من قتل حسن البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
من قتل البنا

محسن محمد

الإمام

رفعه أتباعه فوق كل المصلحين وأئمة الإسلام فى العصر الحديث قالوا إنه جمع بين تطور فكر محمد عبده وشجاعة جمال الدين الأفغانى وتفوق عليهما لأنهما تركا مبادئ ولم يبنيا حركة منظمة, أما الشيخ حسن أحمد عبد الرحمن البنا, وشهرته البنا , فقد أقام تنظيم الإخوان المسلمين.

لم يحاول الدخول فى التفسيرات والشروح والاجتهادات الدينية التى خاض فيها رجال الأزهر وعلماء الإسلام, بل أراد أن يكون مجددا , ويطالب المسلمين بإعادة التأمل فى دينهم.

ولم يهتم بالخلافات بين المذاهب بل حاول تجميع المسلمين رغم خلافاتهم ووجد فى الإسلام : الدين والدولة, والوطن والجنسية و والمذهب والقانون الروح والثقافة. والعقيدة والقيادة. الثورة والسيف.

وصفوه بأنه داعية إسلامى من طراز فريد عبقرى. والعالم الربانى الفذ الصالح, الذى لم بنجل مثله العالم الإسلامى منذ قرون!

وقالوا أنه الرجل القرآنى الذى استطاع أن يبذر فى الأرض بذرة المصحف وقال عنه عمر التلمساني أنه

" الملهم الموهوب بطاقة لا يحظى بها إلا القليل. جهوده خارجه عن نطاق الجهد العقلى. صاحب فراسة لا تخيب. أستاذ الجميع فى كل شئ. إمام أنقذ أمة".

وقالوا أنه

" أفلت من غوائل المرأة والمال والجاه. فشلت كل محاولات أغرائه بفضل صوفيته الصادقة وزهده الطبيعى".

وقف محمد نجيب أول رئيس الجمهورية مصر أمام قبره فقال نيابة عن مجلس الثورة المصرى:

" صاحب عقيدة.. حرب على الفساد والانحلال, بقدر ما كان حربا على الإحتلال.. عاش لأمته ووهب لها حياته".

ذكر فتحي رضوان اسم البنا لأول مرة أمام جمال عبد الناصر فوجده يقول:

كان البنا يبعث على احترامه,وقال فتحي رضوان إن هذه الشهادة من أكبر الشهادات لمرشد الإخوان وهو أول شهادة سمعها منه فتحي رضوان من عظيم من الأحياء أو الأموات!

رآه أنور السادات لأول مرة فوجده

" يلتحف بعباءة حمراء لا تكاد تظهر منه شيئا كثيرا إلا البشاشة في وجهه. والتواضع في مظهره والرقة في حديثه.ليس في خطابته وعظ المتدينين, لا الكلام المرتب , ولا العبارات المنمقة ولا الحشد الكثير, ولا الاستشهاد المطروق, ولا التزمت في الفكرة, ولا ادعاء العمق, ولا ضحالة الهدف, وإحالة إلى التواريخ والسير,رجل يدخل موضوعه من زوايا بسيطة ويتجه إلى هذه عن طريق واضح ويصل إليه بسهولة أخاذة".

التقى به أحمد مرتضى المراغى وزير الداخلية السابق فوجده

" ذا لحية لا هى طويلة ولا هى قصيرة.خفيف الخطى سريع الحركة والكلام.آية في الذكاء يركز عينيه اللامعتين على محدثه, يخفى وجهه, ثم يعود إلى التحديق دمث المعشر, حلو الحديث, خلت طبيعته الدينية من التزمت".

تكلم الشيخ الباقورى عن ثقافة البنا فقال:

" إنه كان يحفظ ديوانا المتنبى مضمونا إلى ذلك ما متعه به الله من حفظ القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة المحمدية العطرة. قرأ لابن خلدون والأفغاني ومحمد عبده والغزالى وابن تيمية وكان حريصا على اقتناء كل كتاب يظهر"

وصفته مجلة " آخر ساعة" المصرية فقالت:

" وجهه مشوب بمسحة وقار لطيف حاد الملامح بين التعابير تحت جبين عريض لماح بقبس من الذكاء تقعد وسطه" زبيبة صلاة" كبيرة داكنة من أثر السجود.عيناه هادئتان بسيطتان في بساطتهما لمحة من " عيون المقطم" تحسبها قليلة الغور, فإذا ألقيت فيها الحجر, ظل يتدحرج إلى غير قرار.
دائم الابتسام , فاره القامة يبدو قويا كشجرة السنديان في صوته عمق وعرض وطول وللسانه سحر إذا تكلم يتلاعب بالألباب وقد أمده الأدب العربى, على شتى أصوله بفيض هائل من الآيات والأحاديث, وأمجاد الجهاد الإسلامى يطلقها من فمه كالمدفعى الماهر في أنسب وقت, وأنسب مكان, فيكون لها فعل القذائف في معارضيه.
مدرس خط, ومع ذلك فإن خطه بشهادته, هو نفسه ليس جميلا بل ولا مقروءا.وزعيم لمليون من المصريين ولكنه وبشهادته أيضا ليس زعيما وإنما هو مدرس فقط ولعل هذا مصدر لقبه الرسمى وهو المرشد العام للإخوان المسلمين.ميزه هذا الرجل الكبرى أنه يعرف كيف يخاطب الناس كيف يلهب شعورهم".

وقال عنه أحمد حسين زعيم مصر الفتاة أنه:

من الرجال العظام الذين يصطفيهم الله لنصرة دينه".أجمع معاصروه على أنه يتمتع بشخصية قويه. يحمل دعوته إلى الناس في يسر ويشرحها بألفاظ سهلة دون تكلف. شديد التواضع زاهد لا يبغى مالا. لم يجمع من الدنيا شيئا, ولا يهتم فيها إلا مقدار. ولا يصيب منها إلا ما تدعو إليه الضرورة.
ينام خمس ساعات ويأكل ما حضر من الطعام ويلبس ما تيسر له من الثياب, ويعيش عيشة الكفاف. زيارته للقرى تتسم بالبساطة. يتصرف بحكمة وذكاء وهو يسعى لاكتساب الأصدقاء ينام عند أعضاء الجماعة. وإذا لم يتوفر له ذلك نام في المسجد راضيا!
أقام في بداية حياته بالقاهرة في حارة عبد الله بك في المغربلين بحى اليكنية عند بوابة المتولى يستأجر بيتا إبحاره خمسون قرشا كل شهر.
ومنه انتقل إلى السبتية وأخيرا في شقة بحارة سنجر الخازن بقسم الخليفة يدفع عنها جنيهن كل شهر.كان البيت مفروشا بالحصير ولم تغط أرضه سجادة في يوم من الأيام.
مرتبة كمدرس بوزارة المعارف للغة العربية لا الخط ! عشرة جنيهات يحصل منها على جنيهين لمصروفه الشخصى ولرحلات الدعوة وتساهم أسرة زوجته من الإسماعيلية في نفقات البيت.
وبعد استقالته من عمله كمدرس عام 1946 أصدر "مجلة الشهاب" ولم يزد دخله منها على 15 جنيها.
عرض عليه الإخوان 100 جنيه شهريا مقابل التفرغ ولكنه اعتذر وعرض عليه الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية خمسة آلاف جنيه ليكتب عن الديمقراطية فقال:
أكتب عن ديمقراطية الإسلام باعتبارها الديمقراطية الحقيقية المثالية فرفض الإنجليز. قال تقرير للمخابرات البريطانية إن أحد أسباب الانتشار السريع للإخوان يرجع إلى حياة الزهد والورع التى عاشها البنا كمسلم.
وفى مفكرته التى وجدت معه عند مصرعه كتب أنه أخذ من المستشار منير الدلة 150 جنيها لتسوية نفقات المعيشة!وفتشوا ملابسه في مستشفى القصر العينى بعد وفاته فوجدوا في جيبه كل تركته: ستة جنيهات وعشرة مليمات وساعة جيب معدنية ماركة " أوراتور" سلسلتها معدنية أيضا وقلم حبر!
ووجدا في سيارة التاكسى التى نقلته إلى المستشفى لآخر مرة مسبحة رخيصة من 99 حبة!وقصدت شقيقته تزور زوجها المصاب عبد الكريم منصور المحامى في مستشفى القصر العينى بعد يومين من اغتيال شقيقها فشكا إليها زوجها عدم عناية المستشفى بأمره.
وعدم كفاية ما يقدم إليه من طعام فأعطته كما يقول محضر الشرطة خمسين قرشا أوراقا نقدية من فئة العشرة القروش ثم عادت وقدمت إليه خمسة وعشرين قرشا فلم تكن تملك غير هذه القروش!

أثرت في الشيخ البنا عوامل كثيرة ولد في قرية المحمودية بمديرية البحيرة التى أنجبت الشيخ محمد عبده عام 1906 والده الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا مأذون وساعاتى إمام وخطيب مسجد القرية درس الأدب على يد الشيخ محمد عبده وألف عدة كتب دينية وعنده مكتبة إسلامية كبيرة.

تتلمذ في الكتاب على يد أزهرى ورع. فتأثر بهذا المناخ الدينى وكانت كل موضوعه الإنشائية عن الدعوة الإسلامية.

وعلى المستوى الشخصى اعتاد الأسرة الكبيرة..كان له أربعة أشقاء وعندما تزوج من كريمة الحاج حسين الصولي من وجهاء الإسماعيلية أنجب خمس بنات هن:

سناء ووفاء ورجاء وهالة وابنا واحدا هو أحمد سيف الإسلام الذى كان في الرابعة عشر من عمره عند مصرع أبيه وكانت صغرى بناته استشهاد جنينا فى بطن أمها يوم وفى أبيها!

فى المدرسة الابتدائية رأس جمعية السلوك الاجتماعي وأنشأ مع زملائه " جمعية منع المحرمات" التى يبعث أعضاؤها برسائل لمن يرتكبون منكرا وكان العمل السرى بعد ذلك أحد وسائله فى الدعوة اشترك فى التشكيلات الإسلامية وعمره 12 سنة.وبدأ يكتب مذكراته وهو صبى. ويشترك فى المظاهرات السياسة وعمره 13 سنة.

ويلتحق فى سن الرابعة عشرة بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور فيدرس الفقه الإسلامي ويحفظ 18 ألف ببيت من الشعر.يقرأ كتب الغزالى ويتأمل فلسفته ثم يشترك أثناء الدراسة فى " الجمعية الحصافية الخيرية " فيتعلم شئون الجمعيات ووسائل تنظيمها وعرف أن قيام هذه الجمعيات فى المدارس يترك أثرا ضخما فى نفوس الشباب!

قال:

كم سهرنا الليالى ندرس حال أمة الإسلام

وعندما يسمع بروفة محمد فريد وهو طالب فى هذه المدرسة يؤلف قصيدة يقول فيها:

أفريد نم بالأمن والأمان
أفريد لا تجزع على الأوطان

وينتقل إلى القاهرة فى مدرسة دار العلوم بحفظ القرآن والسنة النبوية والسيرة المحمدية وديوان المتنبى ويكتب فى آخر موضوع للإنشاء المدرسة " بعد قومى عن مقاصد دينهم ومرامى كتابهم والتبس عليهم الدين الصحيح"!

كان أول دفعته فى جميع مراحل التعليم تخرج فى دار العلوم وعمره 21 سنة.وقد تردد بعد نجاحه, بين أمرين: أن يعمل مدرسا أو يتقدم لبعثة فى الخارج.

حسم القدر الأمر فإن دار العلوم لم ترشح أحد للبعثة فى تلك السنة فبقى فى مصر يعمل , كما قال فى موضوع الإنشاء " على تصحيح الأوضاع ليغرس فى النفوس أن الإسلام دين ودنيا"

قال:

" هذا الكتاب يخشاه المستعمرون لأنه ليس آيات تقرأ فى الصلاة وترددها الشفاه, وإنما كتاب تشريع وقيادة وحكم وإمامة".

ويكون هذا كله زاده لدينى, أما زاده السياسى فكان عريضا أيضا.جفلت الفترة من عام 1906 حتى عام 1928 بالأحداث السياسة دنشواى. شق الفلاحين المصريين, وجلدهم بالسياط أمام أهلهم فى قلب القرية...

أزمة طابا بين الإنجليز والأتراك والاختلاف بينهما على حدود مصر.. خلع الخديو عباس حلمى الثانى... الحرب العالمية الأولي ثم ثورة 1919 التى اشترك فى مظاهراتها وإضراباتها وعمره 13 سنة وأثناءها كان تلميذا بالاعدادية فى مدرسة المحمودية.ز

الاستقلال والدستور واغتيال السردار البريطانى السير لى ستاك ووفاة سعد زغلول..... والأزمات العاتية التى عاشتها مصر!

وكان يكفى البنا أثناء دراسته بدار العلوم أن يمضى مسافة قصيرة للوصول إلى الأزهر أو سير فى ثلاثة شوارع ليدور حول دار المندوب السامى البريطانى بحديقته الواسعة شاطىء النيل. وقصر عابدين حيث يقيم الملك فؤاد . والبرلمان الذى يعقد حينا, ويعطله الملك فؤاد حينا آخر!

بعد وفاة سعد بأسبوعين تقريبا انتقل البنا فى 16 من سبتمبر 1937 إلى الإسماعيلية ليكون مدرسا للغة العربية بالمدرسة الابتدائية فحمل معه حصاد الأحداث التى عاشها طفلا. وشابا وسمع عنها حكايات كثيرة استقرت فى عقله وشكلت تفكيره.

وجاءت مرحلة الإسماعيلية لتترك تأثيرها السياسى المباشر فى مستقبل الإخوان وسياستهم وعمقت فى البنا مشاعر الكراهية للنفوذ الأجنبى.وكانت الإسماعيلية مدينة فرنسية على أرض مصرية. طغت الأسماء الأجنبية على الشوارع والمحلات التجارية,

أسلوب الحياة فرنسى وشركة قناة السويس تحتكر المرافق العامة وتنكر على المصرى حق الحياة الكريمة وتحمى قوات الجيش البريطانى هذه الأوضاع كلها!ويجد البنا فى ذلك كله إهانة للكبرياء الوطنية.

ولكنه يقبل من شركة قناة السويس 500 جنيه تبرعا للمساهمة فى إنشاء مسجد قائلا: هذا مالنا لا مال لخواجات. والقناة قناتنا. والبحر بحرنا والأرض أرضنا وهؤلاء غاصبون فى غفلة من الزمن!

بدأ دعوته الدينية فى الإسماعيلية بظروفها تلك, والتى لا تسمح بقيام أو تشجيع جمعية تريد تربية المسلمين على تعاليم الإسلام وتطالب بالإقامة دولة إسلامية حرة بدلا من أن يكون المسلمون مستعمرين ومستغلين ومستعبدين كانت الدعوة بطريقة مبتكرة... فى ثلاثة مقاه يتردد على كل منها مرتين فى الأسبوع.

وزارة ستة من عمال المعسكرات فى منطقة القتال يوم الجمعة 23 من مارس عام 1928 يهنئونه بأول أيام العيد الفطر ويعاهدونه ابتداء من ذلك اليوم على العمل للإسلام والمسلمين قد وجدوا فى الدين خلاصا من ذل الاحتلال البريطانى.

وهنا تبرز حقيقة هامة وهى أن منذ قيام حركته ظلت إحدى عينيه على الدين والأخرى على السياسة.وربما كان ذلك هو العامل الذى دفعه, إلى أن يكون الوحيد بين مؤسسى الجمعيات الدينية الذى ظل يرتدى البدلة الإفرنجية من قماش مصرى – ويضع فوق رأسه الطربوش, وإن لم يعرف لغة أجنبية!

حار العمال الستة فى اختيار اسم يطلقونه على حركتهم فقال لهم:ألسنا مسلمين فنحن إذن " الإخوان المسلمون" وهكذا منذ اللحظة الأولى وعمره 22 سنة يتخلص من المأزق الذى واجهته الجماعة إثر قيام ثورة 23 يوليو عندما طالبت الأحزاب بإعادة قيدها وجدت أن الإخوان ليسوا حزبا

وينجو ببعد نظره من مأزق آخر!

أنشأ "فرق العمل" أى الجوالة وهى منظمة شبه عسكرية تتبع الجماعة حولها إلى جمعية الكشافة العامة..

وعندما أصدر الملك فاروق قراره عام 1937 بحل تنظيمات القمصان الزرقاء, والقمصان الخضراء التابعين لحزبى الوفد ومصر الفتاة لأنهما شبه عسكريتين لم ينطبق القرار على "فرق العمل " لأنها تتبع الكشافة!

لم تكتب صحافة مصر كلها عن ميلاد الجماعة فلم تعرف الصحافة شيئا عنها يوم ميلادها وإنما اهتمت الصحف فى اليوم التالى بتبادل أعضاء "جمعية الشبان المسلمين" التهانى فى العيد!

ونشرت صحيفة " المقطم " المسائية مقالا لمحمود أبو الحسن عمدة منفلوط عنوانه "الوزارة وشئوننا الداخلية" ولم تتوقع المقطم أن رجلا آخر من منفلوط وهو محمد حامد أبو النصر سيتولى منصب المرشد العام للإخوان بعد ستين عاما!

ولدت الجماعة والبلاد تستعد للإحتفال بعيد ميلا الملك فؤاد وكان عبد الخالق ثروت باشا قد استقال قبل أسبوع واحد من منصبه كرئيس لوزراء مصر وألف مصطفي النحاس باشا رئيس حزب الوفد أول وزارة له يوم 16 من مارس.

أما سر الاستقالة فيرجع إلى أن ثروت باشا تفاوض مع الإنجليز وانتهى أول مشروع معاهدة بين البلدين, وبعد ست سنوات من الاستقلال.

ولكن الوفد رفض مشروع المعاهدة لأنه لا يحقق مطالب مصر وكان أوستين تشمبرلين وزير خارجية بريطانيا يلوم مصر لرفض المعاهدة وصحافة القاهرة تدافع قائلة:"مصر لا تلام ومصالح البلدين كفيلة بحل الخلاف" أما فى برلين فإن المصريين كانوا يتظاهرون ضد المعاهدة.وكان علماء مصر يتكلمون عن.. نظام الوقف!

وإذا كانت مصر لم تدرك أهمية قيام الجماعة. فإن العالم فاته ذلك أيضا كان اهتمام العالم فى تلك السنة بتوقيع ايطاليا معاهدة الصداقة مع أثيوبيا وإعلان زوغو ملكا على البانيا والخطة الخمسية الأولى فى الاتحاد السوفيتى واختيار شيانج كاى رئيسا للصين وهربرت هوفر رئيسا للويلات المتحدة واغتيال أوبريجون رئيس المكسيك ووفاة حسين رشدى رئيس وزراء مصر أثناء الحرب العالمية الأولي!

انتشرت الجماعة فى الإسماعيلية والمناطق المجاروة بجهده وحده ومنحه عمله كمدرس القدرة والتجربة فى السيطرة على الشباب.كان يلجأ للمحضرات والمنشورات والخطابة فى المساجد مؤمنا بأنه لابد من الحصول على أكبر قدر من المساندة من الطلبة والفلاحين والعمال

وأن العقيد الإسلامية التى تقدم بطريقة ليست هيابة أو مهادنة قوة قادرة على اجتذاب سكان مصر.لم يضع حاجزا بينه وبين الناس ... أبدا. وكان يؤمن بأن الزمن معه ومع الجماعة

قال لصديق:

نحتاج لأجيال ثلاثة لتنفيذ خططنا الجيل الثانى يحارب يقصد جيل التنفيذ والجيل الثالث ينتصر .. يعنى الذى يقطف ويجنى الثمار وبحماس لا يهدأ بدأ إعداد الجيل الأول .. المستمع.خلال عامين كان قد أنشأ شعبا للجماعة حول الإسماعيلية وبور سعيد و..العريش

وارتفع عدد الشعب إلى عشرة خلال أربعة أعوام من تأسيس الجماعة , ,لم ينس المرأة فأنشأ مدرسة الإسماعيلية لتأهيل الأخوات المسلمات. وحرص من البداية .

على الإدارة المركزية فجعل كل الشعب تتبع المقر الرئيسى فى الإسماعيلية وطاف , بكل الشعب واختار قادتها بنفسه ويكتشف البنا أنه حان الوقت لطفرة فيطلب الانتقال إلى القاهرة فى أكثر عام 1932 فينقل مدرسا بمدرسة عباس بالسبتية.وينتقل معه إلى القاهرة المركز العام للجماعة!

ويصدر فى العام التالى مجلة أسبوعية باسم " الإخوان المسلمين" وينطلق نشاط الإخوان فى العامين التاليين فى الدعوة الدينية.

وينشىء 50 شعبة فى هدوء وحذر دون إثارة السلطات داخل مصر ويلحق بمعظمها مراكز لتحفيظ القرآن ومدارس ومستوصفات صحية فى كتاب " الطريق إلى السويس" قال : ارسكين تشيلدرز أن البنا دأب منذ عام 1934 على تأسيس فروع للجماعة خارج مصر.

وقال الباحث الأمريكى ريتشارد ميتشيل فى رسالة دكتوراه عن الإخوان المسلمين إن دارهم صارت منتجعا لكل الحركات الإسلامية.. فى العالم الإسلامى.وهكذا امتدت شعب الإخوان إلى السودان وسوريا ولبنان وفلسطين وشمال أفريقيا.

ويقول الصحفى الألمانى ولهم ديتل:" كان للإخوان أعضاء فى جنيف قبل الحرب العالمية الثانية".

قال إسحاق موسى الحسيني فى كتابه " الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية" إن الإخوان حركة فى شخص البنا تمددت واتسعت بالأعضاء والمريدين.

يزور الشيخ البنا المقر الرئيس بالقاهرة صباحا ليترك تعليمات بنظام العمل اليومى ويتجه إلى مدرسة عباس بالسبتية يؤدى عمله كمدرس وبعد عودته من المدرسة يتوقف فى المركز ثم يعود إليه مرة ثالثة فى المساء.

كانت فى مصر فى ذلك الحين 120 جمعية دينية وكان تشكيل هذه الجمعيات . فى بعض الأحيان عملية تجارية لجمع التبرعات لحساب مؤسسيها ووجد موظف شكل 12 جمعية.

ولكن جماعة الإخوان دون غيرها كانت تستحق الفخر بها كما قال " هيوراث دان" رجل المخابرات البريطانية فى مصر الذى يجيد اللغة العربية واسلم وأصبح اسمه جمال الدين هيوراث دان وتزوج مصرية مسلمية فى بحث قدمه سرا للإنجليز ثم نشره بعد ذلك كتابا ولكن بأسلوب مختلف .

قال:

" تتمتع الجماعة بشعبية تفوق ما كان يتمتع به الوفد عند نشأته وفى عصره الذهبى خاصة ذا أخذنا فى الاعتبار الموارد المتاحة للجماعة.
ويرجع ذلك إلى البنا فهو رجل تنظيم على درجة عالية من الكفاءة يصوغ تعاليمه الدينية بطريقة بارعة تمكنه من جذب خيرة شباب البلد إليه , ومجموعه أخرى من أصحاب المناصب والمكانة الطيبة.وهو يتوجه إلى المشاعر الدينية ويستخدم التنويم المغناطيسى العميق خلال خطبه وأحاديثه"!

لم يتوقف الاتهامات عن ملاحقة الشيخ البنا منذ بدأ دعوته اتهم وهو مدرس فى الإسماعيلية بأنه شيوعى ووفدى وجمهورى ضد الملك فؤاد فحقق معه وثبتت براءته.

قالت المفوضية الأمريكية

" خطورة الإخوان تكمن فى المبادىء المعتصبة التى تعتنقها وطبقا لما يقوله الإخوان مادامت مصر دولة إسلامية فيجب أن تحكم بقانون القرآن"

وقالت السفارة البريطانية

" الهدف المعلن للجماعة إقامة حكومة ومؤسسات مصرية على أساس المبادئ القرآنية الأصيلة ونبذ الثقافة الغربية التى تعتبرها الجماعة.
مسئولية عما أصاب المجتمع المصرى من انهيار الأخلاق وانحلال السلوك وفساد القيم منذ جلبت على الشعب ما يعانيه من تعاسة وفقر.
ومهمة الجماعة إقامة تنظيم قوى لديه مشاعر العداء للأجانب ووجه الإنجليز إلى الشيخ البنا اتهامات ... متناقضة... كثيرة

قال تقرير لسارة البريطانية

تلقت جماعة الإخوان مشاهدة من دول المحور ألمانيا وايطاليا بين عامى 1934و 1939 مما حدا بالبنا أن يصبح من العناصر النشيطة المعادية لبريطانيا وأثناء الحرب العالمية الثانية عندما كانت الهزائم تحيط بالإنجليز فى كل مبادين القتال

قالت المخابرات البريطانية:

" يبدو أن البنا تقلى تبرعات من السفير الأفغانى. ومن المفوضية الإيرانية.. وهناك ادعاءات بأنه تلقى أموالا من أعضاء بالمفوضية اليابانية"!!

واتهمه كثير من الكتاب بأن جماعته نازية فاشيةوقارنه البعض بهتار وموسولينى!وقالت السفارة البريطانية إنه درس تلك المؤسسات واستخدما كنموذج تحتذى به حركة الإخوان.

وفى دراسة للضباط الكندى ج.ب هاردى قدمها فى تقرير سرى لوزارة الحربية البريطانية قال:

"هذه المقارنة عن مؤسس وقديس الإخوان لا يمكن التسليم بها إلا من وجه نظر سطحية.تحمل منظمة الإخوان شبه محدد مع الحركتين النازية والفاشية وخاصة فى تعاليمها الداعية إلى الطاعة المطلقة وغير المشروطة للمؤسس. وفى الشكل شبه السرى للتنظيم, والإستعداد الوسائل العنيفة لتحقيق الأهداف.ولكن إلى هنا ينتهى التشابه.

الإخوان حركة دينية صريحة برنامج إصلاحى يشكل غاية فى ذاته بينما النازية والفاشية يناهضان الدين بصورة سافرة.وكان هدف هتلر الأول كسب السلطة لنفسه قبل تحقيق منفعة للأمة وحتى آخر أيام البنا ظل رجلا مقتصدا متواضعا على نقيض التفاخر والعظمة لدى ديكتاتورى ألمانيا وإيطاليا.

والسلطة التى تمتع بها البنا لم تغره أبدا بعزل نفسه عن الناس كما حدث فى حالة هتلر وموسولينى. ويبدو أن البنا لم يعان أبدا من أوهام العظمة التى أصابت الديكتاتور الألمانى والديكتاتور الإيطالى.

وهناك شك هائل حتى بين الكتاب المصريين فى أن البنا رجل طموح يريد إعلان نفسه خليفة للمسلمين

وليس هناك دليل من حياة البنا يشير إلى أنه سعى إلى هذا المنصب لنفسه وربما يكون قد قبله لو أن الموضوع أثير اعتقادا منه بأنه ذلك لصالح الإسلام بوجه عام ومصر بوجه خاص

ويمكن تبرئته من الطموح الشخصى فى المجال الدينى أو السياسى وقد مارس الإشراف الشخصى والمباشر على تنظيم الإخوان كله وربما فعل ذلك لضمان الفاعلية وبدافع الاهتمام الشخصى لا بدافع الطموح الشخصى"

كان تركيز البنا فى الدعوة عند بدايتها يدور حول مسئولية الإنسان المسلم فى إصلاح معتقداته الشخصية وتنظيم حياته حول محور إسلامى وكانت أهدافه دينية ثقافية بحتة

كتب عام 1933 إلى الملك فؤاد يطلب إخضاع البعثات التبشيرية لرقابة الدولة.ويشكل بعد عامين. وفدا من الأعيان يطلب إلى شيخ الجامع الأزهر ورئيس الديوان الملكى ووزير المعارف جعل الدين مادة إسلامية فى برامج التعليم.

وعند وفاة صاحب الجلالة قالت مجلة الإخوان بعنوان " مات الملك يحيا الملك":

" مصر تفتقد اليوم بدرها فى الليلة الظلماء. ولا نجد النور الذى اعتادت أن نجد الهدى على سناه.

من للفلاح والعامل. ومن للفقير يروى غلته ويشفى علته, ومن للدين الحنيف يرد عنه البدع ومن للإسلام يعز شوكته ويعلى كلمته. ومن للشرق العربى يؤسس وحدته ويرفع رايته؟".

ويعلن فاروق ملكا على مصر عام 1936 فيستقبله الإخوان فى محطات السكة الحديد على طول الطريق بيت القاهرة والإسكندرية ويهتف والتهم فى قصر عابدين قائلين:
  • نهيك بيعتنا وأولادنا.

ولا يقتصر الهتاف على تلك الكلمات . بل يحددون شروط البيعة قائلين:

  • على كتاب الله وسنة رسوله.
  • فقد رغبوا فى الحصول من صاحب الجلالة الشاب على تأييده لدعوتهم.
  • ولذلك رحبت صحيفتهم بفاروق بأنه " أسوة حسنة" , " فخر الشباب" و" حامى المصحف" و" أمير المؤمنين"وحامى حمى الدين"!
  • وشهد فاروق إحتفالا بعيد الهجرة قالت مجلة الإخوان إنه " أعاد صورة سالفة صورة الرسول الكريم حينما طلع على أنصاره طلوع البدر"!
  • ويكتفى المرشد العام فى تلك السنة 1936 بكتابة رسائل إلى الملك فاروق وإلى ملوك وزعماء الدول الإسلامية لإتباع منهج الإسلام وقوانينه وحضارته قائلا:" لم يبق إلا أن تمتد يد قوية . يظللها الله. وتحقق على رأسها آيات القرآن فإذا بالدنيا مسلمة هانئة , وإذا بالعوالم كلها هاتفة.الحمد لله"
  • ويؤكد لفاروق فى رسالة أخرى حتمية الحكم بالإسلام

وفى رسالته إلى أحمد خشبة باشا وزير العدل أكد مطلب الحكم بالإسلام قائلا:" صدور الأمة محرجة أشد الحرج لشعورها بأنها تحكم بغير كتاب الله وقانونه وشريعته"

وعندما يدعو الفريق إبراهيم عطا الله باشا رئيس أركان حرب الجيش المرشد العام لحضور الاحتفال بعيد جلوس صاحب الجلالة يعتذر المرشد العام عن عدم الحضور قائلا:كنت أتمنى أن يكون الاحتفال بعرض عسكرى لا بحفل غنائى ساهر!

كل الجماعات الدينية فى مصر اقتصرت على الدين . ولكن جماعة الإخوان وحدها اشتغلت بالسياسة حتى غطت الطبيعة السياسية للجماعة على نشاطها الدينى.

وتعددت الآراء بين الكتاب العرب حول ما إذا كانت الجماعة قد شكلت أصلا وهى تستهدف أن تكون قوة سياسية لها وزنها.

فى رأى الضابط الكندى " هاردى" قال:

" عند بحث جميع الحقائق نجد أن هذه الفكرة لم تكن موجودة ألاكان الإخوان من الناحية العددية قوة تمكنهم من تقديم برنامج عام على أسس سياسية, قبل عام 1936 بوقت طويل ولكنهم تجنبوا هذه المخاطرة"

وتفسر ذلك مذكرات الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصرى الأسبق وكان من قيادات الإخوان. قال:

"حرص الأستاذ البنا على أن يظهر الإخوان المسلمون بمظهر الدراويش الذين يتمتعون على تلاوة المأثورات. وكان أمله فى ذلك أن يصرف اهتمام العالم الغربى عن الإخوان المسلمين باعتبارهم هيئة سياسية يخشونها على نفوذهم فى الاستذلال والإستغلال"!

وفى أول مكتب للإرشاد العام الذى يدير شئون الجماعة كان نصف الأعضاء من علماء الأزهر!رحب الأزهر بالجماعة. وساعد الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر أعضاءها باعتبارهم دعاة للإسلام ومفسرين لتعاليمه وسمح لهم بالدعوة فى المساجد فكانوا يدعون للجماعة بعد الصلاة مباشرة.ونجح الشيخ البنا فى اختيار الدعاة وتدريبهم.

وكان أغلبهم من الشباب ومن الفقراء وكان المرشد العام قدوة لهم فهو واحد منهم ولا يختلف أبدا عن الذين يوجه إليهم دعوته.منذ بدأت جماعة الإخوان عام 1928 حتى مصرع الشيخ البنا عام 1949 واجه 12 رئيسا للوزارة هم مصطفي النحاس ومحمد محمود وعدلي يكن وإسماعيل صدقي وعبد الفتاح يحيي وتوفيق نسيم وعلي ماهر وحسن صبري وحسين سري وأحمد ماهر ومحمود فهمى النقراشى وإبراهيم عبد الهادي.

وكانت له مع بعض هؤلاء تحالفات وصدامات فرضتها طبيعة العمل السياسى.وواجه الشيخ البنا أربعة من المندوبين السامين والسفراء البريطانيين وهم اللورد جورج لويد والسير بيرسى لورين واللورد كيلرن والسير رونالد كامبل ولم يعرف الإخوان , أو شعب مصر ماذا جرى بشأنهم أو ماذا كان يقال عنهم بين رؤساء وزارات مصر سفراء بريطانيا والولايات المتحدة فى مصر أو بين هؤلاء جميعا وصاحب الجلالة ملك مصر.

وهذا الكتاب يقدم ذلك كله بوثائق تذاع لأول مرة عن الجماعة وعن المرشد العام الذى توقف أتباعه عن مقارنته بالأئمة الآخرين. واكتفوا بأن أطلقوا عليه لقب الإمام".

صدام... واعتقال

دخل الشيخ البنا الميدان السياسى بالتدريج وخلال السنوات العشر الأولى .أى منذ عام 1928 كان يؤسس جيل التكوين.

أفاد من فشل الأنظمة السياسية والفوراق الضخمة بين الحكام والحكومين وظل يحرص على نشر دعوته فحسب يتحسن مكانه بين الجماعات والأحزاب والقصر. ويعبر بين الحين والحين عن موقف سياسى.بعث برسائل إلى رؤساء الوزارات يدعوهم إلى الإصلاح الاجتماعى الشامل على هدى الإسلام.

وتضمنت الرسائل تهديدا مقنعا يحمل معنى بأن الإخوان يشكلون قوة على أرض الواقع ومن الأفضل أن تلتفت الحكومات إلى ما يقولونه.ولكنه فى كل الأحوال حرص على أن يكون الدين طابع دعوته وأن يؤكد أن الجماعة حركة تجديد إسلامى فى القرن العشرين هدفها الحكم بالإسلام لا " نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا. فهو دولة ووطن. أو حكومة وأمة وهو خلق وقوة.

وهو رحمة وعدالة. وثقافة وقانون. أو علم وقضاء . ومادة وثروة . وجهاد ودعوة. أو جيش وفكرة. كما هو عقيدة صادقة وعبادة"وتجنب خلال تلك السنين الصراع العنيف بين الأحزاب من ناحية وبينهما وبين الملك وانجليز من ناحية أخرى

وبعد عامين من وفاة الملك فؤاد وجد أن الوفد لم يستطع ملء الفراغ الذى نشأ عن اختفاء شخصية الملك فؤاد الطاغية كما أن الوفد بدأ يضعف فقال رجالهم فى طنطا بإعداد جيش للترحيب بروميل وتجهيز عناصر موالية للمحور ومعادية للحلفاء.

حل النحاس مجلس النواب بعد 3 أيام من توليه رئاسة الوزارة فقرر الإخوان دخول المعركة الانتخابية التى قاطعتها الأحزاب الأخرى. وبلغ عدد مرشحى الجماعة 17 مرشحا.

قال البنا وهو يرشح نفسه عن دائرة الإسماعيلية: إن الترشيح يتم فى ظل الإسلام وتحت راية القرآن.

'وتركزت دعاية البنا على ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وتحاشى الإخوان مهاجمة بريطانيا علنا ولكن استمرت الدعاية السرية ضد الإنجليز.

اعترض بعض الإخوان الذين يريدون قصر نشاط الجماعة على الدين على دخول زعيم الإخوان معترك السياسة بشكل رسمى.

وكانت التعليمات للإخوان كما تقول تقارير المخابرات البريطانية أن يصوتوا لصالح المسلمين الصالحين فى أية دائرة, أو لصالح مرشحى حزب العمال الذى أسسه النبيل عباس حليم ويدعمه القصر!

وجاء فى مقال نشرته إحدى الصحف أن البنا سيكون زعيم المعارضة فى البرلمان!

كان النحاس يعتقد أن الإخوان جمعية دينية فقد ذكر أحمد حسين زعيم مصر الفتاة للنحاس قائلا:

  • دعا رئيس الوزراء المرشد العام للاجتماع به فى منتصف مارس بفندق "مينا هاوس " فأقنعه بسحب الترشيح.

ويسافر النحاس عام 1937 إلى " مونتريه" لبحث إلغاء الامتيازات الأجنبية فيقدم إليه البنا مذكرة يطلب فيها أن يختار التشريع الإسلامى دستورا للأمة.

ويخطب النحاس بعد عودته من سويسرا فيقول:

" تطالب جماعة لا وزن لها. ولا قيمة بأن يكون القرآن دستورا للأمة.. والإسلام عالى الجنبات ليس فى حاجة إلى هذه الصيحات".

رد الإخوان

" يا رفعة الباشا. قلتم إن الجماعة لا وزن لها ولا قيمة .. وهذا أمر متروك للزمن يقول فيه كلمته"..ويقيل الملك حكومة النحاس فى 31 من يوليو عام 1937 وتنشأ أزمة ثانية بين الوفد والجماعة.

حملت صحيفة "المصرى" الناطقة باسم الوفد فى يوليو 38 على طلاب الإخوان.وكررت الصحيفة هجومها أكثر من مرة.

ردت "مجلة النذير " بعنف قالت

"وراء سطور الجريدة مؤامرة ضد الإسلام لأن المسيطر عليها هو الوفد وقد منع النحاس الصلاة فى الأزهر.. ورجال الوفد دعاة فساد يغررون بالشباب والطلبة... ومعسكرات الوفد أماكن تجمع للقوادين والنشالين والمجرمين وأرباب السوابق"!

ويجىء ذلك الزمان الذى تنبأ به الإخوان, فيعرف النحاس قيمتهم وقدرهم عندما يتولى رئاسة الوزارة فى أعقاب حادث 4 من فبراير 1942!استنكر الإخوان حصار قصر عابدين بالدبابات البريطانية فاتهم بعض .جماعة لها .. وزن.

اللقاء الأول بين مصطفي النحاس باشا رئيس وزراء مصر والشيخ البنا ثم عام 1936 عندما كان النحاس باشا يرأس الوزارة يومها كان الشيخ ضمن وفد يطالب بالتعليم الدينى فى المدارس فظن رئيس الوزراء أن المرشد العام... عمدة لقرية مصرية!

والصدام الأول بين الرجلين تم فى عهد تلك الوزارة أيضا.أشاد النحاس فى تصريح لصحيفة " الأهرام بكمال أتوتورك زعيم تركيا وقال إنه" من المعجبين بعبقريته... بلا تحفظ"!

رد المرشد العام فى صحيفة الإخوان فقال

" موقف الحكومة التركية الحديثة من الإسلام وأحكامه معروف . فقد حذفت القانون الإسلامى وحكمت بالقانون السويسرى فهل يفهم من هذا أن يكون لأمة مصر برنامج كالبرنامج " الكمالى"؟!

ويعقد النحاس مع بريطانيا معاهدة 1936 فيعارضها الإخوان ويطلقون عليها اسم " المعاهدة المشئومة".ويهاجم البنا معظم وزراء النحاس..

انتقد وزير الخارجية لأنه أقام حفلا للبعثة الإيرانية لما فيه من خمر ورقص وعبث بأموال الفلاحين بما يخالف الدين!ووزير الداخلية لأنه سافر ظهر الجمعة وترك أداء فريضتها!ووزير المالية لحضوره ميادين السباق والمراهنة وهى قمار صريح!

الملك فاروق مصطفي النحاس رئيسا للوزارة ولكن الإخوان وقفوا ضد حادث 4 فبراير وقرروا دخول الانتخابات النيابية القادمة.وتميزت الشهور التالية فى نشاط الإخوان بالهدوء المعتدل".

وتظل المخابرات تتابع الإخوان لتكتشف أنهم مستمرون فى " مخططاتهم التخريبية".. أى الاستعداد لتخريب المنشآت وخطوط المواصلات البريطانية إذا نجح الألمان فى غزو مصر.

ومن هنا تتضح الحقيقة وهى أن الإخوان هادنوا الإنجليز علنا وهاجموهم سرا لأنهم رأوا الوقت غير مناسب للصدام.ويتقدم الألمان داخل صحراء مصر الغربية فيسحقون القوات البريطانية فى العجيلة ودرنه ويختفى الخبر فى القاهرة وتقوم مظاهرات يهتف الطلاب خلالها قائلين " إلى الأمام يا روميل".

وقيل إن هذه المظاهرات نمت بتحريض من الوفد أو الإنجليز حتى يتسنى تغيير الحكومة.ولا يشترك الإخوان فى هذه المظاهرات

وتفسر السفارة البريطانية ذلك قائلة

" يبدو أن أوامر صدرت للإخوان بالا يشتركوا فى هذه المظاهرات بصورة واضحة".وربما تقصد السفارة أن الإخوان رفضوا الإفصاح عن ميولهم الموالية للألمان إذا هتفوا لروميل!ولكن كان واضحا أن الإخوان لم يتعاطفوا مع الناية.

وعلى أية حال فإن عمر وزارة سرى باشا انتهى باستقالته فى 4 فبراير 1942 .. عندما حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين. وفرضت على فترة تقل عن شهر , ثم الإفراج عنه جعلت الإخوان على درجة كبيرة من القوة.

أصبح باستطاعتهم فرض ما يشاءون بالتهديد على حسين سري الذى بدأ يدرك جيدا ضعف حكومته التى لا تتمتع بتأييد فى البرلمان . والتى فقدت فى الوقت نفسه تأييد الملك والإنجليز.

ويتقارب الملك والإخوان وأخذ سرى باشا يسعى لتحسين صورة الإخوان لدى السلطات البريطانية التى اكتشفت أن رئيس الوزراء يفعل ذلك بناء على تعليمات الملك!

وكان الألمان قد أشاعوا أن هتلر أسلم ونشر وسيم خالد المتهم بالاشتراك فى اغتيال أمين عثمان وزير المالية فى عهد الوفد أن اتفاقا تم بين المرشد والإنجليز للتعاون على محو أسطورة الحاج محمد هتلر فى المساجد والامتناع عن أى نشاط معاد لبريطانيا مقابل التغاضى عن نشاط الإخوان فى المدن والقرى.

وفي كتاب ميتشيل قال: إن السفارة البريطانية عرضت مساعدة على الجماعة لتحقيق أهدافها.

واختلفت المصادر فيما إذا كانت الجماعة قد قبلت أو رفضت المساعدة والدعم المالى من بريطانيا ولكن مصادر الإخوان نفت قبولها "الأموال الكفرة".

وتقارير المخابرات البريطانية تؤكد هذا النفى كما تؤكده أيضا هيوارث دان وهو رجل بحكم صلته بالمخابرات ... كان يعرف الحقيقة.

وقالت تقارير المخابرات البريطانية

" أصبح البنا أكثر حذرا فى حديثه عن الإنجليز.تجنب الإشارات العدائية إلى بريطانيا ولكن خطباء الإخوان فى الأقاليم استمروا يهاجمون بريطانيا.

قال البنا فى خطاب له أمام مؤتمر الجماعة:

" الطريق طويل ولكنه الطريق الوحيد: إنه الصبر والاحتمال والجدية والعمل الدائم. ومن يريد اختطاف الثمرة قبل نضوجها فلست منهم.وعندما يصل عددكم إلى ثلثمائة كتيبة تزودت روحيا بالإيمان وفكريا بالعلم والثقافة وجسمانيا بالتدريب عندئذ أطلبوا منى أن أطلق عقالكم"

وكان واضحا من ذلك أن جيل المستمعين لم يكتمل بعد

اقترح الإخوان على الحكومة خطة تلزم الإنجليز بالتفكير عشرات المرات قبل إقدامهم على مس الوزارة بأذى أقنع المرشد العام عبد الرحمن عزام بأن تعلن الوزارة نفسها حكومة إسلامية فلن يجرؤ الإنجليز على المساس بهذه الحكومة وإلا كان ذلك مساسا بجميع المسلمين فى أنحاء العالم.ولكن علي ماهر رفض تنفيذ الاقتراح.

وربما يكون الاقتراح لصالح على ماهر ولكن من المؤكد أنه لصالح الإخوان لأنهم بذلك يكونون قد حققوا أهم أهدافهم بإقامة حكومة إسلامية. وتغيير نظام الحكم المصرى كله. إلى حكم إسلامى وهو هدف الجماعة.

ولا يمكن لحكومة مصرية. بعد ذلك . التراجع!وعرض الإخوان على رئيس الوزراء المساهمة فى الجيش المرابط. وسكرتارية الشئون الاجتماعية أصبحت وزارة بعد ذلك

وبعث البنا بمذكرة إلى على ماهر قال فيها:

" الإخوان مستعدون وما على الحكومة إلا أن تدعوهم . وتفسح لهم المجال.لسنا نريد بذلك أن نحتكر طريق الخير ولا أن نهيمن عل وسائله ومناهجه ولسنا بذلك نريد أن نفتح أبواب عمل وارتزاق للعاطلين من الإخوان المسلمين".
" إن البنا كان فى ذلك الوقت يجمع السلاح ويشتريه ويخزيه. ولم لم يكن أقرب الناس إليه من كبار الإخوان على علم بشئ من ذلك".

حاول عزيز المصرى توحيد الإخوان ومصر الفتاة.... ولكنه فشل وكان البنا الوسيط بين عزيز المصرى والضباط الأحرار عن طريق الدكتور إبراهيم حسن وكيل الجماعة وأنور السادات الذى أصبح بعد ذلك رئيسا لجمهورية مصر العربية!

بعد أسبوعين من تشكيل الوزارة أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا فى 3 من سبتمبر 1939.

وأعلنت فرنسا واستراليا ونيوزيلندا الحرب لى ألمانيا فى نفس اليوم وتضامنت جنوب أفريقيا مع هذه الدول فأعلنت الحرب يوم 6 من سبتمبر وكندا بعد أربعة أيام.طلب الإنجليز إلى على ماهر أن تعلن مصر الحرب على ألمانيا.

رفض على ماهر فى مذكرة بعث بها إلى السفير البريطانى. وقال فى مجلس الشيوخ إن سياسة حكومته تجنيب مصر ويلات الحرب".وفى كتاب" الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ " قال محمود عبد الحليم:" كان هناك تجاوب فكرى ونفسى بين الوزارة والإخوان.

كانت وزارة منطلقة بما توجيه غليها المصلحة العامة, وساعدها أنها كانت مؤيدة من الملك الذى كان فى مقتبل أيامه ولم يكن قد تلوث بعد ورغباته متوائم مع رغبات الشعب ويرى فى على ماهر المعلم الناجح القدير

وكان على ماهر يتصور أن الإنجليز لن يخاطروا بسمعتهم فيسقطوا حكومة مؤيدة من الشعب والبرلمان والملك".قالت تقارير المخابرات البريطانية أن "الملك قدم الحماية والمعونة المالية للإخوان"

وأيد الإخوان من ناحيتهم سياسة تجنيب مصر ويلات الحرب وعدم الاشتراك فيها والاكتفاء بتقديم المساعدات التى نصت عليها معاهدة 1936 فحسب.

ويبرق السفير البريطانى اللورد كيلرن إلى لندن

" عمل على ماهر باشا بنشاط من وراء الكواليس لتأكيد سياسته الخاصة بالحركات المعادية للأجانب من خلال التنظيمات الإسلامية مثل جمعية الشبان المسلمين, وحركة مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين وعدد آخر من الجمعيات الإسلامية الأقل شهرة والتى تمارس نشاطها فى الخفاء.
وأخذ على ماهر باشا يشجع نوادى وجمعيات الشباب وكان الهدف انتظام الأجيال القادمة تحت راية الملكية الوطنية المتطرفة وكراهية الأجانب والمفهوم التقليدى للإسلام فى مواجهة التيار الأكثر ليبرالية ولحزب الوفد وللأقباط نفوذ فيه فإن مكرم عبيد باشا كان سكرتيرا عاما للوفد وكذلك فى مواجهة الاحتلال الأجنبى.
اختار على ماهر الفريق عزيز المصرى المكفتش العام للجيش المصرى رئيسا لأركان حرب هذا الجيش ومنحه رتبة الفريق . وكان على صلة وثيقة بالإخوان المسلمين ولكن السفارة البريطانية أصرت على منحه إجازة وكان عزيز المصرى مدرسا للملك فاروق عندما كان وليا للعهد
وأختير عزيز المصرى فى وزارة محمد محمود باشا عام 1938 مفتشا عاما للجيش المصرى ولكنه منع من ممارسة مهام وظيفته.ويلتقى أنور السادات بعزيز المصرى عن طريق المرشد العام للإخوان الشيخ البنا مما يدل على الصلة بين عزيز المصرى والإخوان
وفى مذكرات أنور السادات التى كتبها بعنوان " صفحات مجهولة " قال....رفعوا إلى احتجاجا عنيفا ذكروا فيه أن الإخوان ليسوا هتافين . وإنهم لم يهتفوا لأشخاص . وإنما يذكرون الله وحده.
طيبت خاطرهم بأن هذه تحية المسافر وأننا لا نحيى شخصا . ولكن نحيى عمله لفلسطين فاحتسبوها عند الله فى سبيل فلسطين".

كان الإخوان خلال الثلاثينات كما يقول الشيخ التلمساني قد كونوا أرضية واسعة ومترامية عبر أقاليم ومديريات القطر المصرى كما استطاع المرشد العام أن يضع النظام الفكرى والتنظيمى للحركة وحدد تعريف الإخوان وعلاقتهم بالجماعات الإسلامية والأحزاب الأخرى.

وكان الإخوان على صلة غير مباشرة بعلى ماهر. كما تقول المخابرات البريطانية والأرجح أن هذه الاتصالات نمت عن طريق أحمد السكري وكيل الجماعة.

رحب الإخوان بالوزارة الجديدة وكتب صالح عشماوي فى "مجلة النذير" يقول:

" تحيط بعلى ماهر هالة كبيرة من الدعاية الطيبة. وتسبقه آمال حلو, وأمان عذبة فى الإصلاح والإنقاذ. والمفروض . فى المسلم, أن يحسن النية بأخيه وليس ما يمنعنا من أن نحسن النية بعلى ماهر ووزرائه"

كان على ماهر خصما للوفد ولم يكن عضوا فى الحزب السعدى أو الحزب الأحرار المسلمين, وأيده فى ذلك صالح حرب وعبد الرحمن عزام وعزيز المصرى,وقيل هؤلاء جميعا الملك فاروق الذى كان يميل للألمان ويعادى الوفد والإنجليز ويرى أن تجمعات الإخوان يمكن استغلالها فى معارضيه الوفد!

وتكتب المخابرات البريطانية تقريرا تقول فيه

" بلغ عدد شعب الإخوان فى مصر نحو 500 شعبة.ويرجع انتشارها السريع إلى أسباب منها فشل السياسيين الفاسدين فى مصر فى كبح جماح القلاقل الاجتماعية فمكن ذلك من يدعو لاتخاذ الإسلام منهجا من جذب أتباع من البيئة المضطهدة
وأصبح الإخوان بعد رعاية على ماهر لهم يتمتعون بدرجة ما من الاكتفاء الذاتى"

وتقصد المخابرات بذلك التمويل المالى من على ماهر والقصر للإخوان! اعترض بعض الإخوان على التقارب بين المرشد العام والوزارة وطالبوا بقطع كل اتصال بين الجماعى ورئيس الوزراء.

وكان بعض المعارضين ينتمون إلى الوفد والبعض الآخر يريد استقلال الجماعة. ولكن المرشد العام رفض ذلك.أعلنت ايطاليا الحرب يوم 10 من يونيه 1940 وطلبت بريطانيا من على ماهر مرة أخرى إعلان الحرب فرفض على ماهر قائلا إن مصر لن تدخل الحرب إلا إذا هوجمت المدن المصرية أو مواقع الجيش المصرى.

ويصرح رئيس الوزراء فى جلسة سرية للبرلمان بأن السياسة المصرية لن تتغير.رحب المرشد العام بقرار على ماهر وقال:إعلان الحرب على إيطاليا شر متسطير

سأل " هيوارث دان" المرشد العام عن شعور المصريين تجاه الإنجليز أجاب البنا:

المصريون يبغضون الإنجليز كالألمان والإيطاليين فالإنجليز لا يحترمون وعدا, ولا عهدا. ودخول مصر الحرب إلى جانب انجلترا يجعل مصر تبحث عن حقها.

ويقطع على ماهر العلاقات السياسية مع ايطاليا. ولكن السفير البريطانى يهاجم فى أحاديث الخاصة على ماهر والوزارة وصاحب الجلالة قائلا:

فاروق ألماني الهوى يسر لانتصارات النازية, ولهزائم بريطانيا.

وفى 17 من يونيه عام 1940 قدم السفير البريطانى إنذارا لفاروق يطلب تشكيل حكومة صديقة لبريطانيا..ويستقبل على ماهر يوم 23 من يونيه.. وكانت أول وزارة ساندت الإخوان فى عملهم السياسى.

ويقبل فاروق فى 27 من يونيه استقالة الوزارة التى لم تعمر سوى عدم شهور وسبعة أيام!وتسند رئاسة الوزارة إلى حسن صبرى باشا فى اليوم نفسه ولكن هذه الوزارة لا تعمر سوى 139 يوما فقد توفى حسن صبرى يوم 4 من نوفمبر 1940 وهى يلقى خطاب العرش داخل البرلمان . ولم تتح له أو للإخوان فرصة الاتفاق أو الخلاف.ويتولى رئاسة الوزارة حسين سرى باشا فى اليوم التالى.

كان على باشا ماهر عدوا للإنجليز فى تلك الفترة وحسين سرى باشا هو صديق للإنجليز فى كل فترة وقد طلبوا إليه الحد من النشاط السياسى لعلى ماهر ومن هنا تعقب رئيس الوزراء على ماهر ورجاله فأعد مشروع قانون يحرم على الجمعيات الخيرية العمل السياسى. وكان الإخوان المسلمون الهدف الأول لهذا التشريع.

رد البنا فكتب مقالا انتقد غيه حكومة سرى باشا لانحرافها عن مبادئ الإسلام.وكان هذا المقال أكثر مما يحتمل رئيس الوزراء" كما يقول تقرير السفارة البريطانية". فهو مهندس مثقف ثقافة غربية ويتمتع بشخصية قويه!.

فى مذاكرات الدكتور محمد حسين هيكل باشا وزير المعارف فى وزارة حسين سرى التى تولت الحكم فى 15 نوفمبر سنة 1940 قال " إن السلطات البريطانية أبغلت حسين سرى ان البنا يعمل فى أوساط الإخوان لحساب إيطاليا.

وطلبت هذه السلطات إلى رئيس الوزراء العمل على الحد من نشاطه" رأى رئيس الوزراء أن نقل البنا إلى بلد ناء بالصعيد يحد من نشاطه فطلب نقل المرشد العام إلى قنا.

لم يجد هيكل باشا بأسا من إجابة طلب رئيس الوزراء فنقل مدرس فى مدرسة ابتدائية ليس أمرا ذا بال. إذ يقع مثله خلال العام الدراسى فى كل سنة ولا يترتب عليه أثر.نقل البنا إلى قنا ونقل أحمد السكري وكيل الجماعة إلى دمياط وصدر القرار بتنفيذ النقل فورا.

ويضيف الإخوان سببا آخر شجع الدكتور هيكل على الإسراع بنقل المرشد العام فقد انتقدت مجلة الإخوان كتاب " حياة محمد " الذى ألفه الدكتور هيكل!

وقال المرشد العام فى أحاديث

" إن الدكتور هيكل اقتدى فى كتابه بمؤلف فرنسى أعرض عن معجزات النبى عليه الصلاة والسلام ولم يستثن منها إلا القرآن الكريم .. مع أن المعجزات ثابتة بصحيح السنة".

كان البنا يحاضر فى المركز العام للإخوان مساء الخميس عن "نظرة الإسلام للمرأة" عندما تقدم إيه أحد الأعضاء بورقة مكتوبة فلما قرأها اعتذر عن المحاضرة وخرج.

وبعد فترة وقف الشيخ عبد المعز عبد الستار ليقول بأنه صدر أمر عسكرى بنقل الأستاذ البنا إلى قنا!اجتمع مكتب الإرشاد ورأى معظم الأعضاء تحدى القرار والامتناع عن تنفيذ النقل وأن يستقيل المرشد العام حتى لا يكون لأحد سلطان عليه .

ولكن المرشد العام , فى ظل الحرب والأحكام العرفية وتقهقر الإنجليز أمام الزحف الألمانى فى أوربا وشمال أفريقيا . وجد أن الإنجليز لن يتراجعوا أمامه . ورأى أن مرحلة المواجهة لم تأت بعد ولا يحسن التعجيل بها.

قال للأعضاء:

أمر الاستقالة سهل لا يتطلب سوى ورقة وقلم ولكن هل سيقف الأمر عند الاستقالة . إن أمرا عسكريا سيصدر باعتقالى فى الحال فالأحكام العسكرية مفروضة على البلاد والعباد.والنقل أيسر الأضرار, وأنفع للدعوة من الاعتقال . وهى فرصة تعطى للصعيد حقه فى نشر الدعوة.وحتى يبدو الإخوان بمظهر سلمى وافق الشيخ على النقل.

قال السير مايلز لامبسون اللورد كيلرن فى البرقية 388 لحكومته:

" كانت الملامح الرئيسية لتى تميزت بها التطورات السياسية فى مصر إزدياد حدة الصراع بين رئيس الوزراء وعلى ماهر باشا. هاجم رئيس الوزراء علي ماهر فى معاقله الإدارية وشتت صنائع خصمه بالتنقلات.
وهاجم سرى باشا , على ماهر باشا فى التنظيمات الإسلامية التابعة لماهر باشا بنفيه البنا رئيس جماعة الإخوان المسلمين إلى قنا.
ويبدو أن رئيس الوزراء تصرف فى هذه المسألة بشكل فج فقد صرح بأنه اتخذ هذا الإجراء بناء على اقتراح السفير البريطانى. ولم يتعامل فى هذه المسألة يمقتضى السلطات المحولة له بوصفه حاما عسكريا".

سافر البنا إلى قنا فى أول قطار لينقل نشاط الجماعة إليها . وتكون مناسبة لتثبيت مواقعه ونشر تنظيماته فى صعيد مصر.ويستهل نشاطه بعقد مؤتمر للمسلمين والمسيحيين.

فى هذا المؤتمر بين المرشد العام أهمية الحكم بالشريعة الإسلامية وبدد مخاوف الأقباط من لدعوة للحكم بالقرآن الكريم قائلا:

فى ظل الشريعة الإسلامية عاش المسلمون والمسيحيون فى وئام ليس له مثيل.

وقال:

الإسلام لا يعرف معنى الديمقراطية التى يحدد مدللوها الناس حسبما تقضى مصالحهم والإسلام لا يعرف المتغيرات بل هو شريعة العدل لا تتغير ولا تتبدل تبعا للمصالح والأهواء.

لم يكن البنا مدرسا عاديا يسرى عليه ما يسرى على مدرسى التعليم الابتدائى من قرارات فينقل إلى قنا, المدينة التى اعتادت الحكومات المصرية المتعاقبة أن تنقل إليها الموظفين المشاغبين للتكفير عن أخطائهم أو عقابا لهم!

ترك البنا لأنصار الإخوان أو لمن يريدون استمالة الإخوان إليهم, أن يتحركوا لعادته إلى القاهرة وتحرك أول من تحرك أعضاء حزب الأحرار الدستورين الذين ينتمى إليهم هيكل باشا فقدم أحد نوابهم سؤالا إلى سرى باشا فى البرلمان.

حسين سري يبرر موقفه من نقل البنا

برر سرى باشا. فى أحاديثه الخاصة.قرار النقل بأن البنا قصر فى عمله ولكن الإخوان أعدوا تقارير إدارة التفتيش بوزارة المعارف التى ترد على أقوال رئيس الوزراء و وتثبت أن البنا كان موفقا فى عمله وحريصا عليه وزاد ضغط النواب المؤيدين للحكومة على رئيس الوزراء بعد أن ضاقوا بانتشار نفوذ الإخوان فى الوجه القبلى.

ورأوا إبعاد البنا عن صعيد مصر.وفى مذكرات هيكل باشا وصف لهذا كله.قال هيكل باشا أدى نقل البنا إلى مالم يؤد إليه نقل مدرس غيره جاءنى غير واحد من النواب الدستوريين يخاطبنى فى إعادته إلى القاهرة ويرجونى فى ذلك بالحاح.

ولما لم أقبل هذا الرجاء هب هؤلاء النواب إلى رئيس الحزب عبد العزيز فهمى باشا وطلبوا إليه أن يخاطبني فى الأمر.وخاطبنى الرجل فذكرت له أن حسين باشا هو الذى طلب نقل الشيخ بحجة أن له نشاطا سياسيا, وأن النشاط السياسى محرم على رجال التعليم, كما أن محرم على غيرهم من الموظفين , ولا مانع عندى من إعادة الرجل إلى مدرسة المحمدية بالقاهرة.

خاطب عبد العزيز باشا رئيس الوزراء فى الأمر وذكر له إلحاح طائفة من النواب الدستوريين ذوى المكانة.أبدى لى سرى باشا أنه لا يرى مانعا من إعادة الرجل إلى القاهرة فأعدته".

وكان من الصعب على سرى باشا أن يغضب أحد الحزبين المؤلفين فى الوزارة ويركن غلى نوابهما فى تأييد استمراره فى الحكم وخشى سرى أن يزداد ضغط النواب جسامة فأراد اتقاء ما قد يجر إليه.

وهكذا عاد البنا إلى القاهرة فى يونيو من العام نفسه.

ويقول السفير البريطانى السير مايلز لامسون إن القصر الملكى بدأ يجد فى الإخوان أداة مفيدة . وإن الملك أصدر بنفسه أوامر لمديرى الأقاليم محافظين بعدم التدخل فى أنشطة الإخوان " الذين يعلمون بلا أطماع شخصية لرفاهية البلاد".

وقال السفير :

لاشك" أن الجماعة استفادت كثيرا من محاباة القصر لها. كما نالت التأييد المادى والمعنوى من العصبة المعادية لبريطانيا التى يرأسها على ماهر".

وعلى أية حال فإن نتيجة قرار النقل والعدول عنه أفادت البنا كما يقول هيكل باشا فإن تراجع رئيس الوزراء " أشعر الشيخ حسن بأن له من القوة ما يسمح بمضاعفة نشاطه من غير أن يخشى مغبة ذلك النشاط, وأن هذا الشعور كان له أثره فى تطوير الإخوان المسلمين".

وقوبلت عودة الشيخ البنا للقاهرة بالحفاوة والترحيب مما يدل على الشعبية المتزايدة للجمعية ومرشدها العام.ولكن أحمد حسين زعيم مصر الفتاة لم يعجبه ذلك.

قال :

" فى الوقت الذى يفصل فيه بعض الموظفين فإن البنا كموظف لم تفعل الكومة معه إلا نقله من القاهرة إلى قنا ثم ما لبث أن أعادته مرة أخرى بعد فترة غير طويلة فهو ينال عطف الحكومات على التوالى فضلا عن تلك الإعانات التى تقدمها الحكومة وهيئاتها للجماعة".

جاءت المواجهة الثانية بين سرى والبنا بعد شهور طلبت السلطات البريطانية من سرى باشا اعتقال البنا وأحمد السكري وكيل الجماعة.وكان السبب فى لذلك تقارير المخابرات البريطانية التى أجمعت على أن الإخوان " يقومون بدعايات مضادة للإنجليز, ويخطبون ضد الإنجليز فى اجتماعات شعبية ويجمعون معلومات عن تحركات القوات البريطانية ويجرون اتصالات مع موظفى السكك الحديدية ومع العاملين فى المستودعات والمعسكرات البريطانية".

وقالت هذه التقارير:

" هناك شكوك فى أن الإخوان يخططون للقيام بعملية تخريبية شاملة ضد المنشآت الحيوية وشبكة الاتصالات البريطانية"

ورغم أن الإنجليز لم يكونوا على يقين كامل بأن الإخوان يعدون خطط تخريبية إلا أن تقارير المخابرات سببت للسفارة قلقا كبيرا دعاها لأن تطلب من حسين سرى اعتقال البنا وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين فاعتقلتهم الحكومة فى 16 من أكتوبر عام 1941 فى معتقل الزيتون بالقاهرة.

وكانت هذه أول مرة يعتقلون فيها. وتم ذلك وسط الحرب والأحكام العرفية وسيطرة الإنجليز على كل شئ فى مصر, مما لا يعطى أملا للمرشد ووكيل الجماعة فى إفراج قريب!

