نعم .. يحتاج الظلال لتهذيب واختصار

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
نعم يحتاج الظلال لتهذيب واختصار

بقلم/ الشيخ عصام تليمة

مقدمة

الشيخ عصام تليمة

قرأت فكرة الدكتور أيمن الجندي عن دعوته لتجريد (في ظلال القرآن) للشهيد سيد قطب، وما فوجئت به ـ حقيقة ـ هو ردود الأفعال التي نقلها موقع (إسلام أون لاين) عن بعض قيادات الإخوان، والجماعة الإسلامية، ورفضهم الشديد للفكرة، وقد خرجت بانطباع من ردود أفعالهم، وهو أنهم لم يمعنوا النظر في الفكرة جيدا، ولم يسبروا غورها، ولم يدرسوا الفكرة وإمكانية تحقيقها تحقيقا يتفق مع خدمة تراث الشهيد سيد قطب رحمه الله.

والظلال يحتاج حقا إلى تلخيص، وتجريد، من حيث تيسيره للقارئ، فالأستاذ سيد قطب، يسهب بطريقة طويلة جدا في عرض فكرته، وأحيانا يكرر الفكرة، وأحيانا يعيد بعض الفقرات، وربما كانت الفقرات المعادة في المجلد الواحد، وكم من كتب هذبت واختصرت، فساعد اختصارها وتهذيبها في وضوح فكرة صاحبها، فقد اختصر تفسير ابن كثير على جلالة قدره، وأهميته، أكثر من اختصار، وكذلك اختصر وهذب (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي، فقد هذبه واختصره في مجلد واحد ابن قدامة المقدسي في (مختصر منهاج القاصدين)، فاختصار الكتب أمر معروف في تراثنا الإسلامي، وليس بدعا ولا جديدا أن يختصر مطول، أو يشرح مختصر، وليس بغريب عن البيئة الإخوانية كذلك، فهناك عبارات مقتضبة مختصرة موجزة للإمام الشهيد حسن البنا، وقد قام الكثير من الإخوان بشرحها، بل والإضافة إليها، كما رأينا في (الأصول العشرون) وهي الركن الأول من أركان البيعة في الإخوان المسلمين (ركن الفهم)، وقد شرحها الكثير من جماعة الإخوان، فشرحها الأستاذ سعيد حوى (في آفاق التعاليم) وشرحها الدكتور يوسف القرضاوي في عدة أجزاء لم تنته بعد، وشرحها الأستاذ جمعة أمين في كتابه (فهم الإسلام في ضوء الأصول العشرين) وشرحها الشيخ محمد الغزالي (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين)، وقد اقترح الغزالي في نهاية شرحه مقررات عشر، تضاف للأصول العشرين، واقترح القرضاوي عشرين أخر للأصول العشرين، وهكذا، فالفكر الإخواني، والبيئة الثقافية الإخوان تحتمل أن يشرح مختصر، أو أن يختصر مطول، فليس غريبا أن تأتي فكرة تنادي باختصار الظلال، أو تهذيبه.

أما كتاب في ظلال القرآن، فما لا يعرفه البعض أن سيد قطب نفسه، نص في مقدمة الطبعة الأولى أنه لن يتعرض للقضايا الفقهية، ولا للمسائل الكلامية والعقدية ، وقد كان في الأصل تأملا أديب، مفكر في كتاب الله عز وجل، وقد اعتمد على تفسير ابن كثير، ما واطمأن إليه من ورايات، وتناول تفسير ابن كثير بأسلوبه الأدبي، وتأملاته العميقة، ثم تغير فكر الأستاذ سيد فاتجه اتجاها آخر، فتناول قضايا فقهية وعقدية، وأوضاع قائمة للمسلمين، فكان ما كان من فكره مما ينكره البعض، أو يتأوله البعض الآخر.


