إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

25 عاما في جماعة الإخوان

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
25عاما في جماعة الإخوان


غلاف كتاب 25 عاما مع الإخوان.jpg

بقلم:أ. حسن دوح

محتويات

مقدمة الطبعة الثانية

بعد إضافة أبواب جديدة

هذا الكتاب سطره سادتي من الشهداء وأملته على آلام المعذبين في سبيل الله وأعانني عليه بقية من رجال يتطلعون إلى اللحاق بمن سبقهم من إخوانهم وليس لي من دور إلا النقل عنهم فهم أصحاب الفضل على جزاهم الله عنا خير الجزاء.

وهذا الكتاب ليس تاريخاً لأحداث فهو دون ذلك بكثير لأن الأحداث التي وردت به تتسع لها مكتبات لا كتب.. وتحتاج. لعشرات من لكتاب والمؤرخين..أما التعقيب على الأحداث التي ذكرت فلن يستطيعها أحد الآن بعد أن غدر النسيان بعقول الأخيار .. كما غدر الطغاة بالأقلام العظيمة والتي كتبت «معالم على الطريق».

وهي أحداث لا يمكن أن تدون إلا في حينها وأحسب أنه حتى لو يسر لها الكتاب والأقلام ما كان بوسع أحد أن يلم بها، ولا بطرف منها .. ولكن يستطيع وصفها فقد كانت من عمل شيطان كبير ..أبدع في صناعة البطش والتنكيل والغدر وأجاد الكذب والتضليل..

والكتاب الوحيد الذي نثق في أنه دون كل هذه الأحداث هو هذا: ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا سوف يسألني القارئ ولم أقدمت على كتابة هذا الكلام .. بعد أن أقررت بعجزك وعجز غيرك عن الكتابة!!

أقول هي محاولة للاقتراب من الأحداث، واشغال الضوء أمام من هم أقوى بصيرة مني لعلهم يبدأون في استذكار الماضي وتدوينه حتى لا يتفلت ويبتلعه النسيان أو تمتد يد القدر إلى وإليهم فلا نملك الأسباب.. هي محاولة..

كل ما أرجوه من القارئ أن يصدقني ... وأحسبني من الذين يتمسكون بالصدق ويدركون أباد الأمانة .. أمانة الكلمة...

المقدمة

أكتب هذه السطور وأنا أتهيب الكلمات بل الحروف .. أتهيبها لأمور كثيرة أهمها خشية أن أضعف أمام الحقيقة فلا أضعها كما هي أو أحاول تغليفها بستائر كثيرة قد تحجبها عن القارئ .. ثم مخافة علاقات اجتماعية لها أغوار عميقة أحرص على الإبقاء عليها لأنها تمثل أكبر رصيد لي في حياتي وأحرص عليها كميراث لأبنائي من بعدي ثم خشية من يتأولون الكلام على غير وجهه أو تكون الأيام قد أحدثت ثغرات في علاقتنا كنتيجة لأخطاء سواء مني أو منهم...

وأخيرا وقد يكون أولا ضغط الظروف أو ضغط الأحداث أ والحوادث سمها ما شئت لأنني أفتقدت تسميتها ولكن سوف تجد صورتها جائمة ومجسدة عبر هذا الكتاب.. كل هذه المحاذير والمخاوف تقف متربصة من الكلمة التي أهم بتسجيلها الذي أرجوه أن أتمكن من إيداع أكبر قدر من الحقيقة بين يدي الأجيال حتى يتجنبوا عثار الخطو على الطريق فإذا وقع مني بعض التقصير فأرجو التماس عذر لي من أي من الأبواب...

كلمة لابد منها؟

قرية صغيرة ترقد على الجانب الغربي للنيل ..أسمها «طفنيس» وهي تتبع إسنا ثم قلنا .. هذه القرية لا تزال تحكمني إلى اليوم في كثير من تصرفاتي .. وحكمها لي لا أرفضه دائما ولا أقبله كما تنزل علي .. فقريتي كانت وما زالت من أكبر المعلمين لي في حياتي.. علمتني أشياء افتقدتها في أكبر المؤسسات العلمية بل افتقدتها في الكتب والمؤلفات.. علمتني البساطة والسهولة، والصدق وقدسية الكلمة .. والحفاظ على العرض..

وعلمتني الديمقراطية بمعنى كلمة الديمقراطية .. هذا الذي علمتني إياه قريتي لم أجده على طريق الحياة الطويلة العريضة التي عشتها في المجتمع المصري وفي المجتمعات الأخرى... لكن هل عملت بما علمت وبما تعلمت.؟؟؟ أقول أنني أحاول ذلك.

أحاول بكل جهدي وقد يصيبني الفشل أحيانا وقد يحالفني التوفيق أحيانا أخرى.. وهناك أخلاقيات فرضها على مجتمع «طفنيس» وما زلت أسير لهذه الأخلاق بل وحريصا على البقاء في هذا الأسر.. وحرصي هذا مرده إلى أنني بعد دراسة لا بأس بها وبعد اختلاط كبير وكثير بمختلف المجتمعات وجدت «طفنيس» تقف على القمة وتملي إرادتها علي.. أنا فرح بحكمها وتحكمها.

من هذه القرية خرجت إلى الحياة لأعيشها بطولها وعرضها كما يقولون .. ولا أعني بالطول والعرض السياحة في الأرض فهذه لم تكن نصيبي منها كبيرا ... ولكن السياحة التي عشتها كانت في مجتمع أو مجتمعات تضطرب بأفكار وتقاليد ومثاليات وأعراف تأثرت بها أياما تأثر وحاولت جهدي أن أعطيها مما أعطتني .. وكما يقولون في المثل المعروف «يجود علينا الخيرون بما لهم ونحن بمال الخيريين نجود» فإن كنت قد أعطيت شيئا فهو من فضل هذا المجتمع ومن خيره.

ولأني لا أقصد من وراء هذه الدراسة تسجيل مذكرات شخصية بقدر ما استهدف إبداع الأجيال من بعدنا من تجارب أثرنا بها جيلنا والجيل الذي سبقنا فإنني سأمضي سريعا على مسيرتي الخاصة مسجلا منها ما يكشف للقارئ طبيعة تفكيري والمؤثرات التي كانت ولا تزال تؤثر في هذا التفكير.

إن الأفكار ليست أرغفة صنعها الخباز يوما بيوم ليلتهما الناس وتنتهي إنما ثمار غراس تتضامن فيها عناصر كثيرة ثم تمتزج فتنضج على مهل لتؤتي أكلها بعد ذلك.. وقد تكون مرة المذاق وقد تكون حلوة.

لقد تأثرت بقريتي ..تأثرت بمجتمها الصغير .. وخاصة مجتمعي الأصغر.. كنا نحن صغار نتسلق النخيل ونركب الجاموس ونغطس في القنوات ونلعب بثمار الدوم وتستهوينا مزارع القصب فنغامر فيها نهارا، إلا أننا كنا نهابها ليلا..

وكانت مصادر ثقافتنا الكتاب وحكايات الجدات.. ومغامرات الرجال في مزارع القصب.. وصراعات الشباب مع الثعابين والحيات والعقارب.. وكانت متعننا، بل متعتي المفضلة تصيد العقار والمتربصة تحت الجدار هذا بالنسبة لمجتمعنا الصغير .. أما مجتمع القرية الكبير فكنا نشاهد مجريات حياته عن بعد .

وكان الكبار لا يهتمون بإشراكنا في مشاكلهم ومناقشاتهم، إلا أننا كنا نتسقط الأنباء من خلف الدواوين ونتخاصم ونتصالح من خلال الكبار.. كان الصراع حول العمدية وكراسي المجالس النيابية والمجالس البلدية بيستهوينا لأبعد حد .. وكان تحزبنا للكبار يدعونا لخصومات قد تصل إلى التضارب وقد انتقلت بعض هذه الخصومات معنا إلى مدارسنا .. بل إنها انتقلت مع بعضنا إلى جامعاتنا .. ولم تستطع قلاع العمل أن تستأصل النزعات القبلية الغبية.

أما دنيا البيت في قريتنا فكانت عنيدة لأبعد حد... الأب هو السيد الأول والرب الأعلى في البيت أما المرأة فكانت تابعا متسلما لإرادة الرجل وكانت علاقتها بالحياة الخارجية مقطوعة تماما كانت للبيت وللبيت فقط.. حتى الدراسة البدائية في الكتاب والمدرسة كانت محرمة عليها.

هذا المجتمع فرض نفسه على حياتي فترة طويلة من الزمن .. وعلى الرغم من محاولاتي الكثيرة للتخلص من بعض عاداتي إلا أنني لم أوفق تماما للتحرر منها، بل إنني عدت راغبا في مواقف كثيرة إلى هذه العادات والتقاليد، وذلك حينما اصطدمت «بجناية» ما سمي بالحضارة والتقدم ولعل ما سأتحدث عنه مستقلا بشأن المرآة يكشف بعض جوانب الارتداد ولكنه ارتداد بروية وتعقل.

خرجت من هذه القرية ومن كتابها وانتقلت إلى المدينة حيث المدرسة الابتدائية، وكانت خطوة هائلة بالنسبة لأهلي وقريتي كذلك وبخاصة عندما لبست البدلة والطربوش وطرحت الجلباب والطاقية ثم تهته لسانب بعبارات إنجليزية أثارت إعجاب أهلي وإخوتي... كانت إسنا أكثر استمتاعا بأسباب الحضارة، فيها العمارات الكبيرة.. والقصور الفاخرة (من وجهة نظري)

ثم الكهرباء التي تضيء البيوت والقصور والشوارع، والعربات والقطارات ولقد هزني بالإعجاب كوبري إسنا الذي تغني به الشعراء وغنت له الإذاعات.. فرحت بالحياة الجديدة ولكن فرحي بها لم يهبني الراحة النفية فقد ابتليت ببعض قساة المدرسين الذين كانوا يغلظون لنا القول ويشتدون في ضربنا ... حتى أن أحدهم كادت قسوته أن تحملني على ترك المدرسة؛

كما أنني لم أكن راضيا عن مجتمع إسنا فقد كانت طباعهم تختلف عن طباعي وعاداتهم تتنافر مع عاداتي وتقاليدي، فمثلا كان بعض النساء يظهرن من النوافذ كاشفات الوجه... بل كان بعض زوجات كبار الموظفين يتمخطرن في الطرقات بملابس تنحسر إلى الركبتين ويكشفن وجوههن وشعورهن.. كان هذا المنظر بالنسبة لي مرعبا ومثيرا للغضب...

وكان حكمي على هؤلاء النساء الأوروبيات اللائي كن يزرن «الكرنك» فكنت أنظر إليهن للفرجة والتأمل والتخيل، وأتعجب من ثيابهن التي لا تكاد تغطي شيئا من أجسادهن وكن يمشين بجرأة ويضحكن ويمرحن مع الرجال دون ما حياء أو خجل.. وكان حكمي على الرجال والنساء أن مصيرهم جميعا واحد لأنهم ملة كفر .. وكنا ننسج حولهم أو بالأحرى حولهن قصصا يغذيها خيال الطفولة.

كانت هذه المشاهد تجري أمامي وتسجل انعكاساتها في نفسي وتتثبت في ذاكرتي وتتفاعل مع مشاعري لتصنع عناصر شخصيتي.

ومضت مرحلة الدراسة في إسنا متثاقلة لتعثري في بعض السنوات الدراسية ثم أقسمت بغليظ الإيمان ألا أكمل تعليمي إلا في القاهرة لأشاهد العتبة الخضراء، التي كنت أتخيلها كعتبة بيتنا بل إنها تعلوها كثيرا وأنها تعترض مدخل المدينة الأسطورية .. ولا يستطيع زائر القاهرة أن يدخلها إلا بعد أن يتخطى هذه العتبة .. وكنت أتخيل منظر الترام الذي يسير بلا وقود ولا دخان ولا مداخن..

وأتمثل نفيسي وأنا أمتطي هذه المركبة العجيبة، وهي تسحق الطريق سحقا.. كانت القاهرة أكبر من خيالي بال وتخيلاتي، فأهلها يختلفون تماما عن أبناء إسنا وطفنيسن، يختلفون عنهم في لغتهم وملابسهم وعاداتهم وكانوا يتعاملون معنا كأغراب دخلاء عليهم، وكانت تستهويهم النكت فيرسلونها فيوجوهنا حيثما حللنا كانت النكت تتناول عاداتنا ولهجاتنا وفقرنا وجهلنا وكانت في الواقع نكتا معبرة عن واقعنا ولكنها كانت جارحة ومؤلمة ولم يكن لنا حول في مواجهتها إلا الشتم والسب، فكانت شتائمنا تنعكس علينا نكتا أخرى. !!

ولقد ووجهت بهذه الصورة في المدرسة نكت من المدرسين والتلاميذ وتصادم وتضار.. ولم يكن أمامنا من وسيلة للهرب من المجتمع القاهري إلا الالتقاء بالبلديات والتجمع معهم في الأحياء النائية، أو عند مداخل العمارات الضخمة حيث يقوم البلديات حراسا عليها وكان عم «علي أبو بحيل» يعتبر من أبرز الشخصيات المجمعة لأهالي قريتنا لما اشتهر عنه من الكرم والحكمة.

وأهم، بل وأخطر المشاكل التي واجهتني وحيرتني . مشكلة المرآة .. المرأة المجسمة والمصورة والمرأة الناطقة.. كل شيء في المرأة كان يخيفني .. صورها على أغلفة المجلات وعلى واجهات السينما.. والحكايات التي كنت أسمعها عن النساء «الغوازي» و « الراقصات» .. كانت هذه الصور تزعجني وتخيفني وتصادف أن وقعت لي حادثة زادت من خوفي وانزعاجي...

كنت ذات يوم أعبر جبلاية تسمى «جبلاية زينهم» وهي عبارة عن منطقة جبلية موحشة تقع ما بين شارع السيدة عيشة وشارع القصر العيني.. وكانت هذه المنطقة مرتعا للصوص وتجار النساء..... في أثناء عبوري اعترضتني امرأتان ورجل وحاولت المرأتان إغرائي بشتى الصور، فحرت في أمري ولم ينقذني منهم إلا حكايات جدتي.

فقد تذكرت حكاية جدتي التي كانت تقصها علي في صغري.. كانت تقص علي حكاية الغول الذي هجم على رجل وكاد يلتهمه، ولم ينجه إلا قول: السلام عليكم ورحمة الله فقال له الغول: «لولا سلامك سبق كلامك لأكلت لحمك قبل عظامك» تذكرت هذه القصة فألقيت السلام على المرآتين والرجل فأخرسوا ولم يتعرضوا لي بسوء وتصادف في هذه اللحظة الحرجة ظهور ا؛د باعة العنب من وراء أحد المرتفعات فاستأنست به وتمكنت من النجاة بحياتي.

هذه الواقعة زادتني خوفا من المرأة والآن وبعد مضي ثلاثين سنة على هذه الواقعة لا أزال أشعر بالحذر من دنيا المرأة ولقد أكدت لي كثير من الحوادث والأحداث على المستوى المحلي والعربي والدولي أن المرآة تلعب دورا خطيرا في حياتنا وأن الإغراق في الجنس يوشك أن يدمر البشرية، يدمرها في مالها وصحتها وهدوئها ومنت عن دراسة وتأمل أنه ينبغي أن تضيق علاقة المرأة بالرجل إلأا في مجالات العلم والعمل والضروريات القصوى أما ما عدا ذلك فأرى الاكتفاء بالعلاقة الزوجية فقط.

وبوضوح أكثر إنني أرفض الانفتاح على المرأة من باب الجنس إلي يتخذ صورا وأشكالا منها الحفلات الصاخبة والرقصة ومسابقات الجمال والسكرتيرات الحسناوات هذه الصور أعتبرها من أخطر الجرائم في حق الرجل والمرأة والأسرة والمجتمع والإنسانية أما أن تعمل المرآة وتتعلم، وتتقدم بعقلها وخبرتها فهذا حق من حقوقها وليس منة من الرجل .

للمرأة أن تأخذ كل الفرص المتاحة لها في الحياة، وليس محصورا عليها إلا أن تكون متعة مشاعة للرجل. وليسمح لي القارئ أن أسرع الخطو إلى أن أدخل إلى لب الموضوع كما يقولون.. وليكن بداية حديثي عن أول لقاء لي مع حركة الإخوان المسلمين .

اللقاء الأول

وكان أول لقاء لي مع الفكر والسياسة والنشاط العام في قريتنا في الثلاثينيات، حينما زار قريتنا شابان من شباب الإخوان المسلمين المتحمسين، هما الشيخ الجندي وكان طالبا بكلية الشريعة بالأزهر ، والآخر وهو أحمد رفعت وكان طالبا بكلية التجارة بجامعة القاهرة.

اجتمعت القرية في مسجد كبير لتستمع للخطبة وهم يجلجلان في صحن المسجد وعلى الرغم من جودة كلام الشيخ الجندي.. إلا أن إعجابنا بالأفندي الذي يخطب في الدين كان أكبر من إعجابنا بالشيخ الذي كنا ننظر إليه على أنه مكلف بتأدية وظيفة تؤهله لها دراسته وملابسه التقليدية.

وبعد أن انفض الاجتماع التقيت بأحمد في «المندرة» وأرقته بأسئلة عن عمله ووظيفته وكنت في الثامنة من عمري وبعد أن شرح لي رسالته في بساطة وأنه ينتمي لجماعة تسمى «الإخوان المسلمين» وأنه موفد من قبلها ليخطب في الناس، زاد إعجابي به وتعلقت به ورجوته أن يصطحبني في رحلاته؛

لكنه اعتذر لي بأسلوب يتفق مع سني، قال لي أن الرحلة تحتاج لنفقات وأنك لا تستطيعها فأخرجت من جيبي خمسة قروش وقلت له أنني أملك هذا المبلغ فلاطفي ووعدني بمصاحبته بعد أن أكبر... ثم وقع حادث للشابين لم أستطع فهمه إلا بعد أن كبرت، فقد اتصل مأمور مركز إسنا تليفونيا بوالدي الذي كان يشغل وظيفة عمدة القرية وسأله عن الشابين وطلب منه اعتقالهما ولكن والدي ماطله ووعده بالبحث عنهما.. إلا أنه فعل عكس ذلك وأوحى للشابين بترك القرية وعرفهما بطريق جانبي يؤدي بهما إلى قرية مجاورة.

مضى على هذه الزيارة وما لابسها من مفاجآت فترة كبيرة لا أذكرها الآن ثم التقيت للمرة الثانية بصديقي الكبير أحمد رفعت وذلك في عام 1939 وهو يسير ضمن مظاهرة إخوانية تهتف بشعارات لا أذكرها .. وكان عدد المتظاهرين لا يتجاوز المائتين وكان يتمنطقون بأحزمة خضراء تدور حول أكتافهم تشبه إلى حد كبير ما يلبسه كبار القضاة في مصر .