قال حامد جودة وزير التموين لفهمى أبو غدير المحامى وعضو الجماعة إن البنا اعتقل بتهمة العمالة للمحور.

أوقف سرى باشا صحف الإخوان " التعارف " و"الشعاع" الأسبوعية و" المنار" الشهرية وأغلق مطبعتهم وحظر اجتماعاتهم ومنع الصحف من نشر أنباء عن الإخوان المسلمين واجتماعاتهم.

ولكن, تحرك كثيرون مرة أخرى للدفاع عن البنا وبينهم توفيق دوس باشا مسيحى ونائب منفلوط ووزير المواصلات السابق الذى قدم استجوابا إلى مجلس النواب بشأن اعتقال البنا وانهالت العرائض والالتماسات على الملك ورئيس الوزراء تطالب بالإفراج عن الشيخ.

واعتصم الطلاب فى مسجد السلطان حسن بالقاهرة.وفى 12 من نوفمبر ألقت الشرطة القبض على 16 طالبا كانوا يحاولون تنظيم اجتماع للاحتجاج على اعتقال زعيم الجماعة.

أصاب الرعب سرى باشا فقرر إطلاق سراح زعماء الإخوان فى اليوم التالى روى فتحي رضوان المحامى ورئيس اللجنة العليا للحزب الوطنى الذى كان مع البنا فى المعتقل .

قال:

"ذات يوم. رأينا باب المعتقل يفتح وسيارة ضخمة من سيارات الوزراء تدخل إلى حديقة المعتقل.وسمعنا أن القادم فى السيارة محمد حامد جودة وزير التموين وسكرتير الحزب السعدى وفى وزارة حسين سرى باشا.
ورأينا البنا يدعى إلى النزول إلى مكتب مدير المعتقل حيث اختلى بالوزير الذى جاء ليفاوض المرشد العام فى المسائل التى وقع فيها الخلف بين الإخوان والحكومة.ويبدو أن المفاوضات أثمرت الإفراج عن الأستاذ المرشد".

وهكذا صدر قرار الإفراج عن البنا فى 13 من نوفمبر أى بعد أقل من شهر سأل الشيخ البنا قائد المعتقل:

هل شمل قرار الإفراج كلا من أحمد السكري وعبد الحكيم عابدين وكيل الجماعة وسكرتيرها العام؟أجاب القائد بالنفى فرفض الشيخ البنا الخروج أو النجاة بنفسه قال:كيف أخرج وأترك زملائى قام القائد باتصالات كثيرة مع المسئولين ثم أعطى وعدا للشيخ باستصدار قرار الإفراج عنهما فخرج البنا آسفا.

وفى تقرير المخابرات الحربية البريطانية أن " حكومة حسين سرى اعتقلت البنا ضمن آخرين ولكنها أطلقت سراحه فورا بسبب الضغوط عليها"

سأل السفير البريطانى سرى باشا عن سبب الإفراج عن البنا رغم السفير نفسه الذى أصر على الاعتقال. أجاب رئيس الوزراء:

إن افتتاح البرلمان سيجرى بعد يومين. ولا أستطيع ضمان النظام والأمن ذلك اليوم إذا استمر اعتقال البنا وزميليه.ولو كان الملك هو الذى تدخل للإفراج عن المرشد لعام لكان حسين سرى قد أبلغ الإنجليز أو حرص على نشر ذلك بوسائل متعددة, خاصة وأنه أفشى سر الإعتقال وأعلن أنه تم بناء على اقتراح السفير البريطانى.

قال حامد جودة لفهمى أبو غدير , إن وساطته نجحت فى الإفراج عن الشيخ لأن الاتهام يقوم على الظن والهوى.وقالت الصحف إن السعديين اشتروا الشيخ البنا وجماعته بالإفراج عنه وقيل إن السعديين رغبوا فى استغلال الإفراج عن المرشد العام لمصلحتهم وهكذا ألقى المسئولون جميعا تبعة الاعتقال على الإنجليز ونسبوا لأنفسهم فضل الإفراج.

إذا كان البنا قد أفاد من نقله إلى قنا وعودته السريعة إلى القاهرة فإن اعتقال ه انفصل عنه أحمد ماهر ومحمود فهمى النقراشي الرجلان اللذان توليا فيما بعد رئاسة الوزارة وأحس الشيخ البنا بأن الجماعة يجب أن تمارس دورها السياسى.

فى مايو عام 38 بدأت الجماعة اشتغالها العلنى بالسياسة مع صدور العدد الأول من مجلتها الأسبوعية " النذير" وبعد أن بلغ عدد الشعب ثلثمائة شعبة فى هذا العدد وقع البنا مقاله باسم " البنا المدرس بوزارة المعارف العمومية والمرشد العام للإخوان المسلمين"

وفى هذا التوقيع وحده دلالة على أنه يرى أن عمله كمدرس أهم من منصب المرشد العام للإخوان!كان عنوان المقال " خطوتنا الثانية إلى الأمام دائما الدعوة الخاصة بعد الدعوة العامة . أيها الإخوان تجهزوا".

فى هذا المقال قال البنا

" إن دعوة الإخوان بدأت منذ عشر سنين.. وكانت مصر يوم أن نبتت هذه الدعوة المجددة لا تملك من أمر نفسها قليلا ولا كثيرا يحكمها الغاضبون".
" أصبح للإخوان دار فى كل مكان ودعوة على كل لسان, وأكثر من ثلثمائه شعبة وقد حان وقت العمل وآن أوان الجد. ولم يعد هناك مجال للإبطاء فإن الخطط توضع والمناهج تطبق وكلها لا يؤدى إلى غاية ولا ينتج ثمرة والزعماء حائرون والقادة متذبذبون متأرجحون.
ستنتقل من حيز دعوة العامة فقط إلى حيز دعوة الخاصة أيضا , ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال وستتوجه إلى المسئولين من قادة البلد ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وهيئاته وأحزابه وسندعوهم إلى منهاجنا".

وقال:

" إلى الآن أيها الإخوان لم تخاصموا حزبا وهيئة كما أنكم لم تنضموا إليهم ولقد تقول الناس عليكم فمن إنكم وفديون نحاسيون, ومن قائل إنكم سعديون ماهريون,ومن قائل أنكم أحرار دستوريون. ومن قائل أنكم بالحزب الوطني متصلون, ومن قائل أنكم إلى مصر الفتاة تنتسبون "إنكم من كل ذلك بريئون".

وحدد برنامجه فقال

" كان موقفكم أيها الإخوان سليبا فيما مضى أما اليوم فى هذه الخطوة الجديدة فستخاصمون هؤلاء جميعا , فى الحكم وخارجه خصومه شديدة".

ولكن الإخوان الذين أعلنوا أنهم يخاصمون الأحزاب كلها تركوا الملك فقال البنا فى ختام مقاله:

" إن لنا فى جلة الملك المسلم أيده الله أملا محققا, وفى الشعب المصرى الذى صقلته الحوادث ونبهته التجارب ومعه الشعوب الإسلامية المتآخية بعقيدة الإسلام , نظرا صادقا".ومن العدد الأول "لمجلة النذير" وخلال سبعة شهور يهاجم الإخوان معاهدة 1936.

قالوا:

" أنها غل فى عنق مصر. فرضت عليها قيودا ثقيلة غليظة تنوء بحملها الجبال وقبلها المفاوضون المصريون لظروف خاصة".ودعت الجماعة إلى " عدم بناء ثكنات لقوات جيش الاحتلال والضغط على انجلترا لتعديل المعاهدة أو إعلان الجهاد"

ويهاجم صالح عشماوي الوكيل العام للجماعة فى يوليو محمد محمود باشا رئيس وزراء مصر فى مقال عنوانه

" يا مصر حطمى أصنامك وطهرى ديارك للصالحين" قال فيه:

" زعماء مصر لا يملكون نفعا ولا ضرا: يستفيدون ولا يفيدون.نحن نعبد أصناما في شكل زعماء وأصنام اليوم يمتصون دماء الأمة. ويستأثرون بخيراتها يخدعونها ويغررون بها.هؤلاء الزعماء جميعا ومن ورائهم أحزابهم. ليس لهم إلا برنامج واحد يتلخص فى كلمة ورادة هى الحكم".

ويصف الكاتب رئيس الوزراء بأنه

" قبل أن يرتدى الرياسة خلع عصبيته للإسلام وما كاد يجلس على كرسى الحكم حتى تنكر لأمال المسلمين. وفاز بثقة الإنجليز".

ويرفض الشيخ البنا دخول الإخوان فى معركة مع خصوم الجماعة والمنشقين عليها أكثر من عشر سنوات قائلا:

" الخلاف لا يكون حائلا دون ارتباط القلوب . وتبادل الحب , والتعاون فى الخير".

بل إن تجنب المعارك والصدام ظل شعار المرشد العام سنوات طوالا وتعترف السفارة البريطانية بأنها " لم تتنبأ بأهمية الإخوان والدور الذى سيعلونه فى المستقبل".

ولكن الجماعة رغم ذلك استطاعت أن تكون فى وقت واحد حزبا سياسيا وجمعية دينية ورابطة اجتماعية وهيئة خيرية.أما السر الكبير لنجاح الحركة فهو أنه توارى عن أنظار الإنجليز الذين يختلون مصر فلم يفطنوا إليه وإلى أهدافه زمنا طويلا.

عندما قام شباب مصر الفتاة بالهجوم على حانات الخمر فى القاهرة أعلن البنا فى " النذير" إن"الإخوان لا يوافقون على مسلك مصر الفتاة باعتبار أنه تحد للقانون".

قال تقرير للمخابرات البريطانية

" خلال السنوات الثمانى الأولى أى منذ عام 1928 حتى عام 1936 لم تخط حركة الإخوان باهتمام سلطات الأمن البريطانية"!وكان الفضل فى ذلك للشيخ البنا"

تولى على ماهر رئاسة الوزارة يوم 18 من أغسطس عام 1939 فشكل وزارته من 14 وزيرا.ضمت الوزارة 9 من المستقلين وخمسة من السعديين وامتنع حزب الأحرار الدستوريين عن الاشراك فيها.

دخل الوزارة رجلان عرفا بعدائهما الشديد للإنجليز. وهما محمد صالح حرب باشا رئيس جمعية الشبان المسلمين وزيرا للدفاع. وعبد الرحمن عزام باشا وزيرا للشئون الاجتماعية وقد أصبح فيما أمينا عاما للجامعة العربية.

كان على ماهر باشا أول رئيس للوزراء فى مصر اكتشف أهمية الجماعة وأراد اجتذاب هذه الحركة الإسلامية لنفسه وللملك!وكان الإخوان على صلة بعلى ماهر منذ عام 1937 عندما سافر إلى لندن لحضور مؤتمر المائدة المستديرة الذى يبحث قضية فلسطين.

قال الشيخ البنا فى مذاكرته

ودع الإخوان على ماهر آخر وداع وبعد حضوره ذهب وفد من الإخوان إلى المحطة لاستقباله وعلى رأسه الأستاذ أحمد السكري وكيل الجماعة فهتف بحياته . وأمر الإخوان أن يهتفوا بحياته كذلك . فهتف بعضهم وامتنع الآخرون.وعادوا ثائرين.

ويبرق جاكوبس القائم بالأعمال الأمريكى إلى واشنطن فى 29 من أبريل 194 قائلا: ينظر النحاس إلى البنا باعتباره قوة يحسب لها حساب وقيل أنه منح الجماعة إعانة مالية كبيرة.

ومن الواضح أن الإخوان مستعدون للتعاون مع الحكومة الحالية الموجودة فى السلطة ومن المشكوك فيه أن يتبع الإخوان هذه الحكومة إلى المعارضة فى حالة سقوط الوزارة ونشاط الجماعة المقبل غير واضح ويمكن أن نصبح مثارا للإزعاج أو حتى للخطر من زاوية طابعها الدينى المتعصب"

إهتمام بريطانيا بالجماعة

زاد اهتمام بريطانيا بالإخوان . خلال الحرب بصورة لم يسبق لها مثيل منذ إنشاء الجماعة.

وكان السبب فى ذلك تجربة الحرب العالمية الأولي.فى تلك الحرب التى استمرت من عام 1914 – حتى 1918 كان سعد زغلول خارج الوزارة بعد خلافة مع الخديو عباس حلمى الثانى واللورد كتشير المعتمد البريطانى فى مصر.وبعد الحرب مباشرة قام الوفد برئاسة سعد زغلول يطالب بالاستقلال وكانت ثورة 1919 وما جرى فيها.

وخافت بريطانيا أن تتكرر تلك الثورة فى مصر ويقوم بها الإخوان بدلا من الوفد . فالإخوان خارج الحكم ولذلك فإن الجماعة يمكن أن تقود الثورة بعد انتهاء الحرب.. كما فعل الوفد عام 1919 عندما كان معارضا وسعد زغلول خارج الوزارة وهذا هو السبب الذى دفع بريطانيا إلى متابعة الإخوان عن كثب تتعرف اتجاهاتهم.

والغريب فى أمر السفارة أنها كانت تخشى حينا أن يثور الإخوان ضد الإنجليز وضد الوفد.. وفى حين آخر تخشى أن يستغل الوفد الإخوان للثورة ضد الإنجليز!

قالت السفارة

" يصبح الإخوان خطرا داهما إذا استغلتهم شخصية قوية مثل الملك. أو على ماهر أو حتى النحاس باشا وربما يكون الوقت فى صالح الإخوان فهم يسعون إلى تحقيق إصلاحات تربوية, واجتماعية.
وأخلاقية فى الوقت الذى فقد فيه الوفد شعبيته ببطء وسيفقدها بالتأكيد . كما اهتزت سمعة زعيم الوفد مصطفي النحاس من الاتهامات حول إساءة استغلال نفوذه .

(تقصد السفارة الكتاب الأسود)

وقد يأتى يوم يتصارع فيه الإخوان مع الوفد للوصول إلى الحكم طبقا لبرنامجهم. ويشكل الإخوان على المدى البعيد خطرا محتملا على الجالية الأوربية فى مصر إذا جاء يوم تتقدم فيه بريطانيا مزيدا من التنازلات إلى القومية المصرية.

ومن وجهة النظر قصيرة المدى فى زمن الحرب فقد تثور أسئلة حول ما إذا كان يتعين علينا النظر إلى الإخوان على أنهم يشكلون خطرا مباشرا.ومنذ بداية الحرب لم تتدعم مكانة الجلاء كما هى الآن. ولم تتدهور مكانة دول المحور كما هى الآن.

وكنا نحرص بوجه عام على عدم استعداء الرأى العام المصرى ضدنا كما تتميز علاقاتنا بالحكومة بالتفاهم التام وقد ألمح الناس إلى أن البنا منافق .

وقد نفى أنه ديماجوجى مثل أحمد حسين وان طباعه وثقافته الدينية يفضل سياسة التطور السلمى لا العنف الذى يؤدى إلى دمار الجماعة, وهناك عدة أحداث تجعل الإخوان يشكلون خطرا من جديد

  1. إذا تدهور الموقف العسكرى بصورة خطيرة أو كانت خسائرنا ضخمة
  2. وإذا نجح الحلفاء فى إبعاده شبح الحرب عن مصر وتركوا المجال مفتوحا أمام الصراعات السياسية المحلية فقد نواجه بمطالبة الإخوان المسلمين لنا بإنهاء النفوذ البريطانى فى مصر وجلاء قواتنا
  3. يمكن أن يؤدى أى حادث فردى مثل الحادث الذى وقع أخيرا عندما لقى طالب مصرعه بسبب تصرفات غير مسئولة للجنود البريطانيين, فتثور المشاعر . وتتحرك المظاهرات المعادية لبريطانيا ويشترك فيها الإخوان.

ورغم ذلك أحسن الإخوان التصرف فى هذا الحادث بصورة تدعو إلى التقدير.ويجب علينا فى جميع هذه الحالات أن نأخذ فى اعتبارنا احتمالا هاما. وهو أن الجماعة قد تمتنع ككل عن الاشتراك فى الاضطرابات الآن إلا أن المتطرفين من أعضائها وهم يشكلون جزءا لا يستهان به قد يقدمون من تلقاء أنفسهم بأعمال تخريب خطيرة.

وأخيرا عندما ندرس أهمية تأمين المستقبل بالنسبة للإخوان يصبح من قليل التسرع أن نتجاهل تماما ثورة عام 1919 ويصبح من قبيل التسرع أيضا أن نهتم بها أكثر مما يجب. زمن ثم فالمصريون جميعا يحركهم السخط على الاحتلال العسكرى الذى دام 4 سنوات لم تنل أمانيهم القومية خلالها أى قدر من الاهتمام بل تعرضت حرياتهم الشخصية وممتلكاتهم ومشاعرهم للامتهان.

وشهدت البلاد ارتفاعا فى أسعار القطن جعل الفرحين مهيئين للإستجابة إلى دعايات الأفراد المعادين لبريطانيا فى المدن. ولكن عادت الأوضاع ما هى عليه مع حدوث انخفاض فى أسعار القطن.ومن ناحية نجد أن البلاد تديرها حكومة من اختيار أبنائها تقريبا أى حكومة الوفد وعلى الرغم من نقص المواد التموينية فإن معاناة الشعب قليلة نسبيا ورغم تعرضنا لبعض المشاكل بسبب وجود مئات الألوف من قواتنا فى مصر والعادات المصرية الصعبة وما يتميز به المصريون من تهور واندفاع فإن هذه المشاكل ليست على درجة كبيرة من الخطورة.

والعوامل التى أفروت أحداث 1919 ليست موجودة حاليا بنفس الدرجة الماضية وقدرتنا الآن أفضل على التنبؤ بأى احتمال لتدهور لموقف فى بدايته واتخاذ الخطوات الكفيلة بوقف هذا التدهور وإزالة بعض أسبابه".

ولعل أهم مافى هذه البرقية الإشارة إلى أن المتطرفين من الإخوان قد يقومون بأعمال تخريبية خطيرة من تلقاء أنفسهم, وهو ما حدث عام 1948 والسنوات التالية!وتلوح نهاية الحرب فى الأفق بعد انتصارات الحلفاء على المحور . وتبدأ المخابرات البريطانية فى رسم صورة لمستقبل العلاقات بين الوفد والإخوان.

قالت فى 25 من يوليو عام 1944. قبل 3 شهور من إقالة النحاس " يحتمل أن يبقى البنا ملتزما بالهدوء نسبيا طالما ظل الوفد فى السلطة وسيركز على الإفادة من ميزة الحرية التى يتيحها النحاس ليجعل من جماعته القوة بالفعل جماعة أكثر قوة.

القرار فى حشد قوتها للدفاع عن قضية الوفد وفتحت مئات المقار التابعة لها فى جميع أنحاء البلاد.وبالرغم من تحالفها المعلن مع الوفد كانت سياستها تهتم بأمور دينية بحتة وتساند الجماعة الحكومة بصورة غير مباشرة عن طريق تأكيد اهتمامها بالقضايا ذات الطابع الدينى وقلقها بشأن اوضاع العرب المسلمين.

ويقال إن الجماعة تتقاضى إعانة من الحكومة على إصدار صحيفتها بصورة منتظمة.ويصعب التنبؤ بمستقبل نشاط مثل هذه الجماعة فى حالة تغيير الحكومة طالما أنها مستعدة للمزايدة على ولائها لمن يدفع أكثر"!

فى أبريل تنهمر رسائل الاحتجاج من أعضاء الإخوان على السفارات الأجنبية احتجاجا على الإجراءات التى اتخذت لصالح اليهود فى فلسطين. ومنح الجنسية الفرنسية لطبقات معينة من الجزائريين.

وتتلقى المفوضية الأمريكية التى لم تكن قد تحولت إلى سفارة – 320 رسالة فى هذا الشأن خلال يوم واحد.وتلاحظ المفوضية أن الرسائل وردت من 70 مركزا للإخوان فى القاهرة و143 مركزا فى الأقاليم.وكتبت كل رسالة بأسلوب مختلف

وبعث البنا إلى القائم بالأعمال الأمريكى يقول:

" يحتج الإخوان المسلمون والعالم الإسلامى على الموقف الأمريكى فيما يتعلق بفلسطين وهم يتوقعون إعلانا صريحا يهدىء المشاعر ويضمن للعرب وطنهم".

وتستخدم الجماعة الوفد حالا لتحقيق أغراضها الخاصة وبذلك يمكن أن تصبح السيطرة على الجماعة أمرا مستحيلا وتكون مصدرا كبيرا للقلق والاضطرابات

ويبدو أن الوفد بدأ ينتبه إلى ضرورة الحذروتعمل الجماعة حاليا على زيادة عدد أعضائها اعتمادا على مساندة الوفد ومن غير المحتمل أن تحل الجماعة محل الوفد. وخطر الإخوان ليس مباشرا وحقيقيا. وربما يكون خطرا محتملا فى المستقبل".

ويكتب سكريفنر رئيس القسم المصرى بوزارة الخارجية إلى مركز مخابرات الشرق الأوسط قائلا:

" لا يوجد ما يدعو للاهتمام الجدى بأعضاء هذه الجماعة"!

ويطلب البنا مقابلة السفير البريطانى فيعتذر عن ذلك بلباقة وتحذر السفارة البريطانية لندن مرة أخرى من الجهاز السرى.قال تقرير للسفارة البريطانية فى 25 من فبراير 1944:" كونت عناصر معينة من كتائب الإخوان فرقة انتحارية.

والبنا له كتيبته الخاصة من 40 رجلا يختارهم بنفسه ,أصبحت الجماعة خطرا محتملا لا يمكن أن نسقطه من حساباتنا بسبب طابعها العسكرى والمعادى للأجانب . وبسبب التقارير التى تفيد بأنهم يحتفظون بكميات كبيرة من الأسلحة فى جميع أنحاء البلاد ويمكن استخدامها عند الضرورة"

ويصف كيرك الوزير الأمريكى المفوض تأييد الإخوان لوفد فيقول فى برقية رقم 142 بتاريخ 13 من مارس 1944:

" بعد أن كانت جماعة الإخوان المسلمين فى المعارضة تحت رقابة صارمة اتخذت أسلوبا جديدا فى ممارسة نشاطها بناء على قرار من زعيمها البنا ... تمثل هذا أغلبية فالوفد لم يقدم برنامجا للمستقبل ولا يقدر على تبنى أية حركة إصلاحية كالإخوان.
والإخوان أكبر مجموعة مؤثرة فى مصر . التى تقف على أبواب مرحلة خطيرة تشبه الفترة التى مرت بين عامى 1919 و 1928 والإخوان يمثلون خطرا داهما للتطرف.
وقد وصل عددهم إلى ربع . أو نصف مليون نسمة ودعوتهم الموجهة إلى الشباب المثقف أكسبتهم تأثيرا يفوق ذلك الرقم . وبرنامجهم بلا شك مجرد غطاء لمشاعر معادية للغرب.
وسنربطهم أهداف الإصلاح الدينى الاجتماعى بالقيادات الإسلامية التى تحظى باحترام شعبى وتوثق علاقاتهم بعدد من الدوائر السياسية وغذ تقترب مصر من تحقيق استقلالها فإن الغرض من وجود الوفد قد انتهى من الناحية العملية.ومن المحتمل أن تتمكن حركة إصلاحية مثل الإخوان من إلغاء وجود الوفد أو احتوائه.
وليس فى إمكاننا التغاضى عن هذه الجماعة نستكشف وجهات نظرها وندعو لإضفاء طابع أكثر تحررا على برنامجها.وربما نستطيع توجيه الإخوان . فى الطريق الذى نراه صحيحا بالنسبة لمصر وجاراتها والإمبراطورية البريطانية.
ومن المرغوب فيه أن نوضح للنحاس باشا أننا لا ننافسه فى ود البنا ولكننا فقط نسعى للحصول لى معلومات"!

رد تيرينس شون القائم بأعمال السفير البريطانى فى القاهرة يوم 10 من أكتوبر يقول:

" ربما يصبح الإخوان قوة سياسية خطيرة إذا قام تعاون حقيق طويل بينها وبين الوفد أو تلقت منه دعما كبيرا.ودعم الجوالة. وتدريب أعضائها تدريبا شبه عسكرى بأسلحة نارية!
واتفق الوفد والإخوان على أن فى التقارب فائدة سياسية لكل منهما! ولكن الإخوان لم يقطعوا اتصالهم بالمعارضة

قالت السفارة البريطانية

" اتسم موقف الإخوان من المعارضة بالتسامح والمهادنة لم ير قادة الجماعة آية فائدة تعود عليهم من وراء الوقوف ضد أحزاب المعارضة أو تأييدها فإن الأحزاب ليست على درجة كبيرة من القوة بحيث ينظر إليها كخصم سياسى له شأن .
ورغم أن القصر أفاد من جهود الجماعة منذ نشأتها تقريبا فإنه قطع إعانته المالية عنها بسبب تنازل البنا عن ترشيحه ضد الوفد ولا يبدو حاليا سوى تفاهم محدود بين القصر والإخوان.
وكان عنصر المبادرة فى أى تحركات لدعم العلاقات بين الإخوان والقصر يجئ بصفة عامة من جانب القصر" وفى هذه البرقية اعتراف من السفارة بأن القصر هو الذى يسعى للتقارب من الجماعة وليس العكس
ويطلب مركز المخابرات السياسية البريطانية فى الشرق الأوسط من لندن . فى 19 من يوليو و4 من سبتمبر 1943 إقامة اتصالات مستمرة غير رسمية بين الإنجليز والشيخ البنا.

قال المركز

علينا أن نستمر فى تأييد الوفد باعتباره أكثر الهيئات تمثيلا لمصر ونوجهه بكياسة على ضوء تجاربنا ولكن علينا أن نقيم علاقة قوية وغير رسمية مع البنا زعيم ثانى الجماعات تمثيلا لشعب فهم أفضل الجماعات تنظيما بعد الوفد. وقد يحلون محله كحزب

ويعلن أحد الوزراء أنه يريد أن يكون جنديا فى جيش البنا الجرار!ويكون بين الحاضرين الوزير محمود سليمان غنام ومحمد صلاح الدين سكرتير عام مجلس الوزراء وزير الخارجية فى وزارة الوفد التالية وبعض النواب والشيوخ.ويصبح وزراء الوفد الأربعة أعضاء شرف فى جماعة الإخوان!

ويخطب البنا فى حضور الوزراء قائلا بشجاعة:

" يظن بعض الناس أن الإخوان هيئة مصنوعة صنعتها أيد وأهواء لتنال من الوفد أو من غيره. فتنتصر لحزب على حزب أو تظاهر قوما على قوم, وذلك وهم لا أصل له. وباطل لا خير فيه".

قالت المخابرات البريطانية

" سر تحالف البنا مع الوفد سيئ السمعة يرجع إلى خوف المرشد العام من اجراءات قمع تتخذها الحكومة ضد الجماعة كما يتطلع إلى المستقبل.فعندما أسس الجماعة. أعلن أنه يلزمها 15 سنة لتصل إلى مرحلة النضج ولكن ها قد انقضت تلك السنون ولم تصبح الجماعة قوية كما كان يأمل.
وحتى تتطور الجماعة وتنمو بغير اضطراب . فإنه من الضرورى أن يصل إلى اتفاق مع الوفد بحيث لا يمكن لهذا الحزب الاستغناء عنه يكون الوفد مستعدا لمعارضة أى طلب للإنجليز باتخاذ إجراءات ضد الجماعة.
وكانت مهنة البنا الأولى إقناع أنصاره بحكمة مساندة الوفد فقد انتقده الأعضاء بشدة لأنه يساند نظاما فاسدا. وانفصل عنه كثير من أتباعه وبدا كما لو أن المرشد العام ارتكب خطأ ضخما.
ولكن البنا استطاع ببطء وثبات . استعادة أنصاره" كثف البنا جهوده لزيادة شعبية الجماعة وضم مزيدا من الأعضاء

بداية الاغتيالات

أصدر مكرم عبيد الكتاب الأسود فى 29 من مارس 1943 متضمنا وقائع عن فساد الوفد. فرأى مركز المخابرات البريطانى فى مصر " أن الأمل فى إحياء القيم الأخلاقية فى مصر يعتمد على الإخوان المسلمين"!

ويخطب البنا فى أبريل 1943 فيعلن أن " نظام الحكم فى مصر كله عفن ويحتاج إلى اعادة تنظيم شاملة يلعب فيها الإخوان دورا بارزا".

ويخشى النحاس, هذه المرة أن يؤيد الإخوان مكرم عبيد, وأن يتضامنوا معه مستغلين الكتاب الأسود, فيسعى النحاس مرة أخرى, وإلى الحصول على تأييد الإخوان والتحالف معهم فليغى قرار إغلاق شعب الجماعة ويسمح للإخوان فى 8 من مايو بعقد مؤتمراتهم.وتستفيد الجماعة من جديد بهذه الفرصة السانحة لتحقيق مزيد من الانتشار.

قالت السفارة:

" أبلغ البنا الإخوان بعدم انتقاد الوفد وقال فى أكثر من مناسبة إن الكتاب الأسود وثيقة مضللة وبأمل ألا يتأثر بأكاذيبها أحد"!

ويزو أربعة من وزراء الوفد المركز العام للإخوان فى الشهر نفسه مايو 1943 للمصالحة والتعريف على قوة الإخوان.ويشهد وزراء الوفد فى ذلك اليوم اجتماعا يخطب فيه سراج الدين وعبد الحميد عبد الحق وأحمد حمزة , ويبدون علانية إعجابهم بأفكار الجماعة.

أصدر النحاس باشا فى أواخر يناير من عام 1943 قرارا بحظر جميع اجتماعات الإخوان باستثناء تلك التى تتم فى مقرها الرئيسى بالحلمية الجديدة بالقاهرة بعد أن وصلته تقارير تفيد بأن مقار الجماعة فى الأقاليم متورطة فى أنشطة سياسية وتقوم بدعايات معادية للوفد.

وصدرت التعليمات بإغلاق فروع الجماعة فى الأقاليم

ويفسر الشيخ عمر التلمساني موقف الوفد قائلا:" تولد إحساس لدى الوفد بأن الإخوان يسحبون بساط الأغلبية والشعبية من تحت أقدامه , وأنهم ينافسونه فى مجال اجتذاب الشباب فقد تسلل كثير من شباب الوفد إلى صفوف الإخوان.
وقد سبب الانتشار السريع لتشكيلات الجماعة وشبها قلقا بالغا لدى زعماء حزب الوفد وسرعان ما تحرك هذا القلق فى اتجاه الصدام مع الإخوان".

وقال:

" إن ترمومتر العلاقة بين الإخوان والنحاس كان مرتبطا بالإنجليز".

وقد التزم البنا بنصيبه من الاتفاق بالامتناع عن توجيه النقد الاستفزازى للحكومة رغم أن موقعه الفكر من مبادئ الوفد لم يتغير .أما الوفد فما زال ينظر إلى أنشطة هذه الجماعة بعين الشك ويحرص على القيام بالمراقبة الدقيقة لها"وتبقى العلاقات بين الطرفين متقلبة لا تستقر....والهدنة لا تدوم.

وتراقب السفارة . لأول مرة . الجهاز السرى للإخوانولكن السفارة لا تستطيع أن تحدد طبيعة الجهاز.دوره.وأعضائه بل تكتفى بالإشارة إلى أن الجماعة فى تسليح أعضائها.

وقال تقرير السفارة البريطانية فى 2 من ديسمبر:

" تجمعت لدينا على مدى 3 سنوات تقريبا تقارير هائلة عن وجود خطط يضعها الإخوان للتخريب والقيام بعصيان مسلح.ولا توجد من الناحية الفعلية آية أعمال تخريبية أو اضطرابات معادية لبريطانيا على نحو خطير.وقد يكون الإخوان أكثر جرأة فى تفكيرهم عن المصريين العاديين ولكن لا يوجد دليل على أنهم يستعدون للتضحية بأرواحهم.
لقد ظل المصرى معروفا على مر العصور بأنه يمكن أن يقوم بتمرد عندما ينفذ صبره تماما ولكنه فى الوقت نفسه ليس بالإنسان يقبل على تعريض حياته للخطر.إنه يخضع رغما عنه. ويظل يخطط للانتقام وإسالة الدماء إلى مالا نهاية واضعا أمله على الظروف الخارجية فى تغيير الأوضاع لصالحه"

والإخوان المسلمون, فى اتجاههم العام يعتقون أفكارا اشتراكية ديمقراطية. ومن الممكن أن نتصور أنهم قد يصبحون يوما ما حزبا عماليا يعارض الوفد وأحزاب المعارضة الصغيرة التى تتكون فى معظمها من الأثرياء.

ولا أحد يعرف عل وجه الدقة العدد الحقيقى لأعضاء الجماعة.وتقدره مصادرنا بما يتراوح بين 100 ألف و200 ألف عضو ولكن مسئولا كبيرا بالشرطة المصرية يضاعف هذا الرقم كثيرا ويصل به إلى 500 ألف".

وتكشف السفارة خطة الإخوان. قالت:

" الجماعة تتحاشى الصدام معنا. ومع الحكومة الوفدية, بينما تستمر فى تدعيم قوتها. ولا يعقل أن يعرض الإخوان مستقبلهم للخطر عن طريق القيام بعمل مندفع , غير عاقل , عندما تلوح أمامهم فرصة ورئيس الوزراء عازم على التصدى لجميع أشكال العصيان المدنى, ولديه القدرة على ذلك".

قال أمين عثمان وزير المالية للسفير البريطانى:

ينتشر الإخوان فى جميع أنحاء البلاد وعددهم يفوق جميع أحزاب المعارضة الرسمية من حيث شعبيتهم وقوتهم ولا يمكن مقارنتهم فى هذا العدد إلا بالوفد نفسه والغالبية العظمى منهم يتميزون بالإخلاص.
وكان أمين عثمان على حق فيما يقول فإن المرشد العام كان مقتنعا بضرورة ان يكتمل جيل الإخوان الأول.. الجيل المستمع.. أو جيل التكوين..

ويكتب السفير:

تتخذ العلاقات بين الإخوان والوفد شكل الهدنة من الناحية الفعلية ومن المفيد بالنسبة للإخوان أن يحتفظوا بعلاقات طيبة مع الوفد. وطالما أن العارضة من شأنها أن تؤدى إلى إغلاق مقارهم, واعتقال قادتهم, وإلحاق أضرار جسيمة بمستقبل الجماعة."
بعض الوفد أن الإخوان يستغلون حزب الوفد لمصلحتهم وأنهم يميلون الآن إلى تأييد الملك.وتوجد أدلة وقع فى معمل تكرير السويس التابع لشركة البترول الإنجليزية المصرية من تدبير اثنين من أعضاء الجماعة لا يعملان فى الشركة وتم تكوين تنظيمات جديدة للإخوان تتزايد قوتها وتأثيرها باستمرار فى جميع أنحاء البلاد.
وقطع القصر إعانته عن الجماعة بعد انسحاب البنا من الانتخابات ثم استأنف القصر تقديم هذه الإعانة ى ديسمبر 1942 وخفت تدريجيا المعارضة التى سادت صفوف الإخوان واستعاد البنا سيطرته على الحركة"

كان الإخوان يأملون كما تصر السفارة البريطانية فى انتصار المحور ألمانيا وإيطاليا وحلفائهما... ومن هنا حرصت المخابرات البريطانية والسفارة على مراقبة الجماعة لمعرفة ما إذا كانت هناك علاقات بينها وبين المحور.

وتبرق السفارة البريطانية إلى لندن بنتائج الرقابة . قالت:

" لا توجد سوى دلائل بسيطة للغاية على اتصالهم بعملاء دول المحور منذ نشوب الحرب فالألمان والإيطاليون يرفضون مبادئ هذه الجماعة شأنهم فى ذلك شأن سائر الأوربيين. والفارق الوحيد أنهم قد يكونون أدوات لتخليص مصر من البريطانيين واليهود.
ورغم أن الإخوان المسلمين قلدوا الفاشية والنازية فى تنظيماتهم إلا أنهم لا يتعاطفون كثيرا مع مبادئهما وأفكارهما كما يشاع بين الناس.
والإخوان معادون للأوربيين والبريطانيين خاصة بسبب الوضع المتميز لبريطانيا فى مصر من جهة. وهم مسلمون متعصبون من جهة أخرى. دينى . وإذا كان قد صدر من بعض رجالنا أو من بعض شعبنا أى عمل يخالف هذا الخط, أو يدل على اتجاه سياسى فأنا استنكره وسأوقفه عند حده فورا,
ويجتمع النحاس بالمرشد العام مرة أخرى في أواخر سبتمبر ليوجه إليه تحذيرا عنيفا من القيام بنشاط ضد الإنجليز ويهدد باعتقال زعماء الجماعة.
وينتهى الأمر بتسوية الخلافات مع الحكومة. ويوقف المرشد العام كل ما يشكو منه النحاس وسراج الدين ويلزم رجاله بالانضباط فإن تهديدات النحاس كانت مؤثرة,
وتتجنب الجماعة النشاط السياسى وتقتصر على تدعيم الكشافة . والدروس المسائية للعمال, وتنتشر شعب الجماعة وتزداد قوتها ونفوذها في الأقاليم.

قال هيوارث دان

" إن الجماعة عندما تواجه حكومة قوية تقتصر نشاطها على الدين , وتتحول إلى السياسة أمام الحكومات الضعيفة"!

وتهاجم الشرطة منزل البنا يوم 24 أكتوبر بحثا ‘ن أية كتيبات أو منشورات دعائية لصالح المحور, وتلقى القبض على اثنين من قيادات الجماعة بالأقاليم بتهمة التورط في طباعة منشورات لدول المحور وتوزيعها.

قال تقرير للسفارة البريطانية

"بذل البنا قصارى جهده لفرض الالتزام على أتباعه. ونجح فى الحصول على موافقة الحكومة بإعادة فتح عدد من مقار الجماعة التى أغلقتها الشرطة. أخذت الجماعة تتحاشى التعرض للمسائل السياسية.
وركزت جهودها على زيادة عدد أعضاء الجوالة وتدريبهم وتنظيم الفصول الدراسية المسائية للعمال وكان لتهديدات النحاس باشا بتوجيه اجراءات عقابية صارمة ضد الإخوان أثرها فجعلهم أكثر حذرا".

ويكتب السفير البريطانى اللورد كيلرن إلى لندن يوم 17 من نوفمبر 1942:

الحرب فستنال الجماعة تأييدا كاملا من دول المحور. أما إذا انتصرت بريطانيا فستتعامل مع المصريين على نحو ما تعاملت به مع عرب فلسطين".ويحاول الإخوان التقرب إلى صاحب الجلالة الذى غضب لتنازل البنا عن الترشيح فى الانتخابات ضد الوفد فيتوجه المرشد العام إلى قصر عابدين ليرفع إلى فاروق العدد الأول من مجلتهم نصف الشهرية.

وتتدخل السفارة البريطانية ضد الإخوان فحظرت الحكومة الوفدية فى سبتمبر 1942 الاجتماعات العامة وهددت الإخوان باتخاذ المزيد من الإجراءات الانتقامية نحوهم.ويتلقى المرشد العام تحذيرا قويا من القيام بأية أنشطة معادية لبريطانيا أو الحكومة حتى لا تتعرض قيادات الجماعة للاعتقال ويستدعى فؤاد سراج الدين المرشد العام .

قال له:

يا شيخ حسن عايز أعرف أنتم جماعة دينية أو حرب سياسى ؟ أحنا ما عندناش مانع أبدا أنكم تكونوا حزب سياسى.
أعلنوا على الملأ أنكم يتشغلوا بالسياسة وأنكم كونتم حزب سياسى ولا تتستروا بستار الدين ولا تتخفوا فى زى الدين.أما أن تتستروا تحت شعار الدين. " والله أكبر ولله الحمد" وفى نفس الوقت تقوموا بالعمل السياسى وتباشروا السياسة الحزبية فهذا غير معقول لأنه يخل بمبادئ تكافؤ الفرص بينكم وبين الأحزاب السياسية

أنا كرجل سياسى حزبى لا أستطيع أن أهاجم جماعة دينية تنادى بشعارات دينية سامية وإلا سأكون محل استنكار من الرأى العام.

رد الشيخ البنا

نحن لم نفكر فى العمل بالسياسة ونحن رجال دين فقط, ورجال فكر المخابرات البريطانية بأن البنا ذكر لبعض رجاله المقربين أن انتصار الألمان والإيطاليين أصبح وشيكا وأنه فى انتظار تعليمات من الألمان لتنفيذ مخططات تخريبية وراء خطوط الإنجليز".

قالت السفارة البريطانية:

يعتمد موقف الإخوان تجاه الألمان على مبدأ تبادل المنفعة معهم.ونحن بدورنا أى الإنجليز لا نثق فى الرغبة التى أبداها البنا فى التعاون مع الوفد وتركيز نشاط جماعته على قضايا الإصلاح الدينى فما زالت التقارير تتوالى عن الخطط التخريبية التى تعدها الجماعى.
وليس بمقدور المرء أن يغفل أصالة البرنامج الاجتماعى للجماعة فقد أعلن متحدث باسمها أن الفقر الذى يطحن جماهير الشعب فى وقتنا الحالى نتج عن طغيان الأغنياء وتصدير المواد الغذائية إلى الخارج بطريقة غير مشروعة.
وهاجم تسامح الحكومات مع بعض العادات المذمومة التى وفدت إلى البلاد من الغرب مثل القمار وشرب الخمور وطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا كاملا.
وأرجع البنا كافة أشكال انحلال الخلقى التى تعانى منها البلاد إلى النفوذ الغربى.وفى سبتمبر ظهر العدد الأول من مجلة الجماعة الأسبوعية " الإخوان المسلمون" بعد أن حصلت على موافقة الحكومة لم يحو هذا العدد شيئا سوى المقالات البلاغية المستحسنة والتى جديد فيها".

وقالت تقارير المخابرات البريطانية:

" أن قيادات الجماعة أعلنت فى اجتماع سرى لها أنه إذا خسرت بريطانيا الذين ينتمون إلى الطبقات الفقيرة فمبادئ الجماعة تدعو إلى العودة إلى الشريعة الإسلامية.
ومن غير المتوقع أن تحل مثل هذه الجماعة ضيقة الأفق, والمعوقة للتقدم محل حزب قومى كبير مثل الوفد رغم ما يلجأ إليه الإخوان. بين الحين والآخر من محاولات لاجتذاب هذه العناصر ذات الثقافة السطحية إلى معاداة الأجانب"غضب الإخوان من النحاس عندما قبض على على ماهر فى أبريل واعتبروا ذلك ضربة موجهة إليهم.

قالت المخابرات البريطانية:

" عقد الإخوان هدنة مع الوفد ربما فى جو من الاحترام المتبادل بعد أن أدرك البنا أن بمقدور النحاس أن يشجع الجماعة بينما أدرك النحاس أن الإخوان يمكن أن يسببوا له مشكلة كبيرة إذا تحدوه.
وصار بوسع البنا أن يعتمد على تعاطف أعداد لا بأس بها من رجال الشرطة والمسئولين الحكوميين من الإخوان وخاصة فى الأقاليم.ولكن عندما تقدم الألمان نحو العلمين زاد حماس الإخوان فألقوا بعض الخطب المؤيدة للألمان".

وقالت المخابرات البريطانية:

" ألقى البنا خطابا أعلن فيه تأييده القوى للألمان ولكن ذلك لم يثبت أبدا وظلت خطبة الأخرى تدور حول سياسته الدينية.وأعطى لمعاونيه فى أحاديثه الخاصة انطباعا بأنه يرغب فى تحاشى وقوع صدام مع حكومة الوفد أو الإنجليز"

تقدم الألمان إلى العلمين على بعد مائة كيلو متر من الإسكندرية . فقالت وبنى النحاس حساباته على تأمين نفسه من مؤامرات القصر ودسائسه التى تحاك ضده بواسطة الإخوان المسلمين.وانتهجت الجمعية سياسة الدعم السلبى للوفد.

ولجأ البنا إلى سياسة الترقب وكله أمل فى انتظار الفرج واتسم تعاونه مع الوفد بأن أهدافه أخرجت الجمعية ومرشدها العام من المعمعة ... سالمين"!

بعث السفير البريطانى إلى لندن يوم 28 من مارس 1942 يقول:

" كتب رئيس الإخوان المسلمين , عند انسحابه من الترشيح للبرلمان خطابا إلى رئيس الوزراء يعده بالتعاون مع الحكومة مما يعنى ضمنا الولاء للمعاهدة الإنجليزية المصرية.وربما تم التوصل إلى هذه النتيجة بمزيج من الإرهاب والرشوة ولكن قيمتها مشكوك فيها.وأخذ الإخوان يتباهون بما يتمتعون به من تأثير لدى جميع وحدات الجيش المصرى.

وقرر النحاس فرض قيود على بيع المشروبات الكحولية فى أوقات معينة يوميا وخلال شهر رمضان وفى الأعياد الدينية.واتخذ بعض الإجراءات الضرورية لحظر ممارسة الدعارة

وقام فورا بإغلاق بعض لمواخير وسمح باستئناف الجماعة لبعض أنشطتها, بما فى ذلك إصدار بعض المطبوعات وعقد الاجتماعات"ولكن السفير البريطانى السير ما يلز لامبسون اللورد كيلرن كان قصير النظر فلم يتوقع للإخوان ما تحقق لهم كتب إلى لندن

يقول:

" تجذب جماعة الإخوان المسلمين إلي صفوفها المسلمين المتدينين البسطاء أعلنتموه متمسكين دائما بآداب الإسلام العالية وتعاليمه القوية وأخلاقه الفاضلة".وفى هذا البيان أو الرسالة المفتوحة التى وجهها الشيخ البنا إلى النحاس باشا إعلان بولاء المرشد العام للحكومة والتزامه بمعاهدة 1936!

فسر أعضاء الجماعة الانسحاب بأنه استسلام مهين وانتقدوا بعنف البنا.وأصيبت الجماعة بانقسام مؤقت وتأثرت أنشطتها تأثيرا بالغا رغم جهود البنا لتبرير الانسحاب وإلقاء اللوم على البريطانيين بتحريض النحاس ضده...

كان بين الغاضبين على انسحاب البنا, عمر التلمساني الذى أصبح فيما بعد مرشدا عاما للإخوان. فانقطع عن التردد على المركز العام. افتقد البنا صاحبه وسأل عن السبب.

قيل: إنه غاضب لانسحابك من المعركة. أرسل البنا خطابا إلى التلمساني لمقابلته .رد عليه بخطاب فحواه عدم الجدوى من المقابلة.بعث البنا إليه عبد الحكيم عابدين وعبده قاسم من قيادات الإخوان فحملا التلمساني على الحضور حيث لقيه وأقنعه.

واعترفت السفارة البريطانية فى برقياتها بان النحاس عرض مساعدة الإخوان إذا تعاونوا معه ولذلك أعلن البنا ولاءه للحكومة والتزامه بالمعاهدة.وفى كتاب الكاتب السوفيتى سيرانيان

وعنوانه " مصر ونضالها من أجل الاستقلال" قال:

" أكتفى النحاس بتأكيدات البنا بأنه سيساند الحكومة الوفدية. ونشر النبأ بهذه الصورة دانه للنحاس باشا وإقرار بأن التنازل عن الترشيح تم بناء على ضغوط الباشا التى قيل إنها نصيحة!

وقالت الأهرام":

إن رئيس الوزراء استقبل المرشد العام للمرة الثانية على رأس وفد من الجمعية وقدم إليه كتابا يؤيد سياسة الوزراء. قال المرشد العام فى رسالته لرئيس الوزراء مقدمة قصيرة.
"تحدثتم رفعتكم إلى الأمة المصرية الكريمة حديثا رائعا جليلا ضمنتموه كثيرا من المبادئ القويمة والأمانى الطيبة التى يسر كل مصرى أن يحققها الله على يديكم.دعوتكم الأمة إلى مصارحتكم والتقدم غليكم بالنصح"
فنحن أبناء أسرة واحدة وهى الأسرية المصرية الكريمة وقررتم رفعتم انه من دواعى سروركم أن تتعاون الأمة والحكومة فى هذه الظروف الدقيقة" فى تنفيذ سياسة خارجية حكيمة وتعميم سياسة داخلية بصيرة..
والواجب يقضينا والمصلحة تدعونا إلى أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة التى وقعناها بمحض اختيارنا وملء حريتنا وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا القومى والاحتياط لمثل هذه الظروف العميقة.

وختمتم هذا الحديث بأن علينا أن

" نعبر الطريق المحوط بالمخاطر. متعاونين متحدين كالبينان المرصوص , مترقبين بزوغ فجر الحرية, فيقوم عدل الحكام على أنقاض الظلم والاستبداد وتتفيأ الأمة ظلال الطمأنينة والسكينة والسلام".
" أصغينا إلى هذا الحديث القيم ثم قرأنا فى الصحف أن معالى وزير الصحة أخذ يدرس باهتمام مشكلة البغاء تمهيدا لتخليص مصر من وصمته الشائنة أنه قرر فعلا البدء بإلغاء دور البغاء فى القرى والبنادر من أول مايو المقبل.

فالإخوان المسلمون أمام هذه الآمال الصالحة والأعمال الطيبة النافعة, يرون من واجبهم أن يستجيبوا لندائكم ويعلنوا أنهم حريصون كل الحرص على أن يكونوا عونا لكم وللحكومة المصرية فى تحقيق

برنامجكم الاصلاحى الذى وفى مقال كتبه محمد عفيفى شاهين رئيس تحرير مجلة " الحوادث " الوفد قال : إن البنا أصبح شهيدا بانسحابه.

ولكن انسحاب البنا كان عملا صائبا وإذا كان النحاس قد هدد بالاعتقال فإن رئيس الوفد فى ذلك الزمان . وفى ظروف الحرب لم يتردد بعد ذا اعتقال مكرم عبيد وعلى ماهر وغيرهما كثيرون.

وفى كتاب رتشارد ميتشيل قال : إن الاجتماع بين النحاس والبنا جمع بين الترغيب والرشوة أو الرغبة والرهبة فإن النحاس عرض على البنا مقابل الانسحاب:

  1. رية الجماعة فى استئناف أعمالها على نطاق شامل.
  2. أن تعد الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر المشروبات الكحولية والدعارة.

عقد الإخوان اجتماعا قرروا فيه عدم الإذعان لرغبة النحاس تماما كما حدث عندما نقل سرى باشا زعيم الإخوان إلى قنا.وكما حدث فى قرار النقل فى عهد سرى وافق لبنا فى نهاية المطاف على الانسحاب من المعركة الانتخابية!

نشرت صحيفة الأهرام " سوم 23 مارس 1942 أن رئيس الشئون الدينية بمجلس الوزراء. ودار الحديث حول تنازل الشيخ البنا عن ترشيح نفسه لمجلس النواب عن دائرة الإسماعيلية.

وقد أصغى المرشد العام إلى نصائح رفعة رئيس الوزراء وتوجيهاته السديدة وعلى إثر ذلك أعلن تنازله عن ترشيح نفسه عملا بنصح الرئيس".

قال النحاس:

يا حسن. أنا مسلم مثلك . وأعرف قواعد الدين وأصوله. من حقك الوعظ والإرشاد والدعوة إلى احترام القيم.ولكنى أرفض دخولك فى السياسة للوصول إلى الحكم إنى أمنع ذلك بكل قوة
نفى البنا أنه يريد الحكم والسلطة.قال:
سمعا وطاعة. وإذا كان أحد زملائى قد انحرف فى هذا فأنا كفيل برده إلى حقيقة الدعوة وهى مكارم الأخلاق والقيم الدينية.
قال النحاس:
لا تشتغلوا بالسياسة ولا ترشحوا أنفسكم فى مجلس النواب.وقال البنا لإبراهيم فرج بعد اللقاء:
كان النحاس باشا عنيفا ومنفعلا.

والرواية الثالثة جاءت فى تقرير للمخابرات البريطانية:

" خشى النحاس أن يثبت البنا أنه منافس قوى للوفد وهدده بالاعتقال مع كبار قادة الإخوان إذا لم يذعن وهدده بمحاكمته أمام محكمة عسكرية بتهمة التجسس.وهدده النحاس أيضا بنشر اتهامات مزعومة حول أسلوب البنا فى التصرف فى أموال الجماعة!
ورد النحاس للبنا 450 جنيها كتعويض عن التأمين الذى دفعه مقابل الترشيح ونفقات الدعاية التى صرفها!وهذا التقرير يكشف عن حقيقة هامة هى ان الوفد بدأ يخشى من منافسة الإخوان ويعنى الوفد للبنا وانسحابه أيضا يدل على أنه عنصر هام فى الشارع السياسى المصرى.

وهناك عدة روايات لما جرى فى الاجتماع بين مصطفي النحاس والمرشد العام..الرواية الأولى قالها البنا فى اجتماع بالشارع الثلاثين بالإسماعيلية عقب تنازله عن الترشيح مباشرة:

دعانى مصطفي النحاس باشا إلى مكتبه وطلب منى التنازل عن الترشيح قلما سألته عن الأسباب قال:
البلد فى حالة حرب.. ومصلحة البلد أن تتنازل قلت:
ألا يكفى أن الحكومة قيدت خطواتى ولا تسمح لى بالسفر خارج القاهرة إلا بإذن من وزارة الداخلية والدعوة بهذه الصورة لا تجد مجالا للإنطلاق فيكون التنازل عن الترشيح حجرا على الدعوة والداعية.
قال مصطفي النحاس:
فى حالة قبولك التنازل لا مانع عندى من أن تكون لك حرية الدعوة فى كل مكان.
قال البنا:
أمام هذا التصريح أوافق على التنازل عن ترشيح نفسى وقال البنا فى خطابه بالإسماعيلية.
لم نرد من الترشيح إلا أن نجد منبرا نعلن فيه عن دعوتنا فإذا تيسر لنا فى حدود الظروف التى يتاح لى أن أفصلها حين تسمح الظروف نكون قد وفقنا إلى أحسن الحلول!
والرواية الثانية نشرها إبراهيم فرج الوزير الوفدى فى كتابه " ذكرياتى السياسية " بعد أكثر من ربع قرن, وكان كل من البنا والنحاس قد انتقلا إلى رحاب الله. وعندما يترك الوفد الحكم فى النهاية فسيواجه البنا ببديلين يتعين عليه الاختيار بينهما.
  1. أن يجرب حظه مع الوفد ويسعى لمناصرته وهو فى المعارضة أو
  2. أن يعرض خدمات الإخوان على الحكومة الجديدة أملا فى الحصول على معاملة تفضيلية مثل التى كان يتمتع بها فى حكم الوفد.

وإذا اختار البنا الطريق الأول فسيكون حظ آية حكومة قادمة صعبا للغاية وسيصبح أمن البلاد مهددا بدرجة خطيرة.أما إذا سلك الطريق الثانى وساعد الحكومة غير الوفدية فى الصمود أمام هجمات الوفد المعارض مقابل مزايا مختلفة فسيؤدى الصدام الناتج عن هذا الأسلوب إلى وقو تهديد خطير للأمن العام.

ويبدو واضحا أن الإخوان فى طريقهم ليلعبوا دورا بارزا فى آية تطورات سياسية مقبلة".

اقبل مصطفي النحاس يوم 8 من أكتوبر 1944 بعد 24 ساعة من توقعه بروتوكول الجامعة العربية وتولى أحمد ماهر باشا رئاسة الوزارة فى اليوم نفسه فشكلها من أحزاب الأقلية الأربعة: الحزب السعدى الذى يرأسه ماهر باشا والأحرار الدستوريين والكتلة والحزب الوطني.

كان أحمد ماهر فى التاسعة والخمسين.درس الحقوق فى مصر ونال الدكتوراه من جامعة مونبليية الفرنسية واختاره سعد زغلول وزيرا للمعارف فى وزارته عام 1924 .

وأتهم مع محمود فهمى النقراشى وزير خارجية بالاشتراك فى قضية الاغتيالات الكبرى .. ولما صدر الحكم ببراءته عام 1926 استقال القاضى البريطانى كيرش والذى رأس الجلسة احتجاجا على حكم البراءة

وكان سعد زغلول يصفه " بالوطنى الصامت"

اختير نائبا أكثر من مرة وتولى منصب رئيس تحرير صحيفة " كوكب الشرق الوفدية عام 1934 وأختير رئيسا لمجلس النواب عام 1936.وبعد طرد النقراشي من الوفد عام 1937 انضم إلى النقراشي وانفصل عن الوفد وأسس حزب السعديين قائلا أنه وأنصاره الممثلون الحقيقون لسعد زغلول.

تولى منصب وزير المالية عام 1938 وانتخب رئيسا لمجلس النواب عام 1939 وهو شقيق على ماهر باشا رئيس الوزارة السابق.أراد أحمد ماهر تدعيم صلته بالسفارة البريطانية ليستعين بها على مقاومة رغبات القصر والوقوف فى وجه الملك قدر الطاقة. وبدأ الوزراء اتجاها ليبراليا بالامتناع عن اعتقال خصومه السياسيين وغيرهم.

وحل أحمد ماهر مجلس النواب يوم 15 من نوفمبر وحدد 8 من يناير 1945 موعدا لإجراء الانتخابات.رشح البنا نفسه فى الانتخابات عن دائرة الإسماعيلية كما رشح خمسة من الإخوان أنفسهم فى دوائر أخرى فقد وجدوا الساحة شبه خالية أمامهم فالوفد قاطع الانتخابات وبعيد عن المعركة. والحكومة لا تمثل إلا أقلية شعبية ولذلك يمكن اعتبار الانتخابات اختبارا لقوتهم السياسية.

مهد الإخوان لذلك..كتب الشيخ أبو زهرة:

الإسلام يبيح دخول الانتخابات طالما أن فى ذلك نشر الإسلام" وقال الشيخ على الخفيف:" لا مانع شرعا يمنع الجماعات الدينية من دخول البرلمان والاشتراك فى الحكم بصفة عامة".

وكتب المرشد العام:

ليس البرلمان وفقا على أصوات دعاة السياسة الحزبية على اختلافها ألوانها ولمنه منبر الأمة تسمع من فوقه كل فكرة صالحة, ويصدر عنه كل توجيه سليم يعبر عن رغبات الشعب".

بدلا من أن يطلب ماهر من البنا سحب الترشيح كما فعل النحاس, وتركه يخوض المعركة ليزعم أن الانتخابات حرة يدخلها من يشاء!وكان يجب ان ينجح البنا من الجولة الأولى فالإسماعيلية شهدت ميلاد الجماعة ونموها كما أقام الإخوان ستين سرادقا للدعاية الانتخابية للمرشد العام وجاءوا من كل شعب الجماعة لتأييده وهم يهتفون" إلى البنا..يا برلمان"!

ولكن أعيدت الانتخابات بين البنا وأقوى منافسيه وهو الطبيب الدكتور سليمان عيد متعهد توريد الأغذية لقوات الجيش البريطانى فى منطقة القناة لأن أيا منهم الم يحصل على العدد المطلوب للفوز فى الجولة الانتخابية الأولى.وفى الإعادة تدخل الإنجليز والحكومة بصورة أكثر سفورا

منع الحاكم العسكرى البريطانى مندوبى البنا من دخول اللجان الانتخابية فى سينا والتصويت فيها وقام مندوبو مرشح الحزب السعدى بملْ الصناديق بالأصوات المؤيدة على هواهم.وتولت سيارات الجيش البريطانى نقل العمال من المعسكرات البريطانية غلى مراكز التصويت.

وحشدت الحكومة أنصارها وقامت بتزوير الانتخابات ضد البنا وزملائه الخمسة الذين رشحوا أنفسهم فى دوائر أخرى كمستقلين حتى لا يدخل الإخوان مجلس النواب ومبادئهم معروفة ولأنهم تعاونوا يوما مع الوفد وإن لم يكن هذا التعاون السبب الوحيد لإسقاطهم.

وكانت نتيجة التزوير سقوط البنا وجميع مرشحى الإخوان, وقيل إن أحمد ماهر علق على عدم فوز الشيخ قائلا:

لا شأن للحكومة المصرية بدائرة الإسماعيلية . والإنجليز هم الذين يديرونها!وعندما أعلن فوز مرشح الحكومة فى الإسماعيلية كادت تحدث فتنة لولا تدخل البنا.

خطب فى الجموع قائلا:

هذه الحشود الهائلة بهذه الصورة الرائعة تصم الحكومة بالتزوير والتضليل إن مراجلكم تغلى بالثورة وعلى شفا الانفجار . ولكن اكظموا غيظكم وانصرفوا إلى منازلكم وبلادكم مشكورين مأجورين. لتفوتوا على أعدائكم فرصة الاصطدام بكم.

وقال:

إن عجز أمة عن أن تدفع بأحد أبنائها إلى البرلمان . ليقول كلمة الحق والسلام لدليل على أن الحرية رياء وهباء, وأن الاستعمار سر البلاء وتهاجم صحيفة الإخوان نظام الانتخابات لأنه " فاشل فى أداء رسالته " ومع ذلك أعلن البنا أن سيشترك فى اقرب انتخابات قادمة .

وأنه فى انتخابات حرة يستطيع ان يحصل على أغلبية ساحقة ولكن الجماعة لن تتقدم إلا فى عدد محدود من الدوائر.قال الشيخ لمرتضى المراغى مدير الأمن العام ووزير الداخلية بعد ذلك

عملت الحكومة جهدها على إسقاط مرشحى الإخوان مع أنهم تقدموا باعتبارهم مستقلين لا باعتبارهم ممثلى الإخوان المسلمين.

وأضاف:

أتدرى متى نستطيع دخول الانتخابات بصفتنا إخوانا مسلمين؟
قال المراغى:
متى؟
قال الشيخ البنا: حين يقبل الملك أن يكون لنا فى الوزارة وزيران أو ثلاثة وزراء . عندئذ نعرف كيف نحظى بعدد من كراسى مجلس النواب.
قال المراغى: هل يعنى هذا أنكم تقبلون دخول الوزارة إذا دعاكم الملك من دون شروط
قال البنا: نعم دون أية شروط لأن وجودنا ضرورى لخدمة البلد إن برنامجنا الاجتماعى إصلاحى يقوم على أسس قوية
قال المراغى:
يا أستاذ حسن.وماذا يصنع وزراؤكم فى رخص نوادى الميسر والملاهى " البارات والخمارات"؟
ضحك البنا وقال:
هذه قفشة لا بأس بها عسى أن يستطيع وزراؤنا إزالة ذلك المنكر .
قال المراغى:
لعل هذا من باب " والله لنخوض إليكم الباطل حتى نصل إلى الحق" أو من " باب الضرورات تبيح المحظورات".
قال البنا:
نعم لك حق.

وربما يكون من حسن حظ الإخوان أنهم لم يدخلوا مجلس النواب وإلا أصبحوا مثل أحزاب الأقليات الممثلة فى البرلمان فتذوب الجماعة فى الخضم السياسى المضطرب فى مصر ولا تستطيع أن تفرض رأيا.

وعلى أية حال فإن البنا أدرك فشله فى انتخابات الإسماعيلية انه ليس من مصلحة الإخوان الصدام مع الحكومة والإنجليز وأن ساعة المواجهى لم تأت بعد.

لم يطل عهد أحمد ماهر فى رئاسة الوزارة سوى أربعة شهور فقد فكر التنظيم السرى للإخوان فى اغتياله. وعهد بذلك إلى أحد أعضائه وهو أحمد عبد الفتاح طه.

ولكن أحمد عبد الفتاح طه جبن فى اللحظة الأخيرة عن قتل أحمد ماهر وعاد إلى أعضاء الجهاز السرى يعترف بجبنه!

وفى اليوم التالى اغتال محمود العيسوى رئيس الوزراء داخل دار البرلمان يوم 24 من فبراير 1945 وهو ينتقل من مجلس الشيوخ إلى مجلس النواب ليعلن قرار مصر بدخول الحرب حتى يتسنى حضور مؤتمر الصلح طبقا لقرارات الحلفاء فى اجتماعهم بمدينة يالتا

اعترف العيسوى بجريمته: قال إن قرار إعلان الحرب. وما قد يجره على البلاد من نكبة محققة لو دخلت حربا دفعة غلى قتل رئيس الوزراء.وقال إنه ينتمى إلى الحزب الوطني وتبين انه كان يتمرن على المحاماة فى مكتب عبد الرحمن الرافعى ثم فى مكتب عبد المقصود متولى وهما من كبار رجالات هذا الحزب.

ألقى القبض على عبد العزيز على وهو من قادة النضال السرى للحزب الوطنى وصهره عبد السلام مصطفى المحامى بتهمة الاشتراك فى الجريمة لأنهما من الحزب الوطني ومن أصدقاء القاتل أيضا.

وفى مذكرات عبد العزيز على " الثائر الصامت" قال إن العيسوى من شباب الحزب الوطني وقد أصر العيسوى رغم التعذيب والتهديد والإغراء على أنه وحده القاتل والمدبر للجريمة.

