدر فيتفاعل حركتنا الإيجابي مع الفكر الديمقراطي والعمل على تأسيسه وتأصيله في الفكر الإسلامي ولا شك أن دور السيد المستيري في هذه العلاقة معتبر ومقدر بحكم اختلاف السن والمكانة والثقافة فلقد كان جم التواضع والأدب والنزاهة وربما يكون لأسرته الدينية الوطنية العريقة أثر في ما يمكن عده نوعا من التبني للحركة الإسلامية وربما كان يري فيها بيئته الأصلية التي نشأ فيها وربما كان يري فيها حليفا صالحا قويا في مواجهة تيارات الإلحاد والعلمانية المتطرفة حتى أنه أسر للشيخ الغنوشي مرة أنه قد راهن عليه .

ولقد نمت علاقات عمل ومودة الإسلاميين والديمقراطيين منذ نهايات السبعينات بعضها كان في إطار ثنائي وبعضها كان في إطار عمل التنسيق بين أحزاب المعارضة الستة بما فيها الحزب الشيوعي تنسيق انطلق منذ نهاية السبعينات على خلفية الدفاع عن الحريات في مواجهة التسلط الدولة ولقد تجاوزت تلك العلاقة إصدار البيانات المشتركة وعقد الندوات الصحفية المشتركة إلى قيادة مسيرات مشتركة في عدة قضايا وطنية وقومية مثل الهجوم الأمريكي على ليبيا والدفاع عن الحركة النقابية سنة 1989 ومع أن الديمقراطيين الاشتراكيين لم يكونوا الحزب الأقرب إلينا من جهة الموقف الراديكالي من السلطة

بل كانت حركة التجمع الاشتراكي التقدمي بزعامة الأستاذ نجيب الشابي وحركة الوحدة الشعبية بزعامة الأستاذ أحمد بن صالح إلا أن العلاقة مع الديمقراطيين الاشتراكيين ظلت ثقافيا وميدانيا الأمتن وإن كانت العلاقة مع المنتظم الوسطي المعارض جيدة حتى أنه خلال محاكمتنا سنة 1981 وقفت كل الأحزاب ومحاموها تدافع عنا بقوة فبلغ عدد المتطوعين من المحامين ومعظمهم ينتمون غلى أحزاب المعارضة ( أكثر من مائة محام ) وكذلك الأمر خلال محاكمتنا الكبرى سنة 1987 ولم نتردد خلال انتخابات 1981 التي كانت تجري ونحن في المحاكم من دعوة إخواننا إلى دعم حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وجاء دعم الإخوة لهم حارا فاعلا مؤثرا في التأييد الشعبي الواسع والنتائج الباهرة التي حصلت عليها الحركة والتي قد تكون قاربت الأغلبية إن لم تكن فاقتها ما أدمنت عليه السلطة منذ الاستقلال من عادة التزييف وشهادات الزور.

لقد تمكنت السلطة الجديدة من استقطاب عدد من أقطاب الحركة الديمقراطية كما استولت على شعاراتها ولا يبعد أن يكون السيد المستيري أدرك مدي حساسية ابن على من الرموز السياسية في العهد السابق وتصميمه على إبعادها من المسرح الوطني كما فعل مع الزعيم النقابي الحبيب عاشور – رحمه الله – وكما فعل مع العدد الأوفر من زعماء الحزب الحاكم مثل السيد الهادي البكوش والسيد محمد المصمودي والطاهر بالخوجة إلخ فبادر في لقاء مع الرئيس إلى التأكيد له أنه لا ينوي أبدا منافسته على الرئاسة .

وكان المستيري يظن أن ذلك يكفي لتطمين ابن على على موقعه فيفسح أمامه والمعارضة مجال حرية المنافسة على ما دون ذلك غير أنه سرعان ما ستكشف له الوقائع عن خطئه فيستيقن مبكرا من طبيعة مشروع الجنرال التي تقتضي الهيمنة على كل مجالات الحياة كبيرها وصغيرها وتدجين الآخر في كل صوره وأحجامه أو تدميره وحتى الماسحة الضيقة التي كانت متاحة في العهد السابق سيضيق بها خليفته ويستهدفها بالتأطير ولذلك كانت صدمة المستري كبيرة وهو يستمع إلى عرض ممثل الحزب الحاكم خلال اجتماع لجنة الميثاق يقترح توزيع مقاعد البرلمان قبل حصول العملية الانتخابية نفسها فلم يتردد في رفض العرض السخيف المفعم بالروح الديكتاتورية

ولقد عبر المستيري من خلال هذا الموقف عن شجاعة سياسية مقدرة وعن تحيز حقيقي لمبادئه الديمقراطية التي تحمل من أجلها وطأة معارضة سلطة أبوية دكتاتورية في أوج سطوتها طالما رفضت الديمقراطية التعددية فلما اضطرت في صورتها الجديدة إلى قبولها هاهي تعمل على إفراغها من كل محتوي تأبيدا لما أدمنت عليه من الغش واستبعاد الشعب صاحب الشرعية الحقيقي والاكتفاء بالمناورة والتمويه لقد وضع المستيري برفضه المشروع السلطة في مأزق حقيقي

بل وضع شعارات أبن على في التحول الديمقراطي التي رفعها مبررا لانقلابه على بورقيبة بدعوي فشل هذا الأخير في الاستجابة لهذا المطلب الذي اجتمعت عليه النخبة وضع تلك الشعارات أمام الامتحان هل سيقبل أصحابها مبدأ المنافسة الحرة فيشهدون على صدق إعلاناتهم ؟ أم أنهم سيسارعون إلى الولوغ في مستنقع التزييف السافر كسابقيهم فيفتضح أمرهم بسرعة ويدخل نظامهم " الجديد " في مأزق دون إبطاء وذلك ما حصل .

كيف جرت العملية الانتخابية ؟؟

حديثنا يقتصر على الانتخابات التشريعية أما الرئاسية فرغم أنها كانت تجري في نفس الوقت فلم تكن مثار أى إشكال على اعتبار أن المرشح الوحيد هو " صانع التغيير" وأى تغيير!!! والحقيقة أنه لم تكن به حاجة لذلك الإنفاق الدعائي السخي الذي غطي جدران البلاد بصوره الضخمة من أجل حصوله على التسعات المعروفة في هذا النوع من الأنظمة التسعات التي غدت عنوانا وماركة مسجلة لبشع صور الغش والكذب والديكتاتورية لا يختلط أمرها على ذي بصر مهما كان حسيرا فكيف قبلت النخبة التونسية مجرد المشاركة في هذه المهزلة ؟!!

لقد شاركت في الانتخابات إلى جانب الحزب الحاكم أحزاب المعارضة المعترف بها أما النهضة فقد كان الاعتراف بها موضع اخذ ورد بينها وبين السلطة وقطاع واسع من متطرفي العلمانية الذين كانوا يرفضون ذلك ولقد تقدمت قبل الانتخابات بطلب آخر من أجل اعتمادها حزبا سياسيا على غرار بقية الأحزاب بعد أن أقدمت على تغيير اسمها من " الاتجاه الإسلامي " إلى " النهضة " تلاؤما مع القانون وجاء الرد بالرفض لحيثيات سابقين فلم يبق أمام الحركة من سبيل غير الإعلان عن عزمها على المشاركة ضمن قوائم مستقلة في انتظار عفو تشريعي عام كثر الحديث عنه يزيل هذه الأسباب العارضة غير أن الحركة لم تكن متمسكة بالمشاركة ولا هي رافضة للتفاوض مع السلطة بحثا عن بديل هي أحرص عليه ألا وهو الاعتراف بها .

لقد تم عقد لقاء مطول مع ممثلي السلطة حضره عنها الدكتور حمودة بن سلامة صديقنا القديم الذي شغل بعد ذلك منصب وزارة الشباب والرياضة في حكومة ابن على وتولي من موقعه تصفية العناصر الإسلامية والأستاذ عبد الرحيم الزواري مدير الحزب الحاكم وحضره من طرف الحركة رئيسها وأمينها العام الأستاذ عبد الفتاح مورو والمهندس حمادي الجبالي رئيس المكتب السياسي لقد اقترح ممثلو السلطة على الحركة أن تكون مشاركتها في شكل تأييد حزب الرئيس باعتباره " صانع التغيير"

وقدم ممثلو الحركة مقابل ذلك عدة مقترحات بعضها لمجرد الإحراج مثل الدخول مع الحزب الحاكم في قوائم انتخابية مشتركة نقبل فيها بأى نصيب ومنها الانسحاب من السباق الانتخابي مقابل الاعتراف بالحركة حالا بما يضع في أيدينا شيئا نقنع به جماهيرنا التي عبأت صفوفها لخوض الانتخابات ولكن ممثلي السلطة رفضوا المقترح الأول وطلبوا تأجيل دوائر بما لا يمثل إخلالا بالتوازنات القائمة غير أنهم وعدوا بالنظر في المقترحين الذين تقدمنا بهما بما يعني أن القرار الأخير بيد الرئيس وهكذا نقل ممثلو الحركة إلى مجلس ليتهاتف السيد ابن سلامة لمعرفة موقف السلطة النهائي من المقترحات المقدمة فكان الجواب نفسه الرفض وانتهي المجلس بعد الاطلاع على الوقائع المذكورة إلى إقرار المشاركة في الانتخابات في قائمات مستقلة على أن لا تتجاوز أربع أو خمس دوائر من جملة الدوائر الانتخابية الخمس والعشرين .

ولكن هذا القرار جاء متأخرا فلقد تعبأت قواعد الحركة وهي التي طال كبتها وقهرها تعبأت لخوض المعركة رغم أنها لم تأخذ مسألة الانتخابات مأخذا جادا أى أنها لم تتصور أن النتائج ستكون نزيهة وإذا كان الأمر كذلك حسب تقدير القيادات الوسطي لماذا نحرم أنفسنا من فرصة الاتصال بالجماهير وتدريب كوادرنا على العمل السياسي وعرض قضايانا وبلورة برامجنا فكان الأمر مجرد عملية استعراضية أما القيادة فقد انخرطت هي الأخرى في هذا المهرجان الاحتفالي .

وبسرعة مذهلة انطلقت ماكينة انتخابية ضخمة على الصعيد المركزي والجهوري تحشد الأنصار والأموال وتصوغ البرامج الانتخابية والشعارات وترشح أعضاء ورؤساء القوائم ومعظمهم من المتعاطفين في توليفة عجيبة إلى المشايخ حملة العمائم ممن همشتهم الحداثة بالعنف فلم تبرز طيلة عهد الاستقلال عمامة واحدة على مسرح السياسة والعمل الاجتماعي كوادر حديثة من المهندس والمحامين ورجال الأعمال والنقابيين .

وانطلقت الماكينة بقيادة شباب من الجنسين ممتليء حماسة وتصميما على النصر فما كان يبقي بيت على امتداد البلاد لم يستقبل زيارة ولا أحد ممن له غيرة إسلامية أو رغبة تغييريه أو كره للحزب الحاكم إلا وقد تطوع للمساهمة في هذا الحفل فلا عجب أن تكون حتى المبالغ المالية البسيطة التي خصصت للحملة الانتخابية لم يحتج إلا للقليل منها بسبب تطوع الناس فقد كان التجار يرفضون ثمنا للأقمشة التي يقدمونها للإخوة لاستخدامها في كتابة الشعارات وكذا باعة الورود .

لقد كان الفصل ربيعا وكان كل حزب قد اختار لونا يميزه أما القائمات المستقلة فكان لونها الأساسي المميز هو اللون البنفسجي فكأن البلاد وكان الفصل ربيعا قد لبست ثوبا بنفسجيا ملابس الأخوات وغطاء رؤوس الإخوة والزهور واللافتات كلها تلونت بهذا اللون لقد عاشت البلاد عرسا حقيقيا لم يكد يبقي في النهاية على حركة تقريبا غير طرفين أساسيين السلطة وحزبها الحاكم من جهة والإسلاميون من جهة أخري أما الأحزاب الأخرى فقد سقط بعضها قبل الدخول في المعركة مثل الحزب الشيوعي التونسي الذي عجز في كل الدوائر حتى عن جمع نصاب الترشح وهو تزكية سبعين واطنا في دائرة انتخابية وعجز البعض الآخر عن عقد أى لقاء رغم أن السلطة منعت اللقاء في الفضاءات المفتوحة كالملاعب وأصرت على تحديد أماكن مغلقة.

لقد ظهر جليا أن لا منافس حقيقيا للحزب الحاكم غير الإسلاميين وأنه إذا كان دعم الإسلاميين يأتي أساس من فئات الشباب المتعلم خاصة وأهل المدن فإن دعم الحزب الحاكم يأتي من الأوساط الريفية بما تمارسه الإدارة من ضغط مادي ومعنوي لدرجة تصبح معها البطاقة الانتخابية المؤيدة للحزب ليست السبيل الوحيد للحصول على المعونات الاجتماعية وحسب بل حتى للحصول على دفت العلاج المجاني وكل توظيف لقد ظهرت لأول مرة في تاريخ الحزب منذ ظهوره سنة 1934 علامات الشيخوخة بارزة عليه وهو يواجه حزبا يتدفق شبابا وحماسا

لقد ظهر بجلاء مدي حاجة هذا العجوز للدولة متكئا وسلاحا لا غني عنه في معركة البقاء في السلطة الاحتفاظ بامتيازاته لقد كانت نفس القاعات تتداول عليها نظريا كل الأحزاب أما عمليا فكان التداول يكاد يقتصر على القائمات الإسلامية والحزب الحاكم وكان كل ملاحظ يستطيع بكل جلاء أن يري كم ونوع أنصار كل من القوتين فقد كانت " بورصة الشغل" مثلا تفيض بروادها حتى تمتلئ الساحات المحيطة وكان واضحا أن عنصر الشباب من الجنسين وأقاربهم هو الغالب على أنصار الحركة الإسلامية

بينما كان العنصر الريفي المجلوب في سيارات مجانية من الأرياف الفقيرة من العاصمة كسجنان ومن ذوي الأعمار المتقدمة هو الغالب بالنسبة للحزب الحاكم لقد ظهرت علامات الشيخوخة بارزة على الحزب كما لم يحصل من قبل لقد كان ممثله في الساحل مثلا وهو الدكتور القروي يطوف قري ومدن الساحل ولا من يجيب وكان وزير الخارجية بالشيخ رئيس قائمة الحزب في الدائرة الأولي يجوب الأسواق في محاولة لاستثارة غيرة النساء محذرا من أن الخوانجية سيعيدون لهن تعدد الزوجات فتجيبه إحداهن :

وهل تركتم للرجال من مال حتى يتزوجوا واحدة أصلا , بينما كان منافسه الشيخ محمد الإخوة رحمه الله , يصحب إلى قاعة البلدية خمسمائة امرأة لتزكية ترشحه على حين كانت الآلة الإعلامية المضادة تركز حملتها على موقف الإسلاميين من المرأة وتحذر من مصيبة العودة إلى تعدد الزوجات ..

لقد استخدم الحزب الحاكم إلى أقصي مدي نفوذه الإداري للتأثير في الناخبين ولا سيما في الأرياف وقد بلغ الأمر في بعض قري تطاوين إلى حد أن فرض " العمدة " على السكان حالة منع التجول والبقاء في بيوتهم لمنعهم من مجرد مشاهدة وفد القائمة المستقلة أما يوم الاقتراع فقد كان يوما مشهودا انطلق فيه الشباب من الجنسين منذ الصباح الباكر يحرض ويساعد الناس على الخروج إلى صناديق الاقتراع ويتولي حراستها ومراقبة إحصاء الأصوات وختم محاضر التقارير وموافاة المكتب المركزي بالنتائج فورا ولم يمنع ذلك قطعا من التأثير في النتائج ولكنه حد من ذلك كثيرا لقد تلاعبت البلديات بموضوع تسجيل الناخبين فقامت بفرز أولي أسقطت بمقتضاه حوالي ثلث الناخبين المصنفين عندها من غير المرضي عنهم

كما تم استخدام القوة لإبعاد كثير من المراقبين الإسلاميين ولكن الثابت أن المشاركة كانت واسعة جدا وأنه لأول مرة ينبعث ف الناس الأمل في التغيير عبر صناديق الاقتراع وأن أنواع التزييف التي لجأت إليها السلطة قبيل الاقتراع من مثل إسقاط قوائم تعسفا وغير ذلك لم تكن بالحجم المؤثر في النتائج تأثيرا حاسما نظرا لقوة الاندفاع نحو صناديق الاقتراع بفعل التعبئة الإسلامية ما أشاعه حدث " 7 نوفمبر" من أمل في التغيير والتصالح من كل مكونات المجتمع ولا سيما الإسلاميين الجهة التي غدت منذ سنوات العنصر الأساسي في الحراك السياسي في المجتمع بعد ضرب النقابات .

نتائج الانتخابات

على خلاف ما هو معتاد في مثل هذه المناسبة حيث يبدأ إعلان النتائج خلال نفس يوم الانتخابات ليلا تذاع في الإذاعة والتلفزة تباعا ويستمر الناس ساهرين يترقبون النتائج ورغم أن التفلزة هيأت الرأي العام لهذه السهرة فإن انتظار الناس طوال الليل ظل بلا طائل إذ لم يخرج أدني خبر عن النتائج وذلك رغم ولع نظام ابن على بالكمبيوتر وما أدخله من تطوير مشهود في هذا القطاع ولم تظهر النتائج الأولية إلى حوالي العاشرة من صبيحة اليوم الموالي

بينما كانت نتائج المكاتب جاهزة منذ إغلاقها ولقد حصلنا على الكثير منها من خلال أعضائنا المراقبين ولولا أن السلطة طردت الكثير من المراقبين وحالت والبعض دون الوصول إلى مكتب الاقتراع لكانت النتائج بأيدينا بعد ساعة واحدة من إغلاق المكاتب لقد ظل هذا التأخير لغزا لم تفسره غير أخبار غير موثوقة تتلخص في أن الرئيس وأركانه قد انشغلوا بأم إعادة ترتيب النتائج التي اختلفوا حولها ولم يكن موضوع الخلاف

هل تعلن النتائج بأمانة أم لا ؟ فالكل متفق على تعديلها وإنما الاختلاف كان حول حجم هذا التعديل وطريقة تقسيم الأنصبة على الأحزاب ولأن القائمات المستقلة كانت هي الفائزة كما سنبين ذلك ولأن قانون الانتخابات كان يعتمد الأغلبية المطلقة بما يجعل كل قائمة تفوز بالأغلبية تحصد كل مقاعد الدائرة فقد كان على السلطة بما يجعل كل قائمة تفوز بالأغلبية تحصد كل مقاعد الدائرة فقد كان على السلطة إذا أقدمت على الصدق ولو مرة واحدة في تاريخها أن تقبل فوز الإسلاميين بدوائر بكاملها

ومهما كان عدد الدوائر التي ستحرمهم منها سيتم تسليمها مناطق بكاملها وهذا أمر لا يطاق لا سيما وهؤلاء المستقلون لم يعترف بهم بعد فكيف يقبل أن يصبح الحزب غير المعترف به صاحب أغلبية في البرلمان أو حتى في مناطق معينة بينما الأحزاب المعترف بها لم تخرج بشئ ؟؟

إن ذلك سيمثل شهادة " بديكورية" هذه الديمقراطية وفضحا لها وسيجعل من الاعتراف بالإسلاميين أمرا مفروضا بل إن ذلك سيمثل تحولا ديمقراطيا حقيقيا لم تكن كل خطط السلطة بل " 7 نوفمبر " ذاته إلا لاستبعاده واعتباره نوعا من انقلاب آخر في البلاد من شأنه أن يخل بكل التوازنات وهو أمر مرفوض قد يعرض السلطة الجديدة التي أرادت أن توطد شرعيتها بالانتخابات في وضع مهتز ومضطرة لأن تدخل في شراكة حقيقي مع الإسلاميين بالذات وهي لم تقبل يوما قط شراكة مع أحد وإن يكن من داخل الحزب الحاكم أو المعارضة العلمانية الضعيفة ..

فكيف تقبلها مع الإسلاميين وهي إنما جاءت لإقصائهم ومواصلة الحرب عليهم بشكل أنجع ولتجدد قوة الدولة التي وهنت زمن بورقيبة وكادت تسقط بأيديهم ؟ لقد انتهي الجدل الذي استغرق ليلة بكاملها وكانت ليلة ليلاء في تاريخ تونس الحديثة انتهي إلى قرار تاريخي دق أعظم مسمار في نعش المشروع " التحول نحو الديمقراطية " المزعوم الذي بشر به ابن على وهو ما سيفتح أبواب البلاد على مصراعيها أمام الأهوال والكوارث ومما سيمثل أخطر امتحان وتحد للنهضة .

لقد فكروا وقدروا ثم فكروا وقدروا فما وجدوا لهم من مخرج غير إعلان فوز حزب الدستور بكل المقاعد بما حصل عليه من نسبة ثمانين بالمائة بينما حصلت القائمات المستقلة على 17.70 بالمائة موزعة على مختلف الدوائر الواحد والعشرين التي شاركوا بها وبلغت في العاصمة وفي بعض مدن الساحل 30 بالمائة ولكن بسبب النظام الانتخابي الساري لم يكن لهذه النسبة العالية أى مقابل في مقاعد البرلمان ورجعت حليمة لعادتها القديمة تحتل كل مقاعد البرلمان تماما كما كان عليه الوضع منذ الاستقلال .

أما الرئيس فبالكاد خسر بعض الأصوات الشاذة وكاد يتجاوز المائة بالمائة لولا أنه تواضع واكتفي بالتسعات الأربع عنوانا لديمقراطية وهو العنوان الذي غدا وصفا لا يتطرق إليه الخطأ في الحكم على طبيعة الأنظمة المعروفة بهذه النسب وهذه النسبة 80% التي "انحدر إليها الحزب الحاكم ورغم أنها منحت له فقد كانت الأولي من نوعها في تاريخه أما النسبة التي انحدروا بها للإسلاميين 17,70 فقد جعلت منهم رغم بعدها كثيرا عن الحقيقة الحزب الثاني بالبلاد والحزب الأول في المعارضة لأن أحزاب المعارضة العلمانية مجتمعة لم تكد تحقق 3 بالمائة .

إلى أى مدي يمكن اعتبار هذه النتائج حقيقية ؟ الحقيقة أن سجل حزب الدستور لم يتوفر على صفحة واحدة من الصدق والأمانة والأخلاق السياسية ورغم احتكاره السلطة ورفعه في انتخاباته شعارات " لا إمساك ولا تشطيب " إلا أن تزييف الحقائق على كل صعيد ديدن عام له لم يحد عنه قط حتى عندما حكم البلاد بانفراد فكيف وقد عرته الشيخوخة وغدا مهووسا من المعارضة هلعا من مشاركتها على مصالحة فرقا من المحاسبة والاحتكام للناس لقد كانت النتائج الحقيقية سواء منها أتلك التي نقلها مراقبو صناديق الاقتراع مباشرة على إثر إحصاء محتوياتها وتسجيلها في محضر وقعوا عليه وكانت تلك النسبة تتراوح بين الأربعين والخمسين والستين والثمانين بالمائة

أم تلك التي تسربت من القنوات الإدارية الموجودة في إدارات المحافظات أو في وزارة الداخلية ل قد نقلت تلك القنوات صورا من التقارير التي رفعها الولاة إلى رئيس الدولة بطلب منه أن يوافوه بالنتائج الحقيقية التي حصلت عليها القائمات المستقلة لقد تراوحت دوائر العاصمة التي شارك فيها الإسلاميون بثلاث من أربع دوائر بين 80 بالمائة للشمالية و 85 بالمائة للجنوبية و 92 بالمائة في دائرة تونس المدينة برئاسة الشيخ محمد الإخوة رحمه الله كما أن سوسة بلغت النسبة قريبا من ذلك وقابس حوالي 55 بالمائة .

المؤكد أن هذه النتائج لم تكن مذهلة للسلطة وحسب بل كانت مذهلة للإسلاميين لدرجة أن ذهب بعضهم إلى تفسير ذلك بمنطق المؤامرة إن بعض الجهات المعادية لهم في السلطة – وكانوا يتهمون يومئذ الوزير الأول الهادي البكوش ظلما – بالكيد لهم من خلال ترفيع نتائجهم بشكل مذهل من أجل رفع وتيرة الخوف والرعب منهم والتيئيس من إمكان احتوائهم فلا يبقي مجال للتعايش معهم بله الاعتراف بهم وهو تفكير ضعيف أملاه ضعف الوعي بمدي رغبة الشعب في التغيير وبغضه للحزب الحاكم وحسن ظنه في الإسلاميين لقد كتب رئيس النهضة ذاته في سجنه سنة 1984 تقديا عاما للموقف السياسي العام وموقع الإسلاميين فيه خلاصته أنه في انتخابات نزيهة لا ينتظر أن تتجاوز حصة الإسلاميين 30 بالمائة وذلك بناء على أن الريف وهو يمثل حوالي نصف السكان وقاع تحت سيطرة الحزب الحاكم طوعا أو كرها .

أما المدن فهي مجال الصراع والتنافس بين الجميع : الحكم والإسلاميين والمعارضة العلمانية . وهو تقدير أثبتت التجربة خطأه وذلك بسبب انحدار معظم أبناء الحركة الإسلامية ومعظمهم يومئذ شباب تلمذي أو جامعي من الأرياف ويمثل زهرتها ومعقد آمال أبنائهم وثقتهم ولقد عاد أولئك الشباب إلى قراهم وبواديهم خلال الحملة الانتخابية وعبأوا آباءهم لصالح الإسلاميين ويبقي الريف رغم كل الضغوط مستودع الإسلام ورصيده الاحتياطي وذلك ما لم يحسن الإسلاميون تقديره بما له دلالة على الطبيعة الحداثية لهم هم أ،فسهم بما يجعلهم كغيرهم من نخبة الحداة قليلي بما له في جماهير الناس فهي عندهم غارقة في الخرافة وعند العلمانيين متخلفة وفي كلتا الحالتين حتقرة ورعاع ينبغي الرهان على تغييرها ولو بالقوة بدل تمثيل إرادتها !!

كما أن حسابهم لقوة المعارضة العلمانية كان مبالغا فيه جدا صحيح أنها لا يكاد يلحظ لها وجود في الأرياف ولكن وجودها في المدن هو ذاته محدود ومتضائل فهي تشكو حالة الشيخوخة والترهل والتمزق صوتها العالم بحكم موقعها في مراكز الإعلام والنقابات ودورها الثقافي والأدبي مبعث للإيهام بالشعبية بينما اعتمادها الأساسي على السلطة أى على الموقع بما يكون ولكنها في النهاية مع أنها قد بلغت من أوصاف الرذيلة كالتبعية وللإمبريالية الأوج ها هو قطاع عريض يرتمي في أحضانها وكأن الإمبريالية قد انتهت مع سقوط الاتحاد السوفييتي ولم يستفحل أمرها أو أنهم كانوا يقاومونها لحساب الاتحاد السوفييتي لا لأنها جديرة في حد ذاتها بالمقاومة بقطع النظر عن وجود أو عدم وجود الاتحاد السوفيتي .

كيف كانت ردود الأفعال على النتائج وتأثيرها ؟

المؤكد أن هذه الانتخابات مثلت منعطفا خطيا في مستقبل البلاد من حيث علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة الإسلاميين بالدولة وكان الظن أن انقلاب 7 نوفمبر سيصلح ما تصدع في المستويين المذكورين كما كان لهذه الانتخابات انعكاسات خطيرة على علاقة المعارضة العلمانية بالدولة وعلاقة الإسلاميين بالعلمانيين كما كان تأثيرها بالغا داخل أطراف اللعبة الأساسية الدولة الإسلاميين الديمقراطيين الاشتراكيين .

علاقة الدولة بالمجتمع

جاء ابن على وقد بلغت الدولة طورا متقدما من الترهل انعكاسا لترهل الوضع اصحي رئيسها الذي طال به المرض والعمر حتى تعفن وأسن واشتدت الخشية من اتجاه البلاد إلى التمزق والتحارب والتصادم العام مع الدولة لقد بشر ابن على رغم ماضيه الذي ليس فيه عند التحقيق ما يحمل على الظن ولو البعيد أنه سيكون جل المصالحة والانفتاح ولكن ما يدريك ! بشر بذلك وأقدم على بعض المبادرات الرمزية المهمة في هذا الاتجاه لعله يكون صادقا ! ولقد كانت الانتخابات أول اختبار لمدي صدق ما بشر به 7 نوفمبر من شعارات وآمال .

لقد حل المأتم في شهر العسل ذاته فكانت انتخابات 2 أبريل ويا ليتها لم تكن بوابة الشر التي انفتحت على البلاد مجددا قاطعة مع أيام العرس القصيرة ولا تزال البلاد محكومة بتلك الخيبة وباءت بالفشل كل المحاولات التي جاءت بعد ذلك من داخلا السلطة وخارجها من أجل تجاوز ذلك اليوم المشؤوم .

ولقد كان لخطة الاستئصال التي اختطتها الدولة تجاه الإسلاميين كنتيجة من نتائج الانتخابات كما سيلس تأثير حاسم في علاقة الدولة مع جملة مكونات المجتمع في اتجاه العويل المتزايد على سلطة البوليس في إدارة شؤون البلاد كافة وإسلام أمرها نهاية إلى المافيا .

علاقة الإسلاميين بالدولة

بادر الإسلاميون شأن معظم القوي السياسية في البلاد إلى إبداء التأييد لابن على يوم إعلانه عن إزاحة العجوز الديكتاتور وإعادة الاعتبار للديمقراطية وللعروبة والإسلام فكتب له رئيس الحركة من سجنه :" إن كنت جئت المواصلة طريق بورقيبة باعتبارك وزير داخلتيه الذي أصبح رئيسا فليس بيننا وبينك إلا الحرب أما إذا جئت كما تقول لإنقاذ البلاد والمصالحة بين أبنائها وبين دولتهم فسوف تجد منا كل عون مساندة.

وبدأ أن الرئيس وكأنه قد فهم الرسالة وأخذها مأخذ إذ بادر إلى فتح باب التفاوض مع رئيس الحركة في سجنه ثم أطلق سراحه ليواصل معه التفاوض الذي انتهي إلى إفراغ السجون والتمهيد – حسب الظن – لمصالحة وطنية شاملة كانت بها تونس لو تمت مهيأة قبل شبيهاتها إلى تقديم نموذج تميز في التصالح بين الإسلاميين والعلمانيين واحتوائهم من طرف الدولة قوة من وقاها بدل أن يكونوا سببا في وهنها لا سيما وإسلاميو تونس

كما اعترف ابن على نفسه في حديث إلى جريدة لبيراسيون الفرنسية " ليسوا مثل غيرهم " من جهة اعتدالهم ونبذهم للعنف ولقد بلغت حماسة بعض رجال الحركة الوطنية مثل السيد محمد مصمودي الموقع على وثيقة استقلال البلاد لمشروع المصالحة بين الحكم والإسلاميين لما يعرفه من ميزات الإسلاميين التونسيين أن عرض نفسه على ابن على مستشارا على أن يكل له أمر معالجة الملف الذي يخشي أن يؤول التعامل الأمني معه إلى إهدار التجربة كلها والعودة بالبلاد إلى أتون الصراع ولكن لم يجد الاستجابة.

ولقد بذل الإسلاميون من أجل تطمين الرئيس حدا بعيدا في تخفيض سقف مطالبهم وتقديم التنازلات التي طلبت منهم أو هم رأوها ضرورية فهم لم يرفعوا أبدأ شعار إقامة الدولة الإسلامية مثلا ولا تطبيق الشريعة رعاية للأوضاع وأقدموا على حسم مسألة الصراع المزمن حول قوانين الأسرة فاعتبروها بوجه عام إطارا مقبولا لتنظيم شؤون الأسرة

وأمضوا على الميثاق الوطني رغم ما حفل به من فخاخ للإيقاع بهم كما أقدموا على تغيير اسمهم بحذف الوصف الإسلامي من عنوانهم ولم يترددوا ف تأكيد الولاء للرئيس وفي تأييد تزكيته مرشحا وحيدا للرئاسة كما ساهموا من خلال مواقعهم المؤثرة في التعليم والنقابات عامة وعلى الصعيد الشعبي في تهدئة الأوضاع صحيح أن الدولة قابلت ذلك بإطلاق سراح المساجين بما في ذلك المتهمين في قضايا أمنية.

وأنها اعترفت بمنظمة طلابية ذات ولاءات إسلامية وأنها مكنت الحركة من المشاركة في الميثاق الوطني وأنها خولت للحركة في وقت متأخر إصدار جريدة أسبوعية ولكن هذه الإجراءات كانت دون كثير مما تصبو إليه حركة تملأ شعبيتها الآفاق وتري أنها هي التي أنضجت مناخات التغيير فلا أقل من أن تسوي بغيرها من الحركات .

لقد راهنت قيادة الحركة على انتزاع الاعتراف بها وأقدمت من أجل ذلك على تقديم التنازلات الضرورية لذلك رغم معارضة قطاع من النخبة والقواعد التي كانت متشككة في صدق السلطة وتراها في سلوكها اليومي منهمكة في محاصرة الحركة وإعداد الملفات حولها ولقد وضع رئيس الحركة ثقله في الميزان ووظف إشعاعه الهائل الذي خرج به من السجن – وكأنه الشهيد الحي – في تأطير الحركة في هذا الاتجاه فلما جاءت النتائج على لذلك النحو كانت خيبته شديدة وما لبث أن ضاقت نفسه ببلاد يزداد فيها اختناقا يوما بعد يوم فلا هو مسموح له بالتدريس في المساجد ولا له حرية الاتصال بالناس

بل هو أبدأ محاط بالأمن لقد اشتد به الشعور بالضيق والإحباط بعد الانتخابات فخرج من البلاد يستنشق هواء نظيفا من خلال تلبية دعوة جمعية طلابية فلسطينية بألمانيا لإلقاء محاضرة وكان مقررا للرحلة ثلاثة أيام إلا أنها مع تهاطل الدعوات من الشرق والغرب امتدت الرحلة وكان الوضع بالبلاد يتسارع تطوره خلال ذلك في اتجاه مزيد من التعفن وبدت السلطة حريصة على عودته من خلال رفضها تجديد جوازه ولم تليث المواجهة ان اندلعت فكانت النتيجة كما هو عنوان مسرحية قوتية " خرج ولم يعد".

اما عن رد فعل الحركة على نتائج الانتخابات فلم يكن حادا ولا غاضبا جدا ربما لأنها لم تكن تعقد عليها آمالا كبيرة ولا هي صدقت أنها ستكون انتخابات نزيهة ولذلك لم تتعامل جماهير الحركة وقيادتها مع الانتخابات أكثر من كونها مناسبة احتفالية وتنفيسا للمكبوت وإظهارا للفتوة والقوة اجتمع مجلس الشورى وتداول الرأي في الأمر فأدان ممارسة السلطة واعتبر النتائج " لا تعبر عن إرادة الشعب , بل إن هذه الإرادة تعرضتا للتززيف على نطاق واسع ولقد خضعت العبارة الأخيرة لمناقشة واسعة بين مدافع عن إدراجها وبين داع للاستعاضة عنها بتسجيل مجرد حصول تجاوزات شأن ا فعلته بقية الأحزاب وذلك بسبب ما تزال تتمتع به السلطة يومئذ من هيبة وما يعلق عليها من آمال وربما من قبيل " من يهن يسهل الهوان عليه " والشئ من مأتاه لا يستغرب .

فلقد غدا التزييف عادة متحكمة في كل انتخابات الحزب الحاكم طرف فيها حتى وهو في مرحلة قوته وشبابه وفي التصويت في مجلس الشورى انتصر خيار التصريح بعبارة " التزييف مما أغضب السلطة فدعي رئيس الحركة إلى مكتب وزير الداخلية وكان يومئذ النفاتي بأبلغه استياء رئيس الدولة من هذا الموقف وأن " الدولة لا يمكن أن تتحمل مثل هذه المواقف غير المسئولة " فأجاب رئيس الحركة بلطف " إن هذا أبسط ما يمكن الربد به ولولا أن الحركة وضعت ثقلها في التهدئة لتحرك الشارع احتجاجا " والحقيقة أن ذلك كان هو الواجب للدفاع عن الثقة التي وضعتها الجماهير في أعناق الإسلاميين لولا وجود عائق أساسي في النخبة التونسية

ها تغلب ما يتراءى أمامها من حساب مصلحة الشخص أو المنظمة أو الحزب على حساب مصلحة الجماهير التي أنه يراد منها أن تكون مجرد أداة لخدمة الشخص أو الحزب وأداة للضغط وبحسب ذلك يريدون ضبط أجندتها بدل أن تضبط كل أجندة بحسبها بينما عباسي - فرج الله كربه وإخوانه – طالما رسخ في نفوس الجماهير وهو يعدها لمعركة الانتخابات أنهم إذا زيفوا إرادة الشعب فسيلعن الجهاد وهو يعني الهروج العارم إلى الشوارع ومثل ذلك ردده الزعيم آيت أحمد خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة أنه سيجعل من الجزائر ( براغ ) إذا زيفوا إرادة الشعب !!

لقد تعامل الإسلاميون مع المعركة الانتخابية لا بمنطق أنها معركة على امتلاك أكبر موقع للنفوذ والتأثير وتحديد مصير البلاد وأنها مسألة أخلاق ومصداقية وإنما هي مجرد احتفالات استعراضية فلم يعدوا لها عدتها فكانت مجرد استعراضات احتفالية فما أعدوا لها إلا ما يعد للاحتفالات من مظاهر زينة واحتشاد مع شئ من الزاد المضموني .

ورغم أن العهد كان لا يزال في أوله إلا أن قبول دخول المعركة الانتخابية هو تبعة لا محيد لمن أقدم عليها من تحمل تبعاتها أى تهيئة الناس وقيادتهم إذا تجرأ أحد على هدر إرادتهم إلى مواجهته أما من آنس في نفسه العجز عن ذلك فخير له أن يحترم نفسه ومؤيديه فلا يتورط في هذا المأزق .

قلت رغم أن الجماهير لم تكن مهيأة للصدام إلا أن النظام يومئذ كان لا يزال ضعيفا لا سند له غير شرعية الانقلاب والقوة فكان الوقت أنسب لمواجهة من شأنها أن تطعن في شرعية لا تزال بصدد التخلق هي شرعية التسلط والاستبداد والانفراد بالأمر وذلك من أجل قضية عامة لا تخص حزبا معينا وحتى لو اضطهدت الحركة بسبب ذلك فسيكون الأمر جليا واضحا مبررا بينما المواجهة التي حصلت بعد ذلك وتأخرت عن وقتها جاءت رغم نبل أهدفها ( فرض الحريات ) في الوقت الغلط بعد أن أكتسب النظام شرعية ديمقراطية قبلها الجميع وبعد أن عززها بموقف شعبي قومي في قضية الخليج بما جعل المواجهة بلا شرعية ولا زمن مناسب ولا مبرر لها غير رد الفعل والدفاع عن النفس والثأر لها .

أما السلطة وحزبها فقد درسا نتائج الانتخابات في ضوء النتائج الحقيقية التي حملتها تقارير الولاة واستخلصت منها نتيجة حاسمة أنه لا مجال لاحتواء الإسلاميين ولا طاقة على منافستهم ديمقراطيا فلم يبق سبيل للتعامل معهم إلا من طريق المضي في خطة استئصالية شاملة تتولي الدولة فيها تسخير كل أجهزتها وتؤلب عليهم كل " القوي التقدمية " في حرب شاملة ضد الظلامية وفي خطاب للرئيس في شهر نوفمبر من نفس السنة أعلن رئيس الدولة أنه لا مجال لاعتراف بحزب ديني فكان جواب بسيطا إننا لسنا حزبا دينيا " وحسبت أن ذلك ربما يغير شيئا من إرادة سلطوية قد صممت على الشر لن تثنيها الكلمات التي تخدع أحدا غير أصحابها الذين عادوا فتقدموا على إثر تورط السلطة في جريمة التزييف بطلب اعتمادهم حزبا فرفضت السلطة مجرد تسلم المطلب .