كان لقاء أحمد لي طيبا ومفرحا..وأشعرني الرجل بحنانه وعطفه فأنست به كثيرا وعبد نهاية المظاهرة صحبني إلى دار الإخوان التي كانت تقع في ميدان العتبة الخضراء التي أحلم بها.. حيث استمعت إلى حديث من أحد خطبائهم.. ثم انقطعت علاقتي ثانية بأحمد وبالإخوان .

وبعد فترة لا أذكر مداها وبينما كنت أقضي أجازة آخر العام الدراسي بقريتنا، وصلت والدي رسالة غريبة الشأن من أحمد أثارت دهشته وتعجبه بل وضحكه الشديد، ثم ناداني والدي ودفع إلى بالرسالة وهو يقول «صاحبك سار نبيا يا حسن» !!تناولت الرسالة وقرأها بشغف لأتعرف أخبار صديقي القديم.

وكان وقع الرسالة على أشد من وقعه على أبي.. لأن الرسالة تضمنت إعلانا من أحمد رفعت أنه أوحي إليه وصار نبيا، وأنه المعنى فالقرآن باسم «أحمد» إلا أنه لم ينكر نبوة محمد عليه الصلاة والسلام والأعجب من هذا أن الرسالة كانت ممهورة بإمضاء آخر لشاب اسمه أحمد عزت الذي أكد لنا إيمانه وتصديقه برسالة زميله أحمد رفعت.. فزعت من الرسالة فزعا شديدا وانتابني قلق وخوف شديدان على صديقي الكبير الذي «كفر» والذي سينتهي مصيره إلى جهنم.

ولكنني لم أستطع أن أفعل شيئا أمام هذا الحديث الخطير.!! ومضت سنوات على هذه الحادثة، وعلمت أن رفعت ندم على فعلته وتاب توبة نصوحا ثم التحق بإحدى الثورات الفلسطينية حيث قتل شهيدا.

مضت الحياة بي بعد ذلك في درب مختلفة فقد التحقت بطريقة صوفية عام 1940 هي الطريقة الخلوتية وكان رائدنا عالما فاضلا هو الشيخ عبد الجواد الدومي.. وكنت أحضر معه حلقات ذكر واستمع إلى دروسه القيمة ولقد استطاع الرجل أن يثير إعجابي به وبجماعته ولكنه بعد أن تعرفت إلى الإخوان شعرت بالفارق الشديد بين تجمعات الإخوان التي كانت تضم الكثير من الشباب الأفندية وبين مجموعة الشيخ الدومي التي كانت تقتصر على المشايخ كانت مجموعة الشيخ الدومي تحصر عادتها في جلسات الذكر، والتعاون فيما بين رجالها ولا تهتم بالمشاكل العامة وخاصة المشاكل السياسية..

وكنت أضيق في صدري من تقبيل يد الشيخ إلا أنني لم أستطع مخالفة تلامذته الذين كانوا يحرصون على تقبل يد شيخهم بشغف شديد مع أنه لم يكن حريصا كغيره على هذه العادة، ومع أن الشيخ لم يكن يدعي لنفسه كرامات إلا أن تلميذته كانوا حريصين على نسبة الكرامات إليه.

أسأل نفسي الآن هل كان لهذه الطريقة أثر في نفسي ..؟ جوابي أن الطريقة أخذت بيدي في أول شبابي واستطاعت أن تحميني من المجتمع الجديد .. مجتمع القاهرة الذي دخلت إليه من أوسع الأبواب .. ثم إن هل كان لهذه الطريقة أثر في نفسي؟؟

جوابي أن الطريقة أخذت بيدي في أول شبابي واستطاعت أن تحميني من المجتمع الجديد مجتمع القاهرة الذي دخلت إليه من أوسع الأبواب .. ثم إن الطريقة جمعتني بمجموعة من الأصدقاء الأزهريين الذين أمدوني بقدر كبير من المعرفة بأمر ديني ولكنهم أغرقوني من أول الطريق ف بحور التصوف؛

وعجبت بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي ومكاشفة القلوب في ذكر علام الغيوب وتمكنت فلسفة الغزالي من قبلي حتى وجدت نفسي مسيرا كالمنوم بكلمات وتعبيرات وقصص الغزالي فغدوت أنظر إلى الناس بمنظار أسود، وأتهم كل تصرفاتهم وفي نفس الوقت تسربت الريبة واشك إلى عباداتي فاتهمت نفسي بالتفريط والتقصير.

أخلص من هذا على أن ملازمة الطريق الصوفية ومصاحبة بعض الشباب الأزهري تركا آثارا بعضها طيب زكي وبعضها فيه دخن.. إلا أنني في الواقع أسكر فهم فضلهم على، لأنهم أخذوا بيدي من أول الطريق وخاصة في المراحل الأولى من شبابي.

بدأت صحتي تعتل.. وضاقت بي أسباب الرزق لظروف طارئة ألمت بوالدي الذي كان من قبل على جانب من السير.. حتى عجزت عن الوصول إلى عمل منتظم وأذكر أنني ذهبت عن طريق أحد أساتذتي إلى أحد كبار الفنانين وكان يشرف على دار الأوبرا وطلبت منه إلحاقي بعمل كتابي في دار الأوبرا ولكن الرجل نصحني بالابتعاد عن هذا المال .. ففرحت بنصيحته؛

وفي نفس الوقت شعرت بالخجل من نفسي وأمر من هذا أنني هممت لأعمل في أحد المعسكرات الإنجليزية بوظيفة كاتب حسابات ولا أذكر م صرفني عن ذلك الطريق.. فحمدت الله للظروف التي حالت بيني وبين مثل هذا العمل .

أعود لحالتي الصحية موجزا القول عنها مع أنها تركت في نفسي وفي حياتي وفي مستقبلي آثارا بعيدة وكانت ولا تزال تلعب دور حيويا في تنبيه مشاعري وإرهاف أحاسيسي إن المرض ناقوس هائل لإيقاظ الغافلين عن حقيقة دنياهم وأنفسهم إنه أحد إشارات الخطر المذكرة بالنهاية.. ويكفي أن أقول بالنسبة لحالتي الصحية.. أنني خضعت لخمس عمليات جراحية كبرى إحداهن استئصال الكلية اليمنى ..

وعشت قيد أسرة المستشفيات أكثر من ثلاثة أعوام، هذا بالإضافة إلى متاعب باطنية تلازمني منذ الصغر.. ومع هذا كله فإنني أبدوا أحسن حالا من كثير من زملائي الذين في مثل سني ولقد خرجت بنتيجة هامة بعد معاناة أكثر من ثلاثين سنة من أمراض متصلة وهي أن الإرادة القوية قادرة على التغلب على كثير من متاعب الإنسان وأن أخطر شيء على المريض استسلامه لمرضه وتقلبه بين يدي الأطباء وكثرة تعاطي الأدوية ، وهذا طبعا لا يتنافى مع التزامنا بالأخذ بأسباب العلاج التي ينصح بها الأكفاء المخلصون من الأطباء.

كانت لظروفي المعيشية والصحية التي ذكرتها آثار بعيدة المدى على حياتي الدراسية على طول الطريق منها أنني تخلفت في دراستي المتوسطة والجامعة ويكفي مثلا لأبرهن على أثر هذه الظروف في دراستي أنني في السنين التي تيسرت لي فيها أسباب الرزق لم أرسب على الإطلاق ولقد استطعت بعد جهد أن أحصل على المؤهل الجامعي الذي صار مع الزمن بمثابة رخصة المرور لعبور طريق الحياة

إنني أحاول بقدر جهدي أن أضغط الحديث في الأمور المتعلقة بي.. ولولا أنها ستعين القارئ للتعرف على مواقف عامة وهامة بالنسبة لموضوع الكتاب لما تعرضت لذكرها لأنني لا أحب أن يتصورني القارئ وكأني أحد المغرورين من زعماء مصر الذين كانوا يشغلون الشعب بآلائهم ومآثرهم ومالا قوة من عذاب وسجون حتى يكسبوا عطف الجماهير وتعاطف الأصوات الانتخابية هذا ما أخشاه؛

بل ولعله كان من الأسباب الرئيسية التي حبستني من زمن عن تسجيل هذه الرحلة الشاقة على طرق الحياة والتي لا أحب أن أسبق القارئ وأتعجل وصفها ولكني ومن خلال ذاكرة منهكة سوف أضع الحقائق أمامه ثم أترك له التأمل والحكم على صورة فترى رهيبة في تاريخ أمتنا وتاريخ شعبنا وأطمع أن أكون عند حسن ظن القارئ في بسط الحقائق مجردة وأطمع كذلك أن يمنحني ثقته وتصديقه لما أقول..

لأنني بفضل الله استمسك بالصدق استمساكي بديني وأومن إيمانا راسخا بأن الصدق هو شهادة ميلاد الإنسان الحقيقية وأن الكذب هو شهادة وفاته وأومن أن من الأسباب الرئيسية في هزيمة أمتنا على طول الطريق هو الكذب.. وخاصة الكذب السياسي.

ولنعد لحديثنا حتى لا تتشعب بنا السبل ونتوه في دروب ضيقة قد تضلنا عن الطريق الواسع المستقيم.

لقد أمضيت مرحلة الدراسة الثانوية سواء في القاهرة أو في سوهاج الثانوية، أمضيتها تحت ضغط الظروف التي ذكرتها أما بالنسبة للفكر فقد شغلت في النصف الأول من دراستي بالطريقة الصوفية التي سبق أن تحدثت عنها ولم تتجاوز علاقتي بالإخوان عدا ما ذكرته من قبل إلا بعض زيارات لشعبة الإخوان بسوهاج

حيث كنت أتسمع للخطب التي يلقيها شباب الإخوان وأذكر أنني اشتركت في إلقاء خطب قصيرة في قسم الطلبة .. إلا أنني لم أتعرف إلى حقيقة نشاط الإخوان ولم أندمج في تشكيلاتهم واكتفيت بدفع قرشين اشتراكا شهريا لأوكد لنفسي أنني صرت عضوا في هذه الجماعة الكبرى.

بعد أن حصلت على الثانوية العامة انتقلت إلى جامعة القاهرة وكنت مزهوا فخورا بانتسابي للجامعة وبالذات لكلية الحقوق التي تخرج فيها كبار زعماء مصر وعلى رأسهم مصطفى كامل الذي كان يمثل الأسطورة الخالدة في نظر شباب جيلنا وكنا نترسم خطاه ونحاول أن نقلد أسلوبه ونحفظ حكمه وأمثاله وتيسر لي قراءة جميع خطب مصطفى كامل ..

كما شغلت بسعد زغلول الذي كنت قد قرأت عنه مؤلفا ضخما كتبه عباس العقاد.. فأعجبت به إلا أنني كنت أشعر بأن سعد زغلول يمثل زعامة الكبار أمامصطفي كامل فكان المثل الأعلى للشباب،وكانت قصة وفاته الدرامية تشدنا للتعاطف معه.

وفي السنة الأولى من دراستي الجامعية بدأت التعرف الحقيقي على الإخوان حينما استمعت بإعجاب لخطب مصطفى مؤمن وسعيد رمضان وهما خطيبان ممتازان، وكان تأثيرهما في الجماهير قويا مدهشا كان مصطفى يمثل الخطيب السياسي وكان سعيد يمثل الخطيب الروحاني..

كان مصطفى يكثر من الاستشهاد بأقوال وأمثال وقصص أجنبية وكان يميل للإعراب في أسلوبه وكان حادا في حملاته على الحكومة ومندفعا لدرجة مخيفة .. ولقد أوقعنا اندفاعه هذا في بعض المشاكل وكانت الحكم والأمثال تتحكم في أسلوبه وقد تبتعد به عن المعاني التي يقصدها فمثلا قال عن إسماعيل صدقي وكان من رؤساء الوزارات المكروهين من الشعب المصري: إن إسماعيل كان صادق الوعد.

فظن الطلبة بنا الظنون واتهمونا بممالأة صدقي وخاصة أن صدقي كان قد مر على دار المركز العام وترك بطاقة مجاملة للأستاذ حسن البنا وان السياسي الداهية يستهدف من وراء تصفه هذا فتنة سياسية يظهر فيها الإخوان بمظهر المؤيدين للملك ومع هذا فإن أخطاء مصطفى لا تعدل شيئا إلى جانب الكسب الكبير الذي حققه الإخوان في شباب الجامعة فلقد اجتذب لصفوف الجماعة عددا كبير منهم كما أننا لا نستطيع أن ننكر دور مصطفى في الحركة الوطنية..

أما سعيد رمضان فكان يأتي في المرتبة التالية وراء مصطفى كخطيب سياسي كان كما قلت يمثل الخطيب الروحانين وكان أسلوبه المتدفق الغزير يثير انفعال الجماهير وكنا نشعر في أعماقنا أن سعيد يمثل المرشد الصغير في الجماعة وذلك لفرط إخلاصه للمرشد...

أما مصطفى فكنا نشك في إخلاصه للقيادة.. ولقد تصاعد هذا الشك إلى درجة كبيرة وخاصة بعد أن كسب مصطفى مركزا شعبيا هائلا على أثر خطابه المشهور في مجلس الأمن أثناء مناقشته لقضية مصر فلقد غطت أنباء هذا الخطاب على خطاب رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي هذا الموقف من مصطفى جعل منه زعيما شعبيا مرموقا وفي نفس الوقت أثار إشفاق الإخوان.

وكان مصطفى لا يظهر أمامنا حرصه على الولاء للأستاذ فلا يتحدث عنه بأسلوب سعيد الذي كان يمعن في إجلال الأستاذ المرشد، وتقبيل يده بشغف زائد كما كنا نشعر أن الأستاذ لا يتعاطف مع مصطفى تعاطفه مع سعيد بل لقد ذهبت بنا الظنون إلى أن سعيد سوف يخلف الأستاذ في مكانته كمرشد عام للإخوان ولقد اعتمد هذا الترشيح في نفوسنا على عاملين أولهما قدرة سعيد على الخطابة وثانيهما ما كان يظهره سعيد من ولاء للمرشد.

من خلال خطب مصطفى السياسية وخطب سعيد الروحانية خطوت أولى خطواتي إلى دار الإخوان ووجدت نفسي أندمج في مجتمع جديد فرحت به إيما فرح.. ومن طريف ما أذكره أنني خشيت ألا يسجل اسمي في هذه الجماعة فألححت على المسئول الإداري في الإخوان ليتسلم مني الاشتراك الشهري؛

وكان قرشين كما حرصت على تسلم إيصال يثبت عضويتي وجدت نفسي مشدودا لهذا المجتمع الجديد بأسباب كثيرة أهمها نزعة الشباب الأفندية من أبناء المدن المتفرنجين للدين والذين كنت أنظر إليهم من قبل بريبة قياسا على أبناء المأمور وطبيب المركز الذين كانوا يمثلون قمة الارستقراطية والترفع علينا نحن أبناء الريف وزاد من ارتباطي بهم أنني وجدت نفسي موضع الاهتمام هؤلاء الشباب فقد شدتهم إلي لكنتي الصعيدية وبساطتي وانطلاقي..ولقد استطاعوا بأسلوبهم الرقيق رقطي بإحدى «الأسر» فشعرت في أحضانها بدفء الأخوة والمحبة والتعاطف.

وكان للأستاذ فريد عبد الخالق رئيس قسم الطلبة أثر كبير في ربطي بالدار، فقد كان الرجل يفيض إخلاصا ومحبة لعمله إلا أنه دفع بي إلى دائرة الضوء بسرعة ووضعني في مكانة المعلم ولم أكن قد تهيأت لها؛

ففي أواخر عام 1945 أرسل بي إلى دمنهور كمندوب لقسم الطلبة ووجدت نفسي أقف خطيبا في جمهور ليس بالقليل وأتحدث عن الإسلام وعن السياسة والأحزاب ثم يسألني الجمهور عن أخبار المركز العام وأخبار الإخوان في الجامعة ولا أدري هل وفقت في حديثي أم لا؛

ولكني الآن أشعر أنني تبوأت مكانة لم أؤهل لها من قبل فعكس هذا على متاعب كثيرة لقد شعرت بأنني وجدت نفسي التي كانت قد أصيبت ببعض الضياع نتيجة الضغوط العديدة التي تعرضت لها ضغوط ولدها ضيق ذات اليد وما صاحبة من مرض وتخلف في الدراسة.

عدت بهذا الشعور من دمنهور ووجدت الطريق متسعا أمامي ووجدتني أتنقل من شعبة إلى أخرى ومن منبر إلى آخر، ثم أجوب عواصم الأقاليم وأخطب في الاحتفالات الكبرى وكغيري من خطباء الإخوان تحولت إلى خطيب مسجد، وخامرني إحساس بأن لدي قدرة على الارتحال في كل مناسبة تعرض لي حتى أنني غزوت الأفراح والمآتم..

وكانت خطبي تتسم بالعنف وتجنح إلى الهجوم ولو سألتني عن السبب في هذا لما وجدت إلا تفسيرين الأول افتقاري إلى العلم بأصول الدين من تفسير وحديث وسيرة أو على وجه الدقة افتقاري إلى الإحاطة بعلوم الدين والتي لم يكن لي حظ منها إلا ما كنت أقرؤه في صغري علاوة على بعض المعلومات التي كنت أتلقفها من الأستاذ حسن البنا ، والخطباء الآخرين الأزهريين منهم والذين كان لهم الفضل الكبير في الحفاظ على الجانب الفقهي والعلمي في الجماعة؛

هذا بالإضافة إلى ما كانت توافينا به المجلات الإسلامية وخاصة مجلة الإخوان من دراسات إسلامية هذه السطحية في الدراسة أوقعتني في أخطاء أسأل الله أن يغفرها لي وكلما تذكرت ما قلته في إحدى خطبي في شعبة من شعب الإخوان ازددت خجلا من نفسي قلت في إحدى الخطب : «إن نوحا عاش تسعمائة وخمسين عاما على أحس الروايات» وطبعا نوح ذكر عنه في كتاب الله أنه عاش ألف سنة إلا خمسين عاما!!».

هذا هو السبب الأول، أما السبب الثاني فكان مرجعه إلى انغماس شباب الإخوان في المعركة الوطنية والمعركة السياسية فكنا نكيل للإنجليز السباب وكان الشعب يستجيب لنا ويصفق بشدة.. وكنا نتحامل على الأحزاب وكان الشعب الذي سئم المشاحنات الحزبية يشاركنا شعورنا وانفعالنا وكنا نعرض بالمترفين والأغنياء وكان هذا يلقي كل ترحيب من العمال والفلاحين ولقد وجدت مادة غزيرة لخطبي السياسية من خلال الصحافة ومناقشات الجامعة وخطب الإخوان ووجدت جمهورا يستجيب لي.. وكنت أرنو إلى أن أكون كمصطفى مؤمن وسعيد رمضان ..

ويظهر أن مصطفى مؤمن لمس مني هذا الطموح التطلع فهيأ لي فرصة لأخطب في طلبة الجامعة فارتجلت خطبه أظنها كانت بمناسبة وعد بلفور، هذا كله جعل مني خطيبا ثوريا كما يقولون.