نموذج لسيد قطب قبل وبعد

وحتى تتضح فكرتي في تأييد تجريد الظلال، أو اختصاره وتهذيبه، أسوق نموذجا لسيد قطب في طبعته الأولى، والظلال في طبعاته التي جاءت عقب تبني سيد قطب فكره الأخير، وهو تفسيره لقوله تعالى: (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. ونجنا برحمتك من القوم الكافرين. وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما بمصر بيوتا، واجعلوا بيوتكم قبلة) يونس: 85-87. وسوف أجعل كلام سيد قطب في الطبعة الأولى باللون الأسود، وكلامه في طبعاته التي نضحت بفكره الجديد بلون أخر، وقد نقلت صفحات الطبعتين كملحق بالصور ليستطيع القارئ أن يرى بأم عينه ما نقلته، يقول سيد قطب رحمه الله: (ودعاؤهم اللّه ألا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين, وأن ينجيهم برحمته من القوم الكافرين، لا ينافي الاتكال على اللّه والتقوي به. بل هو أدل على التوجه بالاتكال والاعتماد إلى اللّه. والمؤمن لا يتمنى البلاء, ولكن يثبت عند اللقاء.(انظر: مقدمة في ظلال القرآن الطبعة الأولى للحلبي (دار إحياء الكتب العربية) . طبعة سنة 1952م.)

وعقب هذا التميز, وفي فترة الانتظار بعد الجولة الأولى, وإيمان من آمن بموسى, أوحى اللّه إليه وإلى هارون أن يتخذا لبني إسرائيل بيوتًا خاصة بهم, وذلك لفرزهم وتنظيمهم استعدادًا للرحيل من مصر في الوقت المختار; وكلفهم تطهير بيوتهم (واجعلوا بيوتكم قبلة), وبتزكية نفوسهم (وأقيموا الصلاة)، والاستبشار بنصر اللّه: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً, واجعلوا بيوتكم قبلة, وأقيموا الصلاة, وبشر المؤمنين).

وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية. وهما معاً ضروريتان للأفراد والجماعات, وبخاصة قبيل المعارك والمشقات. ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة, تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة, وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئاً كثيراً في ساعة الشدة.(انظر: في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب الطبعة الأولى. الجزء الحادي عشر ص 107. طبعة الحلبي.)

وهذه التجربة التي يعرضها اللّه على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة, ليست خاصة ببني إسرائيل, فهي تجربة إيمانية خالصة. وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي, وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت, وفسد الناس, وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة


وهنا يرشدهم اللّه إلى أمور

اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها, لتطهرها وتزكيها, وتدربها وتنظمها, حتى يأتي وعد اللّه لها.

اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي; وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح; وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور.(انظر: في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب الجزء الثالث ص 1816. طبعة دار الشروق.)لو تأمل القارئ هذا النص، وتخيل معي أننا حذفنا ما أضافه سيد قطب بعد محنته، وبعد تطور فكره ليصل إلى ما وصل إليه، هل هذا الحذف الناتج عن التهذيب والاختصار، يؤثر فكريا بالسلب على ما كتبه الشهيد؟ أعتقد أنه لن يتأثر كثيرا، حيث إن هذه الأفكار لو حذفت ـ اختصارا ـ من الظلال، أو هذب الظلال، فهذه الأفكار ـ أفكار سيد قطب ـ موجودة كاملة في كتابه (معالم في الطريق).

وأما مسألة ألا نقترب من كتب سيد قطب، فقد اقترب منها الأستاذ محمد قطب، حيث تم حذف فصل كامل من كتاب (الإسلام والسلام العالمي)، وهو محذوف في طبعات الشروق كلها، ولكنه موجود في طبعات مكتبة وهبة ـ وبالمناسبة وهبة حسن وهبة صاحب مكتبة وهبة هو ناشر معظم كتب سيد قطب الأخيرة ـ ولا أدري من الذي حذفه؟ وكيف حذفه؟ ولماذا حذفه؟ كما أن هناك بعض الأعمال العلمية في هوامش الظلال، ونسبة بعض الكتب، والإحالات، هذا أعتقد جازما أنه من عمل الأستاذ محمد قطب شقيق الشهيد سيد قطب.

أما ما يؤخذ على الشهيد سيد قطب من أفكار من حيث قوله بجاهلية المجتمع، واعتزال المجتمع الجاهلي، فهذه مواقف تحتاج إلى دراسة ـ لعلي أنجزها قريبا إن شاء الله ـ وقد سجلت شهادة نادرة لأحد المسجونين الجنائيين مع الشهيد سيد قطب، لعلها تبين موقفه بجلاء من قضية التكفير، وسيد قطب ـ على وجه العموم ـ فكره وكلامه حمال أوجه، شأنه شأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فابن تيمية يستند إليه أهل العنف، كما يستند إليه أهل الاعتدال، وكذلك سيد قطب رحم الله الجميع.

وكل يدعي وصلا بليلى

وليلى لا تقر له بذاك!


  • المصدر: موقع إسلام أون لاين