تأثير الانتخابات على قوي اليسار

تعد تونس من البلاد العربية الإسلامية القليلة التي أمكن فيها للإسلاميين واليسار المعتدل تطوير علاقات حوار إيجابي وصل إلى حد التعاون على صعيد دعم الحريات والتصدي للهيمنة الأمريكية والصهيونية على المنطقة وذلك رغم الصراع الفكري المحتدم ولا سيما مع متطرفيه إلى حد تبادل العنف في الجامعة بسبب إصرارهم على احتكار الكلمة وإقصاء الآخرين بالعنف وتأبيد سيطرتهم على الجامعة و ولكن مع بداية الثمانينات مالت الكفة لصالح الإسلاميين

فازداد غيظ القوي العلمانية المتطرفة ومع ذلك ظل تيار اليسار الديمقراطي عامة يتعاون مع الإسلاميين ويدافع عنهم حتى إذا خاضت الحكة صراع التنافي مع بورقيبة فسقط وخرجت منتصرة وتعززت شعبيتها وظهرت وكأنها أخذت تتهيأ لتكون بديلا عنه تصاعد الشعور بالخطر لدي قوي اليسار والقوي العلمانية عامة على ما تعتبره مكاسب الحداثة فطرحت على نفسها ضوة الاختيار بين الإسلاميين وبين الدولة القائمة التي ظهرت لفريق واسع منهم أنها وحدها القادرة على إيقاف زحف هؤلاء على المجتمع والدولة وكان جانب كبير من هذه المناقشات تجري على أعمدة الصحف بين مؤيدة متحمس ومعارض .

غير أنه قد ترجحت كفة المؤيدين !! وبذلك أمكن لأول مرة في تاريخ تونس الحديث للدولة أن تلف حولها القطاع الأوسع من القوي اليسارية التي أمضت ما يناهز العقدين في معارضتها والتحريض على الثورة ضدها باعتبارها رأسمالية تابعة وتشكلت على أساس ذلك جبهة علمانية واسعة يقودها أقصي اليسار بفكرة العدمي المتطرف بما أعطي للدولة

كما لم يحصل قط من قبل قوة اندفاع رهيبة صوب القمع الشرس والتدمير الشامل استنادا إلى خطاب إيديولوجي يعقوبي يذكر بخطاب الياعقبة الفرنسيين غداة الثورة وبالتراث الماركسي الستاليني في أوج عنفوانه بما تخال معه أن هذا اليسار قد أصابه مس من الجنون أو دوخة بأثر سكرة عاصفة أذهلته عن هويته الحقيقية المناضلة ضد القوي الإمبريالية الهيمنية في وقت كانت فيه تلك القوي بصدد تحقيق أعتي مد لها في العالم وزحف رهيب على مكاسب النضالات العمالية في بلادنا والعالم قاطبة

فاندفعت في حالة من الهستيريا والخوف المرضي قطاعات واسعة من اليسار واضعة كل إمكاناتها الفكرية والتعبوية لصالح مشروع الدولة الاستئصالي للإسلاميين فانخرطوا في صفوف الحزب الذي طالما أشبعوه لعنا وحتى في صفوف أجهزة القمع مشكلين بذلك العمود الفقي لآلة الحرب الإعلامية والإيديولوجية والأمنية فكان بلاؤهم في ذلك رهيبا حتى أذهانهم هي التي تفتقت عن الخطة المعروفة بخطة تجفيف الينابيع من خلال عملهم في لجنة التفكير بالحزب الحاكم .

وهكذا انخرطت الدولة وقطاع واسع من نخبة الحداثة في معركة صليبها الدفاع عن المجتمع المدني ومكاسب الحداثة في وجه الخطر الأصولي الذي طرح على الساحة الدولية في أعقاب حرب الخليج وسقوط الحرب الباردة كبديل عن الخطر الشيوعي ومسن تشحذ عليه الأسلحة وبذلك وضعت الدولة نفسها ضمن الموجة الدولية المعادية للعرب والمسلمين في إحياء سافر لجوهر الإيديولوجيات البورقيبية مع دفع لها غلى الأقصى بما جعل العلاقة مع الإسلاميين علاقة تناف من كل وجه بل غدا هذا التوجه إيديولوجيا عامة تحكم سياسات الدولة الداخلية والخارجية لقد بدا اليسار المصاب بالذهول من جراء تساقط القلاع الشيوعية كأوراق الخريف هلعا من صعود المد الإسلامي ما أفقده وعيه التاريخي فهيمنت عليه الأحقاد واستبدت به المطامع الشخصية وسيطرت عليه الأرواح الشريرة فما عاد له من مشروع غير السلب أى هدم المشروع الإسلامي .

ويلتحالف من أجل ذلك مع أشد أعدائه بالأمس وليجعل نفسه في خدمة البوليس وفي خدمة المؤسسات الرأسمالية التي انطلقت منذ نهاية العهد البورقيبي تلتهم مكاسب الشعب ونضالاته لقد خيل إليه في لحظة الدوخة أنه يمكن أن يحتل المواقع التي سيخيلها البوليس ن الإسلاميين وصدق وعود السلطة في اقتسام المغانم عندما يتم الانتصار النهائي على القوي الظلامية !!

وأن الديمقراطية ستعرف عندئذ ربيعها !! ولم يخل الأمر ولا شك من قدر غير قليل من الانتهازية التي حولت مناضلين من أجل الحرية إلى أعوان للبوليس لا سيما وقد تقدم بقطاع منهم العم وتفاقمت المطالب المادية ويكادون يخرجون من الدنيا ولما يحصلوا منها على شئ فهاهي الفرصة قد حانت فليزيحوا جانبا أحلام وخيالات الشباب وليكونوا واقعيين وليأخذوا نصيبهم من المتاع وليجعلوا من شعار الحرب ضد الظلامية والدفاع عن مكاسب الحداثة والمجتمع المدني وحرية المرأة ستارا لمواراة انزوعات الانتهاز ورواء العطش !!

غير أنه ما لا يجوز إخفاؤه أنه ليس كل اليسار ولا كل العلمانيين قد تورطوا ووقعوا في هذه الدوخة أو جرفهم تيار الطمع والانتهاز فلقد ظلت في هذه الساحة أبدا قوي صاحية ومناضلة إلى حد الفدائية فرفعت أصواتها بالاعتراض ونبهت من خطر هذه السكرة وللذكر فقط لا الحصر نذكر بإكبار عددا من الجامعيين المحترمين جدا من أمثال د خليل الزميطي والأستاذ عبد اللطيف الهرماسي والأستاذ هشام جعيط والدكتور الهاشمي العياري والدكتور أو يعرب المرزوقي والدكتور احمد المناعي والدكتور مصطفي بن جعفر الخ..

ناهيك عن الزعماء الكبار أمثال الحبيب عاشور رحمه الله والزعيم أحمد بن صالح وأبطال الدفاع عن حقوق الإنسان وفي طليعتهم الرباطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعدد من المناضلين الكبار أمثال الدكتور المنصف المرزوقي الأستاذ نجيب حسني والسيدة سهام بن سدرين والأستاذة راضية نصراوي .. الخ

هذا إلى عدد هام من المحامين أبطال الدفاع عن الحرية كالعميد محمد شقرون والأستاذ بالقاسم خميس والمناضل الكبير الأستاذ بشير الصيد والمناضل القومي الإسلامي الصديق الأستاذ محمد مسعود الشابي والأستاذ حسن الغضباني .. الخ

إضافة إلى عدد آخر من الشخصيات غير اليسارية التي صمدت منذ البداية معترضة على هذا المنهج الاستئصالي أمثال السيد محمد مزالي والسيد محمد المصمودي والسيد الهادي البكوش والجدير بالذكر أن كثيرا من القوي اليسارية التي انساقت في البداية مع خطة النظام أدركتها في الطريق حالة اليقظة فراجعت نفسها في شجاعة مسارها ولا سيما بعد أن مسها بأس السلطة مثل مناضلي حزب العمال الشيوعي

وفي سنة 1996 وعلى إثر توالي خيبات أنصار ما يسمي بالمعارضة المساندة انشق عن ركب الخائرين أو المغترين أهم طرف في المعارضة الرسمية ممثلا في حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الذين ذاقوا ذرعا باستغلال السلطة لهم فرفعوا صوتها بالاحتجاج فشملتهم بركات قمعها وألحقتهم بإخوانهم الإسلاميين وأنصار حزب العمال الشيوعي في السجون وذلك ما حرم السلطة إلى حد بعيد من غطاء إيديولوجي عزيز عليها إلا أنها لم تحسن المحافظة عليه فانقلب ضدها يعمل فيها فضحا وتشهيرا في الداخل والخارج وبذلك أخذ قوس انتخابات 89 المشؤومة طريقة نحو الإغلاق ولا شك أن مسؤولية اليسار في الذي أصاب البلاد بما تبرع به من غطاء إيديولوجي لقمع السلطة مسؤولية غير قليلة .

ولربما يكون الإسلاميون قد ساهموا دون وعي في الإضرار بأنفسهم ماديا والإضرار باليسار معنويا إذ يضر ببواعث المخاوف والأطماع والأحقاد وردود الأفعال في اتجاه الكارثة وذلك بسبب ما أظهره الإسلاميون من زهو واستعلاء على القوي الأخرى وإعجاب بالنفس واستعراض للقوة والاستغناء عن شركائهم بالأمس في المعارضة وأنصارهم في ساعة العسرة فلم يعودوا يحسبون لهم اليوم حسابا وقد خرجوا من محنتهم منتصرين بعد " 7 نوفمبر" وكأنهم ما عاد بهم حاجة إلى تبادل الرأي والمشورة مع زملائهم في المعارضة حول أوضاع البلاد بل ربما يكونون قد ساهموا في القضاء على أبرز معاض هو بلا منازع أبو الديمقراطية التونسية إذ صح التعبير السيد أحمد المستيري .

الثابت أن الظهور القوي للنهضة على المسرح السياسي بما أوحي أنها البديل المحتمل سواء أكان في آخر عهد بورقيبة أم في عهد خليفته وخاصة خلال الانتخابات دفع إلى إحداث فرز داخل نخبة اليسا على أساس الموقف من الصراع بين السلطة والإسلاميين بين الانتهازيين والمبدئيين أعداء الله وأعداء الشيطان بين الذين اعتبروا قضيتهم العظمي كماركسيين مقاومة الإمبريالية وحليفها الصهيوني فرأوا في الإسلاميين حلفاء ضد عدو مشترك :

الإمبريالية الزاحفة كظلام الليل على أمتنا وأولئك الذين اعتبروا قضيتهم الأعظم الإلحاد والعداء للإسلام والتحالف مع الشيطان تحت ستار مخرق من المبررات الكاذبة هي اعجز من أن تواري مطامع تعلن عن نفسها لكل إنسان فرأوا في الإمبريالية والصهيونية الحليف والنصير ولربما يكون قد غلب لدي بعضهم بغضهم للإسلام على كل اعتبار آخر معتبرين الإلحاد جوهر الماركسية وليس التصدي لقوي الاستغلال مهما اختلفت راياتها .

تأثير الانتخابات على الديمقراطيين الاشتراكيين

حتى انتخابات 1989 وربما حتى الآن يعتبر هذا الفصيل الأهم في المعارضة الوطنية العلمانية والرائد كما ذكرنا في التبشير بالتحول الديمقراطي ومعظم عناصره القيادية انشقت عن الحزب الحاكم ثم انشق بعضها عن البعض وقد سلك منذ ولادته نهج المعارضة المعتدلة المبدئية والجادة في مشروعها للتحول الديمقراطي كما كانت معتدلة في نهجها الثقافي من حيث اعترافها بالهوية العربية الإسلامية للبلاد وكما قدمنا فقد قدمت ما تعتبره كافيا من التضحيات والتنازلات من أجل أن تحتل موقعا مناسبا في المسرح السياسي غير أن النتائج جاءت مخيبة لآمالها .

ويبدو أنه بسبب أن كل خيبة لابد لها من ضحايا فقد كان الأمين العام وهو زعيم الحركة ورائد الدعوة الديمقراطية هو الضحية لسياسة ابن على التي استهدفت استبعاد الشخصيات السياسية والاجتماعية الكبرى ذات الشرعية الشعبية حتى يخلو له المجال فينفرد بتشكيل المشهد السياسي على قياسه من خلال اللعب مع المستوي الثاني أو الثالث أو العاشر من فعاليات النخبة لقد جاءت استقالة السيد المستيري من الأمانة العامة لحزبه في جويلية من نفس السنة ثم استقالته من عضوية الحركة جملة تعبيرا لا عن أزمة في النخبة القيادية لحركته إثر الانتخابات التشريعية

بل أيضا عن دخول البلاد في أزمة جراء إجهاض انتخابات أبريل 1989 للأمل في التغيير لقد حمل السيد المستيري من طرف نخبة قيادية مسؤولية فويته على الحركة فرصة دخولها لأول مرة البرلمان عبر الصفقة المضمونة التي اقترحها ابن على المعارضة وأفشلها المستيري كما أن نخبة قيادته ربما قد حملته أيضا تفويت فرصة سابقة على الحركة صائفة 1989 فقد اقترح " الاتجاه الإسلامي " ممثلا في الشيخين مورو والغنوشي على المستيري خلال زيارتها له بضاحية رادس أن يقبل رئاسة تكتل للمعارضة يطرح نفسه بديلا عن سلطة بورقيبة الآئلة لا محالة إلى السقوط

ومبرر ذلك أن استمرار تدهور صحة بورقيبة ونضج عوامل التغيير في غياب البديل الديمقراطي ليس من شأنه إلا أن يسهل مهمة جنرال مغامر في الانقضاض على السلطة فيجهز على الحركة الديمقراطية ومؤسسات المجتمع الأهلي لقد أكد الشيخان أن التغيير قد آن أوانه فإما أن تصنعه نخن فيكون لصالحنا والشعب عامة أو يفرض علينا من طرف حملة السلاح فيكون لا محالة على حسابنا والحقيقة أن الحركة الإسلامية بسبب تأثرها بأدبيات المحنة الإخوانية في مصر

التي تتلخص في أن مصر شهدت في نهاية الأربعينيات وضعا سياسيا مشابها إذ بلغ النظام السياسي حدا بعيدا من الاهتراء ولم يجرؤ على تغييره قادة الحركة الشعبية بسبب قلة وعي أو حسابات شخصية صغيرة منغتهم من التجمع وشغلتهم بالمنازعات الصغيرة في ما بينهم عوض التوجه إلى المرضي الرئيس فانفسح المجال واسعا أمام العسكر للانقضاض على الحكم ملوحين بشتي الوعود المعسول حتى إذا استتب لهم الأمر انقضوا على القوي الشعبية وكان الإخوان أهمها فاعملوا فيها خناجرهم من أجل إشباع نهمهم للإنفراد لقد كان هذا الهاجس حاضرا أبدا وحكم كثيرا من سياساتنا من أجل طرده .

ولكنه للأسف ظل يلاحقنا أو كالصواريخ الموجهة التي لا تنفك عن ملاحظة هدفها حتى تنقض عليه ومقابل ذلك كان إعجابنا كبيرا بالطريقة التي توفقت إليها المعارضة الفليبينية في تلك الأيام في وضع مشابه من التخلص من ديكتاتور وفتح البلاد أما التغيير الديمقراطي وذلك من خلال اجتماع المعارضة الفليبينية حول سيدة لم يكن لها من علاقة بالسياسة غير كونها زوجة لزعيم للمعارضة اغتاله الديكتاتور وبذلك نجت الفليبيين من بديل عسكري ولقد استهوانا في الاتجاه الإسلامي هذا النموذج حتى أننا أرسلنا إلى السيدة أكينو مهنئين

وتحدث الشيخان بكل ذلك لأمين الديمقراطيين مرغبينه في قبول العرض لما قدمنا من أسباب ولما يحظي به قبول دولي ومحلي بينما الإسلاميون ليسوا مهيئين لذلك ولكن لا يعني بحال أنه لا يهمهم نوع الجالس في قرطاج إنهم مهمومون بهذا الأمر وحريصون على أن لا يخلف ديكتاتورا مدنيا دكتاتور عسكري ولذا فهم مستعدون لبذل ما هو ضروري من التضحيات من أجل بديل معقول يحترم الحقوق والحريات في إطار تكتل وطني وهم يعلمون أن نصيبهم من التضحيات في الشارع سيكون أضخم ولكنهم مستعدون للنزول إلى الشارع ودفع الثمن وإذا كان الأستاذ االمستيري يخشي على نفسه من بأس السلطة بعد إعلانه زعيما للمعارضة فيهاجر إلى بلد قريب كالجزائر حيث كان قد شغل سفيرا ولكن الرجل كان حاسما في رفض المشروع مؤسسا رفضه القطعي على أن عوامل التغيير لم تنضج بعدا

وأن الحكم لا يزال قويا وأن المعارضة ضعيفة وهكذا خرجنا يائسين من الرجل بينما كانت هذه الاستشارة جزءا من جسّنا الساحة السياسية ودراسة احتمالات التغيير وذلك ضمن إعدادنا الاستراتيجية للحركة ستكون جزء رئيسيا من مؤتمر كان سينعقد في بداية 1987 وكانت تتصارع خلال الإعداد أطروحتان سياسية تتمحور حول مسلمة " نضج التغيير" ولابد من تشكيل معادلة مدنية معقولة له تساهم فيها الحركة وذلك مقابل استراتيجية دعوية اجتماعية تنطلق من أن الوضع الشعبي ليس مهيأ ولابد من الانتظار وتركيز الجهد على توسيع القاعدة الاجتماعية عبر نشر الدعوة الإسلامية وتأطير المجتمع عبر دعم مؤسساته الاجتماعية .

ورغم أن المكتب السياسي الذي كان يضم الجبالي والغنوشي ومورو واللوز والجوهري رحمه الله قد أعد مشروعا يدافع عن الخيار الأول إلا أنه فشل وانتصر الخيار الأخر الذي يجعل المواجهة مع النظام حلا استثنائيا دفاعيا وكان من أسباب فشل الخيار السياسي عدم توفر مشروع واضح للتغيير بعد رفض المستيري ولم تمض الخطة الدعوية ومحورها المسجد بعيدا حتى اصطدمت بالسلطة

واتخذتها ذريعة لشن هجمة استئصالية للقوة الشعبية الرئيسية المتبقية بعد ضرب الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1986 غير أن هذه المواجهة على شراستها أفضت إلى إنضاج مناخ التغيير ولكن من دون خطة لهذا التغيير فتحرك الشارع بكثافة واستمرت حركته طيلة سبعة أشهر دون توقف حتى سقط بورقيبة في نوفمبر 1987 .

وهذه الظاهرة أى المقاومة الشعبية المتواصلة لمدة سبعة أشهر هي الأول من نوعها في تاريخ البلاد من حيث طول نفس التحرك إذ المعتاد في البلاد أن تكون مثل هذه التحركات قصيرة الأجل سواء أكانت نخبوية تقودها جهة منظمة أم كانت عفوية شعبية ففي الحالين تنقض عليها الدولة وسرعان ما تنهيها بينما كان هذا التحرك طويل النفس بسبب تنامي الشعور بالحاجة للتغيير وبسبب الروح الفدائية الدينية لأولئك الشباب المؤمنين الذين كانوا يقودونه

أولئك الذين كانوا يغتسلون ويودعون أهاليهم قبل الخروج للشارع ورغم أن ذلك التحرك كان باهظ التكاليف إلا أنه لم يكن يحمل مشروعا للتغيير بل كان مجرد حركة احتجاجية على عسف النظام حتى كان الشعار المركزي المبرمج هو الدعوة لإطلاق سراح المساجين السياسيين ( شادين شادين في سراح المساجين – أى مصرون على إطلاق سراح المساجين) وهي بحق مأساة وحتى شعار " لا إله إلا الله بورقيبة عدو الله "

فرغم أنه ليسا شعارا سياسيا فإنه كان عفويا أطلقه بعض الشباب ولم يكن مندرجا ضمن خطة المنظمين الأمر الذي جعل من هذا التحرك النوعي في المحصلة مجرد وقود لتسخين الأجواء ما أفسح المجال أمام الانقلابات ذلك أن الإسلاميين كانت تسيطر عليهم فكرة أن تونس بلد صغير لا ينهض بعبء دولة بله كونها إسلامية وأنهم مرفوضون غربيا فلا فائدة من المغامرة وأن مركز الثقل في المنطقة هو الجزائر وليس تونس وذلك ما دفعهم إلى البحث عن بديل ديمقراطي مقبول رأوه ممثلا في السيد المستيري غير أن هذا الأخير كبكب ولم يقدم فكان البديل كما هو معتاد المؤسسة العسكرية المنظمة وكانت الكارثة .

ولقد أبدي عدد من قياديي الديمقراطيين أسي وغضبا على تفويت زعيمهم الفرصة المعروضة كما اعتبروه قد فوت عليهم مرة أخري فرصة أخري تلك التي عرضها عليهم ابن على في اجتماع هيئة الميثاق فكانت استقالته نتيجة طبيعية لتحميله مسؤولية تضييع الفرص ولا سيما الفرصة الأخيرة ودليل ذلك من جهة تسلسل الأحداث أن المشروع الذي أفشله المستيري توزيع الأنصبة قبل الانتخابات رغم أنه لا يبقي للعملية الانتخابية من وظيفة غير الإخراج لما سطرته مسطرة الرئيس سهو عينه الذي وافق عليه خلفاؤه

وجملة قوي المعارضة المدجنة في انتخابات 1994 التشريعية فلقد جرت انتخابات 1994 وما بعدها في غياب النهضة والمستيري على أساس نظام " الكوتا" الفاضح الذي رفضه المستيري وخرج من السياسة وقبلته النهضة ولم يجد عنها شيئا لقد قبلوا أن توزع عليهم السلطة بضعة مقاعد ( تسعة عشر مقعدا ) كانت معلومة للجميع بينما أعلن الرئيس عن ترفيعها في الانتخابات الموالية القادمة حيث قرر أن يرفع سهم أو منحة المعارضة ثمن صمتها إلى الخمس ( عاملهم كالخماسة أو المرتشين) .

كما قرر أن يسمح لرجلين من أحزاب السافر أن ينافساه في الانتخابات ليقوما بدور التياس الذي يحلل الحرام أو تبييض العملة الوسخة إنه في كل الأحوال منطق رجل الأمن الذي يحرص على الضبط والدقة وعدم ترك الفرص للمفاجآت لقد كان الرجل واضحا صارما حازما مصمما على إدارة البلاد بطريقة فردية بحتة بكومبيوتر وعصا وما تبقي فليس غي ما يقتضيه الإخراج من زينة وتزويق أما معارضوه فهم بين غافل وضعيف وحالم ومنافق انتهازي فأما الغافلون والحالمون فستدركهم الواحد بعد الآخر يقظة تحت وقع السياط وأما الانتهازية فداء لا يخلو منه معسكر فلا يرجي له دواء .

تقويم موقف السيد أحمد المستيري

فهل يكون المستيري الذي بادر بكل جدية وحزم رفض القاعدة الرئيسية التي يتأسس عليها حكم ابن على قاعدة التسلط والانفراد والتحكم المطلق المسبق في الحياة السياسية عبر الغش والتكييف والاحتواء والقمع الاستئصالي وهو ما ينسجم مع التكوين النفسي والخبرة المهنية لرجل التغيير هل يكون بموقفه الحاسم في رفض عرض ابن على قد ارتكب خطأ استراتيجيا أجهض مشروعا متدرجا صوب التحول الديمقراطي ؟ أم أنه كان سباقا بحكم خبرته السياسية إلى إدراك الطبيعة الهيمنية البوليسية الفردية لمشروع ابن على المناقض لكل معاني الديمقراطي واحترام رأي الشعب وقيم الأخلاق ؟

وبالتالي لا مجال لأن يلحقه لوم أو إدانة وحتى غتاب بل هو جدير بكل إكبار وتقدير واستحقاق للوصف الديمقراطي وللأخلاق السياسية وأن الحري بالملامة وحتى الإدانة والتشهير هم من سوّلت لهم أنفسهم طرح مل هذا المشروع السخيف الحقير المستهتر بكل خلق ومعني للديمقراطية المستخف بالشعب وبالمعارضة ثم أولئك الذين قبلوا المشروع ولم يقذفوا به في وجه من عرضه عليهم احتقارا لهم ؟

ورغم أن الإسلاميين بالذات يمكن لمن يريد التماس العذر لهم أن ينبه إلى أنهم لم يكن لهم من هم يفوق مداواة جراحاتهم التي تعطي كل جسمهم وتثبيت شرعيتهم فكيف ينتظر منهم والحالة هذه أن ينتصبوا منذ البداية معارضين لمشاريع سلطة حذرة منهم بينما هم يسعون لتطمينها على أمل الظفر منها بالشرعية كضمان لعدم العودة إلى المواجهة ؟

نعم ذلك ممكن إلا أن التزييف تاليا وعدم الاحتجاج على ذلك بأقوى أدوات السياسية كالخروج إلى الشوارع يعد خطأ كبيرا شنيعا في مجال السياسة ولا سيما السياسة الإسلامية التي تقدس قيمة الصدق وتكاد تسلب الإيمان أصلا عن الغشاشين " من غشنا فليس منا " وقوله صلي الله عليه وسلم " المؤمن لا يكذب " قال ذلك تفسيرا لقوله تعالي ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون) لا سيما وأن هذه الشرعية المتلهف عليها لا تساوي شيئا في نظام ديكتاتوري مصمم على احتواء وتطويع كل شئ من أجل الانفراد بالسلطة وماذا جنت الأحزاب المعترف بها مما يمكن أن تحسد عليه غير اتخاذها مثله وديكورا زائفا وأداة تضليل وتبييض للعملة الزائفة ؟!!

الحقيقة أن السياق التاريخي للأحداث شهد لصفاء وعمق ومبدئية الحس السياسي الديمقراطي للسيد المستيري بما أبداه من حزم وتصميم في رفض الاستمرار بشكل أفدح من ذي قبل في المشاركة في تزييف الحياة السياسية لقد دفع المستيري ثمن ذلك الرفض انسحابه من الحياة السياسية ربما لم يكن وضعه الخاص يسمح له بأكثر من ذلك .

ولقد نقل عنه في تبرير اعتزاله الحياة السياسية تقديره بعد الانتخابات إنه لم يعد هناك مجال للعمل السياسي عن طريق أدوات السياسة المعروفة وأنه ليس مستعدا لغيرها أى لوسائل العنف ( الخنيفري حسب التعبير التونسي المنقول عنه ) ولقد نقلت عبارة أخري مشابهة عن سياسي أخر محنك هو السيد إبراهيم حيدر الذي أعلن في تلك الفترة عن " موت السياسية"

والذين حسبوا من خلفاء المستيري وبقية المعارضة الرسمية وحتى النهضة التي قدمت بعد ذلك تلك الفضيحة بأكثر من سنة مطلبا آخر لاعتمادها حزبا سياسيا كانوا في واقع الأمر إنما يبيعون لقواعدهم وللشعب عامة الأوهام لحساب سلطة القمع ويمنحونها ما تحتاجه من وقت لترتيب أوضاعها حتى تنقض عليهم لافتراسهم أو تدجينهم الواحد بعد الآخر أما المستيري فقد رأي المشهد على حقيقته فرفض مهمة التياس السياسي والمشاركة في منكر التمثيل على الشعب

رغم أن فضه كان بالحد الأدنى أى عدم المشاركة وليس أكثر من ذلك وهو أمر مهم في تلك المرحلة ولك أن تقارن هذا الموقف المبدئي العظيم بالمواقف المصلحية أو بعبارة أوضح الانتهازية التي أدمنتها أكثر المعارضات الرسمية العلمانية وحتى الإسلامية في بغض البلاد العربية حيث رأينا جماعات علمانية وأخري إسلامية قد انهزمت أمام صناديق الاقتراع تندفع لا تلوي على شئ تتنافس على القيام بدور الساتر السياسي للمنقلبين على الديمقراطية واستمرت على ذلك حتى الآن رغم افتضاح اللعبة وما أدري كيف يمكن لقيادة من هذا النوع أن تحفظ وحدتها وتمسك قواعدها فلا تتمزق .

وهكذا فإن تكريم السيد المستيري حق على أنصار الديمقراطية بعد هذه السنوات المريرة التي حكمتها لحظة أولي هي إعطاء الشرعية لابن على يوم انقلابه قبل أن يستبين أمره لمجرد كلمات وبعض أعمال قليلة صدرت عنه قابلة للتراجع ولحظة تورط ثانية هي أشنع وهي قبول مقترح السلطة في تزييف الحياة السياسية المقترح الذي رفضه المستيري ما اضطر السلطة للتورط في الزييف السافر ولكن المعارضة لم يكن احتجاجها بمستوي الجريمة المقترفة بل يبدو ا،ها ندمت على فوات الفرصة وحملت المستيري ذلك وعادت في أول مناسبة لتكرع من السم الزعاف وتقدم لسلطة الغطاء السياسي والفكري للانقضاض علي أقوي طرف في المعارضة وبذلك تمهد السبيل أمام السلطة للانقضاض على الحياة السياسية وعلى المجتمع المدني بكل مكوناته وذلك من قبيل أكلت يوم أكل الثور الأبيض .

تقييم مشاركة الإسلاميين الواسعة

والسؤال الثاني الجدير بالتوقف عنده ودار حوله كلام كثير وخلاصته أنه إذا لم يكن السيد المستيري مذنبا ف يحق الديمقراطية عندما رفض نظام الحصص " الكوتا" الذي اقترحه ابن على مفسدا عليه مشروعه في التستر على تزييف الحياة السياسية المشروع الذي وجد بعد ذلك رواجا عظيما في سوق المعارضة بما تـأدّى بها في النهاية إلى حال الهامشية وفقدان المصداقية إزاء الشعب وحتى السلطة ذاتها إذا كان المستيي حريا بالتكريم فهل تكون النهضة من خلال مشاركتها الواسعة في الانتخابات هي المذنبة في حق الديمقراطية وظالمة لنفسها بما عرضت له نفسها من محن وبما قدمت للسلطة من مبرر لمصادرة الديمقراطية بتعلة حماية مكاسب الحداثة من الخطر الأصولي الزاحف .

إن الأمر يتعلق هنا بمسألة في الأهمية هي مسألة المشروعية وهي جوهر الحياة السياسية هل للدولة مصدر لشرعيتها غير ما تتلقاه من شعبها من تفويض حقيقي عبر عملية اقتراع حقيقية ؟ أم أن لتلك الشرعية مصدرا آخر غي ذلك التفويض الحقيقي ؟

الثابت أنه حيثما يكون هناك حديث عن تزييف للإرادة الشعبية فلا مجال للحديث عن الشرعية وإذا كان الشعب هو المصدر الوحيد للشرعية فكل حديث أيضا عن نوع من الوصاية تمارسه نخبة معينة على الشعب باسم التدرج في تخويله حريته في الاختيار وكأنه مريض أو قاصر أو أحمق لا يحسن الاختيار ليس إلا تنويعات وصيغا مختلفة للديكتاتورية إن " ديمقراطية القطرة قطرة " أو جرعة " ليست سوي التمويه والموت البطئ غصة بعد غصة

أى أنها ضرب من التحايل على الإرادة الشعبية وتسويغ لتزييفها لا سيما أن بلدا واحدا مارس هذا الأسلوب قد أنجز في نهاية المراحل التي تبرمجها النخبة استعادة سلطته وثروته وقراره بينما الأمر واضح في أوروبا الشرقية وفي أمريكا اللاتينية وفي بعض البلاد الإفريقية مثل جنوب إفريقيا ومالاوي وغانا والسنغال حيث استوعبت العملية الديمقراطية كل مكونات المجتمع دون إقصاء لأي طرف مهما صغر بله الطرف الأكبر

كما اعترف للشعب بحق التناوب على السلطة وتم ذلك فعلا إنه يمكن لهوا البحث عن تسويات زائفة يحسبونها كفيلة باستبعاد تكاليف مواجهة المستلطين حتى يسلموا بحق الشعب المطلق في حكم نفسه يمكن لهم أن يتهموا عباسي مدني وبلحاج وإخوانهم بالتطرف والغلو إذ طمحوا إلى السلطة عبر تفويض حقيقي يأخذ فيه كل طرف ما يخوله له الشعب من نصيب فأخافوا بذلك قاد الجيش والنخبة العلمانية وأعطوهم قصة الانقلاب على الديمقراطية ولكن كيف يمكن لهؤلاء أن يفسروا فشل زعامات المعارضة العلمانية نفسها رغم كل التطمينات التي أعطتها للمتسلطين ضمانا لمصالحهم في إقناعهم بالتسليم بحق الشعب أن يختار من يحكمه وفق قوانين اللعبة التي تولوا هم أنفسهم تنظيمها ؟

إنه التسلط مهما اختلفت الأسباب والمسوغات وهو النقيض من كل وجه للديمقراطية إنه في كل التجارب الناجحة للتحول الديمقراطي تم القضاء على أسلوب الوصاية على الشعب وادعاء طرف الحق في الاستقلال بتكييف الحياة السياسية وفرض نظام الكوتة وتقديم زبد وتأخير عمر وإقصاء محمد بل تم القبول بمشاركة كل القوي المكونة للجماع في تقرير مصائر البلاد حتى المعارضة المسلحة

ثم احتواؤها في الديمقراطية بعيدا عن شعارات المزايدة مثل شعا "لا حوار مع الإرهاب " لأن ترجمته في كثير من الأحوال تعني الحكم بالتقاتل الأبدي وهاهي الجزائر تقر بالحوار مع " الإرهاب " مقدمة للمصالحة الوطنية كما حصل في تجارب أمريكا اللاتينية في نيكاراغوا والتشيلي والسلفادور حيث تحولت جماعات مسلحة من الغابات إلى أحزاب سياسية ممثلة في البرلمانات والحكومات وهو عينه ما حدث في جنوب إفريقيا .

أما في تونس فالأمر وإن اختلف في تفصيله فهو يخضع لنفس القانون التسلط على الشعب وإصرار عصبة الحكم على حقها المطلق في تكييف الأوضاع وفق هواهم ومصالحهم ورفض أى شراكة في ذلك ولأن الزمن ديمقراطية فلا بأس من الأخذ بطلاء منها وعندما كانت السلعة الرائجة الاشتراكية لم يترددوا في صبغ الحياة بحمرة مع تنويع في درجة التركيز حسب الحاجة ولو أن الإسلام راج سوقه لما ترددوا في إطلاق بخوره إنه التسلط في كل حال ولا علاج له غير دواء واحد هو المقاومة الشعبية في صف وطني موحد بل كلل ولا ملل يغير موازين القوة لصالح الجماهير ويتم الاعتراف بحقها في الاختيار وتقرير مصيرها .

أما الظن بأن مجاملة الاستبداد ومسايرته وتطمينه إلى حسن نوايانا يمكن أن يمثل سبيلا ناجعا لاختراقه وتحويله من داخله قيد نملة فمحض الوهم وتقدم سيرة رجلين واحد في أقصي المشرق والآخر في أقصي المغرب نموذجا تطبيقيا في أيامنا هذه على خطل هذا الوهم تحويل الدكتاتورية من داخلها اعني سيرة الشيخ محفوظ في الجزائر والأستاذ أنور إبراهيم في ماليلاهما استمد نفس المنهج وقدم خدمات جليلة لنظام فاسد مع اختلاف في الدرجة على أمل إصلاحه والتمكين لهما وكانت النتيجة واحدة لنظام فاسد مع اختلاف في الدرجة

على أمل إصلاحه والتمكين لهما وكانت النتيجة واحدة أقصي الأول متهما في وطنيته معرضا جماعته للتفتت والإسلام ودعاته لسوء السمعة وأقصي الثاني متهما في نقاء سيرته مع أن حظ الثاني يبدو أفضل لأنه تحول إلى ضحية ورمز وطني إن الأساس الذي يغفل عنه هؤلاء الطيبون أن رأسمال السياسة ليس الشطارة والمناورة وإنما ميزان القوة فإذا كان ميزان القوة لصالح خصمك وفشلت أو لم تحاول أصلا ولم تصبر وتصابر لتغييره أو تعديله علي الأقل لصالحك من طريق المقاومة فكل حوار أو مناورة أو تكتيك هو في هذه الحالة ضرب من الخبال ومضيعة وقت.

وطالما تبين أولئك الطيبون هذه الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان وضياع الجهود فأن أركز جهدي على أن أبدو معتدلا ف ينظر منافسي أو أن أنجح في إقناعه بطيبتي وأني لا أريد به شرا بدل أن أركز جهدي على تغيير موازين القوة بما يقنعه أن سيلحقه من وراء عدم التعامل معي والاعتراف بي أذي أكبر هو مجرد أماني وألعاب بهلونية ليست هي بحال العنصر الأساسي المحدد في السياسة ألا وهو ميزان القوة"

فهل تكون " النهضة " إذن مسئولة عن فشل عملية التحول الديمقراطي المزعومة في تونس مسؤولية عباس عن مثيلتها في الجزائر بسبب البرو الشديد والمطالبة بالحق كاملا عوضا عن سياسة التطمين وتصغير الحجم ( تحجيم الذات) كلا بل إنها بذلك الدخول القوي والمشاركة الفاعلة في العملية الانتخابية ساهمت في الكشف السريع عن الطبيعة الفردية البوليسية الدكتاتورية " لرجل التغيير " ومزاعمه الديمقراطية بينما لو أنها سايرت ما رغبت فيه السلطة من تأييد حزب " رجل التغيير " أو أنها اكتفت ببضعة مقاعد كما كانت قد خططت فتشارك في عملية التزييف ما كان ذلك ليغير شيئا من طبيعة مشروع ابن على وإنما ما كان يمكن أن يحصل : هو تطويل زمن الغش قبل أن يفتضح أمره .

إن خطأ " النهضة " لم يكن هناك وإنما في إحسانها الظن ابتداء بجلاد طالما اكتوت وأحرار تونس بناره , وذلك رغم جراحاتها التي كانت تنزف وتحتاج إلى تضميد والتقاط نفس لاسيما وقد أثقلت كاهلها قضايا كبيرة وخطأ المعارضة العلمانية هنا أكبر إذا لم يكن وراء مبايعتها غير قصر النظر أو الطمع أو الكيد رغم ما قد يعتذر لها بخشيتها من الفزاعة الإسلامية التي نفخت في بوقها أجهزة الإعلام الغربي

وهناك من حرك هذا الكابوس بالتذكير بما حصل في السودان من مخالفات خطأ النهضة – والمعارضة أيضا – يتمثل في القبول بالميثاق الوطني مجردا من روح الديمقراطية رغم أنه كان من إنشاء رمز من رموز النخبة الانتهازية يزعم الأستاذية لنفسه في الديمقراطية هو " محمد الشرفي" وبذلك تحققت استمرارية الرئاسة المؤبدة في شكل جديد وتمت مبايعة ملك على تونس .

تمثل خطأ الإسلاميين والمعارضة بعد ذلك في عدم تهيئة قواعدهم لاحتمال تزييف الانتخابات وتعبئتها للاحتجاج بأقوى أساليب الشارع في الاحتجاج بدل الاكتفاء بمجرد اعتراض كلامي على ما سماه البعض تلطفا تجاوزات وتجرا الإسلاميون على ذكر وصفة الفاحش " بالتزييف " دون أن يتجاوز أحد هذا المستوي الضعيف في استنكار جريمة لا تفوقها في السياسة جريمة غير الخيانة العظمي .

خطأ الإسلاميين أيضا أنهم واجهوا في الوقت الخطأ كما سالموا في الوقت الخطأ غير ملقين بالا لحال الشعب ومدي استعداده للمواجهة ودون أى تشاور مع المعارضة بما جعل التغيير المراد حزبيا عماده العضلات العارية بينما كان يسعهم الصبر والانتظار رغم أن خصمهم مصمم في كل الأحوال على تحجيمهم على الأقل ولكنه لو فعل ذلك دون تقديم الذريعة له ..

صحيح أن ذلك لن يرده عن غيه ولكنه في هذه الحالة يخسر قدرته على تجنيد الشاهد أى نخبة المعارضة والشعب والرأي العام الداخلي والخارجي لصالحه إلى حد كبير ولو إلى حين إنه من المهم جدا إذا لم تكن في موقع المنتصر أن نكون في موقع المنتصر أن نكون في موقع المظلوم المعتدي عليه الذي لئن خسر المعركة في الميدان فلا يخسر معها مظلوميته وهو ما كاد يحصل لنا لولا لطف الله وكان خطأ المعارضة العلمانية أو قسم كبير منها مع النهضة هو قبول فضيحة تزييف الإرادة الشعبية سلفا من خلال القبول بفكرة تقاسم المقاعد

وهو ما انفرد المستيري بشرف رفضه خطؤها بعد ذلك أنها انساقت في قطاع عريض منها إلى القبول بنتائج الانتخابات وما انبثق عنها من شرعيات بل تواطأت مع السلطة على إقصاء طرف رئيسي في المعارضة أعني الإسلاميين ما شجعها وجرأها على الزحف الشامل بعد ذلك على كل قوي المجتمع المدني .

وكل ذلك يكشف عن قدر غير قليل من ضعف الوعي السياسي إلى حد السذاجة وضعف المبدئية والأخلاقية إلى حد الانتهازية بما جعل السياسة تبدو وكأنها مجرد ميدان مناورات وليس مجالا محكوما بقوانين صارمة أهمها قانون ميزان القوة ومبادئ العدالة والمصلحة الوطنية العليا وأن المقاومة والصمود وطول النفس والتعويل بعد عون الله على الجماهير وما تختزنه من قوي هائلة أولا وأخيرا بدل التعويل على إقناع الحكام الفاسدين المتسلطين بحسن نوايانا وأننا لا نريد بهم ولا بكراسيهم سوءا أو مزاحمة و( لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن الله أكثر الناس لا يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم في الآخرة غافلون) صدق الله العظيم .