ودفعتني الخطابة للزعامة.. وكانت تتجلى الزعامة في قيادة المظاهرات وأظنني كنت موفقا في قيادة المظاهرات فقد توافرت في عدة عناصر، منها القدرة على التأثير ومنها عدم الاهتمام بمصيري بكل مصيري كنت لا أخاف الموت ولا أرهب السجن، بل كنت أسعى إليهما لأنهما سيرحانني دينا ودنيا وكنت كغيري أنظر إلى قتلي الجامعة كشهداء والشهيد مصيري الجنة في الآخرة، والذكر الخالد في الدنيا.

لقد كانت كل هذه المظاهرات كما يقولون لعبتنا المفضلة وكان إسقاط الحكومات هوايتنا الدائمة ومن طريف ما أذكره أنني بالاشتراك مع عز الدين إبراهيم ومحمود الشربيني قمنا بقيادة مظاهرة عنيفة ضد حكومة النقراشي وانتهى المظاهرة بالاصطدام برجال البوليس في ميدان الجيزة، ثم وقعت معركة عنيفة بيننا وبينهم ألقى فيها أحد الإخوان من أعضاء النظام الخاص «الجهاز السري» بقنبلة على رجال الشرطة فأصاب عددا منهم وقيل أنه قتل أحدهم..

فاضطررنا للفرار، ويومها لجأت إلى كلية الطب البيطري، حيث استعنت بصديقي الدكتور محمود نجيب المدرس بالكلية وهو شقيق اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية المصرية الذي أعارني «المريلة» الخاصة به فحشرت نفسي فيها وخرجت من الكلية مخترقا حصار البوليس المضروب حولها فلم يشك رجال الشرطة في أنني طبيب كبير فأفسحوا إلي الطريق وتصادف وجود طالب كنت أعرفه وكان يسكن بالقرب من الكلية فاصطحبني لمنزله وأكرمني أيما إكرام؛

ثم استأذنته للخروج من منزله لأراقب مجرى الحوادث، فاصطحبني في عربته، وقبل أن تتحرك السيارة تقدم منه شاب مهذب وطلب منه مساعدته للوصول إلى مقر عمله فاستجاب له، وركب الشاب معنا وكان يبدو عليه الضيق والارتباك وقال بانفعال: إن الطلبة يزعجوننا كل يوم بمظاهراتهم والمشكلة أننا نجري التحقيق مع المئات منهم، ولكننا لم نعثر إلى اليوم على زعمائهم ثم أردف قائلا آه لو استطاع رجال البوليس القبض على ثلاثة (وذكر اسمي من بينهم) لا سترحنا وأرحنا الجامعة.

كتمت أنفاسي وأنا أستمع لكلمات وكيل النيابة وانفجرت ضاحكات بداخلي وشعرت في نفس الوقت بمتعة كبيرة لأنني غدوت مغامرا شأني شأن «جمس بوند» وزاد الأمر طارافة عندما علمت فيما بعد أن رجال المباحث السياسية شاهدوني يومها برفقة وكيل النيابة هذا فظنوا أنه قد تمكن من استدراجي واعتقالي وبالتالي لم يتعرضوا لي.

ولنكمل قصتنا أو مغامرتنا.. فبعد أن واصلت وكيل النيابة إلى دار النيابة العامة في الجيزة ودعت الرجل بأدب، ثم اختفيت في حواري الجيزة وأزقتها ولكن الأمر لم ينته عند هذا القدر فقد كانت تنتظرني مصيدة أخرى..

فبعد أن استأذنت من زميلي استأجرت تاكسي وارتديت مريلة الطبيب البيطري ثم طلبت من السائق أن يقلني إلى بين السرايات ومطلوب على عجلة، تركني رئيس القوة معتذرا وهو يلعن ويسب الطلبة المشاغبين وصلت إلى بين السرايات حيث كمنت أنزل ضيفا على زميلي الدكتور سعد السمان الأستاذ بكلية الزراعة وشقيق الأستاذ فتحي السمان المحامي إلا أنني لم أجد أحدا في البيت، فحرت ماذا أفعل، وخشيت أن ينكشف أمري..

وتصادف ظهور سيارة بوليس من بعد، فما كان مني إلا أن اقتحمت أقرب منزل مني وكان مملوكا لأحد الإخوان وهو محمد منصور الموظف بالجامعة.. ولم يكن الرجل موجودا بالبيت ،ومع هذا دخلت المنزل بلا استئذان وجلست في غرفة الجلوس فجاءتني الخادمة وسألتني عن سبب دخولي المنزل فقلت لها: إنني صديق الأخ محمد منصور ولكنها لم تقتنع وذهبت إلى سيدتها تخبرها بأمري ثم عادت إلي وهي تشير بأصابعها الصغيرة؛

وتقول :

أنت حرامي فقلت لها إنني لست لصا ثم طلبت منها استدعاء سيدتها لتكلمني ولو من خلف ساتر، فكان رد أهل البيت إغلاق أبواب المنزل الخارجية حتى لا أسرق المنزل وأهرب.. فشعرت بحرج موقفي وأخيرا طلبت من الخادمة التي كانت تقف مني في تحد، أن تحمل رسالة إلى سيدتها فاستجابت، وتبت ورقة صغيرة شرحت فيها موقفي فبدأت أعصاب أهل البيت تهدأ..
ثم غادرت النزل إلى حيث يقيم زميلاي ولمت فيما بعد من الأخ محمد منصور أن أمه كانت وراء هذا التشدد والخوف ولم تقتنع بسلامة موقفي، حتى بعد أن كتب الرسالة، بل ذهبت بها الظنون إلى أنني أحد رجال البوليس المتخفين.

نجوت من هذه الورطة أو المغامرة، ولكن الأمر لم ينته عند هذا القدر فقد استطاع البوليس أن يهتدوا للمكان الذي كنا نختفي فيه فدبروا هجوما علينا بليل إلا أنهم أخطأوا القصد واقتحموا بيت رجل آخر يدعى «السمان» وفتشوا منزله ونبشوا كل ركن فيه وطبعا لم يعثروا علينا إلا أنهم عثروا على مواد سوداء وأصباغ ظنوا أنها كانت تستعمل في إعداد القنابل، ولم يكن في الواقع أكثر من مواد ملونة لصباغة الأخشاب لأن السمان هذا كان يعمل نجارا.

كل هذا وقع بالقرب منا ولم نعلم عنه إلا في صباح اليوم التالي، لم نتوقف عن مواصلة العمل التقليدي وهو إثارة الطلبة ضد الإنجليز والحكومة الموالية لهم.. وتمكنا بعد جهد من إسقاط الحكومة .. حكومة النقراشي التي خلقتها حكومة إسماعيل صدقي..

ويظهر أن الرجل استطاع بدهائه ومكره أن يهدئ من ثورة الطلبة المعتقلين كما وعد بالتجاوز عن التهم المنسوبة إلينا وكانت التهم المسندة إلى وحدي أربعة عشرة تهمة ومن أطرف التهم التي نسبت إلي أنني استعملت دم دجاجة في إثارة مشاعر الطلبة والحقيقة أنني كنت قد استعملت دم أحد زملائي وهو المهندس رجاء أبو السعود الذي كان قد أصيب في إحدى المظاهرات على الرغم من إعلان الحكومة أنها لن توقع علينا عقوبات جزائية؛

إلا أننا فكرنا في التحوط لأنفسنا فقرر ثلاثتنا محمود الشربيني ، و عز الدين إبراهيم وأنا اللجوء إلى المستشفيات حتى إذ غدرت بنا الحكومة استعنا بالأطباء ليحمونا بالمستشفيات من السجون وإن أنسى شيئا فلن أنسى قصة لجوئنا للمستشفيات لقد كانت قصة مبكية مضحكة كما يقولون.

قلت لزميلي عز الدين والشربيني أن بمقدوري إدخالهما أي مستشفى بسهولة لأنني متخصص في أمراض الكلى ولي علاقة متينة بالمستشفيات وبعد دراسة طويلة انتهينا إلى الاستعانة بالدكتور أحمد الملط الذي كان يعمل جراحا بمستشفى الملك ليساعد عز الدين في دخول مستشفاه أما محمود الشربيني فقررنا إدخاله مستشفى الحميات، التي كان يديرها المرحوم الدكتور إبراهيم حسن؛

وهنا وقعت ملابسات عجيبة فبالنسبة لمحمود الشربيني ما أن أدخلناه المستشفى حتى ارتفعت حرارته أو توهمت الممرضة أن حرارته قد ارتفعت فأرغمته على حلق شعر رأسه وجميع جسده بالموس ثم عزله عن الناس والأنكى من هذا أن المستشفى قامت بتبخير منزله لقد كان منظر محمود يدعو للرثاء والضحك وهو يخضع لجميع إجراءات العزل والحرمان من الطعام والشراب.

أما عز الدين فقد اصطحبه لمستشفى الملك بحجة أنه يشكو من التهاب الزائدة الدودية، وكنت قد لقنتة أعراض المرض فقد سبق لي استئصال الزائدة وكنا ق تواعدنا مع الدكتور الملط ليتقبلنا ويظهر أن الرجل قد شغل عنا فاستقبلنا طبيب أخر عجل بالكشف على عز تمهيدا لإجراء عملية له وزاد الأمر سوءا أن عز الدين كان قد نسي التشخيص الذي قلناه له فأخذ يتخبط مع الطبيب ويستنجد بي «لأغششه»

لولا دخول الدكتور الملط لكانت فضيحتنا لا تعدها فضيحة وبلباقة الدكتور الملط تسلم مهمة الكشف على عز ثم أمر بإدخاله المستشفى وعلى الرغم من أن الممرضات لم يكن على علم بحقيقة المريض إلا أن الشك كان يراودهن لأن المريض كان يبدو ممتلئا بالنشاط والحيوية المهم أن عز أكره على الالتزام بأوامر المستشفى فحرم عليه الطعام والشراب (ومع هذا استطاع أن يأكل دجاجة بأكملها وهو يختفي تحت البطانية)

انتهت قصة عز في المستشفى بسلام فلم يجر المشرط في جسده ولم يحرم نفسه من طعام أو شراب.. أما بالنسبة لي فبعد أن مهدت لدخولي المستشفى فوجئت برسول من المركز العام للإخوان يخبرني وزملائي أن الحكومة قطعت على نفسها عهدا بعدم اعتقالنا ففرحنا، بالقرار إلا أننا لم ندرك أبعاده السياسية ولو سألتني الآن عن تفسيره لقلت أنني من خلال فهمي لشخصية الأستاذ حسن البنا؛

فإنه كان يخشى على جماعته من مضطرب السياسة، ومن الانشغال عن التربية بالصراع الحزبي.. ولو سألتني عن رأي الآن في تفكير الأستاذ لأيدته بلا تحفظ وبلا تردد .. فقد أثبتت الأيام أن الرجال الذين تربوا على أسس إسلامية سليمة عاشوا بها على الطريق وتحملوا المحن بصبر وهدوء.. ولم يعطب منهم إلا القليل أما الذين دخلوا الإخوان من الباب الحزبي أو باب السياسة بمفهومها الضيق، فقد اضطربت بهم السبل وتساقطوا كأوراق الشجر في الخريف.

بعد أن خرجنا من محتنا بسلام وبانتصار، وجدت نفسي مندفعا تلقائيا في هذا الطريق اجتماعات متصلة في قسم الطلبة وخطب في الشعب وتنقل في الأقاليم ومظاهرات في الجامعة وكتائب ممتعة مع الأستاذ حسن البنا فقد كنا نقضي فيها الليالي بطولها نستمتع بحديثه الروحي العذب ونناقشه بصراحة في كل القضايا التي تعن لنا..

وليسمح لي القارئ أقف معه قليلا لأحدثه عن تجربة الكتائب في حياتنا والكتائب التي تهمني الحديث عنها هي التي كنا نلتقي فيها مع الأستاذ حسن البنا لقد كنا نستعد للكتيبة قبل موعدها بأيام .. كانت كتيبتنا تضم ثلاثين شابا من خيرة شباب الإخوان ولو تتبعت تاريخ هؤلاء الرجال الآن وأين هم من المجتمع لاستوقفك الأمر كثيرا

ويكفيني مثلا أن أعدد الأسماء التالية ثم أترك للقارئ تأمل هؤلاء الرجال وتأمل تاريخهم من هؤلاء الشباب:

عبد العزيز كامل و مصطفي مؤمن ، و سعيد رمضان و حسان حتحوت و عوض الدحة ، و مسعد سلام ، وهم من كبار الأطباء والمهندسون محمود الساعي وأحمد جنينة و جمال الشفعي و وحيد سالم (شقيق صلاح وجمال سالم) و رشاد المنيسي (الضابط السابق بالبوليس) والمرحوم أحمد فؤاد (ضابط بوليس قتل على أثر مصرع النقراشي باشا) وعبد الحليم محمد أحمد و يوسف عبد المعطي و على رياض و محمود يونس ، و محمود الشربيني و تفيس حمدي؛

وكان الأستاذ فريد عبد الخالق يتولى إدارة الجلسة وكثيرون لا أذكرهم الآن كنا نجتمع في دار الإخوان بين الفينة والفينة بالحلمية ونفضي ليلة بكاملها بصحبة الأستاذ تبدأ جلستنا بتلاوة القرآن الكريم، ثم يتحدث إلينا الأستاذ فيما شاء له الله أن يتحدث وبعد ذلك نتوجه إليه بأسئلة تدور حول سياسة الإخوان العامة وموقف الحكومة منا، وسياسنتا في الجامعة...

وتنتهي الفترة الأولى من الكتيبة ثم تبدأ الفترة الثانية بعد الفجر بعد الفجر مباشرة حيث نتحلق حول الأستاذ ويمضى بنا الرجل إلى آفاق عالية يفيض علينا من روحانياته فيسحرنا بصدق أسلوبه، وصدق العبادة، والإخلاص في العمل .. والثبات على طريق الدعوة ... وكان يشدنا إلى أصول الدعوة بأسلوب سهل عذب جميل .. وفي نفس الوقت كان يذكرنا بأن العمل للدعوة ليس معنا الانغماس في معمعة السياسة يشتى صورها .. ولا ينتهي هذا الاجتماع إلا مع مطلع الشمس .

هذه الكتائب كانت تشدني إلى الأهداف الحقيقة للجماعة .. وكانت في نفس الوقت تغسل نفسي وتطهرها وتصقلها .. كنت أشعر مع نهاية كل كتيبة أنني ولدت من جديد... وهذا الشعور كان يشاركني فيه جميع زملائي .. وكان إحساسنا جميعا أننا صفوة ممتازة من شباب الإخوان،وأن الأستاذ يتعهدنا بنفسه..

والذين عاشوا هذه الكتائب ما أظنهم ينسون أنهم قضوا أجمل أيام عمرهم... ودائما أحدث نفسي وأمنيها بأمثال كتائب الأمس .. وأقول لو عمرهم ... ودائما أحدث نفسي وأمنيها بأمثال كتائب الأمس.. وأقول لو أننا كنا نعرف ما تخفيه الأيام والليالي من أحداث رهيبة لا ستزدنا من تلك الكتائب ما أظنهم ينسون أنهم قضوا أجمل أيام عمرهم ...

ودائما أحدث نفسي وأمنيها بأمثال كتائب الأمس... وأقول لو أننا كنا نعرف ما تخفية الأيام والليالي من أحدث رهيبة لا ستزدنا من تلك الكتائب واستزدنا من فيض الرجل ونورانيته .. إن الأستاذ حسن البنا كان معلما من طراز خاص؛

كان قادرا على النفاذ إلى أعماق النفوس، وإحداث تأثير قوي في تلاميذته وكما سألني سائل عن رأيي في الأستاذ حسن البنا قلت له: أنه رجل عادي غير متكلف .. سهل المدخل إلى نفوس الناس جميعا.. شخصيته ممتعة شائقة ..

وفي اعتقادي أن الأستاذ حسن البنا لم يجد من يقيمه تقييما صحيحا ... وما أظن أن هذا يمكن أن يتحقق الآن نظرا للمحنة العارمة التي تجثم فوق صدر الجماعة لأكثر من ربع قرن والحرب الضارية التي سلطت على الجماعة وتاريخها ورجالها .. يضاف إلى هذا أن بعض هؤلاء الرجال قد ضلوا معالم الطريق خوفا أو طمعا.

أعود فأقول أنني استمتعت لأبعد حد باللقاءات المحدودة التي كانت تتم مع الأستاذ حسن البنا وكنت أصبو إلى الاستئثار بصحبته الشخصية كشأن سعيد رمضان الذي كان يبدو لي وقتها كأنه الابن المقرب من الأستاذ حسن البنا ، وكان سعيد يقلد الأستاذ في كل شيء في ملابسه ومشيته وحديثه بل وفي طريقة خطبه، وحتى في إشارته وكنت أرى الأستاذ من خلال سعيد شخصية ضخمة وكبيرة وإن كنت الآن أجده أكبر من ذلك بكثير.

أعود إلى مسيراتي في الإخوان قبل سفرى لفلسطين.. لقد عشت أربعة أعوام من عمري في الإخوان أتقلب بين الشعب والمركز العام وقسم الطلبة والجامعات.عرضت على خلال هذه الفترة مجموعة من المواقف... أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر.

كانت أولادها مشكلة الانشقاق الكبير الذي وقع في الجماعة وذلك عقب خروج الدكتور حسن إبراهيم والمرحوم أحمد السكري وآخرين احتجاجا على موقف نسبت إلى سكرتير الإخوان الأستاذ عبد الحكيم عابدين واتهام الأستاذ حسن البنا بمساندته لصهره..

هذه المشكلة على الرغم من ضخامتها استطاع الأستاذ حسن البنا بأسلوبه بالديمقراطي وبقوة شخصيته أن ينتصر عليها، أما بالنسبة لي فكنت حائرا بين التسليم بما تقوله القيادة، وبين مناقشة الموضوع ومحاولة الوصول إلى موقف محدد بشأنه وأخيرا آثرت السكوت وعدم الدخول في جدليات إيمانا متى بأن صالح الجماعة يقتضى الالتفاف حول القيادة وعدم الانشقاق عليها، حتى لا تتفتت جماعة كنت من المؤمنين وقتها بأنها «جماعة المسلمين» التي لا ينبغي الخروج عليها.. أو بصورة أدق فإنى كنت أجاري هذا المفهوم الذي كان يفرض نفسه على بعض الإخوان .

وليسمح لي القارئ أن أقف ولو قليلا عند هذه النقطة فلقد عشت فترة من حياتي يغزوني هذا الإيمان الإيمان بأننا جماعة المسلمين، وكان إيماني نتيجة لانفعال عارض بشخصية الأستاذ وبأحاديثة وبالاسم الضخم الذي غطى أرض مصر كلها ولكن ما لبثت هذه الفكرة أن تلاشت من نفسي وذلك بفضل من كانوا يسمون بالشباب المسلم.