قال الشيخ سيد سابق وهو من زعماء الإخوان للكاتب الأستاذ خالد محمد خالد:

محمود العيسوى من صميم الإخوان المسلمين.

وفى مذكرات الشيخ أحمد حسن الباقوري قال

إن النظام الخاص أو الجهاز السرى للإخوان رأى الانتقام من أحمد ماهر لأنه أسقط الشيخ البنا فى الانتخابات بالإسماعيلية فوجه محمود العيسوى لاغتيال رئيس الوزراء.

وفى اعترافات أعضاء جماعة الإخوان أمام محكمة الشعب التى شكلها جمال عبد الناصر برئاسة جمال سالم قالوا إن الإخوان هى التى اغتالت أحمد ماهر ,ولكن لا يعوّل على اعترافات المتهمين أمام هذه المحكمة فقد لقى المتهمون شر أنواع التعذيب"

ولكن الدكتور محمود عساف عضو الهيئة التأسيسي للجماعة ومدير شركة إعلانات الإخوان ينفى انتماء العيسوى قائلا انه كان يحضر فقط درس الثلاثاء الذى يلقيه المرشد العام فى مقر الجماعة أسبوعيا.

طلب العيسوى سماع رأى زعماء مصر, وبينهم الشيخ البنا فى قرار إعلان الحرب فقبض على المرشد العام وزميليه أحمد السكري وعبد الحكيم عابدين للتحقيق معهم!

رجل العام

أسند الملك رئاسة الوزارة إلى محمود فهمى النقراشي باشا وزير الخارجية والرجل الثانى فى حزب أحمد ماهر الحزب السعدى.

كان النقراشي فى الثامنة والخمسين ولد من أسرة فقيرة حصل على دبلوم المعلمين. وأوفده سعد زغلول فى بعثة إلى انجلترا وبعد عودته عين مدرسا ناظرا لمدرسة رأس التين بالإسكندرية.

اختاره سعد زغلول عندما تولى رئاسة الوزارة وكيلا لمحافظة القاهرة ثم وكيل لوزارة الداخلية وأتهم بالاشتراك فى اغتيال السردار البريطانى السير لى ستاك عام 1924 فاعتقل ثم أفرج عنه.

واتهم مرة ثانية مع أحمد ماهر , بالاشتراك فى قضية الاغتيالات الكبرى عام 1925 فاعتقل عاما كاملا حتى صدر الحكم ببراءتهما سنة 1926

انتخب عضوا فى مجلس النواب عن الوفد واختاره مصطفي النحاس زعيم الحزب, وبعد وفاة سعد زغلول وزيرا للمواصلات عام 1930 وعضوا فى هيئة المفاوضات فى معاهدة 1936 واختلف كوزير للمواصلات مع النحاس فى العام التالى فأخرجه النحاس من الوفد ومن الوزارة فأسس مع أحمد ماهر الحزب السعدى عام 1938 وتولى منصب الوزارة أكثر من مرة منذ ذلك الحين. رأى بعض المسئولين فى وزارة الخارجية البريطانية أن

" الملك أساء اختيار رئيس وزرائه وأنه لا يوجد من هو أسوأ من النقراشي باشا! وأن نفوذه السياسى يتركز فى علاقته الطيبة بالملك وقدرته عل تجميع العناصر الوطنية المناوئة للإنجليز".

وكان اللورد كيلرن السفير البريطانى شديد العداء للنقراشى,فى خطاب قبول رئاسة الوزارة قال محمود فهمى النقراشى باشا للملك فاروق:" اعتزمت على انتهاج سياسة الحزم والمضاء فى تحقيق أسباب الأمن والنظام".

ويعلق السفير البريطانى على ذلك قائلا:

" لم يضيع النقراشي الوقت. بل اعتقل العناصر القيادية لما يمكن أن تكون منظمات تخريبية مثل حزب مصر الفتاة والإخوان المسلمين والجناح المتطرف من الحزب الوطني اللجنة العليا واتخذ النقراشي باشا حذره عندما أصدر قراره بمنع اجتماعات هذه المنظمات"

اعتقل البنا فى سجن قسم شرطة الخليفة مع أربعين من المشتبه فيهم من رجال الأحزاب المختلفة ينامون على الأرض فى حجرة واحدة قذرة . تضيق فيها أنفاس الإنسان.

ويحاول رجل البوليس السياسى محمد إبراهيم إمام أن يتقرب إلى البنا فيعرض عليه وحده الانتقال إلى حجرة أخرى, ولكن المرشد العام يرفض مما جعل كل المعتقلين يكبرون الرجل ويعجبون بروحه المعنوية العالية. ويفرج عن البنا بعد عشرة أيام.

وأثناء الأيام العشرة التقى المرشد العام قسم الخليفة بمحمد الليثي الرجل الذى قدر له أن يلعب دورا هاما فى حياة المرشد العام.. وفى وفائه أيضا!

حاول البنا ألا يستعدى ضده محمود فهمى النقراشى رئيس الوزراء الجديد فتوجه إلي بعد الإفراج عنه يعزيه ولكن بدون جدوى فإن النقراشي أصدر قرارا بمنع اجتماعات الإخوان , ومصر الفتاة واللجنة العليا للحزب الوطنى ولكن الكاتب السوفييتى سيرانين. فى كتابه. فسر مرونة الإخوان بطريقة أخرى.

قال إنه

" بعد إقالة وزارة النحاس راجع زعماء الجماعة حساباتهم بسرعة وفاء منهم لمبدئهم العتيق " فلنقبل الأيادى التى لم تستطع قطعها " فغيروا موقفها تجاه الوفد وأنقلبوا على الاتحاد مع أحزاب الحكومة منضمين بذلك لصفوف الجوقة المنددة بسياسة النحاس وحزبه "

ويقول سيرانيان أيضا

" إن التحالف بين الحكومة والإخوان لم يتعكر صفوه بعد اغتيال أحمد ماهر ولم يحدث أن استغل حزب الكتاب الأسود الذى كتبه مكرم عبيد كما استغله الإخوان للتشهير بالوفد".

ويقرر الإخوان التضامن مع باقى أحزاب المعارضة فى مظاهرة تبدأ من ميدان دار الأوبرا للترحيب بأعضاء مجلس الجامعى العربية واستنكار الاحتلال الفرنسى لشمال أفريقيا والمطالبة بجلاء الفرنسيين.

وتقرر الحكومة منع المتظاهرين من مغادرة الميدان فيتجمع فيه الفان من الإخوان بعد ظهر يوم 4 من يونيو يخطب فيهم البنا ورئيس مجلس النواب السورى وآخرون.ويخرج المتظاهرون من الأوبرا إلى ميدان عابدين فيخطب فيهم مرة ثانية المرشد العام ثم يطلب منهم الانصراف فى هدوء .. فينصرفوا.

ويقول مركز المخابرات البريطانية إن

" إلغاء قرار الحكومة والسماح بخروج المظاهرة من ميدان الأوبرا تم بأمر صاحب الجلالة ملك مصر ".

وهذا يدل على ارتباط الإخوان بالقصر.لكن الوزارة تلقى القبض على مصطفي مؤمن زعيم طلاب الإخوان فى جامعة القاهرة وتمنع الإخوان من عقد اجتماعاتهم.

ويطالب صالح عشماوي باستقالة الوزارة كتب يقول:

هذه الوزارة لم تفعل شيئا ولم تنتج شيئا ولا يجب أن تبقى ساعة من نهار! ويعقد الإخوان مؤتمرهم الوطنى العام يوم 8 سبتمبر 1945 فيشهده 2500 عضو يؤكدون التزام الجماعة بالقرآن. ويطالبون بتحقيق الأمانى الوطنية فى الجلاء.ويكون الجديد فى هذه القرارات المطالبة بتأميم قناة السويس.

ويكتب جيمس بوكر القائم بأعمال السفير البريطانى إلى لندن قائلا:

" هذه هى المرة الأولى يعلن فيها البنا صراحة أن للجمعية أهدافا سياسية . وكان دائما يحاول إقناع الحكومة والسفارة بأن الجمعية لا تتدخل فى السياسة.ولم يصدق أحد ذلك الادعاء"

ألغيت الأحكام العرفية فى 4 فبراير 1945 ويعقد الإخوان مؤتمرا فى اليوم نفسه يدعون فيه إلى المقاومة الشعبية والجهاد ويهاجمون مبدأ المفاوضات .ويزور البنا ومحمود لبيب قائد الجوالة أنور السادات فى بيته أخذ المرشد العام يشرح للضابط الشاب متاعبه فقال:

أنها تأتى من ناحيتين الملك والأجانب..
الملك يشعر شعورا قويا بخطورة دعوة الإخوان لما يسمعه من أن الدعوة تقوم على أن يكون الملك بالمبايعة لا بالوراثة .. والأجانب يرهبون الدعوة لأنها تقوم على وجوب الأخذ بشريعة الإسلام وستتعرض حتما لأعمالهم وأموالهم

وأضاف المرشد العام:

يدبر الملك أمره ليبطش بهذه الحركة التى لم تبلغ أوج قوتها بعد .. وما أيسر أن تتحول النظرة الموحدة من الأجانب والملك إلى تحالف عملى للقضاء على الدعوة وعلى الجماعة التى تدعو إليها؛

قال:

أريد أن أضع حدا لهذه المتاعب ويمكن أن يطمئن الأجانب إلى الدعوة لو اطمأن إليها الملك وأستطيع أن أكسب ثقته لو تقابلت معه.

ويتجه البنا بالحديث إلى هدفه مباشرة قال:

أنت تعرف الدكتور يوسف رشاد وهو ذو حظوة عند الملك ويمكنه إقناعه بمقابلتى.ويقوم أنور السادات بالوساطة ويبلغ يوسف رشاد الذى يستمع إليه ثم ينتقل حديثه إلى فاروق.ولكن الملك يقرر ألا يلتقى يوسف رشاد بمرشد الإخوان

ويكرر الشيخ البنا المحاولة مرة أخرى مع أنور السادات ويلتقى المرشد العام ووكيل الجماعة , أحمد السكري , وبالدكتور رشاد ثلاث ساعات.

قال البنا:إنى مستعد للتعاون مع الملك

وقال: ويمكن التغاضى عن بعض تصرفات الملك الشخصية لصغر سنه.. كما سنتعامل معه بصفته حاكما.وأكد المرشد العام أنه يكن لصاحب الجلالة التقدير والاحترام.

نقل الدكتور يوسف رشاد هذا الحديث إلى فاروق وحاول إقناعه بحسن نية المرشد العام ولكن الملك قال له:

البنا ضحك عليك!

وقصد الشيخ البنا إلى دار السفارة البريطانية ليلتقى للمرة الثانية بالسير والترسمارت المستشار الشرقى يوم 17 من أكتوبر 1945 وكانت المرة الأولى قبل 18 شهرا.

طلب المرشد العام من الإنجليز ضرورة القيام بإجراء لمنع هجرة المزيد من اليهود إلى فلسطين قال:

اقتراح الرئيس ترومان بهجرة اليهود إلى فلسطين يشبه وضع قطعة من النار بجوار برميل من البارود.وانتقل البنا إلى إندونيسيا فطالب بريطانيا أن تنظر بعين التعاطف إلى مطالب شعب إندونيسيا فى الاستقلال.
قال سمارت: ذلك الأمر يقع خارج نطاق اختصاصى تماما.
قال البنا: اقبلوا مطالب مصر القومية.
وتساءل قائلا: هل تقضى سياسة بريطانيا العظمى بتكوين أمة مصرية عربية متحدة أو بتفريقها كى يمكن حكمها بطريقة أكثر سهولة.

رد سمارت قائلا:

إن بيانى مستر ايدن عن تشجيع قيام الجامعة العربية يعدان دليلا كافيا على تشجيع بريطانيا للوحدة بين أصدقائنا المصريين والعرب والبيانات كافيان ليثبتا أن بريطانيا لا تؤيد على الإطلاق أسلوب " فرق تسد" وتبقى بعد ذلك تفاصيل يمكن حلها عن طريق التشاور والتفاهم.

وانتهز سمارت الفرصة . قال:

عندما التقينا قبل 18 شهرا أكدت تماما أن جماعتك ذات أهداف دينية وثقافية واجتماعية بينما تثار فى اجتماعات الإخوان المسلمين خلال الفترة الأخير قضايا سياسية تماما.

رد البنا:

الغايات الدينية فى الإسلام هى. بالضرورة , سياسية فى الوقت نفسه كالدفاع عن البلاد الإسلامية مثل فلسطين والحفاظ على حقوق المسلمين وغيرها.

قال سمارت الذى يتقن العربية:

يبدو لى كما لو أنك تدافع عن المبدأ الإسلامى القائل بأن " الدولة والدين لا ينفصلان" ومن خلال هذا المبدأ يمكن تحويل أى قضية سياسية إلى قضية ذات طابع دينى , ويبدو لى دفاعك كما لو كان محاولة لتبرير انغماس جماعتك أنشطة سياسية تماما.
قال البنا: لا أنوى ذلك والجماعة لا تعمل لصالح أى حزب سياسى وكل ما فى الأمر أننا نكرس جهدنا لتحقيق الأمانى الأساسية للشعوب الإسلامية
واستمر البنا يتحدث باستخفاف عن المجلس الاستشاري الذى أحال إليه النقراشي المطالب القومية للبلاد لإبداء الرأى فيها فقال إن هذا المجلس ربما يتكون من أشخاص لهم مكانتهم ولكنهم لا يمثلون الشعب بأية حال.

وقال إن الشعب لم يعد يؤيد أولئك الذين يسمون قادة . وليس لدى الإخوان المسلمين النية لتأييد أحد من هؤلاء القادة سواء النحاس أو النقراشي واستمر يؤكد نظريته القديمة التى قالها لسمارت من قبل .

قال:

الإخوان المسلمون هم أكثر الحلفاء نفعا لكم فى مجتمع يتهدده الانحلال, وهم أشد الحواجز صلابة فى وجه الشيوعية. ومن أفضل العوامل المساعدة على الاستقرار والاسم رغم أنه ديمقراطى إلا أنه قوة محافظة.

أبرق السفير البريطانى إلى لندن قائلا:

" يحاول البنا فى الوقت الحاضر التقرب منا ونحن لا نرغب فى إثارة عداء الإخوان لنا فى هذه المرحلة.من الأفضل أن ننتظر ونرقب ما تسفر عنه الأحداث"!

ذكرى وعد بلفور

اقتربت ذكرى وعد بلفور.وسنت الصحف المصرية حملة ضد بريطانيا والصهيونية وتدفقت المنشورات على جامعة فؤاد الأول جامعة القاهرة الآن والأزهر . تدعو للقيام بمظاهرات ضد بريطانيا والصهيونية.توقعت السفارة البريطانية أحداثا خطيرة فبعث جيمس بوكر القائم بالأعمال إلى لندن يتهم شخصيات عليا بأنها مولت بعض صحف المعارضة!ّ

وأنهم الحكومة بأنها أرادت صرف اهتمام الناس عن القضية الوطنية والجلاء.واتهم الوفد بأنه مممول بالمال حزب مصر الفتاة وجمعية الشبان المسلمين وقال إن فؤاد سراج الدين عرض أموالا على جماعة الإخوان . ولكنهم رفضوا طبقا لسياستهم فى عدم التعاون مع الوفد!

وجاء يوم الخميس أول نوفمبر 1945 فأضربت الجامعة والمدارس الثانوية وأربع من كليات الأزهر.وطاف الطلبة بالمحال التجارية يطلبون من أصحابها إغلاق محالهم التجارية فى اليوم التالى تضامنا مع حركة الأحزاب فوافق الجميع.

خشيت السفارة البريطانية أن يتدهور الأمن فى اليوم التالى 2 نوفمبر فتوجه السيروالتر سمارت المستشار الشرقى للسفارة البريطانية إلى وزارة الداخلية المصرية ليلتقى بوكيلها حسن رفعت باشا قائلا:

يتحرق البنا شوقا ليحل محل النحاس باشا والوفد
رد حسن رفعت:
لا يمكن أن نعارض أمرا يمثل التطور الطبيعى:
وأضاف:
يتعاون الإخوان المسلمون معى للتقليل من حجم المظاهرات التى ستجرى غدا بشأن قضية فلسطين.لقد صاروا الآن أقوياء للغاية كما أن البنا قائد ملتزم تماما. وهو خطيب مفوه ولديه قدرة عالية على التنظيم.وقال حسن رفعت إن البنا تلقى إعانات من الإيطاليين والألمان والقصر والوفد.

ويضيف وكيل وزارة الداخلية المصرية.

أؤكد لك أن البنا لم يحصل على هذه الأموال لنفسه بل استخدمها لتطوير أنشطة الجماعة.

وقال:

لا يعيب الملك فاروق أن يمد الإخوان بقليل من التأييد خاصة أنهم أفضل الأسلحة للحرب ضد الشيوعية

قال والترسمارت:

من الخطر مساندة الإخوان واستخدامهم كسلاح حتى لا يأتى يوم تجد فيه هذه الحكومة. وكل الحكومات , أن التعامل معهم صار أمرا عسيرا فهم جماعة تعمل فى الظلام ومعادية للأجانب واستخدامهم كسلاح يؤدى بالتالى إلى نمو قوتهم. وبالتالى تصبح السيطرة عليهم أمرا مستحيلا.وإنى أدرك بالطبع زيادة قوتهم ولكنى متمسك برأيى فى أن أنشطتهم يمكن أن تؤدى إلى قيام حركة معادية للأقباط.

رد حسن رفعت قائلا:

لا أعتقد بوجود ثمة خطر من وراء ذلك فالبنا حريص للغاية على عدم السماح بمثل هذه الأعمال.

أصر سمارت على موقفه وقال:

لا زلت متمسكا تماما برأيى فى أن أى تشجيع للإخوان المسلمين يعد من الأمور الخطيرة.أبرز حسن رفعت رسما تخطيطا لمبنى ضخم يعتزم الإخوان إقامته ليكون المقر الرئيسى للجماعة فى القاهرة.

وأضاف:

صار صالح حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين وجمعيته فى الوقت الحاضر مجرد تابعين لالبنا!

قال حسن رفعت:

إذا كانت مظاهرات الطلاب قد اختفت فالفضل فى ذلك يرجع إلى جهود الإخوان المسلمين الذين أصبحوا حاليا أكثر قوة وأنصار من الوفد فى الجامعات.

ولكن سمارت لا يكتفى بلقاء حسن رفعت باشا بل يجتمع بمحمود الغزالى بك مدير المن لعام

يقول لسمارت:

لا أتفق مع حسن رفعت فى رأيه حول الأموال التى حصل عليها البنا أرى أن البنا يحتفظ بجزء من هذه الأموال لنفسه!جاء الصباح التالى.. الجمعة 2 من نوفمبر 1945.

قدم الإخوان سيارات النقل التابعة لشركتهم لنقل الطلاب إلى الجامع الأزهر.. وسار كثيرون على أقدامهم إلى المسجد لإضراب المواصلات . قذفت المتاجر فى حى الأزهر بالحجارة وهوجم المعبد اليهودى فى الموسكى وبلغت خسارة محل للملابس يملكه يهودى 60 ألف جنيه.

وصف جيمس بوكر المظاهرات ودور الشيخ البنا فى تهدئة الطلاب فقال:

" تجمع عدة آلاف من الطلبة وأعضاء الجمعيات الدينية داخل الجامع الأزهر وحوله لأداء صلاة الجمعة.وقف رجال الشرطة مضطربين فى أماكنهم توقعا لنتائج المظاهرات التى كانت على وشك التحرك خوفا من فشل الشرطة فى السيطرة على هذا العدد الضخم بهم الاجهاد رغم أن رئيس الوزراء ساعد شخصيا فى القبض على بعض مثيرى الشغب!
واستغلت الشرطة النداء الذى وجهه أحمد السكري الوكيل العام للإخوان المسلمين فى السعى لإقناع أعضاء الجماعة بالانسحاب من المظاهرات ولكن هذا النداء لم يكن مجديا.تحرك المتظاهرون إلى قصر عابدين وخرجوا من الطابع الصامت وأخذوا يهتفون بقوة بحياة الملك والو حدة العربية ويهاجمون اليهود.

خطب البنا فأبدى أسفه لأعمال التخريب التى وقعت وناشد المسئولين عنها التوقف عن أعمالهم الشريرة لم تجد نداءاته فلا تدين الأغلبية العظمى منهم بأى ولاء. وكانوا فى حالة من الهياج الشديد التى تمنعهم من الاستجابة إلى الناصح الذى لا شعبية له!ولكن البنا استطاع بعد ساعة أن ينصح المتظاهرين بالتفرق فأطاعوه وانصرفوا بنظام"

ويكتب السير والترسمارت:

" يشعر الوفد بالسخط تجاه موقف الإخوان الذين قاموا بتهدئة أعمال الشغب التى وقعت بين صفوف الطلاب. واعتبر الوفد موقف الإخوان نوعا من الخيانة وقد تلاعب فؤاد سراج الدين بالإخوان المسلمين لبعض الوقت ولا شك أنه قدم إليهم بعض المال.
وعلى آية حال فأن حكومة النقراشي تبدو كما لو أنها نجحت فى الوقيعة بين الإخوان والوفد. وكانت سياسة الإخوان المسلمين تتمثل فى السعى لتحاشى وقوع أى صدام مع الحكومات المتعاقبة بينما يدعم الإخوان موقفهم. وعلى نحو مشابه نجدهم حاولوا استمالتنا أى استمالة الإنجليز خوفا من ان يقوم بالتحريض على أى عمل ضدهم لقد أصبحت الجماعة تضم نحو نصف مليون عضو فى مصر .
وافتتحت فروعا في فلسطين وسوريا. ودفع الاستياء الذى يشعر به المصريون تجاه قادة الأحزاب السياسية الحالية إلى أن ينضم عدد منهم إلى الجماعة التى وجدت أعضاء لها بين الطبقات الراقية فى المجتمع بعد أن كانت لا تضم إلا أبناء الطبقات الدنيا.
ومن الواضح أن الإخوان المسلمين سلاح ذو حدين فيمكن أن يكونوا اليوم أصحاب دور فعال فى وقف أعمال الإثارة ثم يقومون غدا بدور خطيرة التحريض وخاصة فى القضايا الدينية ثل قضية فلسطين ولا أظن أن بمقدورنا القيام بأكثر من تحذير حسن رفعت".

وكتب الملحق العسكرى الأمريكى إلى واشنطن يوم أول نوفمبر يقول

'" اشترى الملك ولاء الإخوان"'

إضراب عمال شبرا

أضرب عمال شبرا الخيمة. واعتقل النقراشي أكثر من 100 من المتهمين بالشيوعية فى ديسمبر واستمرت عملية اعتقال الشيوعيين فى يناير وفبراير.وحققت النيابة مع صحف " مصر الفتاة" ," الاثنين"و" روزاليوسف"و" الشيوعية" و" الوفد المصرى"و البلاغ" الوفدية.

ويلجأ النقراشي إلى القوة لقمع المظاهرات ويعتقل أحمد السكري وكيل الجماعة ويغلق شعب الإخوان والمقر الرئيسى للجماعة.

ويعود اللورد كيلرن إلى القاهرة ليهاجم فى تقاريره الإخوان المسلمون قال:

" يمكن إلقاء المسئولية معظم المظاهرات المعادية لبريطانيا والهجمات التى تعرض لها الرعايا البريطانيون على مدى العامين الماضيين على الجوالة الذين أصبحوا أكبر لحركات الشبابية وأكثرها تنظيما"

ظل اللورد كيلرن السفير البريطانى يتصرف بعقلية المندوب السامى البريطانى فتوجه لمقابلة رئيس الوزراء وحذره من انتشار عدوى الاغتيالات السياسية

وقال له:

جاء اغتيال أحمد ماهر باشا دليلا على انتشار الخروج على النظام والقانون.

وأضاف:

أصبح الإرهاب سمة مميزة للحياة السياسية فى مصر وطالب بالتعجيل بالعقاب كوسيلة للردع

وتضع السفارة البريطانية عيونها على انتشار حمل السلاح فى مصر

قال اللورد كيلرن فى تقاريره إلى لندن:

" استمر تهريب الأسلحة على نطاق واسع وكان يتم شراء معظمها من مخلفات الجيوش التى شاركت فى معارك الصحراء الغربية خلال الحرب العالمية الثانية وبدت سلطات الأمن عاجزة عن القيام بأى شئ. وكان فى وسع سكان الأقاليم تحدى جهود السلطات لتنظيم حيازة الأسلحة النارية والإفلات من العقاب.
وزاد من صعوبة مهمة لحكومة فى التعامل مع هذه المشكلة إن الأسلحة المحظورة من أنواع متطورة للغاية بينما كانت قوات الأمن المصرية مسلحة فى الغالب بأسلحة قديمة
إن انتشار حيازة الأسلحة صار عاملا جديدا وخطيرا فى التأثير على العلاقات البريطانية المصرية . وفى حالة نشوب أية أعمال عنف معادية لبريطانيا على نطاق واسع سيصبح التعامل مع عناصر الشغب أكثر صعوبة عما كان عليه فى عام 1919 فقد كانت معظم هذه العناصر غير مسلحة عام 1919".

ويضع النقراشي رقابة صارمة على الإخوان طوال فترة وزارته ويكتب السفير البريطانى إلى لندن عن التغير الذى جرى فى حزب الوفد

قال:

" يقوم حزب الوفد بدور المعارض الحقيقى فهو يشعل الاضطرابات مستخدما أساليب دعائية عنيفة ضد كل من الحكومة المصرية والبريطانية"

وتقول السفارة:

" بدأ القصر يستميل الإخوان المسلمون الذين نمت قوتهم بصورة كبيرة وأصبحوا يتمتعون بقوة كبيرة فى الجامعة والمدارس. وما زالت الجماعة تشكل خطرا دائما لا على التعاون الودى بين كل من بريطانيا ومصر بل على التعاون بين مصر والأوربيين بوجه عام.
وأصبح الإخوان الذين تدعمت قوتهم بفضل حماقات الحكومات المتعاقبة التى سعت إلى استخدامها لا يخفون رغبتهم فى أن يحلو محل الوفد فى نهاية الأمر وأن يقوموا بتشكيل وزارة تحكم البلاد؟
ويسافر البنا لأداء فريضة الحج وتتجدد مظاهرات الطلبة التى أثارها الوفد والإخوان. كما تقول السفارة ويلجأ النقراشي إلى القوة لقمعها مما إثار احتجاجات عنيفة.

ويكتب السفير البريطانى إلى لندن:

" أثبتت جماعة الإخوان المسلمين قدرتها على الاستمرار رغم المصاعب العديدة التى واجهتها واتى تمثلت فى إغلاق مقارها وإعتقال أحمد السكري وغياب البنا مما أدى إلى تقليص نشاطها. ولكن مازالت تعقد اجتماعات على مستوى محدود فى منازل بعض أعضائها.
وخلال أحد هذه الاجتماعات قرأ أحدهم رسالة من البنا يحث فيها أعضاء الجماعة على الاستمرار فى العمل رغم اجراءات الحكومة .
ودعا البنا إلى تقديم المعونات إلى الأعضاء الذين يتعرضون للاعتقال وقدمت الجماعة المراتب والحشايا والأغطية لأعضائها المعتقلين ووعت الأموال على أقاربهم. ويقال إن الجماعة وزعت بعض الإكراميات على ضباط الشرطة وحراس السجون لتوفير معاملى طيبة للمعتقلين"!

عاد البنا إلى القاهرة فى ديسمبر وكان من أول أعماله التحقيق فى شكاوى الأعضاء الذين اعتقلوا وأرسلوا إلى مناطق نائية ومعتقلات غير ملائمة وقيل إنهم لقوا معاملة سيئة.

وأمرا البنا بإجراء تحقيقات كاملة حول هذا الموضوع وطلب إلى أعضاء الجماعة فى المدن والمديريات موافاته بأسماء " الضحايا" وكان النية تتجه إلى تقديم احتجاجا للحكومة ضد المعاملة التى تعرض لها الأعضاء

ويكتب اللورد كيلرن إلى لندن

" هناك تقارير غير مؤكدة عن مقابلة سرية بين الملك فاروق والبنا بعد عودته من مكة. ومن المعتقد أن املك أبلغ البنا أنه يفضل سياسة الإخوان بغير حد طالما أنها تحافظ على توازن القوى السياسية فى البلاد.
وقد أطلق النقراشي سراح عدد من أعضاء الجماعة الذين اعتقلوا لمشاركتهم فى أنشطة معادية للإنجليز والحكومة نتيجة لقاء البنا مع الملك".

ويلتقى السفير البريطانى برئيس الوزراء ويحذره من المظاهرات المعادية ليهود التى جرت فى ذكرى وعد بلفور ويكتب كيلرن إلى لندن:

" هذه الأحداث بمثابة تذكرة لنا أى لبريطانيا إلى ما يمكن أن ينتج من أعمال الشغب التى يقوم بها السوقة فى مصر"!

ويجتمع مجلس الوزراء المصرى برئاسة محمود فهمى النقراشى باشا يوم 18 من ديسمبر 1945 لبحث موضوع تعديل معاهدة 1936. ويقدم عبد الفتاح عمرو باشا سفير مصر فى لندن مذكرة طويلة إلى وزارة الخارجية البريطانية يطلب فيها فتح باب المفاوضات.

وتسجل هذه المذكرة مطالب مصر فى صراحة كاملة وهى الجلاء ووحدة وادى النيل قائلة

" إن الحرب استنفدت أهم أغراض المعاهدة وأحكامها التى تمس استقلال مصر وكرامتها, ولم تعد تساير الوضع الحالى. إن وجود قوات أجنبية زمن السلم فى بلادنا حتى لو انحصرت هذه القوات فى مناطق نائية يجرح الكرامة الوطنية".

ورأى أرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا أن يبحث مع المسئولين فى الوزارة ورؤساء الأركان حرب القوات البريطانية موضوع الجلاء عن مصر.

قال رؤساء الأركان إن معاهدة عام 1936 تنص على بقاء 10 آلاف جندى بريطانى و500 طيار فى منطقة قناة السويس..وأبدوا استعدادهم لتخفيض هذا الرقم إلى 5000.

ولكن السلطات العسكرية البريطانية رأت أن استعدادات الدفاع فى المنطقة يجب ألا تمس, مع خلق الإحساس أيضا لدى المصريين بأن الامبراطورية البريطانية رحلت عن مصر!

وقال بيفن اللجنة الدفاع المنبثقة عن مجلس الوزراء البريطانى:

هدفنا أن نبتعد عن القاهرة فلا يرى المصريون قواتنا حتى لا يقال غن مصر بلد محتل فتنسحب القوات البريطانية إلى منطقة القناة.

ورأى بيفن أن إعلان مبدأ الانسحاب سيغرى المصريين على أن يطلبوا من البريطانيين البقاء إلى الأبد فى منطقة قناة السويس ... على الأقل وأوصى بإتباع النموذج الأمريكى وهو تأجير قاعدة قناة السويس مدة 99 سنة.

ويقدم بيفن وزير الخارجية مذكرة إلى مجلس الوزراء البريطانى. قال بيفن فى هذه المذكرة سيقبل المصريون معاهدة جديدة تتضمن نفس ملامح معاهدة 1936 التى يطالبون بإلغائها.

وقال إن بريطانيا ستسحب قواتها إلى منطقة القناة ولكنها ستحتفظ بحقها فى إعادة احتلال مصر إلى أن قامت الحرب وكان بيفن متفائلا أكثر مما ينبغى بما ستقبله مصر.

ويزور اللورد كيلرن فاروق يوم 29 من يناير عام 1946 يحمل إليه ردا شفهيا من بريطانيا على طلب تعديل المعاهدة يطالب بإدخال وزراء وفديين لا النحاس فى الحكومة ويعرض سريان التحالف بين بريطانيا ومصر.

ولكن السفير لا يفصح عن آراء بيفن كلها. ويشجع فاروق السفير البريطانى على الحديث بل يسأله النصيحة قال السفير إنه لا يستطيع التعاون مع النقراشي فطلب منه فاروق أن يقدم بذلك مذكرة كتابية قدم كيلرن هذه المذكرة يوم 31 من يناير فقصد عبد الفتاح عمرو باشا إلى وزارة الخارجية البريطانية فى اليوم نفسه, للقاء بيفن وأبلغه أن ملك مصر تلقى تحذيرا رسميا بضرورة تغيير النقراشى وأن هذه الرسالة غير ودية وقد أزعجت جلالته للغاية.

نفى كيلرن ذلك. ولكن الخدعة , أو اللعبة الملكية, حققت أهدافها فإن بيفن كان يرفض التدخل لتشكيل أو تغيير الوزارات فى مصر.فى 4 فبراير 1946 قرر مجلس الوزراء البريطانى نقل كيلرن من مصر وتعيينه مندوبا خاصا فى جنوب شرق آسيا.

وتشتد مظاهرات الطلبة التى أثارها الوفد والإخوان وتلجأ الحكومة إلى استخدام القوة لقمعها.

ويكتب الوزير المفوض البريطانى جيمس بوكر:

" يجب أن نذكر أن الوفد لم يستطع عند افتتاح الجامعة فى أكتوبر الماضى جذب الطلاب للتظاهر خارج الجامعة بسبب عدم تعاون الإخوان معه فإنهم كانوا حينذاك يناصرون الحكومة.
ويشير خروج جماعة الإخوان إلى الشارع جنبا إلى جنب مع الوفد إلى اعتقاد الإخوان بأن حكومة النقراشي تقضى أيامها الأخيرة , وإلى قيام الحكومة أخيرا بالتضييق على أنشطة الإخوان.وهذا يشير إلى التأثير المتزايد للجماعة,... فعندما قررت ان تلقى بثقلها إلى جانب أ‘مال الشغب والاضطراب كان لذلك أثره الفعال".

ويبلغ الملك رئيس وزرائه بأن الإنجليز طلبوا إخراجه من منصبه قال الشيخ البنا للنقراشى:

أطالب بالجلاء صراحة فإن ماطل الإنجليز لا تقدم استقالة .وإنما امتشق السيف وقد الأمة إلى الجهاد.ولكن النقراشي يستقيل يوم 15 من فبراير 1946

وتجرى مجلة المصور فى الأسبوع نفسه استفتاء بين القراء عن " رجل عام 1945" ففاز الشيخ البنا.

الإخوان المصريون

اختار الملك صدقى باشا 71 سنة ليتولى رئاسة الوزراء فقبلها قائلا:

إنها يا مولاى لمهمة عسيرة ينوء بها اصلب الرجال عودا. وكان صدقى صادقا فليس له حزب. أو نائب واحد, يمثله فى البرلمان اعذر محمود فهمى النقراشى عن دخول الوزارة او اشتراك الحزب السعدى فيها لم يكن أمام صدقى إلا حزب الأحرار الدستوريين.

فألف صدقى وزارته من 11 وزيرا وتولى وزارتى الداخلية والمالية بالإضافة إلى رئاسة الوزارة واختير أحمد لطفى السيد وزير دولة يتولى وزارة الخارجية.ومثل حزب الأحرار الدستوريين 4 وزراء والباقون من المستقلين وكان صدقى يهدف إلى أن يستبدل السعديين بالمستقلين عندما يقرر الحزب دخول الوزارة.

ورى الإخوان فى بعض كتبهم أن صدقى لم يقبل الوزارة إلا بعد أن ضمن تأييدهن له فقد اصبحوا القوة الثالثة. وفى السياسة المصرية بعد الملك والوفد وقالوا إن صدقى وهو يبحث عن مؤيدين لهم قوة شعبية يناصرونه رأى الاتجاه إليهم... ولم يكن أمامه غيرهم!

قام بالوساطة بين صدقى والمرشد العام, إبراهيم رشيد زوج ابنة صدقى باشا زار رئيس الوزراء الشيخ البنا وأبلغه أنه كلف بتشكيل وزارة لمفاوضة الإنجليز وأرجأ المرشد العام رده بالقبول أو الرفض حتى يعرض الأمر على الإخوان.

وقال البنا لصدقى باشا:

شاع بين الناس من تاريخك السياسى ما يبعث على النفور منك ولكننا سنزن ما تقول بميزان دعوتنا.

أجاب صدقى:

سأبدأ صفحة جديدة وللجماعة أن تأخذ على ما شاءت من مواثيق جمع المرشد العام الهيئة التأسيسية وعرض عليهم الأمر فوافقوا على مبدأ التفاهم مع صدقى.

وأبلغ المرشد رئيس الوزراء الحد الأدنى من مطالب البلاد الوطنية فى لمفاوضات مع الإنجليز.وعلى هذا الأساس قرر الإخوان تأييد الوزارة وفى هذه الرواية ما فيها من مبالغات لا يقبلها العقل!

ولكن عمر التلمساني يقدم صورة مقبولة لما جرى . قال:

إسماعيل صدقي من أنبغ الساسة المصريين ولكن ليست له قاعدة شعبية ورأيه أن تؤخذ حقوق مصر خطوة خطوة فتأخذ جزءا من الحق , أى الجزء المستساغ.

قال صدقى للإخوان:

سأعمل لكم بشرط تأييدى

قالوا:

استرد الحقوق المشروعة فورا, أو بالتقسيط بشرط أن تترك للإخوان حرية قال " ادجار جلاد" صاحب جريدة " الجورنال ديجيبت" وأحد رجال الملك فاروق لفيليب ايرلاند سكرتير السفارة الأمريكية:اتجه صدقى إلى الإخوان ليحقق التوزان مع الوفد.

ويروى بعض الإخوان أن إسماعيل صدقي عرض على البنا أن يكون وزيرا للأوقاف وأن البنا فكر فى قبول العرض قائلا:

نستطيع من خلال عشرة آلاف مسجد أن ننشر دعوتنا ولكن صدقى تراجع عن ذلك.

ومرة أخرى من حسن حظ البنا والجماعة أن صدقى عدل عن ترشيح الشيخ للوزارة أيا ما يكون سبب ذلك وإلا كان البنا قد انتهى إلى أن يصبح مجرد وزير لا قائدا ومرشدا للإخوان!

لم ترحب السفارة البريطانية بتعيين إسماعيل صدقى , ولم تعترض عليه وصف جميس بوكر القائم بأعمال السفير البريطنى رئيس وزراء مصر إسماعيل صدقى, الذى وافق الإخوان على التعاون معه

فقال بوكر فى البرقية رقم 78:

" وظل المصريون يعتبرون إسماعيل صدقي رمزا للرجعية السياسية والرأسمالية والفساد المالى. وظل لفترة طويلة .. اقدر الاداريين والماليين وأقوى رجل فى مصر أبعده الملك فؤاد من منصبه مرتين عامى 1925 -1933 وكان يجب أن نمنع ذلك نظرا للخدمات التى أداها صدقى لنا. وإبعاد صدقى أدى إلى ميله الأن إلى معاداة البريطانيي.
وأصبح منحازا للتفكير الأوربى ضد التفكير الانجلوسا كسونى. وخلال العامين السابقين لعب دورا وطنيا متطرفا فى طلب تعديل المعاهدة وهذا ينبع جزئيا من رغبته فى طمس الأسطورة الشعبية عن ارتباطه بنا وهو عديم الضمير تماما يكيف نفسه فى أى وقت مع الاتجاه الذى يناسب مصالحه وقد أثار تعيينه بطبيعة الحال رفضا عنيفا من جانب الوفد والعناصر المحافظة فى البلاد.
ومما لا شك فيه أن لطفى السيد الذى قارب الثمانين من عمره سيكون وزيرا صوريا للخارجية وسيدير صدقى الشئون الخارجية بنفسه. ولم يعد صدقى بنفس لقوة الجسدية التى كان عليها قبل النوبة القلبية التى أصابته عام 1933 وهو الآن فى الحادية والسبعين من عمره.
ويبدو تعيين صدقى استفزازيا فى العالم الجديد الذى بدأ يخرج حتى فى الشرق الأوسط, من التأثير المضطرب للحرب ومن الاستياء الاجتماعى الذى تبرره ظروف التفاوت الاجتماعى".

ولكن " جرافتى سميث" مساعد السكرتير الشرقى السفارة البريطانية أنصف صدقى قال:

" أذكى الوطنيين المصريين قادر على كل شئ. وهو واحد من السياسيين المصرين القلائل الذين يعتبر حديثهم متعة فكرية. ويلعب شاربه دورا كبيرا فى ابتسامة الثقة بالنفس التى يتلقى بها حلو الأخبار ومرها"

وأنصف الكاتب البريطانى " جون مارلو " فقال:

"... آخر الباقين على قيد الحياة من الحرس القديم للوطنية المصرية الذين شكلوا حزب الوفد الأصلى ثم انشق بعد فترة قصيرة على سعد زغلول وقام خلال أكثر من عشرين عاما بدور مستقل تماما فى الحياة المصرية العامة لا يتمتع بأية شعبية . تركى الأصل أوتوقراطى الطباع. واقعى بالغريزة يعارض غوغائية حزب الوفد.
ظل رئيسا للوزارة من عام 1930 حتى 1933 وبعد أن فقد منصبه ومارس معظم وقته ليكون رجل أعمال فجمع ثروة كبيرة وفى السياسة كان رجل الدولة المحنك المستقل الذى يراقب الأحداث .. يشجع أ ينتقد.وخلال الحرب العالمية الثانية كان ناقدا عنيفا سليط اللسان للسياسة البريطانية فى مصر"

اضطهد صدقى الوفديين أثناء رئاسته للوزارة عام 1930 ولذلك كان من الطبيعى أن تصف صحف الوفد تعيينه بأنه " عودة الجلاد"!بدأ صدقى وزارته الأخيرة عام 1946 فى ظل تأييد الإخوان ومعارضة الوفد.

وكانت الحرب قد انتهت والإنجليز لا يتدخلون فى سياسة الحكم وشئون مصر الداخلية ولا يفرضون على رئيس الوزراء اعتقال البنا أو نقله كما فعلوا فى عهد حسين سرى.

قال السفير البريطانى:

" لوحظ أن مرسوم الملك فاروق لصدقى يصف الأوضاع الحالية المضطربة فى مصر بأنها تعبير صحى عن طموح الشعب لتحقيق مطالبة العادلة داخليا وخارجيا".

كان على رئيس الوزراء أن يتخذ أسلوبا جديدا للحكم لتحقيق مطالب الشعب يختلف عن السياسة التى سار عيها فى وزارته قبل 13 سنة , ويزيل من الأذهان صورة الديكتاتور الذى يقف دواما ضد الشعب.رأى صدقى أن يركب موجة المظاهرات الشعبية ليقودها ويتخذها وسيلة للضغط على الإنجليز لتحقيق الأمانى القومية!

دعت الأحزاب الشعب إلى التظاهر فى " يوم الجلاء " 21 من فبراير بيان الإخوان متفقا مع بيان الوفد فى عدة نقاط. فقد طالبت الجماعة بالجلاء التام ووحدة وادى النيل والكفاح ضد الامبريالية.سمح صدقى بالمظاهرات . التى اشترك فيها الوفد والإخوان والحزب الوطني ومصر الفتاة والشيوعيون.

أدت هذه المظاهرات إلى نتجتين:

الأولى: تشكيل اللجنة القومية للطلاب ولكن حدث احتكاك داخل اللجنة بين الوفد والإخوان وتبادل الطرفان اتهامات.
الثانية: وهى الأهم فقد تصدى الإنجليز لمظاهرات القاهرة وقتلوا 23 وأصابوا 121.أباح إسماعيل صدقي المظاهرات مرة أخرى فى يوم الشهداء 4 مارس حدادا على شهداء يوم الجلاء . ولكن سقط 28 قتيلا و342 جريحا بالإسكندرية نتيجة تدخل الجيش البريطانى.

كتب القائم بالأعمال البريطانى إلى لندن

" هذا جزء من اللعبة الديماجوجية التى يلعبها السراى لتملق الطلبة وغيرهم من المهيجين.ويبدو أن أول تصرفات صدقى تعكس هذه السياسة لقد ألغى تدابير الحكومة السابقة بمنع اجتماعات الإخوان ومصر الفتاة وهو او السراى , أو هو والسراى ينظمان مظاهرات الطلبة والإخوان بحيث تتجه إلى القصر لإعلان ولائها لجلالة ملك مصر..
وتطلق فى طريقها الصحيات المعادية للبريطانيين من قبيل "يسقط البريطانيون" ... الخ وكلف حسن رفعت باشا وكيل وزارة الداخلية من جانب صدقى بتنفيذ هذه السياسة .
واتضح منذ وقت طويل أن السراى فى جهودها المحمومة للإبقاء على نفوذه المتقلص بين العناصر الشعبية على استعداد تام لتشجيع نصارها على أعمال العنف المعادية للبريطانيين لتجويل الاستياء الشعبى من السراى .. إلينا وخطورة مثل هذا النوع من الألاعيب واضحة".

وتكتب المفوضية الأمريكية إلى واشنطن:

" يتزايد تنظيم الإخوان كل يوم كقوة سياسية وبالذات منذ تولى صدقى باشا السلطة. وقد رفع رئيس الوزراء الحظر الذى فرضه النقراشى باشا على اجتماعات الإخوان وهو يجامل الإخوان, ربما يدعم مالى بأمل فصم ارتباطهم بالوفد"!

فى اجتماعات لجان الطلبة يلمع اسم مصطفي مؤمن أحد زعماء شباب الإخوان الذى يتعاون مع الوفد فى المظاهرات عقب تولى صدقى الوزارة مباشرة.. ولكن مصطفي مؤمن يصبح من أوائل المدافعين عن الاعتدال والداعين إلى الامتناع عن القيام بأعمال عنف جديدة!ويؤيد المركز العام للجماعة دعوة الاعتدال بإعلان أن اللجنة القومية التى نظمت الإضرابات قامت لغرض واحد وهو تنظيم إظهار شعور الأمة فى يوم الشهداء وقد انتهت مهمتها بانتهاء ذلك.

وقال أعضاء الجماعة تبريرا لانسحابهم من اللجنة إن صدقى عام 1946 عير صدقى فى الثلاثينات يبذل كل ما فى وسعه وفقا لرغبات الشعب " وإنه صادق فى وعوده " مما يدل على التفاهم والتعاون بين صدقى والإخوان وشكل الإخوان لجنة أخرى فقالت السفارة البريطانية فى تقرير إلى لندن " أصبحت مهمة مصطفي مؤمن انتزاع التأييد الشعبى من الوفد لصالح لجنة وطنية تدين بالولاء لرئيس الوزراء"!

اتهمت صحف الوفد الجماعة بامتصاص الحركة الوطنية وأنهم تقاضوا الثمن من إسماعيل صدقي.وأخذت عناصر الأحزاب المعارضة لحكومة صدقى فى الاتصال بالبنا بهدف تشكيل جبهة وطنية معادية للحكومة يشترك فيها فؤاد سراج ال الدين سكرتير رئيس حزب مصر الفتاة وحافظ رمضان باشا زعيم الحزب الوطني.وافق البنا وبدأ المركز الرئيسى للجماعة بالحلمية الجديدة يطلبون إقامة تحالف وثيق بين البنا والنحاس.

قال البنا لمبعوثي الوفد

سيؤدى تنسيق الخطط بيننا إلى فوائد مباشرة ولكنى لا أريد ربط الجماعة باتفاقيات طويلة الأمد.

وهمس البنا سرا لمعاونيه:النحاس عن مجد شخصى أكثر من الكفاح للمصلحة الوطنية!

ولكن البنا توقف بعد فترة قصيرة عن حضور الاجتماعات بنفسه كما امتنع عن إيفاد مندوبين آخرين.وكان رده على حافظ رمضان أنه يتعين الانتظار حتى يتضح موقف الحكومة الجديدة وكان السبب فى ذلك اتفاق صدقى والإخوان كتب القائم بالأعمال البريطانى جميس بوكر إلى لندن عن أسباب اعتدال الإخوان فى سياستهم,.

قال:

" حصل الإخوان المسلمون على تصريح بإصدار صحيفة وتوزيع المطبوعات على نطاق واسع وأعلنت الجماعة عزمها على الانسحاب من " اللجنة الوطنية للطبقة والعمال " وهذا العمل سهل على صدقى باشا جهوده للسيطرة على الطلب وكلا الأمرين يؤكدان أن سياسة الحكومة فى استخدام الإخوان المسلمين

وفى كتاب ميتشيل ان الإخوان

"حصلوا من إسماعيل صدقي على حرية استخدام المعسكرات وقطع من الأرض لإقامة المبانى اللازمة فى المناطق الريفية فضلا عن المساعدات غير المباشرة من وزارتي التعليم والشئون الاجتماعية".

وفى مذكرات البنا بعنوان " مذكرات الدعوة والداعية " قال:

" إنه تلقى بواسطة شقيقه عبد الرحمن البنا عرضا من إسماعيل صدقي بمساعدات مالية مغرية مقابل إعلان الإخوان تأييدهم له ومناهضتهم لحزب الوفد ولكنه رفض هذا الغرض".

وفسر البنا موقف صدقى من الجماعة فقال إنه الحياد الدقيق قال:

" لم تساعد الحكومة الإخوان بشئ. ولم تغدق عليهم مالا ولا حرية بل منعت عنهم كثيرا من الحقوق الطبيعية.فلم تظفر جريدة الإخوان بفرخ واحد من الورق. ولم تصرف الإعانات المقررة لكثير من الشعب, وصرف لبعضها أقل بكثير مما كان يؤخذ فى الأعوام الماضية".
ويقول عمر التلمساني إن الإخوان أخذوا من الورق والتسهيلات ما هو حق لهم!

سأل مندوب صحيفة "لابورص" التى تصدر بالإسكندرية والبنا إذا كان يحبذ نظام الخلافة.ورأى الإخوان معروف فى أنهم يؤيدون الخلافة فالملك لا يورث بل يتم بالبيعة ... ومع ذلك فإن المرشد العام تهرب من الإجابة حتى لا يغضب صاحب الجلالة!

واكتفى الشيخ البنا بأن يقول للصحيفة باللغة الفرنسية إنه يجب على الدول الأجنبية ألا تخشى شيئا من إعادة تطبيق الشريعة الإسلامية فى مصر.وجد رئيس الوزراء أنه حان الوقت للكف عن المظاهرات, فأوقفها واتجه إلى التفاوض.

شكل وفد المفاوضات فى 7 من مارس بعد 17 يوما من تشكيل الوزارة.ضم الوفد أربعة من رؤساء الوزارات السابقين وهم على ماهر وعبد الفتاح يحيي وحسين سرى ومحمود فهمى النقراشى.

واشترك فى وفد المفاوضات أيضا وصى سابق على العرش هو شريف صبري و5 وزراء حاليون وسابقون هم: الدكتور محمد حسين هيكل وأحمد لطفى السيد وعلى الشمسي ومكرم عبيد وإبراهيم عبد الهادى.

رفض الوفد الاشتراك فى وفد المفاوضات وأصر على أن تكون له رئاسة المفاوضات فهاجمه صالح عشماوي واتهمه بأنه يعمل ضد مصلحة الأمة بعدم الاشتراك فى وفد المفاوضات مما يدل على أنه لا يريد الاعتراف بالإخوان كقوة سياسية أو كحزب سياسى.نشر البنا فى بيان فى صحيفة " الأهرام" حدد فيه موقف الجماعة وطالب بتمثيلها فى وفد المفاوضات.

قال البيان

" كان من المنتظر أن يتألف وفد المفاوضة ممثلا لكل هيئات الأمة وأحزابها وفى مقدمتها الإخوان المسلمون.وأمام ذلك يقرر الإخوان أمرين:
أولهما: يجب أن تعرض نتيجة المفاوضات على الأمة فى استفتاء .
وثانيهما: إما أن تنتهى هذه المفاوضات إلى نجاح وإلا فإن الشعب لن يتردد فى متابعة حركته القومية بعرض قضيته على مجلس الأمن وبالجهاد المستمر "

وبدأ المرشد العام يتحدث للصحف عن وصول الإخوان إلى الحكم فى حديث له مع "مجلة المصور" الأسبوعية تكلم عن إمكان وصول الإخوان إلى الحكم.

وفى حديث لصحيفة " البورص" اليومية التى تصدر باللغة الفرنسية فى مدينة الإسكندرية قال:

" ستقف الجماعة مع الشعب حتى يحصل على حريته كاملة وإذا تحقق ذلك , وكان الإخوان قد وصلوا إلى الحكم فإن موقفهم سيظل احترام إرادة الأمة!

غادر السفير البريطانى اللورد كيلرن مصر إلى الأبد يوم 9 من مارس عام 1946.وقبل نقله بعث إلى لندن يطلب عدم التفاوض إلا مع هيئة مصرية يشترك فيها الوفد, ولكن مجلس الوزراء البريطانى قرر فى 18 من مار عدم التدخل فى الشئون الداخلية لمصر.

ووصل إلى القاهرة يوم 20 من مارس 1946 السير رونالد كامبل السفير البريطانى الجديد 56 سنة الذى يعرفه إسماعيل صدقى عندما تولى رئاسة الوزارة فى الثلاثينات.وكان كامبل قد عمل مستشارا للمندوب السامى البريطانى فى مصر السير برسى لورين ثلاث سنوات ثم انتقل مستشارا للسفارة البريطانية فى باريس وبلغراد وواشنطن ووكيلا مساعدا لوزارة الخارجية البريطانية قبل وصوله للقاهرة مرة أخرى.

جاء السفير الجديد من بورسعيد إلى القاهرة فى عربة ألحقت بقطار السكة الحديد. ولم يصل بقطار خاص كما حدث لكل المندوبين السامين البريطانيين, أو اللورد كيلرن, عند قدومه إلى مصر لأول مرة!

ولم يكن فى استقبال السفير بمحطة السكة الحديد رئيس وزراء مصر وممثل عن صاحب الجلالة بل مندوب لوزارة الخارجية المصرية وكبار موظفى السافرة البريطانية فى القاهرة وقادة جيشها فى مصر وبعض المصريين من أصدقاء الإنجليز!

قال لطفى السيد وزير الخارجية للسفير.

بوصولكم لن تكون هناك عقبة أمام تحقيق الأمانى القومية لشعب مصر لم يرد كامبل

ولكنه أبرق إلى لندن قائلا:

"سرنى وضايقنى هذا التصريح ولكنى شعرت بالاشمئزاز لأنه يدين عهد سلفى كيلرن"!

كتب كويليام مراسل صحيفة التايمس إلى صديق له يقول

" أدى وصول السفير الجديد إلى تغييرات شبه سحرية فى المناخ السياسى السائد فى مصر وقال بنكى تاك الوزير المريكى المفوض إن كامبل سفير وليس مندوبا ساميا كما كان كيلرن فى أول عهده بمصر"

ويرى الكاتب الفرنسى ج كبيرك أن السفير البريطانى الجديد" جبان ضعيف بينما كان سلفه اللورد كيلرن ديكتاتورا يملك شخصية قوية"!

توجه صدقى للسفير الجديد فى 30 من مارس قائلا:

جمعت مصر خير رجالها للتفاوض ولا يعقل أن يواجه هؤلاء وفدا يتألف من موظفين بالسفارة البريطانية لهم تصريحات لم ينسها المصريون... ونفذوا سياسة فى زمن الحرب لم تترك أثرا طيبا فى مصر. أرجو إعادة النظر فى هذا الموضوع.

كتب كامبل إلى لندن:

" اظهروا شيئا من الدفء" استجاب بيفن وأعلن فى مجلس العموم يوم 2 من أبريل أنه سيتولى رئاسة وفد المفاوضات البريطانى.. يعاونه اللورد ستانسجيت وزير الطيران ورونالد كامبل السفير البريطانى فى القاهرة.
وقال إن ستانسجيت وكامبل يبدآن المفاوضات نيابة عنه فى المراحل الأولى.ولم يقل بيفن حقيقة أخرى حددت موقفه وهى أنه يخشى أن يغتاله الصهاينة!وضم الوفد البريطانى أيضا السير كيناهان كورنووليس السفير البريطانى السابق فى العراق ورئيس قسم الشرق الأوسط بوزارة الخارجية البريطانة وقادة القوات الثلاثة فى الشرق الأوسط. وحددت الحكومة البريطانية موقفها من المفاوضات القادمة

ال بيفن فى برقية إلى اللورد ستانسجيت:

" لا تستطيع بريطانيا الدفاع عن مصر إذا لم تحتفظ فيها بقواعد.لأن مصر تقع فى قلب نظام الدفاع البريطانى".أما القادة البريطانيون فكانن رأيهم تطبيق المبدأ الذى وضعه بيفن بأسلوب يقبله شعب مصر.

قالوا فى تقريرهم السرى:

" بقاء القوات البريطانية فى مدن يعرضها للهجوم. ومن الأفضل لتهدئة الرأى العام الموافقة على ما يقبله المصريون وبالقناع بعد فترة يمكن الوصول إلى ما تتطلبه الإجراءات الإستراتيجية".

أيد كامبل هذا الرأى ولكن سكريفنر رئيس القسم المصرى فى وزارة الخارجية البريطانية قدم مذكرة إلى بيفن قال فيها:

" سيتظاهر المصريون لأى شئ. وسيكون ظاهرة سيئة أن تفقد بريطانيا موقعها فى مصر وهذا شئ أشبه بالانتحار ونحن نفكر فى اختيار قاعدة بديلة فى شرق أفريقيا وإذا لم تكن مناسبة فيجب أن نبقى فى مصر ونواجه المظاهرات بحسم".

ورأى كل من كامبل وستانسجيت انه إذا أرادت بريطانيا تقديم تنازلات لمصر فمن الأفضل تقديمها قبل بدء المفاوضات , أو فى مراحلها الأولى. بدلا من تقديمها فى مرحلة متأخرة حتى لا يبدو ذلك و:انه تم تحت ضغط صدقى

وقال كامبل:

" هناك طريقان أمام بريطانيا:الجلاء أو بقاء القوات و والاثنان مقامرة ولكن المقامرة بإبقاء القوات تعنى التوتر , والنوايا السيئة, والعنف والتجاء المصريين إلى الأمم المتحدة بينما الجلاء قد يعطى فرصة لبحث التنازلات التى ينبغى على المصريين تقديمها للحفاظ على الاستيراتيجية البريطانية".

ومن ناحيته رأى صدقى أن يوسط صديقا قديما, وهو كلارك كار , لدى بيفن وكان كلارك كار يعمل أثناء عودته إلى لندن قادما من موسكو فقدم مذكرة إلى وزير الخارجية يوصى فيها بعدم الاحتفاظ بقوات فى مصر تتنافى مع سيادة مصر وكرامتها والمبادئ التى قام عليها عالم ما بعد الحرب

وأوفد ستانسحيت الجنرال جاكوب , أحد معاونيه فى وفد المفاوضات إلى لندن ليشرح الموقف لبيفن قال له.إذا صدر بيان عاجل باستعداد بريطانيا لسحب جيوشها فإن ذلك يمنع حمى الشك لدى المصريين, ويفسد مناورات الأعضاء المتطرفين فى هيئة المفاوضات المصرية ويمنع القلاقل والاضطرابات ويمك الحصول من مصر على تسهيلات عسكرية لقواتنا أثناء الحرب.

ويناقش الموضوع فى مجلس الوزراء البريطانى خلال جلستين فى 24 من أبريل و6 من مايو.وفى الجلسة الأخيرة وجد مجلس الوزراء أنه من الصعب الاحتفاظ بالقوات البريطانية فى مصر باستعمال القوة ويمكن ضمان التسهيلات العسكرية بموافقة الحكومة المصرية.

وقرر المجلس مبدأ الجلاء عن مصر فى بداية المفاوضات لخلق المناخ المناسب .ولتكن حكومة العمال قد وجدت, أو أعدت قواعد بداية فى برقة بليبيا أو كينيا أو فلسطين.صدر العدد الأول من صحيفة الإخوان المسلمين اليومية صباح 5 من مايو 1946.. فى اليوم السابق على عيد جلوس الملك فاروق على العرش !

وبدلا من التعليق على مبدأ الجلاء بطريقة تتفق مع تأييد الجماعة لصدقى فإن الصحيفة اتخذت موقف النقد للإنجليز. قالت :" كان طبيعيا وقد وضعت الحرب أوزارها يطالب المظلومون بحقهم وأن يجاهدوا فى تحرير أوطانهم".

أعلن كيلمنت أتلى رئيس وزراء بريطانيا فى مجلس العموم يوم 7 من مايو 1946 أن جميع القوات البريطانية ستنسحب من مصر

قال البيان :

" عرضت الحكومة إجلاء قواتها البرية والبحرية والجوية عن الأراضى المصرية والمفاوضة لتحديد مراحل الجلاء وموعد إتمامه والتدابير التى تتخذها الحكومة المصرية لتحقيق تبادل المعونة فى وقت الحرب , أو فى حالة توقع التهديد بها.وسياسة الحكومة توطيد تحالفها مع مصر على أساس المساواة بين بلدين تجمع بينهما مصالح مشتركة"

ما إن سمع ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا السابق بهذا الإعلان المفاجئ حتى وقف يرد قائلا:

هذا تصريح خطير وهو أخطر ما سمعت فى مجلس العموم!

بعد ثلاثة أيام فقط من صدور الصحيفة كتب أحمد السكري وكيل الجماعة فى الصفحة الأولى يوم 8 من مايو تحت عنوان :" البيان البريطانى خدعة سياسية يجب أن ينتبه لها المصريون".

قال:

"نرجو ألا يكون من أبناء الأمة من يضيع على أيديهم هذا الحق بسوء القصد أو بحسن قصد"

ونشر السكرى مقالا آخر عنوانه

" هل هذا هو أساس المفاوضة أين وحدة الوادى أيها المفاوض المصرى".

ويتساءل السكرى فى مقال آخر:

" ما بال صدقى باشا يقف وقفة الصمت المريب".

ولم يكن فى استطاعة صدقى أن يتكلم .أو يشرح ما يدور فى قاعة المفاوضات!ورغم ذلك هاجمت صحيفة مصر الفتاة " الإخوان لتعاونهم مع صدقى قالت:

" حانت خاتمة الدجل والشعوذة.... الإخوان يتعاونون مع كل الأحزاب بلا مبدأ, ويتحالفون مع الكل حتى الإنجليز الذين يسخرونهم لمحاربة الشيوعية والوطنية, يفتحون لهم الشعب فى السودان وفلسطين وهم أداة فى يد الرجعية ويد إسماعيل صدقي لخنق الرأى العام, وأداة فى يد الرأسمالية اليهودية لضرب العمال!


بدأ الإحساس بقوة الجماعة ينتشر فى مصر.كتبت مجلة " آخر ساعة"

" منذ حين تدغدغ أيدى القدر مصر . تهمس فى آذانها أن الفجر قد لاح فعل اى صوت تستيقظ مصر الآن. ومن أى باب تهب رياح الفجر الوليد. ومن أى دم تكتب مصر. عندما تفيق صفحتها المجيدة الجديدة فى تاريخها الحديث؟يقولون إن علم هذا عند الله وعند جماعة الإخوان المسلمين.
من هم هؤلاء الإخوان الذين يزعم الرواة انهم وراء . وكل مظاهر وكل حركة إضراب . وأنهم القوة المحركة الدافعة للفورة الجديدة التى توجه الشعور الوطنى هذه الأيام. وأنهم استطاعوا فى يوم واحد أن يوزعوا مائة مائة ألف شارة من شارات الجلاء, وأن يعلقها على صدور مائة ألف مصرى رشيد؟"

ونشرت مجلة المصور:

" أن شخصيات بارزة معينة غير إسلامية بينهم عضو الشيوخ لويس فانوس ومريت بطرس غالى انضموا إلى جماعة الإخوان المسلمون".

قال الشيخ البنا ردا على ذلك أنه ليس هناك ما يمنع من التعاون مع الجماعة التى تضم كل المواطنين النشيطين سواء كانوا مسلمين أو غيرهم

وتكتب السفارة البريطانية إلى لندن:

" هذه محاولة من جانب الأقباط للانضمام إلى الإخوان المسلمين مماثلة للمحاولة الناجحة للأقباط بالانضمام إلى حزب الوفد عام 1919.ويحاول الأقباط باعتبارهم الأقلية استرضاء أية حركة وطنية قوية عند ظهورها.
ووفقا لتقارير أخرى هذه العناصر القبطية اقترحت على البنا أن تغير جماعته اسمها إلى " الإخوان المصريين" بدلا من الإخوان المسلمين".

وكان البنا من الدهاء بحيث أدرك أن القوة الأساسية لدعوته تكمن فى جانبها الدينى وأنه إذا قيل اقتراحا مثل ذلك فإن جماعته ستصبح مثل أى من الأحزاب السياسية الأخرى بلا جاذبية خاصة للجماهير .ولذلك رفض اقتراح التعاون مع الأقباط.ولكن البنا يمثل حاليا سماحة الإسلام أمام المسيحيين واليهود".