الخلاصة

إن الانتخابات كما جرت وليس كما أريد لها من تكييف قد كشفت مبكرا عن الطبيعة الانفرادية الاستبدادية المتأصلة في دولة الاستقلال كما أرساها بورقيبة والتي زادتها توسيعا وتعميقا شخصية خليفة له لا يملك من رصيد للشرعية وللسياسة غير خبرته الأمنية غن تجاهل هذه الطبيعة والتركيز بعد ذلك على جزئيات هي في أسوأ الأحوال مجرد أخطاء في الأداء كالظهور بكثافة في مسجد أو في جامعة أو نقابة أو شارع أو في انتخابات

واعتبار ذلك سبب المواجهة وليس ذريعتها لدي إرادة مصممة على التسلط والانفراد وإقصاء الشعب بكل فئاته والنيل من حقه في الحكم والاكتفاء بشعارات ومظاهر ديمقراطية زائفة والتعويل على تطمين تلك الإرادة المتسلط بدل التعويل بعد عون الله بقوته على تعديل موازين القوة عبر المقاومة المستمرة والالتحام بقضايا الجماهير وحسن الظن فيها والعمل على تكتيل قوي المقاومة في وجه الديكتاتور على اعتبار ذلك اللغة الوحيدة التي يفقهها .

إن في تجاهل كل ذلك تكمن الجذور العميقة والقوية لقيام الديكتاتوريات واستمرارها ولا سيما في وضع دولي مناسب ذلك هو درس انتخابات 2 أبريل 1989 التي أهدت الشرعية للديكتاتورية الحق أنه بقدر ما كانت السلطة حاسمة مصممة على تكييف المجتمع وإعادة تفصيل مؤسساته وقوانينه وأفكاره وعلاقاته وفق ما يناسب غرضها في فرض سيطرة مطلقة عليه عبر آلية القمع للتدجين أو للإقصاء وللاستئصال بما أول انتخابات إلى مجرد عملية استطلاع امني للتعرف على أحجام الحقيقة لكل القوي لوضع خطة أمنية للتعامل معها فكانت آلات التصوير جاهزة لالتقاط كل شئ عن تلك الانتخابات وضبط قوائم المؤبدين على نحو أخرج الانتخابات من كونها آلية لإعادة توزيع السلطة إلى كونها فخا لاصطياد الخصوم والمعارضين وتمهيد السبيل لمعاقبة الفائزين وسوقهم وأنصارهم بعد حين إلى مراكز الاعتقال ومعسكرات الإبادة وإخضاعهم لشتي صنوف التعذيب وأقسي الأحكام وكان أسعدهم حظا من كان نصيبه الطرد من وظيفته وحرمانه من حقوقه المدنية.

ذلك كان شأن انتخابات 2 أفريل في تونس وانتخابات ديسمبر 1991 في الجزائر والدرس المستخلص من ذك أنه ليس على حركات التغيير أن تعض عن سبيل الانتخابات لعلمها المسبق أنه ليس طريقا للتغيير في ظل سلطوية وإنما تصر عليه أكثر ولكن عليها لا تكيف وضعها وفق إرادة الطاغية وما يحدده لها من سهم أو " كوتا"

فأشرف لها إذن أن تربأ بنفسها من المشاركة في جريمة التزييف إذ الديمقراطية وكل ضروب التكييف والتزييف نقيضان وإنما أن تحشد كل قواها أمام صناديق الاقتراع وأن تعد نفسها أتم الإعداد لأقوي صور الجهاد السلمي ضد جريمة التزييف فإذا فعلها كان الرد سريعا حاسما عبر المقاومة الشعبية ذات النفس الطويل وعبر تكتيل كل القوي الوطنية بعيدا عن كل أغراض حزبية ضيقة بما يجعل تصميم القوي الشعبية على فرض التغير وفرض الحرية عبر المقاومة الشعبية السلمية الجبهوية المستميتة لا يقل عن تصميم الطاغية احتكار السلطة إلى الأبد

والاكتفاء بعمليات تجميل ومناورة لتكييف وتفصيل الخارطة السياسية والاجتماعية على هواه إنه صراع إرادات والجماهير هي الطرف الأقوى فيه إذا تسلحت بثقافة المقاومة والجهاد السلمي ووثق فيها زعماؤها ومضوا معها إلى الجهاد بعيدا عن كل منزع انتهازي أو فتور أو مساومة .

إن إرادة الأمة من إرادة الله وإرادة الله لا تقهر ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) ( إنه لا يفلح الظالمون ) ( وقد خاب من حمل ظلما ) ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) .

إن للحركة سياسية معينة أن تقدر حجم مشاركتها المحتمل ضمن موازين القوة الداخلية والخارجية ولكن من الخطأ القاتل أن تشارك على أى وجه في تزييف الإرادة الشعبية .

ذلك هو درس انتخابات 2 أبريل ( نيسان ) 1989 في تونس .

لندن في 9 محرم 1420 الموافق لـ26 أبريل ( نيسان) 1999

الفصل الخامس

في الذكري العشرين لتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي 1981 -2001

( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ) إبراهيم 24)( وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم) ( البقرة 142)( وقد خاب من حمل ظلما ) ( طه 110 ( فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ) المعارج 5, 6, 7 ) ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) (19 يوسف)

توطئة

بينما أزمة السلطة وقمعها يستفحلان ووطأة سياساتها " التنموية" يشتد خناقها على غالبية الناس والسجون لا تزال تزدحم بأكثر من ألف سجين سياسي هم من خيرة رجال الإسلام وشباب تونس وأبطال الحرية قد أخضعوا منذ أكثر من عشرية سوداء لخطة تدمير نفسي وبدني واجتماعي ومع ذلك لا تزال احتجاجاتهم عبر الإضرابات عن الطعام تتوالي كما هو حالهم اليوم بل البلاد كلها تحولت إلى سجن رهيب ولا سيما على آلاف من المساجين السابقين نهضويين خاصة وغيهم وبينما أصوات الاحتجاج تتصاعد وصفوف المعارضة الجادة تتقارب على خلفية النضال من أجل فرض الحريات بدءا بإصدار عفو تشريعي عام ورفض الدكتاتورية والنهب والفساد ..

وبينما تستشرف البلاد بسبب كل ذلك نهاية مرحلة ضرب المعارضة بعضها ببعض والابتزاز والتخويف والانتهاز والخنوع والتحالف مع الشيطان وبداية مرحلة جديدة من الكفاح المعارض الفاعل ضد الدكتاتورية ينقلها من الهجوم إلى الدفاع – وهو ما بدأ يحصل – ويفرض عليها احترام إرادة الشعب في التحول الديمقراطي ومنه إطلاق المساجين وسائر الحريات ورفض الرئاسة المؤبدة في إطار هذا المشهد العام الذي تمثل انتفاضة الأقصى المباركة ناره الملتهبة ومركز قيادته بعد انهيا مشاريع التسوية المذلة التي هرول فيها نظام 7 نوفمبر...

تمر هذه الأيام الذكري العشرين لتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي 6 جوان ( حريزان ) 1981 وهو حدث هام جدا في تاريخ تونس الحديث بل في مسار الحركة الإسلامية عامة مثل ذاك معطي أساسيا في جملة التطورات التي مرت بالبلاد عجز حجم العنف الهائل الذي بذلته الدولة وحلفاؤها من أجل تهميش هذا المعطي وتجاوز وتنظيم الحياة بمعزل عنه ولكن دون جدوي فلا يزال هذا المعطي " الغائب " رسميا هو الأشد حضورا من كل الحاضرين والمكون الرئيسي من مكونات التطور والحراك السياسي والاجتماعي والهم الرئيسي للسلطة الذي يؤخذ بعين الاعتبار في كل سياسة تتخذها وحتى عندما تعلن – كما علت إثر إطلاقها سراح بعض مساجين هذا الغائب الحاضر – أن هذا الإجراء لا يمثل تغييرا في موقف السلطة من الحركة الأصولية التي أغلق ملفها نهائيا

وإنما هو مجرد عمل إنساني فهي لم تفعل إلا أنها اعترفت بصيغة ملتوية ان الحزب " المنحل " باللغة الجزائرية – موجود وأن المشكل لا يزال هناك برمته هما للسلطة بالليل والنهار ومحورا رئيسيا للجدل داخل كل معارضة حتى ليكاد يشقها ويعيد تصنيف كل القوي على أساس الموقف من مظلمة هذا الغائب الحاضر وموقعه السياسي ويهمنا ونحن نقف على مشارف عقدين من تأسيس المشروع السياسي الحركة الاتجاه الإسلامي ( النهضة حاليا )

أن نرفع أولا تحية إكبار وتقدير وعرفان لأبطالنا في السجون الأسود الرابضون منذ أكثر من عشرية عصيبة وراء القضبان يتحملون في ثبات منقطع النظير وصبر ويقين انعكسات خطة موت بطئ منظم مسلط عليهم وعلى أسرهم الشهمة كما نحيي آلافا ممن غادروا السجن الصغير إلى السجن الكبير من دون أن يشهد وضعهم أى انفراج , بل استمرت معهم خطة الحصار والتجويع والتدمير لهم ولأسرهم .

تحيتنا ودعواتنا إليهم بالليل والنهار موصولة مع تجديد العهد معهم على أنه لن يهدأ لنا بال ولن ندخر جهدا حتى تعود البسمة إليهم وإلى أسرهم الكريمة ومواقعهم في الدعوة وإلى الإسلام والحرية كما نحيي كل الضمائر الوطنية والإنسانية والإسلامية التي وقفت معنا في محنتنا محنة الوطن والحرية والإسلام .

وثانيا نهتبل هذه المناسبة لإلقاء أضواء على سياق التطورات التاريخية التي ولدت فيها حركة الاتجاه الإسلامي في 6 جوان 1981 وجملة من المعطيات التي مهدت لهذه النقلة الهامة بالحركة الإسلامية التونسية من كونها مجرد مشروع دعوي على هامش الصراعات الاجتماعية مكونا رئيسيا من مكوناته سندا قويا لسلطان المجتمع بإزاء تغول الدولة وحاملا أصيلا لأشواق الحرية او عدالة الإسلام وكرامة المواطن وهوية البلاد وامتدادها وارتباطها الأبدي مع بلاد العروبة والإسلام كما يهمنا بهذه المناسبة أن نلقي أضواء على كسب عقدين من الجهاد الناصب لهذا المشروع وآفاق تطوره في سياق تطور البلاد والمنطقة.

مقدمات التأسيس

لقد استمرت مرحلة التمهيد لهذا التحول من المشروع الدعوي المحدود إلى المشروع الحضاري الشامل حوالي احد عشرة سنة بما يجعل المدة التي تفصلنا عن انبعاث بداية الصحوة في سنة 1969 تشارف الثلاثة عقود شهدت خلالها تونس الحبيبة أحداثا جساما انتقل معها المشروع الوطني بزعامة حزب بورقيبة من مرحلة الأمل والشرعية الشعبية إلى مرحلة القلق فالغضب ونفض اليد بما جعل الدولة تتطور في اتجاه الاتجاء المتصاعد على أجهزة القمع الذي تتآكل به شرعيتها حتى أن هذه الأجهزة تضاعفت ما لا يقل عن ست مرات أعدادا وميزانية ف يعهد ابن على وذلك تعويضا للشرعية ومحافظة على مصالح الطبقة الجديدة الصاعدة وقمع أصوات الاحتجاج ومطالب التغيير الشبابية ( في الجامعة منذ نهايات الستينات بقيادة اليسار ) والعمالية النقابية ( منذ النصف الثاني من السبعينات) ليتراكم من كل ذلك الغضب الشعبي ضد الظالم وينفجر في نهاياتها ( جانفي /ك2 – 1978)

فتتلقي الدولة أول أكبر صدمة لكبريائها واجهتها بأشد ما يتوفر عليه جهاز الحداثة البوريقية من أحقاد على المجتمع وإمكانات قمع ( مئات من القتلي ) غير أن ذلك لئن أوهن قوي فإنه قد استدرج إلى ساحة النضال الاجتماعي قوي اخري جديدة على رأسها الحركة الإسلامية التي ظلت حتى ذلك التاريخ مركزة جهدها على العمل الدعوي الهادئ إلا أن جناحها الطلابي النشيط في الجامعة اضطرته دكتاتورية اليسار الهيمنة العنيفة إلى الدفاع عن وجود

فانخرط في أتون معارك فكرية وسياسية واجتماعية متجاوزا اهتمامات الحركة التقليدية مما كان له إسهام معتبر في تهيئة التيار الإسلامي عامة للدخول في طور جديد من التفاعل مع التحديات الاجتماعية السياسية التي تواجه البلاد وما لبث أن عبر عن انحيازه الكامل إلى صفوف المستضعفين والقوي التحررية والديمقراطية في مواجهة المتاجرين بالمشروع الوطني بزعامة بورقيبة وحزبه ودولته ( والكل واحد) .

ولقد كانت مساهمة الثورة الإسلامية في إيران التي كانت تملأ الساحة يومئذ مقدرة في تطوير الفكر السياسي والاجتماعي للتيار الإسلامي التونسي خاصة وتأهيله لاحتواء مفردات الصراع الاجتماعي اليمين واليسار الكادحين البرجوازيين الرجعيين والتقدميين فلقد تلقف الطلبة الإسلاميون من الأدبيات الإيرانية تنويهها بقوة المستضعفين التغييرية وحريها على المستكربين الاستكبار العالمي فتعلموا منها الانحياز إلى الحركة النقابية والاصطناف معها ضد المعسكر المقابل بينما كانت هذه القضايا حكرا على اليسار .

كما كان للفكر الاجتماعي السوداني ولا سيما في التعامل مع المسألة النسائية على أساس التأصيل الإسلامي لفكر المساواة والمشاركة سهم معتبر في إخراج التيار الإسلامي مما كان واقعا فيه من مأزق على هذا الصعيد متأثرا بالأدبيات الإسلامية المحافظة وبردود الأفعال على تيار التغريب والتفسيخ الثقافي الذي قاده بورقيبة فكان للأدبيات السودانية والإيرانية في المسألة النسوية دور في تأهيل التيار الإسلامي التونسي لخوض المعركة مع النفاق البورقيبي وتعريته من تيجان الحداثة الزائفة التي يستر بها وجهه السلطوي الرجعي متحررا من منطق ردود الأفعال ولم يخل الأمر أيضا من بعض تأثر بالبراغماتية المميزة لفكر الترابي بما خفف من ثقل وكثافة النزعات المثالية المجنحة التي وسم بها فكر سيد قطب أطوار النشأة .

كما كان لحركة النقد التي نشأت منذ بداية النصف الثاني من السبعينات واشتدت في نهاياتها تأثير غير قليل في تأهيل التيار الإسلامي للتفاعل الإيجابي مع المتغيرات الواعية التي حدثت داخل البلاد خارجها ذلك من خلال الامتحان الشديد الذي تعرضت له جل مسلمات النشأة الأولي حتى كادت أن تطيح جملة بالكيان وتلغي جوهر المشروع الإصلاحي الإسلامي منذ نشأته في العشرينيات والمتمحور حول رفض فكرة العلمانية واعتبار المشروع السياسي ممثلا في استعادة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الهدف النهائي للصحوة الإسلامية فلقد تطور نقد مجموعة اليسار الإسلامي من التركيز على سبيلات حركة الإخوان وأمثالهم إلى نقد السلفية إلى التأسيس لفكرة إلغاء الشريعة وفكرة الدولة الإسلامية على اعتبار أن الملزم للمسلم هو العقائد والشعائر والأخلاقيات أما نصوص الشريعة المتعلقة بأنظمة الحياة فالملزم منها هو مقاصدها كالعدل والحرية !!

ومع أن هذا الأمر قد حسم في مؤتمر 1984 بنص " الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي " فأغلق هاذ الباب الذي كاد يطيح بالحركة واقتصرت الخسارة على بضعة أنفار إلا أن الوجه الإيجابي لذلك الحوار أو قل الصراع الداخلي هو من الأهمية التي لا يسوغ إغفالها على صعيد تمييز ما هو ثابت من نصوص الشريعة قطعية الورود والدلالة مما تلبس به واستعار قدسيته من اجتهادات وتقاليد متأثرة بأحوال عصر وبيئة معينين يؤخذ منها ويترك حسب الحاجة مقتضيات مقاصد الشريعة في تحقيق المصالح ودرء المفاسد فكان لهذا التمييز بين الإسلام والفكر الإسلامي بين الثابت والمتطور أثر آخر معتبر في تحرير وانعتا قه من ربقة التقليد وتأهيله للتفاعل الإيجابي مع تحديات البيئة والعصر وقضاياه مثل قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية المرأة والمجتمع المدني والعدالة الاجتماعية والصراع الدولي ضد قوي الهيمنة وكذلك قضية التجزئة في أمتنا وما تتطلبه من دعم لكل مسعى وجدوى .

طور جديد

ولقد صبت كل هذه الجداول التطورية رحيقها في ساحة الحركة فأعددت صياغتها صياغة جديدة أهلتها لتفاعل رشيد – ما كانت مرشحة له من دون تلك التفاعلات – مع جملة المتغيرات التي تستشرفها البلاد والمنطقة والعالم فتخلصت من عزلتها النسبية عن حقائق البيئة ومن انكماشها وسلبيتها إزاء الآخر مطالب الجماهير الواسعة وإزاء قيم التحرر والثورة في العالم بخصوصيات وهموم بفعالية جملة هذه المؤثرات في توطين الحركة في بيئتها وعصرها فبدأت تتصل بخصوصيات وهموم هذه البيئة وتراث الحركة الإصلاحية التونسية في القرن الماضي بقيادة الوزير خير الدين ومن حوله من كبار مشايخ الجامع مثل الشيخ سالم بوحاجب وبيرم التونسي الاستعماري الذي تبناه بورقيبة من علماء الجامع والإداريين والعسكريين.

والحقيقة أن ذلك المشروع الذي نحن الامتداد الموضوعي له لم نكن على وعي كامل بكل إبعاده شأن سائر التراث الإسلامي التونسي الطارف منه والتليد ( القديم والجديد) وكأن الإسلام إنما بدأ عمله في البلاد معنا وكأن البلاد لم تتشرف بريداة إصلاحية جعلت منها في القرن الماضي مركز إشعاع نهضوي رائد كان يرشحها – لو لم تنحرف عنه بفعل الاختراق الاستعماري ورجال السلطة المفسدين – للنجاة من الوقوع في براثن المحتل وشق طريق متميز في النهضة عاجله المحتل بالإجهاض ليتسلم من بعده مهمة مواصلة عملية الإجهاض والمسخ والتغريب والقمع خلفاؤه البورقيبيون

فأبلوا عظيم البلاء في استكمال عملية بل جريمة تفكيك المجتمع وتركه حصيدا ( كأن لم يغن بالأمس ) ممزقا بين هويته وعصره بين دولته المتغربة ونسيجه المسلم لقد أهلت جملة العوامل السالفة الحركة الإسلامية لتضع أرجلها على أرض تونس فتأخذ العقول طريقها صوب العرف على هموم البلاد وعلى القوي الداخلية والخارجية المؤثرة فيها دون أن ينال ذلك من استمرار اتجاه القلوب إلى السماء وامتلائها يقينا بعظمة الإسلام وتفوقه على كل مذهب ودين.

وبأث جملة هذه التطورات شهدت فعالية الحركة في محيطها نموا متسارعا فاتسع إشعاعها الفكري والسياسي وامتد إن على الصعيد القطري أو على الساحة الإسلامية العامة كما نمت علاقاتها مع التيارات الديمقراطية الوطنية ومع التيار القومي ومع سائر القوي التحررية والحقوقية بدرجات مختلفة فاتسعت دائرة الاستماع لها والتجنيد في صفوفها ولا سيما في أوساط الشباب والعمال فكان لذلك أثره على صعيد رؤيتها لمنهج التغيير فحسن ظنها في الناس وثقتها ف يعيهم وقدراتهم التغييرية الهائلة والحاسمة وذلك على أنقاض الفكر التقليدي المشبع بتحقير الجماهير من خلال الأوصاف التحقيرية المتوارثة الدهماء والعامة والرعاع والغوغاء والسوقة مع عدم التحرج من وصم الجماهير بالغباء والجبن والنفاق أو التهور واللاعقلانية!

أما على صعيد السلطة التي هزت أحداث جانفي المجيدة شرعيتها بقوة فقد اضطرت من أجل التجديد الشرعية إلى القيام بتنازلات شكلية موهمة بانتقالها من الحكم باسم شرعية التحرير إلى الحكم باسم شرعية الديمقراطية من خلال إعلان بورقيبة في أفريل ( نيسان 1981) عن عدم ممانعته الاعتراف بالتعدد الحزبي فلم تضيع الحركة وقتا طويلا في التردد والتفكير والأخذ والرد فلقد هيأتها التطورات السابقة إلى حسن التفاعل مع المتغيرات الحاصلة

وعلى الضد مما هو متوقع من رد فعلها إزاء ما كانت قد ابتليت به من انكشاف أمني يدفع عادة إلى الإمعان في السرية فقد اتجهت الحركة بتأثير ما تراكم في ثقافتها من عناصر النضج إلى الإعلان عن نفسها حركة سياسة مستعدة للعمل في إطار القانون وفي إطار الرؤية السياسية الإسلامي العالمي بما عبر عنه من حسم في مسائل هامة جدا كمسألة القبول غير المتلعثم بالخيار التعددي الكامل ويرفض العنف أداة لحسم الصراعات الفكرية السياسية وبصندوق الاقتراع مصدرا وحيدا للسلطة وبمشاركة المرأة على قدم المساواة والانحياز إلى صفوف المستضعفين ودعم العمل النقابي ومناصرة حركات التحرر في العالم ومقاومة التمييز العنصري إلخ وهي مسائل لا يزال بعضها أو كثير منها موضع أخذ ورد لدي كثير من الأوساط الإسلامية بعد قرابة عقدين وما قبل منها تم غالبا تحت مطارق الواقع القاهر ولم يستند إلى تأصيل وقاعدة فكرية.

موقف السلطة

ولقد كان يمكن للسلطة التي طالما اعتزت بانتمائها لعالم الحداثة أ، ترحب بهذا التطور النوعي للتيار الإسلامي في اتجاه اللقاء بالحداثة لو أنها فعلا كانت جديرة بذلك الانتساب أما والحال أ، انتماءها لعالم الحداثة موغل في الزيف والضلال فقد أفزعها هذا التطور الذي من خلال جملة هذه التطورات فقد صممت على الشر ومسلك القمع سياسة ثابتة لا هوادة فيها في التعامل مع تيار قد حقق نقلة بعيدة على طريق لقائه وتناغمه مع العصر واستيعاب مكاسبه

واكتشافها في أرض الإسلام ولم تمض على إعلان 6 جوان 1981 أكثر من شهرين حتى أعطي الإذن لطاحونة القمع بدوران رهيب ما كياد يهدأ لوقت قليل حتى يعاود هديره أشد مما مضي ولكن ذلك لئن نال من حسم الحركة نيلا عظيما نحتسبه عند الله وندخره رصيدا عظيما للمستقبل وصحائف خالدات في سجل كفاح شعبنا العظيم ضد الطغيان والظلم والتفسيخ فقد كان نيله من شرعية الدولة أعظم بما لا يكاد يشهد له تاريخ البلاد مثيلا من حيث عزلة الدولة وخوفها من الناس وخوف الناس منها واعتمادها أدوات القمع الغليظ مصدرا للشرعية عبر إسلام البلاد والعباد لسلطة البوليس وللنفوذ الخارجي ولعصابات المافيا والنهب وصدق الله العظيم إذ يقول :

( ولا تهنوا في ابتغاء القوم الظالمين إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما يرجون )( النساء 102 )

حساب الربح والخسارة

فهل يمكن لمن يفقه شيئا في سنن الاجتماع البشري أن يعتبر ذلك نصرا للدولة وهزيمة للحركة ولشعب تونس الأبي الذي قدم ولا يزال يقدم عبر الحركة وعبرا أوسع قطاعات نخبة وجماهيره صورا متميزة من الاحتجاج والتضحيات والصمود والمقاومة ؟

كلا إن ثبات آلاف من خيرة رجال ونساء تونس ف يوجه آلة القمع الرهيبة داخل البلاد وخارجها لا تنحني لهم هامة لغير الذي فطر السماوات والأرض ولا تلين لهم قناة ولا سيما خلال هذه العشرية الأخيرة لهو بحق فضل من الله وتعبير مشرف جدا عن أصالة وقوة هذه الحركة المباركة وهي أثر من أصالة وقوة شعب تونس المسلم وقواه المجاهدة والتحررية على اختلاف توجهاتها .

لقد كان إسهام هذه الحركة رائدا على صعيد إعادة الإسلام إلى القلب من عملية الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي , نصيرا للهوية ولسلطة الشعب وحقوق الإنسان وذلك بعد أكثر من عقدين من التهميش وكذا إعادة الاعتبار لهوية البلاد العربية الإسلامية محورا أساسيا لكفاح المعارضة ومقوما أساسيا من مقومات المشروع الوطني فلا أحد اليوم في البلاد يجرأ على إنكاره بينما لم يكن يلاقي الحديث عن إسلام تونس وعروبتها غالبا قبل ظهور الحركة الإسلامية غير التهميش أو المقاومة والاحتقار

حتى أن الخطاب الطلابي في الجامعة بين مختلف التيارات المتصارعة لم يكن يستخدم غير الفرنسية إلا أنه لم تأت نهاية السبعينيات حتى كانت الضاد لغة الجميع وغدا الانتساب – على نحو أو آخر – إلى الهوة العربية لتونس قاسما مشتركا بين مختلف التيارات الفكرية السياسية كما كان للحركة دور ريادي على صعيد التصدي لتيارات الغزو الفكري وموجات الإلحاد التي مثلت على حد سواء أيديولوجية الدولة وأيديولوجية المعارضة اليسارية

وهي المعارضة الفاعلة النافذة في أوساط نخبة الفكر والسياسة ومؤسسات المجتمع المدني وشهدت بقوة لحجة الإسلام وأعلت رايتها في مستوي الفكر والممارسة وقدمتها متفاعلة مع الفكر المعاصر ومع هموم الناس كما كانت لها ريادة معتبرة على صعيد نقد الحداثة الغربية واستيعاب مكاسبها في الوقت ذاته في إطار الإسلام وأمكن لها بذلك أن تجسر العلاقة بين الإسلام والعصر بين الإسلام النضال من أجل العدالة والحرية والديمقراطية والمجتمع المدني والوحدة العربية ومشاركة المرأة والدفاع عن المستضعفين والحرب ضد الدكتاتورية والاستغلال والهيمنة الدولية والتجزئة وبذلك مثلت مكسبا مهما جدا ليس على الصعيد المحلي وحس ببل أيضا على صعيد الحركة الإسلامية عامة وعلى صعيد علاقات التيارات العلمانية بالتيار الإسلامي وعلى صعيد علاقات الحوار بين الإسلام والغرب .

ولم يكن سهمها في مقاومة السلطة الدكتاتورية الأحادية للزعيم ولحزبه وطبقة المصالح المستفيدة بالقليل بل كان بلاؤها الأعظم بسبب العمق الشعبي لخطابها وحداثته فكان التفاعل معها في معركة زلزلة نظام بورقيبة وفي معاركها الانتخابية ودفاعها عن مصالح الجماهير الشعبية والطلابية والعمالية ليس بالقليل الأمر الذي جعل من استهدافها خطوة لا مناص منها بعد استهداف اتحاد الشغل لترسيخ أقدام الاستبداد والفساد والزج بتونس دون مقاومة في أتون العولمة الاقتصادية والثقافية والتطبيع

وكان في الوقت ذاته استهدافا بل فضحا لدعاوي الديمقراطية التي موه بها بورقيبة وخليفته وكلاهما راهن على ديمقراطية مكيفة أو ديكورية لا أثر لها في تغيير علاقات الحكم غير أن ثقل الحركة ظل دائما في توضد خزعبلات السلطة خلاصته :

لا ديمقراطية بدونها ولقد كشف الواقع المر أن ديمقراطية من دون إسلاميين هي محض الزيف والديكتاتورية وحكم المافيا وتدمير المجتمع المدني والتفسخ والنهب لقد أزيح بورقيبة من أجل تجديد شرعية الدولة من طريق تجريب أدوات في القمع أخبث وأشد فتكا وجربوا ذلك ولكن كانت النتيجة واضحة أن ازدادت شرعية الدولة تهلهلا وأعاد صمود الحركة ومبدئيتها في نضالها من أجل الحرية والإسلام الاعتبار لها طليعة للوسطية الإسلامية والاعتدال وللديمقراطية .

ولم يكن خارجا عن سنن الله في الاجتماع البشري أن تأتي حركة شابة كالنهضة تخوض معركة وجود مع قوي عريقة في القمع وممارسته بصورة منهجية قدرا غير قليل من الخطاء التكتيكية أى هي متعلقة بفن إدارة المعركة بما يقلل من الخسائر وليست هي من قبيل ما يمس بقيم الدين والوطنية ونبل الأهداف والشرف ويسود الصحائف ويورث الأجيال الإسلامية القادمة أزمات وفضائح ترهق الضمائر وتعيق التقدم وتحتاج إلى التماس الأعذار.

إن ملف الحركة الجهادي هو بفضل الله لوحة شرف وصفحة ذهبية في تاريخ تونس النضالي من أجل الإسلام والحرية بما قدمت من أمثولات نضالية ونماذج في الصمود والمبدئية من طرف رجالها ونسائها ستمثل أرصدة عظيمة لمستقبل الجهاد من أجل الإسلام والحرية يبني عليها بما يجعل سيرة هذه الحركة المباركة بفضل الله أنقي من الثلج .

ولا يمنع ذلك وجود أخطاء في الأداء فذلك شأن البشر ولقد تكلفت دورات التقويم التي غدت تقليدا مميزا لهذه الحركة المباركة بمهمة الحفر في تضاريسها وتقصي حيثيات تلك الأخطاء للوقوف على السنن التي حكمت مسارها والبناء عليها بعد الكشف عن الأخطاء لتجنب تكرار الوقوع فيها مجددا .

إن المتأمل في الأهداف والوسائل التي أعلنت عنها حركة الاتجاه الإسلامي صبيحة 6 جوان 1981 لا يملك لا أن يؤخذ بهذه الولادة الكاملة للمشروع الإسلامي الذي اكتمل نضجه في معالمه الرئيسية سواء أكان من جهة الانتماء الكامل لقيم الديمقراطية حسما مع النظام الأحادي ومع كل صورة من صور الإقصاء والاستثناء لخصوم العقيدة من الشيوعيين مثلا فأصحاب الإعلان كانوا حاسمين عندما سئلوا في ندوة الإعلان هل تقبلون بحكم الشيوعيين إذا جاءوا عن طريق الانتخاب ؟

أجابوا : نعم وليس أمامنا إلا إقناع الشعب بالتراجع عن خياره أم أن ذلك من جهة تبني العمل المشترك مع المعارضة ام كان من جهة الدفاع عن مشاركة المرأة على أساس من المساواة أم كان من جهة الدعوة للتصدي لقوي الهيمنة ومؤازرة كفاح الشعوب المناضلة من أجل التحرر في فلسطين وجنوب إفريقيا لقد مثل مشروع الإعلان انبعاثا جديدا للمشروع الإصلاحي المجهض منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر واستيعابا على أرضية الإسلام لمكاسب الحداثة وقد كان ذلك ضربا من الشذوذ في السياق العام للحركة الإسلامية والفكر السياسي السائد الذي شهد خلال العقدين الأخريين خطوات مهمة في اتجاه اللقاء مع العصر والأخذ بما ينكره على جماعة الاتجاه الإسلامي .

ومع الممارسة الإسلامية للتعددية لدي التيار الإسلامي الوسطي حينما يتيسر له لا تستثني أى تيار سياسي إلا أن التنظير الفكري لا يزال في حرج من التيارات العلمانية في نوع من تبادل الإقصاء النظري رغم أن الممارسة التعددية للتيار الإسلامي النهضوي التونسي يكاد يكون وحدة في بسطه لأرضية فكرية إسلامية تعددية لا تقصي صاحب فكرة ما دام ينافح عنها سليما ولذلك لم يكن عجبا إسهام هذا التيار المعتبر في ندوات ومؤسسات الحوار مع القوي العلمانية على الصعيد المحلي والعربي ومع القوي التحررية الغربية .

التاريخ يتجه إلينا فلنسرع الخطي في اتجاهه!

إننا ونحن نتمل في سجل هذه الحركة المباركة وما قدمه عشرات الآلاف من خيرة أبناء وبنات تونس من تضحيات جسام لم يبخل فيها الناس من اجل دينهم وعزة شعبهم وكرامتهم – وكل ذلك دين – ببذل الروح والدم والمال والعيش الهنئ ودفء الأسرة والبيت والعشيرة وهم سواء أكانوا وراء القضبان وتحت سياط الجلادين وسائر ضروب القهر والتنكيل والتجويع أم كانوا في السجن الكبر يتخطفهم العدو ويتفنن في حصارهم وخنقهم أم كانوا قد نجوا بجلودهم في أوسع هجرة سياسة عرفها تاريخ البلاد

فهاموا على وجوههم في عالم مشحون بالعداء للبحث عن ادن ذريعة لوضع القيود في أعناقهم أو على الأقل حرمانهم من لحظة هدوء يستردون أنفاسهم ليستأنفوا مسيرتهم إنهم ف كل أحوالهم التي اختارها الله لهم صابرون مصابرون عاضون على دينهم وعهدهم بالنواجذ لم يفل في عضدهم تهديد ولا وعيد ولا ترغيب صامدون كالأسود في وضع اختلال رهيب لميزان القوي بينهم وبين عدوهم لصالحه .

إننا ونحن نتملي في هذا السجل المشرف ونلقي نظرة على سياق التطور في بلادنا وما حولها نري بجلاء كيف أخذت تنكسر شوكة الباطل وتفتضح سيرته وتتسارع حركة انفضاض حلفاء الأمس من حوله بعيدا عنه ومقاومة له إن مسافة المعارضة التي يقطعها كل معارض للسلطة تقربه بالقدر ذاته من النهضة لا سيما مع تسارع سقوط حاجز الخوف من قلوب الناس لترتفع أصوات احتجاجهم وتتحرك ألسنتهم بالنكتة والعريضة والمقالة الإضراب والمسيرة ويوشك أن يكون لهذه الشرارات ضرام كما عودنا شعب تونس الأبي بمفاجأته المذهلة للطغيان قد لا يراها سجناء الواقعة إن المؤشرات تتعاظم عن تساقط شرعية السلطة ونهايتها وتصاعد مطالب التغيير الجريئة ومن أعظمها انتهاك الشعب ونخبة مقدساتها في ثلاث مستويات :

الأول : عودة النهضة ومساجينها لتداول في أشكال مختلفة أقلها المطالبة بالعفو التشريعي العام .

الثاني : إعلان يشبه الإجماع من طرف قوي النخبة عن رفض التجديد لابن على سنة 2004.

الثالث: التصريح المتضافر بما تمارسه عائلة الحكم من نهب للثروات .

وكانت هذه المستويات الثلاثة الخارقة لهيبة السلطة موضوع إجماع حملة العرائض التي صدرت منذ مارس 2001 وكان من بينها وأجرئها البيان المشترك بين حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وحركة النهضة ولا شك أنه لثورة الاتصال عبر القنوات الفضائية مثل الجزيرة وعب شبكات الانترنيت مثل " الزيتونة و" تونس نوز" و" تونس 2000" و"CHRT" ... الخ

دور مقدر في هتك السجن عن " القولاغ" التونسي أو البوسنة الصامتة وجاء المؤتمر السابع للحركة في سياق هذه المناخات المبشرة بالنهوض التونسي فيما يشبه انتفاضة المجتمع وعودة مد الصحوة إلى المساجد وتقارب صفوف ومطالب المعارضة الجادة ليفرض كل ذلك عزلة شبه كاملة للسلطة تضعها أمام الخيارات الصعبة : التنازل اعترافا بمطالب الشعب أو الوقوع في مهب رياح التغير والانتفاض الجارفة ( إن موعدهم الصبح , أليس الصبح بقريب؟؟)

معادلة جديدة

ولا يخفي علينا ونحن نتملي في سير العالم من حولنا كيف أخذت تنكسر حلقات الحصار على محيطنا الجغرافي تلك الحلقات التي كانت مساهمتها معتبرة في توفير الشروط الضرورية لخنق الشعب تونس وفرض الإرهاب عليه إن ما حصل من تطور في المغرب الأقصى وفي ليبيا وعلى نحو ما في الجزائر وما حصل من اتجاه الغرب نحو سياسة تصالح مع إيران

ومع السودان واندلاع انتفاضة الأقصى المباركة وما أحدثته من رجة في جملة أوضاع المنطقة طوت أو كادت كارثة التسوية والتطبيع وأصابت أنظمة الهرولة ومنها النظام التونسي بخيبة أمل وفشل الرهان فضلا عما تحقق في لبنان من انتصار ساحق للمقاومة وتنامي اتجاه استيعاب الحركة الإسلامية في المنتظم القانوني على أنقاض سياسات الاستئصال التي تولي كبرها النظام التونس بتشجيع صهيوني سافر إضافة إلى تجدد مؤشرات على عودة التوتر لعلاقة الغرب مع روسيا ( في البلقان) ومع الصين ومع أوروبا نفسها

بالإضافة إلى انهيار ما سمي بمشروع التسوية والتطبيع الذي كان فيه نظام تونس من المهرولين المراهنين على نجاحه ما جعل المنطقة على شفا الحرب وفرض وقف التطبيع السافر وأعاد الاعتبار حركات المقاومة ( حماس حزب الله الجهاد) طليعة للأمة كما أعاد الاعتبار لحركة الشارع التي ظن بها الموت بينما هي اليوم تمثل كابوسا للأنظمة مرشحا لقيادة حركة التغيير لا سيما مع تصاعد موجة المعارضة الشعبية على الصعيد العالمي لخيارات العولمة ونهب مؤسسات الرأسمالية لأقوات الشعوب وتدمير اقتصادياتها وتدمير البيئة ذاتها

كل ذلك يؤشر على إرهاصات لمرحلة جديدة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي تختلف عن تلك التي سادت خلال هذه العشرية التي في ظلها تمتع نظام ابن على بفترة سماح وفرص جيدة لقمع شعبه في ظروف مواتية جدا نحن نؤمن إيمانا عميقا أن الله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا وأن العاقبة - مهما بدا الأمر على غير ذلك- للمتقين

وأن الثبات على الحق والصمود في ظل موازين غير متكافئة هو بحد ذاته نصر كبير طالما نوهت به آيات ربنا ( سورة البروج مثلا) وأنه لا يسع المؤمن مع استمرار ميزان القوة لصالح عدوه إلا الثبات والصبر والصمود وبذل مستطاعه فذلك تكليفه في انتظار رحمة الله ونصره كما هو وعده الثابت سبحانه لعباده ( إننا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) غافر 50)

إننا عندما نطلق لأرواحنا أشواقها معتبرين بسنن الله في مداولة الأيام بين الناس وتفاقم فعل الترف والظلم في إنهاك حكم الظالم وتوراد إشارات غضب الضحايا واتساع صفهم إلى جملة من المتغيرات في الإقليم والمنطقة والعالم ليست لصالحه إنه ما نخالنا إلا في الهزيع الأخير من الليل الذي قد يشتد فيه الظلام أكثر قبل أن ينبلج صبح الحرية وتشرق شمس الإسلام على أرض الخضراء وأمة الإسلام والعالم وليس أمامنا إلا أن نستعين بالله ربنا وبالخشوع في الدعاء والصلاة فنصبر ونصابر ونواصل الصمود والعطاء ( واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) النحل 127)

ولا تخفي علينا ونحن نعيش هذه الذكري وحالنا ما تذوقون من البلاء وما تعلمون من سنة الله في الظالمين وأن عين الله ليست عنهم غافلة وأن إمهاله لهم سبحانه إلى أجل لا ريب فيه وهو ما يجعل نفوسنا يزدحم فيها الألم مما يعانيه شعبنا وأسوده وراء القضبان وأبطاله الصامدون في الميدان على اختلاف اتجاهاتهم وشبابه المتحفز للانتفاض ومهاجروه المنتشرون في أكثر من خمسين قطرا ...