هؤلاء الشباب استطاعوا أن يصححوا مفاهيم الشباب الإخواني في فترة من الفترات الدقيقة من حياتهم إلا أنني كنت أخشى عيهم أن ينفلتوا من الجماعة شأنهم شأن جماعة شباب محمد الذين شكلوا جماعة متطرفة كانت تعارض الإخوان بشدة وتتحدى قيادتها، كنت أخشى أن يصيب هؤلاء ما أصاب غيرهم ولعل مخاوفي كان لها مايبررها؛

فقد كنت أشعر بأن بعض هؤلاء الإخوان لا يعطون القيادة حقها من التعظيم، ولا يعطون كلمة الجماعة قدسيتها، ثم إنهم تجرءوا ورفضوا أسلوب الجهاز السري ولكن بعد فترة ليست بالقصيرة بدأت أومن بأفكارهم مع رفضي تجمعهم أو ما خيل إلى أنه تنظيم لقد تأكد لي بعد ذلك أننا لسنا جماعة الإسلام وتأكد في فهمي أن الأستاذ حسن البنا قدر علمه وقدرته ليس أكثر من قائد لحركة إسلامية وقائد مخلص لها وعالم بأصول دينه وزعيم فذ، وقدرة خلافة وموهبة فريدة؛

ولكنه ليس قائدا لجماعة المسلمين وليس الإمام الأحد، ولا يعني الخروج عليه أو نقده الخروج على جماعة المسلمين وإمامهم وإنصافا للرجل فإنني سمعته يتحدث بهذا الشأن فيقول: إن جماعة الإخوان ليست أكثر من جماعة من آلاف الجماعات الإسلامية ولا يميزها عن غيره إلا الفهم الصحيح والعمل والجهاد والجدية أخلص من هذا أن هؤلاء الإخوان قاموا بدور تصحيحي في مفهوم الجماعة والقيادة والسمع والطاعة ولقد أفدت كثيرا من أفكارهم وآرائهم فشكر الله لهم على حسن صنيعهم.

الجهاز السري

كان الجهاز الخاص يمثل قمة الفداء والإخلاص للجماعة وكان قادته يمثلون الوجه الخلفي لحسن البنا حتى خيل إلينا في يوم ما أن حسن البنا له شخصيتان الشخصية الأخرى فهي تقيم في معسكر حزبي زاخر بالفدائيين الأبطال ولأول مرة التقيت فيها بعبد الرحمن السندي زعيم الجهاز السري خيل إلي أنه الشخصية الثانية لحسن البنا..

تصورته حسن البنا شاكي السلاح وهو يستعد لمعركة الإسلام الحاسمة إن عبد الرحمن كان شخصية «أسطورية» حتى أنه لم يكن معروفا باسمه، بل كان يطلق عليه رقم (1) وأنني لن أنسى أول لقاء لي معه، فقد سبق هذا اللقاء فترة من الإعداد النفيسي لنا حتى نحظى برؤيته ويوم أن اجتمعنا به خيل إلي أن الأرض قد انشقت لتخرج هذا الرجل من باطنها...

ولقد حيرتني شخصيته في أول لقاء لي معه.. أنه في مظهره لايمت للعسكرية بشيء فهو رقيق المظهر خجول حبي لأبعد حد يصلح أن يكون ممرضا أو سكرتيرا أنيقا لمدير أنيق .. لقد أجاد عبد الرحمن دوره باتقان لا مثيل له وهو يظهر علينا لأول مرة..

فكان يلقي إلينا بأسئلة محددة، وكنا نجيبه بكل تحفظ مخافة الخطأ في حضرته.. فلما تبسط معنا وتهيأ لاستقبال أسئلتنا لم نستطع أن نتفوه بأكثر مما سمح لنا به.. لقد خيل إلى أن الرجل يعرف ما نكنه في صدورنا وما نخفيه في أنفسنا، وما تضمره في غدنا وعلى الرغم من رقة الرجل ووداعته إلا أنني شعرت بالخوف منه لأن إفشاء سره أو سر جهازه معناه فقدان حياتي.

انتهى أول لقاء بيني وبين الرجل بعد أن ترك في نفسي أثرا لا أنساه.. ولو أن الرجل قتل أو مات قل أن يكتشف الوجه الآخر من شخصيته، بعد مقتل حسن البنا وتولى حسن الهضيبي رئاسة الجماعة ودوره المعروف خاصة بعد قيام الثورة لتمثل لي أسطورة فذة من الأساطير التي نسمع ونقرأ عنها كتب الأحاجي.

وكان اللقاء الثاني يوم أن اعتزمت السفر لفلسطين .. فبعد إلحاح مني على رجال الجهاز المسلح سمحوا لي بلقاء عبد الرحمن لأفاتحه «شخصيا» في سفري لفلسطين .. وحدد لي مكان اللقاء بمكتبه بوزارة الزاعة، فأذهلني أن القائد العام للجماعة ليس أكثر من موظف صغير في وزارة الزراعة .. حتى خيل إلي أن هذا الوضع ليس أكثر من تغطية متعمدة.

رجوت الرجل يومها لسمح لي بالسفر لفلسطين فسألني عن السبب فقلت له أنني راغب في القتال في سبيل الله فقال لي الرجل: وإذا وجدنا لك فرصة لتجرب فيها نفسك هنا... فأوجست في نفسي خيفة واشتد إلحاحي عليه محتجا بأن ميدان فلسطين أحب إلى من غيره.. وانتهى حديثي معه بالموفقة..

وبعد مضي فترة من الزمن على حديثنا وقعت أحداث كثيرة كمقتل المستشار الخازندار الذي اسفنا جميعا لمقتله، وحوادث نسف المحلات التجارية اليهودية (والتي كلفت في وقت ما بدراسة إمكانية نسفها) بعد أن وقعت هذه الأحاديث خيل إلى أن الرجل كان يريدني لأحد هذه الأعمال والحمد لله الذي باعد بيني وبينها وإن كنت آسي للكثير من أخواني الذين دفعوا لأمثال تلك الحوادث.. ولم يستطيعوا الامتناع عن تنفيذها أو رفضها لأن الرفض أوامر الجهاز .. يعني النكوص عن الجهاد في سبيل الله..!!

لقد جنى الجهاز السري على الجماعة وعلى أفرادها بل وعلى قيادتها جناية لا تغتفر جنى على الأفراد بأن فرض أسلوب عيهم وعلى مسلكهم ومستقبلهم فأودى بحياة ومستقبل الكثير منهم..وجنى علي الجماعة بأن ضبغ وجهها بالدم فخيل للناس أن جماعة الإخوان أقرب ما تكون من جماعة حسن الصباح زعيم الحشاشين في حين أن حقيقة الجماعة كانت غير ذلك.

وحني علي قادتها فذهب حسن البنا ضحية تصرفات الجهاز السري ومما أذكره أن لقاء ما تم بيني وبين قادة الجهاز السري وذلك أثناء قضاء أجازتي من ميدان القتال في فلسطين وكان ذلك بعد مقتل النقراشي...

قلت لهم أن مقتل النقراشي قد يؤدي إلى مقتل حسن البنا.. فقالوا لي باعتداد: إننا نأخذ حيطتنا لحسن البنا فلا تخف.. ثم عدت إلى فلسطين لوم تمض أسابيع على هذا اللقاء إلا وحسن البنا يسقط شهيدا أمام دار جماعة الشبان المسلمين .

لقد خرجت من لقائي الثاني مع عبد الرحمن بانطابع كبير هو أن الرجل يعتبر بمثابة القائد العام لحملة فلسطين ومن الطبيعي أن نعطيه حق السمع والطاعة ونحن في الميدان حتى أنني كتبت له شكوى مطولة في حق قادتي المباشرين في فلسطين وأرسلت صورة من هذه الشكوى للأستاذ البنا.

وهذا هو لقائي بعبد الرحمن أما لقائي معه بعد ذلك وفهمي لشخصيته فهو حديث قد يطول شرحه. كما أنني لست بسبيل الإفاضة في دور الرجل في الجماعة ولكن يمكنني أن أقول الآن وبعد مضي فترة طويلة على نهاية دور الرجل ونهاية حياته كذلك أن الرجل كان وهما كبيرا وأنه لم يكن أهلا لأن يتولى القيادة المسلحة لجماعة بهذه الضخامة وأنه أصيب في آخر أيام حياته بغرور القيادة لدرجة أنه كان يعتبر نفسه المرشد السري للإخوان .

ثم تطور به هذا الفهم إلى أن قام بتدبير انقلاب عسكري داخل الجماعة لإزاحة حسن الهضيبي عن كرسيه وتنصيب صالح عشماوي وآخرين مكانه والغريب ان الرجل وجد من يستجيب له..ونجح بالفعل في إدارة الانقلاب ولكن الوعي العام للإخوان استطاع أن يحبط محاولته ..

وبعد قيام الثورة وجدنا الرجل يلتحم بقيادتها ويعيش في حصانتها، بل ويدفع بالعناصر الموالية له لتأييد الثورة ضد سياسة الجماعة وهنا لا أحب أن انتصر للجماعة أو لقيادتها أولسياستها فليس هذا مدار حدثنا ولكن الذي يهمني هو أن الرجل نسي دوره كقائد لقوة عسكرية في الجماعة والمفروض في القائد العسكري أن يأتمر بأمر القائد العام للجماعة والمفروض في القائد العسكري أن يأتمر بأمر القائد العام للجماعة وينفذ سياسته لا أن يتحداه بقوة السلاح.

ويهم أن أتوقف ولو قليلا عن مواقف النظام الخاص .. لقد كانت الفكرة من إيجاد نظام خاص في الجماعة بقصد خدمة عدة قضايا منها قضية فلسطين وتحرير مصر ، وحماية الجماعة وقيادتها وظني أنه وفق لحد كبير من دوره فلسطين ..

فقد استطاع أن يقدم نخبة من الشباب الذي تربوا في أحضانه لخدمة قضية فلسطين وبالنسبة لقضية مصر والتي كانت تعاني من استعمار مكثف من الإنجليز فقد استطاع النظام الخاص تسجيل ضربات قوية للمعسكرات البريطانية في القناة، ويرجع الفضل في هذا للشهيدين الشيخ محمد فرغلي و يوسف طلعت .. وهما يعتبران من الرواد الأوائل لجماعة الإخوان وتعبر بلدتهما الإسماعيلية من قلاع الإخوان المسلمين الحصينة.

ولكن النظام الخاص (افتقد الهدف) وهو يتصدى للحركة الصهيونية كما أصابه انحراف خطير للغاية في مواجهته للحكومات والزعماء الذين كانوا يتربصون بجماعتهم.

فمثلا بدل أن يوجه النظام الخاص جهده لكه لحرب اليهود في فلسطين وضرب رؤوس اليهود في مصر بدأ يخرب في المؤسسات التي يملكها اليهود.. ونسي حقيقة بسيطة وهي أن هذه المؤسسات قد ينعكس على الشعب نفسه وأقرب مثل إلى ذهني حادثة نسف وكالة أنباء الشرق الأوسط التي راح ضحيتها عدد كبير من المصريين؛

وكذلك نسف بعض الشركات والمحلات وترويع الشعب والعاملين بهذه المؤسسات ولو أن هذا الجهاز اتجه إلى رؤساء الأموال اليهودية في مصر وتمكن من السيطرة عليها لكان ذلك أجدى وأنفع.. ولعل تأميم المؤسسات الأجنبية والتضييق الذي فرض على اليهود في مصر فيما بعد، حقق مكاسب أوفر وأفضل، ومكن الشعب من ملكية المؤسسات اليهودية، وفي نفس الوقت خلصنا من النفوذي اليهودي .. الذي كان يهيمن على الاقتصاد المصري ويعمل بكل طاقته لدعم الحركة الصهيونية العالمية.

أما بالنسبة للإنجليز فإنني أعتقد أن الجهاز الخاص وفق لأبعد حد في تسديد ضربات قوية للعدو المرابط على قناة السويس وساعد حركة الطلبة الجامعيين الذين كانوا يتدربون في معسكرات الجامعة .

ساعدهم بالمدربين الأكفاء وبالسلاح كما أمدهم بالخبرة المطلوبة ولكنه خرج من أهدافه حينما مد يده إلى أحد القضاة وقتله، لأنه أصدر حكما ظلما ضد بعض شباب الإخوان في الداخل فإن كان يصدر أحكاما عشوائية عنيفة ضدهم وهي صادرة عن عواطفه أكثر من صدورها عن عقله.

كان مثلا يفهم ويفسر بلا تدقيق قول الله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ فيصدر حكمه على الحكام ومن يعاونهم بأنهم كفرة لأنهم لا يحكمون بالقرآن والكافر لا ينبغي أن يحكم المسلم ويرتبون على هذا الفهم صدور أحكام بوجوب المقاتلة ولا أبرئ الخطباء خاصة الجامعيين منهم وأنا منهم من المشاركة في هذا الشطط فقد كنا نصدر الأحكام الشرعية من فوق المنابر ومن خلال الميكرفونات..

ولو أننا وقفنا عند هذا الحد لهان الأمر، ولكن الأخطر من هذا أننا نعتبر العدوان على الجماعة أو على قيادتها يعدل العدوان على الإسلام والمسلمين والشرع بل أننا ذهبنا إلى أن العدوان على أفراد الجماعة قد يعدل العدوان على الإسلام !!

كل هذه الأفكار العشوائية كانت تضغظ على جهاز الإخوان السري فيهرع للتلبية استجابة لعواطف جمهور الإخوان فمثلا ألقي الجهاز الخاص القنابل على جنود البوليس الذين كانوا يتصدون للمظاهرات وأمر بقتل النقراشي بناء على فتوى نسبت إلى أحد العلماء.

كل هذا الذي كان ينفذه الجهاز الخاص لم يكن يصدر عن روح الإسلام وشرعه وعن الحكمة والتروي ولكنه كان يصدر استجابة لهتاف الجماهير الإخوان ، وتنفيذا لإرادة قيادة لم تكن على مستوى الفهم والإدراك الكافيين، ولو كنت أعرف موقف الأستاذ البنا من هذه الأحداث لما توانيت في مناقشته ومحاججته ..

ولكني لا أذكر الآن موقفه بالضبط .. إلا أنني أقطع بأنه هو الذي شكل الجهاز السري بإرادته ووافق على منهاجه، واختار قيادته، فإذا بثبت أنه لم يكن على علم مسبق بالحوادث التي كان يرتكبها الإخوان فأن مسئوليته تكون محصورة في سكوته على الجهاز الخاص بعد ارتكاب أمثال تلك الأحداث..

وكنت أنتظر أن يحدد الرجل موقفه من الجهاز ومن قيادته بعد وقوع حوادث غير مقبولة شرعا قد يقال إن الجهاز بلغ درجة من السيطرة بحيث استعصى الجهاز فإذا ثبت هذا فإننا قد نجد له عذرا.. أما الأستاذ الهضيبي فلم يتوان عن حل الجهاز الخاص.. ولكن يبدو أن ظروفا ما جدت رأي الأستاذ الهضيبي الإبقاء على الجهاز ولكن في شكل جديد وقيادة جديدة.

ولعل الصراع الذي نشب بين الأستاذ و جمال عبد الناصر أعطاه المبرر في الإبقاء على الجهاز وكنت أتمنى أن يعتبر الأستاذ الهضيبي من أخطار الجهاز السابق ليتخذ له موقفا حازما، وإحقاقا للحق وإنصافا للرجل فإنني أتذكر أنه قال لي في أوائل عام 1951 أنه لا يؤمن بالعنف ولا بقيام ثورة مسلحة والأفضل الأخذ بأسلوب الحكمة؛

أما ما وقع من أحداث بعد ذلك فيقطع بأنه كان قد رضي تحت ضغط ظروف شديدة بتشكيل جهاز سري في الإخوان المدنيين والإخوان العسكريين .. لكن كيف تك هذا ولم وما رأى الأستاذ وما موقفه؟ أنني لا أستطيع أن أقطع بشيء الآن، لكنني أذكر وقائع اجتماع في منزل رجل «مسئول» وقد ناقشنا هذا المسئول في الجهاز وتصرفاته وما ينوي عمله في مواجهة الحكومة فقال لنا المسئول ما معناه أن الجهاز ضرورة فقلنا له وإذا غيرنا نظام الحكم فمن الذي سيتولى الحكم من بعهدهم ...!!

قال المرشد.. قلنا إذا استغير حكم فرد بحكم فرد آخر، وقلنا له كذلك إذا كان ولابد فالمفروض أن يتولى الحكم الجهاز الإداري المشرف على الإخوان والمنبثق من الهيئة التأسيسية وهي الهيئة التشريعية التي كانت مختارة من الإخوان جميعا ثم ضربنا له مثلا ببعض أعضاء المكتب الذين كانوا يناصبون المرشد العداء، فظهر عليه النفور والاشمئزاز وقال بعد نقاش طويل:

إنني أرى أن يختار الأستاذ الهضيبي من يؤن بأن صالح للتعاون معه، قلنا له: إذا هي الفردية التي نعاني من رجال الثورة.. ولورود هذه الواقع أرجع بالقارئ إلى عام واحد تقريبا قبل وقوعها، فقد التقيت بنفس هذا الرجل وكان منفعلا بزعيم الثورة الحقيقي جمال عبد الناصر ، حتى أنه شكا لي مر الشكوى من أن المرشد لا يجب التعاون مع «أخوك جمال» كان منفعلا لأبعد حد بجمال وبالتعاون مع الثورة عاتبا على مرشد الإخوان أشد العتب لعدم التعاون مع الثورة..

أنني بعد فترة طويلة من الزمن، وبعد وقوع الأحداث الكبيرة التي ألمت بنا، أشعر أن الخصومة بيننا وبين رجال الثورة لم تصدر عن مفهوم إسلامي موحد متجرد أو من منطلق وطني يستهدف الحرية والتحرر من الاستعمار،ولكنه كان مزيجا غير محدد من هذا وذاك؛

وعودا إلى حديثي مع الأخ المسئول أقول إنني أفضيت له بما أشعر به وأذكر أنني قلت له أن إقدامكم على مصادمة الثورة معناه مصرع خمسين رجلا منا ودخول خمسمائة آخرين السجن وتشرد ومتاعب كثيرة.. فقال لنا الرجل بعد أن أعيته المناقشة: اذهبوا إلى المرشد فذهبنا للرجل وعرضنا عليه مناقشتنا التي ألمحت إليها فأنكر الرجل تصور المسئول الكبير فاستراح بالنا لحد ما لأننا كنا نعلم أن الرجل له علاقة وطيدة وقوية بالمرشد ..ولقد أثبتت الأيام أن هذا المسئول كان له وضع كبير في العمليات الأخيرة.

سوف يسألني القارئ لم لم تذكر لنا اسم المسئول ولم لم تحدد لنا بدقة المناقشة التي دارت وما تم بشأنها .. أقول إن الذي يهمني أولا وأخيرا هو تسجيل الوقائع والاستفادة منها وأخذ العبرة.. ويهمني النقد الموضوعي، أما الأشخاص أنفسهم فإنني أكن للجميع حبا وتقديرا تمليه على رفقة طريق، وأكن حبا أكبر لمن كان على بينة ونور وصلة طيبة بالله..