ولكن يمكن أن يطلق على الإخوان فى هذه الفترة أنهم " الإخوان المصريون لأن السياسة أصبحت هدفهم الأول.. إن لم يكن الوحيد!ويستقيل الشيخ البنا عام 1946 من وظيفته كمدرس بوزارة المعارف ليتفرغ للجماعة بعد أن صارت لهم صحيفة يومية..

فرسان ورهبان

بدأت المفاوضات الرسمية فى القاهرة بين إسماعيل صدقى واللورد ستانسجيت يوم 9 مايو 1946.

كان اللورد ستانسجيت فى التاسعة والستين عند وصوله القاهرة 15 من أبريل . وتوقعت الحكومة البريطانية أن ينجح اللورد ستانسجيت كوزير للطيران فى إقناع المصريين بقبول أسراب المقاتلات وقواعد القاذفات!

ولكن اللورد أصيب بصدمة عارمة من الآثار التى رآها فى مصر , ونتجت عن ستين عاما من الاحتلال البريطانى.فى أول اجتماع له مع صدقى .

قال رئيس وزراء مصر:

أريد الجلاء الكامل الشامل.ويبدو أن ستانسجيت اقتنع بمنطق إسماعيل صدقى فقد تحدث بحرارة إلى القائم بالأعمال الأمريكى فى القاهرة وأشار إلى علاقات بريطانيا بمصر خلال الفترة الماضية .

قال:

لا ينبغى أن ننسحب من مصر فقط بل أن ننسحب منها بأسرع وقت ممكن.

وكتب إلى صديق له قائلا:

"إننا نحتفظ بألوف الجنود البريطانيين هنا دون أية معاهدة تخول لنا ذلك رد السير أورم سارجنت الوكيل الدائم للخارجية البريطانية فى مذكرة قدمها لوزير الخارجية: " لا يستطيع المصريون أن يحصوا على الشيئين معا.لا يمكن أن يتوقعوا منا أن نحمى أمن مصر واستقلالها دون أن يقدموا إلينا التسهيلات التى تمكننا من اتخاذ الإجراءات الضرورية فى الوقت المناسب".

ولكن ستانسجيت كتب إلى بيفن يقول:

" مالم ينسحب البريطانيون بحقائبهم وأمتعتهم فأن ذلك سيؤدى إلى الأضرار بمكانتنا".وأصر ستانسجيت على أن تتعامل الحكومة البريطانية مع المصريين على أساس المساواة التامة." لم لا ينسحب البريطانيون من مصر كما انسحبوا من إيران؟"

أثارت رسالة ستانسجيت موجة غضب عارمة فى اجتماع مجلس الوزراء البريطانى قال بعض الوزراء:

ستانسجيت عجوز.

وقال آخرون:

فقد الرجل قبضته.
إنه لا يعرف الشئون المصرية

وبعد شهور قال اتلى:

كان خطأ تعيين ستانسجيت!

فى القاهرة هاجمت صحف الوفد المفاوضات كلها فقالت:

" تود مصر رحيل الوفد الإنجليزي بلا رجعة".

واعترض الإخوان أيضا. كتب أحمد السكري فى صحيفة الإخوان يقول:

" نريد جلاء تاما عن الوادى جميعه بلا قيد ولا شرط ولا مساومة ولا إمهال"أعلن رفضه لكل خطوة لا تحقق وحدة وادى النيل.

واشتعلت المناقشة فى مجلس العموم البريطانى حول مبدأ الجلاء المعلن بينما المفاوضات السرية تجرى بطريقة أخرى.قال إيدن إنه فوجئ وأصيب بالذهول لإعلان قرار الجلاء. ... وإيدن هو الذى وقع معاهدة 1936 بعد 54 عاما من الاحتلال. البريطانى والتى مثلت بداية لارتباط قوى بينه وبين مصر انتهى بعد عشرين سنة عام 1956 بسقوطه!

وقف النائب ريتشارد كروسمان مدافعا عن سياسة حزب العمال الحاكم فقال:

حان الوقت لنعيد الرجال أى المحاربين البريطانيين الذين قهروا الألمان والإيطاليين إلى بلادهم وديارهم وأسرهم وأعمالهم الإنتاجية.

وقال بيفن يرد على تشرشل وإيدن:

صار بوسع مصر من خلال منظمة الأمم المتحدة ومن الدفاع الإقليمى المشترك وهو أكثر من تأييد بريطانيا فقط وكل دولة تعيش الآن حقبة جديدة ولا نستطيع أن نحيا فى الماضى!ونظر إلى تشرشل وقال: لا أعتقد أن العقلية التى تتحدثون بها تناسب العصر الحاضر. وأنهى بيفن خطابه " لن أشارك فى ترك فراغ".أى أنه فى الوقت نفسه لن يترك فراغا فى الدفاع عن مصر! ونظرية الفراغ هى التى قام على أساسها مبدأ إيزنهارو 1957م!

لم يقتصر الدوى على مجلس العموم بل شمل الصحافة البريطانية كلها كتب اللورد بيفربروك صاحب جريدة الديلى أكسبريس:

" إذا تخلت بريطانيا عن القناة ستفقد جانبا حيويا من إمبراطوريتها إن قناة السويس جزء هام من أرض الإمبراطورية البريطانية كأرض بريطانيا ذاتها!"

وقالت:الايكونومست".

" قدمت حكومة العمال تنازلات أكثر وأكثر مما تستحق القضية الفعلية"

وتتوقف المفاوضات بين الطرفين .بعد 13 يوما من بدايتها. ليرجع ستانسجيت إلى بيفن فإن الوفدين لم ينتهيا إلى اتفاق.ويستأنف مجلس العموم مناقشة قرار الجلاء فيتهم تشرتشل بصوت مدو كالرعد اللورد ستانسجيت بأنه خفيف الوزن, والشأن... والقدرات! قال: عندما يتوقف الكفاح نجد أن ما نلناه بالعمل الشاق والتضحية وأعمال البطولة الرائعة الخارقة تتبدد من بين أصابعنا ونحن لا ندرى!

دعا الملك فاروق ملوك رؤساء الدول العربية للاجتماع فى أنشاص فخشى بيفن أن يؤيد المجتمعون مصر فى نزاعها مع بريطانيا إلى السير رونالد كامبل يوم 27 من مايو يطلب منه إقناع الزعماء العرب بالضغط على مصر

قال بيفن:

" إنى مهتم للغاية بألا تشجع الاجتماعات المقبلة للحكام والجامعة العربية بسلوكهم أو بقرار , الموقف المصرى الراهن فى عدم التنازل بشأن التسهيلات الحربية فى أية معاهدة جديدة.
إن رفض الحكومة المصرية أن تتضمن أية معاهدة جديدة تزويده بالوسائل التى تكفل ضمانات للمساعدة المتبادلة سيتركنا عاجزين عن الدفاع عن منطقة الشرق الأوسط الحيوية فى حالة الطوارئ مما يؤدى إلى تعريض مستقبل كل الدول العربية للخطر.ومن المصلحة الحيوية للدول العربية إقناع المصريين بأن يدركوا أنه لابد من الوفاء بمتطلباتنا الدفاعية"

رد رونالد كامبل فى اليوم التالى ببرقية طويلة هذا أهم ما فيها:

" قابل البريجاديير كلايتون مستشار الشئون العربية نوري السعيد رئيس وزراء العراق الذى قال إنه لا يظن أن مسألة مصر ستطرح بصورة جدية فى اجتماع الحكام العرب"

ويبعث الجنرال السير كانتجهام من فلسطين إلى وزارة المستعمرات أول يونيو 1946 .. البرقية 907 قال:

  1. أرسل الملك عبد الجنرال جلوب اليوم لينقل إلينا ما يلى على وجه السرعة.
  2. قال جلالته أنه خلال الاجتماعات التى تمت مؤخرا للملوك العرب اقترب منه صدقى باشا برجاء التدخل لدى بريطانيا لإنهاء الجمود فى مباحثات المعاهدة.

وقال صدقى:

إنه يستحيل تماما إقناع الشعب المصرى بإدراك الحقائق الواقعية واتخاذ موقف أكثر موضوعية فى هذا الوقت القصير والحكومة المصرية مستعدة للسماح لبريطانيا بالإشراف على الجيش المصرى وعلى الدفاع عن منطقة قناة السويس. ويتمنى ان يثق البريطانيون بالمصريين.

وأضاف:

أن مصر أثارها سياسيون لا يتبينون العواقب . ولا يملك القوة لإقناعهم بقبول الشروط التى يعرضها البريطانيون ويجب على البريطانيين الثقة فى نوايا صدقى الطيبة.

وسأل الملك عبد الله كيف يمكن لمصر الدفاع عن نفسها ضد روسيا وأعلن أنه يتعين على المصريين ألا يقرروا سياستهم فى المزايدات فنحن لسنا فى عصر صلاح الدين والصليبيين وإنما فى عصر القنابل الذرية والدبابات قال صدقى إنه لا يستطيع إقناع المصريين بتقديم مزيد من التنازلات وفى هذه اللحظة دخل الملك فاروق الغرفة

وقال:

كل ما نريده ألا يفرض البريطانيون (جماعتهم الفاسدة) علينا... يقصد النحاس وحزب الوفد!

وقال الملك عبد الله

إن نجاح المفاوضات الإنجليزية المصرية أمر غير مؤكد ثم انخرط الملك فاروق فى البكاء "

وتجتمع الجمعية العمومية للإخوان المسلمين فتعلن ولاءها للملك وتطالب الحكومة بقطع المفاوضات فورا واعتبار معاهدة 1936 باطلة بطلانا أصليا وعدم التقيد بأحكامها وعرض القضية المصرية على مجلس الأمن وأن يبدأ الجلاء فى نحر أسبوعين..

وتحدد الجماعة موقفها من حكومة صدقى بأنه لا يختلف عن موقفها من أية حكومة سابقة , لم يبادروها بخصومة أو عداوة, ولم يساندوها بتأييد أو سلطان ولكن صحف الوفد تحمل على الإخوان وتهاجم تقاربهم مع صدقى قال مجلة الحوادث الوفدية:" سلطات البنا ديكتاتورية أعطاها له القانون الديكتاتورى للجماعة وإنه وأحمد السكري وكيل الجماعة يملآن الأرض فسقا وفجورا".

وقالت صوت الأمة:

" الإخوان أسوأ مثال للأدب والأخلاق . وقد بليت البلاد بهذه الشرذمة الفاسدة التى تتكون من مجموعة ميكروبات يجب استئصالها. حرصا على المجمع وعلى سلامة الدعوة الدينية إسلامية"

ردت صحيفة الإخوان قالت:

يخاف الوفد على زعامته الشعبية زعماء الوفد يدجلون على الشعب ويغررون بالسذج البسطاء. وصحف الوفد مأجورة تلغ فى أعراض الأبرياء فى غير تورع أو حياء"

هاجم المصريون القوات البريطانية فى الإسكندرية يوم 7 من يونيه وألقيت قنبلة على سينما الأمباير كلوب فى القاهرة فمات أحد الجنود ويتوجه السيررونالد كامبل فى اليوم التالى ليقابل أحمد لطفى السيد باشا وزير الدولة للشئون الخارجية وأبدى له دهشته واستياءه من هذه الأحداث أعرب الوزير عن أسف

قال:

لا أفهم هذه الجرائم ولا أعرف الفوائد التى يمكن أن تعود على البلاد نظر مرتكبيها إذا افترضنا أنها من صنع المصريين.

وأضاف:

هؤلاء المجرمون يعتقدون أنهم يتصرفون بشكل وطنى ولكنها مظاهر نشاط منحرف ضد الحكومة وضد العرش والنظام الحاضر كله بشكل عام.ويتم التحرى عن إمكانية أن تكون هذه الجرائم مظاهر لما يسمى بالبلشقية.
قال السفير: أحب أن أحدثك فى موضوع " الوطنية"
إنى قلق من اللهجة غير الودية بالتصريحات يعتقدون أن هذه المقالات غير الودية تجاه بريطانيا العظمى دليل على الوطنية. وقد أدى ذلك للمزايدة بين الكتاب والمتحدثين بل السياسيين.

وافقه وزير الخارجية قائلا:

إنهم بهذا الأسلوب يتخذون مواقف يصعب التراجع عنها مهما كانت معتقداتهم.

قال السفير:

هذا الوضع لا يساعد المفاوضات بأي شكل من الأشكال . ولابد من منع المجرمين من الاستمرار فى جرائمهم ضد الرعايا البريطانيين. وطلب السفير أن يصدر الوزير وصدقى باشا بيانا يعربان فيها عن سخطهما على هذه الأحداث ويوضحان أنها ليست وطنية. فإن خرق لنظام والأمن الداخلى لا يمكن أن يكون عملا وطنيا بل يشكل إهداره لسيادة البلاد.

وأضاف السفير:

أخبرنى صدقى باشا بأن الطريقة الوحيدة لمنع هذه الجرائم هى زرع الخوف فى نفوس مقترفيها من العواقب.

أنهى وزير الخارجية الاجتماع

قائلا:

سأتحدث فى الأمر مع صدقى باشا وترتفع حدة الإخوان فى نقدهم لإسماعيل صدقى.عابوا عليه أنه سار على نهج النقراشى. واتهموه بعمالة الأجانب على حساب المصلحة الوطنية , وتردده فى قطع المفاوضات.
ووصفوه بأنه رجل مخدوع وخادع لأمته لأنه رضى أن يطوى فى ثنايا السياسة الإنجليزية الملتوية.وقالوا إنه دخل المفاوضات بعقلية الدبلوماسي الروح الوطنى المجاهد. ولذلك يتكلم بلغة الرجل الذى لا يثق بنفسه, ولا يؤمن بحق وطنه, وقوة شعبه وحيوية أمته.
ويحاول الإنجليز تهدئة الرأى العام المصرى فيجلون عن القلعة فى قلب القاهرة ويسلمونها للجيش المصرى يوم 4 من يوليو 1946 وينزل العلم البريطانى ويرفع العلم المصرى لأول مرة منذ 64 عاما فيبكى محمود فهمى النقراشى رئيس الوزراء السابق فرحا بينما تكتب صحيفة الإخوان, وصحف الوفد إن الجلاء عن القلعة حدث لا أهمية له لأن الإنجليز فى كل مكان!
ويلقى صدقى باشا بيانين فى جلستين لمجلس االشيوخ والنواب عن مفاوضات المعاهدة نال فيهما التأييد .وتستأنف لمفاوضات فى 29 من يوليو فى قصر انطونيادس بالإسكندرية

فتسميها صحيفة " الإخوان مهزلة المفاوضات قال الصحيفة:"

كانت المفاوضات تجرى فى قصر الزعفران وهى اليوم تجرى فى قصر انطونيادس ومن الطبيعى أن يذهب المفاوضون فى الشتاء إلى الأقصر أو أسوان ثم يعودون إلى القاهرة وبعدها إلى الإسكندرية وهكذا نظل نفاوض ونفاوض" وتستمر حملة الإخوان ضد المفاوضات.

وكتب أحمد السكري تحت عنوان " كفى ترددا" قال:

" يا رئيس الحكومة إن كرسيك فى مهب الريح"!

ويبدأ الصدام بين صدقى والإخوان فيعتقل بعض رجالهم كما كان النقراشى يفعل فيكتب صحيفتهم:

" شعر بيفن ورجاله وأنصاره أن فى استطاعته أن يكتب شعور الشعب المتوثب ويملأ السجون بالشباب ويفتش دور الإخوان فى المديريات ويسجن رجالها فى الأقسام بالعشرات"

اشتد الصراع العلنى بين الإخوان والوفد مع تولى صدقى رئاسة الوزارة. فقد هاجمت صحيفة الجماعة الأحزاب كلها " لأنها مقصرة فى تنفيذ أحكام الإسلام"!

أعار الوفد كثيرا من أعضاء الجماعة خارج القاهرة بالاستقالة فتزداد العداوة بين الوفد والإخوان ويلتقى المرشد العام بمصطفي النحاس فى اجتماع وصفه السفير البريطانى رونالد كامبل بأنه كان عاصفا.

قال السفير إن الرجلين بحثا إمكانية التقارب ولكنهما لم ينتهيا إلى اتفاق حاسم.قال إبراهيم فرج إن صدقى ظن بدهائه أنه لا يستطيع بالإخوان محاربة الوفد وكان من نتيجة ذلك أن قامت اشتباكات فى أنحاء كثيرة من البلاد بين الوفد وبين الإخوان.

فى 6 من يوليو انتقلت الاشتباكات إلى بور سعيد وتبادلت الجماعة والوفد الاتهامات.زار المرشد العام المدينة ليخطب فيها فانفجرت قنبلة كادت تودى به وهاجم الشباب الوفدى دار الإخوان وأشعل فيها الحريق.

ردت صحيفة " الوفد المصرى" فقالت:

" تعددت جرائم الصبية المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين الذين أفسدهم الشيخ البنا ولا يكاد يمر يوم دون أن تقع حوادث اعتداء يزور الشيخ تلك البلاد محاطا بقمصانه الصفراء للغزو والتحدى والقيام بدعاية سياسية فاسدة ومنذ حوالى شهر أخذ هؤلاء الناس يجمعون أوباشهم فى بورسعيد تمهيدا لزيارة الشيخ (المرشد).
حل موعد الزيارة المشئومة فجمعوا الصبية ليقيموا زفة للشيخ واستقبلوه على المحطة ومشوا فى خيلاء يتحدون أهالى البلدة متحفزين للاعتداء وتجمع الأهالى الساخطون الحانقون جموعا حاشدة فنفذ (المسلمون) وعيدهم وألقوا بقنبلة حطمت وجهات كثير من المحال ثم أخذوا يطلقون الرصاص من مسدسات يحملونها واستلوا خناجرهم. وأعملوها فى أجسام الناس كأنهم أعلنوا الحرب على الإنجليز المحتلين!"

ويبعث السير رونالد كامبل ببرقية إلى لندن رقمها 1333 قال فيها:

" هناك صراع خطير بين الوفد والإخوان فى بور سعيد" قتل اثنان وأصيب كثيرون وانتهز الوفد الفرصة فطالبت صحيفة بحل الإخوان لأنها منظمة شبه عسكرية. وقتل الإخوان أحد الوفديين ولكن الوفد استعاد قوته.. والإخوان أضعف من الوفد".

وفى منفلوط حاول الوفديون حرق دار الإخوان المسلمين. وأطلقوا النار ليلا على محمد حامد أبو النصر الرجل الذى أصبح رابع المرشدين للإخوان المسلمين وعقد الإخوان مؤتمرا فى مسجد أبو النصر بمنفلوط فاعتدى الشباب الوفدى على المجتمعين والقوا عليهم الحجارة.

قال البنا:

" ما زلنا نجهل الدافع إلى خصومه الوفد للإخوان. فماذا جنى الإخوان اخلطوا الدين بالسياسة كما يقال؟وما ضرر هذا الوفد أو على الوطن؟ ألم يعلم الوفد أننا خلطنا الدين بالسياسة إلا الآن فقط؟ليس من دافع لهذه الخصومة إلا التنافس الحزبى؟

ويهاجم المرشد العام الوفد والنحاس قائلا:

"أخطر ما فى الموقف أن يلجأ الإنجليز إلى إيجاد حكومة محايدة, وتأليف وفد مفاوضات جديدة برئاسة النحاس ينتهى أمره بالتوقيع على معاهدة المجد والفخار وتكون هى بعينها معاهدة الشرف والاستقلال الماضية لم يتغير فيها إلا بعض العبارات والألفاظ".
ويقصد المرشد العام بذلك معاهدة 1936 التى وقعها مصطفي النحاس باشا! ويلتقى السفير البريطانى بإسماعيل صدقى باشا ويتحدث معه عن الشيوعية والشيوعيين فى مصر

فقال صدقى:

إنى مصمم على اتخاذ أشد الاجراءات ضد ما يسمى بالجمعيات والخلايا السياسية والاجتماعية. ويعتقل صدقى باشا فى 11 من يوليو مئات الشيوعيين ويغلق 11 منظمة و8 صحف شيوعية فيطلق الشيوعيون على هذا اليوم " المذبحة الشهيرة".كان بيفن مقتنعا بضرورة الوصول إلى تسوية مناسبة مع مصر.

كتب أفريل هاريمان السفير الأمريكى فى لندن إلى وزير خارجية بلاده يقول:

" تأثرت بما أبداه بيفن من صدق وإخلاص عندما تكلم عن الاحترام الكامل للسيادة المصرية بالنسبة للجلاء والتعامل بواقعية مع متطلبات أمن قناة السويس ومنطقة الشرق الأوسط"

وعلق سيسيل ليون القائم بالأعمال الأمريكى فى مصر على سير المفاوضات فقال:

" إن البريطانيين أداروا المفاوضات بطريقة تشبه أساليب الهواة إلى حد ما ويبدو كما لو كانوا يتخبطون"! استمرت المفاوضات بين إسماعيل صدقي واللورد ستانسجيت ستة شهور رفض كل من الوفديين مشروع المعاهدة التى اقترحها الطرف الآخر لتحل محل معاهدة 1936

وتركز الخلاف فى عدة نقاط:

تجلو القوات البريطانية عن المدن المصرية وتبقى قوات لهم فى قاعدة بمنطقة القناة تمنح أو تؤجر لبريطانيا مثل القواعد الأمريكية فى جزر برمودا ونيوفونلاند.

رفض صدقى ذلك وطالب الجلاء الشامل.تكون مصر كلها تحت تصرف بريطانيا فى حالة الحرب أو خطر الحرب وتقيم منشآت لخدمة القوات البريطانية وقت السلم. ويزور خبراء بريطانيون هذه القواعد والثكنات فى أى وقت لتفقد الأسلحة والمهمات.

ولكن صدقى اقترح فى حالة العدوان على البلاد المتاخمة لمصر تقديم كل تأييد عسكرى ومعونة حتى يقرر مجلس الأمن التدابير اللازمة وفى حالة العدوان على بريطانيا تتشاور الدولتان فى عمل مشترك اقترحت بريطانيا الجلاء خلال 5 سنوات ورأى صدقى الجلاء التام فى سنة واحدة.

مدة المعاهدة فى رأى بريطانيا 25 سنة وفى رأى مصر 15 سنة .تعقد معاهدة تحالف مشترك بين البلدين رفضها الوفد المصرى ولم تعلن تفاصيل الاتفاق أو الاختلاف فى لندن أو القاهرة وتدخلت الولايات المتحدة أكثر من مرة بقصد المساعدة على إتمام المعاهدة الجديدة خوفا من الخطر السوفيتى.

ويكتب جميس بيرنز وزير الخارجية الأمريكى رسالة إلى إسماعيل صدقي يبلغه فيها اهتمام أمريكا بالدفاع عن الشرق الأوسط واهتمامها بنجاح المفاوضات بطريقة تكفل لمصر ضمانات السيدة.

ويرد صدقى قائلا:"إن مصر تساهم فى توطيد إسلام العالمى وستعمل ذلك بمواردها الخاصة".

ويكلف صدقى الوزير المصرى المفوض فى أمريكا بمتابعة الموضوع فيجئ الرد بأن المسئولين الأمريكيين يعتقدون أن النفوذ الروسى سيجد فى مصر مرعى خصيبا للفوارق الهائلة بين طبقتى الشعب.

عقد البنا اجتماعا للجمعية العمومية للإخوان استمر ثلاثة أيام حضره خمسة آلاف يمثلون شعب الإخوان وأصدر الإخوان عدة قرارات يطلبون فيها:

  1. إعلان فشل المفاوضات.
  2. إعلان بطلان معاهدة 1936.
  3. مطالبة الحكومة البريطانية بسحب قواتها وجنودها من أرض وادى النيل ومائه وهوائه فى مدة أقصاها عام.
  4. رفض أية مخالفة أو معاهدة قبل أن يتم الجلاء
  5. بقاء القوات البريطانية والأجنبية فى مصر عدوان مسلح على سيادة الدولة واستقلاله.
  6. رفع الأمر إلى مجلس الأمن.

إذا لم تخط الحكومة هذه الخطوات خلال الشهر القادم فإن الأمة تعتبرها متضامن مع الغاصبين فى الاعتداء على استقلال الوطن.وعلى الزعماء والأحزاب إعلان بدء الجهاد وعدم قبول الحكم إلا على أساس بطلان معاهدة 1936 ورفض كل مفاوضة مع الإنجليز إلا بعد الاعتراف الصريح بالجلاء فى المدة التى يرتضيها الجانب المصرى وكل زعيم أو حزب يخرج على هذه القاعدة يعتبر خارجا على إرادة الأمة.

ويعلق بنكنى تاك القائم بأعمال السفارة الأمريكية على قرارات الجمعية العمومية التى صدرت يوم الخميس 29 من أغسطس 1946

قائلا:

" من الملاحظ أن الإخوان يطالبون أن تسترد مصر الأراضى التى اقتطعت منها ظلما وعدوانا وهى تواجه جغبوب واريتريا ومصوع وزيلع وهرر"!

ويضيف القائم بالأعمال الأمريكى قائلا:

" إن حجم جماعة الإخوان المسلمين ما زال إلى حد ما غير معلوم لا من حيث عدد الأعضاء ولا من حيث التنظيم أو القوة السياسية كما ان قدرة زعمائها ما زالت محل نظر رغم الخطب والبيانات القوية التى يدلى بها زعماؤها ويميل بعض المراقبين إلى استبعاد الشيخ البنا باعتباره رجلا انتهازيا وينظرون إلى الإخوان باعتبارهم منظمة مهملة من جانب السلطة.ولا يمكن القول بأن الجماعة بلا قوة وهناك احتمال أن تكون لها قوة سياسية".

سافر الملك فى رحلة بحرية فى البحر المتوسط فى سبتمبر قبل عيد ميلاد الملكة فريدة مما يؤكد أن العلاقات بين صاحبة الجلالة ليست على ما يرام "وتضعف الرحلة فى هذا الوقت بالذات صدقى باشا فتزداد المؤامرات السياسية ضده.

ويطير صدقى مع حسن يوسف رئيس الديوان بالنيابة يوما واحدا إلى كريت ليعرض على الملك تعديل الوزارة وإدخال السعديين فيها وتعيين إبراهيم عبد الهادي وزيرا للخارجية.انقسمت هيئة المفاوضات على نفسها إزاء المقترحات البريطانية

كما تقول برقيات السفير البريطانى إلى لندن:

" كان صدقى ولطفى السيد فى جانب وشريف صبري وعلى ماهر وحسين سرى ومكرم عبيد فى جانب آخر.وأصبح موقف صدقى باشا صعبا بسبب المعارضة المتزايدةولا نخفى المناورات التى تجرى فى الوفد المصرى على الفطنة.
وهناك علامان:
الأول : أن أعضاء الوفد الآخرين يرون أن صدقى يتجاهلهم ودفع بهم إلى المؤخرة وأنه يحتكر إدارة دفة المفاوضات ويعاملهم. من وجهة نظرهم بأسلوب ديكتاتورى.
والثانى: أن عددا كبيرا منهم إن لم يكونوا جميعا له طموح فى رئاسة الوزارة السابق ظنا منه أنه سيصبح رئيسا للوزارة فالوفديون (ومكرم أيضا) كانوا ينافقوننا وحتى عبد الفتاح يحيي رئيس الوزارة السابق ظنا منه أنه سيصبح رئيسا للوزارة.
وذهب على الشمسى الوزير السابق إلى القصر وتحدث عن تغيير رئيس الوزراء واستبعد أن يكون أى مصرى بين السياسيين الأحياء (باستثناء نفسه) صالحا.وأبلغنى عبد الفتاح عمرو سفير مصر فى لندن أن القصر استخلص أنه لابد من إزالة عنصر من عناصر التردى وأعنى به الطموح فى الاستيلاء على منصب صدقى .. بتوضيح أن صدقى سيل رئيسا للوزارة طوال فترة المفاوضات!
ويفكر القصر أيضا فى إشاعة الاعتقاد بأنه سيحدث تغيير فى رئاسة الوزارة بمجرد عقد المعاهدة.وطرح عمرو باشا على مرة أو مرتين فكرة تجريبية تماما وهى أن نبحث ما إذا كان من المستحب تغيير رئيس الوزارة نظرا للصعوبات التى تثيرها شخصية صدقى.وكنت حريصا فى كل مناسبة وحتى فى الحديث الشخصى ألا أعبر عن رأى.ألا تستطيع تدبير نظر قضية فى محكمة العدل الدولية يمكن عن طريقها إبعاد بدوى عن مصر؟؟"

وهذه البرقية تبين عدة أمور:

الأول: أن كل عضو فى الوفد يزايد لتفشل المفاوضات ليستقيل صدقى ويرث الحكم.
الثانى: أن الملك كان مستعدا للتخلى عن صدقى وإسناد رئاسة الوزارة إلى من يستطيع الوصول إلى معاهدة.
الثالث: أن بريطانيا فكرت فى عرض أية قضية على محكمة العدل الدولية ليتسنى إبعاد عبد الحميد بدوى باشا. القاضى المصرى فى هذه المحكمة . عن مصر حتى لا يؤثر فى سير المحادثات بإقناع الأعضاء بالتطرف.. والغريب فى الأمر أن جانبا من الرأى العام المصرى كان دواما يتهم عبد الحميد بدوى باشا بأنه صنيعة الإنجليز أو أنه يمالئهم!
الرابع: أن القصر كان يستطلع رأى الإنجليز فى كل مرحلة من مراحل المفاوضات دون علم رئيس وزراء مصر عن طريق عبد الفتاح عمرو باشا سفير مصر فى لندن!

ويتوجه مصطفي النحاس وكبار رجال الوفد إلى القصر المكلى يقيدون أسماءهم فى سجل التشريفات يوم 17 من سبتمبر 1946 وهو يوم استئناف المفاوضات.وجرت تقاليد الوفد على أنه فى المعارضة عندما يريد التقرب إلى الملك يقيد زعماؤه أسماءهم فى سجل التشريفات الملكى!

يجتمع بالإسكندرية أحمد السكري وكيل الجماعة بفؤاد سراج الدين سكرتير عام الوفد وتنشر صحيفة "الإخوان أن الحديث تناول وجوب إنهاء الخصومة بين الجماعة والوفد وأن يحل محلها تفاهم وتعاون , أو تكون هدنة تحول دون اشتغال كل منهما بالآخر!وترى السفارة الأمريكية أن الجماعة هادنت الوفد لتحصل على معونته المالية فتعوضها عن المساعدات التى توقف صدقى عن تقديمها!

وقالت السفارة:

" العداء بين الوفد والجماعة لا ينته. فالوفد لا يريد أن ينافسه أحد فى النفوذ بين الجماهير وقد تأثر هذا النفوذ نتيجة قوة الإخوان ولذلك يريد فرصة لإعادة تنظيم صفوفه حتى يتخذ موقعا استراتيجيا ليهدم الإخوان ويدمرهم.
ويريد الوفد أيضا أن يفسد دعاية الإخوان ضده . فقد أعلن المرشد العام من قبل أنه يعارض الوفد والشيوعية مما يعنى تحالف الاثنين ولذلك يسعى الوفد بتحالفه الجديد مع الإخوان إلى هدم فكرة ارتباطه بالشيوعيين".

وقالت السفارة الأمريكية:

" إن اتفاق الوفد والجماعة سيفشل بعد تحقيق هدفها المشترك".

وقالت السفارة البريطانية:

" علاقات الإخوان بالوفد طيبة إلى حد كبير ولكن كلا منهما يعمل مستقلا عن الآخر ولا يتفقان إلا على ضرورة أن يمتنع كل طرف عن التدخل فى أنشطة الطرف الآخر"

كتب إبراهيم عبد القادر المازني فى صحيفة الإخوان يقول:

" لا أتوقع أن تقضى مباحثات دولة صدقى باشا إلى تفاهم على ضئ مرض ولا أدرى بعد ذلك هل يستقيل أو يمضى إلى مجلس الأمن ؟ ولكنى أرجح الاستقالة".

كانت نبوءة المازنى صادقة وإن لم تبد كذلك فى تلك الأيام!وبإشارة الإخوان إلى استقالة صدقى كما فعلوا مع النقراشي وبحملة الإخوان على المفاوضات ونتائجها ومظاهراتهم ضد الإنجليز وباحتجاج السفير البريطانى على سياسة الإخوان...بهذا كله.. وصلت العلاقة بين الجماعة وإسماعيل صدقي إلى نقطة اللاعودة!

سأل صحفى المرشد العام

  • تحولتم فى السنوات الأخيرة إلى النشاط السياسى؟
أجاب الشيخ البنا:
تقصد النشاط الوطنى , فما لنا بالسياسة علاقة لقد حرصنا دائما على ألا نحتك بالأحزاب ولا بالهيئات, بل حرصوا هم على الاحتكاك بنا فتولدت الشرارة التى لفتت إلينا الأنظار.
  • سئل: هل تشترك فى الانتخابات إذا جرت قريبا؟
نعم
  • وهل تضمن النجاح؟
أستطيع فى انتخابات حرة أن أحصل على أغلبية ساحقة لو أردت ذلك ولكنى لا أريد فمكاننا فى صفوف الشعب أكثر منه فى صفوف الحكام ولهذا لن نتقدم إلا فى عدد صغير من الدوائر.
  • معنى ذلك أنك لا تقبل رئاسة الوزارة إذا عرضت عليك؟
بل أقبل ... والحكم ليس متعة وإنما جهاد فإن قبلته أقول للإنجليز.إما أن يتم الجلاء .. وإما..وأقول للمصرين: أيتها الأمة جاهدى فالجهاد سبيلك الوحيد وأنا وراء كل رئيس وزارة يدعو للجهاد.
  • وهل ندك القوة؟
عندى مليون.
  • والسلاح؟
سلاحنا الإيمان.
  • وهل عندك المال؟
نحن أفقر جمعية , وأغنى جمعية. مالنا الرسمى اشتراكات الإخوان. ومالنا الحقيقى خزائن الإخوان.أردنا شراء دار المركز العام ولم يكن فى خزائن الجمعية من ثمنها شئ فدفع الإخوان 16 ألف جنيه فى يوم واحد وأعلنا عن حاجتنا إلى جريدة ودار للنشر ومطابع قدرنا ثمنها بربع مليون جنيه فدفع الإخوان فى أسبوعين 120 ألفا من الجنيهات.
  • ويسأل الصحفى الشيخ عن شعار الإخوان فقال:
سيفان وبينهما مصحف
  • قال الصحفى لم.... السيفان؟
هما رمز الجهاد
  • والمصحف؟
دستوره
  • والكلمة المكتوبة بين السيفين وأعدوا"؟
هى الكلمة الأولى من الآية لكريمة " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".
وأضاف المرشد العام:
هذا نداء الإخوان "هبى يا رياح الجنة... على رهبان الليل.. وفرسان النهار"!

محراب فى كل قلب

مرة أخرى كرر البنا النداء للملك طالب صاحب الجلالة بإعفاء إسماعيل صدقي من الحكم وإعلان الجهاد.كما طالبه من قبل بإقالة محمود فهمى النقراشى.

وجه فى صحيفة الإخوان بتاريخ 6 من أكتوبر رسالة إلى الملك قال فيها:

" سافر المفاوضون البريطانيون إلى بلادهم فاعتزم صدقى أن يلاحقهم هناك لاستئناف المفاوضات التى لا خير فيها"!

وفى رسالة أخرى علنية أيضا.إلى صدقى باشا قال فيها:

" طالت المفاوضة حتى أسأمت فتوقفت واستونفت ثم انقطعت ووصلت ثم تخلى عنا المفاوضون الإنجليز . هزوا أكتافهم وجمعوا أوراقهم . وانصرفوا عنا إلى بلادهم هازئين ساخرين"

وقال الشيخ البنا لصدقى:

" هذه الحكومة لا تمثل رأى البلاد فى شئ وكل إجراء تتخذه باطل وعليكم أن تدعوا أعباء الحكم لمن هو اقدر منكم".

وفى 9 من أكتوبر تحت عنوان " بين استقلال المجاهدين , واستقلال المفاوضين" قال:

" هذه الحال لن تدوم أبدأ..إن وادى النيل الأبى إذا كان قد قنع فى الماضى باستقلال المفاوضين فى معاهدة الشرف والاستقلال , فإنه لن يرضى اليوم إلا باستقلال المجاهدين ساحة الاستشهاد وتحقيق الآمال"

وخصص الشيخ البنا الصفحة الأولى من صحيفة الإخوان يوم 10 من أكتوبر ليطلب من " الشعب العظيم" عدم التعاون مع الإنجليز اقتصاديا بالإضراب عن شراء كل ما هو انجليزى أو البيع لأية جهة انجليزية أو التعامل مع أى بيت أو شركة أو محل انجليزى كائنا ما كان.

وثقافيا بمقاطعة الصحف والمجلات والكتب والجرائد الإنجليزية والامتناع عن التحدث أو الاستماع للغة انجليزية.واجتماعيا بقطع علائق المودة والصداقات الشخصية والعائلية . والانسحاب من عضوية الأندية أو الهيئات التى تضم العناصر البريطانية.

ويستمر البنا فى الدعوة الجديدة لمقاطعة الإنجليز فيقول:

" الآن وبعد أن مضى على ثورة سنة 1919 أكثر من ربع قرن من الزمان تعود القضية الوطنية سيرتها الأولى فتفشل المفاوضات أو تكاد" ولم يكن البنا وحده الذى يعارض المفاوضات, بل كانت الأحزاب والرأى العام كله فى صفوف المعارضة.

قالت المفوضية الأمريكية

" إذا عجز صدقى عن العودة إلى مصر ومعه تنازلات بريطانية أمام المطالب المصرية فسيواجه بعواصف سياسية يحتاج إذا أراد الصمود أمامها إلى استخدام ذكائه.. وكل قوات الشرطة"!

أراد أرنست بيفن أن يعرف الوضع القانونى للسودان باعتباره الصخرة التى تحطمت عندها كل المفاوضات المصرية البريطانية.رد قاضى القضاة البريطانى قائلا:

وصلت غلى النتيجة التالية:

  1. الحق الشرعى فى السودان كان فى الأساس مصريا.
  2. لم يحدث ما يبين منه أن هذا الحق أخذ من مصر ليعطى كليا أو جزئيا لبريطانيا!
  3. ظل ملك مصر خلال فترة الإدارة المشتركة المصرية البريطانية صاحب السيادة على السودان أما اتفاقية الحكم الثنائى للسودان فإنها منحت بريطانيا حقا فى تعيين الحاكم العام وممارسة الإدارة المشتركة
  4. هناك وحدة قائمة بين مصر والسودان فى ظل تاج مشترك ومن سوء الحظ أن صدقى باشا لم يكن يعرف هذه المذكرة التى تعترف صراحة بسيادة مصر على السودان وحتى لو عرف فماذا يستطيع والقوة كلها فى يد بريطانيا؟

ولكن بيفن كان يعرف ضعف موقفه فى المفاوضات.أصبح الإخوان مع الوفد فى قافلة واحدة ضد إسماعيل صدقي والمفاوضات عندما يسافر اللورد ستانسجيت تنتقده صحيفة الإخوان وتنتقد معه المفاوض المصرى

قالت:

"لم لا يسافر ستانسجيت المرة , بعد المرة دون التماس الأعذار فبالأمس البعيد سافر إلى لندن ثم عاد.واليوم يقال إنه فى رحلة إلى شرق البحر المتوسط ليتفقد بوصف وزيرا للطيران مراكز الطيران هناك لم لا يفعل ذلك وقد رأى محترفى الساسة يغفلون عن قضية الوطن!"

أراد إسماعيل صدقي أن يتغلب على كل مناورات خصومه: الوفد الذى يريد أن يرأس وفد المفاوضات ويكون له نصيب الأسد فيها وأعضاء هيئة المفاوضات الذين يسعون لرئاسة الوزارة ويخشون الارتباط بمعاهدة يعقدها رئيس وزراء يكرهه الشعب.

والملك الذى يخشى أن يؤيد صراحة وعلنا المعاهدة الجدية .وأخيرا الإخوان الذين تحالف معهم ومنحهم فرصة الانتشار .رأى صدقى أن يتغلب على هؤلاء جميعا فقدم استقالته يوم 28 من سبتمبر لإفساح الطريق أمام تأليف وزارة قومية تضم حزب الوفد.

عهد الملك إلى خاله شريف صبري باشا الوصى السابق على العرش بتأليف وزارة لاستكمال المفاوضات والوصول إلى معاهدة توقعها كل الأحزاب كما حدث فى معاهدة عام 1936.

قالت صحيفة الإخوان:

"لم يبق إلا تغيير أشخاص المسرح المصرى. بغية صرف جمهور النظارة إلى الأحداث الداخلية".

استمر شريف صبري باشا ثلاثة أيام يحاول تشكيل الوزارة ولكن الوفد رفض الاشتراك فيها فعدل شريف صبري عن مهمته.وعهد الملك إلى صدقى باشا برئاسة الوزارة مرة أخرى فى أول أكتوبر فأثبت صدقى أنه لا يمكن الاستغناء عنه فى هذه الظروف!

قال صدقى فى مذكراته:

" إن ثلاثة أرباع المسائل التى تناولتها المفاوضات انتهت إلى التفاهم التام بل وضعت لها الصيغ لملائمة فصارت مفروغة منها أما إذا كانت هناك مسألتان أو ثلاث طال فيها الأخذ والرد فإن واحدة منها فقط وهى مسألة السودان لا تزال تنطوى على اختلاف وجهتى النظر واستعصاء الحل.. غير أنى لا أزال كبير الأمل".

ولكن الإخوان اندفعوا يهاجمون صدقى. كما لم ينتقدوه منذ ولى الحكم!واصدر الوفد بيانا ضد المفاوضات وما ظهر من نتائجها. وبعث مصطفي النحاس باشا بالبيان إلى السفير البريطانى, كما بعث برسالة مماثلة إلى سفراء الدول الكبرى.

وأبرق النحاس إلى الأمم المتحدة يطلب منها إرغام بريطانيا على احترام مبادئ الحرية وتحقيق آمال الشعب المصرى فى الاستقلال.وكانت رسالة النحاس بداية القطيعة بين السفارة البريطانية وحزب الوفد كما شرحت برقية جيمس بوكر القائم بالأعمال البريطانى

قال:

" أصاب رجال السفارة البريطانية قلق عميق من البيان الوفدى,فإن الإنجليز كانوا يأملون أن يكون الوفد أقل تحديدا فى مطالبه من صدقى الذى اضطرته الظروف كما تقول المفوضية الأمريكية لأن يتفوق على منافسيه فى المطالب.لقد حاولت السفارة البريطانية إقناع الوفد بعدم إصدار بيانه دون جدوى"!

ويعلن مصطفي النحاس زعيم حزب الوفد أنه لا ينبغى أن تعقد مصر وبريطانيا معاهدة إلا بعد جلاء القوات البريطانية عن مصر وأن الوفد وحده يمثل مصر!

وبوجه المرشد العام خطابا مفتوحا إلى زعماء مصر قائلا:

" نحن معشر الإخوان المسلمين لن نقتحم أنفسنا فى مجموعكم ولن نزاحمكم أمكنتكم ولن ننازعكم رياستكم وقد أبيتم علينا سواء أكنتم فى الحكم أو خارجه أن نظهر بأية صورة على المسرح الرسمى أو ننفذ إلى ميدانه الرسمى رضينا صابرين وعملنا كوطنين مجاهدين.إن اجتمعتم وجاهدتم ناصرناكم وإن آثرتم ممالاة الأعداء سنمضى فى سبيل الله والوطن مستشهدين".

وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود بالنسبة للجلاء والسودان فبعث صدقى برسالة إلى القائم بالأعمال البريطانى قال فيها:

" وصلت مفاوضات مشروع المعاهدة إلى مرحلة متقدمة بحيث فشلت المفاوضات لرفض بريطانيا الاستجابة إلى مطلب مصر بالاعتراف بسيادة رمزية إن مصر لم تأمل مشاركة فى إدارة السودان".

ولم يعرف ما إذا كان صدقى يعنى ذلك فعلا أو أنه يريد أن يطمئن إليه الإنجليز.وأبدى صدقى استعداده للسفر مع النقراشى وهيكل زعيم الحزبين المؤيدين للحكومة إلى لندن لإتمام المعاهدة.

وفى رسالته للسفارة البريطانية قال صدقى إنه صدقى إنه لا يسافر إلى لندن مفوضا لتوقيع المعاهدة بل إن المشروع النهائى سيعرض على هيئة المفاوضات وملك مصر ومجلس وزرائها والبرلمان للتصديق.

وافق بيفن على التفاوض مع صدقى خلال الفترة من 16 إلى 26 من أكتوبر وفى اللحظة الخيرة اعتذر كل من النقراشى وهيكل فسافر صدقى يرافقه إبراهيم عبد الهادى وزير الخارجية ونزلا ضيفين على الحكومة البريطانية غطت مظاهرات الإخوان والوفد مصر كلها يوم 15 من أكتوبر , قبل يومين من سفر صدقى.

قامت المظاهرات فى القاهرة عند الأزهر وفى الإسكندرية وطنطا والمنصورة , والزقازيق. وبور سعيد , وشبين الكوم, والفيوم, وأسيوط وبني سويف رغم كل إجراءات الأمن التى فرضها رئيس الوزراء.

وهتف المتظاهرون ضد رئيس الوزراء:

سفر مشئوم يا صدقى .. لا مفاوضة إلا بعد الجلاء

وبعث المرشد العام إلى ملك مصر ورئيس وزرائها يطلب دعوة الأمة إلى الجهادأصدر صدقى قرارا بإغلاق الجامعة وتأجيل الدراسة شهرا فى جميع معاهد التعليم.

قال الإخوان

" إن رئيس الوزراء تخلص من تيار الوطنية الجارف . وسياسته تحد لإرادة الأمة واحتقار كلمتها ووأد حيويتها وأنه رجل تربى على موائد المستعمرين ودعامة من دعامات الاقتصاد الاستعماري الذى بناه اليهود بأموالهم ودسائسهم"!

سافر صدقى باشا إلى لندن يوم 17 من أكتوبر وتولى منصب رئيس الوزراء بالنيابة عبد القوى أحمد باشا الذى أسندت إليه أيضا وزارة الداخلية بالنيابة فى أول اجتماع مع صدقى

بيفن:

نظريتى هى وضع أوراق اللعب مكشوفة على المائدة.

قال صدقى:

وأنا أيضا.ولذلك فإن المحادثات فى لندن استغرقت 8 أيام فقط عقدت خلالها همس اجتماعات بينه وبين بيفن.عقد إبراهيم عبد الهادي اجتماعات مع المسئولين فى وزارة الخارجية.

قال بيفن لصدقى فى المحادثات:

أنت متناقض مع نفسك تتكلم عن الصداقة التى تربط المصريين بالإنجليز ثم تريد التخلص من القوات البريطانية؟!
أخذ صدقى يكرر الحديث عن مشاعر الشعب المصرى وأحاسيسه بالنسبة للجلاء.وأخيرا وافق على أن يتم الجلاء خلال ثلاث سنوات تنتهى فى أول سبتمبر عام 1949 وتناولت المفاوضات الدفاع المشترك.

أصر صدقى على أن يكون مجلس الدفاع المشترك استشاريا.. وهكذا نسف الدفاع المشترك كله!وجاءت مسألة السودان التى استغرقت معظم المباحثات.

أصر صدقى عل أن يكون لقب ملك مصر هو ملك مصر والسودان فوافق بيفن بعد مناقشات طويلة على أن يكون السودان تحت العرش المشترك, وأصر بيفن على حق السودانيين فى رفض سيادة مصر إذا رغبوا فى ذلك واختيار الاستقلال عندما يصلون إلى المرحلة التى يتمكنون فيها من اختيار الوضع المقبل لبلادهم.

أجاب صدقى:

من المستحيل الحديث فى هذه النقطة الآن فلا أحد يعرف تطورات المستقبل خلال نصف قرن إن أولادنا هم الذين يقررون ذلك. ولا نستطيع أن نتطلع بعيدا؛

قال بيفن:

نريد التغلب من الآن على آية مشاكل تنشأ فى المستقبل. ولا أريد وضع العراقيل أمام أولادنا عندما يجيئ وقت البحث عن حل .وأريد ضمانا بأنه لن ينشأ وضع يمنع السودانيين من الاستقلال

وأضاف:

إن طرفين يضعان بروتوكولا خاصا لمستقبل طرف ثالث علينا التزام مشترك نحوه. السودان الذى يطالب بالاستقلال لن يبقى دواما تحت السيادة المصرية أريد أن أضع أمام الشعب البريطانى حق السودان فى تقرير المصير

قال صدقى:

عندما يصل السودانيون إلى مرحلة معينة من التطور فإنهم سيصبحون مستقلين حتما.أى نصوص على الورق لن تفيد شعبا يبحث عن الحرية وهذا مبدأ عالمى وليس مسألة تتضمنها المعاهدة.
وما دامت هذه المعاهدة توضع طبقا لميثاق الأمم المتحدة الذى يؤكد حق الشعوب فى الاستقلال فليس من الضرورى فى أى اتفاق جديد تكرار ما نص عليه الميثاق.

اقترح بيفن تبادل خطابات بين الطرفين فى هذه المسألة ولكن المناقشة لم تصل إلى نتيجة.وفى الاجتماع الثالث اقترح بيفن أن يعد الشعب السودانى للحكم الذاتى وان يراقب ذلك مجلس مشترك من أشخاص مستقلين على مستوى عال يقدمون تقارير عن تطور السودان للحكومتين.ولكن صدقى رفض الاقتراح.

ويهاجم البنا فى جريدة " الإخوان المسلمين" بريطانيا بعنف لم يسبق له مثيل يوم 21 من أكتوبر.

تعمد البنا فى مقاله أن يرسم صورة براقة للشعور المتزايد من الكراهية الذى يكنه المصريون للبريطانيين بسبب نكثهم بالعهود فيما يتعلق بمفاوضات المعاهدة.وأشار إلى الإعلان الصادر عن مكتب الإرشاد العام بالدعوة إلى عدم التعاون مع البريطانيين..

وقال إنه توافد على مكتب الإرشاد أعداد من المصريين الذين يعملون فى مؤسسات بريطانية يعربون عن استعدادهم للتوقف عن العمل وأنهم أبلغوا بمواصلة عملهم حتى يفرغ مكتب الإرشاد من عمله.

وأضاف أن شعور الكراهية للبريطانيين وجد طريقه إلى نفوس ثلاثين مليونا من سكان وادى النيل , وسيسرى بسرعة البرق إلى نفوس 70 مليون عربى و300 ملون مسلم.

ودعت الصحيفة الأفراد الذين لديهم مطبوعات وصحف وكتب انجليزية يلقوا بها إلى أقرب مكتب للجماعة لتحرق فى الميادين العامة بالقاهرة والمديريات

علقت صحيفة التايمس فى لندن على موقف الإخوان فقالت

" دخل الإخوان السياسة بشكل سافر.وهم يرون الأمانى القومية المصرية تتعارض مع أطماع بريطانيا ولا يمكن تحقيقها من خلال النوايا الطيبة لبريطانيا لأنها غير موجودة أساسا.يضيع المصريون وقتهم فى المساومات مع بريطانيا التى تسعى من خلال المفاوضات لكسب الوقت ونشر الخلافات.
وتجد دعوتهم إلى القومية والوطنية استجابة من بعض المصريين المخلصين وهم يحاولون بذر الحقد والشك والحزازات بين الشعبي المصرى والبريطانى اللذين ارتبطا بصداقة وصلات من أجل مصالحهما المتبادلة ويتوجه السفير البريطانى للقاء رئيس وزراء مصر بالنيابة عبد القوى أحمد باشا ليلفت نظره إلى مقال البنا:
بصرف النظر عن الرعونة الواضحة فى حث الموظفين على ترك المؤسسات الإنجليزية فى الوقت الذى تحاول فيها السلطات المصرية حث تلك المؤسسات على تشكيل أكبر عدد ممكن من المصريين فإن مثل هذه الكتابات تعتبر تحريضا سافرا على الفوضى.
وسأكون مسرورا حين أعرف الإجراء الذى ستتخذه الحكومة المصرية لقمع هذه الكتابات وملاحقة ما ينجم عنها من آثار ...نفى عبد القوى أحمد باشا أنه اطلع على هذا المقال

وقال:

اتفق معك فى أنه مقال خطير وسأتشاور فورا بشأنه مع وكيل وزارة الداخلية.وتعد صحيفة الإخوان الرأى العام المصرى لاحتمالات فشل المفاوضات

كتب البنا قائلا:

"ستكشف الحوادث والأيام عن الفارق البعيد بين أحلاس الأندية وعباد المساجد.ولن يقف شئ فى سبيل العاملين والمجاهدين فليراقب صدقى باشا المعاهد والمساجد أو ليدعها فسيقام للعمل فى كل قلب , محراب وسيجد المجاهدون إلى جهادهم ألف باب"!

وطلب البنا إلى الإخوان المسلمين تلاوة دعاء عقب كل صلاة تقول كلمات الدعاء .

" اللهم أن أولئك الغاضبين من بريطانيا احتلوا أرضنا وجحدوا حقنا وطغوا فى البلاد وأكثروا فيها الفساد.اللهم رد عنا كيدهم وقل حدهم, وفرق جمعهم وخذهم ومن ناصرهم أو أعانهم أو هادنهم أو وادّهم أخذ عزيز مقتدر".

قال صحيفة التايمس البريطانية:

"إن إحدى المجموعات الرئيسية المعارضة لبريطانيا فى مصر : الإخوان المسلمون. وهم كما يقول مرشدهم العام ليسوا سياسيين بل هم ببساطة وطنيون يعملون لخير مصر واستعادة حقوقها المغتصبة.
والشيخ البنا سياسى كفء وجماعته جيدة التنظيم لها فروع فى مصر كلها وانتشرت فى الدول العربية المجاورة وهم يعتقدون أن البريطانيين عدوانيون وامبرياليون وأن بريطانيا لا تزال ترغب فى السيطرة على الشرق الأوسط"

فى لندن رأى صدقى أن المفاوضات لن تنتهى إلى شئ فقال لبيفن إن بروتوكول السودان المقترح ضمن المعاهدة لن يفيد الموقف العسكرى البريطانى أو نظام الإدارة الحالى فى السودان وستبقى أوضاع السودان كما هى الآن رغم إقرار وحدة البلدين تحت تاج مصر المشترك.وكرر إبراهيم عبد الهادي وزير الخارجية ذلك للإنجليز . فوافقوا على بروتوكول السودان يوم 24 أكتوبر.

واستمرت المفاوضات بين الوفد البريطانى والمصرى حتى التاسعة والربع من مساء اليوم التالى – 25 من أكتوبر 1946 – عندما وقع الجانبان بالأحرف الأولى مشروع المعاهدة الجديدة للمساعدة المتبادلة وبروتوكول السودان بفندق كلاريدج حيث إسماعيل صدقي.

وكانت المعاهدة تحمل توقيعات صدقى وبيفن وإبراهيم عبد الهادي وزير خارجية مصر واللورد ستانسجيت وزير الطيران المدنى والسير رونالد كامبل السفير البريطانى فى مصر.

نصت المعاهدة على إلغاء معاهدة 1936 والتشاور والتعاون الوثيق بين البلدين فى حالة الحرب وتكوين لجنة مشتركة للدفاع أما مدة المعاهدة فعشرون عاما ونصت المعاهدة على وحدة مصر والسودان تحت العرش المصرى المشترك على ان يبقى اتفاقية 1899 قائمة وتهيئة السودانيين لاختيار نظام الحكم مستقبلا أما مدة الجلاء فحددت على أساس إتمامه عن مصر خلال 3 سنوات قبل أول سبتمبر 1949 .وتقرر الجلاء عن القاهرة والإسكندرية والدلتا قبل 31 من مارس 1947

قال بيفن لصدقى:

لقد وعدتك أن أؤيد بحرارة هذا المشروع لدى مجلس الوزراء البريطانى فإذا لم يقره سأستقيل.والتقى بيفن بصدقى ثم همس فى أذنه. لقد اطلعت مجلس الوزراء على المشروع فوافق بصفة غير رسمية سأل بيفن رئيس وزراء مصر:
  • ماذا سيكون لقب الملك؟
أجاب صدقى:" ملك مصر والسودان .ز فإن اللقب السائد أيام الدولة العثمانية وهو خديو مصر وصاحب بلاد النوبة والدار فور وكردفان وسنار لا يتفق مع الأوضاع الحالية.لم يبد بيفن اعتراضا فإنه كان يعلم أن نص المعاهدة لا يتكلم إلا عن الوحدة بين مصر والسودان تحت التاج المشترك

خاصة وأن صدقى قال له صراحة أثناء المفاوضات:

" مصر لن تقف دون تحقيق استقلال السودان"

وفى الوقت نفسه كانت لنصوص تقول ببقاء اتفاقية سنة 1899.. أى بقاء الإدارة المشتركة فى السودان وهى إدارة فى حقيقتها بريطانيا فقط وليست مشتركة!لم يجد إسماعيل صدقى باشا رئيس وزراء مصر ما يفعله عندما وافق أرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا على أن يكون السودان تحت التاج المشترك إلا أن يتصل من لندن بالملك فاروق ليلا فى الإسكندرية ليقول له:

مبروك . ملك مصر والسودان.عاد إسماعيل صدقى إلى مصر يوم 26 من أكتوبر ومعه مشروع المعاهدة الجديد التى سميت " معاهدة صدقى بيفن".وسافر ارنست بيفن إلى واشنطن.

نسف صدقى مشروع المعاهدة لأنه أذاع أسرار الاتفاق وتكلم قبل الأوان! فى الطائرة أثناء رحلة العودة قال للصحفيين المرافقين له:

وعدتكم أنى سآتى لكم بالسودان وقد بررت بوعدى ووصل رئيس الوزراء إلى القاهرة فى ساعة متأخرة وكان مرهقا فى مباحثاته ولكنه كان سعيدا بالمعاهدة. سأله مراسل وكالة رويتر للأنباء عن نتائج رجلته فقال:
نجحت فى مهمتى تقررت الوحدة بين مصر والسودان تحت التاج المصرى بصفة نهائية.ولم يذكر صدقى باشا إصرار بيفن على حق السودان فى الحكم الذاتى وتقرير المصير!هاج مجلس العموم البريطانى وبالذات الأعضاء المحافظون ووجه سؤال رئيس الوزراء أجاب عنه كليمنت اتلى رئيس الوزراء فى اليوم التالى

قائلا:

إن الحكومة البريطانية لا تفكر فى إدخال أى تغيير على وضع السودان الحالى أو على الإدارة فيه.ورد أتلى على سؤال لعضو محافظ عن تصريحات صدقى وهل هى صحيحة

فقال:

يبدو لى أنها تصريحات مغرضة مضللة إذا قصد منها التعبير عن الوصول إلى اتفاق.إن الذى جرى لا يعدو أن يكون محادثات تمهيدية بحتة. وما نشر لا يغطى كل المسائل التى بحثت.. ولم نتفاوض على شئ بصفة نهائية ولا أريد أن أذكر كل التفاصيل فى هذه اللحظة.

وألح أوليفر ليتلتون الوزير السابق على أتلى أن يضيف شيئا فقال رئيس الوزراء:

أطمئن صديقى بأنه لن يكون هناك تغيير فى الوضع الحالى والإدارة الحالية فى السودان ولن يحول دون حق الشعب السودانى فى أن يقرر مصيره فى نهاية الأمر.
ولم يكن أرنست بيفن فى ذلك الوقت فى لندن ليتكلم... وتوقف نهائيا دور اللورد ستانسجيت فى المفاوضات.عادت الاضطرابات فى مصر واضطر إسماعيل صدقي إلى تأجيل موعد بدء الدراسة ... وعندما استؤنف الدراسة ... أوقفت مرة أخرى.

وأصدر الطلبة, من كل أحزاب المعارضة بيانات يطالبون فيها بإلغاء معاهدة 1936 وعرض القضية المصرية على مجلس الأمن.سافر البنا إلى الحج يوم 28 من أكتوبر واستمرت حملة الإخوان ضد صدقى وأحرقوا بعض محلات الأجانب ... واشتد المظاهرات وحوادث العنف ضد المعاهدة

وجمع الإخوان عرائض بمطالب الأمة قدموهما إلى الملك والجامعة العربية والأمم المتحدة فقبض رجال الشرطة على الإخوان الذين يجمعون ذه العرائض. وقالت أحزاب المعارضة وصحفها إن صدقى مسئول عن دماء الشهداء رأى إسماعيل صدقي أن يرد على هذا العنف بالاعتقالات ومصادرة الصحف ومقاومة من يرى فيهم نزعات شيوعية!

عندما اجتمع مجلس الوزارة البريطانى فى اليوم التالى الثلاثاء 29 من أكتوبر لم يكن بيفن من الحاضرين .. بل مثل وزارة الخارجية أورم سارجنت الوكيل الدائم لوزارة الخارجية.

رأس الاجتماع اتلى رئيس الوزراء وحضره 17 وزيرا منهم وزيرة واحدة فى ايلين ويلكنسون وزيرة التعليم .. وتولى شئون السكرتارية ثلاثة على رأسهم السكرتير العام لمجلس الوزراء السير ادوارد بريد جر.

ويقول النص الرسمى لمحضر الاجتماع

" أشار رئيس الوزراء كليمنت اتلى إلى التقرير الذى وزع عند عودة صدقى باشا إلى القاهرة عقب محادثاته مع وزير الخارجية فى لندن, والذى يقول بأن بريطانيا قبلت قيام وحدة بين مصر والسودان فى ظل التاج المصرى.ومن المؤسف أن مثل هذا التقرير غير الكامل, والسابق لأوانه يمكن أن يبنى على محادثات أجريت على أساس شخصى واستكشافى..
وغير ملزمة لأى من الحكومتين وكان من الواجب اعتبارها سرية والاتفاق المؤقت الذى نم التوصل إليه فى سياق هذه المناقشات لم يقتصر فى الواقع على مسالة السودان بل وحتى فى هذه المسألة لم يكنن مقصورا على بحث مشكلة السيادة إن الصيغة المقترحة لإبرام بروتوكول السودان فى الوقت الذى تعترف فيه بوحدة مصر والسودان تحت تاج واحد تعلن اعتزام الحكومتين على العمل معا لصالح السودانيين وتهيئتهم بشكل فعال للحكم الذاتى وتؤمن بشكل خاص استمرار الإدارة الحالية فى السودان , حتى يأتى الوقت الذى يصبح فيه السودانييون قادرين على ممارسة حقهم فى تقرير وضع بلادهم فى المستقبل.
وقال رئيس الوزراء إنه حاول فى البيان الذى ألقاه فى اليوم السابق أمام مجلس العموم أن يصحح الانطباع الذى خلقه ذلك التقرير المضلل الذى تم توزيعه فى القاهرة وأعرب عن أمله فى ألا يتسبب التقرير فى التأثير على آفاق التوصل إلى قرار مبكر ومرض لمفاوضات إعادة النظر فى المعاهدة الإنجليزية المصرية"

أكتفى مجلس الوزراء البريطانى بإصدار القرار التالى :

أحيط المجلس علما ببيان رئيس الوزراء " ومن هذا النص الرسمى للمحضر نجد أن اتلى لم ينكر الاتفاق على وحدة مصر والسودان تحت التاج المصرى المشترك.. ولكنه أ‘لن فى الوقت نفسه أن الإدارة الحالية للسودان مستمرة..
ورغم ذلك كله يمكن لمعاهدة صدقى بيفن أن يصدق عليها فى لندن وأن تستمر لولا أن الحركة ضدها تمت فى عدة اتجاهات فى وقت واحد وأهم العوامل المضادة كانت داخل هيئة المفاوضات المصرية نفسها.
وطلب مكرم عبيد بصفته عضوا فى الهيئة نم إبراهيم عبد الهادىء تفاصيل مفاوضات لندن فأبلغه شفويا بما جرى فنشرت ذلك صحيفة " المصرى" واستدعى مكرم عبيد المراسل البريطانى لوكالة الاسوشيتدبرس للأنباء وأعطاه صياغة دقيقة جدا لمشروع بروتوكول السودان!

وتوجه بوكر الوزير البريطانى المفوض فى القاهرة إلى إبراهيم عبد الهادي يسأله: قال وزير الخارجية:

ماذا أفعل بحق السماء مع مكرم , تعمدت إعطاء تفاصيل شفوية فحسب لأنى أعرف أنه سيسلم أى شئ مكتوب.

قال بوكر:

إن صدقى باشا , وليس مكرم باشا هو المسئول الأول وأخيرا عن هذا العمل الطائش المدمر.

بعث بوكر بنص هذا الحديث إلى لندن فى البرقية رقم 1625 ومنها يتضح أنه إذا كان صدقى اخطأ عندما أعلن أنه جاء بالسودان فإن أعضاء هيئة المفاوضات المصرية الذين ظلوا بالقاهرة تعمدوا إفشاء النتائج وفى مقدمة هؤلاء مكرم عبيد الذى كان يحقد على صدقى لأنه لم يشركه فى وزارته!