إن الآلام تتجاوز مع الإعجاب بصمود هذا الشعب والاعتزاز بالانتماء إليه وبحنكته وتجربته النيرة في مقاومتها الديكتاتورية وتربص الدوائر بها في انتظار لحظة فيضان الموج وهديره ولكن فاجأ شعبنا البطل الطغاة والفاسدين المفاجآت المذهلة ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) وأن وعد الله لعباده ما استقاموا آت لا ريب فيه فلتصبروا ولتحتسبوا أيها الإخوان ولا تندموا عن عمل عملتموه في سبيل الله وألا تستكثروا عن ربكم تضحية وأن توطنوا النفس على مسيرة قد تطول ولكن نصر الله قادم

وقد يكون أسرع من كل ما تخلينا فنحن في زمن تسارعت فيه حركة التاريخ وانداحت المعلومات والأخبار فما عاد ممكنا للفرعون أن يقول لشعبه ( ما أريكم إلا ما أري ) بعد أن أسقطت ثورة الاتصال من انترنيت وفضائيات أسوار الحديد التي طالما احتجز الطغاة وراءها شعوبهم الثابت المستقين أنه لا يفلح الظالمون وأنه قد خاب من حمل ظلما وأن العاقبة للمتقين وإن بدا الأمر إلى حين أن الأم على خلاف ذلك فإنما هو محض الابتلاء ثم تشرق الشمس , شمس الإسلام والحرية أليس الصبح بقريب ؟

نعم غدا تشرق شمس الإسلام والحرية والعدالة فينطلق شعب تونس الأبي المسلم في موجة عارمة في شوق إلى الله مستدركا ما فرط في جنبه معيدا الأمور إلى نصابها فتضج بالفرح المساجد والمصاحف والشوارع وأصوات الحرية ويتعانق في شوق الأحباب وتخنس الشياطين وقد جاء الحق وزهق الباطل ( لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينص من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ) ( الروم 1-5)

فإن كان ذلك كذلك واحتفلنا بالذكري الواحدة والعشرين على أرض الخضراء فهو فضل من الله ومنة وإن تأخر نصر الله أكثر فالمهم أن لا تحل تلك الذكري إلا ونحن صامدون عاضون على ديننا وعلى عهد أخوتنا بالنواجذ كادحون في مرضاة ربنا بنصرة دينه في أنفسنا وأهلنا وفي الأرض ولا سيما في البلد المحصور كلها ملتحمون أكثر مع آلام شعبنا وقضاياه ونخبته المناضلة في جبهة وطنية عريضة لفرض التغيير الديمقراطي مستبشرون بمستقبل الإسلام والحرية متفائلون مستيقنون أن نصر الله ورحمته قريبان من العباد نناجي ربنا مع قائدنا ومعلمنا وشفيعنا عليه الصلاة والسلام " اللهم إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي ".

الثابت في كل الأحوال أن البلاد تستشرف طورا جديدا من كفاحها الدائم ضد الدكتاتورية فلنكن حاضرين !! ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

الفصل السادس :لقد دقت الساعة التغيير في تونس

توطئة

وجهة انظر الشخصية التي تروم هذه المقالة إثباتها أن معادلة الحكم والاستقرار التي قام عليها نظام " 7 نوفمبر " ومنها تدجين النخبة وأحزابها ومؤسسات المجتمع المدني لاستخدامها في مشروع استئصال الإسلاميين باعتبارهم القوة الرئيسية في المعارضة والسيطرة عبر ذلك على المجتمعين السياسي والمدني نهائيا مع ضمان النجاح في رهان التنمية لقطع الطريق أمام كل حركة احتجاج شعبي وخاصة في مناطق الظل واستخدام الشبح الجزائري

وهاجس الرعب الدولي من " الخطر الأصولي" لضمان صمت القوي التحررية في الداخل والخارج إزاء ما تقتضيه خطة الاستئصال من جرائم ولضمان تدفق التمويل الخارجي غزيرا والهدف الدولي الكبير من وراء تمويل هذه الخطة الإجرامية هو إزالة كل عقبة من طريق دمج الدولي الكبير من وراء تمويل هذه الخطة الإجرامية هو إزالة كل عقبة من طريق دمج تونس في السوق الرأسمالي الدولي واستخدامها في استراتيجية الدفاع الغربي في مواجهة ما يسمي " بالخطر الأصولي "..

تزعم هذه الورقة أن تلك الأسس التي حكمت بها البلاد منذ 7 نوفمبر 1987 غير قابلة للتواصل وهي بسبيلها إلى التداعي فاسحة الطريق أمام تشكل معادلة التغيير : وهي نقطة اللقاء بين حركة الشارع تجسيد العلاقة مجددا بين جناحي الحركة الوطنية الإسلاميين والعلمانيين مع اهتزاز تماسك السلطة فإذا انضاف لذلك نضج البديل المدني المقبول محليا وخارجيا

كان التغيير الديمقراطي الحق أى انتقال السلطة إلى الشعب لأول مرة منذ الاستقلال وتداولها عبر انتخابات نزيهة وإلا كان الانتقال شكليا من شخص إلى آخر داخل نفس المعادلة والعصبية والمصالح والارتباطات تزعم هذه الورقة أن معادلة الاستقرار قد أصابها قدر كبي من الاهتراء

وأن عناصر التغيير بأحد معنييه آخذة طريقها إلى التكامل بأوسع من كل التوقعات وهو ما سيجعل التغيير محتما سواء أتم ذلك عبر انفتاح سياسي تقدم عليه السلطة الحالية وهو احتمال وارد ولكنه ضعيف جدا إن لم يكن معدوما أم تم عبر تجدد من داخل الأجهزة كما حصل في نهاية عهد بورقيبة دفاعا عن المصالح الخارجية والداخلية التي تقوم الدولة على خدمتها أم تم من خارجها ف يحال عجز الطرفين السابقين عن المبادرة ونجاح المعارضة في تشكيل معادلة جديدة للحكم تحقق التعايش بين القوي الفاعلة في البلاد بما يشبه المشهد الإندونيسي أو الفليبيني في عهد ماركوس أو المشهد اليوغسلافي .

سياق التطور

لأسباب كثيرة ترسخت في تونس أقدام وتقاليد دولة شديدة المركزية ابتلعت في أحشائها كل ما كان يتوفر عليه المجتمع التقليدي من تعدد وتنوع واستقلال عنها من خلال بنيته القبلية والدينية الطرفية التعليمية والاقتصادية وما ورفه الوقف الذي كان يغطي قرابة ثلث الملكية الزراعية من تميل شعبي لتلك البنية ولقد عملت دولة الاستقلال مأخوذة بالنموذج المركزي للدولة الحديثة ولا سيما اليعقوبية الفرنسية والتجارب الفاشية والشيوعية التي مثلت يومئذ قطب جذب لنخبة الحداثة في العالم الإسلامي كأسرع طريق للتنمية

عملت على تقويض تلك البنية التقليدية بما في ذلك نموذج العائلة الممتدة بغرض السيطرة عبر تفكيك تلك البنية إرساء بديل خليط من الليبرالية الثقافية والاشتراكية الاجتماعية والفاشية السياسية وتراث دولة اليابان المطلقة مع مسوح من الإسلام للتسويق الشعبي وكان من الطبيعي أن يفضي هذا الخليط الغريب عن ثقافة المجتمع وتقاليده وفي غياب أى سلطة رقابية إلى دكتاتورية سياسية تتمحور حول عبادة الزعيم وهيبة الدولة والحزب الواحد وإلى تهميش متزايد لقطاعات شعبية واسعة وإلى اغتراب ثقافي فساد في نخبة الحكم متفاقم حولها مع مرور الزمن نوعا من المافيا وتمزيق للنسيج الاجتماعي واهتزاز متفاقهم للرموز والقيم والمؤسسات الثقافية والخلقية

ونتج عن كل ذلك تغول الدولة وتفاقهم عزلتها عن المجتمع بما جعلها تشبه دولة البيض الهالكة في جنوب إفريقيا أو دولة الاحتلال في علاقتها مع الناس وغربتها عنهم واستعداداتها لقمعهم وهو ما نمي في المجتمع الطلب على العدل والحرية والهوية فكان الجواب ظهور وتنامي تيارات مجتمعية ثلاثة التيار الاشتراكي اليساري والتيار الليبرالي الديمقراطي والتيار العربي الإسلامي وهي التي تمثل اليوم في البلاد العمود الفقري للمعارضة والتي تبلورت منذ نهاية السبعينات وعرفت قدرا من التعاون والتنسيق بموازاة ما عرفته من الصراع .

ولقد جاء سقوط بروقيبة ثمرة من ثمار ذلك التنسيق الذي فرض العزلة على نظامه وقدم للحركة الإسلامية وهي التي قادت الشوط الأخير من الحرب ضد دكتاتوريته الدعم والتأيد غير أنه بسبب أن التنسيق لم يصل إلى حد الاتفاق على بديل مجتمعي وعلى زعامة بديلة فقد حدث فراغ أتاح الفرصة للعامل الخارجي أن يوظف مؤسسة البوليس – وهي الأكثر تنظيما والأقرب يومئذ إلى قلب الدكتاتور المجنون بأوهام الحداثة وتحرير البلاد من التخلف في خطف ثمار أنضجتها نضالات تلك التيارات لصالحها

فقامت من خلال رئيسها وزير الداخلية الجنرال ابن على يجني ثمار نضالات الجميع مكتفية من التغيير بتبني شعاراته كالديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام الهوية العربية الإسلامية مع الحرص على إفراغها من كل محتوي والتصميم على إعادة هيكله الدولة بما يسد كل الثغرات التي فتحها في جدار هيكلها السلطوي كفاح المعارضة بتياراتها الثلاثة خلال ربع قرن فكانت فرصته لتفكيك ما نشأ بينها روابط بل نجح في ضرب بعضها ببعض مستخدما آلية لتخويف مما يسمي " بالخطر الأصولي " مستغلا بعض أخطاء هؤلاء في إدارة المعركة وتوقيتها وأخطاء أطراف من المعارضة انطلت عليها خطة السلطة أو غلب عليها الطمع أو الحقد الأيدلوجي فكادت تجمع على مباركة خطة استئصال طرف في المعارضة حليف الأمس بعد تصوره بعبعا ووحشا ضاريا صائلا على حديقة رافلة بالنعيم!

وكان الظرف الدولي المشحون بالعداء للإسلام ملبيا لحاجة الحكم وهو يواجه أشد أعدائه إلى مزيد من الدعم الرأسمالي في خضوع كامل لشروطه ممثلا بمؤسسة البنك الدول التي يقتضي إنفاذ سياستها القضاء على كل التيارات ذات الامتداد الشعبي وظهر ذلاك سافرا في الهجمة على اتحاد الشغل سنة 86 وكان واضحا لدينا أنه السد الذي إذا انهار سيعم الطوفان المجتمع كلاه فدعونا المعارضة إلى الوقوف صفا احدا في مساندته خلال ندوة صحفية انعقدت ربيع 86 بمقر حركة الديمقراطيين الاشتراكيين لكن للأسف لم يستجب لدعوتنا بحجة " أننا لا يمكن أن نكون ملكين أكثر من الملك " يعنون بذلك قيادة الاتحاد بزعامة الطيب البكبوش التي كانت متخاذلة في مناصرة زعيمها التاريخي السجين الحبيب عاشور ( رحمه الله) .

وهكذا تمكن الحكم بقيادة ابن على الفعلية من تصفية اتحاد الشغل فاتحا الطريق أمام مواجهة استئصالية للحركة الإسلامية مزيلا عقبة أخري كأداة – بعد اتحاد الشغل – من طريق الزحف الرأسمالي الممول الرئيس وصاحب المصلحة الأكبر من خطة ضرب الإسلاميين إلى حد الاستئصال وتجفيف الينابيع ذلك الزحف كان قد بدأ طورا جديدا من الهيمنة الدولية على إثر انتهاء الحرب الباردة والانتصار الأمريكي في حرب الخليج .

وكانت الهجمة الرأسمالية قد وصلت إلى أوجها في تونس في عهد ابن على حيث تم تدجين المؤسسة النقابية وتدمير الكيان التنظيمي للحركة الإسلامية سبيلا ضروريا لوضع اليد على المجتمع المدني والسياسي طريقا ضروريا لشل مقاومة الجسم الاجتماعي وخضوعه الكامل لمبضع الجراح الدولي وإملاء ته الضرورية القاسية المبرمجة .

وهكذا انتهي الأمر لا فقط بإخراج الإسلاميين – ولو إلى حين – من المعادلة السياسية وإنما إلى إخراج ممثلي التيارين اليساري والليبرالي .

ودع عنك أم كلاب الحراسة
كما دعاهم اجتماعي مشهور

غير أنه ما أن قضت السلطة وطرها حتى استبدت بالأمر كله رافضة اقتسام الغنيمة مع أى كان فبدأت تفشو في غالبية أهل المعارضة مشاعر القلق والتذمر التعبير عن التسخط ونقد سياسات السلطة حتى جاء ردها حاسما إذ بأداتهم بالقمع فاجتمع في السجون والمنافي وفي ساحات التهميش ممثلو التيارات الثلاثة وكان درسا قاسيا بعد أن تحولت البلاد إلى سجن كبير خانق وجمهورية للرعب وأرض تحت الاحتلال اشد من الفرنسي ونموذج لتطبيق وصفة أنظمة التمييز العنصري بل أشرس وممر دولي للحشيش وتبييض الأموال وذلك في صمت دولي رهيب .

لقد أطلقت يد البوليس في أموال الناس نهبا وفي أغراضهم وأبدانهم وكرامتهم استباحة وفي مؤسسات المجتمع وقيم الدين والأخلاق احتواء وتدميرا وفتحت أبواب البلاد على مصراعيها أما أبشع صور العولمة نهبا وفسادا واختراقا صهيونيا في العمق للأمن الوطني والقومي العربي وكان ذلك للأسف بمساعدة مقدرة من طرف نحب عاشت أحلام شبابها وهي تقاوم أشكالا من الرأسمالية بسيطة جدا وإذا بها في كهولتها وشيخوختها تتحول خادما مطيعا لأخطبوطها الأشد عتوا .

صحوة

غير أنه منذ النصف الثاني من التسعينيات توقفت أو كادت الهرولة في اتجاه دولة البوليس وصحا من اغتر بوعودها وما بقي في صف الحكم من النخبة غير نهاز أو ساذج وبدأت الرحلة في الاتجاه المعاكس اتجاه المعارضة الجادة انشقاقا عن الدولة ورفعا لصوت الاحتجاج على عسفها ولا سيما بالإسلاميين خاصة وأن هؤلاء – بفضل الله سبحانه – أمكن لهم من خلال :

مسك أنفسهم عن الاستدراج إلى رد عنف الدولة بمثله وثباتهم على نهجهم الديمقراطي وصمودهم آلافا في غياهب السجون والمهاجر وإقدامهم على تقويم صارم لتجربتهم ونشره مسجلين على أنفسهم ارتكاب أخطاء تكتيكية في إدارة المعركة من مثل عدم تشاوره مع شركائهم في المعارضة لما عزموا على إنقاذ خطتهم في " فرض الحريا " عبر ضغوط الشارع أمكن لهم بعد محن تشيب من هولها الولدان من إفراغ اتهام السلطة لهم بالإرهاب من كل محتوي حقيقي ما سهل على المعارضة الوطنية الجادة مد خيوط التواصل مجددا مع قضيتهم دفاعا عن مظلمتهم ومساجينهم باعتبارهم في نظر قطاع من المناضلين الحقوقيين والسياسيين قضية إنسانية

بينما هم في نظر القطاع الأوسع أكث من ذلك إنهم طرف سياسي ومكون رئيسي من مكونات المنتظم السياسي كادت تغدو الحياة السياسية في غيابه مواتا بل إن الجأة وتعذيب الضمير لدي بعض المناضلين العلمانيين النزهاء بلغتا إلى حد عدم التردد في القيام بنقد ذاتي سجل أصحابه على أنفسهم التورط في أخطار استراتيجية إذا استدرجتهم سلطة بوليسية فاسدة متوحشة إلى التحالف معها ضد طرف رئيسي في المعارضة طالما مثل مع اتحاد الشغل سدا في وجه سيل قمع السلطة وكان ذلك ولا شك مسلكا كارثيا على البلاد والعباد فضلا عن تصادمه الصريح مع كل مبادئ الديمقراطية والأخلاق ما طي السلطة الفرصة للإنفراد بالمجتمع وقمع كل رأس يرتفع نهاية .

غير أن صحوة قطاع واسع من النخبة ممن صمت أو تورط قد قدم دعما مهما جدا ليس فحسب للإسلاميين وهم الطرف الرئيسي في المعارضة الذي دارت عليه رحي السلطة في أشرس " حملة قمع عرفها تاريخ البلاد" ولا لفصيل محدود جدا من النخبة لم يتورط منذ البداية مع خطة الاستدراج وتعرض لقدر غير قليل هو الآخر من الاضطهاد مثل مجموعة المرزوقي وابن جعفر وعدد من الشخصيات الأكاديمية بل مثلت تلك الصحوة منطلقا لصحوة مجتمعية وطوا جديدا للمعارضة وإعادة التوازن المختل منذ " 7 نوفمبر" بين الدولة والمجتمع لصالحها ولقد تعززت هذه الصحوة السياسية بقطاعات رئيسية في المعارضة مثل جماعة حزب العمال الشيوعي " وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين" و"اتحاد الطلبة" والتجمع الاشتراكي التقدمي وجمعية المحامين الشبان واتحاد المحامين والنساء الديمقراطيات وأمثالهم.

لقد مثلت هذه الصحوة دعما مهما جدا لهم من ذلك دعما للجسم الرئيسي للمجتمع وقاعه المختنق والمداس والمسحوق تحت قهر البوليس وأخطبوطه المتمدد عبر شبكة الحزب ولجان الأحياء وسائر جهاز الدولة الذي تحول في عهد ابن على إلى مافيا رهيبة وكابوس متربص بالناس يرقب خطاهم ويعد أنفاسهم ويعيث فسادا في أموالهم وكرامتهم وأعراضهم ويشل جسمهم عن ابداء أى مقاومة لمبضع الجراح الرأسمالي العولمي الرهيب

لقد قدمت صحوة النخبة الدعم الذي لا بديل عنه من أجل تحريك ذلك القاع المتلمظ وقواه المختنقة ولا سيما بعد أن تخلي اتحاد الشغل عن دوره التاريخي في الدفاع عن ذلك القاع تخلت عنه النخبة وتم إقصاء الإسلاميين فخرس ذلك القاع وهو النبع الرئيس لمد التغيير لما لم يجد له صوتا يصوغ خطابه ويدافع عنه .

بدأت أصوات الاحتجاج النخبوي في احتشام متخذة عدة أشكال منها العرائض في تحد لسلطة ابن على المطلقة ولقد تمثل أبرز مظهر لهذه الصحوة السياسية في ترشيح المزروقي والهاني في انتخابات 64 ثم جاءت رسالة السيد مواعدة الشهيرة التي أفضت إلى خروج الديمقراطيين الاشتراكيين بزعامة مواعدة والشماري من التحالف مع السلطة وتنامي أصوات معارضين من داخل المؤسسة النقابية ومن داخل لمنتظم القانوني برز التجمع الاشتراكي التقدمي بخطاب ناقد لسياسات السلطة وكانت مجلة " الموقف " أول صوت في البلاد تجرأ على لسان أحد رموزه الباحث المقتدر عبد اللطيف الهرماسي على التشكيك في أهم مسلمة في أيديولوجية سلطة القمع أن الإسلاميين حقيقة واحدة بسيطة بلا نتوء ولا تعقيد هي الإرهاب والظلامية !!

وكل ما عساه يبدو فيها من تنوع ليس إلا من باب الخداع وتنويع الأدوار للإيهام غير أن دراسة عبد اللطيف كشفت بما لا يدع مجالا للشك عن تاريخية الظاهرة الإسلامية وخضوعها شأن كل الظواهر لقانون التطور في علاقة لا تنفصم مع بيئتها بما يفرض تمايزها من موقع إلى آخر كان مفهوما بسبب ذلك أن يعاقب هذا الفصيل بالإقصاء من وليمة البرلمان .

ولقد قدم التيار المتنامي للتمرد النخبوي على الدولة بمختلف تشكيلاته – ما ذكرنا وما لم نذكر – السند لقاع المجتمع المقهور .وبدأ التحرك كالعادة بالحركة الطلابية التي غدا فيها اليسار وجها لوجه بعد إقصاء الطرف الطلابي الإسلامي مع جهاز الأمن وذراعه الأمني في الجامعة الطلبة الدستوريين الذين استأسدوا في غياب الإسلاميين وحماية وذراعه الأمني في الجامعة :

الطلبة الدستوريين الذين في غياب الإسلاميين وحماية البوليس ومع ذلك أمكن لليسار الطلابي رغم انقساماته المؤسفة أن يصمد ويوالي المحاولات الجريئة في الاستبقاء على الحد الأدنى من التراث النضالي التليد المجيد للحركة الطلابية التونسية فيقود سلسلة متوالية من الاحتجاجات توجت في ربيع 99 بإضراب عام دام أسبوعين هو الأول من نوعه منذ تم اجتياح الجامعة

والبلاد من طرف مد 7/11 القمعي بدءا بكسر أهم أجنحة الحركة الطلابية " الاتحاد العام التونسي للطلبة " الذي مثل ظهوره في تاريخ الحركة الطلابية طورا مهما جدا من النضج والرشد قطع مع مراهقة ثورية طالت وكانت نتائجها كارثية إن على مستوي التحصيل الدراسي أو على مستوي إدارة الحوار مع الإدارة مما كان يعتبر خطيئة كبري أو على مستوي التعايش بين مختلف الاتجاهات اليسارية ذاتها بله مع غيرها وذلك بأثر الثقافة العنف الثوري السائد وسط اليسار

والتي استخدمت على أوسع نطاق ضد المخالف حتى من داخل التيار اليساري فضلا عن خارجه لقد تمكنت الحركة الطلابية الإسلامية من تطوير الفكر والممارسة من تطوير الفكر والممارسة في اتجاه الاعتدال والقبول بالآخر والاحتكام لآليات الديمقراطية في حسم الاختلافات ولا سيما بعد أن ترجحت الكفة في الثمانينات لصالحها وبعد أن تحررت هي الأخرى من هذه الثورية المراهقة فرفعت شعارا مهما جدا الحرية في الجامعة وخارجها للجميع

وأدخلتا نفسا ثقافيا على مناخات التوتر السياسي من خلال إقامة الأسابيع الثقافية والدعوية وأخذت على عاتقها مهمة الدفع إلى إعادة بناء الحركة الطلابية التي انقلب عليها الحزب الحاكم في بداية السبعينيات لما اتجهت صوب اليسار وعجز الفكر اليساري بثورياته المتطرفة أن يعيد بناءها فتشرذمت .

بينما الإسلاميون قد طرحوا في مواجهة تحكم اليسار بما سماه " الهياكل النقابية المؤقتة " شعار " إعادة التأسيس " وقبلا مقترح بعض الفصائل اليسارية ف يعقد مؤتمر عام يعيد بناء الحركة الطلابية ويحسم في كل المسائل الخلافية المطروحة إلا أن التيار اليساري السائد رفض أى عمل مشترك من شأنه أن يظهر حقيقة وزنه أنه أقلية وهو لما تتطور في ثقافته قيم الديمقراطية

إلا أنه رغم فشل مشروع الإسلاميين في بعث حركة طلابية موحدة فقد نجحوا في القطع مع مرحلة التشرذم فانتظمت الحركة الطلابية في منظمتين بعد عقد ونصف من الشتات وكان ممكنا لولا تراجع السلطة عما اعترفت به وتصميمها على فرض سيطرتها البوليسية على الجامعة ضمن خطتها الشاملة في السيطرة على المجتمع أن يتم تجاوز هذا الاستقطاب الثنائي في الحركة الطلابية واستعادة وحدتها

وهي الأصل لا سيما إذا ساعدت على ذلك النخبة العاقلة من الطرفين وهو هدف لا يزال ممكنا في المستقبل وهو الرأي الذي كنت عبرت عنه في سجني ببرج الرومي سنة 1982 وأبلغته أبناءنا الطلبة بما يعيد للحركة الطلابية وحدتها باعتبارها إلى جانب النخبة أهم صوت معبر عن قاع المجتمع مع التلاميذ والعمال والقطاعات الهامشية .

فهذه القطاعات هي وحدها التي إذا تحركت مجتمعة مثلت " الجبل التونسي الذي لا يمكن للدولة إلا أن تتراجع أمامه إذ يذكرها بوجود المجتمع بل يفرض عليها التنازل ولو الطرفي له بعد أن يكون قد صنع توازنا جديدا معقولا لا تجد معه الدولة مناصا من قبول التغيير " رجعنا فين كنا" بلغة بورقيبة فيما يتعلق بسعر الخبز جانفي 1984 وذلك يوم تحرك قاع المجتمع صانعا جبلا في يوجهن لولا أن النخبة لم تكن جاهزة لتقدم للتغيير سداه ومشروعه وشعاراته وقيادته بل كانت حذرة منه منتشية بمكاسب صغيرة فضاعت فرصة أخري وأمكن للدولة أن تحتوي بيسر المد الشعبي ومطالب التغيير.

انتخابات 1999

لقد أشرت لطور جديد من المعارضة بما سبقها وصاحبها ولحقها من أحداث تمركزت حول فضح السلطة ورفع قدر من الغطاء الدولي عنها وذلك من خلال ما فتحه تطور وسائل الاتصال ولا سيما عبر الفضائيات من ثغرات في " الغرفة التونسية المظلمة" وفي جدار الصمت الذي احتمي به القمع طويلا .

وكان لقناة " الجزيرة " في المستوي الشعبي وللإعلام الفرنسي ولشبكة الانتنيت في مستوي النخبة الدور الريادي في رفع الغطاء عن قمامة السلطة وتعريف العالم بنضالات النخبة التونسية وإيصال أصدائها للشعب وللعالم .

ولا شك أنه كان " للمجلس الوطني للحريات " مساهمة معتبرة في هذه المرحلة في تعرية السلطة خارجيا وبلورة خطاب سياسي جاد في فضح سياساتها وهو الخطاب الذي ربما يكون كما ذكرنا قد قدم لقاع المجتمع وقطاعاته الشبابية التلمذية خاصة بعض مبررات الانتفاض والخروج إلى الشارع وهوما مثل أعظم حدث خلال العشرية العصيبة المنصمة على اعتبار أن الشارع هو أهم محرك للسياسة فلا تخشي السلطة شيئا بعد هاجس رفع الغطاء الخارجي عنها كما تخشاه وتتهيأ لمواجهته وإذا كان لكل الشعب الجزائري – مثلا – كما ذكر الأستاذ عبد الحميد مهري قد اعتاد عندما تنسد في وجهه كل السبل ويشتد خناق الظلم عليه أن يخرج إلى جبال فإن الثابت أن المكافئ لجبال الجزائر في تونس هو الشارع

الشارع وحده في تونس هو الذي تشيد فيه وبه الجماهير جبلا في وجه السلطة ربما هي عبقرية الجغرافيا كما يدعوها بعض المفكرين ولذلك مثل خروج الشبيبة التلمذية خلال شهر فيفري( شباط) من العام الحالي (2000) في مناطق كثيرة من الجنوب وانتقال التحرك كالعادة بعد فتة وجيزة إلى لعاصمة أجمل مشهد لأصالة شعب تونس النضالية وذكائه وحيويته والرأسمال الرمزي المتبقي في حياة اشتد بؤسها حتى كاد يشيع اليأس من شعب تونس لولا نقاط مضيئة منها صمود المساجين في أحلك الظروف وصحوة متزايدة للنخبة هذه الانتفاضة الشبابية المباركة التي تميزت عن سابقات أضخم منها بما وجدته هذه المرة من دعم نخبوي واسع خلافا لانتفاضة سنة 1984

فكانت الدقات الأولي لساعة الحقيقة في تونس وبداية بطلان السحر والتعبير البليغ عن أن شعب تونس البطل لم يقض نحبه بل لا يزال هنا وهناك تنبض شرايينه بالحياة ولم تفقد عبقريته قدرتها على صناعة الجبال في وجه دولته المتغولة المستظهرة عليه بوضع دولي مختل بالكامل لصالحها.

وبذلك عادت السياسة أى حركة الشارع سبيلا وحيدا لتعديل ميزان القوة بين الدولة والمجتمع وإذا أمكن للسلطة أن تتكتم على بداية ظهور الجبل في " أدغال تونس " التي احتاج اكتشافها أكثر من أسبوعين حتى تمكن صحفي مغامر هو انب بريك ومناضلة حقوقية جريئة هي السيدة سهام بن سدرين من اقتحام تلك الأدغال البوليسية لينقلا إلى العالم قصة الانتفاضة التلميذية المجيدة التي كانت في بعض مواطنها من القوة أنها لم تترك رمزا من رموز الاستبداد إلا أتت عليه فإنها قد باءت بالفشل في إخفاء الجبل لما ظهرت طليعته أشد بروزا في العاصمة حيث أضعف النور قدرة اللصوص على التستر على جرائمهم . دلالة هذه التطورات :

لقد حملت هذه التطورات دلالات بالغة على اتجاه التاريخ بتونس:

  1. ظهور الملك في الداخل والخارج عاريا في صورته الحقيقية نظاما بوليسيا فرديا متوحشا وفاسدا وذلك بعد أن أسقط صمود المساجين ونضال النخبة وضغوط الخارج الإعلامية والسياسية مع انتفاضة الشارع الحلل الزائفة التي طالما خدع بها الناس وذلك ما أفقد خطابه تونس كل مصداقية حتى غدت مضغة في أفواه كل المؤسسات الحقوقية والقوي التحررية في الداخل والخارج وكانت بطاقة التوقيف التي أصدرها القاضي السويسري ضد عبد الله قلال خلال استشفائه بجنيف ولم يفلت منها إلا بالفرار وقناني الدواء مربوطة إلى عنقه كانت كافية إلى جانب عرائض الاحتجاج للقوي الحية في الداخل وتحركاتها الميدانية للتدليل على مدي تدهور سلطة ابن على كما تجلت سافرة وحشية السلطة البوليسية وطبيعتها الأولغارشية وخواء مؤسساتها من كل خلق ودين المصادمة لكل فكر جاد.
  2. عودة الشارع كما تقدم بعد انسحاب طويل حتى ظن به الموت وذلك باعتباره العامل الرئيسي ف ي تحريك السياسة كما قدمنا والمرأة التي تنعكس عليها حالة الناس والمحرار الذي تقاس به علاقتهم بالسلطة وتصورهم لمدي قوتها وضعفها وتماسكها وعلاقتها بالعالم إذ الشارع يختلف عن النخب التي قد تحركها المبادئ أو الحسابات الخاطئة بينما البحر لا تتحرك أمواجه لا تشتد إلا بتوف جملة من العوامل فما دام الناس يدركون – بحسهم العميق وتجاربهم المتراكمة – أن السلطة لا تزال قوية متماسكة فمهما بلغ بطشها بالنخبة لا يتحركون رغم تألمهم لها بل يتركونها لمصيرها فإذا تحركوا فذلك مؤشر لا يخطي على حصول تحولات نوعية في علاقتهم بها وإدراكهم لما دخل عليها من وهن ولما تعانيه من ضغوط خارجية ولبلوغ وطأتها عليهم حدا لا يطاق فتنطلق ألسنتهم ينقدها وتجريحها فالسخرية منها سرا ثم علنا فإذا أحست النخبة بنبض الناس وصاغت آلامهم في خطاب معارض قوي تكون قد فتحت الطريق أمام قطاعاتهم الأكثر إحساسا بالظلم أعني الشباب لتبدأ معيدا التحدي وصناعة الجبل أى الخروج للشارع مقيمين توازنا جديدا مبشرا بالتغيير معيدا الحياة للسياسة مقدما السند للنخبة وهو ما قد بدأ فعلا من خلال انتفاضة التلاميذ في الثلث الأول من سنة 2000 التي وضعت مؤشرات شك عميق حول معجزة التنمية المدعاة والتي يلوح بها سحرة الفرعون كلما ووجهوا بنقد لملف السلطة السياسي والحقوقي .المعتاد في السياق التونسي ن يتسارع نمو تيار الاحتجاج شعبيا وفي مستوي النخبة بتلاقي جناحها العلماني والإسلامي في اتجاه بروز الجبل وارتفاعه حتى يغدو التغيير محتما وهو ليس بعيدا لا سيما مع وجود مؤشرات على تململ اتحاد الشغل وضيق شديد يتراجع مستوي عيش العمال أمام التهاب الأسعار منتظر ألا يطول الوقت أكثر قبل التحاق اتخاذ الشغل بقوي التغيير فتكون شروط التغيير قد أخذت طريقها إلى الاستكمال إذا التغيير هو نقطة اللقاء بن انفصال النخبة عن الدولة وتقارب جناحها في معارضتها لتصنع خطاب التغيير + حركة الشارع + انفصال اتحاد الشغل عن الدولة + رفع غطاء الدعم الخارجي + عزلة عن الوضع العربي + انتفاء الفيتو الأجنبي .
  3. تطور مهم في وسط النخبة فقد تسارع تيار انشقاقها عن السلطة بل تنافسها في الجرأة على نقدها سياسات ورموزا وانتهاك محرماتها حتى طال الأمر رأس الدولة ذاته على ما يحيط به ذاته من قدسية ورعب فلم تقف الجرأة عليه عند حد ارتفاع الأصوات بما يشبه الإجماع داعية لإنهاء مهمته سنة 2004 بل تجاوزت ذلك المطالبة برحيله الآن ( مقال ابن بريك ابن على 13 سنة باسطة) والجدير بالملاحظة في هذا الصدد أنه بقدر ما يكون الخطاب النقدي للسلطة أجرأ بقدر ما تكون شعبية صاحب الخطاب أرفع .كما تنامي الاتجاه لانتهاك محرمات الدولة في مجال لا يقل قدسية عن شخص ابن على أعني به موضوع الإسلاميين دفاعا عنهم ولقاء بهم والحديث عن التعاون معهم بينما ظل هذا أيضا طوال عشر سنوات خطأ آخر أحمر بل خطأ للنار من اقترب منه عرض نفسه لكل أسلحة السلطة ونهش كلاب حراستها ومع ذلك فالاتجاه ثابت بل متسارع صوب الدفاع عن مظلمتهم في شكل المطالبة بالعفو التشريعي الذي غدا مطلبا وطنيا والدعوة للقاء بهم استيقانا بأنه لا ديمقراطية مع الإقصاء ولا تغيير من دون الإسلاميين ولقد بلغ الاجتراء على السلطة وتدي صورتها في الداخل والخارج درجة لم يعرفها العهد البورقيبي حتى في أشد حالات ضعفه ومرضه
  4. اشتداد وطأة الاختيارات الاقتصادية الخاطئة والنهب المنظم للثروة الوطنية لصالح العائلات المرتبطة بابن على ما غدا حديث الخاص والعام وتشكي رؤوس الأموال الوطنية بسبب انعدام الشفافية في عملية الخوصصة مثلا حتى غدت الثورة العامة ملكا خاصا وكلا مستباحا مع المافيا ابن على وحاشيته إن اشتداد وطأة هذه الخيارات الاقتصادية العولمية المتحالفة مع المافيا وتسارع ظهور آثارها السلبية على جمهور الناس بطالة وإفلاسا لقطاع واسع من المؤسسات الكونية الاقتصادية وتفاقم المديونية والرشوة والمحسوبية والاقتصاد الموازي والصفقات المشبوهة ولد مزيدا من النقمة على الدولة وغدي الاستعداد للإحتجاج والانتفاض والهجرة إلى الخارج وخاصة في أوساط الشباب حتى غدت تجارة تهريب الشباب للجزو الإيطالية عب قوارب الموت من أنشط التجارات وهو ما يسفه مرة أخري دعاوي المعجزة الاقتصادية إذ الرهان على تنمية في إطار نظام بوليسي لا يقل وهما في مثل هذه الحالة عن الرهان على ديمقراطية دون إسلاميين .
  5. ظهور بوادر ارتباك السلطة والإيهام بالتراجع وذلك تحت وقع تنامي إحساسها بسقوط جدار برلين من قلوب الناس جدار الخوف بعد أن بلغ سيل ظلم الحاكم الزبي وأنس الناس منه بوادر الوهن واضطراره لتقديم بعض التنازلات تحت وقع الضغوط وكان تعامله مع قضية ابن بريك وأخيه الزغلامي وحديثه المباشر عن حق المواطن في جواز السفر وإن يكن عاريا كالعادة عن كل مصداقية هو بعض مؤشرات هذا التراجع أمام الضغط الفاعل ما دل على خطأ ما يروجه عن نفسه أنه من القوة بحيث لا يتراجع تحت أى ضغوط وجاء ذلك على إثر تحرك الشبيبة مدعومة من عامة الناس ومن النخبة ومن الخارج وبلغت جرأة الناس حد رفع الأمهات أصواتهن بالزغاريد تشجيعا لانتفاضة تلاميذ المدارس وإلى حد غدا معه رمز الدولة المخيف الشرطي موضع السخرية ولا سيما بعد تردد رئيسه وتفكيره ولو إلى حين في التنصل من المسؤولية وإشاعة التخلص من رؤوس كبيرة في جهازه في حال من الاضطراب والخوف من الناس لا يحسد عليها فتساقطت بسرعة إلى حد ما حالة الرهبة منه لا سيما مع تفشي الارتشاء في أوساطه وبلغ من المهانة أن غدا أحيانا معرضا لردود أفعال المواطنين على عجرفته وظلمه اشتد به القلق والاضطراب والخوف من المستقبل وهو يري حجم النهب الذي يقوم به رؤساؤه ويلمس غضب الناس ويسمع ويي كيف أن رئيسه بدا يتملص من مسؤولية براكين الغضب ليحيلها عليه شأن ربان السفينة إذا اتجهت إلى الغرق رمي بأهون مقتنياته عليه ولقد كشفت أحاديث ابن على شبه مجالا المباشرة لأول مرة في تاريخه – وبقطع النظر عن مدي رشاقتها – كشفت للناس بما لا يدع مجالا للشك حقائق مهمة جدا ناطقة بشعور الحاكم بانهيار وضعه وتملصه من المسؤولية مما اجترح ويجترح أعوانه من انتهاكات منهجية للقانون والأخلاق وهو بذلك لم يفعل شيئا غ ير أنه زاد في توهين أجهزته وأذرعه القمعية وتركها ولوقت قصير في العراء وجها لوجه أمام الناس متلبسة بمخالفة القانون ف يحال من الارتباك فأني لها بعد ذلك أن تواصل ما اعتادته من القمع والدروس على القانون والصمود ف يوجه مواطن قد أخذ يخلع عنه رداء الخوف ويجد " التشجيع " من الرئيس على المطالبة بحقوقه باختصار إنه بقطع النظر عما في تلك الأحاديث من هزال خطابي فإن الثابت أنها كشفت عن اضطراب السلطة وهلعها وتحولها من موقع الهجوم على المجتمع إلى موقع الدفاع لرد هجومه المتصاعد صحيح إنه مجرد كلام مزاجي للاستهلاك فارغ من كل محتوي إلا محتوي واحد بداية اضطراب الدولة ومواردها فكرة رفع الغطاء عن أعوانها تملصا وبحثا عن مهرب للنجاة من الغرق .
  6. انفجار ثورة الاتصال التي جعلت الستار الحديدي الضروري لكل ديكتاتورية بلا معني كما أكد ذلك فرعون لقومه أنه لاحق لهم أن يروا إلا ما يأذن لهم به ( ما أريكم إلا ما أري وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) إن انفجار ثورة الاتصال كسر احتكار الديكتاتور لأذان الناس بعد أن انفتحت على مختلف الأصوات وما من شك في أن دور الفضائيات ولا سيما " الجزيرة " بالنسبة لعموم الناس وخاصتهم ودور الانترنيت في أوساط المتعلمين ذو فعالية بالغة في تسريع حركة التغيير وفك قبضة الطاغية عن رقاب الناس حتى أنه يمكن التأريخ لمراحل تطور الأحداث في البلاد ببعض برامج قناة الجزيرة
  7. ظهور بوادر قلق كثيرة من الأوساط الحكومية في مؤسسات تنفيذية وقضائية وأمنية وإعلامية وحزبية أمام تدهور الأوضاع وارتفاع وتيرة الغضب والضغوط من الداخل والخارج مقابل ذلك تضييق دائرة القراء أكثر فأكثر وانفراد ابن على وحاشيته الخاصة بالتقرير في الكبير من الشؤون والحقير على حد سواء ما جعل من الوزراء مثلا ناهيك عن مجلس باردو لا يختلفون كثيرا من جهة المساهمة في تقرير سياسات الدولة بما فيها سياسات وزارتهم عن حجابهم وكثيرا ما تلقوا التعليمات من عناصر مافياويى لا تحمل أى صفة رسمية . ولقد شهد الصحفي ابن مسألة ابن بيك مثلا كانت تدار من القصر مباشرة ناهيك عن مسائل تافهة من مثل توزيع العلف على الفلاحين وبناء بيت لعجوز في قرية نائية أو شق طريفي . أو التقرير في شأن الملف الاجتماعي الصحي لزوجة معارض بدل صندوق الضمان الاجتماعي .
  8. تزايد عزلة السلطة وحلفائها داخليا وخارجيا :
أ- داخليا : من خلال تسارع حركة المعارضة النخبوية عنها وتصاعد تبرم الناس من أعوانها ووطأة سياستها وتفاقم نهب الأرزاق وخنق كل صوت معارض والتعويل أكثر فأكثر على أجهزة الأمن والمافيا في التعامل مع كل اللفات ما نقل التبرم إلى حالة غليان وجرأة على النقد والسخط بل حد الخروج إلى الشارع كما تقدم مما هو منذر ومبشر بقرب خروج البحر .
ب- خارجيا : في المستوي الإعلامي اشتد الشجب لسياساتها وتجاوز حدود المنظمات الحقوقية بما فيها التابعة للأمم المتحدة ليمتد إلى المستوي الإعلامي في شكل حملة تشهير واسعة لسياساتها المتعلقة بمسألة حقوق الإنسان والحريات على الصعيد الأوروبي – ولا سيما في فرنسا وذلك بعد دخول السلطة فيما يشبه معركة كسر عظم مع إعلام هذا البلد النافذ وعلى الصعيد العربي ولا سيما الصحافة الجزائرية وقناة الجزيرة وهي أعظم جهاز إعلامي عربي اليوم ما شكل ضغطا على صناع السياسة الغربيين واضطرهم إلى التعبير عن تبرمهم من مستوي انغلاق شريكهم وتصادمه مع كل معيار لنظام حديث ومطالبتهم إياه رسميا بالانفتاح لا سيما وقد ارتفع شبح ما يسمونه " الخطر الأصولي " الذي أخرس أصواتهم والعدد الجم من النخبة عن الهمس بأخف كلمة احتجاج خلال إعمال المبضع في الجسد الإسلامي إلى أن امتدت الضربات الموجعة لتصل إلى الديمقراطيين ولا يبعد اليوم إن لم يكن قد حل فعلا الذي يغدو فيه ابن على عبئا ثقيلا على نفس المصالح والجهات التي أتت بعد استيقانها من تحجره وعجزه عن الاستجابة للحد الأدنى المطلوب من نظام حديث شريك لأوروبا كفيل بتحقيق الاستقرار ..ولقد زاد عن عزلة السلطة في المستوي الديني وأفشل سياساتها في تجفيف ينابيع الإسلام وثقافته ما تقوم به الفضائيات العربية من توعية دينية من خلال عدد من رموزها المشهورين مثل الشيخ القرضاوي الذي ما فتئ ينبه إلى ظاهرة التطرف العلماني في تونس بما لا نظير له في أى بلد آخ في عالم اليوم . وكما مثل كتاب :" صديقنا الجنرال ابن على " للصحفيين الفرنسيين تيركوا ونيكولابو ضربة موجعة جدا لصورة السلطة الخارجية في المستوي السياسي والحقوقي فقد مثل كتاب الشيخ محمد الهادي الزمزمي :" تونس الإسلام الجريح" وأحدث كتاب للشيخ العلامة القرضاوي " التطرف العلماني في مواجهة الإسلام " نموذج تونس وتركيا " خطوة متقدمة في فضح التطرف اللائكي للسلطة في علاقتها العدائية بدين البلاد وتراثها مما كانت له مساهمة معتبرة في عزلها في المستوي الإسلامي وتفجير موجة متعاظمة من التدين في كل المستويات وبالخص في مستوي الشباب كأثر لتلك التوعية التي مثلت استجابة مناسبة لطلب متعطش على الهوية وعلى المعني والقيمة بما يحفظ الحد الضروري مما يحتاجه مجتمع مسلم .
9- تفاقم شذوذ صورة السلطة ولقد زاد من العزلة النسبية للسلطة وتفاقم وضعها الاجتماعي وشذوذ صوتها السياسية التطورات الحاصلة على الصعيد الإقليمي والعربي والإفريقي:
أ- على الصعيد المغاربي ظلت تونس طيلة عشرية التسعينيات العصيبة ينظر إليها على أنها واحة استقرار وازدهار في محيط من الزلازل فأفادت من ذلك أيما استفادة أكان من جهة تهاطل الدعم الخارجي عليها لمنع انتقال " العدوي " إلها وحتى تبقي دعامة رئيسية للأمن الأوروبي في المنطقة أم كان من جهة تحولها رئة وحيدة تتنفس بها ليبيا ومركز التبضع الرئيسي للجارين أما وقد ارتفع الحصار عن الليبيين فقد انقطع هذا المورد الهام جدا دفعة واحدة محدثا ضررا فادحا باقتصاد الدولة وبموارد الناس وبالخصوص في منطقة الجنوب بكاملها وكان لانتفاض شبيبته العارمة شهر فيفري ( شباط) عام 2000 علاقة بحالة الاختناق التي آلت إليها المنطقة بعد انقطاع مورد الغذاء الظرفي وحالة الجفاف ولا سيما والليبيون لم يكتموا غضبهم على الطريقة غير الكريمة التي عوملوا بها في محنتهم والتي بلغت حد الإهانة والإذلال طيلة سنوات حصارهم ولذلك سارعا إلى فرض التأشيرة على آلاف التونسيين الغادين والرائحين على ليبيا كل يوم بحثا عن مورد رئيسي لعشرات الآلاف من العائلات ورغم أن التأشيرة رفعت إلا أن الغضب والرغبة في الثأر لم تر ترتفعا وكان أثرهما واضحا على تضييق حجم التبادل ومنع شركة تونس الجوي بالذات لعدة أشهر من الرسوب في المطاردين الرئيسيين طرابلس وبنغازي والأمر يختلف كثيرا فيما يخص الجزائر فمن جهة انتقل هذا البلد الكبير المؤثر في وضع تونس من سياسة الاستئصال إلى سياسية الوئام الوطني حتى مع إسلامييه المسلحين ما أفقد الاستئصاليين التونسيين سندا قويا جدا ومن جهة أخري فإن نفوس الجزائريين في مناطق الحدود خاصة تفيض وغطرسة الأمن التونسي شأن اللئيم عندما يشعر بالانتصار ويأنس من الكبير ضعفا فيستأسد ولا يقرأ لتبدل الأيام حسابا .ولم يكتم الرئيس بوتفليقة وهو يتلقي مر الشكاوي كلما زار الولايات الشرقية المحاذية لتونس غضبة على السلطة التونسية حتى بلغ حد التهديد وهكذا استبداد لا تعرف شروره حدودا فها هو يفتح جروحا مع علاقة بلادنا مع جيرانها بينما الحكم لا يزال يتحدث بفجاجة عن وحدة المغرب العربي بنفس الصف الصفاقة التي يتحدث بها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان حرية المرأة.لقد تأصل في ثقافة التونسيين أنهم الأكثر تثقفا في المنطقة والأحق تبعا لذلك بنظام أفضل وكان واقع الحال خلال سنوات مديدة مقنعا للتونسي حتى إذا انطلقت مسيرة الديمقراطية في الجزائر أواخر الثمانينات صاروخية ضاق النظام التونسي ذرعا وارتفع سقف مطالب المعارضة وتجاوز الإسلاميون بحماسهم الحدود لم يستعد نظام تونس توازنه ويتنفس الصعداء إلا بانهيار التجربة فاقتنع التونسي على مضض بأن حاله على تعاسته أقل سوء من جيرانه إلا أن هواجس السلطة عاودتها وهي تري الجزائر تتعافي وتعرف إعلاما حرا وانتخابات إلى حد ما تنافسيه ورئيسا مقنعا ناهيك عن الخطوة الهامة التي قطعها المغرب في اتجاه الديمقراطي تسويته للملفات الحقوقية واستيعابه لكل مكونات مجتمعه بما في ذلك الإسلاميين في ظل نظام التناوب كل ذلك ليس من شأنه إلا أن يرفع منسوب التوتر والاغتراب لدي الحكم في تونس كما يرفع منسوب القلق لدي الناس وسقف مطالبهم وأساليب احتجاجهم وهم يرون العالم من حولهم يتقدم وهم يتراجعون .
ب- على الصعيد العربي ظلت مسألة ما سمي بالتسوية المحور الأساسي للسياسة وتوزع العرب بين متحفظين حذرين من التسوية مع العدو الإسرائيلي وبين مهرولين وكان الحكم في بلادنا للأسف في طليعة الزمرة الآنية تحت ضغط الأمريكان وضغط النفوذ الصهيوني المتصاعد في البلاد بسبب حاجة السلطة إلى هذا النفوذ اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وكان الظن أن مسار التسوية ماض قدما بلا رجعة فقفز نظام ابن على إلى مقدمة الركب يقدم لنفسه ظنا منه أن قطار التسوية أقلع ولن يتوقف فليكن فيه رأسا فتبادل التمثيل مع الكيان الصهيوني فلما تباطأ وتعثر مسار التطبيع حتى توقف وجدت السلطة نفسها في حرج شديد لا سيما بعد أن توترت الأجواء واشتدت عجرفة يهود وقرر العرب تجميد حركة التطبيع فارتبكت السلطة ولجأت إلى الكذب والمناورة بالإعلان حينا عن سحب بعثتها من إسرائيل لكن اليهود يسارعون إلى التكذيب مؤكدين استمرار مكتبهم بتونس وما إن تبدو بوادر عودة مسار التفاوض مع لفلسطينيين حتى تعلن السلطة عن استئناف التمثيل بزعم مساعدتها للفلسطينيين مع ما يحدثه ذلك من شرخ في التضامن العربي وخذلان للسوريين والفلسطينيين واللبنانيين لمصر بالذات التي تشعر أنها مستهدفة بالحصار والعزل من وراء خطة التطبيع الإسرائيلية الرامية إلى تمزيق الصف العربي وتزعم إسرائيل للمنطقة بديلا عن مصر وعن الدول العربية المحورية في المنطقة سوريا السعودية والجزائر باختصار إن رهان السلطة على خيار التطبيع والهرولة جعل علاقتها مع أهم الدول العربية في حالة توتر مكتوم لا تغطيه غير ضرورات المجاملة الدبلوماسية.
ج- أما على الصعيد الإفريقي فإن تطور الحزام الإفريقي المغربي في اتجاه الديمقراطية من خلال تنظيم انتخابات تعددية على قدر معقول من النزاهة حققت على نحو ما جوهر الديمقراطية التداول السلمي للسلطة ولعل أقرب بلد إفريقي فرانكفوني لتونس لها به صلات خاصة هو السنغال لقد حقق هذا البلد رغم تخلف مستويات التعليم والدخل عن تونس تنمية سياسية مهمة جدا إذا انتقلت السلطة فيه بشكل سلمي من زعيم إلى آخر ومن حزب حاكم إلى حزب معارض وحصل ذلك في بلدان إفريقية أشد فقرا مثل مالي والنيجر وغامبيا وتنزانيا والمالوين فضلا عن جنوب إفريقيا ونيجيريا بما يسفه مقولة الارتباط الحتمي بين الديمقراطية والازدهار الاقتصادي إلا من جهة أن غياب الديمقراطية منذر بانهيار اقتصادي ولو بعد حين بسبب غياب الشفافية والمحاسبة وفشو الفساد في الأنظمة الدكتاتورية إن الفقير يمكن أن يكون نشطا ونزيها وبالمحصلة ديمقراطيا ومرشحا للثراء بينما الغني المستبد هو بالضرورة فاسد مرتش بما يجعل غناه مهددا .
10- فشل أهم ركن في أيدلوجية السلطة والمتمثل في استئصال الإسلاميين وعزلهم نهائيا تجريمهم وإبادتهم نهائيا من خلال تحويل الدولة كلها أداة قمع شاملة لهم أمنيا وقضائيا وثقافيا وديبلوسيا واقتصاديا والتعاون في المستوي الخارجي مع كل الأجهزة الأمنية والدبلوماسية لمطاردة العناصر الإسلامية وملاحقتها عبر الانتربول بالجرائم المفتعلة والتحريض في كل مكان على الإسلاميين لربطهم بالإرهاب وإخراجهم في صورة واحدة مبسطة هي " الظلامية " و" الإرهاب " و" طاعون العصر" الذي يجب أن تشن عليه الحرب المقدسة ومع ذلك فقد صمد بفضل الله آلاف من خيرة شباب تونس ورجالها ونسائها في مواجهة سلطة متوحشة تجد دعما هائلا من قبل قوي دولية مهيمنة حاقدة على الإسلام وأهله في ظروف مناسبة لها جدا وصمدت أسرهم تحت القصف الرهيب كذا صمد خطابهم الإسلامي الديمقراطي الأصيل وكانت عشرية عصيبة لم يكد يعرف لها تاريخ تونس مثيلا وهاهي رياح التاريخ تهب في الاتجاه المعاكس صوب عزلة السلطة من خلال فشل خيار الاستئصال الذي لم تدخر وسعا خلال عشرية بكاملها في تسويقه للعالم وللدول العربية والإسلامية على أنه الخيار الوحيد الممكن واليسير في التعامل مع الإسلاميين وكان سعيها المحموم يعيد للذاكرة قصة بطرس الناسك صاحب الحمار الذي عرف زمن الحروب الصليبية بسيرة في كل أرجاء أوروبا متنقلا على ظهر حماره محرضا على حرب المسلمين أما بطرس التونسي ( ابن يحي ) وزملاؤه فقد كانوا يعبرون القارات أسرع من الزوابع الغربان وظلام الليل نافخين في طبول الحرب ضد الإسلام والإسلاميين غير أن اتجاه الريح قد تغير بعد أن اكتوت الجزائر بار الاستئصال وجنحت معظم الأطراف إلى السلم الوئام اتجهت إيران إلى الاعتدال في تفوق ديمقراطي على كل محيطها وأثبت إسلاميو تركيا فساد ما روجه الاستئصاليون عن استعمال الإسلاميين للديمقراطية لمجرد أغراض الوصول للسلطة ثم يتركونها ظهريا فلقد حكموا ديمقراطيا ثم تركوا السلطة تحت ضغط العسكر العلماني دون أن يتنادوا إلى السلاح .

وفعل قريبا من ذلك إخوانهم في الأردن واليمن ولبنان وغيرهم بما شهد على تطور وتنوع وتعدد واختلاف الظاهرة الإسلامية من قطر إلى آخر بل في نفس القطر وذلك حسب نوعية التعامل معها ونوعية الاجتهاد الإسلامي الذي تأثرت به غير أن الوسطية والاعتدال هما السمت العام في مجري التيار الإسلامي وليس التشدد والعنف .

ويمثل حدث دخول الإخوان المسلمين البرلمان المصري قادة لحركة المعارضة وطرفا أساسيا في المجتمع المدني بداية لمسار جديد – إن شاء الله – لا في علاقة أقوي دولة في المنطقة بأقوى وأعرق حركة إسلامية فحسب وإنما في علاقة التيار الإسلامي بغيره من التيارات وبالحكومات الوطنية وذلك بسبب المكانة القيادية لمصر في المنطقة

ولقد برهن الإخوان مرة أخري على مستوي عال من الحكمة السياسية والغيرة الوطنية والحرص على استقرار البلد وتضامن قواه أشد من حرصهم على الانفراد بالنفوذ والاستحواذ وهو ما تحتاجه مرحلة التحول التي تمر بها أوطاننا : التعاون التضامن والتشارك بدل التغالب والصراع المفتوح .

أما حزب الله فقد ضرب مثلا رائعا إن في مستوي التعامل مع الاحتلال فمرغ في الرغام أنف الجيش الذي لا يقهر سواء أكان على مستوي فدائيته العالية تقنياته الراقية التي دوخت جنرالات الجيش الذي لا يقهر أما كان في مستوي مارسته الوطنية الديمقراطية الراقية مع شعبه ودولته

وهو مثال آخ ينضاف إلى أمثلة عديدة منها حركة حماس في فدائيتها العالية ورفضها المطلق الاستدراج إلى حمأة الفتنة والتقاتل الداخلي مهما سلطت عليها من مظالم ذوي القربي وليس من شأن كل ذلك إلا أن يسقط عاجلا أو آجلا ما يروجه الاستئصاليون عن نمطية الحركة الإسلامية وإرهابيتها وأوهام فشلها وسقوطها بينما كل الشواهد دالة على أن الإسلام الأكثر جاذبية والأسرع نموا وانتشارا بين كل المعتقدات والمذاهب التي تشكو جميعا حالة شيخوخة وترهل .

وهكذا بدأ الغيم حول الحركة الإسلامية الذي تلبد في أعقاب حرب الخليج واستفاد الاستئصاليون في تونس والجزائر من استخدامه لفرض هيمنتهم على المجتمع كله بدأ ينقشع ومقابل ذلك بدأت مظلمة حركة النهضة يزداد الاقتناع بها داخليا وخارجيا بعد أن تبين الرشد من الغي وفشل الرهان على ديمقراطية السلطة وإقصاء الإسلاميين ومؤشرات هذه الصحوة واضحة من مثل اتساع المطالبة بالعفو التشريعي العام كما تقدم والدعوة إلى الاعتراف بكل الاتجاهات السياسية دون استثناء والطعن في قانونية الأحكام التي أصدرتها محاكم استثئانية ضد الإسلاميين فضلا عن الشجب المتزايد لملف السلطة الحقوقي داخليا وخارجيا ومعظم ضحاياه إسلاميون

كما يبدو هذا المسار في أشكاله العليا باديا في اللقاءات المتكررة بين الحركة الإسلامية ورموز المعارضة الوطنية العلمانية وكان نموذجها البيان المشترك الذي صدر بإمضاء حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والنهضة ومثل وثيقة مهمة جدا إن في مستوي الدلالة السياسية على خطوة متقدمة على ريق وحدة مضامين النضال الوطني وإنهاء مرحلة تشرذم المعارضة وضرب بعضها ببعض للسيطرة نهاية على الجميع واغتيال السياسة بما يعنيه ذلك أيضا من توفير مقوم أساسي من مقومات التغيير ألا وهو ردم الهوة بين جناحي الحركة الوطنية العلماني والإسلامي

ووضع اللبنات الضرورية لجبهة وطنية تقود التغيير وتقدم البديل وتعيد التوازن المختل بين الدولة والمجتمع وتضع حدا نهائيا لسياسات الإقصاء والاستئصال ولا شك أن البلاد أحرج ما تكون لهذه الخطوة غم الثمن الباهظ الذي يمكن أن يدفعه الطرفان ولكنها خطوة في اتجاه التاريخ كما ذكر الصديق الأستاذ محمد مواعدة بما يجعل أى تضحية مجزية المردود .

ولا يبعد وقد فشلت خطة إقصاء النهضة وضرب المعارضة بعضها ببعض أن تلجأ السلطة إلى البحث عن بدائل مزيفة عن النهضة تهربا من الحقيقة التي لا يمكن الاستمرار في إنكارها إلا بالاستمرار في رفض السياسة والرهان على القمع والإقصاء مما غدا باهظ التكاليف وغير قابل للاستمرار بعد أن أخذت عناصر التغيير تتجمع .

وللتذكير فإن الموقف من ظلمة النهضة مثل محورا أساسيا لتصنيف المعارضة بين معارضة مدجنة أيدت خطة الاستئصال للإسلاميين ومثلت يومها غالبي النخبة في المعارضة والمجتمع المدني وبين معارضة وفية لما تدعو إليه من الديمقراطية وحقوق الإنسان من دون تمييز وانتهازية فاستنكرت الهجمة الوحشية على النهضة رغم أنها كانت يومئذ مجرد أقلية .

وبعد عشر سنوات لا يزال هذا المحور أساسيا في تصنيف المعارضة إلى معارضة مؤنسة إلى معارضة جادة أو قل معارضة ديمقراطية بحق ومعارضة إقصائية استئصالية إلا ان مياها كثيرة خلال ذلك مرت في النهار غيرت مجراه فعلي حين تقزمت وانحسرت المعارضة " المساندة للسلطة انتعش تيار المعارضة الديمقراطية الجادة بقدر ارتفاع صوتها في معارضة سياسات السلطة القمعية ولا سيما إزاء الإسلاميين واقترابها من نبض الجماهير وهمومها

لا شك أن صمود هذا الفصيل من النخبة الديمقراطية الجادة الذي كان أقلية في بداية التسعينات وغدا اليوم تيارا واسعا همش جماعات الاستئصال والانتهاز في النخبة يشكل اليوم أهم رصيد للمعارضة وأرضية إلقاء المبشرة بقيام جبهة ديمقراطية واسعة تعيد اليوم أهم رصيد للمعارضة العلمانية والإسلامية وتعيد الحركة الجادة إلى مشروع التحول الديمقراطي الذي توقف منذ سنة 1986 .

خلاصة المشهد الدولي إن المحيط الدولي من حول تونس إقليميا وعربيا وإفريقيا بل وأوسع من ذلك يشهد تحولات مهمة بالقياس إلى الوضع الذي تلا حرب الخليج واتسم بالهجوم الرأسمالي الوحشي على العالم وبالأخص على الأمة وقوي المقاومة فيها وبالهرولة في اتجاه إسرائيل رهانا على نجاح التسوية وفرضا للحصار والعزلة والخنق إلى حد الموت على القوي التي اعتبرت متمردة وعلى رأسها الحركة الإسلامية وإيران وليبيا والعراق والسودان وفي هذا السياق جاء انكسار التحول الديمقراطي في الجزائر

ووضع خطة " تجفيف الينابيع " والاستئصال وما يسمي بالإصلاح الهيكلي والشراك موضع التنفيذ في تونس وذلك من أجل إفساح الطريق أمام انطلاق مشروع العولمة الرأسمالية في هجومه الكاسح على أنه قدر العالم ونهاية التاريخ والذي اندرجت فيه السلطة من وقت مبكر منذ 1989 وفي سياقه جاء مشروع استئصال الإسلاميين واحتواء اتحاد الشغل التخويف بالإسلاميين لاحتواء النخبة العلمانية وتوظيفها وفرض سيطرة ثانية على المجتمع وإعدام كل أمل في تحول ديمقراطي جاد.

غير أن مسار العولمة والتطبيع وما يقتضي نجاحه من استئصال واحتواء لقوي المقاومة قد أخذ يشهد كما أسلفنا في تونس وخارجها بدءا بالنصف الثاني من التسعينيات تعثرات متزايدة وصمودا في الأقل من طرف القوي المستهدفة تطور إلى حركات مقاومة شعبية في أكثر من مكان في العالم فلم تسقط دولة واحدة من التي استهدفت بالحصار ( إيران والسودان وليبيا والعراق وأفغانستان وكوبا وكوريا الشمالية ) – وذلك بقطع النظر عن موقفنا من أسلوبها في الحكم – وتعثر مسار التسوية بعد أن تجلت حقيقته :

أنه مشروع لفرض هيمنة وزعامة إسرائيل على المنطقة بدءا باحتواء الدول العربية الصغيرة لتهميش وإضعاف الدول العربية المهمة فانطلق منذ 1994 تحرك مصري سوري سعودي لكبح جماع الهرولة معيدا الحياة إلى قدر من التضامن العربي المطلوب أمريكيا إسرائيليا دفنه إلى الأبد وهو المشروع الذي انتهي إلى اللقاء بإيران وقدم الظهير السياسي واللوجستيكي المعتبر للمقاومة اللبنانية الباسلة التي والت الانتصارات على طليعة مشروع العولمة ورأس حربتها في المنطقة إسرائيل وفي هذا السياق انهار مشروع الشرق أوسطية وانهزم الغزو الإسرائيلي للبنان وتوالت انسحاباته لينتهي إلى انتصار مدو للمقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله لم يتحقق مثله منذ تم زرع الكيان اللقيط في المنطقة لينسحب الجيس الذي " لا يقهر " تحت جنح الظلام كالفئران المذعورة .

وصمدت الحركة الإسلامية في وجه مخططات استئصالها محققة نقاطا هنا وهناك متفاعلة مع عصرها وهموم أمتها في الديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن لقمة عيش الفقراء في وجه تصاعد النهب الدولي ومافياته المحلية متعاونة مع تيارات النخبة العلمانية التي لم تستدرج إلى مخططات العدو وفي هذا السياق تأسس " المؤتمر القومي الإسلامي " الذي غدا يستقطب أوسع قطاعات أعظم تيارين في الأمة الإسلامي والقومي باعتبار الجامع بينهما من فكر وتحديات وأهدافه مشتركة .

وبسبب ظهور الآثار المدمرة للعولمة على البيئة وعلى لقمة عيش الفقراء المتزايد عددهم في أرجاء المعمورة حتى داخل مركز العولمة في الولايات المتحدة فقد تصاعد مد حركات المقاومة الشعبية على الصعيد العالمي ضد رموزها مثل منتدي دافوس وبنوكها وأذرع نهبها متمثلة في الشركات العملاقة على حساب جمهرة الناس لصالح شريحة قليلة تهمة مفسدة شريكة لمؤسسات النهب الدولي وليست الانتفاضات الشعبية في سياتل ودافوس وتايلاند واندونيسيا ومنتدي الليغاري بالبرازيل وغيرها سوي بدايات لتيار الرفض العالمي المتزايد لخيارات العولمة المدمرة .

وفي هذا السياق على الصعيد التونسي تندرج انتفاضة الشبيبة المدرسية في أشد المناطق خصاصة لا سيما بعد أن فاحت حتى زكمت الأنوف قصص عبث حفنة من العوائل المحيطة بابن على بثروات البلاد ووضعها اليد على القسم الأعظم منها وكان من حظ هذه الانتفاضات المعبرة عن مدي قلق وسخط أوسع القطاعات الشعبية على سياسات النهب السلطوي والتفسيخ أن وجدت الدعم المعتبر هذه المرة وخلافا لانتفاضات سابقة من طرف قطاع واسع متزائد من النخبة

بما يشهد على بدايات حقيقية لانهيار أنموذج تنموي بقيادة نظام بوليسي شمولي يستمد مشروعيته ويتمول من وظيفته في السيطرة على المجتمع لدمجه قسرا في مؤسسات النهب الرأسمالي الدولية وسياسات التطبيع ما يقتضيه ذلك من تدمير لخصوصياته الثقافية العربية الإسلامية وهدر أى قدر من تنمية مستقلة تقوم ضمن تجمع إقليمي وتدمير لأية قوة شعبية يمكن أن تشكل عنصر مقاومة للعولمة المتوحشة والنهب والتطبيع وتحويل البلاد مسرحا لهما

إن هذه التطورات المحلية والدولية تجعل السلطة في مواجهة استحقاقات جديدة لمرحلة جديدة وهي تري تعثر مشروع التسوية والانهيار المريع للجيش الذي لا يقهر أمام المقاومة الباسلة لحزب الله كانهيار جيش العملاء في بضع ساعات مجسدا صورة بشعة صارخة لكثير من الأنظمة العربية وما ينتظرها من مصير مماثل بعد أن تصاعدت أصوات الاحتجاج ضد سياسات العولمة وما جرّته من كوارث ثم الاتجاه المتنامي إلى التخلي عن سياسات الاستئصال في التعامل مع الإسلاميين لصالح خيار الاستيعاب في إطار المنتظم القانوني كما هو حاصل في المغرب واليمن ولبنان وماليزيا واندونيسيا وتركيا ومصر وعلى نحو ما الجزائر

وهو ما تنصح به بعض تقارير مراكز دراسات غريبة ضمانا للاستقرار مما لا يبدو أن أهل الحكم في تونس بل قل صاحب السلطة على وعي بهذه التحولات بله التأقلم معها وهو ما يرجح اتجاه بلادنا صوب الاندراج في منطقة الزلازل ويضعها على قائمة التغيير سواء أتم إنجازه بواسطة السلطة ذاتها إذا هي وعت بها وكان بقية من حياة لم تتكلس وهو احتمال مرجوح أم تم من خارجها وعلى أنقاضها وهو الأرجح.

احتمالات التطور

الثابت أن البلاد دخلت كما قلنا منطقة الزلازل وعدا التغيير لمناهج الحكم ومضامينه بقطع النظر عن الأشخاص أمرا لأزما سواء أتم ذلك بيد الحاكم القائم اليوم إذا هو أقتنع أو حمل على الاقتناع باستحالة تأصل ما اعتاد من نهج أم تم بتغيير من داخل المنتظم كما تم سابقا للحفاظ على نفس المصالح بوجوه جديدة ؟

أم تم التغيير من خارج المنتظم إذا أظهرت النخبة من النضج والقدرة على التوصل إلى وفاق على بديل مقبول ومعقول أشخاصا ومضامين وعلى كل حال فالتغيير لا مناص منه وذلك بعد أن اهتزت أركان استقراره من خلال .

  1. حركة الشارع وإن تكن في بدايتها ولكنها كالعادة ستتسع ويشتد مدها إذا واصل ابن على نفس السياسات والأساليب بما يوسع دائرة التذمر من عجرفة وفظاظة زبانيته ومن نهبهم للأرزاق وتخريبهم للذمم وتفسيخهم للدين والأخلاق ولقد بلغ التذمر والسخط الشعبي أوجههما في انتفاضة الشبيبة المدرسية شهري فيفري وأفريل.
  2. الاتجاه المتسارع من طرف النخبة صوب الانشقاق عن السلطة ومعارضتها إلى درجة التحدي بعد أن تنامي وعيها بترذل السلطة وإحساسها بالغليان الشعبي وتصاعد التعاطف مع مظلمة الإسلاميين بعد الانكشاف السافر الاستخدام السلطة شبح الخطر الأصولي لفرض سيطرة مطلقة على المجتمع واستباحة كرامة وأرزاق الناس بما جعل البلاد على أبواب الانفجار وفرض التغيير بعد أن تهلهت السلطة ورموزها وسقطت هيبتهم وتهاوي إلى حد كبير جدار الخوف منهم وهذا الوعي لدي النخبة في كثير من مواقعها في المجتمع المدني والسياسي أدي إلى التنادي إلى تجميع الصفوف وتوحيد الكلمة ورفع الصوت والاحتجاج وفض سياسات السلطة ومنها توظيفيها لقضية الإسلاميين والمطالبة بوضع حد للمظلمة المسلطة عليهم على الأقل كقضية إنسانية – رافعة مطلب العفو التشريعي العام ورفع كل القيود عن الحريات العامة والخاصة وإرساء نظام تعددي حقيقي وهو ما مثل سندا قويا لحركة الشارع مضافا إلى ضغوط الخارج وهو ما افتقدته انتفاضة 1984 مثلا فضاعت ولقد بلغت النخبة من جرأتها على السلطة حدا لم تبلغه في أشد عهد بورقيبة ضعفا بما يدل على وعيها بتدهور الأوضاع وارتباك السلطة وحجم الضغط الخارجي عليها .
  3. ارتباك السلطة في معالجتها للملفات المطروحة ومنها مطلب الحريات واحترام الحد الأدنى من حقوق الإنسان .. وكان التعامل مع مسألة ابن بريك وجواز المزروقي وضعية الديمقراطيين الاشتراكيين نموذجا لهذا الاضطراب الدال على إمعان ابن على في الانفراد والعزلة والارتباك إلى ظهور بوادر تشقق في السلطة وصلت إلى حد التصفيات الجسدية ( مثال ابن فضل ) وهو أفق من التردي لم تصله السلطة قط. كما أن إعلان السلطة عن هجوم مسلحين جزائريين على حدودنا مما هو مرجح الافتعال وحتى على فرض حصوله دلالته خطيرة على أن السلطة غدا همها الأول الهروب من مأزقها حتى من طريق إشاعة أنباء العنف مما هو مهدد لعمود الفقري لاقتصاد البلاد اليوم السايحة وقد يكون مؤشرا على تفكيرها في دفع الأمور إلى نهاياتها بإعلان حالة الطوارئ مثلا لوضع حد للطلب المتزايد على الحرية وتوفير آلية فاعلة لقمع الاحتجاج والتمهيد لتسوية ملف تجاوز العائق الدستوري في تجديد الولاية والتعتيم على معسكر النهب والفساد .
  4. تنامي التململ والغضب ف اتحاد الشغل وكثير من النقابات واتجاهها نحو الاستقلال والاحتجاج .
  5. تصاعد الضغط الخارجي على السلطة لحملها عللا الانفتاح وذلك تحت ضغط الإعلام والمنظمات الحقوقية وجزء متزايد من المنتظم السياسي ( الخضر , أقص اليسار ..) ولكن دون الوصول حتى الآن فيما يبدو إلى حد وضع فيتو على ابن عليى أو التشجيع على تغيره ربما بيبب عدم ظهور بديل مقبول حتى الآن عنه فهل بقي لنظام ابن على رغم كل ما بدا عليه من ارتباك افتقاد الحد الأدني من المرونة للتفاعل مع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية والاستجابة للحد المعقول من مطالب الشعب والنخبة فيكبح نهب المافيا المحيطة به لأرزاق الناس ويصدر عفوا عاما ينفس به حالة الاحتقان ويكبح سلطة البوليس المتغولة ويلغي ترسانة القوانين المكبلة للحريات العامة والخاصة حرية التعبير وتأسيس الجمعيات والأحزاب ورفع يده عن مقومات ورموز الهوية العربية الإسلامية كالمساجد والحجاب والثقافة العربية وكذلك القبول بتنظيم انتخابات مبكرة تحت إشراف محايد لمجلس تأسيس يعيد تأسيس الجماعة الوطنية وفق عقد جديد يقوم على أولوية الحرية وحقوق المواطنة المتساوية وسلطة الشعب وحكم المؤسسات وتوزيع السلطات بين المركز والمناطق وإقرار تعددية حقيقية وانبثاق الشرعة من صناديق الاقتراع وحدها في انتخابات نزيهة بما يلغي كل القوانين الخانقة للحريات وذلك في إطار قيم وطننا الإسلامية العربية فهل تري يملك حاكم البلاد اليوم من الوعي والجرأة والقدرة للإقدام على ذلك ؟ ذلك مستبعد بالقياس إلى تكوينه وسيرته في الحكم ومحيطه وعلى فرض أ،ه استجاب لسيناريو التفاوض مع المعارضة الديمقراطية فالمرجح أن تكون الاستجابة محدودة وشكلية وليس من شأنها إلا أن تغري الناس بطلب المزيد والجرأة على السلطة بما يقوي تيار الاحتجاج لدي النخبة والشارع ويضع البلاد على طريق الاحتمال الثاني تغير من داخل مؤسسة الدولة أو السيناريو الثالث إذ تحاملت المعارضة على نفسها فتمكنت من تجاوز عواقئها التشرذمية والنرجسية اتفقت على مشروع وطني وإطار للنضال المشترك وشكل للقيادة كما حصل في يوغسلافيا وهو محتمل وقد لا يكون مرجحا ومما يسهل هذا الاحتمال وهو الأوفق للبلاد والعباد ويضع حدا لحياة سياسية أسنت وتعفنت خلال قرابة نصف قرن من حكم حزب واحد هو الأطول في العالم من دون انقطاع .
  6. بذل أقصي الوسع لإنجاح مشروع التقارب بين جناحي الحركة السياسية الديمقراطية بتجاوز محنة الشرخ الذي حدث بين العلمانيين والإسلاميين باعتباره الشرخ الذي دخل منه الانهيار وما جره من كوارث على البلاد والسير نحو جبهة وطنية تقود عملية التغيير وتكون بديلا للحكم وهو ما يقتضي الاتفاق على مشروع للحكم وليس هو بالعسير فعموده الفقري الخيار الديمقراطي من دون إقصاء إلا لداعية عنف وإقصاء واحترام هوية البلاد العربية والإسلامية ووضع حد لسياسة نهب الأرزاق وسياسة تنموية عادلة توفر ضمانا اجتماعية معقولة في التشغيل والحياة الكريمة للجميع وسياسة إعلامية تحرر هذا القطاع من هيمنة الدولة وسياسة تعليمية تخفف من سيطرتها ولا سيما الأيديولوجية والإدارية والأمنة بما يعيد للجامعة خاصة حرمتها عبر تحريرها من سلطة رجال الأمن والتحكم المركزي في كل أشكاله وعبر انتخاب الإطار المشرف من عمداء ومديرين وسياسة إدارية لامركزية تخفف من هيمنة المركز على المناطق وتؤسس السلطة الإدارية على أساس الانتخاب الشعبي للسلطة الجهوية مثل الوالي والمعتمد إلخ إلى جانب سياسة تحرص على إنجاز الاتحاد المغاربي والتضامن العربي والإسلامي ومنع الاختراق الصهيوني لوطننا .

وبديهي أن تكون الفترة الأولي في مشروع المعارضة تصفية مظالم العهد السابق مع محاولة جبر أضرار الضحايا ووضع إطار يضمن عدم تكرر تلك المظالم ولا يكتمل المشروع من دون الاتفاق على زعيم للمعارضة لم يعرف بالإقصاء والاستئصال والتورط في الانتهاز العداء للهوية ويحصي بالقبول من طرف أوسع قطاع في التيارين أو على الأقل لا يكون محل اعتراض مطلق من أحدهما وهو وصف موفور في أكثر من شخصية معارضة فإن لم يكن ذلك ممكنا اليوم فليكن الاتفاق على إطار قيادي تداولي .

ولا يبدو خادما لهذا التوجه التوحيدي للمعارضة العود إلى مناخات الحرب الباردة بين الإسلاميين واللائكيين من خلايا الحديث عما سمي بالقطب الثالث فهو يحمل ولو من دون قصد التلويج بما سمي " بالخطر الأصولي " العصا التي استخدمتها السلطة لضرب الجميع بينما تبين للجميع أنه خطر موهوم لصرف النظر عن الخطر الحقيقي المتربص بالجميع وهو الاستبداد وهوما يفرض على كل أنصار الحرية والديمقراطية على اختلاف اتجاهاتهم توحيد صفوفهم من أجل مواجهة ذلك الخطر الحقيقي بدل تشتيت الصفوف التلهي عن أمهات المشاكل وأصول الداء .

ومن المقتضيات الأولية لهذا الخيار أن تتبادل قوي التغير الديمقراطية بمختلف أطيافها الاعتراف عبر ميثاق يلتزم فيه الجميع بمقتضيات العمل الديمقراطي بعيدا من اللجوء إلى أى صورة من صور العنف الرسم أو المعارض والإقصاء والتحريض عليه

إنه لئن كان من حق الإسلاميين المبدئ على قدم المساواة مع غيرهم التنافس على السلطة بوسائل ديمقراطية فإنهم تقديرا منهم لجملة الظروف المحيطة ببلادنا والمصلحة مشروع الديمقراطية – وهو مصلحة للجميع – من أجل انتزاع أداة من أدوات التخويف من التغيير ( الخطر الأصولي ) – طالما استخدمتها السلطة بخبث لإعاقة التغيير الديمقراطي – علنون متطوعين أنه ليس من خططهم في المدى المنظور وضمن جملة الظروف الدولية والإقليمية والتجزيئية القائمة السعي لأي صورة من صور الاستحواذ والهيمنة لا على الحياة السياسية و على مؤسسات المجتمع المدني عبر أى طريق بما في ذلك صناديق الاقتراع !!

لأن من شأن ذلك أن يستدعي مجددا مناخات الحرب الباردة ويعيق حركة التغيير ويدعم سلطة الفرد وهيمنة الدولة على المجتمع كما يعطي فرصة لمزيد من تذيل الداخل للخارج بحجة الاحتماء من الخطر المشترك .

إن أقصي طموح معقول للحركة الإسلامية ضمن الظروف القائمة في المدى القريب والمتوسط لا يتجاوز المشاركة الرمزية وليست التنافسية كشريك ليس هو الأكبر حصة فالسياسة عندنا في مثل أوضاع التجزئة والاختلال بين الدولة والمجتمع بين الداخل والخارج التي تمر بها بلادنا وأمة العرب والمسلمين ليست أساسا في اتجاه الدولة بقدر ما هي في اتجاه المجتمع والأمة لتحصينهما في مواجهة الاختراق الخارجي والاستبداد المحلي وهذه سياسة رسمية للحركة اليوم التقت عليها مختلف توجهاتها خلال مؤتمرها الأخير في عدم جدوى بل من ضرر طلبها لسلطة ضررا يلحق بها بالبلاد أشد الأخطار .