وهناك اعتبار آخر ومهم جدا وهو أنني لا أحب أن أضيف إلى ابتلاء الرجل ابتلاء آخر.. وأشعر بأن هؤلاء الرجال كانت نوايا معظمهم معقودة بالإسلام، إلا أن بعضهم كان يخلط عن جهل بين الإسلام والإخوان يضاف إلى هذا كله أن كثيرا من هؤلاء الرجال غيرت الأيام من تفكيرهم ولقنتهم الأحداث دروسا ضخمة ومفيدة بل أن بعضهم وللأسف الشديد أصيبوا بنكسات نفسية مدمرة فانقلبوا على أنفسهم وعلى باغهم على الرغم من أنهم كانوا من المفرطين في النصب للجماعة وللفكرة وتداركا للأمر أقول أن معظم الذين ارتكسوا لم يكونوا على بينة من أمر العقيدة الأصلية وهي الإسلام.

أو لم يكونوا على فهم ودراية بالظروف المرحلية التي تمر بها أمتنا أو لم تكن لهم دراية بالتعامل مع الثورات العسكرية المسلحة، التي لا تقبل في قليل أو كثير منطق العقل والقانون، بل تتخذ من الثورة وأهدافها شواهد تضعها فوق مقابر الحرية والقانون ... كان هذا اللافهم أوقع الكثير من الرجال من شاهق إلى أسفل .. بل أن بعضهم انحط إلى أسفل السافلين ..

يضاف إلى هذا كله قسوة الضربات التي كانت تتنزل من الثورة على رؤوس الجماعة لقد كانت ضربات بالغة العنف والضراوة وللإنسانية .. والكلمة العاجلة التي أقولها لنفسي وللآخرين أن من رزق بالثبات فذلك من فضل الله ورحمته، أما من زلت قدمه فليسأل الله العافية العفو والرحمة.

أعود لحديثي عن الجهاز فأقول أن تجربتي مع الجهاز في الجماعة على الرغم من أنها كانت سطحية إلا أنها قد تعطي للقارئ عجالة عن طبيعة هذا الجهاز والذي أعتقده أن الجهاز جر على الجماعة متاعب لا حدود لها وأوقعها في مشاكل لا تزال تطاردها وتطارد رجالنا في كل مكان...

وأعطت لخصوم الجماعة فرصة لضربها في كل مكان، واستطاعت أجهزة الإعلام الرهيبة الحق في أن تصور الإخوان على أنهم مجموعة من القتلة والمغامرين.. والغريب أن هذه الصفة لا تزال تركب رؤوس المسئولين عن الأمن والسياسة في الدول العربية..

ومن مصائب الجهاز السري أنه فرض على الجماعة أسلوب التخفي والسرية والغريب أن الكثير من الذين كانت لهم علاقة بالجهاز لا تزال آثار الماضي عالقة بأذهانهم .. صحيح أنها تختلف عن الماضي في عدم الإيجابية أو القدرة على العمل ،ولكنها تتفق معها في الرغبة في فرض السرية، السرية في أمور قد تكون علانيتها أفضل من سريتها.. ولكن يبدو وكما قال أحد حكماء الإخوان أن شخصية هؤلاء تستمد وجودها من السرية فإذا افتقدتها انكشف غطاؤها.

قضية فلسطين

فكر الإخوان من خلال وازعهم الديني والعربي في الاشتراك في حملة فلسطين وللأمانة والصدق أقول: إنهم تبنوا الكفاح المسلح في فلسطين وقد وجدوا استجابة كبيرة من الشعوب العربية الإسلامية ثم إنهم قدموا لهذه المعركة بدعاية ضخمة تولتها صحفهم ومجلاتهم وخطباؤهم ومظاهراتهم.

ولقد ساهمت في الدعاية شأني شأن غيري من الخطباء حتى إذا فتح باب التطوع للمعركة عجلت بتقييد اسمي في سجل المتطوعين تحايلت على الجهاز السري ليأذن لي في السفر فأذن لي عبد الرحمن السندي .. وكان يوم عظيما في حياتي وأنا أحشر نفسي في الملابس العسكرية وأثبت مسدسا في جانبي.

وتمثلت نفسي وأنا في مواجهة موش شورتوك في معركة حامية.. وإنني تمكنت من قتله، ثم قتلت بعد ذلك، وإنني أشارك النبيين والصديقين والشهداء مقاعدهم في الجنة.. وأن جميع متاعبي في الحياة الدنيا قد انتهت ثم تخيلت الجماهير وهي تهتف باسمي كشهيد كما كانت تهتف لعبد الحكيم الجراحي ورفاقه الذين قتلوا في سبيل وطنهم.. كل هذه المعاني المفرحة تجمعت في نفسي، وصاغت مني مقاتلا لا يهاب الموت.

وجاءني موفد من قبل المركز العام ينبئني بموعد السفر، وأنني قد اخترت لأصاحب المرحوم يوسف طلعت الذي كان يتولى القيادة الفعلية للمعركة في حين كان المرحوم الشيخ محمد فرغلي يتولى القيادة العامة في فلسطين نيابة عن الأستاذ البنا.. وكان يوسف طلعت سيتولى قيادة سيارة نصف نقل محملة بالدقيق والمواد الغذائية.

وكنت سأصاحبه في السفر، وفي نفس الوقت كنت سأتولى حراسته وحراسة المواد التموينية .. وقد فرحت بهذا الاختيار لأنني كنت معجبا بيوسف لأبعد حد، فقد كان الرجل يفيض إخلاصا لدعوته، وتفانيا في خدمتها ثم إنه كان من الرعيل الأول الذين حملوا لواء الدعوة في الإسماعيلية وعلى الرغم من بساطة ثقافته، فقد كان واسع الأفق متفتح الذهن وكانت تتوافر فيه صفات القيادة بأجلي معانيها.

ليلة سفري آثرت أن أبيت عند الأستاذ سعيد رمضان الذي كان يسكن في بست مجاور للمركز العام للإخوان .. وبكرت في الصباح استعدادا للسفر ولكني فوجئت بالأستاذ البنا وهو يطلب مني إرجاء السفر فحزنت حزنا شديدا، ولكني لم أشأ أن أخالف أمر رجل لم نتعود من قبل مخالفته حبا فيه، وتقديرا للسمع والطاعة التي جبلنا عليها..

وعدت إلى بيت سعيد أنتظر أوامر أخرى وبعد عشاء اليوم التالي أرسل إلى الأستاذ البنا رسولا برسالة لا أزال أذكرها: أذهب إلى الإسماعيلية لتعزي في بديلك .. وفسر لي حامل الرسالة ما حدث، قال لي:

إن يوسف طلعت اصطحب معه شابا آخر من الإسماعيلية ليقوم بالحراسة بعد أن أرجأ الأستاذ سفرك.. وأن السيارة التي استقلاها انكفأت بهما وتحطمت بالقرب من الإسماعيلية وقتل فيها المرافق ونجا يوسف من الموت بأعجوبة.هذه القصة على الرغم من بساطتها تكشف لنا من شفافية الرجل وهي من قبيل كرامات الصالحين.

ذهبت إلى الإسماعيلية في رفقة الأستاذ البنا ثمر ركبنا سيارة كبيرة انطلقت بنا عبر سيناء وكانت السيارة تضم عددا من قادة الإخوان وبعضا من المجندين وصلنا معسكر النصيرات حيث كانت تعسكر قوة الإخوان المسلمين بقيادة الشيخ محمد فرغلي ، فاستقبلتنا القوة أحسن استقبال واحتفت بالقائد العام إيما حفاوة، ولبث الرجل فينا أياما يزودنا بتوجيهاته، ويناقش خطة العمل مع كبار القادة، وكانت خطة الرجل هي العمل المحكم، وتجنب المغامرات التي قد تعرض قواته للهلاك .. ثم عاد إلى القاهرة.

عشنا في هذا المعسكر فترة رائعة ممتعة صلاة لوقتها وتهجدا في جوف الليل وتدريبا محكما ودراسة للمستعمرات وخطط العدو استعدادا للمعارك.. كنا نعيش عصر الصحابة وهم يواجهون أعداءهم، وكانت قضيتنا؛

فاليهود واضحة في نفوسنا ولم يكن يلابسنا أدنى شك في عدالة قضيتنا فاليهود أعداء لديننا ومتآمرون عليه من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هم مغتصبون لأرض يملكها مسلمون ويقع في قلب هذه الأرض المسجد الأقصى ثاني القبلتين وكان شاهدنا الناطق المهاجرون الذين كان يضطرهم اليهود للهرب من ديارهم والهيام في الصحاري، وإنني وإلى اليوم لا أنسى مشهد المهاجرين في أسمالهم البالية، وهم يحملون الرضع ومشهد الحبالي والشيوخ وهم يتحاملون بعضهم على بعض بحثا عن مأوى لهم.

وكنا نسمع عن قصص بشعة وحوادث لا إنسانية كان يرتكبها اليهود مع العذارى والحبالى، وكان يتولى كيد هذه الحوادث عصابات اليهود شتيرن وزفاي وكان اسم الإرهابي بيجن رئيس وزراء الصهاينة من أشهر الأسماء وأكثرها ضراوة.

أعود فأقول إننا كنا نعيش في جو مفعم بالروحانية، وكنا في نفس الوقت تأهب للمعركة، بل كنا نستحث القيادة لتسمح لنا بالإغارة على المستعمرات الرابضة في قلب الوادي.

ثم سنحت لنا الفرصة لضرب أقرب مستعمرة إلينا وهي مستعمرة ديروم أو دير البلح كما كانوا يسمونها وعلى الرغم من فرط حماسنا، وعلى الرغم من اجتهاد قيادتنا في رسم خطة الهجوم على المستعمرة إلا إننا لم نوفق في اقتحامها وانتهت المعركة باستشهاد اثنى عشر شابا من خيرة شبابنا..

وعلى الرغم من إيماننا الكامل بأن إخواننا قد استشهدوا في سبيل الله إلا إننا لم نأخذ كافة الاحتياطيات.. ولو سألتني اليوم عن رأي لقلت لك: إنه كان أولى بنا أن نبحث عن رجال تمرسوا في مثل هذه الرحب ليوجهونا التوجيه الصحيح، إلا أنني التمس العذر لقادتنا وخاصة بعد أن استرجع ما كان من أمر القائد المحنك أحمد عبد العزيز وهذه المستعمرة فقد أغار عليها بقوة كبيرة من المشاة بعد أن مهدت لهم المدفعية وانتهت المعركة باستشهاد أكثر من ستين مقاتلا.

على الرغم من فشلنا في هذه المعركة وفشل المرحوم أحمد عبد العزيز إلا أننا استفدنا كثيرا من هذا الفشل في المعارك التي استمرت أكثر من عام.. فلقد سجلنا في هذه المعارك انتصارات باهرة على اليهود وخاصة بعد أن لحق بنا القائد الفذ والمعلم الفاضل، الأستاذ محمود عبده الذي كان قد أوفد على رأس قوة كبيرة إلى معسكر قطنة في سوريا

حيث استكمل تدريب قوته، ونزل إلى ميدان المعركة في أوائل مايو 1948 واتخذ له معسكرا في النصيرات بحري، وحدث تغيير في قيادة قوتنا حيث تولاها الأستاذ كارم الشريف وزير الأوقاف في الأردن وكان شابا متفتح الذهن شجاعا، وقائدا موهوبا وعلى الرغم من أنه كان حديث عهد بالإخوان إلا أن خبرته بالأعمال الحربية وكياسته على احترامه والالتزام بأوامره.

استمرت المعركة الحربية قرابة عام، وكانت لنا فيها صولات وجولات مشهودة، وحتى بعد دخول الجيش المصري والجيوش العربية ميدان المعركة استطعنا أن نثبت قدرتنا على القتال ،ولقد شهد لها جميع قادة الجيش بصلابة عودنا، كم شهدوا لنا بحسن الخلق واثقات حتى أن قائد المعركة اللواء أحمد فؤاد صادق كان إذا شعر بضعف الجيش في المعركة استدعانا لمساعدة الجيش

وأذكر أنه في معركة تبة 86 المشهورة، بعد أن منى الجيش بهزيمة منكرة استدعانا اللواء صادق فأغرنا على العد، وتمكنا من جحره على حين لم تكن قواتنا تتجاوز الأربعين رجلا.. ولقد منحنا اللواء صادق نياشين فاخرة بعد أن أثبتنا تفوقنا على العدو.

كما أذكر أنه في أعقاب معركة العوجة الشهيرة والتي منى فيها الجيش بهزيمة منكرة طلب منا القائد نعمة الله أن نقتفي أثر اليهود في القصيمة لنؤمن مؤخرة الجيش، وقد ذهل قائد الجيش من شجاعة الإخوان وهم يتحملون مشقة الطريق وعرة تفصل ما بين الطريق العمومي والقصمية، وكانت الطريق محفوفة بجبال شاهقة وعرة المسالك ..

ومما أذكره أن قائد اللواء نعمة الله قال لي: إنني لا أدري كيف أكافئ الإخوان قلت له: نرجوكم ألا تعتقلونا .. فعجب الرجل من جوابي.. وتشاء المقادير أن تنتدب فصيلة من لوائه لحراستنا في معتقل رفح الذي أعد لتستقبلنا بعد أن انتهت حرب فلسطين.. وطبعا لم يكن للرجل أدنى علاقة باعتقالنا.. بل صدرت إليه الأوامر بحجزنا حجزا عسكريا في فلسطين خشية أن ننزل إلى مصر ونساعد إخواننا الذين كانا يتعرضون للاعتقال والتعذيب في السجون على يد إبراهيم عبد الهادي وأعوانه من رجال البوليس السياسي.

ومن أشهر المعارك الإخوانية في فلسطين.. معركة بئر السبع وقد أشرف على هذه المعارك القائد محمود عبده ومن أجمل ما فعله في بئر سبع أنه حفر حول المدينة خندقا كذلك الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المدينة، ولقد استعصى على العدو الصهيوني عبور هذا الخندق ..

ولم تكتف قوة الإخوان بحماية المدينة ولكنها كانت تغير على المستعمرات المرابطة بالقرب من بئر السبع.. وتقطع الطرق المؤدية إليها وقد استشهد بعض الإخوان في هذه المعارك وقد ذكرت في كتاب شهداء على الطريق قصة الشهيد علي صبري .

ولقد تمكنا من حصار القدس الجديد من عدة مواقع وضيقنا عليها الخناق وقطعنا عنها التموين ولقد ترامت إلينا إشارة سرية صادرة من المستعمرة «نحن الآن بنشرب بول الحمير فأنقذونا» وتحضرني «نكتة» صدرت من مقاتل يهودي كان يرابط داخل إحدى الدشم قال اليهودي: «يا إخوان إننا نعلم أنكم تحبون الاستشهاد لتسعدوا في الآخرة ونحن نحب أرض فلسطين لأننا نؤمن أنها أرض الميعاد فاخرجوا لنا نقاتلكم فتدخلوا الجنة، ونعيش نحن في فلسطين وبذلك تتحقق السعادة لنا ولكم» من هذه الفكاهة يتبين مدى خوف ورعب اليهود من قوة الإخوان.

ومن اشهر معارك الإخوان ومغامراتهم أنهم تمكنوا من تحطيم حصار الفالوجة وتحملوا الأهوال لإنقاذ القوة المصرية التي أحكم اليهود حولها الحصار، ومن عجب المقادير أن قوة الإخوان بقيادة المرحوم معروف الحضري هي التي عملت على إنقاذ القوة التي كان من بينها جمال عبد الناصر والذي لقيت ولقي معروف الحضري على يديه الويل والعذاب.

ومن أروع المواقف التي سجلها الإخوان في فلسطين أنهم حاولوا إنقاذ فلول جيشنا الذي منى بهزيمة منكرة عند العوجة وأذكر هذه القصة على سبيل المثال.. فقد خرجت مع مجموعة من شباب الإخوان لاستكشاف مواقع اليهود بالقرب من العوجة.. وكان معي عبد الرحمن البنا وهو شاب لو كتبت عنه كتابا لما وفيته حقه...

وفجأة تقدم مني ثلاثة من الجنود ومعهم ضابط لا يحمل ربتة.. وقال لي الضابط وهو يرفع يديه مستسلما ويقدم لي مسدسه: مستسلم .. فقلت له: نحن مصريون، قال: لا تسخروا منها أنتم يهود وأشار إلى عبد الرحمن لأنه كان شديد بياض البشرة فطمأنة عبد الرحمن..

وفرح الرجل إيما فرح بعد أن عرف أننا من الإخوان ثم لوح بيديه فأقبل علينا أكثر من مائتي جندي مصري كانوا يختبئون من خلف الأحجار .. فقدمنا لهم ما لدينا من طعام وشراب ولما سألناهم عن سبب استسلامهم قالو لنا: إنهم لم يطعموا منذ ثلاثة أيام وأن ذخيرتهم نفذت ثم قمنا بنقلهم على دفعات إلى موقع الجيش المصري.

وقد تعترض على القارئ أو يتهمني بأنني أنتقص من شجاعة الجيش المصري في فلسطين ولكني في الواقع أتحدث عن فترة ما بعد الهدنة وبعد أن تآمرت القوى السياسية ضد الجيش المقاتل في الميدان وأودعت سر خيانتها له في الأسلحة والذخيرة الفاسدة فكان عملا بطوليا رائعا إن الجيش المصري والشعب المصري يستمتع بقدرة هائلة في القتال إذا وثق من قادته ووثق من الهدف الذي ينشده ..

وحرب أكتوبر تشهد بشجاعة وثبات وصبر الجندي المصري لأن الجندي كان قد أولى ثقته لقيادته.. وعلى العكس من ذلك فإن خزي يونيو 1967 يعكس نفسية الجندي المصري الذي لم يلمس الأمانة والصدق في قيادته.

استمرت المعارك الحربية قرابة عام في فلسطين وكان لهزيمة الجيش في الميدان أثرها الكبير في نفسية الشعب المصري فقد بدأ السخط يعم الشعب المصري كله، وقد عبر الإخوان عن هذا السخط بضرب المؤسسات اليهودية في مصر ، وحشد قوى الشعب في مواجهة حكومة النقراشي والملك فاتفق على حل الإخوان واعتقال قيادتها ومعظم أعضائها.. فكان جواب الإخوان على الاعتقال قتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا ... وورثة في الحكم إبراهيم عبد الهادي الذي انتقم للنقراشي بقتل مرشد الإخوان المرحوم حسن البنا .

ولقد ورعنا أيما روع لمقتل مرشدنا ومربينا حسن البنا ، وشعرنا أن خطرا ما يحدق بنا ففكرنا في تسجيل احتجاجنا على مقتل المرشد فكتبنا رسائل حادة للحكومة .. وفركنا في إلقاء السلاح وخاصة أن المعركة كانت قد توقفت بعد إعلان الهدنة الثانية، كما فكرنا في عبور صحراء النقب إلى الضفة الغربية، ومن هناك نصل إلى الأردن ثم ندبر أمرنا ..