يوم الحريق

دعا صدقى أعضاء هيئة المفاوضات إلى الاجتماع يوم أول نوفمبر ليطلعهم على مشروع الاتفاق وتخلف رئيس الوزراء عن الحضور فقد عاد من لندن مريضا ودخل المستشفى لإجراء عملية جراحية فطلب إلى إبراهيم عبد الهادي باشا وزير الخارجية أن يرشح للأعضاء كل ما جرى فى لندن.

عاد إبراهيم عبد الهادي إلى صدقى فى المستشفى ليبلغه نتائج الاجتماع وموقف أعضاء هيئة المفاوضات .

قال إسماعيل صدقى فى مذكراته:

" تبين لى أن الزملاء فى غالبيتهم كانوا حريصين لا على استظهار مزايا المعاهدة الجديدة ولكن على التنقيب وراء ما يمكن أن يكون محلا للنقد .. وكانت مناقشات هيئة المفاوضات مظهرا من المظاهر المخيبة لآمال جميع التواقين إلى تصفية ما بين مصر وانجلترا من مشكلات طال أمد حلها.
ولما وصلنا إلى الحل اصطدمنا بالعراقيل والاعتراضات, وكلها غير ذات وزن يذكر أمام جدية النتائج التى وصلنا إليها.وأصبحنا فى حالة من أغرب ما يمكن أن يصادف بلدا يسعى إلى تحقيق أهدافه...فقد عمل البعض منا على تصوير مكاسبنا بصورة تثير الريب وتبلبل أفكار الواطنين".

وتجئ ذكرى وعد بلفور.ويوجه الإخوان والوفد الدعوة للشعب للتظاهر كما حدث قبل عام فيأمر صدقى بمنع المظاهرات, وتعلن الشرطة إجراءات الطوارئ وتقف لدوريات كل مكان فى حالة استعداد.

ويعتقل صدقى باشا يوم الجمعة أول نوفمبر أعضاء من الإخوان والوفد ونقابات عمال الترام, والأتوبيس الذين اضربوا عن العمل بهذه المناسبة ولا يستجيب الشعب لنداء الأحزاب بالتظاهر.وتفشل أيضا دعوة المحامين للإضراب والامتناع عن الحضور أمام المحاكم

أبرق السير هدلستون الحاكم البريطانى العام للسودان إلى لندن يوم 3 من نوفمبر يقول:

" تحطم الأمل فى موافقة الشعب على البروتوكول بسبب ما أعلنه صدقى عن السيادة المصرية على السودان لأن الشعب السودانى فسر ذلك بأنه الهيمنة والنفوذ المصرى".

وقال إنه طلب إلى الزعيمين السودانيين السيد عبد الرحمن المهدى والسيد على الميرغني إذاعة بيانين يطلبان فيهما من الشعب الهدوء وعدم التظاهر وأفاض الحاكم العام فى الحديث عن خطورة الموقف, وأن الموظفين السودانيين المحليين لن يتعاونوا مع الحكومة فسحبت الحكومة البريطانية كتيبة من قواتها من فلسطين ونقلتها بالطائرات إلى الخرطوم لمنع المظاهرات التى يتوقعها الحاكم البريطانى!

وطلب الحاكم العام بعد ذلك السماح له بالسفر إلى لندن لعرض الموقف شخصيا.. ووصل يوم 9 من نوفمبر ليبلغ الحكومة بأن هناك احتملا لاستخدام القوة لحفظ المن إذ أقر البروتوكول لأن السودانيين سيفقدون الثقة فى حسن نوايا الحكومة البريطانية.

وقال:

إنني مستعد لاستئناف عملى كحاكم عام وأنفذ البروتوكول إذا رغبت الحكومة البريطانية فى ذلك.

ويجتمع مجلس الوزراء البريطانى مرة أخرى صباح الخميس 14 من نوفمبر لبحث الموقف ... وتخلف عن الحضور أرنست بيفن الذى كان يحضر اجتماعات الأمم المتحدة فى نيويورك.

ومن سوء حظ صدقى ومعاهدته أن بيفن كان بعيدا عن لندن ولذلك لم يستطيع وقف التيار البريطانى المعادى للمعاهدة فى لندن والخرطوم أو يعمل على بقاء المعاهدة التى أجرى شخصيا مفاوضتها!وهذا نص محضر اجتماع مجلس وزراء بريطانيا عندما وصل إلى المسألة الثالثة فى جدول الأعمال وهى المسألة المصرية."

قال رئيس الوزراء كلمنت الى إن الاعلان السابق لأوانه فى القاهرة عن معلومات جزئية بشأن بروتوكول السودان والمعاهدة الإنجليزية المصرية المقترحة أثر بشكل خطير على إمكان إقناع السودانيين بقبول البروتوكول.

وقد عاد الحاكم للسودان إلى لندن كى يعطى للحكومة صورة للمشاعر التى أثارها الإعلان فى السودان وهو يعتقد أنه فى حالة صدور هذا الاعتراف الرسمى بسيادة مصر على السودان فسيتطلب الأمر استخدام القوة للحفاظ على النظام العام وتضيع بين ليلة وضحاها كل الثقة المتحصلة من خمسين عاما من التعاون بين البريطانيين والسودانيين!

إن العديد من الموظفين السودانيين فى الإدارة سيستقلون ويجب أن يستقل بعض الموظفين البريطانيين أيضا وعلى أسوأ الاحتمالات لابد أن تحدث مذابح وفوضى واسعة.وطالب الحاكم العام مجلس الوزراء قبل أن يتخذ قراره النهائى أن يدرك التغيير فى الموقف الذى سببه هذا الإعلان فى القاهرة.

قال حاكم السودان أيضا أنه حتى فى ظروف متغيرو لا يمكنه أن يقر البنود الخاصة بالسيادة المصرية على السودان فى البروتوكول.

أما أذا قرر مجلس الوزراء أن يمضى قدما فى البروتوكول وظل أى هدلستون مستمرا كحاكم عام فإنه مستعد لذلك . وسيستخدم تأثيره الشخصى للتقليل من هذه المشاعر فى السودان ولتخفيف حجم القوة المطلوبة للحفاظ على النظام العام,

وأظهرت المناقشة أن رأى المجلس يقول بأنه على الرغم من ردود الفعل المحتملة فى السودان فإننا يجب ألا نتراجع عن التفاهم الذى تم التوصل إليه مع صدقى باشا بشأن بروتوكول السودان , ومن المحتمل تماما أن تقبل الحكومة المصرية خلال الأيام القليلة القادمة آخر المقترحات الخاصة بالمعاهدة الإنجليزية المصرية.

ومن الأهمية البالغة ألا يحدث شئ فى هذه المرحلة من شأنه أن يؤثر على هذه الاحتمالات الطيبة.وبالإضافة إلى الإجراءات طويلة المدى لدفع تقدم السودانيين إلى الحكم الذاتى لابد من اتخاذ إجراءات فورية لإزالة مخاوف السودانيين"

كان هدف الحاكم العام إثارة الرعب فى قلوب الوزراء البريطانيين فإن برقياته وبياناته أقنعت الوزارة بأن ثورة عنيفة ستقوم فى السودان نتيجة اتفاقية صدقى -بيفن!

ولذلك بحث مجلس الوزارة البريطانى عن صيغة ملتوية تمكنه من التنصل من النص الذى يقول بأن السودان يكون تحت التاج المشترك لمصر والسودان معا. وفى إطار هذه المحاولة طرح المجتمعون كما هو وارد فى محضر اجتماع المجلس اقتراحا

قالوا فيه:

" يمكن أن تأتى ببعض الزعماء أو الأحزاب السياسية فى السودان إلى لندن حتى نرضيهم أولا ونؤكد لهم رغبة حكومة صاحب الجلالة فى التمكين السودانيين من تحقيق الحكم الذاتى.
ورغم أنه قد يكون من قبيل التسرع أن نوجه مثل هذه الدعوات قبل أن تصل الحكومة المصرية إلى قرارها بشأن المعاهدة ويمكن عمل بعض الترتيبات الأولية على الفور. حتى يمكن توجيه الدعوات بمجرد إعلان الحكومة المصرية لقرارها.
وأكثر من ذلك يمكن لرئيس الوزراء أن يبعث الحاكم العام فى السودان برسالة يؤكد فيها أن الحكومة بحثت الصورة التى قدمها وأنها واثقة أن الوضع فى السودان مؤمن تماما.
ولابد أن يكون هذه الرسالة منفصلة عن الخطاب الشخصى الذى قرر رئيس الوزراء إرساله, وبالفعل على الحاكم يدعوه فيه إلى الاستمرار فى منصبه رغم تفهمه للأثر الذى تركته بنود السيادة فى برتوكول السودان
وقرر مجلس الوزراء البريطانى:
  1. إقرار توصية رئيس الوزراء – بأنه رغم ردود الفعل المحتملة فى السودان يجب ألا نتراجع عن التافهم مع صدقى باشا بشأن بروتوكول السودان والمعاهدة الإنجليزية المصرية الجديدة
  2. مطالبة وزير الخارجية بتحضير ترتيبات أولية لدعوة زعماء الأحزاب السياسية فى السودان لزيارة بريطانيا.
  3. أحيط المجلس علما بأن رئيس الوزراء سيطلب من الحاكم العام للسودان الاستمرار فى منصبه وسيرسل إليه وزير الخارجية خطابا يمكن أن يعرضه على العاملين البريطانيين فى الحكومة يشرح لهم الأسباب التى دعت حكومة صاحب الجلالة للاعتراف بالدعاوى المصرية فيا يتعلق بالسودان ويقرر الخطاب عدم تعريض وضع الموظفين البريطانيين للخطر".

وكتب كلمنت اتلى رئيس وزراء بريطانيا رسالة شخصية إلى الحاكم العام قال فيها إن الموقف لن يتغير فى السودان وسيستمر إعداد السودانيين لاختيار مستقبلهم ولا يتضمن البروتوكول نصا بمنع السودانيين من الاستقلال.

وطلب رئيس الوزراء إلى الحاكم العام أن يطلع بعض زعماء السودان على هذا الخطاب بصفة شخصية.وكتب وزير خارجية بريطانيا رسالة أخرى مماثلة للحاكم العام ليطلع عليها الموظفون البريطانيون فى حكومة السودان.

وجدت الحكومة البريطانية نفسها مضطرة إلى أن تطلب من إسماعيل صدقى أن يرفق بالبروتوكول عند توقيع المعاهدة رسالتين متبادلتين حول الاتفاق الشفهى بشأن السودان تبيان أن التاج المصرى شئ, والإدارة البريطانية للسودان شئ آخر , وإن الإدارة البريطانية للسودان ستستمر رغم التاج المصرى!

وأبرقت وزارة الخارجية البريطانية بذلك إلى بيفن الذى كان يحضر فى نيويورك اجتماعات الأمم المتحدة.ويحذر القائم بالأعمال البريطانى وزير خارجية مصر من أن تفسير الصحف المصرية للبروتوكول يتعارض مع الاتفاق الشفهى بين بيفن وصدقى.

رأى إسماعيل صدقي أن يرد بحسم على هذه المذكرات والتحذيرات المتتابعة طلب إلى عبد الفتاح عمرو باشا السفير المصرى فى لندن أن يناقش الموضوع برمته مع وزارة الخارجية البريطانية.

قال عمرو باشا للمسئولين فى الوزارة

إذا أصرت الحكومة البريطانية على تبادل الرسائل بين الحكومتين المصرية والبريطانية عند توقيع المعاهدة والتى تشير إلى حق السودانيين فى الانفصال عن مصر فغن المعاهدة لن تمر وستسقط.

وأبرقت وزارة الخارجية البريطانية بذلك إلى بيفن فى نيويورك.

أوعز صدقى إلى الصحف المصرية أن تنشر مذكرته التى وزعها على هيئة المفاوضات وتتضمن أن بروتكول السودان لا يمنح السودانيين حقا فى الانفصال عن مصر.

احتج القائم بالأعمال البريطانى على النشر لدى وزير خارجية مصر قائلا:

من حق السودان أن يقرر مصيره بما فى ذلك الاستقلال عندما يحين الوقت المناسب.

ابدى إبراهيم عبد الهادي باشا وزير الخارجية أسفه قائلا:

كان لابد من ذلك للوقوف فى مواجهة المعارضة وتفسيراتها المسمومة للمعاهدة

وقال صدقى لجميس بوكر القائم بالأعمال البريطانى:

هذا للإستهلاك المحلى.. ولا تأخذوا تصريحاتى لصحافة مصر.... بجدية!

اجتمعت هيئة المفاوضات المصرية ثلاث ساعات ونصف الساعة لبحث مشروع المعاهدة لم تستطيع خلالها الوصول إلى اتفاق , وقدم سبعة من الأعضاء استقالاتهم معلنين رفضهم للمعاهدة, وأذاعوا فى الصحف بيانا بأسباب معارضتهم وهى سابقة لم تحدث فى أية مفاوضات مصرية .. مع الإنجليز

رد صدقى بمرسوم ملكى بحل هيئة المفاوضات بعد ساعات من صدور بيان الأعضاء السبعة.اختار الإخوان يوم استقالة الأعضاء السبعة 25 من نوفمبر ليكون يوم الحريق أذاع المركز العام للجماعة البيان التالى:

" تنفيذا لقرار المركز العام للإخوان المسلمين فى 20 من أكتوبر أخذ شباب الأمة فى القاهرة ومدن الملكة المصرية يودعون من ذلك اليوم مالديهم من مجلات وجرائد وروايات انجليزية فى أقرب شعبة من شعب الإخوان.
ولما تجمع من ذلك القدر العظيم فى جميع أنحاء القطر أحرقت هذه المطبوعات مساء أمس فى الميادين العامة بالقاهرة وأمهات القطر المصرى وبلاد الأقاليم فى آن واحد"

ويقوم الإخوان بمظاهرات شملت حسب بيان وزارة الداخلية عدة مناطق اعتدوا خلالها بالحجارة على واجهات بعض المتاجر فى شارع فؤاد الأول وشارع شبرا كما اعتدوا على مركبات الترام.

يعود صدقى القوى رجل الثلاثينات

إنه يهاجم دور الإخوان بالإسكندرية ويفتش البيوت ويعتقل 56 من أعضاء الجماعة بالإسكندرية , ويكون بين المعتقلين مصطفي مؤمن زعيم طلبة الإخوان الذى كان يدعوا للتهدئة فى أوائل حكم صدقى!

وترد صحيفة الإخوان

" عمد صدقى إلى أسلوبه القديم ناسيا أنه استغفر منه وأناب فى مجلس النواب فها أنت ترى كيف يصادر الاجتماعات . فهذه المعاهد والكليات والطريق الموصلة إليها والميادين القريبة منها أشبه ما تكون بميدان حرب حشدت فيه القوات المدرعة والسيارات المصفحة والمدافع المصوبة والبنادق والحراب بل ليت الأمر وقف عند حد الإرهاب وحرب الأعصاب.
بل هذه السجون امتلأت بالطلبة الأطهار الأبرياء والمجاهدين من شباب الأمة.ليرسل صدقى باشا بالأحرار إلى أعماق السجون ليفعل صدقى ما أراد ولتفعل القوة ما تشاء , فسيواصل المجاهدون جهادهم حتى يتحقق للوطن ما يريد والله غالب على أمره وليعلمن نبأه بعد حين.

مضت الأيام والشهور وطالت المفاوضات فإذا بكل ذلك يتمخض عن مشروع معاهدة عرجاء قال فيها أحد المفاوضين " إنها احتلال سافر للبلاد وفضل نهائى لشطرى الوادى وتكبيل الوطن بقيود وأغلال دونها أغلال معاهدة سنة 1936.."!

وأذاعت وزارة الداخلية بيانا أعلنت فيه

" أن بعض المنتمين إلى جمعية الإخوان المسلمين فى مدينة القاهرة ومعهم الغوغاء قاموا بعمل مظاهرات متفرقة فى أنحاء مختلفة من المدينة واعتدوا بإلقاء الأحجار على واجهات بعض المتاجر بشارع فؤاد الأول وشارع شبرا كما اعتدوا على مركبات الترام وصف الدكتور محمد حسين هيكل تلك الأيام

فقال:

"أدت هذه الأحوال مجتمعة إلى تبلبل الأفكار وشيوع القلق واضطراب طلاب الجامعة وتعدى الأمر إلى أعمال اجرامية منكرة.وكانت القنابل تلقى فى غسق الليل فى الشوارع. أو فى أحياء تجارية فيذيع تفجيرها فى النفوس الرعب والفزع . وألقيت قنابل أمام مساكن مأهولة فأحدثت من الأضرار ما زاد الناس رعبا وهلعا وتعددت هذه الحوادث وجعلت الناس فى العاصمة وفى الأقاليم يشعرون بأن الوزارة عاجزة عن حفظ الأمن".

استدعى السير أورم سارجنت الوكيل الدائم للخارجية البريطانية السفير المصرى عبد الفتاح عمرو وأبلغه إصرار بريطانيا على تبادل رسائل مع صدقى تلحق بالمعاهدة يوم توقيعها وتتضمن ما يأتى. بروتوكول السودان لا يغير الأوضاع فى السودان. يقرر السودانيون فى الوقت المناسب مصيرهم بما فى ذلك حقهم فى الاستقلال عندما يصبحون أهلا لذلك.

تدافع بريطانيا عن السودان بالقوات والتسهيلات التى يتطلبها الموقف من حق القوات البريطانية الانتقال والطيران فوق مصر أثناء فترة الجلاء وبعد ذلك يناقش الأمر بين الحكومتين للوصول إلى اتفاق فى المستقبل

أجاب السفير المصرى:

الإصرار على ذلك سيؤدى إلى فشل أى فرصة لإقرار المعاهدة وتتطور الأمور بسرعة غير عادية يوافق مجلس الوزراء المصرى على المعاهدة ويلتقى حسن يوسف رئيس الديوان الملكى بالنيابة بحسين سرى باشا رئيس الوزراء السابق وعضو هيئة المفاوضات.

قال سرى باشا:

من الإجرام أن تضيع فرصة التوقيع على معاهدة بهذه الشروط

ولكنه استطرد قائلا:

مادام البريطانيون وافقوا على الكثير فمن الوطنية أن يطلب المصريون ما هو أكثر.

سأله حسن يوسف:

كيف يمكن عمل ذلك؟ وهل يعود صدقى مرة أخرى إلى لندن ليطلب المزيد؟

قال سرى: إذا لم يذهب صدقى فربما يذهب أى شخص آخر .... أى سرى باشا !!

وقال على ماهر لصدقى باشا:أؤيد المقترحات ولكنى فى الاجتماع أعرضها.فسر حسن يوسف باشا وكيل الديوان الملكى للسفير البريطانى موقف أعضاء هيئة المفاوضات .

قال:

الملك ليس مستعدا لدفع الثمن الذى طلبه على ماهر نظير التأييد وايد لطفى السيد.. صدقى عندما كان وزيرا للخارجية ثم نائبا لرئيس الوزراء ولكن بعد خروجه من الوزارة انضم للمعارضة ولم يوضح أسباب معارضته عدا قوله أن البلاد تعارضها .
وتجنب لطفى السيد كما تقول برقيات السفير البريطانى التوقيع على بيان أعضاء هيئة المفاوضات المعارضين لكنه كان غامضا ومترددا عندما أضاف الآخرون اسمه فى النهاية عندما نشروا بيانهم!..

ويقدم صدقى باشا إلى مجس النواب مشروع المعاهدة والبروتوكولات مؤكدا انه لا توجد وثائق أخرى سرية.ويقرر المجلس يوم 26 من نوفمبر الثقة بالحكومة ويبلغ توفيق دوس باشا عضو مجلس الشيوخ السير والترس مارت وزير المفوض البريطانى للشئون الشرقية بالسفارة البريطانية ما دار فى الجلسة السرية للمجلس

قال عن السكرتير العام للوفد:

اعترف صبرى أبو علم باشا بأن المشروع المصرى للمعاهدة مشروع جيد ولكن الوفد انتقد صدقى باشا على أساس أنه يأخذ موضوع الجلاء باعتباره قضية مسلما بها بينما تصريحات اتلى وبيفن تنبئ أنه فى حالة انهيار المفاوضات فأنهما يقترحان العودة إلى معاهدة 1936.
وأشار صدقى باشا إلى أنه لا مصلحة للمصريين فى توجيه اهتمام التصريحات الصادرة عن الجانب الآخر بل مصلحتهم الوقوف بحزم لتأييد فكرة ان الجلاء أصبح قضية مفروغا منها.قابل المجلس هذا الرأى بالتصفيق..

رفض حزب الوفد التصويت على قرار المجلس الذى يؤيد صدقى باشا ومع ذلك كان واضحا أن الوفد لن يكون فى وسعه معارضة المعاهدة وطلب إلى صدقى باشا أن يتعهد بتقديم مشروع المعاهدة النهائى أماما المجلس لإقراره قبل التوقيع النهائى عليها.

رفض صدقى باشا ذلك على أساس أن إبرام المعاهدات من أعمال السلطة التنفيذية وإذا كان ثمة مجال لإدخال تعديلات على الموقف المصرى فإنه على استعداد لطرح هذه النقاط أما الأعضاء قبل اتخاذ قرار بشأنها وأكد توفيق دوس أن حافظ رمضان ألقى خطابا قويا أثنى فيه على موقف صدقى باشا.

وذكر توفيق دوس أنه لم يتعارض المشروع المصرى للمعاهدة سوى عضو واحد متطرف من أعضاء الحزب الوطني على أساس البدء الدائم للحزب وهو لا مفاوضة إلا بعد الجلاء.ويبلغ السفير المصرى وزارة الخارجية البريطانية بأن صدقى أصبح مخولا لتوقيع المعاهدة بعد حل هيئة المفاوضات.

ولم يعرف ابدا ما إذا كان صدقى قد تعهد فى لندن باستمرار الوضع القائم فى السودان أو أن بيفن تراجع عن موقفه وعلى أية حال فإن إسماعيل صدقي رئيس وزراء مصر بخطواته لتالية أراد أن يضع الإنجليز والسودان أمام الأمر الواقع.

ولكن العقبات استمرت توضع فى طريق السياسى المصرى الداهية! طلب عبد الرحمن المهدى باشا زعيم الاستقلاليين فى السودان السماح له بالسفر إلى لندن ليشرح موقف حزب الأمة من البروتوكولات فوافق الحاكم العام والحكومة البريطانية بينما أعلن السيد على الميرغنى زعيم الختمية أنه لن يتجه إلى لندن.

وقبل مغادرته الخرطوم توجه المهدى لزيارة الميرغنى لول مرة منذ سنوات وأعلن المهدى فى بيان للشعب أنه سيطلب من دولتى الحكم الثنائى إنهاء الإدارة الحالية للسودان والاعتراف بسيادة البلاد وتشكيل حكومة انتقالية تمهد الطريق للحكم الديمقراطي.

ويلتقى المهدى فى لندن يوم 27 من نوفمبر برئيس الوزراء وفى 5 من ديسمبر التقى بوزير الدولة ثم اجتمع ببفين بعد عودته من نيويورك أبلغ المسئولون البريطانيون الزعيم السودانى بأن الوحدة المصرية السودانية تحت التاج المشترك لا تعير الموقف فى السودان وأن الحاكم العام سيقاوم أى محاولة مصرية لإدارة البلاد.

ويغلق صدقى جامعتى القاهرة والإسكندرية بعد إضراب الطلبة ومظاهراتهم ويلتقى فى القاهرة رئيس أركان حرب القوات البريطانية بالملك فاروق فى اليوم ذاته 28 من نوفمبر

قال فاروق

سيتم الاتفاق على المعاهدة والتصديق عليها من جانب جميع الأطراف المعنية قبل نهاية العام وستمر مصر بفترة توتر بالغ تصحبها محاولات لاغتيال المسئولين عن المعاهدة .. وستخمد بعد شهرين أو ثلاثة . ولكن البوليس والجيش المصرى سيكونان قادرين على معالجة الأمر

وأضاف فاروق :

هدفى الرئيسى الآن الحفاظ على حياة صدقى الذى ساءت صحته بدرجة كبيرة وربما يموت فى أى وقت أو يغتال.ولا أرى أمامى فى الوقت الحاضر خليفة لصدقى أبرق الفيلد مارشال إلى لندن

يقول:

" الملك فاروق يعتبر بريطانيا الدولة الحيدة الراسخة التى تشكل صلب المقاومة للتهديدات الروسية وهو حريص على احتفاظ بصداقتنا".ولا يعود السير هدلستون حاكم السودان العام إلى الخرطوم مباشرة بل يتوقف فى القاهرة ويكتب السفير البريطانى إلى لندن يوم 30 من نوفمبر
يحاول صدقى إقناعى بضرورة الإسراع بتوقيع المعاهدة ولا يزال السير هيوبرت هادلستون فى القاهرة.وقد رتبت انتقاله مع زوجته إلى منزلى لأن رجال الأمن غير مرتاحين لاستمرار إقامتهما فى فندق " شبرد" وموقف هادلستون يتلخص فى أنه مهما كانت الصيغة المستخدمة فى خطاب رئيس وزراء بريطانيا فإن السودانيين سيطلبون منه إجابة محددة بنعم أولا على السؤال الخاص بالبروتوكول السودانى وهل يعطيهم حق الانفصال عن مصر أم لا.
ومالم تكن لديه سلطة الإجابة بنعم فإن موقفه سيكون مستحيلا وأخشى أنه سيثير عند عودته إلى الخرطوم وحاولت أن أجعله يواجه هذا الموضوع بطريقة أقل جمودا وأمس نتيجة لحديث مع رئيس أركان حرب الإمبراطورية الجنرال ديسى طلبت من الجنرال أن يلتقى بهادلستون ويقنعه بأنه يستطيع بسلطته الواسعة فى السودان أن يقنع السودانيين بان يمنحوه ثقتهم فى المستقبل دون طرح مزيد من الأسئلة.
وأخشى ألا يكون لهذه المجهودات سوى تأثير قليل على هادلستون فهو يرى أنه متى تمت الموافقة على الاعتراف بالسيادة . وما لم يسلم بحق السودانيين فى اختيار الاستقلال فإن الدوران حول هذه النقطة سيسحب من تحت أقدامه ما بقى من الأرض التى يقف عليها.
ومن الصعب عليكم أن تتحملوا هذا الصداع الإضافي فى المرحلة الحرجة من المفاوضات حول المعاهدة. وأتمنى لو أستطيع تقديم مساعدة أكبر "

ومن هذه البرقية تتضح حقيقة تساند صدقى وهى ان حاكم السودان العام لم يتلق تعليمات واضحة بأن يبلغ السودانيين حقهم فى الاستقلال!

اشتدت المظاهرات بعف ضد صدقى والمعاهدة يوم 2 من ديسمبر وألقيت القنابل فى وقت واحد على ستة من أقسام الشرطة بالقاهرة وقنبلة على منزل الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين.

حاصر صدقى مقر جماعة الإخوان ومطبعتها وصحيفتها ومستوصفها وبيوت زعمائها وفتشها ومنع الاجتماعات فى مقار الإخوان وأغلق المركز العام واعتقل أحمد السكري وكيل الجماعة فأخذ الإخوان يجتمعون فى البيوت ورصد 3000 جنيه لمن يرشد عن المتهم فى حادث قنبلة منزل الدكتور هيكل واعتقل رئيس صحيفة الجماعة. ومنع الصحف من نشر أنباء المظاهرات والإضرابات

ويكتب السفير البريطانى إلى لندن:

" يقف الطلاب فى مقدمة الأنشطة المضادة لبريطانيا حيث يقوم الوفد والإخوان ومصر الفتاة بتنظيمهم للقيام بهذه الأنشطة.ولسوء الحظ فإن مظاهرات الطلبة تجذب إليها أعداد من اللصوص والمجرمين وهؤلاء هم المسئولون عن أعمال النهب والحرائق التى تأتى عادة بعد المظاهرات السياسية".

ويستدعى السير اورم سارجنت وكيل الخارجية البريطانية الدائم عبد الفتاح عمرو باشا يوم 6 من ديسمبر ليبلغه ما يشبه الانذار باسم ارنست بيفن.قدم سار جنت إلى عمرو مذكرة تنص على تبادل رسالتين بين بيفن وصدقى تفسران ما اتفق عليه مع صدقى بشأن بروتوكول السودان وقد صيغت عبارات الرسالتين بأسلوب يقبله صدقى.

وقال سار جنت:

إذا لم يفعل صدقى ذلك فسيضطر مستر بيفن إلى أن يعلن فى مجلس العموم بعد التوقيع على المعاهدة تفسيرا واضحا بشان بروتو كول السودان وان التاج المصرى لمشترك أدخل على البروتوكول كاعتراف رمزى بسيادة مصر على السودان لا " كفرامل" لوقف عجلة تقدم السودان.
ولا تمنع الحكومة البريطانية السودانيين من تقرير مصيرهم.ويؤكد بروتوكول السودان الأوضاع الحاضرة ولا يغيرها وستظل بريطانيا تدافع عن السودان بكل الوسائل والتسهيلات الضرورية وفى اليوم التالى يصل إلى الخرطوم هادلستون فيذيع بيانا علنيا على الشعب يتضمن ما جاء فى خطاب اتلى السرى إلى الحاكم العام!
ولم يكن هادلستون مخولا بذلك بل أنه أراد نسف المعاهدة والبروتوكول ويستقبل صدقى بمرارة وأسى وأسف بيان الحاكم العام وتصدر الحكومة المصرية بيانا يوم 8 نم ديسمبر تعلن فيه أن الحاكم العام يمثل الحكومتين البريطانية وأنه سمح لنفسه بإصدار بيان يمثل حكومة واحدة وأن هذا البيان لم يطلع عليه رئيس وزراء مصر ولم يقره! وجد إسماعيل صدقى نفسه فى موقف حرج
إن ملك مصر والسودان مجرد اسم ورمز وشعار وسينسلخ السودان عن مصر وعليه أن على صدقى أن يختار فإما أن يقبل ذلك ويوافق على أن تكون معاهدة صدقى – بيفن للجلاء عن مصر فحسب وهو ما علته ثورة 23 يوليو بعد ذلك أم يخلى الميدان السياسى.ولكن صدقى رأى أن يسجل موقفه للتاريخ

رد على المذكرة البريطانية فرفض شروطها جميعا. ورفض أن يتبادل الرسائل مع بيفن أو يوافق على أن يدلى وزير خارجية بريطانيا ببيان فى مجلس العموم عن بروتوكول السودان ثم قدم إسماعيل صدقى فى نفس اليوم 8 ديسمبر استقالته لسوء صحته فقد أرهق الرجل من كثرة ما رأى وناضل وعانى أيضا

قال الإنجليز فى تقاريرهم السرية:

إن الملك فاروق طلب من صدقى الاستقالة بعد أن توترت علاقته مع الحكومة البريطانية ولم يعد ممكنا الوصول إلى معاهدة ولكن حسن يوسف باشا قال لى أصر صدقى على الاستقالة وألححت عليه باسم الملك فى لإبقاء ولم يعد صدقى للحكم أبدا, ولكن عرف شعب مصر بعد ذلك. مزايا المعاهدة والفرص التى ضاعت على مصر نتيجة عدم إبرامها ولم يخسر صدقى بخروجه من الحكم.
ولكن البنا خسر كثيرا بعدم وقوفه مع صدقى .. وربما يكون الخطأ من جانب صدقى لأنه لم يطلع الإخوان على حقيقة الأمور .لقد جرف تيار المعارضة الإخوان المسلمين فانضموا دون اتفاق إلى الوفد يعرضون صدقى ويركبون الموجة الشعبية التى تطالب بالتطرف وبالشعارات لأنهم مثل الأعضاء السبعة فى هيئة المفاوضات خافوا على مستقبلهم إذا ظلوا مرتبطين برئيس وزراء له ماض يكرهه الشعب.
  • ويبقى السؤال: هل كان البنا والإخوان يقفون مع صدقى إذا عرفوا الموقف الحقيقى؟
من الواضح أن المرشد العام لم يستطع فى تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر , وتاريخ الإخوان أن يمثل القوة السياسية التى تحقق التوازن فى السياسة المصرية.
وكان مستحيلا على الملك أن يثق فى الإخوان المسلمين الذين ساهموا كثيرا فى فشل مشروع المعاهدة.وكان الإخوان يفقدون حلفاءهم واحدا بعد الآخر.
وجاء النقراشي ليتولى رئاسة الوزارة وبينه وبين الإخوان عداء قديم ! وكان مستحيلا على النقراشي خليفة صدقى فى رئاسة الوزارة أن يثق فى الإخوان أو يثق فى المرشد العام ... بعد الحريق!

مات الوكلاء والموكلون

رشح إسماعيل صدقي لرئاسة الوزارة بدلا منه , محمود فهمى النقراشى باشا فألف وزارته فى 9 من ديسمبر 1946 من 12 وزيرا تصفهم من حزبه " السعديين" والنصف الآخر من الأحرار الدستوريين. واحتفظ النقراشي لنفسه بوزارتى السير رونالد كامبل فى النقراشي عن رأى السفير السابق اللورد كيلرن.

كتب رونالد كامبل إلى لندن يقول:

" النقراشي رجل ضيق الأفق وعنيد. وبدأ حياته العملية مدرسا وهو ينفى بصورة قاطعة اشتراكه فى قضية اغتيال السردار السيرلى ستاك ولكن كثيرا من البريطانيين لا يبرئونه من هذه الجريمة ويعتبرونه متورطا فى كثير من جرائم القتل.
ويمكن أن يصبح دموى المزاج إذا اختلف معنا وسيكون تواقا إلى إلقاء المسئولية علينا.وهو عديم الخيال على مائدة المفاوضات يفتقر إلى المرونة ولا يستجيب إلى الأفكار الجديدة".

وقال الإنجليز إنه فى منصبه وعمله الجديد زعيم قوى ولكنه فى نظرهم يظل قاتلا يرتدى زيا آخر"!

ويكتب بنكنى تاك القائم بالأعمال الأمريكى إلى واشنطن:

"طموح النقراشي الوحيد يتركز فى انه يريد أن يدخل التاريخ باعتباره الرجل الوحيد الذى أخرج الإنجليز من مصر".

ولكن الإنجليز والأمريكيين أجمعوا على أن رئيس الوزراء الجديد " رجل أمين لا يكذب".

وتطلب السفارة البريطانية إلى الإنجليز من أصدقاء النقراشي أن يبعثوا إليها بتقارير عن أرائهم فى رئيس الوزراء الجديد.

قال أحد هذه التقارير:

" النقراشي مهيأ ضد أى إحساس بالفشل بفضل شعور داخلى غريزى بأنه قد يكون من الأفضل بالنسبة لمصر على المدى الطويل أن تكافح لتستمر وأن تضحى لتبنى.
وهو مخلص لمبدأ تكوين أمة مصرية ولكنه يدرك أن المادة التى ستتطون منهم هذه الأمة ليس فيها روح ولا تتمتع بأية كفاءة ومن ثم لديه قناعة بأنه من الواجب توعية المصريين بالقضية والكفاح والحاجة غلى التضحية .
وهو يرى تلك الحقائق بالأحرف الكبيرة وبالأضواء الساطعة وعلى مدى حياته العملية كان عنيف التصرف وعاطفى التفكير وهو يبرز الدور الذى قام به أيا كان هذا الدور على أساس الحجة القائلة بأن مصر لا يمكن أن تنهض من سباتها العميق إلا عن طريق أ‘مال الإثارة العنيفة ويجب أن تفوز بحريتها كجائزة لا كمنحة!
ويصل إعجابه بسعد زغلول باشا إلى درجة أسطورية وعندما جاء بعده مصطفي النحاس باشا الذى كان أقل من سعد زغلول عنادا ظل النقراشي يمارس نشاطه فى مصر (مع الوفد) خلال عامى 19291930 ورفض بشدة عدة مقترحات لتوقيع المعاهدة فإنه أى انطفاء شعلة الحماس المقاس عند النحاس باشا.
وأجبرت الضجة التى صاحبت ظهور موسولينى النقراشي على قبول المعاهدة عام 1936 ولكن دون مبالغة.وعلى مدى سنوات الحرب نشط النقراشى مع أحمد ماهر باشا فى حث الحكومة المصرية على الاشتراك فى الحرب العالمية الثانية.
ولم يخف حقيقة ما يشعر به فى قرارة نفسه من أنه بصرف النظر عن تأثير ذلك على الحلفاء فإن قصف المدن المصرية ومصرع خمسين ألف شاب من أبناء مصر وهم يرتدون الزى العسكرى سيكون من شأنه أن يساعد مصر لترقى فى مدارج الأمم.
وتحمل بشئ من الفلسفة الإحباط الذى أصابه بسبب السياسة المصرية خلال فترة الحرب.وعبر فى انفعال عن ضيقة بسبب ما تصوره من سياسة اللورد كيلرن فى معاملة ملك مصر وشعبها باحتقار.وكان يميل إلى أن يرى فى مصرع أحمد ماهر باشا قائده العملى قضاءه المحتوم الذى يناديه ولا فرار منه.

و:كان يرى فيه موتا فى سبيل مبادئه السامية الطاهرة ولم يحل بخاطره يوما أن يصبح رئيسا للوزراء وقرر التقاعد عن ممارسة العمل السياسى عندما يبلغ الستين.ويبرر النقراشي تراجعه عن التقاعد بأنه تلقى تشجيعا معنويا كبيرا من فاروق عن طريق تأكيد صاحب الجلالة بأنه يرى فى النقراشي حارسا للمثاليات المصرية!

منذ تلك اللحظة يمكننا اعتبار ذلك بداية لموقف جديد للنقراشى من الملك أما موقفه من المفاوضات بين اللورد ستانسجيت وصد5قى باشا فكان يتسم دائما بالبرود.وعندما الآخرون عن النجاح الذى حققه صدقى نجد النقراشى يعلق قائلا بأنه ظل مستيقظا طوال الليل خوفا من الكابوس الروسى الشيوعى ولكنه لم يجد فى المقترحات العسكرية البريطانية سوى الإهمال , الذى لا مبرر له للمشاعر القومية المصرية.
ولعل مما يدخل السرور على نفسه أن يجد عقارب الساعة عادت إلى الوراء ليلتقى بسعد زغلول ويقف حيث يقف ولا أعتقد أنه يمكن إجراء مفاوضات فعلية مع زعيم " يرى النجاح فى الفشل ويرى فى الرفض نجاحا يستحق التهنئة".
ولا يوجد ما يصور النقراشى بصدق ويعبر عن شخصية أدق وأكثر من هذا التقرير الذى عكس تماما كل أعماله فى آخر وزارة له.فى خطابه للملك فاروق الذى أعلن فيه قبول تشكيل الوزارة
كتب النقراشي يقول:
" أهم ما تعنى به الحكومة العمل على جلاء الجنود الأجنبية وتحقيق مشيئة أهل وادى النيل فى وحدة مصر والسودان ولقد ظهرت فى الأيام الأخيرة علامات تزيد من قلق النفوس على مصير السودان".

ويضع جيمس بوكر القائم بالأعمال البريطانى تقييما سريا للوضع السياسى فى مصر فقال:

" إن تصريحات صدقى والحاكم العام أثارت الرأى العام فى مصر إلى حد أنه لن يوجد مصرى وبالذات رئيس حكومة للأقلية يقصد (النقراشي) يجرؤ على الوقوف ضدها.
إن رفض مصر الاعتراف بحق السودان فى الانفصال عن مصر يعتمد على اعتقاد بأن البريطانيين يشجعون السودانيين على ذلك ليحتفظ الإنجليز بالسودان لأنفسهم"

حد الإخوان المسلمون موقفهم من الوزارة الجديدة فى اليوم التالى لتأليف الوزارة كتب البنا فجريدة الإخوان المسلمين يطالب النقراشي بإنهاء المفاوضات وإلغاء معاهدة 1936 وعرض القضية على مجلس الأمن والجهاد!

عقد النقراشي يوم 16 من ديسمبر اجتماعا مشتركا ضم أعضاء مجلس الشيوخ والنواب وأعلن أن أمام الحكومة التفاوض أو عرض القضية على الأمم المتحدة. عاد السفير البريطانى السير رونالد كامبل من لندن يوم 20 من ديسمبر واجتمع ساعتين بالنقراشي بشأن الفقرة الثالثة فى بروتوكول السودان والتى قام من أجلها الخلاف مع إسماعيل صدقى

طلب رئيس الوزراء أن تصدر بريطانيا بيانا من جانب واحد تعلن فيه:

(أ) أنه ليست لدى الحكومة البريطانية النية لتشجيع السودانيين على الانفصال عن مصر.
(ب) إذا رغب السودانيون فى استمرار وحدتهم مع مصر فإن الحكومة البريطانية لن تضيع عقبات فى هذا الطريق ويسعدها أن ترى ذلك يتحقق وبنى النقراشي ذلك على أساس أن الرأى العام المصرى ملتهب فى هذا الشأن ومثل هذا البيان يجعل المحادثات مثمرة.

ورفض رئيس وزراء مصر اقتراح السفير بإصدار بيان مشترك بدلا من تبادل الرسائل. وطلب النقراشي تعديل بروتوكول صدقى بيفن.

ويزداد الرأى العام المصرى إثارة وحماسا عندما يذاع خطاب جديد ألقاه الحاكم العام للسودان فى وفد ممن أعيان " مدينة الأبيض أكد فيه موقف بريطانيا من استقلال السودان وكذلك تصريحات مماثلة للسيد عبد الرحمن المهدى بعد عودته من لندن إلى الخرطوم.

ويجتمع 13 رئيسا للقبائل السودانية يمثلون 1,2 مليون نسمة ويبرقون إلى المجلس الاستشارى لشمال السودان معلنين حق السودان فى تقرير مستقبلية وأنهم يرفضون أية سيادة على بلادهم

قال النقراشي فى مجلس النواب – فى 31 من ديسمبر 1946

إن على الحكومة البريطانية إعلان نواياها بالنسبة للسودان وقال إن سياسة الحاكم العام هى تشجيع وتحريض السودانيين على الانفصال عن مصر.وأضاف إن مصر لا تريد بسط نفوذها على السودان ونواياها أخوية نحوه وسيرضى عنها [لسودانيون أنفسهم.

وافق المجلس بالإجماع على منح الثقة للحكومة ويحاول بيفن إنقاذ المعاهدة فيبرق إلى سفير ه فى القاهرة يوم 4 من يناير 1947 باقتراحين لإبلاغهما للنقراشى:

الأول: توقيع معاهدة المساعدة المتبادلة وبروتوكول الجلاء واستبعاد بروتوكول السودان على أساس أن معاهدة عام 1899 بشأن السودان والمادة الثانية من معاهدة 1936 تظلان ساريتين.

ويتبع ذلك مؤتمر لمناقشة المسألة السودانية تمثل فيه بريطانيا ومصر والسودان أو

الاقتراح الثانى: توقيع المعاهدة على أساس:
(أ‌) عدم وضع قيد على حق السودانيين فى تقرير مصيرهم.
(ب‌) مهما كان اختيار السودانيين فإن الحكومة البريطانية تضمن المحافظة على المصالح المصرية الدائمة فى السودان.

وقال السفير البريطانى للنقراشى خلال اجتماعين:

إذا قبلت أيا من الاقتراحين فإن الحكومة البريطانية مستعدة لإصدار البيان المنفرد من جانب واحد الذى طلبته.رد النقراشى فوضع نصا لبروتوكول جديد للسودان ينص على وحدة مصر والسودان تحت التاج المصرى المشترك وعقد مؤتمر تحضره مصر وبريطانيا فحسب ... ولا يحضره السودان!

والجدير بالذكر أن فصل مسألة الجلاء عن موضوع السودان هو ما تم بعد ثورة 23 يوليو 1952.رد وزير خارجية بريطانيا على النقراشي يوم 9 من يناير 1947 مقدما تنازلا جديدا قال: لن يمثل السودان فى المؤتمر .

واقترح بيفن أن تتضمن المعاهدة وثائق تعلن فيها كل من مصر وبريطانيا موقفهما بالنسبة للسودان.وقال بيفن إنه يقبل فى هذه الحالة إصدار البيان البريطانى الذى طلبه كل من صدقى والنقراشي وأبدى وزير خارجية بريطانيا استعداده لاستقبال النقراشي فى لندن والتفاوض معه إذا رغب فى ذلك.

رفض النقراشي اقتراحات بيفن على الفور قائلا:

إنها ليست عادلة بالنسبة لمصر فهى تصور بريطانيا وكأنها تحمى مصالح السودان إزاء النوايا الشريرة لمصر.

وقال النقراشي:

إن وجهة نظر البلدين متباعدة مما يجعل الاتفاق مستحيلا . ومن المسائل البديهة أن السودان يرغب فى الوحدة مع مصر.

وأشار رئيس وزراء مصر إلى أن سفره إلى لندن لن يحقق أى تقدم لجأ السير رونالد كامبل إلى الملك فاروق ولكن بغير فائدة!استمرت صحيفة الإخوان تهاجم الوزارة والأحزاب وتعلن أن الوضع السليم هو الحكم بالقرآن.

ووجه الإخوان رسالة مفتوحة إلى رئيس الوزراء قالوا فيها:

أعلن يا باشا فشل المفاوضات وأقطعها فى عزة وكرامة!

ويكتب البنا:

" الحريات مكبلة والرعب يملأ الصدور وقوات البوليس ترابط فى كل مكان تبعث على الرهبة والريبة",

ويطالب الإخوان بجبهة قومية مصرية سودانية من كل الأحزاب .رأى السير روبرن هاو الوكيل المساعد لوزارة الخارجية البريطانية فى 17 يناير أنه " مادام النقراشي يتولى السلطة فإن الاحتمال ضيئل فى أن يطرأ تحسين على العلاقات المصرية البريطانية أو استئناف المفاوضات لعقد معاهدة جديدة ومن الأفضل أن يستمر الموقف على ما هو عليه".

اجتمع مجلس النواب يوم 20 من يناير فأعلن النقراشي أن مباحثاته مع السفير البريطانى لم تؤد إلى اتفاق وأنه سيجد طريقا آخر لتحقيق مطالب البلاد تأجل اجتماع المجلس إلى 27 من يناير .

وقرر مجلس الشيوخ يوم 21 من يناير أنه جاء الوقت لتتخذ الحكومة المصرية موقفا حاسما إزاء السلوك العدائى لبريطانيا.ويبعث النقراشي إلى السفير البريطانى فى 23 من يناير بمذكرة أشبه بالإنذار

قال:

على أن أعلن يوم 27 من يناير الاتفاق , أو إحالة الأمر إلى مجلس الأمن . رأى بيفن أن يقدم اقتراحا جديدا إلى عبد الفتاح عمرو باشا السفير المصرى فى لندن أكد فيه بعبارات واضحة وحدة مصر تحت التاج المصرى المشترك مع عدم وضع أية قيود على حق السودان فى تقرير مستقبله طبقا لآمال الشعب السياسية حسب ميثاق الأمم المتحدة.ولم يتضمن اقتراح بيفن هذه المرة كلمة ط استقلال السودان".

وكانت هذه محاولة أخيرة من بيفن لإقناع النقراشي بتوقيع المعاهدة ولكن رئيس وزراء مصر اكتفى بإعلاء أنه سيعرض الأمر على مجلس الوزراء وفى 25 من يناير أبلغ النقراشي السفير البريطانى أن مجلس الوزراء وجدا أن مصر مضت إلى أبعد مدى فى محاولة الاتفاق مع بريطانيا ولكن الاقتراحات البريطانية لا تستجيب لحقوق البلاد الطبيعية.

وقرر مجلس الوزراء عرض الأمر على مجلس الأمن. وهكذا أضاع النقراشي بعناده أو خوفه من المعارضة آخر فرصة لوحدة مصر والسودان!

أذيع قرار مجلس الوزراء بعد يومين فى مجلسى البرلمان فأعلن الإخوان تأييدهم لقرار النقراشي وإن هاجموا بيانه فى البرلمان " لأنه لم يشف الغلة ولم يرو الظمأ"!ويؤيد مكتب الإرشاد قطع المفاوضات.

ويكتب صالح عشماوي قائلا " أخيرا التقينا"!

بعث السفير البريطانى السير رونالد كامبل إلى لندن يقول :

" الإخوان يتعاونون مع حكومة النقراشي ولكن بتحفظ".

ويلتقى عبد الفتاح عمرو باشا السفير المصرى فى لندن بأرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا يوم 30 من يناير 1947 قال السفير:هل أغلق الباب نهائيا حتى يعرض الأمر على ألأمم لامتحدة؟

سارع بيفن بالجواب قائلا:

لم أغلق الباب ولم أقطع المفاوضات .الوزارة المصرية هى التى فعلت ذلك عمدا وبالإجماع ولا أستطيع القيام بأى عمل الآن والأمور يجب أن تمضى فى مجراها .

قال عمر باشا:

نحن حريصون على الوصول إلى حل الآن.

رد بيفن:

الأمر متروك لكم . ولن أمضى أبعد مما مضيت. ولا أستطيع التوقيع على تنازل عن حقوق السودانيين كما تطلبون.وإذا وجدت الحكومة المصرية طريقا للتعبير عن آرائها الواضحة فى هذه النقطة فإن الحكومة البريطانية مستعدة للنظر فيها.ولكن الخطوة التالية يجب أن تأتى من جانبكم. يلتقى بيفن ببعض ممثلى الدول العربية فى لندن فأبدوا له خشيتهم من خطورة الموقف بعد قطع المفاوضات

وقال الجميع:

لقد أخطأت مصر بهذه الخطوة.ويسافر بيفن فى إجازة وتمضى الأمور فى طريقها المرسوم

تحرك الإخوان

أرادوا الاحتفال بذكرى مظاهرات يوم الجلاء فى 21 من فبراير ولكن الحكومة نجحت فى منع المظاهرات.

فى 22 من فبراير 1947 قال لاسير رونالد كامبل:

" يتردد أن الإخوان المسلمين أعدوا مشروعا لتوقعه كل الأحزاب لمقاطعة البريطانيين. ووافقت جمعية الشبان المسلمين وجبهة مصر منظمة على ماهر والوفد السودانى على التوقيع على المشروع ولكن الوفد رفض ذلك"

وانضم الإخوان للجنة تحضيرية قررت الإعداد لمؤتمر عربى . يهدف إقامة منظمة دائمة تمثل الشعوب العربية غير جامعة الدول العربية.ضمت اللجنة كما يرى السفير البريطانى " بعضنا من المتطرفين المعروفين مثل البنا وصالح حرب ومريت بطرس غالى. وهو قبطى. غير حزبى" وجد الوفد أن الإخوان ينافسونه كما أن تأييدهم للنقراشى يعطيه قوة فقرر رفض الهدنة بين الحزب والجماعة دون إعلان.

وهكذا عاد الصراع بين الفريقين بصورة أكثر عنفا... وقسوة ووحشية أيضا فكلاهما ينافس الآخر على الرصيد الشعبى . الوفد يحاول الحفاظ على مالديه, واستعادة ما فقد منه والإخوان يحاولون زيادة هذا الرصيد واتجه كل فريق إلى التشكيك فى وطنيه الخصوم!

فى البرقية رقم 536 بتاريخ أول مارس 1947 كتب السير رونالد كامل

" هاجمت الصحف الوفدية الإخوان المسلمين وانهمت البنا بأنه اتصل بعبد الرحمن عزام طلبا للتأييد وناقش معه ومع غيره ومنهم على ماهر وحافظ رمضان . تشكيل لجنة سياسية لإدارة الأنشطة السياسية للإخوان المسلمين.
وأقر البنا, فى تفنيده الفاتر لهذه الهجمات بان تشكيل مثل هذه اللجنة السياسية محل بحث. وعزام يميل منذ مد طويل إلى البنا. ويبدو أنه على وشك تولى توجيه الإخوان المسلمين فى قضية التطرف الوطنى".

ويفشل الإخوان فى محاولتهم تكوين جبهة سياسية تحتفل بذكرى يوم الشهداء 4 من مارس وتهاجم صحف الوفد الجماعة. وتنقل اتهاما وجهه وكيل الإخوان السابق أحمد السكري بأن الشيخ البنا حاول الحصول من الوفد على 50 ألف جنيه ثمنا لتأييد الوفد ضد وزارة إسماعيل صدقى. واتهم السكرى الشيخ البنا أيضا بإجراء اتصالات مع رئيس الديوان الملكى تعهد خلالها المرشد العام بإتباع سياسة معتدلة إزاء حكومة النقراشى مقابل مساعدة من القصر.

ردت جريدة الإخوان بأن البنا مستعد للتعاون مع الوفد إذا تبرع لهذا الحزب بمبلغ 50 ألف جنيه لتنظيم سياسة قومية تساهم فيها كل الأحزاب حسب إمكاناتها!ورغم سوء العلاقة بين الإخوان والوفد فإن العلاقة بين الإخوان والنقراشى لم تكن طيبة بحال.

نشرت صحيفة الإخوان مقالا عن " واجب الحكومة" وحددته بأنه

" منع وصول قوات بريطانية جديدة وعدم تسخير المرافق لخدمة الإنجليز وإبعاد كل أجنبى يتعامل معهم ومحاكمة كل مصرى يخدمهم بتهمة الخيانة".

وجد الوفد أن الإخوان ينافسونه كما أن تأييدهم للنقراشى يعيطه قوة فقر فض الهدنة بين الحزب والجماعة دون إعلان.

واتجه الإخوان لأول مرة إلى الشرق فطالبوا بأن تلجأ الحكومة فى المم المتحدة إلى " الكتلة اليسارية" بدلا من الكتلة الانجلو أمريكية. ولم يكن الإخوان يعرفون أن مثل هذا التفكير فى تلك الأيام صعب . أما التنفيذ فيقع فى دائرة المستحيل!

ويتجه النقراشي إلى أمريكا فيوفد فى أبريل رئيس أركان حرب الجيش إلى واشنطن لزيارة القواعد والمصانع الحربية والاتفاق على شراء السلاح فتحتج الحكومة البريطانية على الحكومة الأمريكية لعدم استشارة الولايات المتحدة بشأن هذه الزيارة.

ويتراجع وزير الخارجية الأمريكى بالنيابة أمام ممثل السفارة البريطانية قائلا: ليست للزيارة طبيعة سياسية ولن تلعب أمريكا نفس الدور الأساسى فى الشئون العسكرية المصرية والى كانت تقوم به الحكومة البريطانية وفى 7 من مايو 1947 تبلغ الحكومة الأمريكية بريطانيا رسميا بأنها لن تتوسط أو تتدخل بين بريطانيا ومصر!

وتزداد العلاقة سوءا بين النقراشي والإخوان فى مايو أيضا عندما يعتدى رجال الشرطة على موكب الجوالة الإخوان فى حى الخليفة, ويمنع البنا من زيارة بور سعيد.وتتابع برقيات السفارة البريطانية على لندن تصف كل تطور جديد فى موقف الجماعة وسياستها.

كتب السير رونالد كامبل قائلا:

" الإخوان أبرز المنظمات المصرية التى لها صلة دولية وتتمتع بأهمية كافية لممارسة تأثير ملحوظ على الحياة العامة فى البلاد.إن الأحياء السياسى الدينى لجماعة الإخوان المسلمين يمثل قوة رجعية فهى تدعو للعودة غلى بناء اجتماعى يقوم على تعاليم دينية واجتماعية عفى عليها الزمن"!

ولكن السفير يبرئ الإخوان من العمالة لأية قوى أجنبية . قال:

" لا تتعرض الجماعة حاليا لنفوذ خارجى سواء كان شيوعيا أو فاشيا ولكنها تمثل أيدلوجية ذات طبيعة سياسية دينية تقتضى بالضرورة تصنيفها كمنظمة سياسية متطرفة"

ويتعين أن نذكر قبل الحرب. كان هناك من الأسباب ما يدعو للشك فى تلقى الإخوان المسلمين أموالا من مصادر ألمانية أو إيطالية أو منهما معا .إن الإخوان المسلمين جماعة مصرية خالصة.

ولكن نجاحها الباهر فى البلاد فى السنوات الأخيرة شجع قادتها على مد أنشطتها إلى الدول الإسلامية المجاورة وخاصة فلسطين وسوريا والسودان".ويتعقب الإنجليز الإخوان المسلمين فى الدول العربية.

سأل الوزير البريطانى المفوض فى عمان الملك عبد الله عاهل الأردن عن لقائه بعبد الحكيم عابدين سكرتير عام الإخوان فقال صاحب الجلالة:

الجماعة تستحق الإعجاب فهى تدعو الجيل الجديد لواجبه الدينى, وتحد من انتشار الشيوعية.

قال الوزير المفوض:

كان حقا ما تقول يا صاحب الجلالة لو أن الجماعة اقتصرت على واجبها الدينى ولكن التقارير تقول إن دوافع مؤسيسها سياسية بقدر ما هى دينية .

قال الملك عبد الله:

هذا بالنسبة لمصر ولكن قادة الإخوان لا يريدون التدخل فى الشئون الداخلية للدول العربية.

ويثير الوزير البريطانى مسألة الإخوان مع سمير الرفاعى باشا قال رئيس الوزراء:

ستتدخل إذا أبدت الشعب المحلية فى الأردن نشاطا سياسيا ومن الخطأ أن نظهر عدم موافقتنا عليها نشاط الجماعة مقصورا على النشاط الدينى

ويكتب الوزير المفوض إلى لندن:

أوافق الملك ورئيس وزرائه على أنه لا داعى للتدخل فى الوقت الحاضر"! وجد الإنجليز أن الاستقرار لم يتحقق فى مصر ولم تعقد معاهدة , وهناك أزمة حادة فى العلاقات بين البلدين ففكروا فى إعادة الوفد إلى الحكم لتحقيق إصلاح اجتماعى يعزز الاستقرار والديمقراطية!

أيد عودة السير روبرت هاو الوكيل المساعد لوزارة الخارجية الذى تولى بعد ذلك منصب الحاكم العام للسودان والسير أورم سارجنت الوكيل الدائم للوزارة وقدما تقريرا بذلك إلى كلمنت أتلى رئيس الوزراء الذى تولى وزارة الخارجية بالنيابة أثناء سفر ارنست بيفن إلى نيويورك وموسكو.

أبرق اتلى بالتقرير إلى بيفن فى موسكو بدلا من انتظار عودته مما يدل على رغبة اتلى فى التعجيل بخلع النقراشي ولكن بيفن رأى تأجيل القرار حتى يعود إلى لندن فعقد مع أورم سارجنت اجتماعا يوم 6 من مايو.

قال وكيل الخارجية: السؤال الأساسى هو هل نعزل النقراشى أم لا؟

رد بيفن: من الخطأ التصرف على هذا النحو فإذا عزلنا رئيس الوزراء , ولم نحقق النتيجة التى نريدها ستكون فى وضع سيئ.

وأصر بيفن على أن يحتفظ كبار رجال الوزارة " بالبرود" وهدوء الأعصاب إزاء النقراشي. ورفض الوزير البريطانى التدخل فى شئون مصر الداخلية ولكن رجال وزارة الخارجية البريطانية ضغطوا على الملك والنقراشي بأسلوب آخر.

بعث السفير البريطانى السير رونالد كامبل برسالة إلى النقراشى يحتج فيها على إلقاء قنبلة على دار المعهد البريطانى وأخرى على كلية فيكتوريا بالإسكندرية وكذلك على التأخير فى محاكمة حسين توفيق وزملائه وبينهم أنور السادات الذين اتهموا باغتيال أمين عثمان باشا وزير المالية فى حكومة الوفد.

ويلتقى كامبل بعبد الفتاح عمرو باشا سفير مصر فى لندن محتجا لى الحملة العلنية المعادية لبريطانيا وقال:

إن وزراء مصر يساهمون فى هذه الحملة.

ويضيف:

هل يعرف ملك مصر ذلك؟

ويحذر قائلا:

إن صاحب الجلالة يغامر بهذه الإثارة الوطنية.ويلتقى كامبل بالملك بعد أن استغنى النقراشي عن البعثة العسكرية البريطانية فى الجيش المصرى.

وينتقد السفير رئيس وزراء مصر فيرد فاروق:

النقراشي أفضل من يحافظ على الأمن والنظام.

وأخيرا يلتقى السفير البريطانى برئيس الوزراء ليقدم سلسلة من الاحتجاجات:

الأول: على عبد الفتاح عنايت الذى حكم عليه بالإعدام فى قضية اغتيال السردار البريطانى السير لى ستاك عام 1924 واستبدل حكم الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة.
وكان عبد الفتاح عنايت قد بدأ يكتب مذكراته وفيها يهاجم الإنجليز الاحتجاج الثانى على كاريكاتير نشرته مجلة روزاليوسف يصور حلبة ملاكمة بين مصر وبريطانيا...

وفى هذا الرسم توجه مصر ضربة قاضية لبريطانيا .الاحتجاج الثالث على مسرحية تعرض فى مصر وفيها يقال إن بريطانيا تحاول التفرقة بين مصر والسودان.

ولا يجد النقراشي ما يقوله طبقا لبرقية السفير إلا أنه سيرسل مقالات الصحف وكل هجوم على بريطانيا إلى النائب العام ليرى ما إذا كان ذلك يقع تحت طائلة القانون وفى هذه الحالة يحاكم المسئولين وتتم كل هذه اللقاءات والاحتجاجات وأنشطة السفير ضد النقراشى خلال فترة لا تتجاوز الشهرين!

انخفضت شعبية الوفد لأسباب كثيرة منها الاضطهاد من جانب الحكومة والانحرافات فى الوفد. وارتفعت شعبية الجماعة بالشعارات التى رفعتها معادية للإنجليز , والعاطفة الدينية العميقة فى نفوس شعب مصر , والتنظيم الدقيق للجماعة والتأييد الذى حصلت عليه من الملك وصدقى والنقراشي فى فترات متباعدة!..

قال حمادة محمود إسماعيل فى رسالة ماجستير قدمها إلى جامعة القاهرة عن " جماعة الإخوان ودورها فى تاريخ مصر" إن سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت سنوات الإخوان فقد ساعد غياب الوفد عن مسرح الأحداث تنامى الإخوان وقيادتهم للحركة الشعبية ضد الاحتلال ودعوتهم الصريحة إلى إعلان الجهاد باعتباره السبيل الأوحد لإخراج الإنجليز من مصر"

وقال:

" أدت الجماعة دورا لا يستهان به تجاه قضية الجلاء والاستقلال وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية".

أحس الوفد بقوة الجماعة فهاجمها بأسلوبه القديم...

اتهم الوفد الإخوان بالعمالة للحكومة وخيانة قضية الأمة.نشرت صحيفة " صوت الأمة" الناطقة بلسان الوفد ويرأس تحريرها عدلى المولد المحامى يوم 9 من مايو تحت عنوان " الشيخ راسبوتين .. يفقد عقله وأدبه..."!!

قالت:

".. استطاع هذا الشيخ الملتاث أن يكتب خطابا إلى رفعة زعيم الوادى ويحشوه بالمطاعن والسباب ويصور فيه نفسه وما فطر عليه من خلق ...

يا مولانا الشيخ:

إنك أحقر من أن تكتب إلى وفدى عادى .فما بالك بهذه الجرأة المجنونة التى دفعتك بالكتابة لى زعيم الوادى ناصحا, ومحذرا ومهددا.من أنت أيها الحلس الذى خسر الدنيا والدين , انفض من جماعته كل غيور على كرامة الإسلام والمسلمين؟...
من أنت يا مدرس الخط حتى تجعل من نفسك شيئا فتتكلم إلى رجل بينك وبينه ما بين الأرض والسماء..؟ هل يد تذبذبك, وحقارة تصرفاتك ضد إخوانك وخيانتك لمبادئ الإسلام الشريف وهل بعد استجدائك عطف كل هيئة وحزب...
أبعد هذا أيها المستعبد لشهواته ونزوته الوضيعة تجد فى نفسك الجرأة على أن تقوم بدور الممثل التافه فى دور المصلح الهادى؟!يا شيخ راسبوتين... مسكين أنت والله إنك قد فقدت عقلك."

وقالت الصحيفة:

" دع السياسة يا شيخ لمن يحملون عقولا فى رءوسهم فلست أهلا لها".

وقالت:

" لم يجد الشيخ حسن راسبوتين بدا من أن يمزق اللثام عن تضليله وتهريجه باسم الدين والإخوان والقرآن ويظهر على حقيقته, وبطبيعته انجليزيا حكوميا وهذا هو ما كنا نبصر به الإخوان ونحذرهم منه حتى يعرفوا شيخهم داعية مأجورا لكل من يدفع الثمن.هذا هو الشيخ البنا أيها الناس.
هذا الرجل الذى كان مدرسا للخط فضاق بفقره, وحقارة شأنه وتفاهة قيمته ولم يستطع أن يوفق بين طموحه وقدرته فراح يطلق لحيته, ويضلل باسم الدين ويجمع حوله السذج من المسلين لتكون له سيارة وتكون له جريدة ولو غير " سيارة" ولكن الدين فضحه وكشف عن خبيئته.
لم يخجل الشيخ بل ظهر بالأمس سافرا فاجرا, كافرا بنعمة الدين ونعمة الوطن ولم يستح أن يصبح حكوميا أكثر من الحكوميين ونقراشيا أكثر من النقراشيين أيها الشيخ المأجور .. أقسم لك بمن حرمك من نعمة الأخلاق الإسلامية ونعمة الأخلاق الوطنية أننا لا نتصور ولا نسمح لأنفسنا أن ثمة من يعمل لخيانة بلده من أجل المال.فهنيئا حكوميتك أيها المسكين الذى أراد أن يسخر من الوطنية والدين فهوى إلى أسفل سافلين"!!