من أهم مجالات الإعاقة للمعارضة اليوم عدم توفرها على صوت إعلامي فاعل ينقل خطابها للجماهير والعالم ويبلور مشروعها ويعرف بزعاماتها وخياراتها وهو أداة ضرورية للتغيير ويمكن أن يمثل ساحة لقاء وتقارب بين مختلف تيارات المعارضة ما يجعل بعثة خطوة هامة جدا على طريق التغيير وبلورة البديل وفي هذا الصدد من الحيوي جدا العمل إلى إرساء قناة فضائية تنطق باسم مشروع التغيير المقصي والمحاصر فتمثل تطويرا مهما ورافدا معتبرا لجملة أدوات الإعلام التي بيد المعارضة اليوم يكون لها إسهام في إنضاج المشروع والتعريف برموزه وتهيئة الشعب لمهام التغيير وفرض حق الرأي الآخر المقصي إن على المستوي السياسي أو على المستوي الثقافي .

نؤيد كل هيكل يعمل على تجميع كلمة المعارضة سواء أكان في شكل جبهة ديمقراطية أم منتدي ديمقراطيا أم مؤتمرا ديمقراطيا يضم قوي التغيير الديمقراطي الفاعلة على أساس المساواة في حقوق المواطنة على أن ينعقد مؤتمر التأسيس داخل البلاد إذا أمكن أو خارجها إذا تعذر ذلك داخل البلاد إن أمكن أو خارجها وذلك في أجلا قريب من أجل الاتفاق على تصور مجتمعي ديمقراطي بديل ينطلق من هيكل دستوري يقطع على حد سواء مع الإقصاء ومع عهد الحكم الفردي المركزي الذي حكم البلاد منذ الاستقلال ويوزع السلطات أوسع ما يكون بما يعيد للسلطتين القضائية والتشريعية استقلالهما الكامل .

وكذلك استقلال الإعلام والثقافة والتعليم ولاسيما من جهة وضع البرامج والإشراف فيترك ذلك لأهل المهنة يختارون اللجان والمديرين والعمداء من دون أى تدخل تأسيسا لنظام تعددي حقيقي هو إلى النظام النيابي أقرب منه إلى النظام الرئاسي دعما لسلطات المجتمع المدني وترجيحا لجانبها كما يؤسس ويدعم السلطات الإدارية الجهوية ويقيمها على أساس من الانتخاب الحر وهو ما من شأنه أن يقوض مرتكزا أساسيا للاستبداد المركزية ويقتضي ذلك شطب كل القيود التي كبل بها الدستور والقوانين التي يحيل عليها لشنق الحقوق والحريات مثل قانون الصحافة وقانون الجمعيات والانتخاب والمساجد والجوازات

وذلك من دون حرص على استبدالها بآخري على اعتبار أن الحرية هي الأصل وأن القوانين الجزائية العامة كافية لحماية المصالح العامة والخاصة يتبني المؤتمر أو الندوة أو الجبهة المطالبة بانتخابات تشريعية مبكرة لمجلس تأسيسي يتولي إقرار دستور جديد يضبط إطارا واضحا ومفصلا لنظام ديمقراطي تعددي لا مركزي لا مجال معه لتغول سلطة الفرد والدولة على المجتمع فضلا عن الرئاسات الملكية وذلك في إطار هوية البلاد الإسلامية العربية والقيم الإنسانية المتعارفة بما ينقد البلاد من حالة العجز والتفكك وسيرها الحثيث صوب الصدام الذي يقود الحكم الحالي البلاد إليه .

ويمكن أن تكون بداية السير لتأسيس هذه الجبهة الديمقراطية التي ينبغي ألا تقتصر على لون سياسي أو فكري واحد بل تتسع لكل القوي التي تقبل بمبدأ أن تونس لكل أبنائها بالتساوي ورفض العنف مهما كان مأتاه سبيلا للحكم أو للبقاء فيه أو لفرض فكرة أو التهديد بذلك سواء أكانت هذه القوي سياسية أم ثقافية أم مهنية أم شخصيات ذات وزن..

قلت يمكن أن يبدأ السير بإصدار بيانات وعرائض تصدر بشكل ثنائي بين أحزاب وتجمعات مهنية وثقافية وشخصيات معتبرة تشخيصا للوضع ومقترحات في العلاج كما هو حاصل الآن وتتوج بمؤتمر الوفاق والبديل الديمقراطي على غرار ميثاق روما للمعارضة الجزائرية أو ميثاق ليلة القدر في تاريخ الحركة الوطنية التونسية .

ولا يبعد أن تكون العرائض التي صدرت وتصدر والبيانات المشتركة بمضامن متقاربة تمثل خطوات جاد على ا لطريق ما أمكن لكل الأطراف تجاوز الحساسيات والنرجسيات والتمركز حول مصلحة الوطن في التغيير الديمقراطي.

ولذلك فإن حركة النهضة تسعدها كل خطو تقطع على هذا الطريق وترحب بكل مبادرة وتمد يدها للتعاون مع كل القوي السياسية الاجتماعية من أجل تحقيق طموحات شعبنا التي طالما أجهضت رغم التضحيات الجسام من أجل أن تكون تونس حرة ولكل أبنائها عبر " برلمان تونسي " ومؤسسات ممثلة تمثيلا حقيقيا !

وهي موقنة بأن شعبنا بأصالة مجاهداته ومعدنه ومواريثه النضالية التحررية ونخبته الواعية إنما ظل يطرح هذه المهام على نفسه ويوالي منذ قرن ونصف عبر مختلف قواه وتياراته التضحية من أجلها حتى لم تكد تشغر سجونه قط من رواد طليعة من الطلائع صامدين كالجبال الرواسي تعبيرا عن أصالته وعن هذه الطموحات مشروعة وقابلة للتحقيق .( إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب )

الفصل السابع

حق الاختلاف وواجب وحدة الصف

تقديرنا أن التخلف والتحضر ظاهرتان لا ترتبطان وجودا أو عدما بعقيدة معينة كالإسلام أو النصرانية أو المادية بقدر ما ترتبطان بمدي احترام هذه الديانة الفلسفة أو تلك لكرامة الإنسان وحريته ومدي قدرتها على إبداع أنظمة حياة تفسح المجال أما ملكاته للتفتح والنمو والإنتاج والتطور والتطوير بعيدا عن القمع والكبت والتخويف بما يجعل الحضارة فضاء مفتوحا لاستقبال الكفاءات العالية وتوفير فرص النمو والتكامل وتبادل التأثير فيما التخلف مزبلة طاردة لكل المخلوقات الجميلة لا تمسك ولا ينجذب إليها غير الجراثيم والعناصر الضارة .

لم يختلف السمت العام للفضاءات الحضارية في أثينا أو بغداد أو شيراز أو قرطبة أو سراييفو عن أمثالها في لوس أنجلس وباريس وفرانكفورت وأمستردام أو استوكهولم لم يختلف سمتها العام باختلاف عقائد أهلها أيام تحضرها من جهة ما كانت تتسم به الأنظمة التي حكمت تلك المدن أيام حضارتها من قبول الاختلاف والتعدد وتمازح للألوان والألسن والديانات وإعلاء مكانة العقل والحوار المناظرة والعلماء والمفكرين والفلاسفة فانجذبت إليها العقول الكبيرة وتلاقحت فأثمرت الحضارة علوما وفنونا وصناعات بينما أقفرت شجرة الحضارة من تلك الطيور الجميلة وماض روائها وعقمت عن أن تنتج ثمرة وذوت أوراقها وما عادت تصلح إلا وقودا للحطابين . أنبل ظاهرة ولكن !!

تلف عالم الإسلام غيوم قاتمة حاكتها أيادي الانحطاط وتجارب التجديد الفاشلة المرتبكة أورثت المسلمين مسلسلات من المصائب والنكبات وضروبا من الاستبداد والفساد والتمزق والتفرق والمحن المتكررة تكاد النفوس الخيرة تركن معها إلى اليأس من إمكانية تجنب الواقع البائس والمصير المهلك بعد أن أحاط بها أعداؤها إلا أنه خضم هذه الظلمات الكالحة انبثق قبس من النور اشرأبت إليه النفوس الخيرة يحدوها الأمل ان لا يكون ذلك فجرا كاذبا بل فجرا صادقا.

تلك هي أنبل ظاهرة في عالم المسلمين الظاهرة الإسلامية التي ولدت وانتعشت على أنقاض الهزائم المتكررة التي منيتا بها أيديولوجيات اليمين اليسار على المستوي العسكري حيث قادت الهزائم إلى الاستسلام المتكرر للإمبريالية الصهيونية وحلفائها وعلى المستوي الأخلاقي والثقافي فكان انتعاش العمل الإسلامي واندلاع ثورات الإسلام في غيران ولبنان وفلسطين وانتشار الصحوة أنبل ظاهرة انبثقت من ليالي اليأس الطويلة .

إلا أن هذه الظاهرة بقدر الآمال التي عقدتها الجماهير عليها فسارعت إلى الالتفاف حولها وبقدر الأخطار المحدقة بها من كل مكان ما يشقها من أزمات حادة من خصام وتوتر وعطالة وعنف وارتباط وتأكل وهي ظواهر لئن اختلفت حدتها من جماعة إلى أخري إلا أنها تمثل قاسما مشتركا بين الجميع مما شكل المعوق الأساسي لنموها وفعاليتها وقدرتها على مواجهة تحدياتها والتصدي لخصومها مما بدت معه للبعض خشية إجهاض ذلك الأمل أمرا واردا جدا إذا لم يقع الوقوف على حقيقة الأزمة الداخلية التي تعيشها الحركة الإسلامية وإيفاؤها حقها من التحليل والدرس من أجل التشخيص الجاد وتحديد العلاج النافع .

ونلتقي ضمن الإطار المحدود بظروفنا هنا – في دار الغربة – بإلقاء أقباس من الضوء على أهم أسباب ظواهر الاختلاف والتمزق والعطالة – داخل الحركة الإسلامية وتقديم وصفة علاجية جاعلين واقعنا القطري نصب أعيننا إن للأزمة أسباب مباشرة وأخري غير مباشرة وتتلخص الأسباب المباشرة في :

- المحنة !!

إن المحنة في حد ذاتها تعد مرحلة مهمة في تاريخ حركة ما لأنها تمثل مرحلة متقدمة من مراحل نموها إذ تمر حركات المقاومة والمعارضة مع عدوها عبر خمس مراحل :

  1. مرحلة اللامبالاة بها
  2. مرحلة السخرية بها وتحقيرها
  3. مرحلة السب والتشويه
  4. مرحلة الاضطهاد
  5. مرحلة النصر.

فالاضطهاد – كما أكد غاندي وآخرون – مرحلة تسبق النصر مباشرة إلا أنها مرحلة خطيرة إذ يضع الحركة في مفترق طريقين – بحسب أسلوب مواجهته – يقود أحدهما إلى التشتت والانقسام والتلاشي بفعل غياب قياداتها التاريخية وتأثير الدعاية المضادة التي يقوم بها النظام والأطراف السياسية المنافسة وعمليات التاريخية وتأثير الدعاية المضادة التي يقوم بها النظام والأطراف السياسية المنافسة وعمليات الاستقطاب الداخلية والخارجية التي تقوم بها حتى الحركات التي تشترك معها ف ينفس الأيديولوجية " الحركات الإسلامية الأخرى في صورة الحال وترتكز محلات التشكيك على القيادات والمناهج توصلا للنتيجة التالي :

إن الاضطهاد ما كان ليحصل لولا أخطاء القيادة وعدم جدوى الأيديولوجية الفكرية القائمة عليها والخط الاستراتيجي غاضة الطرف عن أنه حتى مع افتراض صحة ذلك فإن العدو بحكم خوفه على مصالحه واستماتته في الدفاع عنها لا يمكن أن يترك المجال فسيحا لحركة نموها مطرد في اكتساح مواقعه دون أن يحرك ساكنا .

ويقود الطريق الآخر إلى النصر عندما تنجح الحركة في توظيف ذلك الاضطهاد في تعرية معايب النظام وفضح ممارساته وارتباطاته ومظالمه حتى تلجئه إلى وضع الدفاع عن نفسه لتبرير القمع الذي يقوم به ومن ثم تجعل حركات المعارضة السياسية الاضطهاد جزء من إستراتيجيتها فتعمد إلى دفع النظام دفعا إلى ارتكاب هذا الخطأ " الاضطهاد" فتورطه بذلك شعبيا ولا سبيل إلى تعريته وعزله جماهيريا دون توريطه في العنف – دون أن تتورط فيه – فيغدو الاضطهاد أقرب طريق للدعاية لفائدة الحركة وإيقاع النظام في التناقض بين مظاهر الديمقراطية التي يحرص على الاتصاف بها في الداخل والخارج وبين تورطه في العنف ضد حركة سلمنية مما يجعله في وضع محرج ويحرص معه على توريط الحركة ولو في حادثة واحدة للعنف كما أشار إلى ذلك .

إن الاضطهاد فرصة الحركة لإيجاد ميزان جديد للقوي يقول " شافاز" إن السجن جزء فعال في استراتيجية اللاعنغ " ولا عجب أن نري أبواب السجون في كثير من وقائع التاريخ القديم والحديث تفتح على أبواب الحكم شرط أن تنجح الحركة في مواجهة تحدي الاضطهاد فتحافظ بإصرار واع وعنيد على وحدتها وعلى تصاعد نضالها باستمرار وممارسة الشورى في داخلها على أوسع نطاق مهما كانت لظروف ولقد ذكر لى أكثر من واحد من رجال الحركة لوطنية أنهم كانوا يستفزون فرنسا بمختلف وسائل الاستفزاز لتوريطها في ممارسة العنف .

أما بالنسبة لحركتنا فرغم الظواهر العريضة التي سوف نتناولها – فقد أحدثت تجربة الاضطهاد تحولات إيجابية لصالح الحركة على صعيد الرأي العام والقوي السياسية ظاهرا – أو حقيقة – والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية حتى غدت قضية الاتجاه في مركز اهتمام الرأي العام ولم تجد القوي السياسية المنافسة لنا بدا من إعلان مساندتها اللامشروطة لنا وإدانتها المطلقة للنظام بينما كانت بيانات تلك الحركات قبل المحنة وحتى في بدايتها تعلن مساندة متحفظة مشككة في أهداف ووسائل الحركة مما يؤكد أنه في إمكان حركة مضطهدة أن تحمل تكاليف كل يوم سجن وتشريد ضرره على خصمها أضعافا مضاعفة بالقياس إلى ضررها هي .

ولئن دفع ضغط الرأي العام حركات المعارضة إلى إعلان تأييد ظاهري فقد بذلت أقصي الجهد في استغلال وضعنا للحصول على مكاسب من النظام بتخويفه المستمر من الشبح الإسلامي وبالتحالف معه " الانتخابات التشريعية التي تمت خلال محاكمتنا تألب الشرائح الطلابية – الماركسية خاصة – في الجامعة في محاولة لاستئصاله معنويا وجسديا في غياب قياداته التاريخية بين سجن وتشريد " ولقد استهدفت حملة التشكيك التي تعاونت فيها قوي النظام مع قوي المعارضة سرا.

وحتى في العلن ( تصريح المستيري لمجلة المغرب وتصريح عاشور لنفس المجلة ) فضلا عن محاولات الاستقطاب والتشكيك التي يقوم بها إسلاميون منافسون تحت سحابة ممزقة من التأييد بهدف استغلال الموقف وإحداث التمزق والتشرذم داخل الاتجاه ولا يستبعد – إذا لم تقع مواجهة الوضع الداخلي بكثير من الحزم والحكمة أن تنال تلك المحاولات التي يقوم بها خضوم ومنافسون إسلاميون وغيرهم في الداخل الخارج بغاية الاستقطاب بعض النجاح في إحداث الخلل والتمزق .

والخلاصة أن المحنة ليست هي بذاتها سببا في إحداث ما حصل من خلل واختلاف واضطراب – رغم المكاسب التي حصلت من ورائها – بل أن الأسباب السابقة عنها وهي أسباب عميقة ربما كان يحد من تفجرها بساطة المشاكل التي كانت مطروحة على الحركة قبل مرحلة التسيب وعدم الحاجة عندئذ إلى مواجهة الواقع ببدائل واضحة ووجود القيادات المؤسسة للحركة عاملة في الساحة ورغم ذلك فقد حدث الانشقاق مما يوجب مواجهة المشاكل الحقيقية بجد أكبر من أجل التحديات ولا تجدي في ذلك المعالجات الجزئية المستعجلة وتهدئة الأوضاع آنيا عن طريق استعمال النفوذ المعنوي الشخصي لبعض القيادات للقيام بمصالحات مفتعلة فقد حصل ذلك وما كان له غير مفعول وقتي وجزئي .

ولا يجدي كذلك إحلال قيادة محل قيادة أخري ولأن أسباب الداء عميقة وهيكلية وقد برزت في أوقات مختلفة لدي جماعات إسلامية كثيرة في أقطار متباينة مما يقطع أن البنيان الفكري والتربوي والتنظيمي هو السبب العميق الذي لم يعدم مفعوله وجود زعاما كبر على رأس تلك الحركات وهو بنيان لئن حصلت فيه بعض التعديلات الجزئية أو السطحية أحيانا حركات الإصلاح فجذوره مترسخة في أعماق التراث .

تأثير التراث

التراث الإسلامي هو مجموعة التفاعلات التي حدثت بين الإسلام والواقع وما أثمرته من طرائق للتفكير وأساليب وأنظمة للحياة ومسالك وأذواق وآداب للأفراد والجماعات – وهي آثار لا تزال تمارس تأثيراتها الإيجابية حينا أو السلبية أحيانا تمارسها حتى على أشد الناس إنكارا لها وعدا ولها قدرة هائلة على الحكم بالنجاح والفشل على تجربة لتغيير الواقع بحسب الموقف المتخذ منها ونكتفي في إبراز التراث على واقعنا بالتركيز على بعض الأحداث والقضايا المهمة في ذلك التراث .

  1. قضية الاستبداد إن الإجهاض المبكر لتجربة الرحم الشورى في الإسلام وبروز المطلق القبلي " قريش دون الأوس والخزرج من الأنصار – وبنو أمية دون سائر قريش وبقية المسلمين – وبنو هاشم العباسيون دو سائر العرب والمسلمين الخ الصراعات القبلية في ظل الإسلام " كان له أبلغ الأثر ولا يزال على جميع شعب الحياة الإسلامية على تعددها فقد غدا الاستبداد طابعا مميزا لها جميعا بل غدا مؤسسة تعيد إنتاجه في مستويات مختلفة على المستوي السياسي: أبعدت الجماهير عن السلطة ولا يؤتي بها إلا لأداء مراسم بيعة شكلية طوعا أو قهرا .. وانحصر الخلاف الفقهي في ذلك الصدد الذي يمكن أن تنعقد به البيعة حتى وصل الأمر إلى اعتبار الحكم شرعيا إذا بايعه شخص واحد قياسا على العقود البيع والتجارة .. ولم تطرح قضية مدي شرعية الحكم الوراثي حتى من طرف كبار الفقهاء ..!وعلى المستوي الثقافي العقائدي سيطرت البحوث الكلامية التي ركزت عقلية الجبر وسلب الإنسان كل إرادة واختيار لصالح الألوهية بزعمهم فسادت الأشعرية وهي جبرية مغلفة بأقنعة غامضة .. وعلى مستوي التربوي ساد التصوف الذي عزف طويلا أنشودة الفناء كهدف أعلي للتدين فسحر الناس وطوح بهم في عالم الوهام .. وعلى المستوي الأسري تركزت عقلية الاستبداد وإفناء شخصية الزوجة والأولاد حتى غدت الأسرة أفضل مؤسسة في مجتمع الاستبداد تمثيلا وإنتاجا له وعلى المستوي الاقتصادي عبثت أيدي أمراء الجور بالقطاع العام وهو كل أرض الفتوحات "أرض السواد أو العنوة " و أقطعوها لعملائهم وأقاربهم وقادة جندهم فظهر أسلوب الخماسة والرباعة .
  2. الإغراق في القضايا اللاهوتية الغيبية التي شغلت الأمة ببحوث ما ورائية لا طائل من ورائها " علاقة الذات بالصفات " خلق القرآن , مكان وجود الله في جهة أن في غير جهة ؟ الله يري أم لا ير؟ كيف أسري بالنبي صلي الله عليه وسلم بالروح فقط أم بالروح والجسد ؟ الخ .. وهي بحوث كان طبيعيا أن تنشأ في ظل الاستبداد وتشجيع منه لصرف الجماهير والمفكرين عن واقعهم البائس وكان من الطبيعي أن يضل العقل المسلم في متاهة تلك البحوث وأن لا يصل فيها إلى وفاق لتجاوزها لمجال العقل فكان ذلك سببا آخ إلى جانب التمزق والانشقاق على المستوي السياسية أن يقع التمزق على المستوي العقائدي تظهر عشرات من الفرق كل منها يزعم أنه يمثل الحقيقة المطلقة وينفيها عن الآخر وكان ذلك النفي الفكري مرحلة للنفي الجسدي للآخر " الصراع الدموي بين السنة والمعتزلة وبين السنة والشيعة .. وبين السنة والخوارج وبين المذاهب السنية نفسها " فكان ذلك كله أسبابا عميقة لتجذير التشرذم في البيئة الإسلامية حتى عصرنا هذا ..!
  3. سيادة التقليد وغياب الاجتهاد وهو ثمرة لتضخم الماضي على حساب الحاضر – وهو ثمرة من مثار مجتمع الاستبداد حيث تتحول الجماهير إلى قطعان تساق من طرف السياسي وشخ الطريقة وفقيه المذهب تساق بدون وعي مشدود إلى الماضي – فهناك الانتصارات العسكرية الرائعة الازدهار الفقهي والعلمي حيث تكونت المدارس الفقهية والكلامية الكبرى فماذا للحاضر أن يضيف أو يعدل وقد اكتملت الحقيقة في الماضي غير بذل أقصي الجهد في فهم تلك لآثار ومحاولة مشبهة كلما عرضت حادثة جديدة بينها وبين حادثة مرت في الماضي وتناولها فقيه لنقل أحكامه وتطبيقها على الواقعة الحاضرة فلا عجب أن تواجه بعد ذلك كل فترة جديدة بحملات من التشويه " حرق كتابات ابن حزم الغزالي وابن تيمية الخ .. لإجهاضها بالانصراف عن مناقشاتها بجد ومهاجمة صاحبها لرميه بالجهل بالدين وسوء القصد والجرأة عل السادة العلماء وحتى بالعمالة للأعداء بدل التوجه إلى الفكرة وتمحيصها والعمل على تطويرها وإثرائها وأني للقوي المحافظة أو المستفيدة مستلبة لحسابه أبسط أساليب مقاومتها للمددين سخريتها بهم بأنهم " علماء أخر الزمان "

إنها تشيد بالماضي لقمع الحاضر وترفع أعلام الماضي لتقزيم أعلام الحاضر ولعجزها عن مصادمة الفكر تصادم الشخص وإذا تناولت الفكرة وأثارت حولها زوابع من الانفعالات وحملات تشوه عاطفية ؟؟ومن الطبيعي مع سيادة التقليد أن يختفي الفكر وأن يختفي الإبداع وأن يستعاض بالمشاكل الحقيقية الواقعية بمشكلات وهمية " الصراع بين السنة والشيعة المذهبية واللامذهبية الخلف أم السلف ؟ على أم معاوية ؟وباختفاء الفكر تختفي إمكانية الحوار الجاد .

فشل المسلمين في غدارة الحوار بينهم

إن الإسلام اعتبر الخلاف أمر طبيعيا بين البشر أراده الله ليؤدي وظيفة معينة في حياتهم هي تمتعهم بالحرية وتحمل مسؤولية وجودهم وإثراء الحياة بمواقفهم المختلفة فالله إذا جعل الإنسان خليفة فما يمكن أن تتحقق تلك الخلافة بدون حرية وإرادة وعقل أناط بها مسؤولية الإنسان فكان الاختلاف والتميز بذلك حقا شرعيا للإنسان ومنعه بأى ضرب من ضروب الإكراه اعتداء فاحشا على الكيان الإنسان ومصادمة لغرض أساسي من أغراض الخلف ( ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة)

ولكنه لم يشأ أن يجعلهم رأيا واحدا وعقيدة واحدة وقالبا واحدا ونسخا متطايقة بل أراد أن يتميز كلهم بشخصية متفردة بخصائصها تساهم من موقعها في إثراء الحياة ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) – كما يقول الشيخ الطاهر بن عاشور – للتعليل لأنه لما خلقهم على جبلة قاضية باختلاف الآراء والنزعات وكان مريدا لمقتض تلك الجبلة كان الاختلاف علة غائية " ولذلك خلقهم "

ولكن الله سبحانه وتعالي – كما يعلق الشهيد سيد قطب – بحب أن تبقي هذه الاختلافات المطلوبة داخل إطار واسع عريض يسعها جميعا هو التصور الإيماني الصحيح الذي ينفسخ حتى تضم جوانحه شتي الاستعدادات والمواهب والطاقات فلا يقتلها ولا يحجبها ولكن ينظمها وينسقها ويدفعها في طريق الصلاح ومن ثم لم يكن بد أن يكون هناك ميزان يفيئون إليه ( فبعث الله النبيين مبشرين منذرين وأنزل معهم الكتاب والحكمة ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فه ) وبغير هاذ الحق الواحد وبغير الانتهاء إلى حكمه بلا محاكمة ولا اعتراض بغير هذا كله لا تستقيم الحياة ولا يقوم في الأرض السلام.

فالاختلاف في طبيعة البشر أصيل وهو مراد من الله في استخلاف الإنسان ولكنه يغدو مهددا لوحدة البشرية وسلامها بالتمزق والدمار إذ لم يلتزم بالإطار العام للإسلام هو يتألف من أصول الدين – مما لا يجوز الاختلاف فيه – وهي جملة عقائده وتشريعاته وقيمة مما هو صرح معلوم من الدين بالضرورة صرحت به نصوص الكتاب صريحا واضحا تستوي في إدراكه العقول السليمة أما المتشابه وهو ما التبس معناه فيرد إلى الراسخين في العلم ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) فالاحتلال إذ حق يعد كل انتقاص منه من أجل حمل الإنسان على رأي واحد أو مذهب واحد اعتداء على الطبيعة الإنسانية وإفقارا للحياة وتشتيتا للطاقات .

ولكن إذا كان الاختلاف حقا ثابتا فوحدة الصف واجب بأمر مباشر من الله سبحانه ( ولتكن منكم يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) فالنجاح في مواجهة التحديات لا يتحقق إلا بصف موحد وإن اختلفت اجتهاداتهم في فوع الدين وأساليب التطبيق فهم ملتقون على أصول الدين مما هو صريح الكتاب ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ ) والاختلاف إذا تحقق الالتزام بما هو صريح واضح في الدين لا يشكل أبدا عقبة في طريق وحدة الصف الإسلامي بل هو ثراء له.

إنها وحدة في تنوع وتنوع في وحدة مما يجعل مثل هذا الاختلاف رحمة إذ تجتمع بقبوله شتي الطاقات وتساهم كلها بإتلاف مواهبها في إثراء الحياة وتقدمها فيغدو المختلفون وكأنهم يتنافسون في لعبة منفقين على قواعدها بعيدا عن كل تمذهب صلب وتعصب أعمي وفرض ألوهية مذهبية أو حزبية أو قومية .

( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) فليس كل اختلاف مذموم فهناك مختلفون مطرودون من رحمة الله أولئك الذين قادهم اختلافهم إلى أن أصبحوا شيعا متعادية متنابذة وهناك مختلفون مرحومون أولئك الذين لم يحل اختلافهم دون توحدهم واجتماع كلمتهم ضمن إطار الحرية إطار أصول الإسلام وتعاليمه الثابتة وما أوسعه من إطار لو التزموا في لذلك الإطار بآداب الحوار الإسلامي .

إنه ليس غريبا أن نختلف بل من الغريب والخسار أن لا نختلف وقد تنوعت وتعقدت مشكلاتنا وحاجاتنا- والناس كانوا أمة واحدة لا اختلاف بين أفرادها في العهد البدائي عندما كانت حاجاتهم بسيطة فلما تعقدت مشكلاتنا بتطور علومهم وحاجاتهم لم تعد الفطرة كافية في هدايتهم لحل تلك المشكلات فبعث الله النبيين لهدايتهم إن المشكل هو أنه يهدد اختلافنا وحدتنا ويمنع اتفاقنا ويشل قدرتنا على التقرير في أمهات قضايانا وأن يتعكر حتى صفو علاقاتنا الشخصية علاقات الإخوة الإسلامية.

اختلف المسلمون وكان في خلافهم من جهة ثراء كبير لحضارتهم ولكن من جهة أخر ولأسباب كثيرة منها – سرعة إجهاض تجربة الحكم الشورى وقيام الملك العضوض وتكون الثقافة الإسلامية في ظل الحكم الاستبدادي فشلوا إلى حد كبير في غدارة الحوار بينهم ..

نجحوا في السقيفة ف إدارة حوار رائد أرسي على أساسه نظام الخلافة الشورى ولكن مبدأ الشورى لم يؤطر ولم يقنن فظل يمارس على نحو تغلب عليه العفوية ويعتمد إلى حد كبير على نوعية الحاكم لا على تنظيمات ومؤسسات ولذلك ما أن تغيرت نوعية الحاكم – لى عهد سيدنا عثمان – بسبب ضعف الرجل وتعقد المشاكل خلال الفترة الثانية من حكمه حتى عجزت العفوية عن مواجهة الأمر وسهل في فترة لاحقة على المستبدين أن يفزعوا الشورى من محتوياتها ويبعدوا الجماهير عن الحكم ومنذ عهد مبكر استبدلت الشورى أى حكم الشعب كأساس بالقوة كأساس للحكم وغدا السيف هو أسلوب الحوار واضطرت المعارضات إلى أسلوب السرية والعنف وقامت المذاهب الكلامية تبرر في كثير من الأحيان نمط الحكم القائم وتكفر معارضيه تفعل المعارضة نفس الفعل وكان المواريث القبائل من عصبية وعنف كما للمواريث الإمبراطورية السائدة في العالم أثر بالغ في إجهاض النموذج النبوي الراشد للحكم الشورى .

وكان من أسباب فشل الحوار عدم تفريق المتحاورين في كثير من الأحيان بين الحق الواحد المتمثل في الإسلام وبين الفكر الإسلامي وهو مجموعة الفهوم التي يستنبطها البش من خلال الدولة يعتبر دولته تجسيدا للحق فمعارضوها مارقون كفرة وصاحب المذهب الكلامي يعتبر مذهبه هو الحق فيميل إلى تفسيق أو تكفير الآخرين ولقد أورثت تلك الصراعات بين الدول والمذاهب وتنافيها المتبادل صراعات مختلفة داخل المجتمع الإسلامي بين القبائل والطرقيات صراعا هو باستمرار تناف مشترك تمارس فيه كل الأساليب اللاأخلاقية والعدوانية وكل ضروب الدهاء والتآمر والعنف واستقرت في ظل مجتمع الاستبداد ثقافة للاستبداد خلاصتها أنت نسخة مني أو طوع أمري وإلا فأنت عدوي , ولا وسط بين قرني التنافي ..

فلا عجب وقد نجحت الحركة الإسلامية المعاصرة في استقطاب جماهير غفيرة أن تغدو أملها في العزة والحرية أن تفشل في إجراء الحوار داخلها لأنها إلى حد كبير استمرار لمجتمع الاستبداد حيث غدا الحوار شحنات انفعالية تهيأ لتصفية بعضها على الجبهة وأن يأخذ مسار تطورها اتجاها واحدا من الوحدة إلى التشتت- خلافا لمسار التطور الغربي من التشتت إلى مزيد من التوحد 0 فالقبائل في أوروبا تطورت نحو الوجود القومي وتطورت هذه نحو الوحدة الأوروبية ووجدت المجتمعات الليبرالية ووحدة الغرب قاطبة بالمعني الحضاري ضد الشعوب الأخر وذلك هو مسار العقل وأسلوب عمله سير متواصل من الكثرة إلى الوحدة إلى وحدات أرقي " قانون نيوتن في الميكانيك الحرارية – نسبية أنشتاين كقانون القوانين ".

ذلك هو شأن التطور عندما يحكمه العقل حول مضامين فكرية أما عندما يحل الانفعال محل العقل بسبب غياب الفكر والاكتفاء بترديد الماضي أو رفع شعارات فإن الانفعال هو أسلوب الحوار والسباب والشتائم والتراشق بالشعارات والانتصار لهذا الزعيم أو ذاك أو لحزب أو ثورة ضد حزب أو ثورة أخري هو مضمون الحوار عندئذ كيف يمكن للحوار أن يثمر غير مضمون الحوار عندئذ كيف يمكن للحوار أن يثمر غير وجع الرأس والتنفيس ع الأحقاد والكبت والمزيد من تمزيق الصف والتنافر المتواصل والإسراع إلى الحلول السهلة القاتلة حملات التشهير والافتراء والطرد والتجميد ورفع أعلام جديدة والتنويه بشيوخ جدد للقبائل الجديدة وتهيئو الجميع لساعة الحسم.

غاب الحوار – كما يقول حسن حنفي – وأصبح الخلاف في الرأي انشقاقا وأصبح التصلب سمة في الممارسة وجرت العادة على تصنيف الآخرين في قوالب جامدة يستحيل معها الحوار بالرغم مما كان لهذه الجماعات المغلقة من شعبية . وغاب الحوار الديمقراطي الحر فسهل الانشقاق عليها من أجنحتها المختلفة فتذهب الطاقات في الدفاع عن الشعارات أو الأشخاص أو النماذج ولو كانت علاقتها بالواقع المراد تغييره بعيدة الشبه ويغدو الفكر مجرد عواطف وجدانية تتطاير فوق الواقع وتحجبه

وعادة ما يكون الحوار دفاعا عن النفس أو المذهب ورغبة في الشهرة ومزايدة وإعلانا عن الذات والدفاع يرتبط بالجدل والمهاترة والانفعال الجدل لا يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة بل يهدف إلى الانتصار على الخصم وبدل أن تتوحد جهود الجميع ف يعمل مشترك تتعارض وتننافر ويلغي بعضها بعضا المجادل لا يفكر بل يريد هزيمة الآخر ولو كان على حساب موضوعه ومنطقة المجادل لا يفكر بل يعارك ويحارب فيضيع العقل وتسود بسبب غياب الفكر .

وصاحب الفكر – كما يقول أحمد أمين – في " فيض الخاطر" هادئ مطمئن يدلي برايه يعرضه عرضا منطقيا مستندا إلى العقل والبرهان ويستمع إلى المعارضة بانتباه شديد ورغبة أكيدة في أن يجد لديه تصحيحا لرأيه وتمحيصا له ليقينه بمحدودية علمه وعقله ونسبية رأيه بينما صاحب العقيدة متحمس منفعل لا يري الحق في غير عقيدته فمن يجادله فيها هو عدوه الألد وخصمه المبطل وما انفعالاتنا إلا تعبيرا عن خطأ كبير هو تحول " آراؤنا " – إن لم تكن إلى عدو وخصم لا إلى رفيق في الطريق كثيرا ما يتحول ذلك المخالف لنا – في مجرد وجهة نظر لا عقيدة تتعلق بكفر أو إيمان يتحول في أعيننا إلى صفحة سوداء كالحة لا نور ولا خير فيها

فنصب عليها جام غضبنا وحقدنا وكبتنا وكل ما في جعبة تخلفنا من اتهامات في الدين والخلق إنه مائع أو عميل أو متطرف أو فاسق أو خائن وحتى سارق وننسي في سكرة الانفعال وحضرة الجدل أخلاقيات الإسلام في التعامل التي تمنع اعتماد الظن وإن يكن غالبا في الحكم على الأشخاص والتشهير بهم أو اغتيابهم وإن كانوا مخالفين وبغضهم بدل الرفق ب هم وإعانتهم على الشيطان والتوجه الخالص في صلواتنا

إلى أن يهدينا وإياهم إلى الحق وأن يبارك في إخوتنا وأن يقضي ما نعلم وما لا نعلم من حوائجهم وأن نسعي عمليا في ذلك كما ننسي في غمرة الشيطان الجدلية المتخلفة أن اليأس من الإنسان يصادم منهج الإسلام ودعوته كما يصادم كل منهج ثوري فأخص ما يميز الثوريين على الطغاة الثقة في الإنسان في الشعب وقدرته باستمرار مهما بلغ فساده على التحول:" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون "

إن اليأس من الإنسان والمراهنة على تحطيمه من منهج يتعارض مع كل فلسفة لدين أو للثورة إنما هو ثمرة غياب الفكر وارث من مواريث مجتمعات الاستبداد إذ اليأس من الإنسان هو الخطوة المباشرة لإعدامه وتصفيته جسديا والحسم معه واليأس من الإنسان هو سلاح القوي الرجعية والمحافظة والمستبدة تقمع الجماهير وتمارس العنف المادي والمعنوي وتراهن على الأساليب العسكرية البوليسية لقهر الجماهير وفرض حجة القوة على المخالفين لتقييم حكم القوة على أنقاض حكم العقل والشرع واليأس من الناس هو يأس من رحمة الله وشك في قدرته ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون )

حصلتان حبيبتان للرحمن : حسن الظن في الله والثقة في الناس ) كما ورد في الحديث وكيف يراودنا الأمل في هداية نصراني أو يهودي أو شيوعي واللقاء معه ف صف الإيمان والنضال ويستبد بنا اليأس حتى أن مجرد إمكانية الحوار فضلا عن اللقاء مع إخوان لنا تجمعنا وإياهم محبة الإيمان ؟ هل من يقظة أيها الناس ؟

الانفصال عن الواقع

وإن من أسباب فشل الإسلاميين في إدارة الحوار بينهم اغترابهم عن الواقعية يهيمون مرة وراء مثاليات تاريخية ونماذج تراثية يحلمون ببعث رفاتهما وقد مضت وتخلت في رميم ويذوبون مرة حد الفناء في تجارب ونماذج كان أهم سبب لنجاحها قدرتها على فهم واقعها وحسن التفاعل مع معطياته ولكن نجاحها يغري المتحمسين لمحاكاتها شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لم نتردد في دخوله وينجذب آخرون انجذابا صوفيا نحو عالمية منجنحة لا تعدو أن تكون طموحا أو حنينا إلى خلافة منقرضة وليس لها من الأسس الموضوعية ما يؤهلها للتطور والفعالية ..

وتحاول تلك العالميات أو التجارب الجذابة بل يحاول أصحابها جهدهم إسقاطها على أضع مختلف دون دراسة علمية لذلك الواقع الذي نالهم وينال الكثير بسبب طموحهم إلى تغييره فكان حريا بهم أن يجعلوا ذلك الواقع منطلقهم تحدد أوضاعه ومصالحه نمط علاقتهم مع كل التجارب النماذج والعالميات لقد هامت قبلنا وراء العالميات حركات معارضة كثيرة فما تقدمت خطو نحو الواقع وفهمه والتفاعل به وتغييره وما زادها هيامها وراء النماذج العالمية غير مزيد من التمزق والتشتت والصراع الداخلي وتهميش كيانها والواقع امن حولها يتطور وحركات أخري تبرز وهي مشغولة بالدفاع عن تلك العالميات ومحاولة إسقاطها على الواقع يغني كل منهم على ليلاه .

ولكنهم تنبهوا أخيرا إلى تغيير ظاهرة لا يتم إلا بمعرفة قانونها وذلك لا يتم إلا بتحليلها وفهمها بعيدا عن كل أفكار مسبقة فكثفت دراستها للواقع التحامها به فكان ذلك عاملا فعالا في إعادة الاعتبار لها واتجاهها نحو توحيد صفوفها واعتبار العالميات كلها مجرد تجارب للاستفادة وليست نماذج للإقتداء .

إن الفكر الفعال لا يولد إلا من خلال تفاعله مع الواقع وإنه لا وحدة إلا على صعيد الواقع إعطاء حاجاته ومقتضياته الأولوية لا ينازعها أولويتها إلا صريح الوحي ولا أمل في بناء أيديولوجي استراتيجي إسلامي إلا من خلال استيعاب كامل لمعطيات ذلك الواقع .

الفصل الثامن

جانفي 1984 ... وانتصرت الجماهير

( يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) ( من مات دون ماله فهو شهيد) ( حديث شريف )

إن أكثر المجالات إيقاظا للعقل البشري ودفعا للتأمل للتفهم وكشف لعلاقات البيئة والسيطرة ما يحدث من تحولات وتقلبات على صعيد الطبيعة والنفس والمجتمع فعلي هذا التأمل والدروس تعود الاكتشافات العلمية وما تولد عنها من تطور تقني هائل وإلى هذا التأمل تعزي الثورات الاجتماعية الكبرى التي حدثت في التاريخ وليست الحضارة الإسلامية وهي من أكبر التحولات في التاريخ البشري إلا ثمرة للرجة العنيفة التي أيقظ بها القرآن العقول من غفوتها ودفعها للتأمل في ما حدث ويحدث من تقلبات كبير على صعيد الطبيعة والمجتمع ففقد السيطرة عليها وتحولت دعوة القرآن للملاحظة والتأمل والتفاعل مع الواقع للسيطرة عليه إلى ما ورد مكرر يجتر في حلقات الذكر أو عقار في يد السلطة وفقهائها لتخدير العقل .