بل فكر بعضنا في الإغارة على الأردن بالسلاح.. ولم تمهلنا الأحداث كثيرا فقد فوجئنا ذات يوم بمن يدعونا لإعداد أنفسنا للعودة لمصر، لأنه لم يعد لنا من ضرورة للبقاء في الميدان وخاصة بعد توقف العمليات الحربية، وعلى الرغم من أن الفكرة قد راقتنا ابتداء إلا أن الشكوك قد راودتنا بعد أن طلب منا تسليم السلاح ولم يكن أمامنا خيار لأن رفض تسليم السلاح يعني العصيان العسكري في الميدان وهذا عمل غير وطني

ثم إن القوانين العسكرية تواجه مثل هذا الموقف بصرامة ولقد ساعد في سرعة استسلامنا ثقتنا الكاملة في اللواء أحمد فؤاد صادق الذي كان يرعانا حق الرعاية، ويدافع عنا بصدق حشرنا في عربات عسكرية كانت قد أعدت لنا خارج معسكر البريح بغزة وكان يوما حزينا بالنسبة لنا وبالنسبة لإخواننا من ضباط الجيش الذين كانوا متجاوبين معنا لأبعد حد، ومضت بنا العربات عبر الطريق المؤدي إلى رفح إلى أن توقفت أمام معسكر كبير كان يشغله الإنجليز من قبل؛

وطلب منا أن نترك العربات لنبيت ليلتنا في هذا المعسكر ثم نستأنف سفرنا للقاهرة في اليوم التالي، ومن طريف ما قيل يومها أنه قد أعد لنا استقبال حافل في مصر كذلك الذي استقبل به أبطال الفالوجة، المهم أننا وضعنا أثقالنا في هذا المعسكر وفوجئنا بعد ساعات من إقامتنا بالمعسكر أننا محاطون بحراسة من الجيش وعلمنا فيما بعد أن قوة من اللواء الخامس التي يرأسها اللواء نعمة الله هي التي أسندت إليها مهمة الحراسة وطبعا لم يكن الرجل راضيا عن هذا الموقف المشين من الحكومة.

أدركنا وقتها أننا رهن الاعتقال شأننا شأن إخواننا الذين كان قد أرسل بهم إلى معتقل الطور، ومعتقل هايكستب أو زج بهم في السجون عز علينا هذا الموقف من الحكومة وبالذات من الجيش ولم ندر ماذا نفعل!!

وفي اليوم التالي لاعتقالنا زارنا اللواء فؤاد صادق ، وكان لطيفا في خطابه معنا، وقال لنا: إن الحكومة أمرته بإرسالنا إلى معسكر الطور لنلحق بإخواننا المعتقلين، ولكنه رفض تسليمنا وأصر على إبقائنا ضيوفا لدى الجيش وأنه سيفرج عنا قريبا، ثم إنه أصدر أوامره بالإبقاء على رتبنا العسكرية ورواتبنا .. بل إ،ه منحنا نياشين تقديرا لجهودنا في الميدان وكان نصيبي نوط الجدارة الذهبي.

لبثنا في هذا المعسكر قرابة ستة أشهر ثم نقل الجميع إلى معسكر آخر بالعريش أمضوا فيه قرابة ستة أشهر أخرى... أما بالنسبة لي فقد استدعيت للقاهرة للتحقيق معي بعد ستة أشهر من إقامتي في معسكر رفح ولسوف أعود لأذكر طرفا من قضيتي الخاصة.

أما ماذا كان من أمر هذا المعتقل !! لقد كان معتقلا مرفها للغاية، كنا نعيش في بحبوحة من العيش والحركة والعبادة، والتعبير عن الرأي .. ويكفي أن أقول إنني كننت ألقي درسا بعد عصر كل يوم كما كانت ألقي خطابا كل يوم جمعة، وكنت أتكلم بصراحة تامة..

إلا أن هذه الحرية لم تكن لتنسينا ما كان يعانيه إخواننا في السجون والمعتقلات الأخرى وما كانت تعانيه أسر المعتقلين ولذلك وقررنا اقتطاع جزء من رواتبنا لإعانة الأسر المنكوبة... هذا الموقف لم يكن ليشبع طموحنا في الجهاد والمشاركة في محاربة الحكومة التي أعتدت على مرشدنا وإخواننا وأقفلت الشعب التي كنا نتلقي فيها تعاليم الدعوة ففكر بعضنا في إعداد أنفسنا لمعركة ضد الحكومة فيها تعاليم الدعوة؛

ففكر بعضنا ف إعداد أنفسنا لمعركة ضد الحكومة، وحاولنا بناء جهاز سري ليعمل بعد الإفراج عنا، ومن طريف ما ذكره أننا ونحن نتعاهد على الجهاد لم نجد مسدسا ليكون إلى جانب المصحف ونحن نأخذ العهد والبيعة فاستبدلناه بساطور، ولقد تلاشى هذا الجهاز بعد أن طال بنا الاعتقال شأنه شأن الجهاز الذي كان قد اكتشف في عهد إبراهيم عبد الهادي .

والواقع أن معتقل رفح كان مدرسة مفتوحة، وكان معلموها وتلامذتها من بيننا وقد استفدنا الكثير منها ولكننا كنا حبيسين داخل أفكار وتنظيمات لم نحاول تطويرها أو الخروج منها.. من ذلك أننا كنا نؤمن أن كل ما فعله إخواننا في مصر على حق، وكل ما فعله ويفعله خصومنا على باطل ..

وكانت بيدنا مستندات وفيرة منها اعتقالنا بعد أن أدينا وأجبنا على أحسن وجه، ومنها قتل الشهيد حسن البنا ، واعتقال الإخوان وإغلاق دورهم وبالنسبة للقضايا العامة في فلسطين ، وما تعانيه مصر من فساد الأحزاب وتعفن الملكية كل هذه المستندات كان تؤيد موقفنا.. ولذلك لم نفكر في مراجعة موقفنا، ودراسة أخطائنا لنعمل على تصحيح مسارنا، ثم إنه لم تكن أمامنا قيادات لها وزنها يمكن أن نواجهها بالتساؤلات التي في أنفسنا.

لقد عشنا معتقل رفح في جو طاهر طيب، ولم يعكر صفونا إلا بعض مواقف.. وليسمح لي القارئ أن أطرح مشكلة بسيطة أو مشكلتين وقعتا لنا، وكيف ثم علاجنا لها بعد معاناة في الفهم والفكر.

الأولى أنه وقعت جريمة سرقة من أحد المعتقلين من غير الإخوان ، فطالب بعض الإخوان بتوقيع العقوبة الشريعة عليه مستندين إلى أننا نعيش مجتمعا إسلاميا وأن من واجبنا تطبيق العقوبة، وكان اعتراض واعتراض آخرين أننا لسنا أكثر من جماعة تسعى لإقامة الشريعة وليس لنا حق في تطبيقها إلا إذا كان زمام الحكم بأيدينا.

وأما الواقعة الثانية فقد وقعت من أحد المعتقلين فقد استدرجه أحد الجنود وأغراه بتعاطي المخدرات، ولما ثبتت عليه التهمة، وأسندت إلي مهمة الحكم عليه وقعت عليه عقوبة اجتهادية وهو جلده عشر جلدات، وكان البعض يطالب بتوقيع العقوبة الشرعية عليه وهي حد شارب الخمر.

ولكني دافعت عن وجهة نظري بأننا لسنا أكثر من جماعة من المسلمين ولسنا حكومة إسلامية ثم إن الحشيش ليس كالخمر وإن كنت أطالب رجال الفقه أن ينظروا إلى الحشيش باعتباره خمرا لأنه مسكر.

تهمة جديدة

بعد ستة أشهر من اعتقالي في رفح، جاءت رسالى عاجلة من النيابة العمومية إلى القوات المسلحة بإرسالي مخفورا إلى القاهرة وبأسلوب غاية في الأدب طلب من أن أحزم حقائبي، وأستسلم لجنديين من رجال الجيش ليصحباني في قطار إلى القاهرة ، فسلمت الأمر لله، وكنت بفضل الله غاية في الشجاعة، وأصدق القارئ القول أنني كنت أتمنى محاكمتي لأقف في قفص الاتهام وأزلزل القاعة بخطبة عصماء!!

وصلت إلى سجن مصر حيث كان يتجمع عشرات من شباب الإخوان المتهمين في قضايا عديدة، فاستقبلت استقبال الفاتحين وخاصة أنني كنت أرتدي الثياب العسكرية .. وعوملت في السجن أفضل معاملة.. وفي اليوم التالي استدعيت للنيابة وكان يحقق معي أحد رؤساء النيابة المشهورين وكان الرجل حريصا على تبرئتي من الاتهام الذي كان موجها إلي وأنني كنت فردا في خلية سرية فقلت له إنني متغيب عن مصر منذ أكثر من عام.. ونجح الدفاع وتقرر الإفراج عني. .

ثم أرسل بي إلى سجن الموسكي حيث قضيت فيه أربعة أسابيع كانت من أقسى معتقلات ما قبل الثورة إلا أنه كان يخالطها كثير من الضحكات المبكيات التي كانت تخفف عنا.

لقد عذبنا في هذه السجون بالنور، فقد ثبت مصباح كهربائي قوية خمسمائة شمعة في سقف زنزانة لا تعرف الشمس إليها طريقا.. لا تطفأ ليلا ولا نهارا.. ولقد حاولنا مرارا كسرها لنعيش في الظلام فهو خير من وهج الضوء.

وكان يساكننا في غرفتنا مجموعة من اللصوص، والمتشردين وشاب سوري كان متهما بأنه من الإخوان وشيوعي وقد نشأ بيننا وبين هذا الخليط من الناس تعارف وتواد باستثناء الشيوعي الذي كان يرفضنا وكنا نرفضه ونرفض سلوكه..

ومن أطراف ما عرض لنا في هذا السجن أنه استدعى واحدا من غير الإخوان غاب عنا ليلتين، ثم عاد إلينا مجردا من ثيابه باستثناء سروال قصير وقميص مهلهل وكعادتنا حولنا استدراجه لنعرف ما نزل به، وبعد إلحاح منا وتحايل قص علينا قصته. ولولا أنني عشتها بالكامل وتثبت من وقائعها لما صدقت الرجل .

قال الرجل: وهو في الخامسة والثلاثين من العمر. لقد أحببت فتاة بعد أن تعرفت إليها في الطريق العام ولكنها تأبت على وقالت إنها تحب أن يكون خطبها ضابطا.. فقلت لها إنني ضابط، فقاتل وأين ثيابك العسكرية؟؟ فأخبرتها بأنني ضابط مباحث، فطلبت مني صورة بملابسي العسكرية ففكرت في الأمر، وهداني حبي إلى فكرة جهنمية وهي أن أتسلل إلى بيت زوج ابنى خالي وأخذ رداءه العسكري، وألبسه ثم تؤخذ لي صورة أهديها للخطيبة.

ونجحت في اختلاس الرداء ولبسته وكنت بالقرب من ميدان لاظوغلي، حيث يتجمع المصورون فجلست على كرسي بالطريق العام وأعد المصور عدته لتصويري.. وفجأة وجدت من يربت على كتفي ويطلب مني أن أصحبه إلى وزارة الداخلية.. وهناك وجدت جميع رجال الوزارة وكبار الضباط وسألوني بلسان واحد: كنت ستقتل رئيس الوزارة أم من؟ وكان من سوء حظ الرجل أن النقراشي كان قد قتل في بهو وزارة الداخلية.

ولما أنكرت جردوني من ثيابي وظلوا يضربونني أكثر من يومين متتاليين ولم يتركوا سبيلي ويرسلوا بي إلى السجن إلا بعد أن تأكدوا من صحة أقوالي.

هذه القصة وأمثالها التقينا بالكثير منها، وهي أن تدل على شيء فإنما تدل على تخبط هذه الأجهزة السرية ورغبتها في إثبات وجودها لتنال فرصا مالية أو راتبا وظيفية.

انتهت فترة سجن الموسكي وحملت إلى معتقل هايكستب حيث قضيت ستة أشهر مع الآلاف من أمثالي وكان يجاورنا في المعسكر بعض زعماء اليهود الذين كانوا قد اعتقلوا كنتيجة للحرب بيننا وبين اليهود في فلسطين.. إلا أنهم كانوا منعمين في معتقلهم وذلك بفضل رشاواهم وقدرتهم على الوصول إلى الجهات العليا..

في هذا المعتقل كنا نعيش كجماعة متآخية متراحمة، وكان الغني يفيض على الفقير ،والقوي يأخذ بيد الضعيف وكنا نتدارس أمور ديننا ودعوتنا.. ولكننا كنا نعيش فترة يتم بعد مقتل الأستاذ البنا ، وعدم تمكننا من تنصيب خلف له، وكنا نتهامس بخلفاء كالشيخ الباقوري ، والأستاذ صالح عشماوي ، والأستاذ عبد الرحمن النبا شقيق البنا ، و عبد العزيز كامل و سعيد رمضان ..

أما عن مناقشاتنا الفكرية فكانت تصدر عن بعض الشباب الذين كانوا يؤمنون بالتربية المكثفة والإعداد العلمي قبل التفكير في السلطة، والإعداد المسلح لها.. وكانوا يلمزون الجهاز السري الذي كانت له قدسية في نفوس الإخوان.. أما بالنسبة لي فكنت مشبعا بالأسلوب العنيف في مواجهة الأعداء، والأعداء في نظري هم الإنجليز واليهود والملك والأحزاب.

أما كيف تم الإفراج عني فلذلك قصة طريفة لا بأس من ذكرها.. كانت الحكومة قد أسندت قيادة المعسكر لضابط جاهل لا يكاد يفرق بين الجامعة والجوامع.. وكان هذا الضابط كثير العراك معنا، وقد تسبب لنا في «علقة جماعية» فلما سقطت حكومة إبراهيم عبد الهادي وتولى النحاس الحكم بدأ الرجل يعمل لنا حسابا، وبدأنا نخوفه ونهدده وذات يوم اقتحم الطلبة غرفته وهددوه إذا لم يفرج عنهم، فاتصل بوزارة الداخلية فما كان منها إلا أن أمرت بالإفراج عن جميع الطلبة.

وعشنا فترة عاطفية بعد الإفراج عنا، وكنا نتوق لعودة الإخوان والعثور على مرشد ليقودنا.. وبعد جهد كبير استقر الرأي على تنصيب المستشار حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان ، فأوليناه طاعتنا واحترامنا، وكان الرجل وقورا، وصادقا وعفا..

ولم يكن حريصا على المنصب حتى إنه فكر كثيرا في الاستقالة.. إلا أنه لم يكن يملك القدرة على مخاطبة الجماهير، كما كان يفعل الأستاذ البنا ثم إن كبر سنه لم يمكنه من بذل نشاط كبير كما كان يفعل الأستاذ البنا ومع هذا فإننا رضيناه مرشدا .

معركة القناة

ولم يمض على عودة الإخوان إلا شهور حتى وقعت أخطر الأحداث في تاريخ مصر ، وكان لها أكبر الأثر في حركة الإخوان ، فقد قامت حكومة الوفد بإلغاء معاهدة سنة 1936 ، وعلى الرغم من أن الحكومة لم تكن تكر في مواجهة الإنجليز مواجهة عسكرية إلا أن الشعب كان على استعداد لاتخاذ موقف مسلح ضد الإنجليز وفتح الباب عن آخره ليجرب الإخوان حظهم في معركة جديدة... ونظرا لأنني سجلت هذه المعركة في كتاب صفحات من جهاد الشباب المسلم فإنني أحيل القارئ وأكتفي هنا بإلقاء الضوء على دور الإخوان في هذه المعركة.

وفي تجرد كامل أقول: لقد حمل الإخوان عبء هذه المعركة وتحملوها بجرأة وشجاعة فائقة، ولولا قيادة الإخوان الحكيمة وحسن تدريبهم وسابق خبرتهم في فلسطين لما حدث ولربما أقول وبأمانة: ولما خرج الإنجليز في هذه الفترة الوجيزة من مصر ، ولربما أقول: ولما قامت ثورة يوليو سنة 1952 لأنها قامت على أنقاض عرش تداعى تحت ضربات شباب الإخوان في القناة وبعد أن وهن عظم الإمبراطورية البريطانية في مصر كنتيجة لضربات عمر شاهين والمنسي وشهداء إخوان وغيرهم.

قد يقول القارئ: إنك تنسب الفضل كل الفضل للإخوان في المعكرة ضد الإنجليز أقول: إنني وإن كنت أؤكد هذا إلا أنني لا أنكر مشاركة الشعب عمالا وفلاحين وشارك رجال الجيش في شخص الضباط الأحرار ، وضباط البوليس لا أنكر فضل هؤلاء، لكني أقول إن قيادة الإخوان الحكيمة الشجاعة كان لها الطول الأكبر في المعركة.

لقد بدأ التدبير للمعركة في دار الإخوان المسلمين والمؤقتة في الضاهر، وكانت البداية في قسم الطلبة ثم اشترك الجهاز السري وكان يمثله المرحوم يوسف طلعت ، واشترك جهاز البوليس والجيش وكان يمثله صلاح شادي وتولى قيادة المعركة من الإخوان الأستاذ محمود عبده ، والمرحوم عبد القادر عودة ، والمرحوم يوسف طلعت...

وقد افتتح الإخوان العديد من مراكز التدريب في الإسماعيلية، وأبو كبير والتل الكبير واتخذوا من بيوتهم مراكز لتجميع القوات المحاربة.. وعلى الرغم من احتجاجي الكثير على الجهاز السري للإخوان في ممارساته الداخلية، إلا أنني أذكر له دوره العظيم في معركة القناة..

فقد جند الجهاز السري جميع رجالة العاملين على ضفاف القناة لضرب المعسكرات المجاورة، وأظنني ذكرت في كتابي بعض هذه العمليات مثل ضرب معسكرات «أبو سلطان» وضرب قطارات السكة الحديد.. ولقد آن الأوان لأفصح عن أسماء ذكرتها رمزا في كتاب القناة، من هذه الأسماء نفيس حمدي والدكتور محمود الشادي ، وعلى رياض ، و «الشيخ يوسف القرضاوي»..

و «الشيخ أحمد العسال» والمرحوم حسن عبد الغني ، ويوسف علي يوسف وعلي صديق ، وعبد الرحمن البنان ، ومحمد عاكف ، وصلاح جلال ، وياسر عرفات ومكاوي الشيخ..

وعصام الشربيني ، ويوسف عبد المعطي ، وصلاح عبد المتعال ، وأحمد فراج ، ووائل شاهين ومحمد المنياوي ، وصالح الحديدي هؤلاء من تذكرت وهم في الواقع في غنى عن الذكر والتعريف، ولكني أحببت أن أكون شهيدا عليهم، فقد لا يتمكن غيري من تذكرهم وإني لأعتذر ملن لم تسعفني ذكراهم.

هؤلاء الشباب وغيرهم هم الذين أشرفوا على تدريب شباب الجامعات والمدارس، وتدريب الإخوان في المعسكرات.. ثم قاموا بأنفسهم بشن حملات رائعة ض المعسكرات البريطانية.. وما أظن مواطنا مصريا لا يتذكر معركة التل الكبير في 13 يناير سنة 1952 التي استشهد فيها عمر شاهين وأحمد المنسي وستة آخرون، وأسر ستة من شباب الجامعة. ثم ما تبع ذلك من تشييع جنازة عمر شاهين التي هزت وجدان الأمة، وأثارت حفيظتها ضد الإنجليز والعرش.