وتضامنت صحف الوفد كلها فى الحملة ضد الإخوان.قالت البلاغ إن المرشد العام دأب على أن يتردد بسياسة الإخوان ويميل بها يعتقد الاتفاق تلو الاتفاق, ويبرم الميثاق تلو الميثاق ولكنه ما أسرع ما ينفض يده من هذا ليضعها فى يد ذاك.

وقالت مجلة " الحوادث " بعنوان " دوتشى مصر, بعد دوتشى روما" إن البنا يشبه موسولينى زعيم الفاشية فى إيطاليا ويدعى أنه المهدى المنتظر"!

وتصاعدت حملة الصحف الوفدية وبالذات صوت الأمة على الإخوان فى سلسلة مقالات تحت عنوان واحد " هذه الجماعة تسقط"

وهذه نماذج مما قالته الصحيفة خلال تلك الأيام من مايو ويونيه عام 1947:

يمعن الشيخ فى التضليل فيزعم انه ليس حزبا سياسيا, إذن ماذا أنت وجماعتك يا هذا؟ أنت تزاول نوعا من السياسة هو أرخص وأقذر الأنواع .انحسر آخر قناع عن وجه الشيخ البنا فإذا به أقبح سياسى لعب على مسرح السياسة فى الجيل الحاضر.... العفن والقاذورات والألفاظ النابية بل والجرائم المنكرة مصدرها وكر الإخوان..أما من الذى أيقظ الفتنة فهو أنت أيها " المرشد " المضلل.
شيخ متآمر متستر خلف الدين..أيها الشيخ الماجن لقد أفصحت عن حقيقة أمرك, بعبثك, وخداعك فانكشفت سترك ووضحت جنايتك السافرة.إلى زعيم عصابة الإخوان صليتم تظاهرا وتصدقتم تفاخرا, واتخذتم هيئة الصلاح لتتسلطوا على عقول البسطاء.
إن جماعة الإخوان المسلمين فضيحة قومية للمصريين فى العصر الحاضر.أصبحت ذمة الشيخ مطاطة... الشيخ المصلى العارف بالله يكذب علنا فى جريدته.شخ سوء ينحدر هابطا كلما انتفخ جيبا...
فهو يتعمق فى الاسفاف كلما افعم جيبه بالمال . أجير لا يكتب من وحى قلمه وإنما يدافع عن انتفاخ جيبه.. ومقياس الصالح من الطالح عنده هخو مقدار ما تمتد له به الأيدى من نفحات وعطايا فإن قرأت فجورا وقحة فاعلم أنه قد ما تمتد له به الأيدى من نفخات وعطايا فإن قرأت فجورا وقحة فاعلم أنه قد قبض.الشيخ الأفاك . والشيخ الأشر.
الإسلام ليس لحية .. ولا عمامة , ولا سفسطة هو تعاليم نبيلة رفيعة تطبع المؤمنين بطابع الشرف والأخلاق.. والسمو وعدم الإسفاف . لا الجرى وراء المال الحرام باستخدام التهريج والدجل والضحك على الدقون...!

ويرد الإخوان فى يوليه فينشرون وثائق تثبت أن السلطات البريطانية ساعدت شباب الوفد فى حملتهم ضد الجماعة.وفى برقيات السفارة البريطانية أن هذه الوثائق مزورة وهكذا تغير موقف الإخوان. كانوا ضد النقراشي فأصبحوا معه.

وكانوا مع الوفد فأصبحوا ضده.وفى رأى البنا أنهم يتفقون ويختلفون مع الأحزاب طبقا لمواقف هذه الأحزاب إزاء مصر المسلمة الوطنية.

ولكن لعبة السياسة التى دخلها الإخوان , أو مارسها الإخوان فى السنوات الأخيرة – كانت تقتضى نوعا آخر من السلوك السياسى!

عارض الملك فاروق فى عرض قضية مصر على الأمم المتحدة كما قالت برقية للقائم بالأعمال الأمريكى.وأيد هذا الرأى كل من إبراهيم عبد الهادي وعبد الحميد بدوي ورأى الدكتور محمد حسين هيكل أن تعرض القضية على الجمعية العامة للأمم المتحدة.بينما وجد النقراشي أن هذه الجمعية ستحتاج إلى وقت طويل لنظر أفضل الفرص فى رأى النقراشي لتحقيق الجلاء.

وظل النقراشي باشا حائرا شهور مترددا, يقاوم كل الضغوط ثم حسم أمره فقدم محمود حسن باشا سفير مصر فى وشنطن عريضة دعوى مصر إلى مجلس الأمن يوم 11 من يوليو 1947.

طالب النقراشي باسم مصر بجلاء القوات البريطانية عن مصر والسودان جلاء تاما وإنهاء النظام الادارى للسودان.

أبرق مصطفي النحاس حزب الوفد إلى مجلس الأمن وإلى السكرتير العام للأمم المتحدة يتهم الحكومة بالديكتاتورية وأن النقراشي لا يمثل مصر وليس صوتا شرعيا يتحدث باسمها.

قال النحاس فى برقيته

" الحكومة المصرية التى رفعت دعوى أمام المجلس لا تمثل على أى وجه شعب وادى النيل الذى تؤيد أغلبية الساحقة الوفد المصرى, وهذه الحكومة على أكثر تقدير تمثل الأشخاص الذين تتألف منهم وتدعى لنفسها حق التصرف فى سياسة مصر الدولية رغم أنفها ,
ووفقا لما تمليه مصالح سياسية رجعية وإقطاعية , رفضها الشعب المحكوم حكما ديكتاتوريا,فإن شكوى تلك الحكومة إلى مجلس الأمن لا يمكن أن تكون لها قيمة الوثيقة القومية المعبرة عن مطالب الشعب.

قال عبد الرحمن الرافعي فى كتابه " فى أعقاب الثورة المصرية"

كانت هذه البرقية ضربة أصابت مصر فالأنانية والأهواء الشخصية جعلت الوفد يطعن مصر من الخلف فى الوقت الذى تعرض فيه قضية مصر على تلك الهيئة الدولية العالمية!

أبرق المرشد العام إلى مجلس الأمن مساندا وفد مصر برئاسة النقراشي ومؤيدا مطلب مصر فى الجلاء ووحدة وادى النيل.

قال:

" يستنكر شعب وادى النيل البرقية التى بعث بها إلى مجلس وإلى هيئة الأمم المتحدة رئيس حزب الوفد المصرى ويراها مناورة حزبية لا أثر للحرص على الاعتبارات القومية فيها.وسواء كانت حكومة مصر ديمقراطية أو ديكتاتورية فإن الشعب المصرى يعلن على الملأ أمام هيئة الأمم المتحدة ,
أن ذلك أمر يعينه وحده فله وحده الحق فى أن يختار نوع الحكم الذى يريده طبقا لميثاق الاطلنطى ومبادئ هيئة الأمم وله وحده الحث فى ا، يعرض على حكومته ما يريد وأن يؤاخذها على كل تقصير يراه".
ووجه البنا رسالة إلى النحاس تحت عنوان " بطلان التوكيل " قال النقراشي باشا يمضى ومن معه إلى مجلس الأمن بتأييد شعب وادى النيل وعلى هدى من الإيمان الوطنى".

واستنكر البنا خطاب النحاس إلى مجلس الأمن ووصفه بأنه سقطة سياسية وعثرة وطنية ومناورة حزبية لا تحرص على الاعتبارات القومية.

وأعلن الإخوان" أن الوفد بدور الطابور الخامس لحساب الإنجليز فى تقسيم الأمة وتمزيق وحدتها"!

وقال:

" التوكيل الذى منحته الأمة المصرية للوفد المصرى سنة 1918 أصبح باطلا بطلانا أكيدا".

وقالت الرسالة:

" لا يزال الوفديون بعقلية سنة 1920 فيقولون : الأمة هى الوفد والوفد هو الأمة وأن الشعب منحه توكيلا لا نقض فيه ولا إبرام ويسقطون من حسابهم ربع قرن فى حياة هذا الوطن تبدلت فيه الأرض غير الأرض وتغيرت النفوس .ز انتقل إلى الدار الآخرة أكثر الوكلاء والموكلين على السواء.
والوفد فى أيامه الأخيرة تخللت صفوفه , طوائف وأفواج , من ذوى الآراء الخطرة والمبادئ الهدامة, الذين لا يدينون بغير الشرعية .. هل ترون أن الوفد قد أدى واجبه بهذا الموقف السلبى يقفه فى هذه الساعات العصبية فى تاريخ الوطن مع أنه كان ولا يزال فى وسعه ان يعمل الكثير لو أراد"

ويطلب الشيخ إلى النحاس أن " يطهر حزبه من الشيوعيين ومن شبابه المفتونين"!

وقال المرشد العام:

" الوفد خارج الحكم يعتبر الإنجليز أعداء الإسلام والأمة, بل أعداء الشرق كله يجب محاربتهم فإذا تولى الحكم نسى ما كان يدعو إليه فالإنجليز هم الحلفاء المخلصون"!

وكتبت صحيفة:

"صحف الوفد تفيض إباحية وفجورا وأن على الوفديين أن يحددوا إسلامهم فهم فى تصرفاتهم خصم للإسلام . وحرب على تقاليده وتشريعه وأن الوفديين طابور خامس فى مصر. والنحاس , بعد 4 فبراير كان متعاونا تعاونا كاملا مع الإنجليز".

وقاد البنا مظاهرة مؤيدة للنقراشى.

فى الليلة السابقة على سفر النقراشي إلى واشنطن سئل رئيس الوزراء .

ألا ترى اضطراب الأمن أثناء غيابك؟

قال لن تحدث متاعب إلا من الشيوعيين:

قيل له:

والوفد؟

قال:

لا يسعى الوفد إلى مزيد من عداء الملك له.

قبل له:

والإخوان؟

قال: " لقد ألقيت الرعب فى قلب البنا.

ويكتب جيفرسون باترسون القائم بالأعمال الأمريكى إلى واشنطن"

ويؤكد الإخوان تأييدهم للحكومة وربما يكون السبب ناشئا عن الحرب السائدة بين الإخوان والوفد .والصحافة المحلية تزعم ان السبب الحقيقى يرجع إلى المبلغ الضخم الذى دفعه النقراشي باشا لالبنا من المصروفات السرية ويبدو واضحا أن هذا المبلغ دفع فعلا وقد أحدث تأثيرا لدى قادة الإخوان"!

وتكلم النقراشى فى مجلس الأمن 6 مرات أخرى مفتدا حجج بريطانيا فقال عن السودان:

" العلاقات بين السكان الذين يقطنون شطرى وادى النيل مسألة داخلية فى بل أهلية.إن الأمر سيعالجه المصريون والسودانيون لا أن يتحدث عنهم لسان حكومة أجنبية فى لندن النائية".

واتهم بريطانيا بالقرصنة قائلا:

" فقدت معاهدة 1936 قوتها وحيويتها وأخرستها الحوادث ولم يعد صداها إلا كصدى الاشباح وظلت أثرا من آثار أيام القرصنة التى يجه العالم فى نسيانها".

أوفد الإخوان واحدا من أبرز شبابهم مصطفي مؤمن إلى مجلس الأمن مرافقا للوفد المصرى وللدعاية للقضية المصرية فى الولايات المتحدة وفى الأمم المتحدة.وقع يوم 22 من أغسطس 1947 حادثان فى نيويورك والقاهرة فى نيويورك أثناء اجتماع مجلس الأمن وبعد خطاب النقراشي ألقى مصطفي مؤمن خطبة ملتهبة من شرفة الزوار وأشهر وثيقة موقعة بدماء الطلاب تستنكر المفاوضات وتطالب بالجلاء التام وبوحدة وادى النيل.

طرد من قاعة المناقشة فنظم مظاهرة خارج مبنى الأمم المتحدة كما طرد أحمد كامل قطب ممثل الإخوان أيضا لأنه كرر ما فعله مصطفي مؤمن داخل قاعة مجلس الأمن.وفى القاهرة أيد الإخوان خطاب النقراشي فى مجلس الأمن ونشروه كاملا ونظم شيخ البنا مظاهرة فى الأزهر بعد صلاة لتأكيد وقوف مصر وراء النقراشى وتأييد فى مجلس الأمن.

تقدم المظاهرة المرشد العام يهتف بسقوط معاهدة 1936 واتجه المتظاهرون إلى قصر عابدين ووقع بينهم وبين رجال الشرطة صدام حاد وأطلق رجال الشرطة النار على المتظاهرين .

أصيب البنا وأسفرت المظاهرات عن مصرع ثلاثة وإصابة كثيرين ورغم ذلك كتبت السفارة البريطانية إلى لندن تقول:

" يسود اعتقاد شائع بأن الحكومة تغاضت بل شجعت هذه المظاهرة الخطيرة".

وتكررت المظاهرات فى اليومين التالين ولكن رجال الشرطة نجحوا فى تفريقها دون وقوع حوادث خطيرة.وفى الإسكندرية نظم بعض عمال النسيج مظاهرة أخرى كما جرت مظاهرات أخرى فى طنطا وبورسعيد.

واجتمعت فى مقر الشبان المسلمين يوم 24 من أغسطس عدة منظمات بينها الإخوان وقررت الدعوة إلى إضراب عام ومظاهرات سلمية , يوم 26 من أغسطس بمناسبة ذكرى توقيع معاهدة 1936.

وتكتب السفارة البريطانية إلى لندن بأن

" البنا يحاول إقناع الزعماء السياسيين بالضغط على النقراشي ليعلن فى مجلس الأمن أن المعاهدة أصبحت باطلة ولا غية".

خشى الإنجليز تدهور الأمن فاجتمع الوزير البريطانى المفوض بوكيل وزارة الخارجية المصرية وطلب منه نقل رسالة عاجلة إلى رئيس الوزراء بالنيابة بأن الحكومة المصرية ستكون مسئولة عن العواقب التى يترتب على أية اضطرابات إذا سمحت بالمظاهرات والإضراب أو وافقت على عقد اجتماع جماهيرى

وقال الوزير البريطانى لزميله القائم بالأعمال الأمريكى:

قادة الإخوان المسلمين والشبان المسلمين ومصر الفتاة فى ظمأ إلى الثورة والمجد!رأى الوزير أن بريطانيا يمكن أن تستغل المظاهرات فتعلن لمجلس الأمن أن اضطراب الأحوال فى مصر يحتم بقاء القوات البريطانية فاستدعى أحمد خشبة باشا القائم بأعمال رئيس الوزراء البنا وأحمد حسين وغيرهما من الشخصيات وأقنعهم بالتخلى عن المظاهرات.
وأذاع أحمد خشبة باشا نداء دعا فيه إلى التزام الهدوء وضبط النفس للصالح القومى . وقال إن ممثلى المنظمات المختلفة سحبوا دعوتهم للقيام بإضراب ومظاهرات.

قال السفير البريطانى:

" تردد أن البنا مستاء من عدم تشجيع الحكومة لمظاهر التعبير عن المشاعر الوطنية".

وقال السفير:

" الإخوان المسلمون والشبان المسلمون أعطوا اتجاها دينيا للحملات المعادية للبريطانيين"

ويلتقى البنا بفيليب ايرلاند السكرتير الأول للسفارة الأمريكية يوم 29 من أغسطس 1947.وايرلاند رجال السفارة وهو يتصل بكل المسئولين وكل رجال السياسة.فى مصر!

قال المرشد العام:

أمريكا أظهرت خصومتها لمصر بتأييد موقف بريطانيا فى مجلس الأمن وذلك ليس جديدا أو فريدا. وفى مصر سخط عام ضد أمريكا.أشار ايرلاند إلى المظاهرات التى جرت فى مصر فقال الشيخ :لن يكون هناك مزيد نم الاضطرابات وبوسعى بدؤها وإنهاؤها .
قال ايرلاند: من المشكوك فيه أن تتمكن من إنهاء الفتنة بعد اشتعالها.

قال الشيخ:

زاد الإخوان قوة ونفوذا فى الشهور الأخيرة بعد أن انضم إليهم المنشقون عن الوفد. وأصبح عدد الإخوان 600 ألف . وتوجد مجموعة عمل يتراوح أعضاؤها بين 25 و30 ألفا من الجوالة وهم منظمون تنظيما عسكريا ويتلقون تدريبا عسكريا إجباريا مستخدمين أية أسلحة أو معدات يمكن الحصول عليها .

رد ايرلاند:

فى مناسبات عديدة اتصل أعضاء من الجماعة بمكتب الملحق العسكرى الأمريكى طلبا لكتيبات تتعلق بالأسلحة الصغيرة والتدريب العسكرى .

ويعلق جيفرسون باترسون القائم بالأعمال الأمريكى على ذلك قائلا:

"لا شك فى قدرة البنا على تحريك المظاهرات وتصريحاته الملتهبة تبين استعداده الواضح للمتاعب فى المستقبل.ولا يجب إغفال أهمية الإخوان فى أى حوار سياسى حول مصر.
لما هو معروف عن تنظميهم فقد زادوا قوة ونفوذا فى الشهور الأخيرة ووضح من حديث الشيخ أنه يؤيد فى الوقت الحاضر على الأقل سياسة النقراشي.
ونظرا لسجله الماضى الحافل بالانتهازية يمكن أن نستنتج أنه سيواصل تأييده لهذه السياسة مادام ذلك يناسبه شخصيا"

استمر الإخوان والمنظمات الأخرى عد الوفد فى تأييد النقراشي ودعا ممثلوها صالح حرب باشا والبنا وأحمد حسين سفراء الصين وفرنسا وأمريكا غلى تأييد مصر فى مجلس الأمن.وألمح ممثلوها للسفارة الفرنسية ضمنا وفى تهديد مقنع بان مصالح فرنسا فى مصر قد تتأثر إذا واصلت تأييدها لبريطانيا فى مجلس الأمن.

كتبت السفارة البريطانية على لندن:

" يعد البنا لإثارة الاضطرابات فى أنحاء متعددة نم البلاد فى حالة فشل القضية المصرية أمام مجلس الأمن . وينتاب المرشد العام سخط كبير على قرار الحكومة المصرية بمنع المظاهرات ويعتبر أن الحكومة المصرية تلعب بهذا العمل لعبة أعداء مصر.

ودعا الشعب المصرى للاستعداد لبدء الجهاد إذا أصدر مجلس الأمن قراره ضد مصر.ويلقى البنا فى هذا الصدد قويا من صالح حرب باشا رئيس جمعية الشبان المسلمين.

ويعمل الرجلان بنشاط لتنظيم الشعب المصرى لقيام بأعمال العنف ويبدو مستبعدا فى الوقت الحاضر أن تتورط الجماعة فى أية نشاطات تخالف بصورة مباشرة الحكومة الحالية , وينطبق ذلك بالنسبة لحزب مصر الفتاة ولكن بصورة اقل.
ودارت مناقشات مستفيضة حول شن حرب عصابات ضد القوات البريطانية فى دوائر جماعة الإخوان المسلمين والشبان المسلمين .
والإخوان المسلمون مسلحون تسليحا جيدا وكتائب الجوالة التابعة لهم جيدة التدريب ويمكن للجماعة أن تستخدمها إذا قررت الالتجاء غلى حرب العصابات ولكن الموقف حتى هذه اللحظة لا ينبئ بوجود أى شئ خلف الفكرة العامة وعلاوة على ذلك أعلنت لجنة تحرير النيل تشكيل " كتائب للتحرير" فى جميع أنحاء مصر وبدأت تدريب أعضائها على استخدام الأسلحة.
ويقال إن هذه الكتائب تتلقى التدريب على أيدى ضباط من الجيش والشرطة.ووجهت اللجنة نداء إلى الشباب المصرى للانضمام إلى هذه الوحدات شبه العسكرية.ولكن السفارة ترى أن قوة الإخوان تتركز فى معارضة الوفد بشدة مما يضمن للجماعة قدرا من التأييد وتسامح الحكومة والقصر معهم".

ومن هذا كله يتضح طبقا لما تقوله السفارة أن الجماعة ترتبط بخيوط مع الحكومة.وبتوجيه الشيخ البنا للقاء الأمير محمد على ولى العهد.

قال المرشد العام:

أريد مخلصا تجنب الاضطرابات الداخلية.وينقل ولى العهد ذلك إلى جميس بوكر القائم بأعمال السفير البريطانى

قائلا: لا يمكن الوثوق بالبنا فى ذلك ولكن سياسته تبدو فى الوقت الحاضر هادفة إلى تحقيق أثر مهدئ على العناصر المثيرة للإزعاج.

قدمت لمجلس الأمن 3 مشروعات :

الأول : من البرازيل باستئناف المفاوضات بين مصر وبريطانيا وفى حالة فشل المفاوضات تتبع الوسائل السلمية الأخرى محل النزاع.وقد أيديت الولايات المتحدة هذا المشروع.
الثانى: من كولومبيا ويقول بأن جلاء القوات البريطانية رهن باتفاق بين مصر وبريطانيا لتأمين حرية الملاحة فى قناة السويس.
الثالث: من الصين ولا يختلف كثيرا عن المشروع البرازيلى وايدت المشروعات الثلاثة استئناف المفاوضات .

امتنعت الولايات المتحدة عن تقديم أية مبادرة إلى مجلس الأمن وأيدت بريطانيا تأييدا كاملا.وامتنع الاتحاد السوفيتى وبولندا عن التصويت على أى مشروع قرار لا يتضمن صراحة الجلاء الكامل عن مصر , وإن احتفظا برأيهما بالنسبة للسودان.

أما بريطانيا فعارضت أى قرار ينتقدها , وأصرت على أن معاهدة 1936 سارية حتى يعاد النظر فيها باتفاق الطرفين , أى باتفاق بينها وبين مصر.ولم يحصل أى من المشروعات الثلاثة على الأصوات السبعة المطلوبة ليصبح قرارا.

واكتفى خمسة أعضاء بينهم الولايات المتحدة بإعلان أن مصر لم تقدم دليلا على أن الصراع بين البلدين يشكل خطرا للسلام العالمى وبذلك فإن مجلس الأمن ليس ملزما باتخاذ قرار.

ورفضت الدول الخمس أى قرار بالجلاء بل أرادوا قرار متوازنا يشير إلى أن استئناف المفاوضات سيؤدى إلى جلاء جنود بريطانيا العاجل عن مصر.

دعا الشيخ البنا الشعب غلى ترك العمل والذهاب إلى المساجد فى ذات الساعة التى تعرض فيها قضية مصر أمام مجلس الأمن للدعاء لها بالنجاح وأن يلهم الله مجلس الأمن التوفيق والسداد.

وخطب النقراشي مرتين فى الجلسة الختامية لمجلس الأمن يوم 10 من سبتمبر قال إن مصر ظلت فريسة العدوان خمسة وستين عاما . وكل ما تطلبه أن تعطى حقها الطبيعى". ولكن مجلس الأمن لا يلهم التوفيق أو الرشاد بالنسبة لمصر!

لم يستطع المجلس إلى قرار فى أى من المشروعات الثلاثة وانفض فى المساء بعد اجتماعات استمرت 35 يوما دون اتخاذ قرار فى الموضوع وأجل القضية لأل غير مسمى مع الاحتفاظ بالنزاع المصرى البريطانى فى جدول الأعمال.وقامت المظاهرات فى مصر فى اليوم ذاته ضد بريطانيا احتجاجا.

اعترض المسئولون فى وزارة الخارجية الأمريكية على سياسة بريطانيا فى مصر.. وكان من بين المعارضين لهذه السياسة لوى هندرسون مدير إدارة افريقيا والشرق الأدنى وجوردون ميريام رئيس قسم الشرق الأدنى والوزير الأمريكى المفوض فى مصر بنكتى تاك .

وابلغ هندرسون ذلك إلى السفارة البريطانية فى واشنطن. وكتب مذكرة إلى وزير الخارجية الأمريكية قال فيها:

" وجود القوات البريطانية فى مصر يسمم وبسرعة مناخ منطقة الشرق الأوسط والأدنى كلها.وإذا لم يتم الإعلان فى المستقبل القريب عن أنه سيتم سحب هذه القوات دون شرط فإن علاقات العالم العربى مع الدول الغربية ربما تتعرض لضرر بالغ خلال سنوات عديدة قادمة ".

ويوجه مساعده جوردن ميريام نقدا يفكر بيفن أيضا فى نقل القاعدة البريطانية من مصر إلى برقة فى ليبيا مع بقاء القوات البريطانية فى مصر حتى يتم ضمان القاعدة البديلة!ويزور النقراشي واشنطن ويلتقى بجورج مارشال وزير الخارجية والرئيس ترومان.

قال النقراشي للوزير الأمريكى:

الدين الإسلامى يتعارض مع الشيوعية ولكن استمرار بقاء القوات البريطانية فى مصر يثير استياء ويوفر أرضا خصبة للتسلل الشيوعى

وقال النقراشي:

إذا لم تعامل الولايات المتحدة مصر على قدم المساواة وباعتبارها دولة مستقلة فإن التأييد المصرى للدول الديمقراطية لن يكون متوقعا.

أعرب مارشال عن سروره الشخصى للاجتماع برئيس وزراء مصر ولكن أحدا من الرجلين لم ينجح فى اختراق تحفظ الآخر فقد بقيا متباعدين .. كما قال مارشال وهو يصف نتيجة الاجتماع.

ويطلب النقراشي من الأمريكية مساعدة اقتصادية وقرضا قدره 80 مليون دولار وشراء القطن المصرى طويل التيلة وبعثة عسكرية أمريكية لتطوير الجيش والطيران المصرى وتدريب المصريين فى أمريكا, وتشغيل المطارات العسكرية والمدنية وإقامة مصانع للأسلحة الصغيرة والذخيرة ز ولكن خاب أمل النقراشي فى الولايات المتحدة.

قال له الأمريكيون:

لا بوجود قانون أمريكى لتقديم مثل هذه المعونة. فلما ألح النقراشى اعترفوا بأن الكونجرس يدرس قانونا للبعثات العسكرية ولكن أى برنامج للقوات المسلحة المصرية يحتاج إلى صناعة مصرية لتدعيمه.

وقالوا له:

إذا نشأ لدى المصريين إنطباع بأنه يمكن الحصول على مساعدة أمريكية بمجرد طلبها فإن ذلك يعتمد على التوصل إلى نهاية ناجحة للمفاوضات المصرية البريطانية.

وألقى الأمريكيون " ماء باردا " على طلب المساعدة الاقتصادية. ولم يعرف النقراشي أن السبب هو التقارب الأمريكى البريطاني وأن البريطانيين قالوا للأمريكيين:ما نريده هو التعاون معكم فى الشرق الأوسط بدلا من أن تحلوا محلنا.

أى تحركات من جانب الولايات المتحدة فى مصر ز ستكون موضع استياء لندن.إقامة بعثة عسكرية أمريكية فى مصر بعد سنوات طويلة من النفوذ البريطانى إحراج فاس لبريطانيا قد يؤثر على العراق والدول العربية ويقلل من النفوذ البريطانى فى المنطقة.

وإذا كان [[النقراشي قد أراد إغراء الأمريكيين بأن مصر ضد الشيوعية وأن عدم المجىء يساعد على انتشارها فى مصر . فإن البنا دون اتفاق مع النقراشي. وبدون علمه أيضا أراد استمالة السفارة الأمريكية فى القاهرة لأن الإخوان يستطيعون مساعدة الولايات المتحدة فى مكافحة الشيوعية التى قد تنتشر فى مصر.

وكان هدف البنا . مثل النقراشي, محاولة التفرقة بين الإنجليز والأمريكيين وإقناع الولايات المتحدة بخطر الشيوعية التى قد تزحف على مصر.وموقف الإخوان من الشيوعية واضح عبروا عنه فى مناسبات بأن الشيوعية والدين متناقضات

قالت صحيفة " الإخوان ":

الشيوعية مذهب هدام يحرض على الثورة ويعتبرها الوسيلة الوحيدة لتنفيذ أغراضه . ويسير مع هذا النظام الإلحاد والإباحية .

وقال البنا فى تصريحات علنية إن الحل الوحيد لتلافى إخطار الفكر الشيوعى الوافد هو الاتجاه إلى الصناعات الكبرى وتحديد الملكية الزراعية وزيادة الانتاج والعودة إلى تعاليم الإسلام الحنيف. وقال إن الأساليب البوليسية لمكافحة الشيوعية لن تجدى.

طلب المرشد العام للمرة الثانية مقابلة فيليب ايرلاند السكرتير الأول للسفارة الأمريكية بالقاهرة.تم اللقاء بين المرشد العام والسكرتير السفارة الأمريكية فى بيت ايرلاند وحضره محمد الحلوجى من أعضاء الجماعة والدكتور محمود عساف مدير إعلانات صحيفة الإخوان.

احتسى المرشد زجاجة الكوكاكولا كما قال محضر الاجتماع الذى كتبه ايرلاند ثم قال:

الشيوعية فى الشرق الأوسط خطر داهم على جميع الشعوب . والإخوان المسلمون يحاربون الشيوعية بكل الوسائل الممكنة. ومن الطبيعة أن يترك أعضاء الجماعة عملهم الأصلى لدخول الخلايا الشيوعية للحصول على المعلومات وعندما يفعلون ذلك فنهم يتركون وظائفهم .
وبذلك يفقدون مرتباتهم وإذا أمكن تعينهم على أساس أنهم محققون وباحثون فإن هذه المشكلة يسهل حلها.واقترح الشيخ البنا انشاء مكتب مستقل مشترك بين الإخوان والحكومة الأمريكية لمحاربة الشيوعية.
وفهم ايرلاند من ذلك أن تتولى الولايات المتحدة إدارة المكتب بينما يكون أعضاؤه فى أغلب الأحيان من الإخوان.
ابدى المرشد العام تحفظا واحدا. قال : أمريكا تؤيد أهداف الصهيونية ولذلك يجب أن تكون للإخوان حرية الاعتراض على أمريكا فى هذه النقطة.
دارت مناقشات بين ايرلاند والشيخ الذى أحس أنه أعطى انطباعا بأنه والجماعة اندفعوا وراء المعونات الأمريكية كما يقول إيرلاند

فقال الشيخ:

الجماعة لا ترغب فى الحصول على سنت واحد من المال الأمريكى. وسيكون المشروع بأكمله فى يد السفارة الأمريكية ويسعد الإخوان إمداد السفارة بالأشخاص المناسبين بالقدر الذى تراه السفارة ضروريا.

رفض ايرلاند قائلا:

لن نرحب الحكومة الأمريكية بمثل هذا العرض إن معوناتنا التقدم للمنظمات الخاصة أو المنظمات شبه العلنية . ولكنها تقدم فقط للحكومات كما هو الحال بالنسبة لليونان وتركيا.

قال المرشد العام:

لا أريد إجابة ولكنى أرغب فقط فى عرض الفكرة وسيجرى محمود عساف معك محادثات تفصيلية.

ولكن..فى اليوم التالى نشرت صحيفة " الإخوان المسلمون" مقالا عنوانه " أمريكا والعالم العربى".. هاجمت فيه الولايات المتحدة الأمريكية.

قال الكاتب عمر عزمى:

" هذا القلم الذى بهرنى منظره واجتذبنى بهرجته فاشتريته ثم ندمت على افتتانه حسن المظهر سيئ الجوهر .. هذا القلم أمريكى. وهذه القصة أو المجلة التى أعجبنى مجلدها واستهوتنى صورها أمريكية لأنها قصة فجة بلا حبكة, ولا موضوع ولا أسلوب أدبى.
وهذه ربطة العنق المتعددة الألوان الفاقعة أمريكية لأنها ذات مادة رخيصة سرعان ما يذهب طلاؤها ويتمزق نسيجها . وهذه السيارة الفارهة التى تخطف بصرك فى الشوارع بلونها الباهر وهيكلها الفاخر , لا تلبث بعد فحص محركها إلا أن تلعن بائعها, أمريكية.
وهذا الشاب الوسيم ذو المنظار الذهبى الذى يتنافى مظهره مع ما يبطن من عربدة فى الأخلاق , وجهل فى الثقافة العامة , أمريكى ولكنه تلقى فنون الاحتيال على الطريقة الأمريكية!!
وفى وسعنا أن ندرك كنه هذا الطابع وسره إذا رجعنا إلى تاريخ تكوين الولايات المتحدة الأمريكية , فالشعب الأمريكى خليط من مختلف الأجناس التى هجرت أوطانها واتخذت من أمريكا وطنا لها.وهؤلاء المهاجرون ماديون بنشأتهم أنانيون بطبعهم لايهمهم من الحياة إلا التنقيب عن الذهب واتخاذ دولارات منه يغرون بها العالم".

ويزور ايرلاند صديقا له فيجئ الشيخ البنا لزيارة ذلك الصديق وعلى الفور قال ايرلاند للشيخ:

أشعر بالدهشة لأنك عرضت بذلك جهود مشتركة بين الإخوان والسفارة وفى اليوم التالى مباشرة نشر عمر عزمي مقالا فى جريدة الإخوان حمل فيه بعنف على أمريكا وسياستها ووصفها بأنها مخادعة وهاجم نزاهة الأمريكيين عامة .

حاول الشيخ البنا أن يصور المقال بأنه ليست له أهمية وانه نتيجة الغضب الذى يشعر به الإخوان تجاه أسلوب امريكا فى فلسطين.أترك مثل هذه الأمور لرئيس تحرير الصحيفة وربما سيحل محله شخص آخر وآمل ألا يؤثر الحادث على اقتراحاتى.

قال ايرلاند:

من الصعب اتخاذ إجراءات عملية !

وتوجه محمود عساف ومحمود الحلوجي بعد ذلك لمقابلة ايرلاند وبحثا معه تفصيلات إنشاء مكتب لمكافحة الشيوعية ولكن ايرلاند أبلغهما بأن هناك أملا ضئيلا فى تنفيذ المشروع.

ويفشل البنا فى الاجتماع بإبراهيم عبد الهادي باشا رئيس الديوان ولكنه يلتقى بأحمد خشبة باشا رئيس الوزراء بالنيابة ليدعوه إلى تنسيق النضال المشترك.وافق خشبة ولكنه طلب من المرشد العام الانتظار حتى يعود النقراشي باشا من مجلس الأمن.

وتوجه صحيفة الإخوان نداء إلى الأمة يدعوها لضم الصفوف لتحقيق الحرية والاستقلال بدلا من الانفعال المؤقت ونتوخى اليقظة والتأنى بدلا من تأجير الشقق لهم أو التعامل معهم وإبعاد البريطانيين ورعيا الدول التى صوتت ضد مصر فى مجلس الأمن من البلاد!

ويستمر الإخوان فى حملتهم على الوفد عساف مدير شركة إعلانات الإخوان الذى يستقبل من عضوية الهيئة التأسيسية للجماعة حتى لا يقال إن الإخوان يهاجمون الوفد بنفس أسلوبه بل ينسب الهجوم إلى صحيفة لا تنتمى للجماعة ويشترك فى التحرير الشاعر محمد مصطفي حمام..

وكانت قد صدرت فى مصر مجلة " الكشكول" لصاحبها سليمان فوزي لتهاجم سعد زغلول واتبعت " الكشكول الجديد " أسلوب " الكشكول " الأول القديم لتهاجم زعيم حزب الوفد الجديد مصطفي النحاس باشا.

ومن العدد الأول , انتقدت المجلة زعيم الوفد الذى يحمل لقب " سير" من بريطانيا وتهاوت المجلة فى هجومها على الوفد وزعيمه إلى مستوى جريدة " صوت الأمة" وغيرها من صحف الوفد فقد انحدرت صحف ذلك الزمان واندفع الإخوان والوفد بعنف فى الهجوم واللدد فى الخصومة.

عاد النقراشي إلى مصر يوم 21 من سبتمبر بعد غياب طويل فأعد له الإخوان استقبالا حماسيا رائعا على أمل أن يسلك طريقهم فى الجهاد ضد الإنجليز .

ولكن النقراشي كان قد فقد توزانه كما يرى سيريل كويليام مراسل صحيفة التايمس البريطانية الذى كتب يقولك

" أحس النقراشي بأن العالم يقف ضده وأن مهمته فشلت فشلا كاملا"

ولم يكن النقراشي وحده الذى يشعر بذلك بل غمرت هذه الأحاسيس مصر كلها .وجدت مصر نفسها فى عزلة بعد قرار مجلس الأمن . وساعد قيام الحرب الباردة على زيادة مخاوف المصريين من قرب قيام حرب عالمية ثالثة . وبقاء القوات البريطانية إلى أجل غير مسمى فى مصر وعودتها إلى احتلال قلب المدن الكبرى.

وانتشر وباء الكوليرا ليضاعف السخط الشعبى قتل الوباء 12 ألفا من المصريين ولكن الحكومة بعد 3 شهور نجحت فى القضاء عليه.ودعا الإخوان إلى مقاطعة الأمم المتحدة والدول التى وقفت ضد مصر فى مجلس الأمن وتظاهروا تحية لرئيس الوزراء وتأييدا له بينما حملت عليه الصحف الوفدية.

وطلبت الجماعة إلى شعب وادى النيل إعلان الجهاد قائلة إن ذلك ليس تعصبا وليس نضالا مؤقتا ودعت النقراشي إلى قيادة الشعب فى الكفاح أو يفسح الطريق لوزارة ثورية مجاهدة.

وتجمعت المظاهرات بعنف ضد الإنجليز فى الإسكندرية.وتحرك الشيوعيون فحرضوا على أكبر إضراب فى مصانع الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى وشاركوا فى إضراب لعمال شبرا الخيمة. حدد النقراشي سياسته وهى " تجاهل الإنجليز تجاهلا تاما" كان ذلك دون مطلب الإخوان .

فبعث الجماعة إليه برسالة قالت فيها:

" شعر الإخوان منذ عودتكم من أمريكا , بعد تعليق القضية المصرية فى مجلس المن, بأن تلك الحماسة الباهرة خبت جذوتها ولانت حدتها. ولم يجد الإخوان أن الحكومة خطت بالأمة خطوة حازمة فى تحقيق مطالبها أو نهجت نهجا واضحا فى إصلاح الداخلى يقضى على مظاهر التحلل والفساد فى حياتها الاجتماعية.
وقد أصدرت الحكومة أمرها إلى رجالها بالوقوف فى طريق نشاط الإخوان ومنع حفل فرع هيئة وادى النيل العليا بالمنيا لإنقاذ فلسطين بمجرد أن تبنيت الإدارة أن للإخوان يدا فى إقامته وقبض على بعض طلاب الجامعة من الإخوان وزج فى السجن وعوملوا أسوأ معاملة".

ويكتب بنكنى تاك القائم بالأعمال الأمريكى إلى واشنطن يصف حال مصر قال:

" حكومة النقراشي مستقرة والجامعات أجلت الدراسة. والوفديون هادئون عدا مقالات يكتبها محمود أبو الفتح فى صحيفة " المصر" .. المتصلون بالقصر يقولون إن صاحب الجلالة يرى أنه لا داعى لسحب ثقته من النقراشي فالملك يكره النحاس ولا يريد عودته. والمفاوضات مع بريطانيا لن تستأنف إلا إذا انسحبوا من مصر وعدوا نهائيا بالانسحاب.
ولكن الإنجليز لن يتفاوضوا مع رجل انهال عليهم بالسوط فى مجلس الأمن وجعل العالم ينظر إليهم باحتقار.ومع ذلك فالنقراشي يعتبر رئيس الوزراء المثالى لعقد معاهدة مع بريطانيا فقد أظهر مشاعره المعادية لها. وربما يقبل الشعب معاهدة يوقعها النقراشى أكثر من معاهدة يوقعها النحاس."

كان النقراشي قد انتصر وهو لا يدرى توقعت وزارة الخارجية البريطانية أن يعود إلى القاهرة من مجلس الأمن فيطلب التفاوض مع بريطانيا لإنهاء الأزمة. ويهدد بعرض نتيجة المفاوضات على مجلس والرأى العام العالمى ويثير المشاكل.ولذلك أرسلت وزارة الخارجية إلى رؤساء أركان حرب القوات البريطانية تطلب منهم الوصول إلى حل يرضى مصر ويتفق مع المتطلبات العسكرية البريطانية فى الوقت نفسه.

وقال وزارة الخارجية:

نريد بداية جديدة للمفاوضات لا تعتمد على معاهدة 1936 أو مشروع معاهدة صدقى بيفن.ولا توجد فرصة للاتفاق مع مصر على وضع وحدات عسكرية أو نواه يادة إقليمية للشرق الأوسط وقت السلم.ولا توجد لدينا تسهيلات فى فلسطين ولكننا نمسك زمام الأمور فى برقة بليبيا.
وطلبت وزارة الخارجية من القادة العسكريين بذل كل جهد لتخفيض مطالبهم العسكرية من مصر وقت السلم وتمسكت بحق عودة القوات البريطانية إلى مصر عند الضرورة.وقالت وزارة الخارجية للقادة

نريد تحسين فرصة الوصول إلى معاهدة مع مصر.

واستعملوا التسهيلات العسكرية فى مناطق ليست كثيفة السكان مثل سيناء وإقامة قواعد بديلة فى الدول المجاورة كالأردن بدلا من منطقة القناة ودلتا نهر النيل.

اجتمع رؤساء أركان الحرب وبعثوا إلى وزارة الخارجية فى 20 من نوفمبر 1947 يقولون:

" لا يمكن إقامة قواعد عسكرية مرضية فى سيناء والأردن مهما أنفقنا من أموال طائلة والأفضل العمل على تخفيض متطلباتنا وقت السلم.ولكن لا يمكن الاستغناء عن مصر كقاعدة فى حالة نشوب حرب عامة فى الشرق الأوسط ولا توجد منطقة آخرى لها نف إمكانات مصر الصناعية وتسهيلات الموانى والطائرات والمنشآت الادارية والقوى العاملة.
ومن الضرورى أن نحصل على حق إعادة دخول قواتنا وقت الحرب وضمان صيانة هذه التسهيلات وقت السلم.ولذلك يجب وجود فنيين بريطانيين فى مصر وقت السلم لأن المصريين لا يستطيعون صيانة هذه المنشآت.
وإذا أردنا سحب قواتنا بسرعة إلى سيناء فلا توجد بها إلا منشآت إدارية محدودة فى رفح ولابد من القيام بأ‘مال ضخمة لتوفير مصادر المياه ولا تتوفر عمالة كافية أو موان مجهزة ومستودعات"

وينتهى رأى رؤساء أركان الحرب إلى ضرورة إقامة القيادة المشتركة بمصر وقت الحرب.ولكن رؤساء الأركان يخفضون مطالبهم إلى الحد الأدنى وقت السلم فيقترحون أن يبقى عدد محدود من الفنيين البريطانيين فى مصر بملابس مدنية وقت السلم لإدارة وصيانة المنشآت لتكون صالحة لاستعمال والاحتفاظ بالحد الأدنى من التسهيلات الإستراتيجية فى منطقة القناة وقت السلم وحق إعادة دخول القوات البريطانية وقت الحرب.

ووافق القادة البريطانيون على أن يتولى المصريون مهمة حراسة المنشآت واقترحوا تدريب المصريين على الدفاع الجوى والقيام بطلعات إلى القواعد الجوية فى برقة وقبرص. وهذه القرارات هى التى وافقت عليها مصر تقريبا, فى اتفاقها مع بريطانيا بعد الثورة عام 1954 ولكن النقراشي لم يكن يعلم بهذا كله.ولم يكن الإخوان أو الوفد يعرفون.

فى تقارير المخابرات البريطانية أن 15 من الجماعات السياسية المتطرفة وحدت صفوفها فى سبتمبر من عام 1947 لمقاومة البريطانيين تحت قيادة البنا.

فقد أقامت منظمات الشباب الوطنى الإخوان والشبان المسلمين ومصر الفتاة والحزب الوطني وحزب مصر الفلاح الاشتراكي جبهة متحدة على أساس وحدة وادى النيل وإلغاء معاهدة 1936 واتفاقية السودان 1899 وأبلغت السكرتير العام للأمم المتحدة بذلك.

ويكتب البنا

" إذا كانت الحكومة تثق بالأمة فعليها أن تتركها تجاهد "

وترد الحكومة بتفتيش مقر صحيفة الجماعة ومركزها العام!

وفى أول يناير 1948 قدم البنا مذكرة إلى الملك فاروق طلب فيها إقالة وزارة النقراشي لسلبيتها بسبب تقاعسها عن المطالبة بإلغاء معاهدة 1936 واتفاقية الحكم المشترك للسودان واحتج على سياسة " السودنة" التى تطبق فى السودان واعتبر الحكومة المصرية مسئولة عنها! وانتقد وقوف الحكومة مكتوفة اليدى منذ عودة رئيس لوزراء من مجلس الأمن:ودعا إلى تشكيل وزارة قوية قادرة.

وشكا من أن الحكومة أصدرت تعليمات إلى البوليس للحد من نشاط جماعة الإخوان المسلمين منذ قيام الإخوان عريضتهم إلى الملك لإقالة الوزارة وحذر الشيخ من أن الإخوان لن يلتزموا الصمت أو يقفوا مكتوفى الأيدي. إذا أدت تصرفات الحكومة إلى ضياع حقوق البلاد .. غير أن الإخوان يلتزمون بنصوص القانون والدستور فى معارضتهم !

وعارض البنا استئناف المفاوضات مؤكدا أن الكفاح المسلح هو الخيار الوحيد أمام مصر.وقال إن شعب وادى النيل مستعد لتقديم جميع لتضحيات ولا يحتاج إلا إلى القيادة وحسن التنظيم.

واختتم البنا مذكرته التى نشرتها صحيفة " الإخوان " بالحديث عن المحنة الاقتصادية التى تواجهها مصر ودعا إلى تشكيل جبهة لتحقيق أمانى الأمة . ويطرأ عنصر جديد فى الأزمات المتلاحقة بين الإخوان .والملك والنقراشي يحول الأنظار عن مصر وعن كلمات النقراشي المدوية فى مجلس الأمن والتى سمعها الإنجليز لأول مرة.(أيها القراصنة .. أخرجوا من بلادنا) اتجهت مصر ولأول مرة منذ زمن بعيد إلى اليمن كانت هناك أسباب قوية ولكنها كانت نقلة بعيدة!

ثورة ... ولكن بعيدة

أذيع فى عدن يوم 14 من يناير 1948 أن ثورة قامت فى اليمن وأن الإمام يحيى حميد الدين قتل وأن عبد الله بن الوزير بويع بالإمامة. وكان النبأ كاذبا فالإمام يجلس على كرسى العرش يحكم ويدير شئون البلاد!

ولكن النبأ جعل مصر كلها تتلفت حولها إلى يمن وما يجرى فيه.... وإلى الإخوان المسلمين ودورهم فيه! حكم الإمام يحيى بلاده منذ عام 1904 وهو زعيم طائفة الزيدية التى تضم معظم السكان.

استطاع الإمام أن يجمع القوات لمحاربة الذين يحتلون اليمن.ورفع معهم معاهدة عام 1911 حققت البلاد الاستقلال الذى استكمل تماما بعد هزيمة الأتراك فى الحرب العالمية الأولي.

وعقد الإمام معاهدة مع إيطاليا اعترفت فيها باستقلال اليمن. وعقد مع السوفييت معاهدة تجارية.واعترفت بريطانيا باستقلال اليمن عام 1934 بمعاهدة , كما وقع فى نفس السنة معاهدة مع السعودية لتعيين الحدود تنص على التحالف والمساعدة المتبادلة أثناء الحرب.

وفى عامى 45, 46 عقد معاهدتين مع كل من مصر والعراق,.وانضم للجامعة العربية وقبل عضوا فى الأمم المتحدة ولكن الإمام فرض سياسة العزلة تماما عن العالم الخارجى لخوفه الدائم من الأجانب , بما فى ذلك العرب وما يتوقعه من تدخلهم فى شئون اليمن. وكان أول ما فعله إغلاق المدارس, وجعل مدرسة الصناعة سجنا ,كان يعرض الجيش حافيا!

شكا الناس من ظلم الإمام, وطلب وزراؤه زيادة المرتبات. رفض الإمام وقال للوزراء:

قتل سلطان الجن, وأصبحت حكومة الجن فى حالة فوضى. وإنى أحاول تعيين سلطان آخر بدلا من السلطان القتيل, وعلى الناس الاجتماع بيوتهم حتى يتم ذلك.وأبلغ الإمام عماله بأن على الناس أن يستعملوا القطران فى بيوتهم وأبدانهم تحفظا من الجن!
صدق الناس الإمام وأقلبوا على شراء القطران واختبئوا فى بيوتهم خائفين لأنهم أى الجن بلا سلطان يحكمهم.

اجتمع الإمام بوزرائه بعد أن سمع ذلك وقال لهم:

مثل هذا الشعب لا يمكن أن يثور على إمامه!

فى البرقية رقم 57 وتاريخها 30 من سبتمبر 1954 قال وليم ساندر نائب القنصل الأمريكى فى عدن:

" يعتمد الإمام على الطابع الكهنونتى لسلطته. وهو أشبه بشخصيات الأمراء الذين أظهروا فى جنوب غرب ألمانيا فى العصور الوسطى وإدارة اليمن شخصية تماما الإمام هو السلطة التنفيذية.والتشريعية والقضائية ويقال إنه ينسخ جلسات المحاكم بخط يده.
وأى طلب للحصول على أدوية من الصيدلية الملكية , التى تحتكر هذه الأدوية يجب أن يصدق عليه أحد أمراء الأسرة المالكة وطلب الحصول على البنزين يجب أن يصدق عليه أمير آخر!
والأمن الداخلى على ما يرام ولكن يتولى جنديان على الأقل , من حرس القصر مراقبة كل زائر لليمن وينقلان تقاريرهما إلى الإمام مباشرة.والميزانية وثروة الإمام الشخصية ب 160 مليون ريال على الأقل حوالى 45 مليون جنيه استرلينى وهذه لثروة مدفونة تحت بلاط قصره فى صفائح " جاز" ونظامه الضريبى " اغتصاب على نظام واسع"
وبسبب نظام الحكم انخفض الإنتاج عما كان عليه منذ ثلاثين عاما . والإمام فى الثامنة والسبعين من عمره يصفه زواره بأنه شخصية جذابة مؤثرة. وأدت هذه الجاذبية إلى حمل الكثيرين ممن التقوا به على عدم تصديق أن هذا هو الرجل الذى سمعوا عنه الكير جدا من الأشياء التى تحط من قدره !
وهناك شائعات بان الإمام أصيب أخيرا بنوبة شلل... وربما تكون هذه الشائعات نوعا من الأمنيات.ومن النادر أن يغادر الإمام عاصمته وخلال السنوات الأولى للحرب العالمية الثانية كان الإمام متهما على نطاق واسع بأنه موال لايطاليا لأن أوثق علاقاته مع الأجانب كانت مع الإيطاليين والأطباء الأربعة الذين لا يوجد غيرهم فى اليمن .. إيطاليون.
والذين يعرفون اليمن جيدا يقولون غنه لم يكن مواليا لايطاليا ولكنه مناهض نشيط لبريطانيا وكان يرغب فى إدخال النفوذ الإيطالى إلى البحر الأحمر لموازنة النفوذ البريطانى وتأكد موقفه من عدم الثقة بالأجانب من خلال حوادث تعسة منذ بضع سنوات قيل إن غواصا يونانيا , تلقى خمسين ألف ريال يمنى مقدما لتشييد بعض المنشآت فى ميناء الحديدة ثم اختفى.
ويحتل أبناء الإمام وهم " سيوف الإسلام " وعددهم تسعة معظم المراكز العليا فى الإدارة اليمنية.أما إخوة الإمام الخمسة فقد طردهم جميعا من اليمن".
وتنبأت برقية القنصل الأمريكي بالمستقبل قالت :
"عين الإمام ابنه الأكبر أحمد... وليا للعهد.ورغم أن شغل منصب الإمام يتم بالانتخاب لا بالوراثة. وأحمد فى الثانية والخمسين من عمره ,هو نائب الملك فى تعز ويحمل أيضا لقب القائد العام.وأكسبته أعماله التى اشتهرت بقسوة بالغة, وخداع ,وانحراف لقب " النمر" وتجمع الآراء على أن حكمه سيكون أسوأ من حكم أبيه.
ولا يخلو حكم الإمام من عناصر المعارضة رغم الإجراءات القاسية ومعظم المعارضين اللاجئين فى عدن ينتمون إلى "حزب الأحرار اليمنى" وهم شبان مثقفون تأثروا بالأفكار العصرية عن طريق مصر التى تروج لنزعات ديمقراطية تقدمية".

وصفت صحيفة الإخوان المسلمين سوء الحوال فى البلاد فقالت:

" يشعر الشعب اليمنى بأنه متخلف عن ركب الحياة , يعيش فى مجاهل الظلام. بينه وبين الرقى والتقدم حجاب منيع من الظلم والأوضاع التى لا تتفق مع مطالب العصر, وحاول المستنيرون من أبنائه أن يتقدموا بالنصيحة لجلالة الإمام. وطالبوا بالإصلاح الضرورى الذى لابد منه فلم يجدوا إلا العنت والإرهاق مما اضطرهم إلى الهجرة والتشتت فى كل مكان وألقوا على أنفسهم " اليمين الأحرار".

وصلت إلى اليمن بعثة فرنسية تطلب من الإمام يحيى السماح بمد سكة حديد من الحديدة إلى صنعاء فلم يوافق واتفقت شركة أمريكية مع اليمنى على التنقيب عن البترول عام 1946 وفى توقيع الإمام ولكنه رفض عندما علم أن أجر العامل فى الشركة ريال كل يوم فاستكثر الأجر بالنسبة لمرتب الجندى والعامل الحكومى كما أن أجر عشرة عمال للبناء أو الزراعة ريال واحد فى الشهر.

وف كتابه " لمحات من ذكريات الطفولة " قال اللواء عبد الله جزيلان:

" نمى إلى علم ولى العهد أحمد أن أهالى تعز يحوزون صناديق الطرب " فونوغراف" فأمر العكفة الحرس الخاص باقتحام البيوت ومصادرة هذه الصناديق لأنها كما تصور –سبب للفساد.وهدد بهدم كل بيت يخفى شيئا من الصناديق أو الصحون " الاسطوانات" وهدمت بعض البيوت ... فعلا"

وينتهز البنا فرصة وجود صالح محسن سكرتير الإمام أحمد بالقاهرة فيحمله رسالة شخصية للإمام... ثم يسلم القاضى العمرى رئيس الوزراء رسالة

قال المرشد العام للإمام يحيى:

" لم يعد بد من أن تقوم فى اليمن حكومة إسلامية مسئولة ذات اختصاصات وسلطات واضحة يؤازرها مجلس شورى يمثل طبقات الشعب.ولن ينتقص ذلك شيئا من حقوق الإمامة وسلطانها الشرعى فلها الرأى الأعلى ولكنه تنظيم يرتفع معه شعور الأمة بحريتها وكرامتها الإنسانية . وكان حرص جلالتكم علي سلامة الأمة الوطنية وصيانة تقاليدها واستقلالها يحمل دائما على الحذر من التعجل بمطالب الإصلاح الذى لابد فيه من الخبراء الأجانب .
وبحمد الله على أنه وفق البلاد العربية إلى امتياز فى مضمار التقدم الاقتصادي يجعلها كفيلة بإمداد اليمن بما تريده من الخبراء بمجرد إشارة من مولانا الإمام بقى أن أتقدم إلى جلالتكم مستأذنا فى شأن أبنائكم فى المهجر الذين دفعتهم الغيرة وحب الخير للدولة والأمة والله فتنادوا بالمطالب الإصلاحية ودعوا إلى الأخذ بأسباب التقدم العمرانى تدفعهم حماسة الشباب إلى شئ من التطرف".

وهكذا رأى الإخوان أن يكونوا واسطة بين الإمام وشعبه وحددوا للإمام دوره وما يجب أن يكون عليه الحاكم المسلم!ّ قدر عدد سكان اليمن بنحو خمسة ملايين يربط مدنها الكبرى خط العراق حكومة ويدفع الأهالى ثمنا غاليا لبرقياتهم.والتليفون للاتصالات الحكومية وحدها أما البريد فينقل بالجمال .ويملك اليمن باخرة واحدة وطائرة واحدة يستعملها الإمام.

وممنوع على الشعب أن يركب أية طائرة حتى لا يطير فى السماء بينما الأمراء على الأرض! وعدد السيارات ستون !والطرق ممهدة.وكانت لليمن إذاعة تعمل نصف ساعة. بعد مغرب يوم الخميس من كل أسبوع . لإذاعة الأخبار الرسمية ولا تقدم غناء أو برامج.ولا توجد ميزانية عامة للدولة!

ولم يكنن بالبلاد بنك يمنى أو أجنبى والعملة المتداولة هى الريال الفضى النمسوى وعليه صورة امرأة هى إمبراطورة النمسا ماريا تريزا , وقد تم صكه فى فيينا عام 1785!ويعتمد الإمام يحيى على نظام الرهائن كما كان يفعل محمد على باشا والى مصر فأتى إلى صنعاء بنحو 4000 من أبناء القبائل ليضمن ولاءها ويستخدم كل قبيلة ضد الأخرى.

وكان من الطبيعى أن ينظر إلى الإمام على أنه مبعث آلامهم وشقائهم وحرمانهم فبدأ الهجوم عليه فى 14 من مايو 1944 عندما تحالف ضده أربعة من زعماء البلاد اللاجئين إلى عدن!وعندما اشتدت الحملة أوفد الإمام يحيى ولى عهده الأمير أحمد إلى عدن فى 11 من أبريل 1946 فوعد بإنشاء جمعية دستورية ولم ينفذ ذلك.

رأى معارضو الإمام التضامن ضده . فاتخذت الجمعية اليمنية الكبرى التى يرأسها سيف الإسلام إبراهيم الابن الثامن للإمام أحمد الذى أطلق عليه الناس لقب " سيف الحق" مع حزب الأحرار فى 21 من نوفمبر واصدورا فى عدن صحيفة جديدة " صوت اليمن " دفع لها التجار 30 ألف ريال أى ما يعادل سبعة آلاف جنيه استرلينى للمطالبة بالإصلاح.

وكتب سيف الحق إبراهيم إلى أبيه يقول:

" أنا ضد حكمكم الذى لا يعبر عن حاجات الشعب بل يولد النقمة عليكم"! وقام الأطباء فى عدن بفحص الإمام. الذى بلغ الثامنة والسبعين فوجده كما قالت صحيفة الإخوان المسلمين مصابا بمرض لا يستطع معه أن يحكم على الأمور حكما صحيحا!

وقال فريق طبى من البحرية الأمريكية فحص الإمام فى مايو 1947 بأنه يتوقع وفاته خلال شهور قليلة.أثناء الحج التقى الشيخ البنا بعبد الله الشماحي المعارض اليمنى وتلازما فى مكة والمدينة. شرح الشماحى للمرشد العام الوضع باليمن .

واتفقا على التعاون بين الإخوان والمنظمات الدينية اليمينة.وعد البنا بمساعدة النضال اليمنى وفتح أواب الجماعة للشباب اليمنى الذى جاء إلى القاهرة للدراسة.

قال الثائر اليمنى على ناصر العنسى:

" كنا ندرس فى الأزهر وبدأنا الاتصال بالإخوان المسلمين, ومنهم البنا الذى كان يرى أن اليمن أنسب بلاد إستراتيجية, ولها مناخ مناسب للإخوان وأخذ يهتم بنا اهتماما خاصا".وفى هذه اللقاءات كان الإخوان يقولون إنهم مقتنعون بأن الحكم فى اليمن " لايمثل الإسلام بل شوهه ولهذا فالإخوان ضده".

وفى رسالة دكتوراه قدمت لجامعة بون عن " حركة المعارضة اليمنية " قال الدكتور أحمد قايد الصائدى:

" من خلال الطلاب اليمنيين مصر تحققت علاقة الإخوان بحركة المعارضة اليمينة وهذه العلاقة ترجع بدايتها إلى أواخر الثلاثينات أو بداية الأربعينات".

أعد المرشد العام خطة ذكية:

انتهز الأساتذة المصريون الذين يعملون باليمن فرصة وصول سيف الإمام البدر سيف الإسلام أحمد ولى العهد وحفيد الإمام يحيى إلى القاهرة للعلاج فدعوه لحضور إحدى ندواتهم التى يقيمونها فى المركز العام للجماعة وهناك تعرف بالبدر وتم اللقاء مع الطلبة اليمنيين الذين يدرسون بالقاهرة.

وتوطدت العلاقة بين الجميع.وقام البنا بدعوتهم لقضاء يوم فى محافظة الفيوم.وأثناء حضور إحدى الندوات تعرف الجميع على الفضيل الورتلاني وهو عالم ومجاهد جزائري فى الأربعين من عمره اختير سكرتيرا عاما لجبهة الدفاع عن شمال أفريقيا . كافح ضد الإستعمار الفرنسى فى الجزائر ثم هرب من فرنسا إلى سويسرا وأقام بمصر عندما علم أن الفرنسيين يزمعون قتله.

وكان الورتلانى يجتمع باليمنيين بعد انتهاء الندوات ويزورهم بالفندق ويتردد على سيف الإسلام البدر . انضم إلى هذه المجموعة محمد سالم سالم صاحب شركة أتوبيس الشرقية وهو صديق للمرشد العالم والعالم الدكتور أحمد فخري الذى زار اليمن من قبل وهو أيضا من الجماعة.

ومع تطور علاقة البدر بهذه الشخصيات نشأت فكرة سفر الفضيل الورتلاني إلى اليمن كمندوب عن محمد سالم لتأسيس شركة تجارية بها يرافقه الدكتور أحمد فخري عالم الآثار فقد استطاع البدر إقناع أبيه بأن الورتلانى على جانب كبير من العلم والدين.

وصل الورتلانى إلى صنعاء فى أبريل 1947 وقد ارتدى الجبة والعمامة! نجح فى اكتساب ثقة الإمام وقدم إليه تقريرا عن الإصلاحات التى يجب القيام بها.

ونشرت صحيفة " الإخوان المسلمين " فى 3 أغسطس عام 1947 هذا التقرير بمقدمة للشيخ البنا قال فيها:

" العالم العربى والإسلامى كله رجاء فى أن يسرع جلالة الإمام مؤيدا منشورا بإقرار النواحى الإصلاحية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية التى تنهض بشعبه حتى لا يدع ثغرة ينفذ منها الاستعمار الأجنبى".

مع قدوم الورتلانى الذى أطلق عليه لقب " مهندس الثورة "

انتقلت رياحها اليمن فقد اندفع الورتلانى فى إقامة الندوات وإلقاء المحاضرات فى المدارس والمساجد والحفلات فسرت روح الثورة إلى الشباب والضباط وطلاب المدارس .

وبسبب أعماله التجارية واتصالاته فى عدن وثقة الإمام فيه استطاع الورتلانى أن يقوم برحلات عدة إلى عدن دون أن يثير شكوك الإمام يحيى حوله نتيجة لذلك أصبح الواسطة بن المعارضين المهاجرين والمنفيين فى عدن وبين قوى المعارضة داخل اليمن.

وفى كتاب "ثورة 1948" الذى أعده مركز الدراسات والبحوث اليمنى قال :

" إن رسل الثورة تحمل المعلومات إلى الثوار فى عدن وإلى البنا فى القاهرة وانتهت الاتصالات بالموافقة على أن يكون عبد الله الوزير إماما دستوريا لليمن على رأس حكومة دستورية".

ونجح الورتلانى فى أن يؤلف بين كل المعارضين لإمام اليمن وجعلهم يوقعون "الميثاق الوطنى المقدس" فى 14 من سبتمبر 1947 قائلا:

هذا الميثاق تم بمعرفة واطلاع ومباركة زعيم الإخوان المسلمين البنا

وأكد أحمد حسن الشامى فى كتابه "رياح فى اليمن":

" وضع الورتلانى والبنا الخطوط العريضة الأولى للميثاق لتكون اليمن نواه لدولة الإسلام إذا نشأت ونمت على مبادئ قرآنية.وقد أيقنا أن اليمن أفضل من غيرها من البلاد العربية . ويمكن أن تكون منطلقا لدعوة إسلامية صادقة صحيحة بإنشاء دولة تحكم بما أنزل الله وتستقطب زعماء علماء وعباقرة المسلمين"

وفى كتاب محمود عبد الحليم " الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ":

اعترف الكاتب بان فكرة إعداد الشعب اليمنى للثورة نبتت فى المركز العام للجماعة!