وإن ما حدث في بحر الأسبوع الأول من شهر جانفي وخاصة يوم 3/1/1984 لجدير جدارة تصل حد الواجب بأن يلي أقصي الاهتمام التأملي من كل ذي لب وطموح للتغيير.فماذا حدث وما هي أسبابه ؟ وما هي النتائج ومواطن العبرة؟

الحدث!

منذ الإعلان في آخر سنة 1983 عن تسعيرة الخبز الجديدة حتى انطلقت مجموعة من التحركات الشعبية في مناطق الجنوب التونسي : قبلي والحامة , وقفصة والقصرين .. الخ وكان إعلان السلطة عن سقوط أرواح فيها مؤشرا على ضخامتها تلاه تصعيد هائل في قوتها وشمولها عم البلاد كلها – تقريبا – يوم الثلاثاء 3/1/84 فشهدت المدن الكبرى وخاصة العاصمة وصفاقس سيولا بشرية جارفة اكتسحت في طريقها قوات القمع وقد ذكرت صحيفة " العمل " في افتتاحيتها يوم 4/1/1984 أنها تحمل شعارات سياسية ودينية وتحرق في طريقها السيارات والحافلات العمومية والمؤسسات العامة والخاصة وجاست خلال بعض الأحياء المترفة تقتحم حتى البيوت إتلافا وإفسادا واعتداء فاستنجدت السلطة بالجيش وأعطت أمرها بإطلاق النار وأعلنت حالة الطوارئ ويوم الجمعة صباحا أعلن بورقيبة عن لعودة عن قرار الدعم عن أسعار الحبوب واعتبار الأمر كأن لم يكن وفي مساء اليوم نفسه نظمت مظاهرات تهتف بحياة بورقيبة وبسقوط مزالي !!

أعلنت وسائل الإعلام التونسية عن ندوة سيعقدها وزير الداخلية وقتها " إدريس قيقة ثم الغيت وراج أن سيناريو قد أعد لتحميل الإسلاميين مسؤولية ما حدث ودعم ذلك حملة الاعتقالات التي شنت ضد عناصر معروفة بانتسابها للاتجاه الإسلامي تم اعتقال البعض في منازلهم مما يؤكد نوايا النظام المبيتة غير أن بورقيبة بدا أكثر ذكاء من أعوانه لأن نسبة هذا التحرك الهائل للإسلاميين في قضية مست قطاعات الشعب يعد أكبر خدمة تقدم للإسلاميين فأعلن أنه لن يحاكم إلا من تورط في جرائم حق عام " الحرق والنهب , الخ.

لوحظ أن مظاهرات الطلبة صبيحة الثلاثاء كانت منظمة لم تتورط في إفساد وأن الطابع الإسلامي خاصة من خلال كثافة المناضلات الإسلاميات كان بارزا مما ترك انطباعا أن الإسلاميين كانوا منطلق الأحداث وخلافا لذلك كانت مظاهرات المساء مدمرة ومع امتعاض الكثير من المتفرجين فقد كانت هناك شماتة عامة وشعور خاصة بعد تراجع النظام أنه لم يكن مجديا إلا هذا الأسلوب بعد أن فشلت الأساليب السليمة في الضغط على هذا النظام

الأسباب

يبدو أن السبب المباشر هو الزيادة الفظيعة في ثمن العجين والخبز بالذات وكأن هذه الزيادة أفاضت كأس الغضب الشعبي بعد موجة الزيادات العامة في بقية المواد مما جعل هذه الزيادة تأخذ مظها استفزازيا صارخا لقطاع عريض من الشعب وشعورا باستهانة النظام بأحوال الجماهير المتردية وضعها في موضع الاختيار بين حلين قد يؤديان لنفس النتيجة إما بالموت صمتا وجوعا وإما الموت في الساحة ففضلت الأخير رغبة في الثأر والتنفيس والموت العزيز مع أمل ضيئل في النص .

تفاقهم أزمة البطالة ثمرة لاختيارات التبعية وتقلص الاستثمارات الداخلية واضطرار كثير من المؤسسات إلى غلق أبابها ولما يسود رأس المال المحلي من عدم الاطمئنان ثم انعكاس الأزمة العالمية على الوضع الداخلي وغلق أبواب الهجرة إلى أوروبا وتركز مشاريع الاستثمار الأجنبي على قطاعات لا تشغل يدا عاملة وافرة كالسياحة أو الفلاحة الصناعية ومع تزايد النسل – وإن كان محدودا – وفي ظل برنامج تعليمي انتقائي موروث من العشرية السابقة ( السبعينات) مع كل ذلك اتسعت الفواق الاجتماعية بين المترفين ( السلطة وحلفاؤها وسطاء صناعيين , إقطاعيين .. الخ) وعالم المحرومين المتسارع النمو حتى كاد ينعدم مفهوم المواطنة بين هذين العالمين ونجد أنفسنا أمام أكثر من تونس .

فقدان الخطاب السياسي للسلطة مصداقيته بعد استرجاع شئ منها في بداية عهد محمد مزالي لظهوره بمظهر المجدد المنتقد للسياسة السابقة معتمدا علي قدراته البلاغية خاصة بعد الترضيات التي قدمها لبعض المعارضين ولذوي الثقافة الغربية .

لقد شكل ركود المعارضة والنظمة الشغيلة أهم عامل لاستقرار الوضع منذ ثلاث سنوات كان فيها النظام متفرغا تماما لقمع الإسلاميين رغم أن هذه السنوات شهدت من جهة أخري هجمة رأسمالية شرسة للسيطرة على اقتصاد البلاد وتجذير تبعيتها للنظام الدولي تحت عناوين كثيرة وتحت إشراف المؤسسات الرأسمالية كالبنك الدولي

كما شهدت البلاد خلال هذه المدة مزيدا من نمو القطاعات الهامشية كقطاع الخدمات والسياحة ووسائط على حساب قطاعات أساسية استمر تدهورها كالقطاع الفلاحي مما زاد الوضع الاقتصادي والاجتماعي تدهورا وفقدت الجماهير من يصدقها القول ويعبر عن همومها رغم كثرة الخطباء في صف السلطة والمعارضة والنقابة وفقهاء السلطة والجميع يعزفون لحن النفاق ويتفننون بمحاسن الديمقراطية والتفتح والاستقرار على مرآي ومسمع طوابير الجائعين .فمن للضحايا يواسي الجريح .. ويرفع رايتها من جديد ؟؟؟

ليس عجيبا أن يحدث ما حدث وإنما العجيب أن يتأخر حدوثه حتى الآن يقول الإمام عمر رضي الله عنه عجبت لمن يدخل بيته ولا يجد قوت عياله كيف لا يخرج شاهرا سيفه على الناس ؟" وأى حقوق يملكها مجتمع على أفراده إذا ضن عليهم بضروريات العيش الكريم مقابل ما يمنحه للحاكم وملئه من نعيم كافر ترف فاجر واندفاع نحو الاستهلاك التظاهري ؟ ومن الطبيعي أن يورث هذا الترف الفاجر وثقافة التغرب والميوعة انحلال للقيم الاجتماعية والخلقية والدينية وأن يتضاءل أو ينعدم الانضباط في السلوك والقول ويتولد جيل الضياع لقد تساءل أحد علماء الاجتماع أليس طبيعيا أن يكون أكثر المجتمعات العربية تقدما هو اقلها انضباطا ( يقصد تونس ) لكم ردد مدعي الديمقراطية والتفتح وهو ينظر للظالم مقولة ابن خلدون الظلم مؤذن بخراب العمران.

ومما يلحق بالتناقض بين الأقوال والأفعال في الخطاب السياسي – رسميا كان أو حتى معارضا – رفع الشعارات الفضفاضة البراقة وإلقاء الخطب " البليغة " حول الديمقراطية مع ممارسة أبشع أنواع الإرهاب مما لم تكن تشهد له البلاد نظير بالقياس إلى طول المدة ( ثلاث سنوات ) شهدت محاكمة أربعة تنظيمات خاصة وقد اتجه القمع هذه المرة أساسا لا إلى نخبة مثقفة معزولة عن ثقافة الجماهير وإنما إلى أناس معروفين بأشخاصهم في قراهم ومدنهم بالاستقامة والصدق والتقوى عرفوا بأشخاصهم حتى قبل أن يعرفوا بانتمائهم إلى تنظيم معين ومما يزيد الظاهرة عجبا أن عملية القمع تتم تحت راية الديمقراطية وأنه في الوقت الذي يقمع فيه الإسلاميون يمكن آخرون من حق العمل القانوني وتمكن أحزاب أخري وتعطي صحف لآخري وتعقد المؤتمرات والانتخابات وتتبادل تهاني الديمقراطية .

وحى منظمة الكادحين لم تكن في مستوي الحدث وقد قبلت الدخول مع النظام في مفاوضات لتمديد التعويض الذي سيدفعه هذا الأخير لأصناف من الشغالين ! فمن لنصف المليون من البطالين والمليون من الطلبة والتلاميذ الذين تنتظرهم البطالة ؟ من لصوتهم من مبلغ ولاستغاثتهم من مستجيب ؟ وأى حكم أعظم من هذه المناخ من: ماحك جلدك غير ظفرك / فتول أنت جميع أمرك !!

دلالة الأحداث

إن هذا الحدث محطة كبري لابد لراغب في فهم هذا المجتمع أو تغييره من الوقوف عنده طويلا من أجل إعادة ضبط مساره واختبار إلى أى مدي هو في الطريق السليم متسلحا بقدر كاف من الجرأة المحاسبة نفسه والاعتراف بأخطائه – إن كان مخطئأ – غير مستنكف من الإقدام على إجراء أى تعديل يكشف عنه تحليل الوضع من خلال الحدث ودلالته .

إن الملاحظ المحايد فضلا عن المواطن لا يملك إزاء قوة الاندفاع الجماهيري والمد الثوري لهذا التحرك الذي اكتسح في طريقه كل أدوات القمع المادية بعد أن اختراق ببصره النافذ وحسه المرهف كل الغيوم الداكنة المضللة التي ما فتئت النخب الثقافية والسياسية المتغربة مع رأسمال عميل تبثها على نطاق واسع ولا يملك إلا أن يرفع تحية إكبار لجماهير شعبنا وأن يفيض قلبه ثناء على الله تعالي أن جعله مواطنا في هذه البلاد وإبنا من أبناء هذا الشعب فليس عاديا أن يحاصر نظام مسلح بأدوات قمع هائلة من طرف جماهير عزلاء وأن تحمله في سرعة هائلة وبفعالية نادرة على الخضوع لقرارها .

نعم قد تراجع هذا النظام في مرات سابقة ولكن على مراحل أما هذه المرة فلم تترك الجماهير مجالا لسياسة المراحل تحفظ ماء الوجوه فكان الانتصار بالضربة القاضية وليس بالنقاط وهي دلالة حرية بطرد بعض الوساوس التي قد تراود بعض المناضلين حول وعي الجماهير وفاعليتها مغترين بما يروجه الأعداء المتخاذلون الذين يشيعون صورة زائفة عن هذه البلاد إنها بلاد الرخاوة واللين وربما حتى الميوعة وقد يكون في دماثة التونسي ولطفه ما يغري بذلك ولكم اغتر بذلك طغاة ولكنهم فوجئوا بما قلب موازينهم في مناسبات كثيرة ولذلك فإنه حري بالمناضلين بدل أن ينهالوا على الجماهير فحملوا بصدق وشجاعة قضاياها؟ أم هم مترددون لم يحسموا أمرهم يرضون هذا مرة وذاك أخري ؟

ولا ينقص من أهمية وروعة الحد ما حدث من إفساد لا يرضاه المؤمن ولكنه يفهمه وتجريد الوقائع من إطارها يحرفها ويمنعها من فهمها .. فما حدث كان انفجارا لشحن هائلة من الغيظ والكمد والحرمان واليأس هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإن اندفاع الجماهير في حالة شديدة من المقت والغضب مع غياب التأطير كفيل بتوفير مناخ للسلوك اللامسئول فضلا عن احتمال تسرب نواتات مخربة من مليشيات أقصي اليمين أو أقصي اليسار استغلت التحرك التحقيق مآرب خاصة وتصفية حسابات أو توريط بعض الأطراف وإلباسها التهمة .

وغياب التأطير يطرح على القوي السياسية الحية بل يلقي عليها وقوعها في مستوي من الوعي والطاقة النضالية والثقافية هو دون مستوي وعي الجماهير وثقافتها ومصالحها بسبب غربتها عن الجماهير مصلحيا وثقافيا إنه لمؤسف حقا وقوع لقطاع الأوسع من فئات شعبنا المسحوقة خارج كل تنظيم فما جدوى شعارات فضفاضة يحملها هذا التنظيم أو ذاك إن لم يؤطر ذلك التنظيم فكره وخططه ويربط مصيره ربطا نهائيا صادقا بمصالح الجماهير وهمومها وتطلعاتها المستقبلية ؟

إن هذه الأحداث تعد مؤشرا مهما جدا على القطيعة الهائلة بين شريحة المثقفين الذين يمارسون القيادة على الصعيد الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي مما جعلها عاجزة عن تأطير الجماهير التي لا تنتمي لا إلى الفئة المثقفة المستعجمة ولا إلى الطبقة العاملة وإنما تنتمي أساسا وفي معظمها إلى الشباب شباب المدارس والجامعات والعاطلين عن العمل الذين يملأون شوارع وأزقة الأحياء الشعبية والأرياف هذه القوة الجديدة التي سمّاها بعض المرؤخين بـ " البروليتاريا الرثة" نجحت في التحكم شبه الكامل في الشارع التونسي من الشمال إلى الجنوب ولقد حملها وضعها المهين ويأسها من المستقبل أن تندفع لا تلوي على شئ متحدية الموت .. وهل لها من حياة ترجح على الموت وهي تعيش المرارة واليأس والذل ؟؟

لقد اندفعت تحطم كل شئ في طريقها ولماذا يحافظ على عمران قائم على الظلم ؟ولماذا تغار على رفاه هي محرومة منه ؟ ولماذا تحترم أخلاقا تخديرية قامت على أساس تدمير كل خلق إنساني ؟ إنه ليس من حق مجتمع أن يطالب أفراده بالدفاع عنه إذا لم يقم بواجبه نحوهم في توفير العيش الكريم وأقل الواجب في عهد الأزمات الاقتسام بالسوية ألم يثن رسول الله صلي الله عليه وسلم على الأشعريين وهم قبيلة يمنية لأنهم إذا أرملوا ( افتقروا ) جمعوا أقواتهم فاقتسموها بينهم بالسوية فقال " فأنا منهم وهم مني" .

لقد حاق بقصور التف التي شيدت تحت ظل هذا النظام بدماء وعرق الكادحين وهو بعض ما يحيق بالظالمين ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرنها تدميرا ) وليس ينتظر البلاد في ظل الجور السائد إلا المزيد من التدمير وإنما هذا تحليل وليس تبريرا لطالما فخر النظام بأنه وحد البلاد وقضي على القبلية ولكن الواقع يشهد لكل ذي سمع أو بصر أنه لم يفعل في النهاية سوي قيادة البلاد إلى حرب الكل ضد الكل فأى وحدة قومية يتغني بها بين قصور :" المنزه " و"قمرت" و" قرطاج " وبين " الملاسين" و" السيدة" و" لاكانيا " و" المثاليث " و" ابن عروس " ؟

وأي إخوة بين المدن الساحلية التي تتمتع بالقسم الأكبر من خيرات البلاد حتى جلبت إليها معظم الأنهار الشمالية على بعد مئات الكيلومترات وبين مدن الشمال الغربي والوسط والجنوب وحتى أن المسؤوليات الكبرى في البلاد لا يبعد أن يكون نصيب منطقة الساحل منها يزيد على 80% بل ربما أكثر من ذلك.

هل من عجب أن تنطلق شعارات الثورة من الجنوب الذي كثيرا ما يعاني من الجفاف ؟ ولم تكن المظالم الاقتصادية هي السبب الوحيد إذ كان رفع الدعم عن الحبوب هو الشعرة التي قصمت ظهر النظام أو كادت فلقد ضاقت النفوس ذرعا بتواصل سياسة الدجل والتناقض بين الشعار الذي يرفعه النظام والواقع فمنذ هذه السنوات التي تكثف فيها الحديث عن الوحدة المغربية والعربية الإسلامية شهدت البلاد تفاقما خطيرا وإغراقا كبيرا لسياسات التبعية والتغريب والاستغلال الدولي.

فكانت أحداث جانفي تعبيرا صارخا عن بلوغ الغضب حده الأقصى بعد أن تجمعت أسبابه الاقتصادية والثقافية والسياسية المختلفة وعبرت الجماهير – رغم بعض الممارسات المفهومة والمؤسفة في بعض الأحيان والتي تدخلت فيها بعض عناصر أيدي النظام نفسها – عن مستوي راق من الوعي والتضحية ممزقة شر ممزق الصورة الزائفة لتونس " الاعتدال والتسامح " التي اجتهد النظام في غرسها ..

إن النفس لتمتلىء اعتزازا بالانتماء إلى تونس الحقيقية .. تونس المستضعفين تونس الثورة تونس الأصالة التي برهنت مرة أخري وبشكل رائع أنها أكثر صلابة من كل محاولات التمييع وأكثر ثورية من كل ضروب الاحتواء البجوازي الاستكباري وأكثر أصالة من كل فقاقيع النخب الثقافية المتغربة الطافية على السطح إنها تونس الباحثة عن نفسها عن هويتها بكل حدة وعنف واحتجاج صارخ رافضة كل الوجوه الملوثة بلوثة التبعية والتغريب – على تعددها – لقد بدأت تجد نفسها منذ سنوات حيث رفعت الجماهير لأول مرة شعار " لا إله إلا الله / بورقيبة عدو الله " والشعب مسلم ولن يستسلم رغم أن تحركات جانفي هذه السنة كانت العفوية هي طابعها العام فهل يرتفع الإسلاميون إلى مستوي طموح الجماهير ويدفعوا الثمن وعيا وإخلاصا ووحدة صف وتضحية بلا حدود ؟ ذلك هو أمل تونس !

من هو وراء الأحداث

لقد عودنا النظام على السير في ممارساته اللاشعبية حتى إذ ا تورط طفق يبحث عن " الأيدي الآثمة " والتي حرضت " الشعب " وهو تماد في المغالطة والسفة وكأن هذا الشعب مجموعة بهائم لابد لها من عصا تسوقها لتتجه في أية جهة .

إن هذا السؤال يغلب عليه الطابع البوليس وينطوي في كثير من الأحيان على تجاهل وتحقير . تجاهل لوجود دوافع حقيقة وصارخة للتحرك الجماهيري في أشكال كثيرة قد كون ما حدث هو من أدني مستويات التحرك الممكن .

تقولون هناك عنف ولكن أيهما أعنف الفعل الصادر عن النظام أم رد الفعل الصادر عن الجماهير؟ من لطخت يده بالدماء : النظام أم الجماهير ؟ فلم التجاهل وقلب الحقائق ؟أما ما ينطوي عليه السؤال من تحقير للجماهير فيتمثل في النظر إليها وكأنها قاصرة بلهاء إن لم تكن إذا تحركت فبتأثير جهة خارجية عنها تحركها من وراء ستار إنه المنطق الدائم لهذا النظام منذ ما ينيف عن ربع قرن " الشعب معنا لولا أن هناك شرذمة تضلله" أو بتعبير " مدعي التفتح والديمقراطية" : " فئات تتلاعب به وتدفعه إلى المذبحة لتحقق مآربها " أه منطق الطغاة منطق الكبر والاستعلاء والتجاهل كفي تمويها .

بعض الناس يأسفون لما أصبح عليه الشعب من تعلق بالخبز وما أبداه من استعداد للموت في سبيله ولم يفعل ذلك مع قضايا أهم من ذلك مثل قضية فلسطين والحرية والديمقراطية والإسلام وهو مأخذ يبدو للوهلة الأولي حاملا لمصداقية ولكن شيئا من التأمل في الأوضاع الضنكي التي تعيشها فئات واسعة من شعبنا تذهب بكل هذه الدعاوي ألم يقترن الفقر في ابتهالات رسول الإنسانية بالكفر :

" اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر" ؟ ألم يستعذ من غلبة الدين وقهر الرجال ؟ فما بالك إذا اجتمعنا على أحد الفقر والديكتاتورية أو الفقر بجوار الترف القاهر المنكب ؟ ألم يجعل الله سبحانه الجهاد في سبيله مقترنا بالجهاد لإنقاذ المستضعفين من الترف والقهر :" وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان) أليس ملفتا أن تكون هذه الأصناف ذاتها من المستضعفين هي التي تحركت فقهرت المستكبرين : العملة والفقراء والبطالون والنساء والشباب ؟

هذا من وجهة ومن ناحية أخري فإن التحرك من أجل قضية معنوية ( الحرية والدين) لا يتم إلا إذا ارتبطت تلك القضية بمجموع الكيان الثقافي والمعنوي للإنسان والجماهير وبقدر ما يقوي ذلك الارتباط بقدر ما يكبر العطاء الفداء والعكس بالعكس فمن ذا الذي بذل جهدا أو جعل من إستراتيجيته ربط قضية تحرير فلسطين بثقافة المسلم وتراثه ودينه ؟ بل الذي حدث هو العكس بذلت أقصي الجهود من أجل فصل القضية عن إطارها التاريخي أساسها الثقافي طرحا غريبا منبتا مؤلما والمقارن بين عطاء الجماهير لهذه القضية سنة 1948 حيث تذكر الوثائق التاريخية " أنه سافر على الأقدام 2500 حيث امتد التدمير الاستعماري أكثر تمزيقا في كياننا الثقافي يدرك سر برود الجماهير تجاه كل البرامج السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية التي تطرح عليها من طرف أنظمة العمالة والتبعية .

والملفت للنظر أيضا أن مئات الأرواح التي أزهقت من يتحمل مسؤوليتها ؟ إن ممتلكات الدنيا لا تعوض نفسا واحدة فمن الآم بذلك ؟ لا مناص من أن يحاسب .ولكن هؤلاء الذين نفذوا الأمر بالدقة المطلوبة أى أناس هم ؟ في أى بيئة نشأوا أليس لهم أبناء أو إخوة أو أخوات ؟ أما كان لهم أن ينفذوا الأمر شكليا فلا يصوبون نحو الهدف أو إن اضطروا في أسوأ الحالات أن يتجنبوا المقاتل ؟ يبعد أن يكون هؤلاء تربوا في عائلة تونسية قد يكونوا هم أيضا ضحايا وثمرة من ثمار الفساد غرست سنة 1956 فأثمرت هذا الزقوم أنه لابد من تربية عيد للإنسان اعتباره وبغير ذلك فلا حرية ولا ديمقراطية.

وباختصار أن هذا التحرك يمثل مرحلة متطورة من نضالات الشعب تبشر بكل خير ورفض وإدانة لسياسات التبعية وإدانة للعبة الديمقراطية المكيفة التي أرادها النظام وإدانة لخطاب فقد مصداقيته إدانة لديمقراطية ليس لها من مضمون اجتماعي أو ثقافي عدا التمويه إدانة للتحالف الموضوعي بين النخبة السياسية والثقافية ومن ناحية أخري هو إدانة للنقابة التي سارعت إلى تفجير التناقضات الداخلية وهي مرحلة متطورة من نضالات شعبنا نحن شديدوا الاعتزاز بها .

الفصل التاسع: حوار مع الشيخ راشد الغنوشي

( النهضة حاليا)