وكان من نتيجة هذه الثورة الشعبية العارمة، أن تجمعت الأمة كلها حول الإخوان المسلمين وكانت كلمتهم هي الكلمة المسموعة في الأمة كلها وهذا ما دعا الملك وأحزابة وأحلافه إلى تدبير مؤامرة إحراق القاهرة ، بعد جنازة عمر شاهين بأسبوعين والتآمر على الحركة الشعبية النظيفة.

إن ثورة سنة 1951 هي الثورة الشعبية الصادقة في تاريخ مصر ، بل في تاريخ الأمة العربية وأخشى أن أقول أن ما تلاها من ثورات في كل العالم العربي لم ترق إلى مستوى هذه الثورة.

أما قصتا فقد رويت جانبا منها في كتابي صفحات من جهاد الشباب المسلم وفي كتاب شهداء على الطريق .

المواجهة بين عبد الناصر والإخوان

حديثي عن الثورة وعلاقتها بالإخوان لن يكون صريحا بالقدر الذي كنت أرجوه، لأن ثورة 23 يوليو لا تزال تحكم مصر ، وإن تغيرت القيادات وحكمي على هذه الثورة لن يكون حكما دقيقا, لأننا في موقف الخصم منها، ومهما كان ثقتي في صدق قولي، فإن من حق الآخرين أن يتشككوا في هذا الحكم.. ولذلك سوف أكتفي بذكر مشاهداتي الخاصة وانطباعاتي، وللقارئ أن يقبل منها ما يقبل ويرفض ما يرفض.

لقد كانت الثورة أمل الشباب كله، وكان يتمثلها في انتفاضة شعبية ضد الإنجليز وضد الملك وأحزابه.. وكان الشباب يتطلعون إلى مصطفى كامل جديد وسعد زغلول آخر.. فلما أيأسهم ظهور هذا الثائر تطلعوا إلى الجيش باعتباره القوة المسلحة القادرة على تنفيذ الثورة..

ولذلك ألقوا بكل ثقلهم في قادة الثورة كبيرا من خلال شخصية محمد نجيب ، لأنه كان من لون وطعم وطبيعة الشعب..ولذلك أولوه كل ثقتهم ولقد تيسر لي العديد من اللقاءات مع هذا الرجل وكان معظمها في احتفالات عامة..

ولقد وقفت منه موقفا متشددا في احتفال عام عندما أمسكت بيده وقلت له: لكم وددت أن تستشهد في المعركة ضد الإنجليز كما استشهد عمر شاهين.. ولم يغضب مني الرجل بل دعاني لمقابلته في مجلس قيادة الثورة الأول.

أما جمال عبد الناصر فقد كنت أشعر بأنه عسكري الطبيعة، غامض الشخصية وقد جمعتني به الظروف في مؤتمرات عامة، وتحدثت فيها طويلا واستمع إلي باهتمام كبير، حتى أنه همس في أذني وهو يعانقني بحرارة بعبارة فيها إطراء على شخصي وعلى ما ذكرته في خطابي وكانت معظم خطبي التي ذكرتها أمامه تطالب بالتضامن مع الجيش في مواجهة الإنجليز، وتطالب بضرب الأحلاف العسكرية التزام سياسة الحياد بين الشرق والغرب، ولا أنسى التعبير الذي كررته مرارا أمام جمهور لا يقل عن مائة ألف «لا شرقية ولا غربية ولكن يكاد زيتها تضئ» ..

ثم ألححت في خطابي على إقامة حياة نيابية جديدة ترفض الحزبية.. وكانت آخر هذه الخطب في أوائل يناير سنة 1954.. وما أذكره أن رجال الثورة أرسلوا إلى من يطالبني بعقد مؤتمر في الجامعة يوم امتحاني في الليسانس فاستجبت لهم وناديت بقطع المفاوضات مع الإنجليز.

كل هذه المواقف وعشرات من أمثالها جعلتني قريبا من رجال الثورة، وكنت آمل أن تنتهج الثورة نهجا إسلاميا.. وكنت آمل كذلك أن تتضامت الثورة مع الإخوان وخاصة في حربنا مع الإنجليز... ولكن الأيام خيبت ظني، فلم يلتزم رجال الثورة بالخط الإسلامي ووقع صدام مروع بين جمال عبد الناصر والإخوان لم ينته إلا بموته.

وبتجرد كامل أستطيع أن أقول إن طبيعة عبد الناصر لم تكن تقبل المشاركة في السلطة أو تقبل الرأي المعارض فكان يؤمن بنفسه وبفكره فقط.. ولذلك فإنه صادم جميع الأحزاب السياسية وصادم جميع رجال الثورة فلم يبق على واحد منهم إلى جواره إن هذا التحليل لشخص عبد الناصر لا يفتقر إلى حجج أو أسانيد.. فهو واقع يشهد به الجميع.

ثم إنه تفرد في اتخاذ المواقف السياسية التي يراها فهو مثلا حمل الأمة على دخول الحرب سنة 1956 ومنينا بهزيمة قلبها لنصر، ثم هو الذي حمل الأمة لتحارب في اليمن ، ثم هو الذي خلق هزيمة سنة 1967 وما أمرها .. وعلى الصعيد السياسي هو الذي حالف الإنجليز سنة 1956، ثم هو الذي هادن أمريكان إلى أن ظهرت فضية بناء السد العالي، ثم غير اتجاهه إلى الاتحاد السوفيتي، وحالفه مكن لجيوشه وخبرائه وأعوانه من الشعب والجيش.

هذا العامل النفسي لعب دورا كبيرا في صراع جمال عبد الناصر مع الإخوان ، وتسبب للأسف الشديد في إضعاف شوكة حركة إسلامية شابة كما تسبب في وهن وضعف وتفتت ثورته وانعكس كل هذا على مصر والأمة العربية.. وها نحن نجتر آلام الهزائم المريرة وتدخل القوى الكبرى في المنطقة العربية.

  • سيعترض القارئ ويقول: هل يعني اتهامك هذا انك تبرئ ساحة الإخوان من الخطأ؟.
أقول: لا لن أبرئهم من الخطأ ولكن لو وضع خطأهم في كفة وما أصابهم من مآس في كفة أخرى لكان كمن يضع ريشة في كفة وجبلا من حديد في الكفة الآخرى.. إن ما تعرض له الإخوان من عذاب جسماني ونفساني لا يمكن تخيله.. ولسوف أذكر بعضا منه فيما بعد، وهذا البعض لا يكتب أكثر من حرف في سجل من ملايين الصفحات.

عيب الإخوان أنهم فكروا في التصدي لعدوان عبد الناصر المسلح بالسلاح وكان أولى بهم ألا يواجهوا انقلابا مسلحا بسلاح مثله فالمعركة غير متكافئة.

  • قد يعترض البعض: وماذا يفعلون؟ هل يستسلمون؟؟؟
أقول: كان الأول أن نتذرع بالصبر حتى نفوت عليه غرضه وأن نتصدى له بالكلمة أو بأي أسلوب آخر.. فإن هذا كان سيفقده الحجة في عدوانه وسوف نكسب الرأي العام معنا.

وهناك مأخذ آخر على الإخوان وهم أنهم كانوا يطالبون عبد الناصر بالحكم بالإسلام.. ونفس هذا الطلب غير مقبول لأن الإسلام لا يتنزل من إرادة شخص غير مؤمن بتطبيقه والأولى أن يطلب منه أن يترك للحركة الإسلامية لتنتشر في الأرض حتى يجمع عليها الناس ومنهم تكون الحكومة.

بعد هذا التحليل يمكنني أن أتناول الأحداث التي شهدتها بنفسي وأكتفي بذكر أهمها:

معركة الجامعة

في اليوم الثالث من يناير سنة 1954 وهذا اليوم كانت الجامعة كعادتها تحتفل بذكرى شهدائها في معركة التل الكبير في هذا اليوم وقعت أحداث كان لها أثرها الكبير ونتائجها الخطيرة في علاقة الثورة بالإخوان المسلمين.. وحتى أكون أمينا وصادقا في أحكامي فإنني سأذكر مقدمات الأحداث التي سبقت هذا اليوم.

لقد كان الجو مشحونا للغاية بين جمال عبد الناصر والإخوان وكان سوء الظن قد بلغ القمة، وخاصة بعد أن استغل جمال عبد الناصر الخلافات التي نجمت عن اختيار الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا للإخوان وما صاحبها من صراع بين المرشد والجهاز السري الذي كان عبد الرحمن السندي يصر على الإبقاء عليه تحت قيادته؛

وكان من رأي الرجل وكما حدثني كثيرا أن الجهاز السري يشكل خطرا على الإخوان بل كان من رأي الرجل وهذا الحديث كان قد جرى بيني وبينه قبل الثورة أنه ليس من سياسته أسلوب الثورات وأنه يفضل أخذ الأمور بالتروي والحكمة ولعل عمل الرجل بالقضاء لفترة طويلة حمله على تبني هذه السياسة إلا أن الوضع تبدل بعد أن تهددتنا الثورة باستعمال القوة، فقد تشكلت أجهزة سرية في الجيش والبوليس والمدنيين ما أظنها كانت خافية على الرجل.

لكن هل كان الرجل يديرها بنفسه، وهل كان يرضى عن تصرفاتها التي وقعت فيما بعد.؟؟ إنني لا أستطيع أن أصدر حكما في هذا الشأن وأترك لغيري وممن لهم علاقة بالأحداث التي وقعت بعد ذلك أن يقولوا كلمتهم ويقولوا رأيهم كذلك حتى تستفيد الأخيال من كل ما هو حسن وتتجنب الأخطاء.

هذا الجو المشحون بسوء الظن والشك قدم للأحداث التي وقعت في ذلك اليوم وفي الأحداث التي تلته.

أما الحوادث أو الوقائع التي سبقت هذه الأحداث فمما أذكره منها أنه عقدت سلسلة من الاجتماعات في دار الإخوان المسلمين بالحلمية في قسم الطلبة،وكانت كلها تعد للاحتفال الذي سيعقد في الجامعة، وما قد يصاحبه من احتمال وقوع صدام بين الإخوان المسلمين وهيئة التحرير والمنظمات الأخرى.. ونتصادف وجود نواب صفوي زعيم الشباب المسلم في إيران وكان الشاب الغ الحماسة والشجاعة وكان من أعداء أنفسهم لمواجهة هيئة التحرير إذا بدأت بالعدوان.

واجتمع في حرم الجامعة عشرات الآلاف من الطلبة وارتجل نواب صفوي خطابا ثائرا حماسيا، ثم تكلمت بعده وكنت كشأني حادا في كلامي لكنني لم أنل رجال الثورة بسوء، بل طالبتهم بالإسهام في المعركة ضد الإنجليز كما طالبتهم بالحكم الديمقراطي وكررت ندائي بالتزام الحياد بين الشرق والغرب.

وبينما كنت ألقي خطابي همس في أذني أحد حرس الجامعة ونبهني بأن خصومنا سوف يدخلون من باب خلفي في المبنى الذي كنت أقف على سلمه، ويعتدون علي، فهمست إلى الإخوة ليأخذوا حذرهم وقاموا على الفور بإغلاق الباب وحراسة مؤخرتنا والعجيب أن الضابط الذي كان يرتب للمؤامرة فقد أعصابه وثار في وجه الجندي منذرا إياه بالويل وأشد العقوبات.

قبل أن ينتهي الخطاب سمعت طلقات نارية صادرة من سيارة كان يستقلها بعض قادة منظمات التحرير، ثم حدث هيجان شديد وتضارب وصياح ضد الإخوان ومع الإخوان وتمكن الإخوان بفضل تنظيمهم من سحق المؤامرة ولاذ أفراد المنظمة ومن كان معهم من رجال المباحث السرية بالفرار.

عدت إلى بيتي حينا على هذه النهاية المؤلمة التي انتهى إليها الاحتفال الذي كان يذكرني وزملائي بشهداء أنبل وأعظم معركة وظنية وهي معركة التل الكبير.

ولدي وصولي بيتي وجدت زوجتي في رعب شديد لأنها سمعت طالبا جامعيا يقول لآخر بصوت مرتفع: لقد أطلق الرصاص على حسن فسقط على الأرض وكسرت ثناياها..ومضت ساعات ثقيلة سوداء كنت أتوقع منها أحداثا تبشر بالسوء وهذا ما حدث.

اعتقال يناير سنة 1945

كنت أتوقع أمرا لكني لم أكن أتوهم ما حدث لي تلك الليلة، فقد أغارت على بيتي شلة من رجال المخابرات وانتزعوني من زوجتي التي لم يكن قد مضى على زواجي منها أكثر من ستة أشهر.. كنت رابط الجأش ثابت الخطى، وأنا أمضي إلى عربة الشرطة العسكرية ومضت بي العربة إلى السجن الحربي 111 السجن الذي سجل تاريخه مأساة مصر كلها؛

المأساة التي أودت بتاريخ أمة عظيمة وحطمت كبرياءها وعصفت بكل معاني الإنسانية هذا السجن ليس كمثله باستيل فرنسا وليس كمثله معسكرات الاعتقال في عهد الستالينية في روسيا بل وليس كمثلة المستعمرات التي كان يساق إليها المستعبدون في أفريقيا إنه قطع من نار جهنم خرت على الأرض ولكنها سلطت على الوطنيين وأصحاب الرأي الحر، والمؤمنين بكل فكر وعقيدة لا تقدس شخص عبد الناصر.

لقد أفرغ الإنسان وآسف إن قلت إنه إنسان ولكني كنت أراه أمامي برجليه وعينية وقوامه إنسانا.. أفرغ .. هذا الإنسان كل رصيده من الزور والفجر والحقد في هذا السجن، فلم يأبه لأي شيء ولم يأذن للإنسانية ولا للخلق ولا للدين، ولا لأي قيم أيا كانت هذه القيم أن تحكمه..

هذا السجن شهد على مدى حكم عبد الناصر من العذاب مالا يخطر على بال إنسان وما لا يتخيله أي مخرج سينمائي لقد كان زبانية السجن للأسف الشديد من بعض رجال الجيش ضباطا وجنودا، وكان ضحاياه ضباطا مثلهم وجنودا ومواطنين كان لهم رأي أيا كان هذا الرأي رأي لا يرضاه عبد الناصر كان منهم شيوعيون، ومسيحيون، ويهود، و حزب مصر الفتاة ، وحزب الوفد والإخوان المسلمون ولقد أخرت ذكر الإخوان لأن ما لاقوه جب ما قبلهم فصار هم شعار ضحاياه لأنهم من حيث العدد كانوا أضعاف الآخرين وكذلك من حيث العذاب..

كما شهده الكثير من رجال وزعماء الأمة العربية شهده مثلا زعماء اليمن الذين كانوا من طلائع الثوار ضد خصومه فلما تجرءوا وأيدوا آراء لا تعجب عبد الناصر أرسل بهم إلى جنهم مصر .

وما وقع لعشرات الآلاف من المصريين وغير المصريين في السجن الحربي لا تتسع له الآلاف من المجلدات فكل ساعة قضاها كل مواطن في هذا السجن يمكن أن تشكل كتابا أو فيلما سينمائيا مرعبا.

وليسمح لي القارئ أن أقول إنه لو أردنا أن نقيم حكم عبد الناصر ، فإن أول ما أضعه أيام المؤرخين هو السجن الحربي، والسجون التي تناسلت منه ومضت على طريقه وما أكثرها.. وبعد ذلك ليكتب المؤرخون آلافا من الكتب وآلاء ومآثر عبد الناصر.. فإنها مهما بلغت فلن تزن ريشة واحدة في كفة ميزان، تحمل كفته الأخرى جبلا من حديد.

وما سأذكره هو سطر من عشرات الكتب كان بإمكاني تدوينها لولا ضعف ووهن شيخوخة، وخشية أن تقضي الذكرى المرعبة على هذه البقية الباقية من حياتي. ثم حرصي على أن أخفف عن القراء وقع هذه الآلام. والسطر الأول كان هينا لينا بالنسبة لما سأكتبه فيما بعد، فقد كان الاعتقال الأول ترويضا لنا على المعتقلات الأخرى وكان بالنسبة لنا تمهيدا لما لقيناه فيما بعد.

أعود إلى أول الطريق فأقول: لقد ساقوني إلى السجن الحربي وألقوا بي في زنزانة ضيقة كان بها سريرا وقلة ماء، وأقفل على الباب، ولم أكن أسمع ولا أرى ما يجري حولي اللهم، إلا أبواب زنزانات تفتح وتغلق، وكان من حسن حظي وفضل الله علي أن جعل القرآن أنيس هذه الآلام.

والسطر الأول كان هينا بالنسبة لما سأكتبه فيما بعد، فقد كان الاعتقال الأول ترويضا لنا على المعتقلات الأخرى، وكان بالنسبة لنا تمهيدا لما لقيناه فيما بعد.

أعود إلى أول الطريق فأقول: لقد ساقوني إلى السجن الحربي وألقوا بي في زنزانة ضيقة كان بها سرير وقلة ماء وأقفل على الباب ولم أكن أسمع ولا أردى ما يجري حولي، اللهم إلا أبواب زنزانات تفتح وتغلق وكان من حسن حظي وفضل الله علي أن جعل القرآن أنيس هذه الوحشة، فقد تيسر لي مصحف صغير استطعت أن أخفيه من الحراس فعشت معه طيلة أيامي، وقد كنت أختم المصحف كل ثلاثة أو أربعة أيام..

لقد أمضيت في هذه الزنزانة ثلاثة أسابيع لا أرى ضوء الشمس ولا أتنفس الهواء النقي، ولا ألتقي بزملائي إلا عندما يؤذن لنا في قضاء حاجتنان وكان محظورا علينا الكلام بأي شكل من الأشكال.

بعد يومين من اعتقالي فتح لي باب زنزانتي بعنفس ودفع إلى بصحيفة يومية، وقال لي الضابط بسخرية مبروك عليك وكانت المفاجأة عندما شهدت صورتي في الصفحة الأولى عبارة عن رأس من بين عشرة رءوس أخرى أكر منها الأستاذ الهضيبي والأستاذ عابدين ، ثم بيان ضخم عن حل الإخوان المسلمين قرأت البيان فإذا به مجموعة من المغالطات والأباطيل والحجج المختلفة.. خلاصتها أنه عقد اتفاق بيني وبين الأستاذ عابدين وآخرين من الإخوان واتفقنا على التآمر على الحكومة وأن احتفال الجامعة كان بداية التآمر.

أدركت وقتها أن مؤامرة ما تدبر لنا، وأننا ما تدبر لنا وأننا معرضون لمخاطر شديدة بعد أيام من اعتقالنا نودي على مجموعة من قادة الإخوان كنت بعد أيام من اعتقالنا نودي على مجموعة من قادة الإخوان كنت من بينهم وعزلنا عن بقية الإخوان فيما يسمى بالشفخانة، فأيقنا أننا ماصون إلى محاكمة مصطنعة، وكنا نعامل معاملة طيبة لكن لم يكن ليسمح لنا باللقاء الثنائي أو الجماعي، وكانت روحنا المعنوية عالية، وثقتنا في أننا على حق لا حدود لها.