وقال كتاب " ثورة 1948":

" كان البنا يظن أن إصلاح المجتمعات العربية والإسلامية لا يتحقق إلا فى ظل حكومة دينية أو خلافة إسلامية على نمط الخلفاء الراشدين مع اعتبارها طرأ على العالم من نظم ونظريات وعلوم جديدة يؤخذ منها ما يتلاءم مع أحكام الشريعة الإسلامية كنظام مزيج من القديم والحديث ليكون دستورا لحكومة خلافة إسلامية.ورأى البنا أن اليمن أنسب بلد عربى لتحقيق قيام دولته الدينية

ويقول الدكتور الصائدى:

" لم تقتصر علاقة الإخوان بحركة المعارضة على تقديم النصح والتوجيه وإنما تجاوزت ذلك إلى دعم مادي مكن هذه الحركة من النشاط الإعلامى فأصدرت صحفا ومنشورات علنية كما فتح الإخوان صدر صحفهم لشن حملات دعائية ضد الحكم القائم فى اليمن.
وهذه العلاقة تدخل ضمن المخطط العام للإخوان الطامح إلى إقامة دولة إسلامكية تشمل العالم الإسلامى.وقد لعب الإخوان دورا بارزا, سواء فى تنشيط حركة المعارضة وتحديد أهدافها السياسية أو فى الإعداد للإنقلاب وتنفيذه ودعمه".

أعدت فى عدن خطة الثورة والبيان الذى سيصدر بإعلانها وقام الإخوان بطبع هذا كله.وكان حاكم عدن ريجنالد شامبيون يعرف القصة كاملة ... وقد رواها فى برقياته إلى لندن .

قال:

" يوم 10 من يناير 1948 تلقيت معلومات من مصدر أثق به أن رسولا وصل إلى عدن قادما من صنعاء يحمل أنباء عن انقلاب وشيك فى العاصمة. وأشارت المعلومات إل أن هذا الإنقلاب سوف ينفذ خلال أسبوع وحمل الرسول معه مشروع دستور ومسودة بيان لطبعهما فى عدن بواسطة الصحافة اليمنية الحرة ونشره فى صحيفة " صوت اليمن".
أوفد هذا الرسول إلى المندوب المحلى للمتآمرين فى عدن وهو تاجر يمنى يتميتع بذكاء كبير ويملك قدرا من الثروة.فور علم التاجر بالأنباء الواردة من صنعاء بعث لى وهو فريسة لظن خاطئ بأنى سأوافق على مساعدة المؤامرة يطلب أن اقدم طائرة تتولى إلقاء نسخ من بيان الثورة على نطاق واسع فوق اليمن لمنع إراقة الدماء وضمان الهدوء والثقة .
والبديل الآخر الذى طولبت بالموافقة عليه هو استئجار طائرة للقيام بمهمة حمل هذا البيان من عدن.وثالثا . طلب تسهيلات لنقله شخصيا مع عدد قليل من رفاقه من عدن إلى هضبة معينة حيث يستطيعون الاتصال المباشر بالمركز اليمنى الإقليمى الهام (البيضاء)
وبطبيعة الحال . رفضت كل هذه الطلبات وعندئذ تم إبلاغى باسم رئيس المؤامرة الذى اختير ليتولى الإمامة بعد وفاة الإمام يحيى وهو عبد الله الوزير .وقال مصدرى إن مؤامرة واسعة الانتشار وقوية وأن المشتركين فيها من الشخصيات الهامة ذات النفوذ فى اليمن .

وقيل إن عددا من أبناء الإمام شاركوا فيها بينهم على الأقل إبراهيم وعلى وإسماعيل أما " حزب اليمنيين الأحرار" فقد عرف أنه اشترك بطبع الكتيبات اللازمة وفى صباح 14 من يناير 1948 ذكر لى مصدرى أن الإمام سيغتال فى ذلك اليوم أو فى يوم الجمعة 16 من يناير.

وبعد ذلك يعتزم القائمون بالعملية قتل ولى العهد سيف الإسلام أحمد فى " تعز".وفى نفس الوقت تلقيت تحذيرا من مصدر موثوق به بأن ولى العهد قدم رشاوى ضخمة إلى مجموعة من رجال قبائل عدن لاستغلال الظروف المضطربة فى المحمية عدن لقتل سيف الإسلام إبراهيم والزعماء الآخرين لحركة اليمنيين الأحرار فى عدن وإحراق مكاتبها وصحفها.
وتقع هذه المكاتب عند أطراف الحى اليهودى ويمكن تنفيذ ما يريده ولى العهد بسهولة.وطبقا لهذه المكاتب أصدرت التعليمات إلى مدير الشرطة باتخاذ احتياطات خاصة عند مداخل الموقع المذكور.
وفى ظل تلك الظروف رأيت من الحكمة إلغاء الزيارة الرسمية للفرقاطة البريطانية " لوش كويش" لميناء الحديدة والتى كان مقررا لها يوم 16 من يناير خشية أن يساء فهم . أو تفسير . وجودها , فى يوم خطير كهذا سواء من جانب الإمام فى حالة فشل المؤامرة؛
أو من جانب المتآمرين فى حالة نجاحها وأبلغت الإمام برقيا أنه لابد من تأجيل الزيارة بسبب تغيير مفاجئ فى برنامج السفينة ووجدت هذه الحجة سندا لها من الأحداث فقد أرسلت السفينة بعد أيام قليلة على وجه السرعة إلى مقديشو بوقوع اضطرابات هناك.
ولأسباب بديهة, ألغيت أيضا زيارة كنت أعتزم القيام بها لجزيرة قمران خلال الفترة من 15 إلى 18 من يناير وكنت آمل خلالها إجراء مناقشات غير رسمية حول قضايا الحدود".

فى صنعاء سلح رجل ونجح فى دخول القصر واقتحام غرفة نوم الإمام يحيى فى القصر فاعتقد الثوار أن الخطة نجحت فأبرقوا بذلك إلى عدن فى 14 من يناير .

ويروى حاكم عدن ما جرى عنده قال:

فى ساعة مبكرة من صباح يوم 15 من يناير 1948 أبلغنى صدرى بأن صديقنا المشترك المتأخر خادم غالب الوجيه الوكيل التجارى للإمام يحيى فى عدن تلقى فى ساعة متأخرة من الليلة السابقة برقية بالشفرة من صنعاء من محمد على مرشد الوكيل التجارى لحكومة عدن فسرها بأنها تعنى أن الإمام قتل .
وخلال يومين وصلت تقارير عديدة من مصادر موثوق بها تفيد أن الإمام قد مات.وعلى الفور أصبحت عدن كلها مقتنعة تماما بذلك .وكان سيف الإسلام إبراهيم على يقين من هذا النبأ إلى حد أنه أرسل برقية إلى عبد الله الوزير فى صنعاء لتهنئته بتولية الخلافة ويلتمس منه الرأفة لأبناء الإمام يحيى.
وبعث سيف الإسلام إبراهيم بالنبأ إلى القاهرة وأماكن أخرى فى الشرق الأوسط مما أدى إلى صدور العديد من البيانات الصحفية والإذاعية".

أذيع من عدن بيان الثورة وأن عبد الله بن الوزير بويع بالإمامة خلفا للإمام يحيى.وعبد الله بن الوزير كان قائدا عاما لجيوش الإمام يحيى ومحافظا للحديدة وأصبح عضوا بارزا فى ديوانه وهو سليل بيت إمامة وعلم من أسلافه المرتضى محمد بن إبراهيم مؤلف كتاب " إيثار الحق على الخلق"!

وأوفد حاكم عدن ضابط شرطة إلى سيف الإسلام إبراهيم لينتقل إليه تعازيه الشخصية مما جعل الجميع يوقنون تماما بان الإمام... قد مات"
لم يعرف الثوار فى عدن حقيقة ما جرى فى قصر الإمام فى صنعاء ... فقد اعتقل " القاتل" قبل أن يقوم بمهمته فى اغتيال الإمام ولكنه أى القاتل استطاع الهرب فظن زملاؤه الذين رأوه يهرب انه نجح فأذاعوا النبأ .

وعندما عرف حاكم عدن ذلك أسرع يبرق إلى لندن قائلا:

" لم أقدم التعازى إلى سيف الإسلام إبراهيم. ولكن مدير الشرطة بعث إليه تحذيرا شخصيا من الاعتداء المنتظر من جانب أخيه سيف الإسلام أحمد كما بعث إليه بجنود يحمونه من هذا الاعتداء . وربما يكون الأمير قد أساء فهم ذلك بقصد . أو بغير قصد!
وظل الجميع زمنا يتبادلون الاتهامات حول الخبر الكاذب ... وأن الغرض من إذاعته " التوريط"

قيل إن كان حكومة عدن التجارى فى الحديدة عرف بدخول " القاتل " إلى غرفة نوم الإمام يحيى فا برق بالنبأ إلى حاكم عدن الذى أبلغ به إذاعة لندن ولم ينتظر الثوار فى عدن ما يصلهم من مصدرهم بل اكتسحتهم الفرحة ونشروا الخبر فى صحيفة " صوت اليمن" مع الميثاق وأذاعوا أيضا تشكيل حكومة الدستور.

وقيل إن ولى العهد أحمد هو الذى دبر تلك الإشاعة ليكشف أوراق المتآمرين.ولكن الأقرب للمنطق فى ظل ظروف اليمن فى ذلك الزمان أنه بمجرد دخول "المسلح" غرفة نوم ظن الجميع إن الإمام الذى يناهز الثمانين لن يستطيع مقاومة قاتلة!
ولكن هذه الإشاعة أكدت لولى العهد أن مؤامرة تجرى للإطاحة به وأبيه فبقى بعيدا عن العاصمة ينتظر ويستعد ... متحفزا للمقاومة.

استدعى الإمام.عبد الله بن الوزير وقال له:

يا ولد ياعبد أنت تريد ان تكون إما وهذه " تشعوبة" ... أى خيال!استنكر عبد الله الوزير النبأ ووصفه بالإفك والبهتان وقال غن الجمعية اليمينة الكبرى استعملت اسمه لإثارة القلاقل فى صنعاء . وأكد بالإيمان المغلظة عدم علمه بشئ...

ونشر ابن الوزير فى صحيفة " الإيمان" التى تصدر صنعاء مقالا أكد فيه " ولا لا تزعزعه العواصف للإمام يحيى وأن سيف الإسلام أحمد هو ولى الهد الشرعى الذى سبق أن بايعته بالخلافة . القلوب . قبل الأكف..!

تلقى حاكم عدن تقريرا من صنعاء يقول:

" كان الإمام يحيى مريضا جدا مرة أخرى فى 19 من يناير بسبب معاودة إصابته بمرضه المزمن. وقد رفض أن يعالجه الأطباء ( ليس هذا غريبا فى مثل هذه الظروف.) بيد أنه استجاب بطريقة جيدة لحقن المورفين التى كان ابنه سيف الإسلام الحسين يعطيها له"

وهذا التقرير يبين أن مرض الإمام فى الأيام التالية لمحاولة الانقلاب هو الذى أدى به إلى اتخاذ موقف سلبى إزاء عبد الله بن الوزير!

نشرت صحيفة الإخوان أحداث صنعاء بأسلوب آخر . قالت:

" مرض الإمام مرضا شديدا وتخلف عن شهودا العرض الذى كان مقررا أن يحضره فى صنعاء.وانطلقت الشائعات بوفاته.وتعجل الأحرار النبأ فأذاعوه فى عدن. وأبرقوا إلى الدوائر العربية والإسلامية والصحف فى خارجها"

فقد رأت الجماعة أنه من غير اللائق انخراطها فى مؤامرة تهدف إلى الإطاحة بملك .. بينما فاروق ملكا على مصر.. ولذلك زعمت الجماعة عدم وجود معرفة مسبقة لديها عن المؤامرة , وأعلنت أنها تلقت أنباء وفاة يحيى وخلافة الوزير له ونسخة من الميثاق المقدس عن طريق برقية من سيف الحق إبراهيم فى عدن!

تظاهر الإمام يحيى بالاطمئنان لموقف عبد الله بن لوزير...ولكنه أخذ يستعد لمقاومة الثورة القادمة فأمر أتباعه بإخفاء عشرة ملايين جنيه من الذهب فى مكان سرى . وقتل الذين اشتركوا فى هذه العملية لضمان السرية الكاملة.استمرت البلبلة شهرا ثارت خلاله عدة أسئلة عن بيان الثورة .. الصادر قبل موعده.

شرح حاكم عدن موقف الإمام يحيى ذلك الشهر فقال:

" ما زال الشئ الذى يحتاج إلى تفسير كيف أن مؤامرة واسعة النطاق بهذه الصورة لم يترتب عليها إذا كانت قد فشلت حقا توقيع عقوبات قاسية على العديد من زعماء المتآمرين .
وإذا كان الإمام يتمتع بحريته وقدراته فإنى استخلص أن المؤامرة قوية لدرجة طاغية والإمام عاجز عن التعامل معها , ومسموح له أن يعيش مجردا من القدرة على الاعتراض على أى شئ.
وإذا كان الإمام قد أصبح عاجزا فإن هذه الحقيقة يخفى بعناية والموقف غامض جدا. ويجب متابعة الأنباء بحرص والتعامل معها بتحفظ".

كانت خطة الثورة فى البداية انتظار موت الإمام يحيى موتا طبيعيا فهو مريض مسن.ولكن رأى الثوار التعجيل بالثورة فقد كشفت ترتيباتهم . وبدأ الإمام الذى شفى من مرضه بمهد لضرب رجالات الثورة مما ولد حالة من الفزع فى صفوفهم إذ كانوا فى متناول قبضته. فلم يبق لديهم خيار فإما أن ينتظروا الضربة التى تقع أو أن يبادروا إلى تحاشيها بالقضاء على الإمام .

خرج الإمام يحيى يوم 17 من فبراير 1948 فى سيارته إلى قرية " حيز " التى تبعد عشرة كيلو مترات عن صنعاء . وكانت عادة الإمام أن يخرج إلى الجبل يوميا ومعه حفيده.أعد له كمين.

أعترضت موكبه إحدى السيارات الثورة ومعها مدفع رشاش وضع على عربة لورى فأطلقت منه رصاصات استقرت خمسون منها فى جسد الإمام المريض فمات فى الحال ومعه رئيس وزراه القاضى عبد الله العمرى وخادمه.

وقتل ولداه الحسين ومحسن عندما أرادا مقاومة الثورة . وتركا بدون دفن ثمانية أيام كاملة كما قتل حفيد الإمام. واعتقل ثلاثة من أبنائه وهم القاسم وعلى وإسماعيل.

أبلغ زعماء القبائل والمحافظون فى أنحاء اليمن بأن الإمام توفى بالسكتة القلبية ولكن خبر موته الدموى انتشر بين الناس ووصل إلى القرى مثيرا الشكوك تجاه الحكم الجديد.

فى القاهرة قالت صحيفة الإخوان:

" توفى جلالة الإمام إلى رحمة الله, وحاول رئيس الحكومة السابقة مع بعض الأمراء أن يعارضوا الوضع الجديد فاعتدى عليه بعض أنصاره" لم تكن لبريطانيا , أو الولايات المتحدة . سفارة أو مفوضية فى صنعاء وكانت بريطانيا تمارس علاقتها باليمن من خلال حاكم عدن.

قال تقرير لوزارة الخارجية البريطانية:

" هناك سخط شعبى نتيجة للحكم الطاغى والاستبداد لملك اليمن السابق وبعد محاولة فاشلة فى يناير لعبد الله الوزير كبير أسرة حاكمة فى ليمن ووزير الدولة السابق نجح مبدئيا فى القيام بثورة وأرسى قواعدها فى العاصمة وأجب خصمه الأول سيف الإسلام أحمد أكبر أبناء الإمام الراحل على اللجوء إلى جنوب اليمن".

أما الولايات المتحدة فعلاقتها باليمن عن طريق المفوضية الأمريكية فى جدة فى بريقية من ريفز شايلدز القائم بأعمال المفوضية الأمريكية فى جدة قال:

" قام باغتيال ضابطان يمنيان و26 جنديا والضابط الرئيسى هو المقدم غالب سرى من أصل تركى ومساعدة ابن السلال من أصل يمنى درس فى العراق ودبر الاغتيال جمال جميل مدير الأمن العام فى اليمن.وهو عراقى"

ولكن كاتب " ثورة 1948 " يقول:

إن الشيخ اليمنى ناصر القردعى هو الذى قتل الإمام مع 15 رجلا.وأعد كمين مشابه لولى العهد أحمد فى ضواحى تعز ولكنه تمكن من الهرب بعد أن تنكر فى ملابس الجنود.بويع عبد الله بن الوزير أمير للمؤمنين وإمام للمسلمين يوم 17 من فبراير عام 1948.
كان الإمام الجديد فى الستين من عمره عرف بتمسكه بحقوق بلاده ودينه وعروبته وكان مشهورا بأنفته وشموخه وكثرة صمته مما جعل بعض الناس يتهمونه بالكبرياء .

قال أحمد الشامى فى كتابه " رياح التغيير فى اليمن "

إن عبد الله الوزير كان روحانيا متصوفا , إذا لم يجد فى مجلسه من لا يستحق الحضور معه بحسه وشعوره وفكره سبح فى عوالم أخرى. مفكرا أو مسبحا ومهللا أو مستغفرا. أو متذكرا"...

وكانت لهذه الصفات أثرها فى تغيير مصير الثورة اليمنية! اختارت الثورة مصريا من أعضاء البعثة التعليمية المصرية فى اليمن من جماعة الإخوان وهو الدكتور مصطفى الشمعة الذى أصبح بعد ذلك عميدا لكلية آداب جامعة عين شمس ليكون مديرا للإذاعة فجعلها تعمل أربع ساعات يوميا.

وكان يقوم بدور المذيع والمقرئ والمطرب ومعد نشرات الأخبار والأحاديث!ويقرر مجلس وزراء حكومة الثورة , أو حكومة الدستور كما أطلق البعض عليها تعيين الورتلانى أول مستشار عام للدولة . ويطلب من الشيخ البنا والفريق عزيز المصري أن يكونا من المستشارين العموميين للحكومة!

طلب الأمير إبراهيم من حاكم عدن " ريجنالد شامبيون" طائرة تابعة للسلاح الجوى الملكى البريطانى نقله على صنعاء . وطلب عبد الله بن الوزير من حاكم عدن المساعدة.كان الحاكم يعرف مساوئ حكم الإمام يحيى ويميل لتأييد الثورة . ولكنه تردد فى الإستجابة لهذه الخطوة فهى تعنى الاعتراف بالنظام الثورى الجديد فى اليمن.

بعث إلى لندن يطلب رأيها!بحثت وزارة الخارجية البريطانية الموقف من جميع نواحيه وأعدت مذكرة جاء فيها:

" الشواهد لدينا غير كافية لنحدد ما إذا كان الحكم الجديد قد استقر كما يدعى ولكن اثنين من أبناء الإمام السابق وهما سيف الإسلام أحمد وسيف الإسلام الحسن ما زالا طليقين وقد يحاولان القيام بتمرد مضاد.وإذا كان عبد الله بن الوزير قد جاء ليبقى فهناك ميزات واضحة فى تبنى موقف ودى تجاهه فى الحال .
ونطلب السماح بتمثيل دبلوماسى بريطانى فى صنعاء ورسم الحدود بين اليمن ومحمية عدن على أساس معاهدة صنعاء عام 1934 وإذا أيدنا من البداية نظام الحكم الجديد فستكزن أمامنا فرصة أفضل لضمان موافقة يمنية على هذين الاقتراحين.
ومن ناحية أخرى إذا ألزمنا أنفسنا بالاعتراف بنظام حكم سوف ينهار فإننا بطبيعة الحال سنكون فى موقف أسوأ.ولما كان عدن هو المصدر الوحيد لمعلوماتنا فينبغى أن نعتمد عليه لتفادى هذا الخطر , ولذلك يجب أن نترك له حرية الحركة مع التأكيد على الحذر فلابد من أن نكون على يقين من استقرار الثورة قبل عمل شئ قد يعتبر اعترافا ضمنيا بها".

وافقت الحكومة البريطانية على هذه السياسة فقد وجدت " أن الثورة لم تستقر تماما".وطلبت من حاكم عدن أن يرفض طلب الأمير إبراهيم بإعطائه طائر وأن يتحسس الحاكم خطواته ببطء!وكان القرار البريطانى يعنى الانتهازية ... والانتظار حتى تستقر الثورة !

ولكن الأمير إبراهيم لم ينتظر بل قام وزملاؤه بالسفر إلى صنعاء بطريق البر .رفض سيف الإسلام عبد الله شقيق الإمام أحمد الاعتراف بعبد الله الوزير إمام .

وأبرق من باريس إلى صحافة القاهرة يقول:

" المأساة مفجعة ولا يمكن أن تقوم مبايعة شرعية حرة تحت جو من الضغط ولا يوجد من به دم يجرى , وعرق ينبض , إلا ويؤيد انتصار الحق وعودة الأمور إلى مجراها تحت راية الإمام الشرعى جلالة الإمام أحمد نصره الله.ولابد من معاقبة المجرمين".

وأسرع سيف الإسلام عبد الله إلى القاهرة يزور والترس مارت الوزير المفوض للشئون الشرقية بالسفارة ليتأكد من حياد بريطانيا إزاء أحداث اليمن سأله: هل تساندون أو تنوون تأييد عبد الله بن الوزير؟

آمل صدور بيان حكومتكم بالتزام الحياد وألا تدخل أية سفينة حربية بريطانية المياه الإقليمية كما آمل ألا توجهوا أى تشجيع أو مساعدة لحزب الأحرار اليمنى فى عدن.

وقال :

لقد أفزعتني أنباء صحفية تشير إلى قيام سفن حربية بريطانية بعمليات فى مضيق باب المندب.

رد والترس مارت:

لم تعرف لحكومة البريطانية بالإمام الوزير , ولن تعترف بأى إمام فى اليمن حتى تهدأ الأمور ويستقر النظام!

النكسة

أعلن الإخوان المسلمون من اليوم الأول تأييدهم للثورة فى اليمن ونشطوا فى مصر وسوريا والعراق يحركون رجالهم لمطالبة دول الجامعة العربية بالاعتراف بعبد الله الوزير وحكومته.

وهنأ المركز العام وصحيفة الجماعة " الأمة اليمنية الشقيقة بنظامها الجديد وإمامها الصالح".

وأبرق المرشد للإمام مهنئا فأذيعت برقيته من إذاعة صنعاء ووصفت صحيفة الإخوان ألإمام الجديد فقالت:

" عرف الإمام عبد الله الوزير بن الوزير الإمام الجديد بدينه وتقواه, وفقهه وعلمه واجتهاده ,

وأصالة الرأى ونضوج الفكر , وعظيم الغيرة على الدولة وأنه فقيه اليمن وشيخها وعالمها وحفيد الأئمة من آل الوزير"

وقالت صحيفة الإخوان:

" لا ينتظر أن يحدث شئ من حروب أهلية أو ثورات داخلية ف‘ن الوضع الجديد أختمر فى النفوس والرءوس من قبل وهو أمنية الجميع رؤساء ومرءوسين".

ونشرت الصحيفة بعد 48 ساعة من قيام الثورة "الميثاق الوطنى المقدس " للحكومة الدستورية الجديدة.وقالت إنها " تنفرد بهذا النشر لا فى مصر وحدها بل فى جميع بلاد الأرض"!وهذا يدل على أن الميثاق كان موجودا لدى الجماعة فى القاهرة ... فقد شاركت فى إعداده وارتبطت بالثورة قبل قيامها!

قال الدكتور الصائدى:

" لعب الفضيل الورتلاني دورا أساسيا فى وضع الترتيبات اللازمة لانتقال الإمامة بعد موت يحيى إلى عبد الله الوزير.وقد شملت هذه الترتيبات تحديد أسماء أعضاء الحكومة والموظفين الشوربين ومديرى الوزارت".

وأكدت صحيفة الإخوان تأييدها للثورة مرة أخرى يوم 22 من فبراير سنة 1948.

قالت :

" ليس موقف الإخوان غامضا ولا غريبا فى هذه القضية من أولها إلى آخرها .كان اليمنيون بالقاهرة يترددون على المركز العام فيجدون من الإخوان مشاركة فى مشاعرهم وعطفا على مطالبهم.وقد فوضت الجمعية اليمنية الكبرى المرشد العام فى التحدث باسمها أمام الجامعة العربية".

وأعلنت الصحيفة

" أن النظام الثورى الجديد فى اليمن يلقى من الشعب كل تأييد , وينال ثقته التامة. بل هى أمنيته وهدفه الذى لقى الأحرار فى سبيل الوصول إليه كل صنوف العنت والاضطهاد.
وهو نظام مطابق لما يقضى به المذهب الزيدى الذى لا يقر الإمامة بالوراثة بل تكون بالبيعة ورضاء الشعب.وليس السيف أحمد ولى العهد بالشخص الذى ينال ثقة اليمنيين أو يجد فيهم أنصارا يحدثون شغبا من أجله.
واليمن هادئة مطمئنة إلى عهد الشورى وإلى القائمين عليه ولا ينقصها حتى تستعيد تاريخها المجيد إلا أن تؤازرها الجامعة العربية ودولها".

استأجر الإخوان طائرة خاصة أقلت عبد الحكيم عابدين السكرتير العام للجماعة وأمين إسماعيل سكرتير تحرير صحيفة الإخوان وعبد الرحمن نصرمدير وكالة الأنباء العربية.

وحمل الوفد معه مكبرات للصوت بهدف دعوة القبائل لتأييد الثورة كان فى انتظار وفد الجماعة بمطار صنعاء الأمير البدر الابن الوحيد للسيف احمد وحسين الكبسى وزير الخارجية وعدد من الوزراء مما يدل على اهتمام حكومة الثورة بالإخوان.

أصبح عبد الحكيم عابدين خطيب الانقلاب فى إذاعة صنعاء.وكان يساعده فى الخطب ووضع برامج الإذاعة الإخوان المسلمون المصريون الذين يعملون مدرسين فى صنعاء.عادت الطائرة إلى جدة تقل وفدا يمنيا للقاء ممثلى الجامعة العربية يتألف من نجل الإمام الجديد عبد الله بن على بن الوزير , والفضيل الورتلاني ووزير المعارف فى حكومة الثورة .. محمد محمود الزبيري لشرح الموقف فى اليمن للملك عبد العزيز.

زار الوفد اليمنى " تروت" القائم بالأعمال البريطانى وكرر له طلب الدبابات والطائرات ولكن " تروت " اعتذر قائلا:

لا أملك سلطة التصرف فيما يختص باليمن وأى طلب يجب أن يقدم إلى حاكم عدن فعلامات اليمن ببريطانيا تتم عن طريقه.

وسأل الرجلين عن موت الإمام الراحل فقالا إنه نتيجة للصراع القبلى وطلب الوفد اليمنى من الملك عبد العزيز دبابات وطائرات ولكن صاحب الجلالة أرجأ البت فى الأمر.طلبت حكومة الثورة من دول الجامعة العربية الاعتراف بها ... ودعت وفدا من الجامعة لزيارة اليمن يرأسه عبد الرحمن عزام الأمين العام ليرى استقرار نظام الحكم الجديد فى البد.

ورأت دول الجامعة أن تطبق نفس السياسة الانتهازية البريطانية وإن اختلفت عنها فى بعض التفاصيل.قررت الجامعة إرسال لجنة تمهيدية إلى صنعاء للقيام بتحريات عن أحوالها ومعرفة طبيعة ما يجرى فى البلاد.

وعرض عبد الرحمن عزام أمين الجامعة على حكومة مصر أن تقتصر عضوية اللجنة على المصريين حتى تقوم مصر بتدبير الطائرة المقلة للجنة فرحبت مصر لتسبق غيرها من الدول العربية إلى عاصمة اليمن!

تولى رئاسة اللجنة عبد المنعم مصطفي أحد كبار موظفى وزارة الخارجية لمصرية الذى اختير فيما بعد أمينا مساعدا للجامعة العربية وضمت اللجنة الدبلوماسى المصرى الدكتور حسن إسماعيل المستشار التجارى للموضية المصرية فى برن.

قاد الطائرة الحربية " الداكوتا" قائد الشبر عبد اللطيف البغدادي الذى أصبح أحد أعضاء مجلس الثورة المصرى بعد ثورة 23 يوليو 1952.

استغرقت الرحلة من القاهرة إلى صنعاء 8 ساعات وتوقفت الطائرة فى جدة وفى جزيرة قمران التى تبعد نحو 90 كيلو ترا عن صنعاء.وكان مستحيلا فى تلك الأيام أن تقطع الطائرة المسافة إلى صنعاء بلا توقف! وصف البغدادى صنعاء فى ذلك الزمان فقال إنها قرية والمطار رملى يصلح بصعوبة ليكون مطارا.

وعندما هبطت الطائرة يوم 22 من فبراير صفق بعض الأشخاص لنزولها سالمة وكادت الطائرة ان تصدمهم فقد وقفوا أمامها لا يتحركون ولولا أنه أى البغدادى انحرف بالطائرة لقتلهم جميعا!استقرت البعثة نحو أسبوعين فى صنعاء عرفت خلالها كما يقول البغدادى أن جماعة الإخوان وراء الثورة.

وكان حسن إسماعيل وهو من الإخوان المسلمين قد زار اليمن قبل ذلك فقال البغدادى:

توجد ثورة مضادة ونريد إلقاء منشورات على الأهالى فى تعز والحديدة وغيرهما من مدن اليمن لتأييد الثورة ودعوة اليمنيين إلى لهدوء والسكينة وتحكيم العقل.وكانت المنشورات تنذر ولى العهد أحمد ورجاله بأن الثورة " ستصليهم نارا حامية"!
ومجدت المنشورات مبادئ الثورة فى الحرية والعدالة والدستور وأن الثورة قامت ضد الظلم والطغيان , وإنقاذ البلاد من براثن الاستبداد والجهل والفقر .

ظن البغدادى أن تلك التعليمات عبد المنعم مصطفي فألقى من الطائرة بالمنشورات ثلاث مرات فى ثلاثة أيام ثم عرف بعد ذلك أن حسن إسماعيل يعمل للثورة فأبلغ عبد المنعم بذلك قائلا:

لقد أصبحنا طرفا فى خصومات اليمن وثورته.ولكن صحيفة " الإخوان " فى القاهرة نشرت أن الطائرة قامت بإلقاء منشورات للجامعة العربية وأخرى للحكومة فى أنحاء اليمن!

زعم البغدادى أن بالطائرة عطلا ولابد من الرحيل إلى عدن لإصلاحها وكان هدفه من ذلك التوقف عن إلقاء المنشورات.وعندما عاد إلى صنعاء وجد أن ولى العهد ورجاله يغيرون على صنعاء ليلا ويختفون نهارا وأن الطائرة يمكن أن تصاب بطلقات المهاجمين.

وقالوا له:

إذا دخل ولى العهد صنعاء سيضع أعضاء الوفد برميل ملىء بالزيت المغلى!

عرض الأمر على عبد المنعم مصطفي قائلا:

ليس لنا دور فى هذه العملية ويجب أن نرحل . وفى اليوم التالى نزلت الأمطار وتبين أن بالطائرة عطلا فأصلحت ونصح اليمنيون البغدادى بعدم السفر فى تلك الظروف ولكنه رأى المخاطرة ونقل الوفد إلى جدة ثم القاهرة.

أخذ الملك فاروق يعرقل سفر وفد الجامعة العربية من القاهرة وأصر على أن تقوم بنقله بحرا الطوافة " فاروق بعد أن ضم إلى الوفد سكرتيره الخاص الدكتور حسين حسنى.

وأخيرا فى 29 من فبراير غادر الوفد ميناء السويس يرأسه عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية وأعضاؤه الشيخ يوسف ياسين نائب وزير الخارجية السعودى ومظهر ارسلان باشا عن سوريا وعبد الجليل الراوى عن العراق وتقى الدين الصلح عن لبنان ومدحت جمعة عن الأردن.

ووصل الوفد إلى جده . وتأخر رحيله منها إلى اليمن ثم سافر إلى الرياض بدعوة من الملك عبد العزيز للقائه يوم 4 مارس ثم عاد لسيتقر فى جده يوم 12 من مارس .

فى الندوة التى عقدها مركز الدراسات اليمنية فى فبراير 79 لتقييم ثورة 48 قيل إن دعوة الملك عبد العزيز هدفت إلى منح الأمير أحمد الوقت الكافى لتعزيز قواته قبل وصول بعثة الجامعة العربية إلى اليمن !

انقسمت بعثة الجامعة العربية تجاه الثورة.وقف ممثلو مصر والأردن والمملكة العربية السعودية موقفا معارضا للثورة بينما أبدى ممثلا لبنان وسوريا تعاطفا معها.

قال الشيخ يوسف ياسين القائم بالأعمال البريطانى " تروت":

الملك عبد العزيز مصمم على عدم التورط شخصيا فى اليمن ولكنه يرغب فى الحصول على معلومات دقيقة وقد أتوجه إلى صنعاء.اجتمع ريفز شايلدز الوزير الأمريكى المفوض فى جده بالملك عبد العزيز وحضر الاجتماع فؤاد حمزة مستشار العاهل السعودى.سأل الوزير الأمريكى صاحب الجلالة عن اليمن

فقال صاحب الجلالة:

ليست لدى أنباء جديدة ولا أعرف ما إذا كان الأمير أحمد ينوى الذهاب إلى صنعاء أم لا.

وأضاف:

يعد عبد الله بن الوزير أقوى رجل فى اليمن باستثناء الإمام الراحل

وقال بحرص:

القوة والسلوك الأخلاقى أمران مختلفان تماما. وبالرغم من معرفتى بكفاءة ابن الوزير فلا أستطيع الحكم على قدراته إلا بعد اتضاحها عمليا.

علق شايلدز قائلا:

استشعرت سرور حكومتى الأمريكية تجاه الأسلوب الذى اتبعته جلالتك بشأن الأحداث فى اليمن.

وقال محرضا:

أعربت الحكومة الأمريكية لى عن وجهة نظرها بأنه فى حالة حدوث اضطرابات فى اليمن يمكن لجلالتك انتهاز الفرصة والتقدم داخل اليمن .واستطرد"
قلت لهم إن ذلك لا يتفق مع سياسة جلالتك.

قال الملك عبد العزيز:

الحق كذلك فليست لدى أية مخططات عداونية ضد اليمن .وأكثر من ذلك فبالرغم من عدم وجود أية مصالح للمملكة العربية السعودية فى تأييد الجامعة العربية إلا أنى شعرت أن ذلك مطلوب للمحافظة على التضامن بين الدول العربية.

وعبر الملك عبد العزيز عن سياسة بلاده فقال:

فى الوقت الذى تسود فيه الاضطرابات جميع أنحاء العالم فمن الأفضل الاحتفاظ ودية مع كل البلاد العربية.

قال احمد الشامى فى كتابه:

" لم يستسغ الملك عبد العزيز أن يصرع جاره الإمام المريض العجوز بالرغم من أنه كان صديقا حميما لعبد الله ابن الوزير . وكان فى قرارة نفسه يفضل أن يتربع على العرش , ولكن بطريقة بيعة شرعية دون سفك دماء .
وكان الملك عبد العزيز يعرف الأمير أحمد وشدة مراسه ويخشى من نزق سيفه على الكثير من رجالات اليمن ويخشى أن تثور فتن تضر باستقلال البلاد والإنجليز على الأبواب.ولذلك أوعز إلى عزام باشا أمين عام الجامعة العربية بالتدخل وحسن ذلك لكن من الإمام عبد الله والإمام أحمد فحكما الجامعة العربية.ولجأ أحمد إلى الموافقة على تحكيم الجامعة العربية احتياطا ومكرا واستعدادا لكل الاحتمالات"!

ويجتمع مجلس الشورى لأول مرة فى تاريخ اليمن فيؤدى إمامه الجديد اليمين الدستورية ويقسم بالعمل على سعادة اليمن وأهلها فيبايعه الأمير بدر حفيد الإمام يحيى ونجل الأمير أحمد لانقاذ حياته!

أفرجت الثورة عن أكثر من ثلاثة آلاف من المعتقلين.وقال المتعلمون الذين درسوا فى مصر:" كنا نعيش فى سجن كبير أشبه بسجون القرون الوسطى , لا حرية فى القول أو التجارة أو الكتابة".

ووصفت صحيفة " الإخوان " الهدوء فى اليمن وازدحام صنعاء بزعماء القبائل ووفود المقاطعات " التى قدمت بيعتها إلى عبد الله بن الوزير وأنهم وضعوا تحت تصرف جلالته قواتهم وفرسانهم ليدكوا حصن الظلم والاستبداد".

ويعلن الإمام الجديد فى حديث لصحيفة "الإخوان المسلمين" أنه

" فى غاية الشوق لرؤية المرشد العام . وأنه وإن كان قد رآه بالقلب إلا أنه يود أن يراه رؤية العين . ولكم يكون مسرورا لو زار الشيخ البنا اليمن فى عهد الشورى الدستورى ليستشيره ويستأنس برأيه تحقيقا لإيجاد الحكم الإسلامى الكامل ".

وأبرق حسين الكبسى نائب رئيس وزراء اليمن ووزير خارجيتها إلى الشيخ البنا يقول:" يرغب جلالة الإمام فى وصولكم شخصيا ونرجو ذلك بإلحاح".

وقال

الإسلام هو الصلة القوية التى لا تنفصم عراها أبد الآبدين. وأخوة الإسلام فوق كل أخوة.

ولكن الحكومة المصرية منعت سفر الشيخ البنا كما يقول كتاب " ثورة 48" وكما أكد ذلك عبد القادر عودة وكيل الجماعة فى مرافعته أمام محكمة الجنايات فى قضية اغتيال المرشد العام .

قال:

" إن لحكومة المصرية نبهت على شركة مصر للطيران بمنع سفر المرشد العام.وعلل ذلك بالخوف من أن ننتهى الأمور فى اليمن بغير ما يتمنى الجبابرة الطغاة".

وفى القاهرة يعلن سيف الإسلام عبد الله أنه تلقى برقية من شقيقه الأمير أحمد يعترض فيها على نشاط الإخوان المسلمين فى اليمن.

ارتكبت الثورة أخطاء كثيرة ... أولها اغتيال الإمام بطريقة وحشية وهو عاجز تقريبا عن الحركة ينتظر الموت.ولم يتظاهر الثوار بمعاقبة مرتكبى القتل بل اسندوا المناصب الهامة إليهم مكافأة لهم.وكان من العسير على ملوك العرب التعاطف مع نظام حكم يرتكب الاغتيال السياسى الأول من نوعه فى المنطقة بقتل ملك!

وانقسم الثوار على أنفسهم متزاحمين على المناصب.وعجز عبد الله بن الوزير عن تدبير المال لدفع رواتب الجيش المتأخرة وتأمين ولاء لقبائل بالمنح.ونصل القبائل إلى صنعاء لمبايعة عبد الله الوزير ويبقى جانب من رجالها فى صنعاء لنهب وسلب الحى اليهودى ومحلات المسلمين التجارية.

ويحاول بعض الغوغاء استغلال الموقف فيهاجمون قصر الإمام يريدون نهبه ويصدهم عنه قائد الجيش جمال جميل العراقى .ويصبح الأهالى الذين منعوا من السرقة خصوما للثورة وتفقد صنعاء صنعاء وباقى اليمن جو الأمن الذى أحاد بنظام حكم الإمام يحيى بغض النظر عما كان عليه من قسوة .

وتعتقل الثورة سيوف الإسلام داخل القصر المكلى بينما تبقى على الحراس القدامى للقصر الذين يدينون لهؤلاء الأمراء بالولاء فيستميلونهم ويبعثون بهم رسلا إلى الأمير أحمد الذى استطاع أن يخدع الثوار جميعا .

بعد أن نجا من خطة ثانية وضعتها الثورة لاغتياله.ونشر سيف الإسلام أحمد الشائعات بأنه محاصر فى حجة على مسافة خمسين ميلا من صنعاء وأن القبائل ترفض الانضمام إليه!وأذاع أنه طلب من الملك عبد العزيز آل سعود السماح له باللجوء إلى المملكة العربية السعودية .

وقال إنه يريد الهجرة إلى حرم الله ولم يعد يطيق البقاء فى اليمن بعد قتل أبيه وأخوته ولا يريد إثارة فتنة.وافق العاهل السعودى ولكن ولى العهد كان يناور ونجح فى تأليب القبائل اليمنية ضد الثورة ورشا الجنود بمائة ألف ريال من الذهب.

وأعلن الأمير أحمد أن نظام الثورة يحظى بمساندة السلطات البريطانية وناشد الأمير فى حجة القبائل أن تهب ضد الملك الذى عينه البريطانيون ! وأطلق شائعات بأن الطائرات البريطانية حلقت فوق صنعاء بعد يوم من الاغتيال وأنها أسقطت منشورات !

قوبلت هذه الأنباء بالتصديق من سكان اليمن فإن رئيس الوزراء القتيل كان أكثر المسئولين تمتعا بحب الناس وقبيلته تعتبر أقوى القبائل فى شمال اليمن.وكان الإمام يحيى يتمتع بتبجيل عظيم لدى غالبية الشعب ! وجاء مصرعه صدمة للجميع فلم تكن نهايته بعيدة أو غير متوقعة مما جعل مسألة اغتياله مثيرة للاشمئزاز , وأقنعت عددا كبيرا من اليمنيين بأن حياتهم لن تكون آمنة فى ظل حكم يرأسه قتله!

تولت صحيفة الإخوان المسلمين الدفاع عن اغتيال الإمام فقالت:

" الذين يريدون أن يحملوا الحكومة الجديدة تبعة اغتيال الإمام يظلمونها أشد الظلم فإن كثيرا من اقرب المقربين إلى ألإمام يحيى حاولوا اغتياله أكثر من مرة ولا يستطيع إنسان عاقل أن يتصور أن عبد الله بن الوزير فى ورعة ودينه وعلمه وتقواه وسنه وجلال منصبه وجميل صلته بالإمام يكون له أدنى اتصال بهذا الحادث.
ومن الخير للعدالة ولليمن وللعرب والإسلام ألا يرفض قميص عثمان من جديد وأن تتصرف الجهود إلى ما يجب أن يكون عليه الحكم والوضع الاجتماعي ثم تأخذ العدالة مجراها ويؤخذ الجانى بجنايته".

قالت السفارة البريطانية من القاهرة فى برقية إلى لندن:

" صحيفة "الإخوان المسلمون" هى الصحيفة الوحيدة هنا التى تقدم مساندة حارة وكاملة لنظام الحكم الجديد فى اليمن".

وتحاول حكومة الثورة تأجير طائرتين مصريتين لنقل الجنود ولكن الطائرتين لا تستطيعان الهبوط فى اليمن.

فى البرقية رقم (2) التى بعث بهار يفز القائم بأعمال المفوضية الأمريكية فى جدة قال:

كان من الممكن أن يميل الملك عبد العزيز إلى تاييد الوزير لولا وسائل العنف التى وصل بها إلى الحكم.وهناك اعتبار هام وبارز بالنسبة للملكة العربية السعودية وهو أن تخطى الأمير وتأييد حاكم وصل إلى السلطة بوسائل عنيفة يمكن أن يصبح سابقة ودافعا لإثارة بعض المجموعات أو الفئات أو حتى بعض أفراد الأسرة السعودية الساخطين.

وفاضل الملك عبد العزيز بين عبد الله الوزير وأحمد ورأى أن الأخير أقل استعدادا وخضوعا للضغط لإدخال حكومة دستورية وإصلاحات واسعة النطاق يمكن أن يؤدى إدخالها إلى إثارة المطالبة بمثيل لها فى المملكة السعودية .

ولا نستطيع مصادري تقديم أى دليل إيجابى على ذلك ولكنهم جميعا يرون ف ذلك بمختلف الوسائل المتاحة إليه استطاع إرسال مبعوثين إلى اليمن فورا لجمع التأييد لصالح أحمد وتدعيم المقاومة ضد عبد الله الوزير .

ويمارس الملك عبد العزيز نفوذا عظيما على سكان اليمن غير الشيعيين ويقال أن سلطته المعنوية عليهم عظيمة. وإن لم تكن أكبر من نفوذ الأسرة الحاكمة الشيعية نفسها.

وهناك تلميحات بأن توزيع كمية صغيرة من النقود بصور حكيمة على الشخصيات الهامة باليمن. الموجودة فى موقع السلطة, يمكن أن تؤثر بدورها على عدد كبير من السكان.

ومن الدلائل التى تعزز التفسيرات المطروحة امتناع الشيخ يوسف ياسين نائب وزير الخارجية السعودى عن السماح بعبور وفد الجامعة العربية الذى أرسل من القاهرة إلى اليمن فى الوقت الذى لم يكن فيه القتال قد حسم بين أحمد وعبد الله الوزير.

وسمح بذلك حين أصبح الموقف واضحا!ويعتقد أن معارضة الشيخ يوسف ياسين لسفر الوفد برئاسة عزام باشا من جدة تأثر بالجهود التى تبذلها الحكومة السعودية لتحقيق انتصار سريع لأحمد بالوسائل غير المباشرة.

وكانت تصرفات الملك عبد العزيز بالغة الدهاء والحكمة فقد التزم بالقرار الجماعى للجامعة العربية وأقدم على هذه التدابير الاحتياطية باعتبارها ضرورية لتحقيق نجاح أحمد دون اتخاذ إجراءات علنية تعرض المملكة العربية السعودية للنقد بتدخلها فى الشئون الداخلية لدول أخرى أو لعدم ولائها للجامعة العربية.

ويزحف الأمير أحمد إلى صنعاء ويحاصرها عشرة أيام حتى استطاع رجال القبائل المؤيدون له تسلق أسوار المدينة واقتحامها فى 11 من مارس 1948. وتفشل أول ثورة فى العالم الإسلامى للإخوان دور فيها بعد حكم لم يدم سوى 26 يوما!

ويقتل خمسة آلاف من سكان صنعاء وعندما يدخلها ولى العهد فى 13 من مارس يعلن نفسه ملكا باسم " الناصر لدين الله".

وتبرق السفارة البريطانية فى القاهرة إلى لندن قائلة:

" أيد الشيخ البنا والإخوان المسلمون عبد الله بن الوزير رغم التقارير التى وردت عن فشله"

ويبرق الشيخ البنا إلى إمام اليمن المنتصر يطلب منه الانضمام إلى جامعة الدول العربية طبقا لدستور يستند على الميثاق القومى!

ويعلن البنا تأييده لانضمام قائد التمرد عبد الله الوزير إلى الحكومة الجديدة كرئيس لمجلس الشوري لتتأسس بذلك فى اليمن الحكومة الدستورية . وفى الوقت نفسه يطلب من الجامعة العربية إحضار عبد الحكيم عابدين سكرتير عام الجماعة .

ويستنجد المرشد العام بعزام باشا فى جده لإنقاذ الثورة وعبد الله بن الوزير ... قائلا:

" مهمة مندوب المركز العام للإخوان المسلمين بصنعاء إقناع رجال الحكومة اليمنية الجديدة بالعمل على إطفاء الفتنة بأية وسيلة وتوحيد كلمة الأمة اليمنية وإقناع المسئولين هناك بقبول تحكيم الجامعة العربية على أساس اعلان دستور يمنى عن قواعد الميثاق القومى وإصدار عفو عام عن كل السياسيين اليمنيين الأحرار وغيرهم .
وتأليف الدولة الحيدة من الأمير سيف الإسلام أحمد إماما دستوريا إذا بايعه أهل الحل والعقد وعبد الله بن الوزير رئيسا لمجلس الشورى وحكومة دستورية محددة التبعات والاختصاصات مع حراسة الجامعة العربية لهذا النظام حتى تستقر الأمور"!

اقتيد الثوار إلى حجة فأمر الإمام الجديد أحمد بإعدامهم فى ميدان عام بسيف كالساطور. وقام السياف بضرب عنق عبدالله عدة مرات بعد صلاة الجمعة يوم 9 من أبريل 1948.

ويعفو الإمام عن ابنه الأمير البدر ويكتفى بسجن عبد الله السلال وحمود الجائفى وعبد الرحمن الإيريانى وأحمد محمد نعمان.ويصبح هؤلاء جميعا فيما بعد ثوارا ضد الإمام أحمد وينجحون فى ثورتهم ضد ولى عهده الأمير البدر!

وينجو من الموت الفضيل الورتلاني الذى غادر صنعاء , قبل سقوطها بثلاثة أيام, إلى جده, فسمح له الملك عبد العزيز بمغادرة البلاد وستقل الباخرة "الزمالك" ولكن جميع الدول العربية ترفض السماح له بالدخول فيظل سجينا على ظهر الباخرة شهرين .. وينجح الإخوان فى تهريبه إلى بيروت ومنها إلى باكستان.

وبعد خمس سنوات عندما أثير دوره اليمن أمام محكمة الجنايات التى تحاكم قتله البنا بعث إلى المحكمة برقية نفى فيها ا،ه ينتمى إلى جماعة الإخوان ! وكانت الحكومة المصرية حينئذ ضد الجماعة! اجتمع المصريون باليمن فى منزل أحدهم وتخذوا منه حصنا لهم يتناوبون السهر دفاعا عنه ويتبادلون إطلاق الرصاص مع مهاجميهم وأبرقوا إلى مصر يطلبون انقاذهم.

زارهم أحد سيوف الإسلام يحاول الحصول منهم على معلومات عن الثوار المختفين فاقنعوه بإرسال برقية إلى القاهرة يشكرون فيها الإمام وسيوف الإسلام وقالوا نجونا من الأحداث .

أيامنا جميلة فى طرة وليالينا طيبة كليالى الزيتون ولم يدرك سيف الإسلام أن طره سجن والزيتون معتقل!ولكن الحكومة المصرية فهمت الشفرة!

استدعى الفريق محمد حيدر باشا وزير الحربية المصرى عبد اللطيف البغدادي إلى الوزارة بعد منتصف الليل وأطلعه على برقية أخرى يتوقع "المصريون فى صنعاء".

قالت البرقية:

" انقذونا وإلاّ... فاللقاء فى الجنة".

قال حيدر:

هل تستطيع العودة إلى اليمن لإنقاذ المصريين هناك.

أجاب بالإيجاب قائلا:

هذا واجبنا ولكن لو أصر اليمنيين على ركوب الطائرة فلن نستطيع منعهم وفى هذه الحالة ننقل دفعات متتالية إلى جزيرة قمران .قال حيدر أنه سيفكر.

وطلب من البغدادى مغادرة الغرقة ليجرى اتصالات ربما مع الملك او مع النقراشي ثم استدعى البغدادى مرة أخرى ليقول له:

اذهب إلى اليمن وحلق بالطائرة فوقها قليلا ثم عدة مرة أخرى دون أن تهبط فى المطار أو تنقل أحدا إنها مجرد مناورة.

قال البغدادى:

لم لا تترك لنا تقدير الموقف إذا وجدنا المطار مستعدا لاستقبالنا هبطنا فيه وسيعرف المصريون فى صنعاء ذلك فيسرعون إلى المطار.ومرة أخرى طلب حيدر أن ينفرد بنفسه ليجرى اتصالاته بالمسئولين

ثم عاد يقول:

لا تهبط بالمطار بل طف حوله ثم اهبط فى جزيرة قمران وأبلغنا بالموقف وعندئذ تقرر خطة العمل.فى مطار صنعاء وضعت براميل "وخوازيق" لمنع هبوط الطائرة وأطلقت عليها رصاصات أصابت جناحها فلم تهبط فى المطار وإنما عادت إلى جزيرة قمران ثم جده والقاهرة.

وكان واضحا من تعليمات حيدر باشا أن حكومة مصر لا تريد إنقاذ الإخوان المسلمين فى صنعاء أو إنقاذ أحد الثوار بل تريد أن تتظاهر بمحاولة الإنقاذ فحسب!ولكن النقراشي باشا طلب إلى سيف الإسلام عبد الله الاتصال بشقيقه الإمام أحمد لإطلاق سراح المصريين وهدده فأفرج عنهم وسمح لهم بالسفر إلى تعز وعدن ثم القاهرة.

قالت وزارة الخارجية البريطانية:

" أعرب حاكم عدن وهو مصدرنا الوحيد للأنباء عن شكوكه فى صحة ادعاءات الإمام أحمد بأن اليمن أصبحت تحت سيطرته التامة ويرى الحاكم أن هناك توقعات بحدوث مقاومة ضده فى جنوب اليمن لعدم وجود شعبية لأحد هناك".

وكان السبب فى ذلك استمرار التزام الإنجليز بسياسة الحياد الحذر فى الصراع على السلطة فى اليمن.سأل فيليب ايرلاند سكرتير السفارة الأمريكية بالقاهرة سيف الإسلام عبد الله شقيق الإمام الجديد أحمد عما إذا كان يعتقد بوجود أى تأثيرا خارجى أدى إلى اشتعال التمرد

قال الأمير:

يبدو أن الإخوان كانوا يتوقدون إلى تغيير نظام الحكم فى اليمن.

وأضاف:

كانت صحيفة " الإخوان المسلمين " أول من نشر الأنباء المزيفة حول وفاة الإمام يحيى فى يناير وقد دأبت على مواصلة الهجوم عليه وعلىّ ... على أى سيف الإسلام عبد الله.

وفى البرقية رقم 231 قال فيليب ايرلاند:

" لا يعتقد الأمير بأن هناك تأثيرا غير ملائم من أية مصادر أخرى".

وقال:

" الميثاق الوطنى الذى أصدره عبد الله الوزير والدستور غير مناسبين بالمرة كأساس لحكم اليمن فى الوقت الحاضر.وقد وضع الميثاق مجموعة من المتحمسين الذين حصلوا على بعض الأفكار المتقدمة نسبيا ولكنهم اخفقوا فهم درجة التحصيل الثقافى بالبلاد ولم يدركوا أنها ليست مهيأة للحكم البرلمانى"!

كان الإخوان كما يقول كاتبهم محمود عبد الحليم:

" يتمنون أن تنجح لثورة ليكون للإسلام فى هذا العالم دولة , ولكنهم أحسوا بقوى الشر تتألب عليهم وتجمع شتاتها لتفترسهم".

واتهم سيف الإسلام عبد الله جريدة الإخوان بتأييد ابن الوزير. وقال لصحيفة البلاغ إن حكومة الثورة أرسلت 100 ألف جنيه إلى جماعة الإخوان المسلمين .

نفى الإخوان أنهم تسلموا المبلغ وقالت مصادر منهم أن المبلغ كان سيستخدم لشراء أسلحة لحكومة الثورة.وأوصى مجلس الجامعة العربية بالاعتراف بالإمام أحمد ملكا على اليمن فاعترفت به كل من مصر والأردن والعراق والمملكة العربية السعودية وتأخر كل من سوريا ولبنان فى ذلك.

وطلب الإمام من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الاعتراف به.وكانت الولايات المتحدة متلهفة على الاعتراف وعلى اتباع مبادرة الجامعة العربية ولكن بريطانيا أبلغتها بضرورة الانتظار حتى تختار بين الطرفين المتنازعين من وجهة نظر مصالح هذه الدول فإن السيطرة على البلاد تعد شرطا أساسيا للاعتراف .

واتفقت الدول الثلاث على إعلان اعترافها بالإمام أحمد فى وقت واحد وتم ذلك فى 21 من أبريل.اشتدت حملة سيف الإسلام عبد الله من القاهرة على جماعة الإخوان.وندد بدورها فى الثورة, فى الوقت الذى تحطمت فيه آمال المرشد العام فى إقامة حكومة إسلامية فى اليمن بعد أن قضى النمر أحمد على الثورة . وتولى الملك.

وبدأت رسائل المرشد العام تتوالى على الإمام الجديد تحاول تخفيف آثار النكسة. فى البرقية الأولى رجا المرشد العام جلالة الإمام

" التكرم بالإتصال بالأمير سيف الإسلام عبد الله فى القاهرة ليمنعه من التأثر بسياسة الأحزاب المصرية ومن إلقاء بيانات لا تفيد أحدا فى الأزمة الحالية".

ونفى الشيخ البنا اتهامات الأمير عبد الله.وبعث عبد الحكيم عابدين إلى الإمام يطلب السماح بلقائه . فرد الإمام أحمد بأنه يفضل أن يمنح عبد الحكيم شرف اللقاء عندما يصل جلالته إلى صنعاء لأنه يرى انه مشغول جدا فى الوقت الحاضر!

وفى رسالة إلى الأمير عبد الله جذب المرشد انتباه سيف الإسلام إلى أن التنافس بين الأحزاب السياسية فى مصر تصاعد لدرجة انه يمكن أن يحطم أى مبدأ اخلاقى أو دينى.

ومن ألفضل لسموه وللإخوان علاج الأمور بمنتهى الحذر, وأن يبقى مترفعا عن تلك الانفجارات وأن ينفى البيانات التى أذيعت باسمه وينتظر حتى تسطع شمس الحقيقة وهو يأمل ف أن براءة الإخوان المسلمين سوف تثبت بمشيئة الله.

وبعث الشيخ البنا إلى وزير خارجية مصر أحمد خشبة باشا وإلى عبد الرحمن عزام باشا أمين الجامعة العربية مشيرا إلى البيانات التى اتهم فيها سيف الإسلام عبد لله الإخوان.

واشار إلى عدم جدوى هذه البيانات لأنها لا تتفق مع الحقائق ,لن تؤدى إلا إلى تعقيد الأمور.وكان واضحا من كالمحاولات الشيخ أنه يخشى ان تنتبه مصر إلى أن الإخوان دبروا ثورة اليمن مما يفسر على أنهم قد يدبرون انقلابا آخر فى مصر .

أصبح فاروق يخشى قيام ثورة ضده كما حدث فى اليمن.وكان فاروق يعرف دور الإخوان فى ثورة اليمن . ولابد أنه قرأ الكلمات التى بدأ بها الميثاق الوطنى المقدس.

" وصارت أحوال اليمن منحطة إلى حد بعيد بسبب الاستبداد والأنانية اللذين اشتهر بهما الإمام يحيى حميد لادين حتى صار الغرض المطلوب من الإمامة معدوما فى كل ناحية وكان فاروق يدرك أن الاستبداد والأنانية ليسا مقصورين على إمام اليمن يحيى حميد الدين!!

وسط أحداث اليمن اشتدت المظاهرات عنفا فى مصر ضد الملك فاروق نفسه.فى 19 من يناير 1948 مزق طلبة جامعة فاروق صور صاحب الجلالة وهم يهتفون:لا ملك إلا الله.

اشترك الشيوعيون فى هذا الإضراب وتظاهر الطلبة والعمال بالإسكندرية يهتفون بسقوط الملك. وتدور معارك الشوارع بين الوفديين وأعضاء الإخوان فى بورسعيد وكن ذلك فوق ما يحتمل النقراشى فاعتقل بعض الطب من أعضاء الجماعة.

ويكتب السير رونالد كامبل السفير البريطانى إلى لندن يوم 28 من فبراير :

" توالت خلال الأسبوع الماضى الدلائل على أن استقالة النقراشى قد تكون وشيكة.

وقد أخبر النقراشى بنفسه شخصية قيادية من الجالية البريطانية , بأنه يفكر فى الاستقالة مادام لا يرى بارقة أمل فى تحقيق تقدم مع البريطانيين.

وبالأمس ابلغ مراسل " التايمز " السفارة , بأن النقراشى قد يخرج خلال أيام.

وكثرت التقارير التى تؤكد أن خروج النقراشى وشيكا حتى أن المرء بدأت تساوره الشكوك فهذه الشائعات ملحة وقاطعة بشكل غير عادى".

ولكن النقراشي لا يستقيل.

كتب تشابمان اندروز إلى لندن فى 31 من مارس 1948:

" مصرى عرفته جيدا منذ سنوات أبلغنى أن الموقف الداخلى فى مصر سيئ جدا بالفعل.وقال إن حكومة النقراشي لن تستمر أكثر من شهر آخر على ألأكثر وقال إن الملك يريد الإبقاء على النقراشي حتى يمكنه الحصول مقابلة على تنازل ما من البريطانيين. ولو أمكنه الحصول على هذا التنازل فسيستبدل بالنقراشي شخصا آخر.وإذا لم يحصل على ذلك التنازل فسيخلص من النقراشي نتيجة ضغط سياسى .
ولا شك أم مثل هذا الضغط قد تزايد نتيجة للأزمة مع البريطانيين.وحتى الأحرار الدستوريين بزعامة هيكل باشا تحولوا الآن ضد النقراشي وضد الملك.وعندما تحدث عن الملك قال إنه فقد كل شعبية يتمتع بها"!

ولكن وزارة النقراشي استمرت فى الحكم لتواجه أزمات متتالية .. وتقدم ضباط الشرطة إلى الحكومة يطلبون تحسين حالتهم وزيادة رواتبهم ولكن الحكومة لم تستجب لهم .. فأضربوا فى جميع أنحاء البلاد يوم 5 من أبريل 1948 وانتهز الشيوعيون الفرصة فتجمعوا فى مظاهرات طافت شوارع القاهرة والإسكندرية تهتف " نريد الخبز والعمل"

نهب اللصوص بعض المحال فى الإسكندرية واضطرب الأمن فاضطر وزير الدفاع إلى إنزال قوات الجيش لحفظ الأمن فى القاهرة والإسكندرية واستجاب النقراشي لمطالب المضربين بأمر من الملك! واشتعلت النار فى مستشفى القصر العينى بعد غضراب ومرة أخرى استعان النقراشى بالجيش والشرطة وبدأت المؤامرات داخل الجيش .

فى أواخر نوفمبر ضبط عدد من صغار الضباط واتهموا بتدبير مؤامرة لاغتيال النقراشى والفريق إبراهيم عطا الله باشا رئيس الأركان وبعض كبار الضباط.

وتعود لندن – بعد تدهور الموقف فى مصر – إلى الاهتمام بالإخوان.

قال تقرير للمخابرات البريطانية فى الشرق الأوسط إن أحمد حسين – زعيم مصر الفتاة يريد الاندماج مع جماعة الإخوان وقال تقرير آخر إن البنا يطمع فى وضع الأحرار الدستوريين تحت قيادته أو الاتفاق معهم على برنامج عمل.

ومن ناحيتها أعلنت الجماعة أنها تعارض الحكومة لموقفها السلبى.

وهكذا أصبح الإخوان ضد الجميع .الملك , والحكومة , والوفد ... الإنجليز! وتكتب السفارة الأمريكية إلى واشنطن تقول :

" سيكون دور الإخوان المسلمين هاما فى إثارة المسلمين فى كل مكان ضد اليهود ومن يؤيدونهم وخاصة إذا أصبح النضال لإنقاذ فلسطين دينيا بجانب كونه سياسيا".وتتابع الأحداث بسرعة لتنتقل إلى ... فلسطين!

متطوعون .... فى المقدمة

كانت قضية فلسطين نقطة التحول فى تاريخ جماعة الإخوان.

قالت السفارة البريطانية:

" دخل الإخوان معترك السياسة خلال الاضطرابات التى شهدتها فلسطين بين عامى 1936, 1939 عندما لعبوا دورا رئيسيا فى أعمال الإثارة المعادية لبريطانيا".

أصدرت بريطانيا الوعد الذى عرف باسم وزير خارجيتها بلفور بأن تكون فلسطين وطنا قوميا لليهود فى 2 من نوفمبر عام 1917 .وقررت عصبة الأمم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطانى عام 1922.

ومع تولى هتلر منصب المستشار الألمانى رئيس الوزراء بدأت عملية اضطهاد اليهود فسارعوا بالهجرة من ألمانيا فى الوقت الذى زاد فيه أيضا عدد المهاجرين اليهود من شرق أوربا.

وبينما أعلن هتلر تأييده للعرب فإن اضطهاد لليهود جعلهم يزحفون إلى فلسطين فاتجه إليها ثلث المهاجرين من ألمانيا وأوربا الشرقية.

اشتعلت الثورة العربية الكبرى فى 25 من أبريل 1936 عندما ناشدت الهيئة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسينى – مفنى فلسطين العمال ورجال الأعمال العرب الإضراب والامتناع عن لعمل وعدم سداد الضرائب . وطالبت الهيئة بريطانيا بوقف هجرة اليهود.

استمر الإضراب نحو سبعة شهور شلت خلاله حركة المواصلات والنقل والزراعة العربية وهوجمت المستوطنات الإسرائيلية . وجاء المتطوعون العرب من الإخوان المسلمين وغيرهم ليشتركوا مع الثوار . وتدفقت التبرعات على عرب فلسطين.

فى هذه الفترة ظهر دور الإخوان المسلمين كما تقول السفارة البريطانية فقد " أرسلوا التبرعات المالية والأسلحة للثوار الفلسطينيين وصنعوا لهم القنابل اليديوية وقاموا بالدعاية للثورة واتضح أن معظم المنشورات التى ظهرت فى السواق عن فلسطين كتبها الإخوان المسلمون".وكان بن جوريون الذى هاجر إلى فلسطين عام 1906 .