في الذكري الخامسة عشرة لتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي
  • السؤال الأول : تشكلت إثر عودتكم من المشرق نواة غير رسمية للعمل الإسلامي في تونس بينكم وبين الشيخ عبد الفتاح مورو ما هي خلفية وأهداف هذه المبادرة ؟ وكيف تنظرون الآن للحظة التأسيس ؟
إن الحمد لله نحمده ونستعينه نستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أحمد لتونس الشهيد جهدها في المساهمة في إحياء هذه الذكري الطيبة هذا المعلم المهم في تاريخ تونس الحديث أعني تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي أو الحركة الإسلامية في تونس في تشكلاتها المختلفة .
الحركة الإسلامية في تونس بمعني إحياء ما ندرس من عقائد الإسلام إحياء المفاهيم الإسلامية وصبغ الحياة بصبغة الإسلام تشكل تيار إسلامي يسهر عليه ويوهه تنظيما وقيادة هذا الذي نعنيه بالحركة الإسلامية في تونس هذا التجديد في الفكر الإسلامي هذا التحرير للعقائد الإسلامية مما أحاط بها من خرافات وأوهام والعودة للعقائد الصافية الربط بين الحداثة وبين الإسلام على حين أن الحداثة في تونس
أو ما يسمي الحداثة نجحت إلى حد كبير في تهميش الإسلام تهميش دوره وتركيز النظر إليه على أنه عقبة في طريق أى تقدم وأى تحرر وأى دخول إلى العالم الحديث هذا الذي نعنيه بالحركة الإسلامية أما مطلق الإحياء الإسلامي فهذا لم ينقطع ظل هناك باستمرار محاولات لإحياء العقائد الإسلامية لإحياء التعليم الإسلامي العمل القسري المخطط من طرف السلطة لتهميشه حتى أن السلطة إذ تذكر الإسلام تذكره على أنه عقبة وهي إذ تشهد بعض مناسباته فإنما لدرء تهمة الإلحاد عنها ومع ذلك ظلت هناك كما ذكرت محاولات فردية للإحياء الإسلامي سواء تلك التي كان ينهض بها الشيخ محمد صالح النيفر أو غيرها
وكان هذا الشيخ رحمه الله قاد محاولة مهمة على صعيد التثقيف وعلى صعيد الإصلاح الاجتماعي والتعليمي في تونس الحديثة ما قبل الاستقلال مؤسسا لجمعية " الشبان المسلمين " التي مثلت الإطار الذي سبق الاتجاه الإسلامي في زمن مقاومة الاحتلال تركز جهد الشبان المسلمين على العمل الشعبي على العمل مع الناس على صعيد التثقيف الإسلامي والدفاع عن المفاهيم الإسلامية على صعيد التعليم والكشّافة وإيجاد مدارس للبنات ومدارس للبنين
وإن كان قد تخلي عن الجانب السياسي للحزب الدستوري في ذلك الوقت كنوع من تقسيم الأعمال ولما نهضت الحركة لما نهض هذا التوجه الجديد كانت جهود فردية قام بها الشيخ بن ميلاد رحمه الله فبعد أن انقطع التعليم في جامع الزيتونة في نهاية الستينات أحيي الشيخ بن ميلاد – رحمه الله – كانت له جهود .. وآخرون كانت لهم جهود فردية تشبه أن تكون جهودا يائسة بالنظر إلى التيار العام .
كان التيار العلماني في أوج انتصاراته ساحقا للإسلام مستيقنا أن الإسلام جزءا من تراث الماضي وليس شيئا غير ذلك في هذه المناخات تأسس عمل جماعي من نواه صغيرة تشكلت من عدد من الشبان معظمهم كانوا طلبة منهم الشيخ عبد الفتاح مورو الأخ صالح بن عبد الله الفاضل البلدي والتحق بهذه المجموعة الأولي بعد سنة في سنة سبعين ( 1970) تقريبا الأخ صالح كركر. هذه المجموعة كان نشاطها في المساجد دعوة على طريقة جماعة التبليغ وهي أول تجربة تعرفت عليها أنا شخصيا خلال دراستي في فرنسا إذ قد عدت من سوريا بثقافة إسلامية ولكنها غير مصحوبة بتجربة عملية في العمل الإسلامي .
كانت أول تجربة حركية عملية مع جماعة التبليغ في باريس سنة 1969 فتعلمت منهم مخاطبة عامة الناس .. كنا نذهب للمقاهي إلى الحانات في الحقيقة محاولين استنفاذ العمال المغاربيين الذين لم يكن لديهم أى توجيه إسلامي إخوة التبليغ أرسوا نواة في باريس للعمل الإسلامي أدركتها أنا عندما التحقت بباريس سنة 1969 وكان لنا مسجد صغير في " بال فيل " وهناك كانت لى أول تجربة في العمل الإسلامي وفي مخاطبة عامة الناس وتحويل النظريات الثقافية إلى واقع حركي بهذه التجربة عدت إلى تونس عدت بثقافة إسلامية مصادرها الأساسية كتابات الإخوان وكتابات المودودي ومالك بن نبي إلى جانب الثقافة الفلسفية التي تكونت بها .
إذن تعايشنا وتعاملنا وتفعلنا مع واقع معلمين مع واقع مغرور مع واقع مفتون مع واقع يئس الناس من عودته للإسلام لقد كانت القطيعة كاملة تقريبا بين عالم الحداثة بما هو مدارس وجامعات وإدارات وصحافة هذه كلها قد استقلت بها العلمانية انفردت بها وهمش فيها الإسلام تماما وبين بقية إسلامية تعيش في عالم قديم عالم يحتضره عالم المسنين بقية الزيتونيين الذين همشوا بقية من الصوفية بقية من المواريث .. يعني كانت هناك قطيعة كاملة ولذلك لم يكن هناك شاب في الجامعة ولا دارس ولا إداري ولا امرأة حديثة تتحجب حتى بقية جامع الزيتونة في الستينات انتقلت إلى معهد ابن خلدون وانتقلت بعد ذلك إلى الجامعة التونسية كان هنالك حوالي ثلاثة آلاف طالب من بقية الزيتونيين لم يكن يصلي منهم سوي أربعة أو خمسة وهذه المؤسسة الزيتونية احتضرت وانتهي أمرها وخلفها تعليم علماني بحث .
في هذا المناخ بدأت نواة صغيرة من الشبان ذوي تجربة محدودة يدعون إلى الله سبحانه وتعالي انطلاقا من بعض المساجد مثل جامع سيدي يوسف ويطوفون على القوي المجاورة لتونس وحتى البعيدة على طريقة جماع التبليغ يذهبون إلى القرى ويتوزعون على المقاهي الشوارع يدعون الناس إلى الصلاة يدعونهم إلى المسجد وهنالك ينتصب لواعظ يذكرهم بعقائد الإسلام واجباتهم تجاه دينهم ويصحح المفاهيم ويدعوهم إلى أداة الصلاة أيضا كان لهذه النواة نشاط مع جمعية المحافظة على القرآن الكريم " ويتمثل هذا النشاط في دعوة الشبان وخاصة الذين هم في السنوات المتقدمة كالباكالوريا إلى حلقة نقاش .
وقد تأسست سنة 1970 أول حلقة نقاش في جامع سيدي يوسف تضم حالي ثلاثين أو خمسين شابا معظهم كانوا تلاميذ عندي في الباكلوريا في معهد ابن شرف فاتفقنا على أن نبحث على مكان للنقاش .. للحوار ولم نجد مكانا غير المسجد فقبل هؤلاء الشبان أن يذهبوا إلى المسجد لا لأداء لصلاة وإنما لمواصلة النقاشات الفسلفية التي لم يكن الفصل الدراسي يتسع لها لأن الفصل الدراسي ملتزم ببرنامج .
مستوي ثان للنشاط هو انتقال هذه المجموعة من جامع سيدي يوسف إلى جمعية المحافظة على القرآن الكريم فكانت مساء كل سبت تقام ندوة وتختم بنوع من الأناشيد الدينية مثل الصين لنا والهند لنا وأمثال هذه الأناشيد غير أنه لما انعقد مؤتمر جمعية المحافظة عل القرآن الكريم وكان المؤتمر الأول والأخير سنة 1970 استطاع هذا التيار أن يدخل للجمعية بقوة ويفرض توجها جديدا فيها فكتب في 4 أفريل ( نيسان) 1970 فيليب هرمان أظن مراسل جريدة لوموند في ذلك الوقت كتب عن تيار ثوري إسلامي يدخل جمعية المحافظة على القرآن الكريم بينما الأسواق المجاوزة لم يكونوا على علم بهذا الأمر
وقد كانت جمعية المحافظة على القرآن الكريم ما زال مقرها في سيدي ابن عروس يعني في قلب المدينة العربية ( العتيقة) وحتى التجار المجاورون لم يكونوا يعلمون وماسل " لوموند" لم يخفي عنه رصد هذه الظاهرة وربما يسجل لجريدة لوموند أنها أول أداة إعلامية رصدت ظهور الحركة الإسلامية في تونس ولم تلبث وزارة الداخلية أن تدخلت وضغطت على مؤسسي الجمعية على مشائخها الشيخ بن سلامة والشيخ المستاوي , والشيخ الشاذلي النيفر رحمهم الله ضغطت عليهم لطرد هذه المجموعة فرجعنا إلى المسجد
ولم ننقطع في الحقيقة عن طريقة التبليغ وإنما اتخذنا لفترة الجمعية منطلقا لعملنا التثقيفي هذا المتجه نحو الشبان والدارسين ولعملنا التبليغي المتجه نحو عامة الناس فرجعنا بهذا العمل إلى لمسجد ولم يكن هنالك تضيق على المسجد في ذلك الوقت لأن السلطة لم يكن أمامها مشكل المسجد قد احتظر بنفسه ولم يكن في حاجة إلى أن توضع له قوانين تضبط عمله وتضع الحدود في السبعينات كانت هناك فسحة واسعة في المساجد نظرا لأن النظام التونسي اطمأن إلى أنه قد أجهز على الإسلام .
ويذكر أنه سنة 1969 في نفس السنة التي ولدت فيها النواة الأولي حاضر أستاذ لعلم الاجتماع مشهور هو عبد الباقي الهرماسي راصدا تطور ما أنجزه التحول العلماني في تونس من آثار على الدين في مجتمعنا لينتهي إلى أن المجتمع التونسي قطع في طريق العلمنة أشواطا لم تعد معها خشية من العودة للماضي .
كان لتلك المجموعة ناشط على مستوي آخر هو الجامعة فالشيخ عبد الفتاح ومجموعة من الإخوة كانوا طلبة في الجامعة فكانت هناك فرصة للانتقال بالفكرة الإسلامية من الجامع إلى الجامعة وأول مسجد تأسس في مبيت باردو وقد كان مبيتا ( سكنا جامعيا ) للبنين في ذلك الوقت مجموعة من الشبان الأتراك أسسوا أول مسجد في الجامعة وهم طلبة كنت قد تعرفت عليهم في باريس أرسلتهم الجامعة التركية لتونس لأجل أن يتدربوا في معهد بورقيبة للغات الحية أن يأخذوا دروسا في العربية
ونظرا لكونهم أتراك فقد اضطرت إدارة الديوان القومي للشؤون الجامعية لما طلبوا مسجدا سترا لماء الوجه وحتى يبرز أن في تونس وجه إسلامي سمح لهم بذلك على أساس أنهم سيبقون سنة وتنتهي هذه الظاهرة فلا أحد كان يتصور أن شابا يمكنه أن يصلي وأهم منشط كان لاتحاد الطلبة في ذلك لوقت هو تنظيم حفلات الرقص ليلة الأحد وتنظيم رحلات مختلطة يراق فيها لحياء وتهرق فيها الخمور .
لم يكن الأتراك فقط يصلون كان المسجد كبي وكانت لنا فسحة لنقيم الندوات ونحيي المناسبات كالمولد سائر لمناسبات ولم تكن هناك معارضة تذكر لأن الإسلام لم ينظر إليه على أنه يمكن أن يشكل خطرا في ذلك الوقت النظام التونيسي لم تكن له تجربة في مقاومة الحركة الإسلامية كان منشغلا بمقاومة اليسار لا سيما وأن الحركة الإسلامية لم تطرح نفسها طرحا سياسيا وإنما كانت تطرح نفسها طرحا ثقافيا اجتماعيا عقائديا .
إذن فبحكم أن النظام لم تكن له تجربة وبحكم الطرح الذي تطرحه هذه المجموعة كان ينظر إليها على أنها نوع من الموضة كسائر الموضات ما ينبغي أن يلقي لها بال غير أنه لما رجعت المجموعة الطلابية سنة 1971 وجدت أن المسجد قد أغلق لأن مجموعة الأتراك قد عادوا إلى بلادهم فناضلت الجماعة حتى استعادت مسجدها وتأسس بعد ذلك مسجد آخر في رأس الطابية وبدأت عملية دخول الإسلام إلى عالم الحداثة !!..
نوع من الفتح الإسلامي لمؤسسات العلمنة ظل يكتسح بسرعة كبيرة نظرا لما أحدثته العلمنة من استفزاز للهوية وتحد للشعور الديني ما أحدثته من فراغ فكان هناك نوع من التعطش نوع من الشوق نوع من الحنين للإسلام ولا سيما من طرف الشبان الريفيين الذين كانوا يأتون للعاصمة وكانوا يعيشون في حالة من الاغتراب فقدمت لهم الحركة الإسلامية معني لحياتهم وقدمت لهم محضنا ووسطا يعيشون فيه دفء الإيمان والتراحم والتعاون.
على حين أن الشباب الذي يأتي من " قبلاط" أو من " توزر" أو من " غار الدماء" كان يشعر كأن هذه المدينة ليست مدينته كأن هذه البلاد ليست بلاده ويجد نفسه بين أمرين بين أن يخلع عنه ثوب الحياة والتربية التي تلقاها وينسلخ من جلده وبين أن ينكفئ على نفسه الحركة الإسلامية قدمت أمام هؤلاء الشبان جسرا يعبرون من خلاله إلى العالم الحديث مؤطرا في إطار إسلامي .
كان يجمع بين أولئك الشبان نظر للإسلام أن نسميه الإسلام الشامل أو النظرة الشمولية للإسلام على أنه عقيدة وحياة وسياسة وأخلاق ودين ودولة وحضارة كانت تجمعهم رؤية سلفية في العقيدة فكانوا ثائرين على مظاهر البدع والخرافات والإسلام الإحيائي النظرة الإحيائية وضروب الشرك التي كانت تتلبس بعبادة عامة الناس فكان للحركة جهد في تحرير العقائد من الخرافات والأوهام وألوان البدع وهو نوع من الإيقاظ العقلي أيضا كان يجمع هؤلاء الشبان رؤية في الواقع عل أن هذا الواقع القائم .
ليس إسلاميا هذا التأطير السياسي والتربوي والثقافي الذي فرض على البلاد هو تأطير ليس إسلاميا هو تأطير علماني كان يجمع بين هؤلاء الشباب أيضا رؤية في العمل الإسلامي تنطلق من ضرورة العمل الجماعي لذلك كانت النواة الأولي تنظيما .
منذ البداية كنا مؤمنين أن العمل الإسلامي ينبغي ان يكون عملا جماعيا وأن الإصلاح لا يمكن أن يتم إلا في إطار جماعة لأن المشروع العلماني ليس مشروعا فرديا وإنما هو مشروع منظم تشرف عليه مؤسسات .. مقاومته لا يمكن أن تتم إلا بأداة مشابهة فكانت فكرة الجماعة فكرة أساسية في النواة الأولي ولذلك لم تكن هذه النواة من دون قيادة يوما .
منذ البداية كانت هناك قيادة بدأت قيادة الأمر الواقع القيادة التي يقبلها الناس من دون ترتيبات يعني تفرض نفسها كأمر واقع بجهدها وبمكانتها وبنظر الناس إليها واحترامها ي جمع بين هذه المجموعة نظر في ترتيب الأولويات على أن الأولوية لإصلاح المجتمع وليس لمواجهة الدولة كانت هذه الرؤية تنطلق من قراءة في السيرة النبوية على صاحبها أزكي الصلاة وأفضل التسليم أن النبي صلي الله عليه وسلم بدأ بإصلاح العقائد أنه بدأ بإصلاح القاعدة لإصلاح المجتمع وأ،ه حتى عندما عرض عليه مشركو قريش الملك أو الرئاسة أو الدولة
فقد رفضها حتى لا يظل مشروعه فوقيا وتتلاعب به النخب القرشية ينبغي أن يؤسس قاعدة يقوم عليها المجتمع وتقوم عليها الدولة وتاليا كنا رافضين للمشاريع الانقلابية لم نكن نري بأن تغيير جهاز الدولة كاف لتحقيق المشروع الذي نريد بل كنا نصر على ان مشروعنا يمر عبر تكوين قاعدة شعبية إسلامية مؤمنة بالمشروع الإسلامي وتناضل من أجله ولذلك لم نكن نتناول السياسة تناولا مباشرا وإنما نتناول السياسة في أبعادها الثقافية .
  • السؤال الثاني أنتم تلقيتم تثقيفكم الإسلامي في دمشق وهي حاضرة تعج بالنشاط الإسلامي في تلك لفترة وكان معكم من المؤسسين مجموعة من الشباب ما هي مصادر التلقي الإسلامي لبقية المجموعة الشيخ عبد الفتاح مورو والأخ صالح بن عبد الله وغيرهما ؟
في الحقيقة أن التكوين الذي عدت به من دمشق لم يكن تكوينا ذي تجاه واحد وإنما كان تمازحا بين مجموعة من الاتجاهات بين الاتجاه الإخواني وخاصة فكر سيد قطب الذي كان له وقع كبير في تلك المرحلة وأيضا الفكر السلفي وقد كان يمثله في دمشق في ذلم الوقت الشيخ ناصر الدين الألباني الذي تتلمذت في حلقاته وأيضا كنا متأثرين بكتابات مالك بن نبي وفي طريق عودتي من باريس إلى تونس مررت بالجزائر مرت بالأندلس وزرت قرطبة ومسجدها الكبير وتأثرت بالغ التأثر بمأساة الإسلام في الأندلس هذا التراث العظيم والمدنية العظيمة لتي قضي عليها فانغرست تجربة الأندلس في نفسي بما لا ينسي ..
عدت في الطريق كما قلت مررت بالجزائر وكنت قد قرأت كل كتابات مالك بن نبي فكنت في أشد الشوق إلى التعرف على الرجل مباشرة فزرته في بيته وتوثقت علاقة مجموعتنا بعد ذلك بهذا العلم والأستاذ الكبير لثلاث سنوات سنة 70 / 71 / 72 كانت المجموعة الأولي تزور الجزائر تغتنم فرصة انعقاد مؤتمر لفكر الإسلامي الذي ينعقد كل سنة وكان أول مؤتمر حضرناه في قسنطينة ثم بعده مؤتمر الجزائر ثم وهران ثم تلمسان كانت مجموعتنا تنتقل إلى الجزائر فكانت هناك فرصة للقاء أعلام يأتون من المشرق ثم اللقاء خاصة بمالك بن نبي في حلقته عندما عدت إلى تونس.
إذن عدت بهذا المزيج الثقافي مضافا إليه تجربة التبليغ بدأنا مبلغين ولكن بمضمون ثقافي يتجاوز التبليغ إلى رؤية شمولية وواصلنا على هذا النهج لمدة ثلاث سنوات إلى أن تعرضت لنا السلطة سنة 1973. تصدت السلطة للقاء عقدناه في الجامع الكبير بسوسة ضم تقريبا حصيلة من جمعتهم الحركة الإسلامية مجموعة أتت من تونس العاصمة ومجموعة أتت من القيروان حيث كنت أدرس ومجموعة أتت من قفصة وقد كان فيه " التيجاني السماري" الذي أصبح بعد ذلك من غلاة التشيع ومجموعة من الإخوة من الساحل حوالي ثمانين فردا اجتمعنا على نمط عمل المبلّغين وكنا نتجهز لنتوزع على كل قري الساحل بنوع من الرغبة في أن نفتح منطقة الساحل في يوم واحد فوزعنا الأمراء.
وقسمنا المجموعات عشرة عشرة وكل مجموعة على رأسها أمير ومتكلم وبمجرد ما انتهينا من هذا العمل حتي أحاطت بنا الشرطة وحملتنا على أن نذهب إلى مركز " الكوميسارية " ولما رأت من الشباب حماسا كبيرا والناس تجمهروا حول المسجد اكتفوا بأن أخذوا من بدا لهم أنهم الرؤوس فأخذوا الشيخ عبد الفتاح والعبد الفقير وحميدة لنيفر وظلوا يحققون معنا من أنتم؟ ما حو الحزب الذي تنتمون له ؟
فكان رد الشيخ عبد الفتاح نحن ننتمي لحزب الله فقالوا له متي تكون ؟ قال لهم منذ أربعة عشر قرنا .. بعد ذلك قرروا أن يجلونا في تلك الليلة من منطقة الساحل كلها فمنا من رجع في تلك الليلة سخرت له حافلة للعودة إلى القيروان ومنا من حمل إلى القطار للعودة إلى العاصمة والمجموعة الوحيدة التي تنتظر هي التي معها السماري فبمجرد أن رأي الجو قد سخن حتى انسحب منفردا وكان ذلك آخر يوم نلتقي به .
المهم أن مصادر التثقيف لمجموعة الشبان كانت متقاربة ولكنها لم تكن متحزبة يعني لم يكن هنالك نهج دقيق فكري وتربوي يجعل هؤلاء الشبان نسخا متطابقة فمثلا كان للشيخ عبد الفتاح تكوين صوفي تكون في الطريقة المدنية وتقدم فيها أشواطا ..
كان مرشحا لأن يكون المقدم في تلك الطريقة ظل مع المجموعة وفي نفس الوقت مع الصوفية يجمع بينهما لفترة إلى انحاز إلى المجموعة بالكامل وترك الصوفية بعد سنة أو سنتين من التعرف عليه ولكن المجموعة لم تر بأن الجمع بين المرين .. لم تمارس ترتيبات تنظيمية فتحمل الأخ على أن يترك الانتماء للصوفية وإنما تركت عملية التطور تجري بدون تعسف إلى أن ترك الأخ الطريقة الصوفية من دون أن يصدر قرار من المجموعة في هذا .
لا شك انه وقع تبادل فجماعة السلفية طامنوا من سلفيتهم مثلي أنا بمعاشرة الشيخ عبد الفتاح ولا شك فأصبح قدر من التصوف مقبول في الحركة مثلا القصائد الصوفية.. فالشيخ عبد الفتاح حافظ على قصائده وكانت تمثل لونا من ألوان التثقيف في الحركة في مناسباتها في الأفراح وفي المخيمات كانت هذه المادة الصوفية مادة مقبولة وأيضا الشيخ عبد الفتاح لم يكن عنده تصوف غال كان تصوفه تصوفا سنيا وكان من قبل مطلعا على كتابات سيد قطب وجملة من الكتابات الإسلامية الحديثة فكانت هناك لغة مشتركة بيننا كان بعض الشبان الآخرين ينتمون للصوفية لا مجال لذكرهم الآن لأنهم لم يحاكموا كانوا ينتمو للصوفية وابتعدوا عنها من دون تعسف ودون أن يصبحوا خصوما للتصوف ..
ذكرت في نص من النصوص أن الحركة الإسلامية التونسية هي مازج بين مجموعة من الألوان الثقافية كانت الحركة الإسلامية وفاقا بين مجموعة من الألوان الثقافية الإسلامية الأمر الذي طبعها منذ البداية بطابع الحوار ولم تكن العلاقات بين المجموعة الأولي علاقات شيخ بمريد وإنما كان هناك نوع من التقارب في السن وفي المستوي الثقافي ولم يكن هنالك شخص يزعم بأنه هو المؤسس , وبأنه هو الشيخ وبأنه ربي على صورته المجموعة وكان معترفا منذ البداية بحق التنوع وحق الاختلاف وضرورة الحوا وان يكون القرار شوريا وثمرة وفاق وليس ثمرة إملاء من شيخ إلى مريد ..
وقد مثل الشيخ محمد صالح النيفر مهما في توجيه هؤلاء الشبان فكانت حلقته في باردوا ذات تأثير كبير في المجموعة الأولي هو نفسه كان يعاملنا ليس كشيخ مع مريد هو شيخ الشباب كان يرتاح له الشباب كان يتواضع لهم ويحاورهم ويسمح لهم بمخالفته لقد كان ظاهرة شاذة في جامع الزيتونة.
كان يسمي " مهبول " آل النيفر. تكون في علاقة مع الشباب كان رئيس جمعية الشباب المسلمين وهو الشيخ عبد القادر سلامة بارك الله له في عمره .. كان هذا الثنائي فريدا من جملة المشايخ في التواضع وفي العلاقة مع الشباب وفي العلاقة مع عامة الناس مخالطة عامة الناس لأن جانبا من تراث جامع الزيتونة إلى حد كبير كان تراثا ارستقراطيا بمعني أن المشايخ كانوا يمثلون نوعا من الطبقة جهاز معزول عن الأرياف وعن حياة عامة الناس بينما كان الشيخ محمد صالح النيفر يعيش من الفلاحة له بستان في طبربة يشتغل فيه
لأنه يؤمن بأنه لا ينبغي أن يبقي عالة على الحكومة عالة على الدولة وكذلك الشيخ عبد القادر سلامة أيضا رغم أنه شيخ في جامع الزيتونة لكنه تعاطي التجارة كان يتاجر في الزيت ثم بعد ذلك اتخذ له بستانا يشتغل فيه بنفسه هذا أتاح لهما حرية إزاء الدولة وأيضا تعايشا اطلعا على حياة الناس فكانت علاقتهما بالشبان علاقة متميزة مثلت العلاقة مع الشيخ النيفر والشيخ سلامة والشيخ ابن ميلاد والشيخ عبد الفتاح تفاعلا مع تراث التدين التونسي فالمواريث التي أتت من المشرق لم تتمكن من أن تنفرد بسلطة التوجيه في تكوين المجموعة الأولي .
  • السؤال الثالث : في كتاب أصدره " مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان " الحركة الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي" ذكرتم أن هناك عناصر أساسية مكونة للظاهرة الإسلامية أولا العنصر الإخواني ثانيا لعنصر الأشعري المالكي الذي يمثل الموروث الفقهي المحلي والعنصر الثالث هو التقليد العقلاني المعتزلي كيف تعايشت هذه العناصر التي تبدو متباينة على الأقل في ظاهرها ؟ وأى لعناصر تعتبرونه أرجح في صياغة هذه الظاهرة .
ليس عندي ميزان أستطيع أن أزن به والذي أكدت عليه أن الظاهرة هي تفاعل بين هذه المكونات أى هذه المكونات كان سهمه أوفر في هذه الشركة ؟ أنا ذكرت أن البداية كانت للوارد بما حمله من قوة دفع وحماس كان له التأثير تفاعل ..
العنصر الإخواني السلفي في المرحلة الأولي كان هو المؤثر الأكبر ولكن بعد ذلك تفاعل مع البيئة وتبين أن البيئة ليست لينة طيعة يمكن تشكيلها كما نشاء .. في الأول بدأنا بهجوم ساحق على كل التراث المحلي بما هو تراث جامع الزيتونة والتراث الصوفي ..
نقد شامل !! ولكن بعد مدة تبين بأن للمجتمع كلمته ورد فعله وأنه ليس عجينة طيعة وأن الشعب التونسي الذي يبدو مائعا لينا في الحقيقة له ثوابت وهم بورقيبة عندما غرته شعبيته وزعامته أنه يمكن أن يشكل بكل حرية أن يعيد تشكيل هذا الشعب ولكن لما سقط بورقيبية بعد أكثر من نصف قرن من معاشرته للمجتمع لتونسي لم تبكه عين...لفظه المجتمع التونسي لفظا كاملا .
الحرية الإسلامية ذاتها في الأول دخلت بقوة كأن ليس في البلد إسلام سابق وكأنها فاتح جديد يريد أن يعيد تشكيل الإسلام في تونس تشكيلا كاملا . ثم تبين بعد ذلك أن هنالك تراثا إسلاميا في تونس .. صحيح أنه في حالة كمون ولكن له ثوابته سواء ما يتعلق بالفقه المالكي مثلا .
في الأول بدأنا بنزعة اللامذهبية متأثرين بالتراث السلفي خاصة لناصر الدين الألباني صحيح أن المذهب المالكي ضعف ولكنه ليس بالهشاشة التي كنا نظن وكذلك الصوفية بدأنا بهجوم كاسح عليها ولكن تبين أن بعدا من أبعاد التدين التونسي هو الصوفية والحركة اضطرت لا سيما عندها استيقظت أجناد الشر وبدأت تهاجم الحركة بقوة اضطرت الحركة إلى أن تعدي ترتيب أولوياتها وخصوماتها وتدرك ما هي الخصومات الأساسية وما هي الخصومات الثانوية التي يمكن تجنبها
ففي نهاية السبعينات بدأت عملية مصالحة مع الحركة الصوفية وعدد من الصوفيين إما أنهم دخلوا الحركة أو تركوا مناكفتها وأصبحوا أصدقاء لها مثلا ذكرت من الصوفيين الأول الشيخ عبد الفتاح ومجموعة أخري من الشبان ولكن توالت عملية استقطاب الحركة لعناصر صوفية ومن العناصر الصوفية الفاعلة المهمة جدا أحمد الأبيض ومحمد بن سالم كانا أيضا في الطريقة المدنية
فالرحلة من التدين التقليدي سواء كان تادين جامع الزيتونة المشايخ أو التدين الصوفي الرحلة لم تنقطع رغم أن الحركة ظهرت في البداية وكأنها خصم كأنها لا اعتبار عندها لهذا التراث ولكنها بعد ذلك أصبحت تلقي له بالا وتفسح لأهله أن يكون لهم دور في الحركة ولذلك فإنه في نهاية الثمانينات عندما دخلت الحركة أول معركة انتخابية كان على رأسها مجموعة من مشايخ الزيتونة .
لم يكن ذلك صدفة وإنما كان ثمرة تطور ثمرة تفاعل بين البضاعة الوافدة وبين التراث الإسلامي المحلي وثمة تفاعل أيضا مع الحركة العلمانية في تونس فحركة التحديث لا نستطيع أن ننكر أنه كان لها تأثير على الحركة في ما يمكن تسميته العقلانية الجامعة كانت مركزا مهما في التأثير في الحركة على مستوي الانفتاح على الفكر العالمي ..
كان شبابنا خاصة في وسط السبعينات في نهاية السبعينات قد وصلوا إلى مرحلة لم يعد التافهم معهم ممكنا لقد أصبحوا يتكلمون لغة غير اللغة المعهودة لأن خصومتهم مع اليسار في النهاية أثمرت لغة مشتركة بينهم وبين اليسار لم نعد نفهمها من مثل تحديد طبيعة المعركة في العالم ما هي ؟.. هذا ليس مطروحا في الفكر الإسلامي هنالك معركة بين حق وباطل إيمان وكفر بينما أصبحت هناك محاور أخري مطروحة في الجامعة .. معركة ضد الأمبريالية العالمية وقوي تحرر في العالم ..
في النهاية الصراع مع اليسار أيضا كان له دور في الانفتاح على الفكر الإسلامي العالمي على طبيعة الصراعات الدولية والحركة اضطرت إلى أن تحدد مواقف من الصراعات الدولية لا شك أن الثورة الإيرانية كانت عاملا مساعدا على استيعاب التراث العالمي وعلى استيعاب الصراعات الدولية خاصة في إطار مقولة الصراع بين المستكبرين والمستضعفين ..
أيضا القضية الاجتماعية تفاعلت الحركة مع العمل النقابي والتراث النقابي في تونس .. الموروث الديني في تونس كالوافد الديني القادم من المشرق ما كان مهيئا ليتفاعل مع تراث الحركة النقابية في تونس ولذلك احتاج الأمر إلى وقت حتى تمكنت الحركة من أن تستوعب البعد الاجتماعي الصراع الاجتماعي في تونس
ثم تستوعب الصراع السياسي في تونس معركة الديمقراطية والاستبداد معركة الرأسمالية ضد العمال جملة هذه المعارك لم تكن الحركة مهيئة في البداية للتفاعل معها ولكن ربما بفعل تكوينها الانفتاحي وغير الحزبي حيث لم تكن منذ البداية تيارا واحدا كانت حوارية كانت تلاقيا بين مجموعة من الاتجاهات .. هذا هيأها لأن تواصل عملية الانفتاح والحوار مع بقية مكونات محيطها .
  • السؤال الثالث : قلتم في حديثكم بأن الحركة انفتحت على الموروث الثقافي التونسي مثل المذهب المالكي التصوف .. ولكن يلاحظ أن الحركة بقيت في قطيعة مع الفكر الإصلاحي التونسي مثل كتابات خير الدين باشا أيضا ذكرتم في بعض مقالاتكم أنكم لم تقرؤوا للشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلا في الثمانينات لم يرجع ذلك؟
ربما يعود إلى أن الحركة لمتكن تشعر , لم يكن مستقرا في الأذهان أنها امتداد لتراث إسلامي في تونس , لأن هذا التراث لم يكن حيا لم تتلمذ في الحقيقة لم نبدأ متتلمذين على آبائنا على من سبقنا .. حتى هؤلاء المشايخ في الحقيقة ليسوا هم الذين أتوا إلينا وأطرونا.
نحن ذهبنا إليهم وأعدنا عندهم الأمل . الشيخ محمد صالح النيفر يئس من تونس وذهب إلى الجزائر مهاجرا ولما قدم إلى تونس في 1972 قدم زائرا ليعود لأنه نفض يده من تونس فلما التقي بنا " خلاص يعني " لما التقي بنا قرر أن يستقر . فنحن ذهبنا نعرض أنفسنا على المشايخ ..
عرضنا أنفسنا على الشيخ الفاضل بن عاشور ذهبت إليه أنا والشيخ عبد الفتاح وقد كان عميد كلية الشريعة ودعنا قلنا له نحن شبان صغار ليس لنا فقه في الدين يؤهلنا لأن نقود مشروعا إسلاميا لأن نقود مشروعا إصلاحيا ..
أنت ممتلئ علما وشهرتك تملأ الآفاق داخل البلاد وخارجها ولك شرعيتك المحلية والدولية فتزعم ! نحن ندعوك إلى أن تتزعم هذا التيار الإسلامي ونحن من ورائك لكن الشيخ – رحمه الله – أجابنا بكل أدب وتواضع قائلا أن ذلك غير ممكن له وأنه لا يملك موردا للحياة غير ما يتلقاه من مرتب يتلقي في ذلك الوقت حوالي أربع مائة دينار وهي تعادل دخل وزير قال ليس له أى مورد آخر ولا يستطيع أن يعيش إلا بهذا المستوي وقال – رحمه الله – بأنه في سن متقدمة ولا يستطيع أن يتحمل ثلاثة أيام سجنا بحيث أنه كان مدركا ما ينتظر من يتصدي لهذا المشروع ولكن شجعنا ودعا لنا بخير.
ذهبنا أيضا ليشيخ آخر كان مدير الشعائر الدينية في ذلك الوقت هو الشيخ التارزي أيضا أجابنا بمثل هذا قال لعلكم شبان لعلكم أقوي إيمانا منا لعلكم غير متزوجين " ما عندكمش مسؤوليات ".. توكلوا على الله .
كنا نشعر بالحاجة الماسة إلى مراجع دينية فالتراث التونسي لم نجد منه استجابة يعني كنا نحمل نوعا من النقمة في الحقيقة على المشايخ الذين كنا نعتبر أنهم لم ينهضوا بالأمانة وفرطوا في البلاد وأسلموها للعلمانية " سلموا فيها لبورقيبة وخلاص " بينما هم يوما من الأيام كانوا يقودون الحياة جامع الزيتونة كان يقود الحياة .. لماذا ؟.. كان عندنا سؤال مهم لماذا استطاع بورقيبة أن يهمش جامع الزيتونة ؟..
الجواب كان عندنا أن هذه العائلات الدينية لم تقم بواجبها في قيادة الناس .. انعزلت عن الناس .. رضيت بالحياة اللينة وتخلت عن الأرياف وتخلت عن جماهير الماس وتركت الفرصة لبورقيبة ان يطوف في الآفاق أن يذهب للقري والمدن ويجند الناس ويحاصر جامع الزيتونة يحاصره ويحاصر جماعته بحيث لم ننظر إلى الطبقة الدينية المتبقية على أنها نموذج يحتذي به ..
كنا ننظر لسيد قطب , البنا المودودي أن هؤلاء شيخنا لأنهم حملوا اللواء لواء الإصلاح الإسلامي لكن ما الذي يجعلنا نحترم رموز الموروث الديني الموجودين في بلادنا فإذن أنا أقرأ " الظلال" ولكن ما الذي يجعلني اقرأ " التحرير والتنوير" أما كنت أبحث في سني لم أكن أبحث عن العلم كعلم... المكتبات مملوءة بالعلوم الدينية ..
كنت أبحث عن رمز .. عن أداة نضالية عن من أقتدي به كمصلح يخوض المعركة ضد العلمنة وضد الفساد على حين أني كنت أري هؤلاء المشايخ كلهم .. أفضلهم طريقة نزوي مثل الشيخ شلبي وآخرون هاجروا مثل الشيخ محمد صالح النيفر , وآخرون اندمجوا في خطة الحكومة فأصبحوا مسؤولين في فترة ما كان عدد كبير من العاملين في الحزب من المسؤولين في لجان التنسيق الحزبي هم بقية الزيتونيين مادة بني بها النظام الجديد ملكه فكان منهم رجال الشركة وهؤلاء هم الطبقة الدنيا من الزواتنة كانوا هم رجال الشرطة والحرس فئة أخري معلمين فئة أخري قضاة ..
الذين حاكمونا وترأسوا محاكماتنا كانوا زواتنة... العدالة كلها تقريبا كانت من الجامع الزيتونة .." ضربهم بورقيبة بعصا الذل" فلم نكن ننظر إليهم بتوقير واحترام على أنهم نماذج .. قد نبحث لهم قد نلتمس لهم الأعذار من تكوينهم الذي لم يؤهلهم لكي يخوضوا المعركة مع العلمانية . يعني هم ضحايا وضع تاريخي فلا ينبغي أن نسرف في الإدانة .
إذن أنا لم يكن عندي أى دفاع لأن أقرأ " التحرير و التنوير" كنت أقرأ وأكاد أحفظ عن ظهر قلب " الظلال " لأنه عندما أقرؤه كان يملأني حماسا كنت أشعر بأنه يعطيبني نظارات أنظر بها إلى هذا لعالم وأحلل بها الواقع العالمي ولكن ماذا يعطيني التحرير والتنوير غير ما يعطيبني إياه الرازي وابن كثير ؟.. يعطيني مادة لغوية يعطيني فهما لا شك ..
يعطيبني رؤية عن إسلام ليس هو الذي أعيشه يعطيني رؤية عن عالم ليس الذي أحياه وإنما يعطيني رؤية عن عالم إما معزول هكذا قرآن معلق وليس قرآنا يمشي على الأرض .. غير أنه لما تقدمت بنا التجربة وتقدم بنا العمر وأدركنا نراجع ما في الجعبة ما في هذه البلاد ما عندنا من تراث وبدأنا نقرأ للفاضل بن عاشور ونقرأ لوالده الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله وجدنا فيه علما كثيرا وفوائد جمة
ولاشك أيضا تراث الحركة الإصلاحية الذي ذكرت تراث خير الدين لم نكن مؤهلين في المرحلة الأولي لأن نتفاعل معه التفاعل الإيجابي لأن بورقيبة استطاع أن يستولي على تراث الحركة الإصلاحية بغير وجه حق فالبورقيبة قدمت لنا وقدمت نفسها على أنها امتداد لجهود الحركة الإصلاحية في القرن التاسع عشر .. جهود خير الدين والفئة التي رافقت خير الدين ومعظمها من رجال الزيتونة حتى الحزب القديم همش رغم أنه امتداد للحركة الإصلاحية .
إذن القراءة البورقيبية الرسمية شوهت الحركة الإصلاحية إذا استولت عليها وصبغتها بصبغتها وعندما أتيحت لنا في السجن فرصة أن نراجع أن ندرس لأن في لحقيقة لم يكن عندنا الوقت الكافي للتأمل والدراسة في تاريخ تونس وفي تراثها وإنما جئنا ببضاعة من الخارج فتاعلنا بها مع الواقع التونسي في اتجاه واحد اتجاه واحد اتجاه أن نملي على الواقع التونيسي ما نريد ولكن تبين أن الواقع التونسي لا يملي عليه فقط ..
نعم مستعد أن يستمع ولكن له كلمته أيضا فوجدنا مقاومة إذن من المجتمع التونسي اضطرتنا في النهاية إلى أن نسعي للفهم لنتأمل في تاريخ الحركة الإصلاحية في تاريخ تونس وبدأنا نكتشف أن الجهود الإصلاحية لم تتوقف وأن الحركة الإسلامية هي امتداد لتلك الجهود وأن عمل خير الدين وأصحابه كان مشروعا إسلاميا من منطلقات الدفاع عن الإسلام لم يكن خير الدين ينظر إلى أن الإسلام على أنه عقبة أو أن الإسلام ينبغي تهميشه ومنافقته وإنما كان عمله في اتجاه استيعاب لحداثة لخدمة الإسلام ما كان يسميه الاقتباس .. أن نقتبس من الغرب عناصر تنظيمية خاصة تنظيم الحكم والإدارة من أجل إحياء الإسلام .على حين أن بورقيبة لم تكن هذه نظرية !..
كان ينظر إلى الغرب على أساس أنه المثل الأعلى ولا سيما الغرب الفرنسي والغرب في بعده الثقافي في نظرته للدين في رؤيته العالمية وليس في رؤيته السياسية والتنظيمية في رؤيته الكونية في رؤيته الثقافية في تحليله الفلسفي ولذلك كان يري الإسلام عقبة يمكن أن نعطيه بعض التنازل لأنه لا يمكن إلا ذاك فمن هنا بدأت المراجعة والاستيعاب المتواصللتاريخ تونس ولا شك أن الحركة لا تزال محتاجة إلى استيعاب التراث التونسي والتمييز فيه بين العناصر الإيجابية العناصر التي يمكن أن نؤسس مشروعنا عليها وبين العناصر التي ينبغي محاصرتها وتطهير الضمير التونسي والثقافة التونسية منها .
  • السؤال الرابع : كيف تفسرون حدث انفصال مجموعة أول عن الحركة أعني بذلك المجموعة المعروفة بمجموعة اليسار الإسلامي هل يعود ذلك إلى فقر الفكر السائد داخل الحركة وعدم تلبيته لحاجة هذه العناصر أم أن ذلك راجع إلى ضغط الثقافة العلمانية السائدة في البلد؟
أنا قد كتبت ورقة مفصلة حول ظاهرة الانشقاق في الحركة الإسلامية في تونس درست هذه الظاهرة من جانب الوقائع كيف تمت ؟ ثم خلفياتها الفكرية وعلى الصعيد الثاني كانت ورقة تحليل العناصر المكونة للظاهرة الإسلامية في تونس كان هذا هو الجزء الثاني من تقييم موضوع الانشقاق وخلاصتها في ما أفهم أن هذا الانشقاق تم في منعطف لتطور الحركة الإسلامية في تونس.
بعض أجزاء هذا الجسم خلال منعطف التطور ذهبت شظايا ولم تتمزق الحركة وإنما فقدت بعض عناصر مهمة فيها تقديرنا أن هذه العناصر لم تصبر على ضرورات التطور.. الحركة كانت بصدد أن تتطور من حركة تستطيع أن تقول مستوردة جسم أجنبي مزروع في المجتمع التونسي إلى حركة تونسية خلال مرحلة التطور هذه انفلتت بعض الشظايا بعض الأجزاء من الجسم لم يستطع أن يحافظ عليها
وهي لم تستطيع أن تصبر على ضرورات التطور وحكمت على الجسم بالإعدام أنه غير قابل للتطور بينما ثبت بعد ذلك أن هذا الجسم قابل للتطور ولكن هي لم تصبر على ضرورات التطور وأصبحت تزايد عليه وتسرف في اتهامه وتتحداه هذا التحدي أيضا كان له مفعول إيجابي هذا التحدي الذي مارسته هذه العناصر للجسم كان له دور في تطويره كانت التهمة أنه لا يتطور فكان لابد للجسم أن يثبت لعكس .
هذا ساهم في تطوير الجسم لكن من جهة أخري لم تقف هذه العناصر عند حد حيث أن التطور في إطار هذا الجسم انضبط بحدود هي ما تطيقه النصوص .. ما يطبقه منهج تفسير النص الإسلامي الذي تواطأ عليه المسلمون وخلاصته بأن التطور ينبغي أن يتم في إطار المعلوم من الدين بالضرورة فما هو ثابت نصا يقينا ما هو يقيني في مورده واضح في معناه من النصوص لا نملك أمامه إلا التسليم ..
يمكن أن لا نطبق بعضه الآن لأن ظروف التطبيق غير متوفرة ولكننا لا نستطيع أن نحوله عن اتجاهه . ولا فائدة هنا في ضرب بعض الأمثلة القليلة في هذا الصدد للتدليل على فساد هذا المنهج لأن المنهج البديل أن نعطي لعقولنا إمكانية التحرر من النص بتخريج مقاصدي أن النصوص كلها جاءت لتحقيق مقاصد هذا في النهاية يلغي سلطة النص .. يلغي سلطة الوحي هنا !! على هذا افتقرنا .
ضرورات التطور لم تكن تقتضي الانشقاق كانت تقتضي الاختلاف وكان الاختلاف يمكن أن ينمي الحركة دون أن يحدث فيها انشقاقا هؤلاء الإخوة – فسرت أنا – تحت ضغط الواقع العلماني لتونسي وهو ضغط غير يسير مارس عليهم وعلينا ولا يزال يمارس ضغوطا شديدة رهيبة تحت ضغط هذا الواقع العلماني وتحت ضغط الواقع الأمني تحت ضغط المناكفات الشخصية أيضا وهذه العوامل أيضا ليست مبرأة ..
خسرت الحركة عددا من عناصرها الأساسية والتي كان لها دور في التأسيس وفي التطوير .. ولكن هذه لعناصر التي كان يمن أن تصنع بديلا بل رشحت نفسها بديلا عن الحركة , وأن الحركة جسم ميت لن يتطور .. الذي حصل أن الحركة أثبتت أنها تتطور وأن البديل عنها لم يتماسك وتذرر لماذا لأن القاعدة الفكرية الأصولية لتي أطلق منها غير قادرة
على أن تؤسس رباطا جماعيا فأن تتخذ المنهج العقلي في تفسير النصوص المنهج المقاصدي أساسا للتجميع ستنتهي لا إلى جماعة واحدة وإنما تنتهي إلى جماعات فالعقول مختلفة وتتباين وفي النهاية لا تستطيع أن تؤسس جماعة من خلال التفسير المقاصدي يمكن أن تؤسس جماعة غير دينية أصلا ولكن أن تؤسس جماعة دينية بمنهاج تفسيري للنصوص لا ينضبط بضوابط منهج تفسير النصوص في النهاية حتى لو جمعت الناس ستجمعهم في حركة علمانية وليست حركة دينية فهذه الظاهرة أيضا ظاهرة مركبة أثمرها تفاعل الحركة الإسلامية مع واقعها التونسي .
  • السؤال الخامس : هل معني هذا أن الاتجاه الإسلامي أو النهضة حركة دينية وليست حركة سياسية ؟
لاشك هل حركة دينية بالمعني الإسلامي وليست حركة دينية بالمعني المسيحي بالمعني الكنسي هي حركة دينية بمعني أن اختياراتها تنطلق من الإسلام فهي حركة إسلامية هي جزء من المشروع الإسلامي ولكنها ليست حركة دينية بمعني أنها ترفض العقل وترفض الاجتهاد وترفض سلطة الرأي العام .
ليست حركة دينية تنصب سلطة فوقية على الناس لا تجعل من نفسها مؤسسة فتوي هي ليست مؤسسة للإفتاء ولا هي مشيخية إسلام ليست هي لجنة فتوي ولا هي سلطة دينية بمعني أنها لا تترك مجالا للرأي العام ولا تترك مجالا الاجتهادات العقول بالمعني الإسلامي الدين والسياسة ولا يفترقان ولكن ليس بالمعني الكنسي الذي يجعل من نفسه كنيسة أو مؤسسة فوق المجتمع .
  • السؤال السادس انتقلتم من " الجماعة الإسلامية " إلى " الاتجاه الإسلامي " إلى " النهضة ما هي وجوه التحول ووجوه الاستمرارية ؟
من الجماعة الإسلامية إلى الاتجاه الإسلامي إلى النهضة هي تحولات مهمة ربما نحن لم نكن واعين بها الوعي الكامل لأن أى تفاعل مع الواقع لابد أن يثمر ثمراته على المستوي الفكري على المستوي النفسي على المستوي الثقافي والتنظيمي فانتقال الحركة من الجماعة الإسلامية إلى الاتجاه الإسلامي كان انتقالا في الحقيقة من الفكر إلى السياسة من الحلقات التكوينية الداخلية إلى الخارج ربما لم نكن واعين بضخامة هذه النقلة كنا نظن بأننا سنظل أسياد الموقف ولكن تبين بأنك عندما تضع رصيدا في السوق فإنه لن يبقي بإمكانك أن تتحكم فيه بالكامل .
فالإعلان عن أنفسنا في الحقيقة هو دخول في علاقة جديدة مع الواقع ومع الناس ومع العالم ومع السلطة ربما لم نكن مهيئين التهيؤ الكامل لهذه النقلة دفعتنا إليها ظروف أهمها الوضع الأمني

للبلاد كنا نعيش داخلنا بيتنا فتقحم علينا أجنبي نحن ننظر إليه على أنه أجنبي هو عنصر من المعادلة..

تقحم علينا منزلنا رجل أمن كان ممكنا أن نتجه في تلك اللحظة رد الفعل الأولي هو أن نحل التنظيم لإقصاء الذين عرفوا وتكوين تنظيم سري آخر وهذا هو رد الفعل الذي يحدث في الحركة الإسلامية عادة أو أى حركة سرية عندما تنكشف تجدد تنظيمها يعني تأتي بعناصر غير معروفة وهذا هو الذي فعلناه في البداية ولكن أدركنا أن هذا لا يسعنا ولذلك ينبغي أن نمضي أبعد من هذا ولذلك ينبغي أن نمضي أبعد من هذا وقد تقحم علينا هذا الشرطي تقحمت علينا الدولة منزلنا فلنخرج بدل أن نغوض في طبقة سرية أخري في داموس آخر .. هناك شاعر عربي يقول
" فإن لم تك تستطيع دفع منيتي
فدعني أبادرها بما ملكت يدي "
فطالما أن الأمر قد انكشف واتضح فلنمضي معه ولنعلنه .. لماذا الدولة فقط هي التي تعلم أننا تنظيم ؟.. المجتمع وهو المعني بالآمر . لماذا لا يعرف ؟ هل عندنا ما نخفيه عن الناس ؟ ولماذا نحن نلازم السرية فلنعلن عن أهدافنا ؟ وكانت تلك أول محاولة لصياغة أنفسنا صياغة ليست لنا وإنما صياغة للعالم صياغة للناس هذه الصياغة التي كانت للناس بدت أنها مقبولة للناس ولكن في الداخل أصبحت تتناقض مع كثير أو قليل من القناعات في الحركة.
وهنا ظل هناك حوار متواصل بين قناعات الداخل وبين الخطاب السياسي ليست هناك من حركة في العالم ليس عندها خصوصيات ولكن كل ما يتعلق بالفكر ينبغي أن يكون علنيا أصبح إذن للتفاعل مع الواقع تأثير كبير في فكر الحركة هذا شئ كنا واعين به وقد برز في أول تقييم أن الإعلان فيه بعد تكتيكي أو بعد ظرفي استجابة لظروف طارئة ظروف أمنية ولكن أيضا فيه أبعاد استراتيجية هناك قضايا كثيرة ظللنا بأنفسنا إلى الساحة
وهي كفيلة بأن تحملنا حملا على أن نجيب على ما نحن مترددون في الإجابة عنه أو لا نجيب على ما لا نشعر بضرورة الإجابة عنه طالما ظللنا في الحياة السرية يعني البعد الاستراتيجي يتعلق بأن ننشئ مع الواقع علاقة تضطرنا لأن نتطور وأن نخرج من القوقعة وفعلا هذه العلاقة مع الواقع ساهمت في تطوير نظرتنا للمعارضة ونظرتنا للمرأة ونظرتنا للعمل النقابي وللصراعات الدولية تبين فعلا أن اخطر حدث في تاريخ الحركة كان الإعلان لأنه نقلها من طور إلى طور كما ينتقل الفرخ في البيضة من طور الداخل إلى أن يكسر هذه الأطواق وأن يتفاعل مع الهواء ومع الشمس ومع العالم .
أما الانتقال إلى النهضة من الاتجاه الإسلامي لم يكن بهذه الخطورة كان الدافع إليه أساسا دافع ترتيبي قانوني لأن القانون فرض علينا أن نتخلي عن الاسم الذي عرفنا به صدر قانون يمنع تكوين حزب ديني وعند التمحيص ماذا يعني الحزب الديني بالنسبة للسلطة أن الصفة الإسلامية عندما تتخذها عنوانا لك تحمل صفة الاحتكار وإقصاء للآخر فرغبة في المحاججة أقدمنا على تغيير الاسم أنا الآن مقتنع شديد الاقتناع بأن ذلك القرار كان قرارا صائبا وكان ينبغي لنا أن نتخذه دون ضغط من السلطة يعني لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا لاتخذنا صفة " النهضة "
أو أى اسم آخر لا يحمل صفة الإسلام منذ أن أعلنا عن أنفسنا لماذا ؟ لإبعاد هذه الشبهة وأن الإسلام تحول في بلد معين إلى حزب الإسلام ما ينبغي فعلا أن يتحول إلى حزب الإسلام ينبغي أن يكون الروح العامة التي تسري في كل حزب يدعي أنه حزب وطني حتى الدستور ينص على أن هذه الدولة إسلامية فالمطلوب أن يكون لكل حزب حظ من الإسلام, فإضافة إلى ما يحمله هذا التغيير من قدرة كبيرة للمحاججة هو أيضا يحرر الإسلامي نفسه من أن حمله لهذه الصفة يعطيه ميزة انتخابية المفروض أن الذي يعطيه ميزة انتخابية هو البرنامج الذي يحمله.
البرنامج الذي تحمله للناس هو ميزتك هو هويتك هو الذي يحكم لك أن يحكم عليهم فالرغبة في الوضوح وعدم إدخال أى مظهر من مظاهر الغش في الحياة الإسلامية جيد أن يكون الناس ينطلقون من أرضية مشتركة فلا يحملا واحد منهم صفة التراث صفة الموروث العام فالعلمانيون رغم أنهم واجهنا بحجة قوية هم لم يكونوا صادقين قطعا وإنما هم واجهونا بنزعة إقصائية واجهونا بهذه الحجة فكان لزاما أن ننزع منهم هذه الحجة الآن هذا مطروح في الجزائر هذه المحنة التي تجاوزتها الحركة الإسلامية عندما أقدمت من تلقائها على تغيير اسمها الآن مطروحة في الجزائر على الأحزاب الإسلامية.
  • السؤال السابع قد يفهم من كلامكم أن لرجل البوليس أو للقمع تأثيره المهم في تطوير الحركة بماذا تعلقون على ذلك ؟
لا شك أن القمع الذي تعرضت له الحركة منذ بداية الثمانينات والحقيقة أن الحركة لم تكن في وفاق مع السلطة يوما بل نشأت حركة معارضة راديكالية .. معارضة للمشروع الثقافي كله للمشروع البورقيبي ولم تكن لها صلة قط بالنظام الحاكم ومن السفاهة التي تحولت إلى حقيقة علمية لدي عدد من الدارسين اليساريين أن الحركة هي مؤامرة اتخذها النظام لمقاومة المشروع اليساري الغريب أن عقول علمية تزعم اتباع المنهج العلمي لا تتورع عن ممارسة الديماغوجيا وتزييف التاريخ وإهمال قواعد التحليل التاريخي ودراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية هؤلاء الناس ينظرون للتاريخ وكأنه سلسلة من المؤامرات ..!!
الحركة الإسلامية لم تكن مؤامرة وإنما كانت ثمرة لتراث ثقافي وحضاري تونسي وقع إهماله ووقع التصدي له وقمعه فجاءت الظروف المناسبة ليعب عن نفسه فهو استجابة لمطلب الهوية ولم تكن هذه الظاهرة مؤامرة من الحزب الحاكم ضد خصم ولا هي ظاهرة تونسية أصلا .
بعض السفهاء للأسف في مصر وفي تونس وفي غيرها ويأخذ بعض الأجانب عنهم يقولون أن الحركة الإسلامية مجرد أداة استخدمت لمناكفة وضرب منافس سياسي الحركة الإسلامية في تونس كما ذكرت منذ البداية سنة 1973 وقع حشر كل المجموعة إلى مركز الشرطة ووقع اعتقالنا مرة أخري في نابل فإذا لم يكن هنالك تصد للحركة الإسلامية فليس بسبب التوافق مع السلطة وإنما بسبب أن السلطة لم تكن لها تجربة في مقاومة الحركة الإسلامية أيضا السلطة كانت مطمئنة إلى ما أ،جزت من تهميش الإسلام.
السلطة كانت منشغلة بتيارات معارضة أخري الحركة الإسلامية لم تطرح نفسها بديلا سياسيا إذن هذه عوامل كانت كافية لتصرف السلطة عنها وبمجرد أن أضافت الحركة للمشروع الثقافي للمشروع الاجتماعي فعارضت المشروع الاجتماعي البورقيبي انحازت للعمال في أول معركة لهم كبيرة سنة1978 وبدأت تناصر الحركة النقابية ثم ناصرت الحركة