وقدر له بعد ذلك أن يكون أول رئيس لوزراء إسرائيل ينصح اليهود فى ذلك الوقت عام 1936 بالاستعداد لأن المواجهة المسلحة محتومة بين العرب وإسرائيل. وأن الدولة اليهودية يجب أن تقوم على فلسطين كلها.ولم يعرف عرب فلسطين ولا الإخوان فى مصر أفكار بن جوريون . ولم يستعدوا لمقاومتها!

كتبت مجلة الإخوان فى يوليو 1936 بعنوان " جرائم اليهود فى مصر:

" اليهود هم الذين اقرضوا عيد باشا بالربا. وأوقعوا إسماعيل فى مصيدة الدين . وكانوا وراء شراء نصيب مصر من أسهم قناة السويس".

وأضاف :

" يكفينا ما أصابنا من هؤلاء اليهود فى كل زمان ومكان".

وفى منتصف أكتوبر عام 1937 اشتعلت الثورة العربية فى فلسطين من جديد.ومرة ثانية ظهر دور الإخوان مما لفت إليهم نظر السفارة البريطانية بالقاهرة فقالت:جعلت أنشطة الإخوان فى فلسطين الجماعة محط أنظار المخابرات البريطانية والألمانية.

وهناك دليل من الوثائق التى تم ضبطها مع عميل ألمانى على أن الإخوان تلقوا أموالا من الألمان" قال الشيخ محمد صبرى عابدين أمين سر الهيئة العربية العليا إنه على إثر ثورة عرب فلسطين ضد الإنجليز واليهود زار مصر وتعرف بالشيخ البنا.

أكد له المرشد العام بصراحة ووضوح أن قضية فلسطين هى قضية المسلمين والعرب أجمعين ويجب عليهم أن يقاوموا ز بكل قوتهم . عدوان الإنجليز واليهود ويحولوا دون مؤامراتهم لتهويدها وطمس عروبتها وإسلاميتها. وقد ناشد البنا المسئولين المصريين القيام بعمل جدى لنصرة قضية فلسطين.

وعندما أعلن محمد محمود باشا رئيس وزراء مصر عام 1938 فى حديث لصحيفة بريطانيا أنه " لن يتناول فى محادثاته مع الإنجليز موضوع فلسطين وأنه رئيس وزراء مصر لا رئيس وزراء فلسطين"

قال صالح عشماوي وكيل عام الجماعة:

" كان تأثير هذا التصريح أشد من القنبلة إن لفلسطين أبطالا مجاهدين وليس من العدل ولا من الانصاف أن نجعلهم موضع مقارنة مع أى زعيم ووزير مصرى حتى ولو كان رئيس وزراء" مصر"!

ويهاجم صالح عشماوي اليهود المصريين " لعدم قيامهم بواجبهم القومى حيال حرب فلسطين مثل جمع التبرعات".

وتشتد حملة الإخوان على يهود مصر فى ذلك العام فتقول:

" إنهم يحتكرون تجارة الذهب , وبيدهم كبرى الفنادق , ويضربون بسهم وافر فى شراء الأراضى والعقارات, ويسيطرون على أسهم معظم البنوك والمصارف ... وأعمال الأوراق المالية والصيارفة كلهم يهود"ّ

كانت فلسطين ننبع وزارة المستعمرات البريطانية فى إدارتها وتتبع وزارة الخارجية بالنسبة لعلاقاتها الدولية. ويشترك رؤساء الأركان فى المسئولية باعتبار أن القوات البريطانية تدافع عن الشرق الأوسط كله.. بما فيه فلسطين.

وبعد الحرب العالمية الثانية كانت وزارة المستعمرات ووزيرها كريش جونز لا تعارض اليهود إن لم تكن تؤيدهم.أما وزارة الخارجية ويرأسها أرنست بيفن فكانت إلى حد ما تؤيد العرب وكذلك رؤساء الأركان.

وأرادت الولايات المتحدة تصفية الاستعمار البريطانى سلميا, وكذلك الاتحاد السوفييتى , أما بريطانيا فقد رغبت لا فى تصفية الامبراطورية بل فى تثليل الخسائر بالتحول من الحكم الرسمى المباشر لذ الشرق الأوسط بالعمل على أن يكون للندن نفوذ غير رسمى فى المنطقة كقوة إقليمية.

وحرصت بريطانيا على أن تبدو وكأنها سيدة الموقف وكان ذلك بعيدا عن الحقيقة فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.تغير الموقف فى الولايات المتحدة فجأة بوفاة الرئيس روزفلت وتولى نائبه هارى ترومان فى الستين من عمره فشل فى أن يكون رجل أعمال فتحول إلى السياسة.أراد أن يبدو حاسما فأصدر خلال فترة رئاسته قرارات خطيرة أكثر مما فعل أى رئيس أمريكى آخر.

لم يكن يعلم شيئا عن التجارب النووية التى تجرى فى عهد سلفه , ومع ذلك أصدر القرار بإلقاء القنبلة الذرية على كل من هيروشيما ونجازاكى اليابانيتين فأنهى الحرب فى الشرق ألأقصى.

ووافق على مشروع مارشال لمساعدة أوربا اقتصاديا وأنشأ حلف الأطلسى.وطرد الجنرال الأطلسى.وطرد الجنرال ماك أرثر القائد الأمريكى المنتصر فى الشرق الأقصى وأرسل القوات الأمريكية والدولية لتحارب فى كوريا.

وعندما توفى الزعيم السوفيتى ستالين وجد تشرشل واتلى الزعيمان البريطانيان أن هذه مناسبة للتقارب بين الشرق والغرب فاقترحا وقف سباق التسلح . ولكن ترومان ضيع الفرصة.وفى فلسطين التى نتوقف عندها كان ترومان مؤيدا تماما لليهود وفى أول عهده بالرئاسة وفى مؤتمر بوتسدام بألمانيا فى 17 من يوليو 1945 طلب ترومان إلى تشرشل ألغاء الحظر على هجرة اليهود إلى فلسطين وفتح أبواب الهجرة لهم وأكد ذلك لاتلى الذى انتخب رئيسا لوزراء بريطانيا أثناء المؤتمر .

عرض البنا يوم 8 من أكتوبر 1945 وضع عشرة آلاف شاب تحت تصرف الجامعة العربية للمساهمة فى تحرير فلسطين. وأدلى بحديث إلى صحيفة " البلاغ" جاء فيه أن فلسطين قضية مصرية كما هى عربية".

وسافر وكيل الإخوان وقائد جوالتها " محمود لبيب" إلى فلسطين ليتسلم منصبه كقائد لمنظمة الشباب الفلسطينية العربية الموحدة.وكانت هذه السلطات قد أبعدته عن مصرع تسع سنوات كاملة!

عمل محمود لبيب ضابطا فى قوات سلاح الحدود المصرية التى ترابط فى الصحراء الغربية عام 1912 واستطاع مساعدة عدد من كبار الضباط الاتراك على الهرب بعد غزو ايطاليا لليبيا واشترك فى ثورة طرابلس ضد الايطاليين . ونجح فى الحصول على الشفرة السرية للجيش البريطانى وقاوم الإنجليز فى الواحات عامين.

منع الإنجليز دخوله مصر عام 1915 فهرب إلى تركيا ومنها إلى ألمانيا. وظل منفياحتى عام 1924 فعاد إلى مصر بعد أن تولى سعد زغلول رئاسة الوزارة .انضم إلى الإخوان المسلمين ونظم فرق الجوالة على أسس عسكرية طبقا لا رآه فى ألمانيا .. فى بداية صعود هتلر.

وفى فلسطين بعث الروح العسكرية ونجح فى توحيد منظمتى " الفتوة" ," النجادة" واستطع أن يبث فى الشباب العربى الروح العسكرية وتعرف السلطات البريطانية ماضى الصاغ لبيب فتبعده من فلسطين إلى مر خلال 24 ساعة.

سمح الإنجليز , بعد الحرب العالمية الثانية , بهجرة 1500 يهودى شهريا إلى فلسطين ولكن الرئيس ترومان طلب من كلمنت اتلى رئيس وزراء بريطانيا فى أغسطس 1945 السماح بهجرة 100 ألف يهودى آخرين فى اسرع وقت ممكن ولم يعلن ترومان ذلك غلا فى 13 من نوفمبر عام 1945.

كانت قوة الجيش البريطانى فى فلسطين فى ذلك الوقت 80 ألف جندى ورأى رئيس وزراء بريطانيا كلمنت أتلى أن هذه القوة لا تكفى لحفظ الأمن والنظام وسط تصاعد الهجرة اليهودية والرفض العربى لها ولذلك لم يكن متحمسا لزيادة عدد المهاجرين.

وكان بيفن وزير الخارجية يرى استيعاب اليهود فى أوربا لا فى فلسطين باعتبار انه يمكنهم الاندماج فى أوربا.ناقش مجلس العموم البريطانى مشكلة فلسطين يوم 13 من نوفمبر 1945 أى يوم إعلان رسالة ترومان فقال أرنست بيفن زير خارجية بريطانيا .

بريطانيا عليها التزام مزدوج تجاه اليهود من ناحية والعرب من ناحية أخرى.والافتقار إلى تحديد واضح لهذا الالتزام المزدوج كان السبب الرئيسى للمتاعب التى حدثت فى فلسطين خلال الست والعشرين سن الماضية.

وبذلت الحكومة جهودا لوضع بعض الترتيبات التى تمكن العرب واليهود من أن يعشوا معا فى سلام ويتعاونا لصالح البلاد ولكن هذه الجهود كانت غير مجدية, وأية ترتيبات مقبولة من جانب أحد الطرفين رفضها الطرف الآخر وتاريخ فلسطين منذ الانتداب عبارة عن احتكاك مستمر بين العنصرين يصل إلى ذروته فى فترات متقطعة ويتحول إلى اضطرابات خطيرة وأعلن بيفن أن بريطانيا والولايات المتحدة اتفقنا على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة فى فلسطين تحدد الهجرة اليهودية وتبحث أحوال يهود أوربا من ضحايا النازية.

قدمت لجنة التحقيق الإنجليزية الأمريكية تقريرها فى 20 من أبريل 1946 واقترحت فيه تهجير 100 ألف يهودى إلى 4 مناطق فى فلسطين.دعا الملك فاروق الملوك والرؤساء العرب اجتماع فى حدائق انشاص يومى 28,29 من مايو 1946 حضره عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة العربية.

قرر المؤتمر رفض الهجرة لجديدة وعرض قضية فلسطين على الأمم المتحدة والتصميم على العمل العسكرى والتلويح بالمقاطعة الاقتصادية وقرر مجلس الجامعة الدول العربية فى اجتماعه بمدينة بلدان السورية يوم 14 من يونيو 1946 إنشاء صندوق لمساعدة عرب فلسطين ومكتب للمقاطعة وتأليف الهيئة العربية العليا لفلسطين لتضم الأحزاب الفلسطينية الرئيسية الستة , اتخاذ الاحتياطات العسكرية. ويصل إلى القاهرة يوم 199 من يونيه الحاج أمين الحسيني مفتى فلسطين.

ضاعف وجود المفتى من الحماس الشعبى المصرى للقضية الفلسطينية وزادت الصلة بينه وبني المرشد العام للإخوان وكان لذلك تأثيره فى مستقبل الجماعة..أبرق الشيخ البنا إلى السفير البريطانى السير رونالد كامبل يطلب لعفو عن السجناء الفلسطينيين السياسيين الذين أمضوا سنوات طويلة طويلة فى السجن فى جزيرة سيشل.

قال المرشد العام فى برقيته إنه صدر عفو بريطانى عن كثيرين بمنسبة انتهاء الحرب وانتصار الحلفاء إلا المسجونين العرب.وكانت قد صدرت أحكام فى فلسطين ضد 37 عربيا منهم 23 قضى سجنهم مدى الحياة وقد نفوا إلى جزيرة سيشل فاضرب بعضهم عن الطعام ومنهم حسن أبو السعود وصفوت الحسيني وموسي الحسيني.

حارت السفارة البريطانية فى أمر لرسالة وهل فى الرد عليها ما يعتبر اعترافا بالإخوان.وأخيرا وبعد عشرة أسابيع بعثت السفارة إل البنا تقول إن برقيته أرسلت إلى وزارة الخارجية البريطانية فى لندن!

دعت بريطانيا العرب واليهود إلى مؤتمر عقد بلندن فى 10 من سبتمبر 1946 واستمر حتى 27 من يناير 1947 لإيجاد حل لمشكلة فلسطين.

ولكن الطرفين اتخذا موقفا متشددا قام يجتمعا على مائدة واحدة ولم يجد المفاوضات نفعا فأعلن بيفن فشل لمؤتمر وقال فى مجلس العموم يوم 18 من فبراير إن بريطانيا أن تتخلى عن الانتداب لاستحالة تنفيذه عمليا وإحالة المسألة الفلسطينية إلى دورة خاصة للأمم المتحدة.

قال:

لا حل إلا بالأمم المتحدة والولايات المتحدة.

اجتمع رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية العرب بالقاهرة فى مارس ووزراء العرب بدمشق فى أبريل لبحث الوقف بعد انتهاء الانتداب وقرروا مطالبة الجمعية العامة للأمم المتحدة بإقامة دولة مستقلة موحدة فى فلسطين.وقررت اللجنة السياسية للجامعة العربية فى اجتماعها بصفر بلبنان يوم 19 سبتمبر 1947 رفض قرارات لجنة التحقيق.

بدأ عرض قصية فلسطين على الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورة خاصة عقدت بعد ستة أيام من فشل القضية المصرية فى مجلس الأمن , وحضرها كريش حونز وزير المستعمرات البريطانى ليشهد تصفية هذا الجزء من الإمبراطورية!

قررت الجمعية العامة تشكيل لجنة من 11 دولة وأوصت فى 31 من أغسطس بتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين مع قيام اتحاد اقتصادى بينهما وكانت لجنة ملكية بريطانية برئاسة اللورد بيل قد اقترحت التقسيم عام 1937 أيد اليهود التقسيم إذ سيترتب عليه إقامة الدولة اليهودية.وأعلن وزير المستعمرات البريطانى يوم 26 من سبتمبر قرار بلاده بالإنسحاب من فلسطين.

ونجح اليهود فى أن يجعلوا من عداء الدولتين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى ميزة لهم فوافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار التقسيم فى 29 من نوفمبر بأغلبية 33 صوتا بينها فرنسا وبلجيكا ضد 13 صوتا وامتناع عشر دول عن التصويت بينها بريطانيا واليونان والحبشة والصين الوطنية وكان صوت الاتحاد السوفيتى هو الذى رجح الموقف لصالح التقسيم!

كان عدد الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة 57 دولة منها 6 دول عربية ونص القرار على تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية وتبقى القدس وبيت لحم خارج الدولتين.

كتب جميس بوكر القائم بأعمال السفير البريطانى إلى لندن يقول:

" فوجئت الدوائر المصرية باعلان التأييد الروسى لمبدأ تقسيم فلسطين .وعلقت الصحف ككل بمرارة على موقف الولايات المتحدة فى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعبرت ثلاث من الصحف الموالية للحكومة عن شعور عميق بخيبة الأمل تجاه الاتحاد السوفيتى الذى كان . فيما مضى يتخذ مواقف صديقة لمصر فى مجلس الأمن".

قال الجنرال السير آلا كاننجهام المندوب السامى البريطانى فى فلسطين:

" التقسيم هو الحل الممكن للسلام بين العرب واليهود".

ولكن كلاتون مدير الإدارة الأفريقية بوزارة الخارجية البريطانية قال:

"لن يرى الصهاينة فى التقسيم حلا نهائيا".

وأيد الرأى ذاته السير روتالد كامبل السفير البريطانى فى القاهرة قائلا:

" يرى العرب أن قرار التقسيم لن يكون نهاية المطاف . ويخاف جميع العرب من قايم دولة يهودية صغيرة على أرض فلسطين لأنه سيكون مجرد بداية صغيرة.لاختراق الدول العربية المحيطة بهذه الدولة . فيما بعد"!

ولكن الأمريكيين الذين يؤيدون التقسيم عبروا عن اقتناعهم به وأنه لن يثير ضجة ولن تكون له أية ردود فعل ما جانب المصريين.أيد الرئيس ترومان على الفور فكرة التقسيم.

ولكن قدمت إلى ترومان تقارير بأن التقسيم يحتاج إلى تدخل أمريكى مسلح فى الوقت الذى يعارض فيه تدخل القوات الأمريكية عسكريا.وقدرت القوات اللازمة التقسيم ب 104 آلاف جندى أمريكى وبريطانى.

وقيل لترومان إن الولايات المتحدة ستحتاج لى نصف مليون جندى لحفظ السلام فى فلسطين فرأى عدم تورط بلاده بإرسال هذا العدد إلى فلسطين وطلب أفكارا بديلة للتقسيم فاقترحت وزارة الخارجية الأمريكية وضع فلسطين تحت وصاية دولية مؤقتة بدلا من التقسيم ولكن العرب واليهود رفضوا الفكرة فمتت قبل أسابيع من انسحاب بريطانيا.

قالت الولايات المتحدة إن بريطانيا ستمد العرب بالسلاح طبقا لمعاهداتها مع الدول العربية ففرضت, الولايات المتحدة, حظرا على تصدير السلاح لمنطقة الشرق الأوسط فى ديسمبر 1947 وتبعتها بريطانيا بقرار حظر ثان.

وكتب لوى هندرسون مدير إدارة أفريقيا والشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية يقول:

" سيثير المصريون كثيرا من الضوضاء ولكنها بلا معنى وقد تشهد القاهرة والإسكندرية مظاهرات وأعمال شغب معادية للسامية لن تدوم طويلا".

ولأول مرة يخطى هندرسون فى تقدير رد فعل شعب مصر إزاء تقسيم فلسطين .اشترك الإخوان فى هيئة وادى النيل العليا لإنقاذ فلسطين للدعاية وجمع التبرعات للقضية.وأعلنت الهيئة العربية العليا فى فلسطين الإضراب لمدة ثلاثة أيام.

وشهدت القاهرة مظاهرات الطلبة وهم يهتفون:

أين السلاح يا نقراشى؟

وكتب جميس بوكر الوزير البريطانى المفوض:

" اقام الإخوان مكاتب إخفاء طابعها العسكرى عندما طالبت بعمل حربى فى فلسطين. ودعا البنا أمين الجامعة العربية يوم أول ديسمبر إلى ضرورة الانسحاب من الأمم المتحدة ودعوة الدول الأخرى إلى التصرف بالمثل وحرمان مواطنيها اليهود من جنسيتهم إذا لم يؤيدوا قضية فلسطين العربية.
وقال نداء إلى الحكومات العربي والإسلامية إن الأمم المتحدة انتحرت بيدها. وسجلت على نفسها العجز وخراب الذمة وفساد الضمير وقال المرشد العام على الشعوب العربية والإسلامية أن تستعد وتتهيأ للدفاع عن فلسطين وإنقاذ عروبتها".

قالت السفارة الأمريكية فى عدة برقيات لها من القاهرة إن صحيفة " الإخوان المسلمون " نشرت ابتداء من 19 من أكتوبر 1947 وحتى 13 من يناير 1948 كثيرا من الأخبار والمقالات المعادية للصهيونية مع صحف أخرى مصرية.

هاجمت الصحيفة قيام اليهود المصريين بجمع التبرعات للصهونية.ونشرت عن محاولات اليهود تسميم المياه فى العراق وسوريا . وأن انتشار الكوليرا فى سوريا وتزييف عملتها من فعل الصهاينة .. كما أبدت الصحيفة مخاوفها من قيام اليهود بتفجير المجارى فى القاهرة!!

وأخذت الصحيفة تطالب حكومة مصر والعرب جميعا بدخول الحرب

كتب صالح عشماوي يقول:

" إلى الرجال لمسئولين كفى تفريطا فى حقوق فلسطين".

ونقلت الصحيفة مقالا عن جريدة الفجر التى تصدر فى كراتشى بعنوان " تدخل مسلح بدون إبطاء ... وإلا ".وقالت الصحيفة فى مقال آخر:

" مروا الجيوش تقتحم فلسطين من كل منفذ رضى الإنجليز أو غضبوا ومقال بعنوان" دولة ميتة"!

وامتنعت الصحيفة عن قبول إعلانات الشركات اليهودية ودعت إلى مقاطعة هذه الشركات حتى تغير مسلكها من مؤازرة يهود فلسطين وتعددت مقالات الصحيفة مطالبة بدخول الجيوش النظامية فى حرب فلسطين.

وطلب الشيخ البنا إلى الحاخام حاييم ناحوم وكبار اليهود المصريين " إعلان مشاركتهم لمواطنيهم المصريين مشاركة مادية وأدبية وأنهم سيكونون فى مقدمة من يحمل علم الكفاح عروبة فلسطين".

ولكن اليهود أصحاب الشركات والمحال التجارية الكبرى فى مصر منعوا الإعلانات عن مجلة " الكشكول الجديد" وأبلغ هنرى حاييم مدير شركة الإعلانات الشرقية إدارة لمجلة بأن اليهود يرفضون الاعلان فى مطبوعات تهاجمهم فاضطرت المجلة للتوقف عن الصدور!

دعا الشيخ البنا شعب الجماعة الإستعداد للجهاد.وتوجهت أول كتيبة إلى الميدان يوم 27 من أكتوبر 1947.

ويكتب السفير البريطانى السير رونالد كامبل:

ينادى البنا زعيم الإخوان المسلمين الدماء. وتثير المتاعب أمام النقراشي باشا بسبب السياسة المتخاذلة التى انتهجتها الحكومة تجاه الأحداث فى فلسطين.
ويحتشد أكثر من 20 ألفا داخل الجامع الأزهر وحوله بعد صلاة الجمعة يوم 5 من ديسمبر متحدين قرار النقراشي باشا رئيس الوزراء بمنع المظاهرات مطالبين بالعمل الحاسم لإنقاذ فلسطين.
ويكون الشيخ البنا وعبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية وصالح حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين وأحمد حسين زعيم مصر الفتاة بين الخطباء".

ونشر البنا مقالا عنوانه " خيبة خيبر" دعا فيه إلى دخول الجيوش النظامية العربية فلسطين.وقال إن فلسطين لا يمكن إنقاذها إلا بالقوة .وأكد من جديد عرضه بان يضع تحت تصرف الجامعة العربية عشرة آلاف شاب كأول كتيبة للقتال فى سبيل فلسطين العربية.كان الحماس يتردد فى كل الدول العربية.

قال تقرير للسفارة البريطانية :

" الحالة النفسية للجماهير فى صالح إعلان الحرب . فالروايات حول فظائع الصهيونية كثيرة"!

وتتصاعد حدة الموقف تمهيدا للحرب التى بدت نذرها فأصدر مجلس الأمن قرارا فى 17 من أبريل 1948 يدعو إلى وقف أعمال العنف وكل نشاط عسكرى وعدم دخول قوات أو جلب أسلحة إلى فلسطين.

تطوع الإخوان للقتال فى فلسطين ودربهم الصاغ محمود لبيب بمعكسر الجامعة العربية فى هايكستب بإحدى ضواحى القاهرة.

قال فيليب ايرلاند سكرتير السفارة الأمريكية فى برقية إلى واشنطن:

" هناك شك فى مدى فاعلية جهود الإخوان فى مصر لتشكيل كتائب لإنقاذ فلسطين.لقد وقع عدد ملحوظ من الشباب المصريين فى كافة أنحاء البلاد استمارت الانضمام لهذه الكتائب. ولكن هناك شك فيما إذا كان هؤلاء المجندون سيشتركون فى نضال من أجل فلسطين. وهنا جهل تام بالمصاعب والجهود التى تتطلبها الحملة فى تلال ووديان فلسطين كما أن معظم المجندين غير مجهزين بأى شئ سوى الحماس والتعبئة المعنوية"

وقالت صحيفة مصر الفتاة إن ما تعده الجماعة من كتائب لمساعدة الفلسطينيين ليس إلا شعوذة ودجلا وضحكا على عقول المصريين..! فقد دخلت الحزبية كل شئ فى مصر .. بما فى ذلك قضية فلسطين!

عرفت الحكومة البريطانية بإنشاء وحدات عسكرية غير نظامية فى البلاد العربية . وأن قوات جيش التحرير بقيادة فوزى القاوقجي دخلت فلسطين من سوريا فى يناير والإخوان دخلوها من مصر فى فبراير فبعثت وزارة الخارجية لبريطانية إلى سفرائها فى العالم الغربى تطلب منهم إبلاغ الحكومات العربية باتخاذ خطوات فعالة لمنع مزيد من الانتهاكات فى فلسطين.

قابل تشابمان اندروز الوزير البريطانى المفوض فى القاهرة أحمد خشبة باشا وزير الخارجية وقدم إليه مذكرة من حكومته تطلب فيها من مصر, والحكومات العربية تيسير عملية انسحاب القوات البريطانية من فلسطين وعدم إثارة متاعب حتى لا تضطر بريطانيا إلى استعمال القوة.

وبعث السير رونالد كامبل السفير البريطانى برسالة أخرى إلى وزير خارجية مصر يوم 7 من أبريل قال فيها خطر وقوع أعمال نف على نطاق واسع يزداد نتيجة ظهور تشكيلات عسكرية غير نظامية أفرادها مجندون من الدول العربية. وهناك خطر اشتباكها مع القوات البريطانية.

وطالبت الرسالة بمنع الجماعات المسلحة غر النظامية التى دخلت فلسطين من القيام بأية عمليات عسكرية.وبعثت رؤساء أركان حرب القوات البريطانية فى الشرق ألأوسط إلى الحكومة البريطانية تعليمات بشأن القوات العربية التى دخلت فلسطين من الدول العربية المجاورة.

وتساءل القواد:

هل تقوم بهجمات جوية على نطاق واسع ضد العرب ؟ وكان جواب الحكومة البريطانية بالنفى.قالت صراحة: لا وأرسلت وزارة الخارجية البريطانية إلى سفاراتها تعليمات

تقول:

" يجب ألا يتخذ عمل ضد المجموعات التى دخلت من الحدود إلا إذا هاجموا الماكز أو مركز الاتصالات البريطانية أو المراكز اليهودية المدنية والمستوطنين اليهود.
وفى حالة الهجوم على المراكز البريطانية يقابلون بمقاومة بجميع الوسائل وعلى مسئوليتهم وباستخدام الغارات الجوية.
وفى حالة الهجوم على اليهود يكون تدخل القوات البريطانية ضد المهاجمين بعد الرجوع أولا إلى الحكومة البريطانية "

وطبقا للسياسة البريطانية المناورة.الماكرة,والملتوية قالت وزارة الخارجية البريطانية لسفرائها

"لا تخبر الدولة التي تمثلنا لديها بذلك وإلا اعتبرت هذه التعليمات دعوة لعبور الحدود إلى فلسطين".

وكانت الدعوة فى الحقيقة لقتل اليهود العسكريين لا المدنيين أو البريطانيين .. ولكن العرب لا يعلمون !وكانت القوات البريطانية قد خسرت خلال ال18 شهرا السابقة على انساحبها 127 قتيلا و31 جريحا أثناء العمليات الإرهابية التى قامت بها عصابات اليهود.تركز النشاط اليهودى فى الإرهاب على العرب لتفريغ فلسطين من أكبر عدد منهم وبالذات فى المناطق اليهودية التى يعيش فيها 350 ألفا من العرب.

فى 5 من يناير عام 1948 نسف اليهود فندق سميرا ميس فى الحى العربى بالقدس ب 175 رطلا من الديناميت فقتل 23 من المدنيين بينهم القنصل الأسبانى.وكانت هذه رسالة للعرب للرحيل من فلسطين.

وفى 9 من أبريل دخل مائة من قوات عصابة " أرجون" الصهيونية قرية دير ياسين العربية والتى تقع عند مدخل مدينة القدس.أذاع اليهود نداء بمكبرات الصوت إلى سكان القرية وكلهم من العرب لمغادرة منازلهم وتكرر النداء عدة مرات.

خرج الجميع إلى الشوراع فحصدهم اليهود بالرصاص.وبقروا بطون الحبالى من النساء.وذبحوا ألأطفال فى أحضان أمهاتهم وأمام أعينهن. واخذوا 150 من النساء أسرى فجردوهن من ثيابهن, ووضعوهن فى عربات لورى مفتوحة نقلتهن إلى القدس . وطافوا بهن فى الشوارع عاريات ليفذفهن اليهود بالحجارة.

قتل فى هذه العملية 250 أغلبهم من النساء والأطفال وألقيت الجثث فى بئر القرية وعثر ممثل الصليب الأحمر داخل البئر على 150 جثة مشوهة ومحترقة لنساء وأطفال.

لم يتدخل الجيش البريطانى لوقف المذبحة أو القبض على المجرمين وأعلن وزير المستعمرات البريطانى فى مجلس العموم أن هذا العدوان البربرى دليل على الوحشية تعجز الكلمات عن وصف ماتنطوى عليه من بواعث الاشمئزاز والحزن العميق.

واعترف الكتاب اليهودى الصهيونى جون كيمش بأن مذبحة دير ياسين نقطة سوداء فى سجل التاريخ اليهودى.وأطلق عليها الكاتب اليهودى أرثر كويسلتر العملية البربرية وحمام الدم واعترف قائد الهاجاناه فى القدس بأن دير ياسين كانت من أهدأ القرى فى المنطقة ويعيش أهلها فى سلام مع سكان المستعمرات اليهودية كان لهذه المذبحة و30 عملية عسكرية أخرى قام بها اليهود آثارها فى المناطق التى يسكنها العرب فى فلسطين والتى أعطيت لهم بمقتضى قرار التقسيم فهرب منها خلال عام 1948 720 ألفا من العرب!..

تسللت وحدات الإخوان المدربين إلى فلسطين بعد قرار التقسيم مباشرة وظلوا وحدهم فى الميدان زهاء خمسة شهور وزار الشيخ البنا فلسطين وأدى صلاة الجمعة فى خان يونس يوم 20 من مارس 1948.

ورد الإخوان على مذبحة دير ياسين فهاجم فدائيون فى الساعة الثانية من صباح يوم 10 من أبريل " كفار داروم" المستعمرة اليهودية الوحيدة فى السهل الساحلى جنوب غزة وتشرف على الطريق الرئيسى بين رفح وغزة.عبروا حقول الألغام وازالوها ثم قطعوا الأسلاك الشائكة وبثوا الألغام تحت مبانيها فانفجرت .

واعترفت الصحف اليهودية بأن المستعمرة تعرضت لهجوم عنيف وأن العرب هاجموها بالمدافع.استشهد فى المعركة 12 من الإخوان وأصيب ستة آخرون احتفل الإخوان بتشييع شهدائهم واشترك معهم أهالى غزة وخان يونس ودير البلح ودفن الأبطال فى مقبرة خاصة بهم فى قرية النوصيرات. وكان ذلك أول اشتباك مع الصهاينة فى النقب قبل وصول متطوعي الجامعة العربية.

نشرت صحيفة الإخوان أسماء الشهداء وكانت لكل صحيفة قصة رائعة.من حياته واستشهاده أيضا

  1. عبد الرحمن عبد الخالق (21 سنة) بكالوريس زراعة.بطل الجامعة فى المصارعة وكرة السلة رفض أمر رئيسه بالانسحاب حتى استشهد.
  2. ومحمد سلطان (20 سنة) الموظف بالرى وضع لغما حول بطنه وأشعل الفتيل لينفجر معا فيدمران مركز حراسة يهودى
  3. وعمر عبد الرءوف (27) سنة تاجر من هيا أصابته رصاصة فقال قبل أن يلفظ أنفاسه:أولى الجنة.

وهذه مجرد نماذج والأمثلة كلها حافلة بمعانى التضحية نشرت صحيفة أخبار اليوم قصة أول معركة بين المصريين واليهود كتب مراسلها من الجبهة يقول:

" أتأمل القتلى واحدا واحدا ليس بينهم واحد مصاب فى ظهره. بعضهم أصيب مرة ومرتين ومع ذلك بقى يحمل بندقيته ويضرب بها . دفنوا بغير غسل أو كفن . فإن من تقاليد الإسلام أن يدفن الشهيد بملابس المعركة. كان منظرا رائعا .
هذا الدم المصرى يغطى أرض الصحراء المنبسطة هذه الأرض التى سارت فيها جيوش المارشال اللنبى وحققت انتصارها الأخير على الأتراك أصبحت نقطة البداية التى تطلق منها مصر رصاصها على مستعمرات اليهود.

لقد تصاعدت الأحداث أثناء جنازة الشهداء تبحث عن الحاج عبد الخالق أين هو الحاج عبد الخالق ؟ كان يحارب فى المعركة ومعه ابنه محمد عبد الخالق.سقط ابنه قتيلا إلى جانبه فلم يبك عليه . بل حمل بندقيته وراح يقتل بها الذين قتلوا ولده ثم انتهت المعركة ولم ينتظر الحاج عبد الخالق ليشيع جنازة ولده مع المشيعين بل حمل ابن أخيه الجريح احمد يوسف إلى غزة

قال له إخوانه: إننا نعزيك!قال : كلا... هنئونى ! هنئونى ! سابقى هنا لأنال بعض الشرف الذى ناله ابنى...قابلت الحاج عبد الخالق حسن يوسف من بلدة قويسنا بمديرية المنوفية وقد وقف يتقبل تهانى المجاهدين وكأنه يزف ولده إلى عروس .

أصر الجنود على أن يستحموا قبل المعركة استعدادا للموت . وصلّوا على أنفسهم صلاة الجنازة وتلوا جميعا آيات من كتاب الله.رأى القائد البريطانى الشهداء وأطلعه قائد الإخوان على تفاصيل المعركة وكيف أن العرب لم يخسروا شيئا بل أنهم استعادوا أسلحة الشهداء والجرحى فدهش وذهب إلى حيث رقد الشهداء واحنى رأسه قائلا:أننى فى دهشة كيف استطعتم أن تفعلوا كل هذا ؟!
كنت فى فرقة الكوماندوس البريطانية ولم أشهد جرأة كالتى رأيتها الآن ولو كان معى ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم فلسطين"!

والغريب فى الأمر أن المتطوعين كانوا من مديريات محافظات مصرية مختلفة وكأنهم جاءوا يمثلون مصر والإخوان جميعا فى أول عملية انتحارية وكان الشيخ البنا قد طلب إلى كل متطوع أن يترك صورته. ووضعت الجماعة ملفا لكل منهم لينشر يوم استشهاده فإن الجميع كانوا يعرفون أنهم لا ينوون العودة بل طريقهم الجنة.

استولت العصابات الصهيونية على مدينة حيفا فى 22 أبريل 1948 الأن الإنجليز أبلغوا اليهود بموعد انسحابهم قبل أربعة أيام ولم يبلغوا العرب إلا قبل 24 ساعة من الساعة المحددة للانسحاب.

وظلت اسرائيل على امتداد أربعين عاما تزعم أن الهجرة الجماعية ل400 ألف عربى من فلسطين بعد قرار التقسيم تمت بناء على طلب زعماء الفلسطينيين والقادة العرب.

ولكن فى أوائل عام 86 نشر الباحث الاسرائيلى بن موريس فى مجلة "دراسات الشرق الأوسط" التى تصدر فى لندن وثيقة للمخابرات الإسرائيلية تقرر بأن السبب الحقيقى لهجرة سبعين فى المائة فى لندن وثيقة للمخابرات الإسرائيلية تقرر بان السبب الحقيقى لهجرة سبعين فى المائة من عرب فلسطين يرجع إلى خوفهم من هجوم الجماعات الإرهابية اليهودية وتأثير مذبحة دير ياسين واختطاف خمسة من زعماء عرب شمال تل أبيب والهمس الذى يردده اليهود لأصدقائهم العرب بأن هجوما قادما سيقع عليهم.

وكان من نتيجة هجرة العرب أن أستولت الوكالة الهودية على مبانيهم واستعملتها كمكاتب لها واستولى اليهود على املاك العرب وأموالهم فى المصارف . وكتب بن جوزيون رئيس الدائرة السياسية فى الوكالة اليهودية

يقول:

" المفاجأة الوحيدة التى داهمتنى اكتشاف عيوب خلقية داحلنا" اقصد النهب الجماعى"!وكأنه لم يكن يعلم!

فى أوائل أبريل هاجم خمسون من متطوعى الإخوان مستعمرة دير البلح شمال خان يونس ليلا وقطعوا الأسلاك وازالوا الألغام واقتحموا لامستعمرة ولكن اليهود أحسوا بهم فأمطروهم بنيران المدافع.

وأغارت هذه القوات على الستوطنات الاسرائيلية فى مارس ونجحت فى إرغام جيش الهاجاناه اليهودى على تشتيت قواته وحراسة منشآته وطرق مواصلاته.

واستطاعت هذه الكتائبأن تجمع عناصر عربية فلسطينية لتحارب معها وأرغمت قوات المستوطنات على البقاء محاصرة بداخلها تدافع عن نفسها. وظلت كتائب الجماعة تغير على المستعمرات فى النقب وتدمر خطوط المواصلات بينها وبين تل أبيب .

ونجح فى عزل الحى اليهودى فى القدس فى 7 من مارس عام 1948 ووصل إلى فلسطين لقيادة هذه القوات يوم 25 من أبريل البكباشي أحمد عبد العزيز ويعاونه البكباشى عبد الجواد طبالة.

تتابعت اجتماعات الجامعة العربية لبحث الموقف, بعد قرار بريطانيا بالإنسحاب من فلسطين المحدد له يوم 15 من مايو 1948.فى البداية كان التفكير فى اتخاذ اجراءات انتقامية ضد بريطانيا والولايات المتحدة.

وطلب صالح جبر رئيس وزراء العراق فى اجتماع القاهرة التدخل العربى المباشر ضد اليهود فى فلسطين.وكانت وجهة النظر المصرية الرسمية ان التدخل العسكرى لا يكون بواسطة قوات نظامية بل متطوعين. ويقرر المجتمعون أن تقدم كل حكومة عربية للمقاتلين السلاح والمعتاد.

وتوزع عشرة آلاف بندقية على المقاومة بفلسطين ومدها بالمقاتلين وفى الوقت ذاته كان بن جوريون يؤكد لقوات الهاجاناه اليهودية ان الجيوش العربية ستشترك فى الهجوم على اليهود ولن تقتصر المعارك على متطوعين من الدول العربية كما حدث عام 1936!

فى كتابه " حد السيف" قال الكولونيل نورك:

" أول مشاركة مصرية فى حرب فلسطين قام بها الإخوان المسلمون . الذين يعتبرون الاستعمار والصهيونية ألد أعداء الإسلام.وميزة الإخوان الشجاعة والاستهانة بالموت"

قال الدكتور محمد حسين هيكل فى مذاكراته:

" بحلول نهاية عام 48 نمت شعبية جماعة الإخوان بتأييدها للثورة الفلسطينية. فقد بادر فدائيو الجماعة بالتطوع معتبرين الحرب بين العرب واليهود حربا دينية فاشتركوا فيها وخاضوا غمارها.وقوة الجماعة , فى هذه الفترة , الجهاز الشرى بجمع السلاح والتدريب عليه وممارسة أعمال العنف".

حرب الفيران

قال حسن يوسف وكيل الديوان الملكى إن الملك فاروق كان متحمسا لدخول الجيش المصرى فى فلسطين بينما رأى النقراشي تدبر الأمر بسبب وجود القوات البريطانية فى منطقة القتال خلف قواتنا .

وأكد هذه الحقيقة الفريق محمد حيدر باشا وزير لاحربية رفض محمود فهمى النقراشى باشا رئيس الوزراء أن يلجأ إلأى القوة العسكرية لمنع تنفيذ قرار الأمم المتحدة بإنشاء دولة إسرائيل.

وظل يردد فى اجتماع للجامعة العربية فى " عالية" بلبنان فى أكتوبر 1947 له لن يدفع الجيش المصرى إلى حيث تكون القوات البريطانية مرابطة على قناة السويس وراء ظهره.

وظل موقف النقراشي ثابتا لا يتزحزح. وكل ما وافق عليه النقراشى أن يرابط جزء من الجيش المصرى فى العريش بصفة احتياطية لحماية مصر إذا حدث هجوم عليها من العصابات الصهيونية.

سأله إبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان:

لماذا أخشى أن نكون معرضين لخطر الغزو . ولكننا لم ندخل الحرب. ,ولم نفكر فى ذلك!
قال ادجار جلاد الصحفى وصاحب جريدتى الزمان والجورنال ديجبت والمقرب من القصر الملكى للوزير البريطانى المفوض يوم 6 من مايو عام 1948." ليس لدى النقراشي أية رغبة فى السماح للجيش المصرى النظامى بأ، يكون له دور نشيط فى تحرير فلسطين ويريد السماح للمتطوعين فقط"

وصرح النقراشي باشا بذلك فى مجالسة الخاصة.قررت الدول العربية فى اجتماع عقد فى عمان يوم 29 من أبريل 1948 رأسه الملك عبد الله إعلان الحرب ضد اليهود ودخول القوات العربية فلسطين إثر انسحاب القوات البريطانية بعد منتصف ليلة 14 من مايو وكانت هذه هى المرة الأولى التى يتخذ فيها العرب قرارا رسميا بإعلان الحرب ضد اليهود وأقرت ذلك بصفةنهائية اللجنة السياسية للجامعة العربية يوم 12 من مايو قبل ثلاثة أيام فقط من بدء القتال!

وكان أ÷م العوامل الرئيسية التى رجحت فكرة تدخل الجيوش النظامية أن لادول العربية لم تكن تعرف على وجه التحديد مدى قوة اليهود وكانت تظل الحرب نزهة تنتهى بالنصر خلال أيام. وفى السجل التاريخى لوزارة الدفاع المصرية استعرضت الوزارة موقف كل دولة عربية

فقال السجل:

" نلاحظ أن الساسة فى سوريا ولبنان زايدوا على قضية فلسطين بقصد الدعاية فى الداخل أكثر من الرغبة فى العمل الجدى. أما الحكومة العراقية فكانت مستعدة للتعاون مع الملك عبد الله فى ضم الجزء لاعربى من فلسطين إلأى مملكته .
ولذلك نسقت أعمالها الحربية مع الأردن.ولم يقف فى وجه هذا المخطط سوى مصر والسعودية اللتين صممتا على تحرير فلسطين ثم تسليمها لأصحابها العرب".

رد اليهود بالإستيلاء على مدينة يافا أكبر المدن العربية كتب ثروت السفير البريطانى فى جدة إلى جدة ارنست بيفن معلقا على قرار الجامعة العربية قال:

" لم يشعر عربى بالمرارة عند خلق الدولة اليهودية فى فلسطين أكثر من الملك عبد العزيز سعود الذى لا يسمح لأى يهودى بدخول بلاده.ولم يكن مثيرا للدهش ان نسمع عن إرسال كميات من البنادق والسيارات ونقل المتطوعين تجاه الحدود الفلسطينية.
وعبر موقف الملك عن إصرار المملكة العربية السعودية على الاشتراك فى الدفاع عن فلسطين وحماية عروبتها, والحيلولة دون تقسيمها ودون إقامة دولة يهودية أرسل ثلاث سرايا من المشاة لللعمل تحت القيادة المصرية".

اشتدت حملة الرأى العام المصرى للمطالبة بإعلان الحرب على يهود فلسطين واشترك الجيش . وأصر الملك فاروق على دخول القوات المصرية فلسطين .

قال لوزير البريطانى المفوض:

هناك أنباء صحفية بأن القوات المصرية ستبلغ 15 ألف رجل .أوما إدجار جلاد برأسه موافق.
قال الوزير: آمل ألا يتم القيام بعمل قبل 15 من مايو.
ردجلاد: ليست هناك نية للتوغل فى فلسطين قبل ذلك التاريخ ! تلقى الفريق محمد حيدر باشا وزير الحربية المصرى ويارو الملك أمرا مباشرا من صاحب الجلالة بدخول القوات المصرية فلسطين دون أن يعلم النقراشي رئيس الوزراءودون انتظار قرار البرلمان أو قرار مجلس الوزراء.وكان النقراشي باشا كرئيس للوزراء أن يستقيل أو يتحمل المسئولية عن ملك مصر. ورآ أن يتعرف أولا على حقيقة الموقف العسكرى فطلب الاجتماع بقيادات الجيش.

شهد الاجتماع يوم 10 من مايو 1948 وزير الحربية الفريق محمد حيدر باشا واللواء عثمان المهدى رئيس الأركان واللواء موسي لطفى مدير العمليات وهيئة الأركان وبعض الضباط رئاسة الجيش واللواء أحمد على المواوى قائد القوات المصرية فى العريش.سأل رئيس الوزراء المواوى عن حالة الجيش وإمكان دخوله الحرب فى فلسطين.

أجاب اللواء المواوى قائلا:

الجيش لا يصلح مطلقا للدخول فى أية معركة مهما كانت حالتها, ومهما قيل عن اليهود من ضعف فإن لاجيش تنقصهكافة المعدات وأهمها الأسلحة .حالة البنادق سيئة لقدمها. والرشاشات الخفيفة لا تقل عنهاتلفا.

أما الأسلحة لامضادة للدباباتومدافع الهادون والجرارات فغير ميسورة والذخائر تكاد تكون معدومة.ولم يتيسر للجيش تدريب جنوده التدريب السنوى الكامل فأجرى تدريبا جزئيابعشر طلقات بدلا من مائتى طلقة وكسورا ولا يمكن للجندى ان يصل إلى الكفاءة المطلوبة منه فى الميدان.

إن البعثة العسكرية البريطانية التى اختارتها الحكومة لتدريب الجش وضعت هدفا محددا لعملياته, وهو أن هذا الجيش للأمن الداخلى فقط وهدمت البعثة المبدأ الأساسى لتكوين الجيش وإعداد كفاءته للحرب أما عن الضباط فنقص ذخيرة الطبنجة حرمهم من التدريب عليها. هذا عن الأسلحة والذاخائر بسلاح المشاة, والمر أشد وأنكى فى المدفعية والفرسان. وليس لدى الأسلحة لمساعدة كخدمة الجيش وحدات تكفى لتحريك نصف كتيبة.

ومعدات مستشفى الميدان غير قادرة على شئ بالمرة رد النقراشي بطريقته الحازمة المعتادة:

اسمع يا مواوى: مصر تتزعم الدول العربية وهذه الدول أعلنت وعلى رأسها الملك عبد الله , دخول فلسطين فكيف تقول غن جيشنا لا يصلح للحرب. قال المواوى: إنى أشرح الحقيقة المرة التى عليها جيشنا.

قال النقراشي:

يظهر أنك متهيب.إنى ضابط وحضرت معارك. وليست الحرب جديدة علىّ ولكنى أخشى فضيحة مصر ةجيشها.

أنهي النقراشي إنهاء المناقشة فقال:

تأكد أننا سنمدك بكل شئ.

ووقف قائلا: هيا بنا نرى الموقف على الخريطة فى غرفة العمليات.وأثناء خروج الجميع من قاعة الاجتماع وجدوا إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس الديوان ينتظر فى غرفة الياور بينما النقراشي يردد كلمات:

يظهر أنك متهيب يا مواوى.

تدخل إبراهيم عبد الهادي قائلا:

لا تتهيب فليس أمامك من اليهود ما يستحق الذكر!

وفى غرفة العمليات أخذ العقيد على الشافعى يشرح الموقف قائلا:

اليهود ليسوا إلا عصابات مفككة!

لم يكن النقراشي أو كبار الضباط لمصريون يعرفون حقيقة الموقف العسكرى لليهود. فى 9 من مايو 1946 أى قبل عامين قدم رؤساء أركان حرب القيادة المشتركة ألأمريكية تقريرا عن القوات الاسرائيلية قدروا فيه عدد قوات الهاجاناه بأنها 65 ألفا والاحتياطى 40 ألفا منها 16 ألفا قوات متحركة ونحو 6000 قوة ضاربة مدربة تملك أسلحة اتوماتيكية وكل مقاتل لديه سلاحه.

وفى كتاب ستيفنجرين " الانحياز" وصف شامل لاستعدادات اليهود للحرب. قال " إنهم عبأوا آلاف الأطنان من الأسلحة: طائرات ودبابات ومدفعية وعشرات الملايين من الدولارات بواسطة شبطة يهودية غطت شمال وجنوب أمريكا وجنوب أفريقيا وأوربا والصين.وزحف آلاف الجنود المدربين والطيارين من الشرق والغرب ليحاربوا فى صفوف اليهود.

وكان لعصابة أرجون 23 فرعا فى العالم تجمع التبرعات وتستأجر وتدرب وتشترى وتشحن إلى اسرئيل .ومعظم الأسلحة التى وصلت إسرائيل ابتداء من عام 1945 حتى رفع الحظر فى عام 1949 جاء بطريقة سرية بواسطة الأمريكيين الهصاينة .

وقدر هيكلمان فى كتابه عن " المتطوعين الأمريكيين"

إن المساعدة الخاصة من الأمرييكن للهيود اثناء فلسطين بلغت 1300 متطوع و15و 20 مليون دولار.وفى المعارك لم يقاتل العرب يهود فلسطين كما قال ستيفن جرين بل كانوا يحاربون مصادر التمويل المشتركة للمجتمع اليهودى الدولى وقواته.

وعلى سبيل المثال كان قائد جبهة القدس الاسرئيلية ضابطا أمريكيا هو الكولونيل دافيد ماركوس مساعدحاكم نيويورك السابق.وساعد ماركوس على إعادة تنظيم القوات اليهودية وتحويلها إلى لاجيش انظامى.

ومن غريب المصادفات أن ماركوس لقى مصرعه برصاصة اسرئيلية خاطئة رفع اليهود أجورا مرتفعة للضباط والجنود الامريكيينوكان الطيار الأمريكى يحصل على 600 دولار شهريا عدا المصروفات وهذا الأجر يفوق ما يحصل عليه فى الولايات المتحدة.

وكان دافيد بن جوريون أول من قال بأن الجيوش العربية ستهاجم اليهود ولكن عصابة الهاجاناه التى تحولت بعد ذلك إلى جيش الدفاع الاسرئيلى لم تقتنع بذلك وكانت تظن ان العرب لن يتدخلوا عسكريا بل سيقدمون متطوعين كما حدث فى الثورة الفلسطينية عام 1936.

وقبل سبعة شهور من الحرب أيقنت الهاجاناه بان الجيوش العربية ستحارب فى فلسطين بينما العرب لم يقرروا الهجوم بصفة نهائية إلا قبل ثلاثة شهور فقط من بدء المعارك!!وفى نوفمبر 47 قالت المخابرات الحربية الأمريكية إن قوة عرب فلسطين لا تتجاوز 33 ألفا أسلحتهم ضعيفة.

وبعث القنصل الأمريكى فى القدس إلى واشنطن يقول إن الإنجليز عثروا على وثائق تثبت ارتباط زعماء عصابات شتيرن وأرجون الصهيونيتين بالمسئولين فى سفارات الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية فى بيروت , وأن مناجم بيجن زعيم أرجون قبل, بصفة منتظمة أموالا من السكرتير الثانى للمفوضية السوفيتية فى بيروت.وفى تقرير لأحمد فراج طابع قنصل مصر العام بالقدس تاريخه 8 من ديسمبر 1947 قال إن عرب فلسطين مجردون تقريبا من كل سلاح والتنظيم معدوم لديهم.

وفى 10 من يناير 1948 اكتشفت المخابرات الأمريكية فى ألمانيا أسلحة وذخائر وقنابل يدوية من المعسكرات الأمريكية فى بافاريا.

وباعت هيئةمخلفات الجيش البريطانى فى انجلترا 21 طائرة استطلاع لشركة يهودية فى فلسطين.وأبلغ الأدميرال هيلينكوبتر رئيس المخابرات المركزية الرئيس الأمريكى فى 12 من أبريل 1948 بأن الطائرات الأمريكية والأطقم الأمريكية تشترك فى نقل الأسلحة التشيكية إلى اليهود وأن السلطات التشيكية الرسمية تحى الأمريكيين الصهاينة.

وقالت تقارير المخابرات المركيزة إن طائرات الخطوطج الجية التشيكية تنقل السلاح من براج إلى جنوب فرنسا . وذلك لحاجة تشيكوسلوفيا كيا إلى العملة الصعبة.وثبت فيما بعد ان تقدير مخابرات الهيئة العربية العليا عن الأسلحة التى يملكها اليهود تمل 8 فى المائة فقط من الحقيقة وأن أسلحة العرب نصف ما عند اليهود!

ولكن لا مصر ولا العرب ولا جماعة الإخوان كانوا يعرفون حقيقة وأبعاد هذاكله.وافق مجلس الوزراء لامصرى على دخول الحرب بالإجماع. وطلب النقراشى باشا عقد جلستين سريتين لمجلس النواب والشيوخ يوم 12 من مايو ليطلب منهما إعلان الحرب على إسرائيل.

قال النقراشي للنواب والشيوخ إنه لا يصح أن نترك الدول العربية تدخل فلسطين وحدها وتبقى مصر لا تتحرك.وقال إن الجيش المصرى مستعد وتستطيع القوات العربية سحق القوات الصهيونية وأكد الفريق محمد حيدر للمجلسين أن الجيش المصرى مستعد لدخول الحرب!

وافق مجلس النواب بالإجماع على التدخل العسكرى فى فلسطين فى الوقت المناسب... لأن الحكومة لا تستطيع أن تذيع الموعد.وكان الأعضاء مدفوعين إلأى ذلك بالحماس الشعبى وإيمانهم بأن الحرب نزهة ولأن قرار الحرب كان قرار الملك! فى مجلس الشيوخ اعترض عضو واحد وهو إسماعيل صدقي الجل الذى تعلم من تجربته كرئيس للوزراء مرتين أنه لا ينبغى أن يوافق على أمر لا يقتنع به لمجرد أن يكون رجل الملك!

وتعلم من مفاوضاته السرية مع الإنجليز عام 1946 التى وقف ضدها الشعب أنه يجب أن يواجه المصريين بالحقائق الكاملة. أعلن صدقى باشا رايه فى فى الجلسة السرية لمجلس الشيوخ. قال إنه كان رئيسا للوزراء إلى أواخر عام 1946 ويعرف أن الجيش المصرى تنقصه الأسلحة والعتاد اللازمان للحرب.

وكرر صدقى فى الصحف اعتراضه على دخول الحرب فاتهمه الناس بالخيانة قالوا إنه عاد إلى ألاعيبه القديمة وإن اليهود اشتروه بالمال أو بعضوية بعض الشركاتوإنه صهيونى! وعارض الدكتور وحيد رأفت مستشار الرأى لوزارة الخارجية التدخل العسكرى

قال:

يمكن أن يكون التدخل مستترا مقنعا فى شكل تطوع منتظم كما حدث فى الحرب الأهلية الأسبانية بين عامى 36 ,39.

وفى مذاكراته قال الدكتور محمد حسين هيكل:

" وربما كان الوضع الداخلى من بين الأسباب التى دفعت إلى دخول الحرب فإن الالتجاء إلى الحروب لصرف الانظار عن المشاكل الداخلية سياسة لجأت إليها الدول الديكتاتورية مرارا فى التاريخ القديم والحديث"!

رأى تشرتشل وهو صهيونى معتدل كما يقول مؤرخو الإنجليز القتال بين العرب واليهود قادم فقال:لن تضيرنا حرب محدودة ... إنها حرب الفيران!

دخلت قوات الدول العربية فلسطين فى 15 من مايو عام 1948 وبذلك انتهت فترة قتال المتطوعين التى بدأت فى أول ديسمبر 1947 واذيع فى القاهرة بلاغ رسمى

يقول:

" صدرت تعليمات إلى قوات الجيش المصرى بدخول فلسطين لإعادة الأمن والنظام فيها ولايقاف المذابح التى تقترفها العصابات الصهيونية ضد العرب وضد الإنسانية".

قالت المخابرات الأمريكية إنه

" من الناحية العددية فإن نسبة المقاتلين اليهود للعرب ثلاثة إلى واحد فضلا عن أن اليهود يتمتعون بميزة القوة والتدريب والنظام والقيادة والتجرية والقتال واحتياطى الذخيرة والسلاح.

أما العرب فعندهم ميزات المدفعية والطيران وربما المدرعات ".كان الإنجليز يعتقدون بأن الجيوش العربية ستحقق النصر فى مذكرات سكرتير بيفن.

قال:

" كان بيفن يتوقع انتصار العرب". وعندما التقى وزير الخارجية البريطانى بزميله الوزير ريتشارد كروسمال

قال بيفن:

تعلم الألمان الوحشية من اليهود.وكان مناجم بيجن يصف بيفن بأنه وحش معاد للسامية.

وقال القائد البريطانى مونتجومرى:

لن يستطيع اليهود حماية خطوط مواصلاتهم.وقال الجنرال السير جوردون ماكيلان قائد القوات البريطانية فى فلسطين فى تقاريره السرية.لن تجد الجيوش العربية صعوبة فى الاستيلاء على كل فلسطين وحذر بيفن وزير الخارجية الأمريكى مارشال

قائلا:

سيذبح اليهود .مع انتهاء الانتداب ورفع الخصار البحرى البريطانى عن السواحل الفلسطينية تدفق فيضان المتطوعين المدربين والسلاح والطائرات من أوربا الشرقية على إسرائيل.

قال السجل التاريخى لوزارة الدفاع المصرية:

" لم تطرأ أية زيادة تذكر على قوة الجيش المصرى اعتبارامن شهر ديسمبر 1947 وحتى مايو 1948م عندما أعلنت التعبئة وشكلت وحدات احتياطية للطوارئ.

كان مجموع القوات المصرية فى كل الأسلحة بما فيها الحدود وخفر السواحل فى ديسمبر 1947 2684 ضابطا و55421 جنديا وفى مايو 48 أصبح العدد 2644 ضابطا و60027 جنديا.

وكان عدد القوات المصرية المتمركزة فى العريش عندما أعلنت الحرب 397 ضابطاو 8895 من الجنود وهم الذين عبروا فجر 15 من مايو الحدود المصرية الفلسطينية عند رفح على الطريق الساحلى الشمالى الممتد من غزة إلى فلسطين وهو الطريق التقليدى الذى قطعته القوات المصرية أكثر من 40 مرة عبر التاريخ. وفى هذه المنطقة الجنوبية من فلسطين وصحراء النقب توجد 27 مستعمرة يهودية موزعة فى أماكن متفرقة.

اجتمع مجلس الأمن فى اليوم نفسه واصدر قرارا بوقف الأعمال الحربية فاجتمعت اللجنة السياسية فى دمشق ورفضت ذلك القرار لخلوه من آية ضمانات تطمئن إليها الدول العربية إذا تجددت المعارك.

وجه الشيخ الأزهري مأمون الشناوي نداء إلى المجاهدين.ووصف الشيخ محمد حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية يوم 15 من مايو بأنه يوم الملحمة وقال " ليكن شعارنا منذ اليوم فى مصر وسائر دول الشرق الأوسط كلمة فاروق الخالدة التاريخية: لن أقبل أن تقوم فى الشرق الأوسط دولة صهيونية على مقربة من حدود مصر".

وأذاع الإخوان فى اليوم الأول للقتال بلاغا أعلنوا فيه أن " مجاهديهم فتكوا بقافلة يهودية كبيرة وظفروا بغنائم هائلة".ورحب الإخوان بدخول مصر الحرب.

نشرت صحيفتهم يوم 16 من مايو عنوانا كبيرا يقول " الجيش لمصر يثأر لعرب فلسطين". وكتب محب الدين الخطيب فى الصفحة الأولى من اليوم ذاته مقالا افتتاحيا عنوانه " من السياسة إلى الجهاد . أبرك تحول فى تاريخنا الحديث"

قال فيه: " الحكومة فى مصر وشقيقاتها كانت فيما مضى متخلفة عن شعوبها لذلك كان القرار الرسمى نزولا من الحكومات العربية إرادة شعوبها".

وبوجه المرشد العام بصفته ممثلا لهيئة وادى النيل العليا لإنقاذ فلسطين حديثا من إذاعة القاهرة عنوانه " ثمن الحياة"

قال فيه:

" ليس فى لاعالم منذ فجر التاريخ قضية أعدل من قضية فلسطين ولا ظلم أفدح ولا أفظع من العدوان عليها.اضطركم عدوان العصابات الصهيونية على عرب فلسطين إلى أن تهبوا لنجدتهم وتؤيدوا حق الروابط التى تربطكم بها فبادورا إلأى أداء الواجب كاملا غير منقوص".

وتم التنسيق بين جيش مصر وكتائب الإخوان لاتى كانت تقوم بإشغال السمتعمرات الاسرائيلية حتى لا تنقض من الخلف على الجيش المصرى.أعلنت الولايات المتحدة ان الحالة فى فلسطين تهدد السلم وتنذر بالخطر وطلبت إلى مجلس الأمن وقف القتال.

وأيدت بريطانيا ذلك فوافق المجلس فى 22 من مايو بعد أسبوع من بدء المعارك على وقف القتال وأن تبقى لاقوات فى أماكنها. ولا يحاول طرف تحسين وضعه العسكرى.. ولا تجرى تحركات للقوات والمعدات ولا تدخل قوات جديدة إلى ميدان القتال.

رفض العرب وقف القتال بينما قررت إسرائيل على الفور الاستجابة لنداء الهدنة .قالت صحيفة الإخوان المسلمين:

" فيم الهدنة التى دعا إليها مجلس الأمن إن الجيوش العربية استطاعت برغم مناعة استحامات الصهيونيين. ومقاومتهم المستميتة أن تسيطر على زمام الموقف فى فلسطين سيطرة تامة وتوشك كماشتها أن تطبق على تل أبيب.وقف القتال فى هذه الآونة العصبية معناه إتاحة الفرصة للعناصر الإرهابية اليهودية الإجرامية لتنتعش من جديد وتدعم من مراكزها ومواقعها. وإصرار مجلس الأمن على فرض وقف القتال على القوات العربية فى هذا الظرف إعنات لا يمكن أن يحمل إلا على أنه خديعة مكشوفة يراد بها شل الجيوش العربي وغضاعة ثمرة تضحياتها".

كانت المبادرة فى أولها من نصيب الجيوش العربية كما تقول وزارة الدفاع المصرية ولكن تمت جميع العمليات بلا تنسيق أو تعاون استرا تيجى بين هذه الجيوش ... ورغم ذلك كانت جميع المعارك فى صالح لاعرب.واستطاع الجيش المصرى دخول [[غ فى اليوم التالى واشتبك مع بعض المستعمرات اليهودية واحتل بعضها وترك وحدات تحاصر مستعمرات أخرى.

ووصل اليش المصرى إلى المجدل ودخلت قوات المتطوعين المصرين بيت لحكم التى لا تبعد عن القدس إلا خمسة أميال وسقطت القدس العربية بعد 11 يوما من القتال ورفع اليهود العلم الأبيض مستسلمين يوم 28 من مايو.

وفى 7 من يونيو كان الجيش المصرى قد احتل ثلث فلسطين وهدد بعزل القوات الإسرائيلية فى جنوب النقب وأصبح على بعد 16 ميلا من تل أبيب التى صارت على مرمى المدفعية المصرية تهدد خطوط دفاعها.

وأغارت الطائرات المصرية على المدينة وألقت عليها بعض القنابل فتحولت بعض شوارعها الكنية إلى أكوام من الأنقاض وأصاب الذعر السكان. وكان الإستيلاء على تل أبيب التى يسكنها مع ربع مليون نسمة يعنى نهاية الحرب بالنسبة لإسرائيل.

ويعترف الإنجليز فى تقاريرهم الرسية

" لم يتضمن الحرب فى مراحلها الأولى أية إرهاق أو تضحيات كبيرة للقوات المصرية".وقال تقرير للسفير البريطانى فى القاهرة." وكنا نلعب دور المتفرجين بالنسبة لتقدم الأعمال العسكرية"

طلب بيفن إلى سفيره فى القاهرة إبلاغ الحكومة المصرية بأن الهجمات على الأهداف المدنية فى تل أبيب تسبب ضررا بالغا للقضية العربية لأنها تظهر العرب للعالم الخارجى .. كمعتدين .وعقد اجتماع طويل بين السفير البريطانى وفاروق بعد 4 أيام من القتال

قال السفير رونالد كامبل:

عرب يهاجمون المواقع اليهودية فى تل أبيب ويقصفونها بالمدافع

قال فاروق متحديا:

سيتعرض اليهود للهجوم فى أية مواقع محصنة, قال السفير :وماذا سيكون رد العرب إذا اعتبرت الأمم المتحدة ذلك اعتداء "

قال الملك:

العرب مصممون على القتال حتى النهاية , وإلى آخر رجل من قواتهم النظامية.

قال السفير:

بما يجتمع مجلس الأمن ليقرر وقف إطلاق النار وفرض عقوبات .

قال فاروق:

يمكن لمصر أن تتحمل ثمانية اشهر دون أن تتاثر اقتصاديا ولا أعتقد أن مجلس الأمن سيجتمع لوقف القتال.

وقا