وعلى خلاف ما كنا نتوقع لم يحقق معنا، وبالتالي لم نقدم للمحاكمة، بل خففت عنا القيود وسمح لنا بأكثر من فسحة يومية ثم سمح لنا بالصلاة جماعة في إحدى الزنزانات.

بمجرد أن التقينا فكرنا في اتخاذ موقف لنواجه به هذا الافتراء ونرد به على عبد الناصر وانتهى بنا التفكير إلى أن نكتب رسالة إلى صحيفة المصري نطالب عبد الناصر بأن نبتهل نحن وإياه أمام الله لنجعل لعنة الله على الظالمين وتمكنا من تسريب الرسالة إلى الخارج ونشرت الرسالة، وكان لها وقعها العنيف على عبد الناصر ومن كانوا على شاكلته من رجال الثورة..

وكان رد فعلا علينا تقفيل الأبواب وحرماننا من الفسح اليومية لكنهم لم يمدوا أيديهم إلينا بالسوء لأن الأوامر لديهم كانت تقضي بمعاملتنا بالحسنى ومما أذكره أن أحد الضباط تجرأ ولكم أحد المعتقلين، فاعتذرت عنه الإدارة بشدة..

وهذا يدلنا على أن أوامر التعذيب والقتل كانت تتنزل من الجهات العليا وهي لم تكن غير شخص عبد الناصر.. الذي كان كما اعتقد غير مستعد لمواجهة حركة الإخوان بالشدة لأن معركة مع محمد نجيب وبعض خصومة من ضباط الجيش كخالد محيي الدين لم تكن قد انتهت ثم إن الأحزاب السياسية كانت تقف له بالمرصاد. فلما تمكن من الإحاطة بنجيب وضرب الأحزاب وتخويفها أدار الكأس بكل مرارته على الإخوان.

حدثت تقلبات في خارج السجن وذلك بعد أن قاد المرحوم عبد القادر عودة مظاهرة ضخمة ضد دكتاتورية الحكم وطالب رجال الثورة بالحياة البرلمانية والإفراج عن المعتقلين السياسيين وقد ناصره في هذه الانتفاضة الشعبية رئيس الجمهورية محمد نجيب ووجد عبد الناصر نفسه محاطا بكراهية شديدة من الشعب والجيش ففكر بدهائه في التراجع أمام الإخوان فأصدر قراره بالإفراج عنا جميعا وكان ذلك بعد ثلاثة أشهر من اعتقالنا.

أحداث سنة 1954

خرجنا من المعتقل مجللين بهامات النصر، وكان الشعب فرحا بالإفراج عنا، ولكن عبد الناصر كان يخشانا أيما خشية ولذلك لم يفوت يوما واحدا في إعداد العدة لجولة أخرى .. وقد تمكن بدهائه من عزل نجيب عن الشعب، كما تمكن من استرجاع سلطانه على الجيش، كما شكل له جهازا محكما من الحرس الوطني.. ثم بدأ يلمز الإخوان ويسئ إليهم، كما بدأ يجرب قوته فاعتقل أفرادا عاديين من الإخوان ثم أفرج عنهم.

كما بدأ يراقبنا في بيوتنا وفي أعمالنا ويضيق علينا أسباب الرزق.. وفطن الإخوان للمؤامرة فبدأوا يعدون عدتهم لمواجهة حاسمة مع عبد الناصر فاستعادت الأجهزة السرية تشكيلاتها وتنظيماتها .. وكنا نشعر أننا في موقف المدافع عن النفس والمال .. وعبثا حاول العقلاء تخفيف ضغط عبد الناصر..

فقد كان الرجل يشعر أن معركته مع الإخوان معركة حاسمة بالنسبة لحكمه ومستقبلة السياسي، وقد عبر عنا في إحدى جلساته «إذا لم نتغدى بهم فسوف يتعشون بنا» وأعتقد أن شخصية عبد الناصر كانت كافية لخلق هذه المعركة لأنه كان يؤمن بالحكم الفردي المطلق الذي لا ينبغي أن يشاركه فيه أحد..

وأعتقد أن أعداء الأمة وأعداء الثورة وأعداء الإخوان ساعدوا عبد الناصر بالدسيسة والدعاية ليخوض معركة ضد أكبر قوة وطنية في مصر ، قوة ضربت اليهود في فلسطين وضربت الإنجليز في القناة، وأثارت الشعوب العربية والإسلامية ضد المستعمرين.

ولقد كان لي دور ما في هذه المعركة ولسوف أذكره بأمانة وصدق دون انتصار لنفسي أو تحامل على غيرى.

في يوم الجمعة السابع والعشرين من أغسطس سنة 1954 ذهبت لصلاة الجمعة في مسجد الروضة بالمنيل وجلست بين المصلين وكنت على غير استعداد لإلقاء الخطبة في ذلك اليوم، إلا أنه كانت تراودني معان وددت أن لو أخاطب بها الناس وخاصة الإخوان منهم، وكنت أميل ما أكون لتهدئة الجو ما بين الحكومة والإخوان؛

كانت هذه المعاني تملأ على نفسي ومشاعري ويبدو أن المقادير كانت تعدني لأن أنقل ما في نفسي إلى الناس، وجاءت الفرصة فقد اعتذر خطيب الجمعة عن إلقاء خطابه أو تغيب، هذا ما أذكره الآن، فاتجهت الأنظار إلى، فاستعرت طربوش جار لي وهو مفتش بوزارة التربية، وصعدت المنبر، وكان خطابي موجها للحكومة بالنقد لأنها تعتقل الشباب المسلم، وفي نفس الوقت وجهت إليها نصائح لتلتزم طريق الإسلام، أنه أجدى لها وأنفع وحذرتها من سلوك مسلك كما أتاتورك..

كما تحدثت عن سياسة الحياة بين الشرق والغرب وحذرتها من الدخول في أحلاف عسكرية وتحدثت إلى الجمهور الذي كان يستمع إلى بانصات كبير وطالبتهم بالالتفاف حول الحركة الإسلامية .. كما نصحتهم بعد استعمال العنف مع رجال البوليس الذين كانوا قد ضربوا سياجا حول المسجد وأحاطوا به من كل جانب... ولقد خاطبت رجال البوليس ورجوتهم ألا يصطدموا بالمصلين، وأن يدخروا رصاصهم لمواجهة عدونا جميعا الإنجليز.

انتهت من خطابي بعبارات حماسية ألهبت مشاعر الشباب، وما أن انتهيت من الصلاة، حتى أمسك بي ضابط مباحث وعلى الرغم من نصيحتي إياه بعدم استثارة الجماهير إلا أنه دفعني بيده فانتبه الناس له، وبدأوا يكيلون له الكلمات ثم حاولوا تخليصي منه بالقوة؛

وكدت أهلك بين الإثنين وحدث هرج كبير في ميدان الروضة وأطلقت النيران لإرهاب المصلين ثم هدأ الموقف بعد أن قبض على وعلى من نالتهم يد رجال الشرطة من المصلين ثم هدأ الموقف بعد أن قبض على وعلى من نالتهم يد رجال الشرطة من المصلين والمارة..

وسيق بي إلى قسم الروضة.. وفي المساء ونقلت مع زملائي إلى سجن القلعة الرهيب، والذي شهد مذبحة المماليك المشهورة .. وهناك زج بي وبزملائي في زنزانات انفرادية .. ثم بدأ التحقيق معنا، والواقع أن النيابة كانت ملتزمة بالقانون، ولم ينلني ولا زملائي أي سوء باستثناء تهديدات مبطنة من أحد ضباط الجيش.

في اليوم التالي أرسل بنا إلى سجن مصر ، بعد أن قررت النيابة حبسنا احتياطيا على ذمة القضية وهناك لقينا معاملة عادية، ثم جاءتنا عريضة اتهام وكانت العقوبة المطلوبة توقيعها عليها بالسجن ثلاث أعوام لمحاولة قلب نظام الحكم بتحريض الناس باستعمال آلات مكبرة فأعددت دفاعا قويا وتمثلت نفسي وأنا ألقي بخطاب سياسي أمام المحكمة والجماهير تتطلع إلى باهتمام والصحف تنشر لي وتصورني.. ولم أكن أفكر فيما سيحكم به علي لأنني كنت أعلم أن الأحكام السياسية حبر على ورق وهي تتغير بتغير الظروف.

ثم تغير الوضع بالكامل بعد وقوع حادث المنشية الذي أدعى فيه أن الإخوان دبروا لاغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية وأنني هنا لست بسبيل تحقيق هذه الحادث وما لابسه من ظروف ولكني سأتناول آثاره بصفة عامة وما نابني منها بصفة خاصة.

وحتى يستجيب القارئ لمنطلقى في معالجة الأمور لأذهب معه إلى تصور أن كل ما قاله عبد الناصر بشأن حادث المنشية صحيح فهل مجرد الشروع في قتل إنسان إيا كان هذا الإنسان يستدعي صب أشد ألوان العذاب على فريق من أبناء الأمة، وعذاب مس مالا يقل عن خمسين ألف مواطن ومن ورائهم أسرهم وآباؤهم وزوجاتهم؛

فعبد الناصر فرد من أفراد الشعب وما قام به من تجميع ضباط الجيش وتغيير نظام الحكم ليس عجبا من الأمر، فقد حاول الكثير من قبله القيام بهذه التضحية ولقوا حتفهم أو سجنوا وعذبوا فإن كان قد حالفه هو وزملاؤه الحظ فهل هذا يسبغ عليه صفة الألوهية أو النبوة أو القدسية .. إن عمر بن الخطاب أوصى قبل موته ألا يقتل إلا قاتله.. فمن يكون عبد الناصر .

أظن القارئ يشاركني هذا القول:

ويتفق معي أنه حسب ادعاء عبد الناصر أن بعضا الإخوان اتفقوا على قتله وأن أحدهم شرع في القتل، ولم يصب عبد الناصر بسوء.. فلم يعدم ستة من خير رجال مصر؟؟ ومن خير علمائها!! ومن خير مجاهديها!!

إن الشيخ محمد فرغلي والشيخ يوسف طلعت كانوا من طليعة المحاربين في فلسطين والقناة، حاربوا اليهود والإنجليز ولم يمدوا يدهم بالسوء للمصرين ثم إنهم حابوا عهود الفساد في عصر الملك وأحزابه واعتقلوا وعذبوا فهم وطنيون ثوريون محاربون...

والأستاذ عبد القادر عودة والأستاذ إبراهيم الطيب من خير المحامين في مصر ، وكان أولهم قاضيا مشهودا له بالعدل الكفاءة والعلم وقد ألف أعظم كتاب عن التشريع الجنائي الإسلامي المقارن، وقد استقال من القضاء ليلحق بموكب الحركة الإسلامية ..

والآخرون الذين أعدموا كانوا من المجاهدين في فلسطين ومن لهم سابقة في كل ميادين العمل الإسلامي والوطني فهل يعدمون لأنهم اتهموا كما زعم عبد الناصر بالشروع في قتل رجل قام بانقلاب ضد ملك ثم بانقلاب ضد قائد الانقلاب محمد نجيب واستولى على السلطة ..

إن جميع القوانين الوضعية المعمول بها في الدول الغربية والشرقية والعربية لا تقصى بعقوبة الإعدام في جريمة الشروع في القتل. فإذا أضفنا إلى هذه القضاة الذين أسند إليهم الحكم في القضية كانوا من رجال الثورة، فهم بحكم وظيفتهم خصوم .

فكيف يكون الخصم قاضيا فإذا أضفنا لهذا التعذيب الذي لقيه المتهمون والذي شاهدت بشاعته في يوسف طلعت الذي تحول إلى كومة لحم مختلط بالدم والصديد من آثار العذاب فماذا يكون الحكم؟؟

لقد حاول عبد الناصر اتخاذ حادث المنشية بداية لمعركة ضاربة ضد جماعة الإخوان المسلمين .. وقد سخر لها كافة وسائل الإعلام وجند لها رجال الجيش والبوليس.. حتى المغنين والمغنيات سخرهم في هذه المعركة لقد استدرجت أم كلثوم لتغني قصيدة كتبت لها وأعدت واستعملت هذه الأغنية لاستثارة الذين كانوا يقومون بتعذيبنا .

فقد كنا نجبر على أن تغني هذه القصيدة صباح مساء في السجن الحربي ونحن نضرب، كما اختار الهضيبي ومنير الدله وبعض قادة الإخوان لهذا الغرض كان مطلع القصيدة «يا جمال يا مثال الوطنية.. بنجاتك يوم المنشية» في هذا الجو المشحون بالدعاية ضد الإخوان بدأ مشوار العذاب والآلام والأحزان والدماء ولم ينته إلا بهاية عبد الناصر .

أما عن مشاهداتي وما لقيته من ألام فساكتفي بذكر طرف منها. سبق أن قلت أنني مسجونا على ذمة التحقيق في قضية مسجد الروضة. وكنت مقدما لمحمة عادية فلما وقع حادث المنشية في شهر أكتوبر أي بعد ثلاثة أشهر من حادث المسجد والخطاب، وشكلت محكمة الشعب لمحاكمة الإخوان الذين اتهموا بتدبير حادث المنشية؛

وكذلك الذين اتهموا في حوادث أخرى أو ثبت صدقا أو زورا أنهم كانوا منضمين للجهاز السري.. أوحى إليهم شيطانهم بسحب أوراقي من المحكمة العادية وتقديمي وزملائي لمحكمة الشعب... ولما كانت التحقيقات تجري تحت السياط في السجن الحربي فقد استدعوني وزملائي لأشهد أبشع ألوان العذاب.

دخلت السجن الحربي تحت جنح الظلام الحالك فاستقبلنا من عند الباب الداخلي بوابل من الكرابيج وركل وضرب وسباب أقسى من الضرب ومن الكرابيج لأنه كان ينال من الأم والأب وكان الضرب منسقا وعلى وتيرة واحدة؛

فمثلا كان الكرباج يسقط فوق رؤوسنا دون أن يمس أبصارنا ومع هذا فقد فقد بعضنا أعينهم لعدم الحكمة من التصويب وهذا يدل على أن هؤلاء الجنود كانوا قد دربوا بدقة ولمدة طويلة على كيفية الضرب، وكذلك الأمر بالنسبة للشتائم فكانت معظمها محفوظة لديهم، وكانت عبارة «يا مختلس الوطن» شائعة بين صفوف الجنود.

جرى تفتيشنا بدقة وتحت وابل من الكرابيج والشتائم ثم أوقفونا في طابور طويل، وطلب منا الجندي أن نذكر أسماءنا فلما ذكرناها ضربنا وطلب منا أن نتسمى بأسماء مسيحية فاخترت اسم المسيح لاحظ جندي أحد إخواننا الملتحين وهو الحاج حمزة فأمره بأن ينتف شعر لحيته شعرة شعرة، في حين كانت الأوامر تقضي بحلق شعرنا بمكينة درجة واد فكنا كالصلع شاهدت على بعد خطوات مني المرحوم الأستاذ طاهر الخشاب المحامي وقد أمسك جندي بكرافتته وأمره أن يرقص رقصة القرد وكان الرجل وافر الجسم فكان يعاني بشدة من الحركات الراقصة.

دفعوا بنا إلى زنزانات ضيقة تتسع الواحدة إلى ثلاث أو أربعة ولكنهم كانوا يزحمونها بضعف هذا العدد وفي هذه الزنزانات عشت أربعة أشهر من الرعب والخوف وعاش غيري عامين منهما ستة أشهر لا يكاد العذاب فيها أن ينقطع، ثم خف العذاب الجسدي تدريجيا وتبقى العذاب النفسي إلى أن تم الإفراج عنهم.. ولأجرى بسرعة على بعض ألوان العذاب التي ذقتها والتي شاهدتها عيناي ولأترك ما لم أشاهده بنفسي وإن كنت قد سمعت قصصا من العذاب الرهيب الذي تعرض له بعض إخواننا...

أما زبانية السجن الحربي فكانوا وللأسف الشديد من ضباط وجنود الجيش وأعتقد أنهم اختيروا لهذه المهمة إلا لأنهم كانوا أهلا لها.. كانوا قساة غلاظ القلوب بل لا قلوب لهم على الإطلاق وكنت وما زلت أشعر أنهم كانوا دخلا على وطننا، وعلى جيشنا وعلى ديننا وعلى قوميتنا فهم ليسوا منا في شيء ولو أفردت كتابا حمزة البسيوني قائد فرقة التعذيب لخانني القلم ولما اتسع لي الورق فهذا حمزة البسيوني عبارة عن كومة لحم أبيض وشعر أصفر كثيف يسقط فوق وجهه بال تنسيق وله شارب أصفر يملأ نصف وجهه وعيناه متداخلتان وله مشية غريبة لا تنتمي للعسكرية في شيء؛

وهو لا يكاد يفهم ما يقول هذا الحمزة كان يجول داخل السجن تحف به مجموعة من الكلاب الجارجة تدين له بالولاء له كان يسير خلفه بعض من زبانيته وأشهرهم أمين ومحمود ودياب.. وعشرات من أمثالهم وكانوا مسلحين بكرابيج ومسدسات وألسنة أقسى من الكرابيج ومن المسدسات والعجيب في الأمر أن خطة التعذيب كانت متناسقة كأنها مأخوذة من كتاب واحد.

يبدأ العذاب بحفل الاستقبال الذي لا يعفى منه أحد...يحشر المتعقلون في حجرات ضيقة قذرة. يحرمون من دورات المياه وقد يمضي على الواحد منا يومان دون أن يسمح له بقضاء حاجته.. وكانت الغرفة مزودة بإناء صغير من الماء للشرب وآخر مثله لقضاء الحاجة وهم مصنوعان من المطاط ولم يكن وعاء قضاء الحاجة يتسع لأكثر من لترين ويمتلئ في ساعات قلائل ونعيش في عذاب ومعاناة إلى أن يؤذن لنا وتحت لسع الكرابيج بالذهاب إلى دورات المياه، وكثيرا ما نذهب ونعود دون أ، نتمكن من قضاء الحاجة.. إن هذا اللون من العذاب عانينا منه أشد معاناة ثم أنه تسبب لنا في كثير من المتاعب الصحية التي يعاني معظمنا منها إلى الآن.

ومن أشد ألوان العذاب أننا كنا نسمع صراخ المعذبين وضراعتهم فكان كل منا يتوقع نفس المصير.. وكان مناداة واحد منا تعني أنه سيساق إلى عنبر (4) المخصص للتعذيب فنودعه في صمت ودعاء وتشجيع بالعيون وليس بالألسة مخافة أن يضطرلأن يبوح بعبارة تتسبب في تعذيبنا فمثلا أذكر أن أحد المعتقلين قال: هل نحن فراخ فنحشر هكذا فاضطر زميله لينقل هذه العبارة إلى معذبيه فاستدعى المسكين ولقن درسا لم ينسه طول اعتقاله.

كان مجرد مرور حمزة البسيوني على زنزانات المعتقل بسبب لنا رعبا قاتلا.. أما إذا طاف بالزنزانات فالويل كل الويل لمن لا تروقه وقفتهم أو لا تعجبه تحيتهم العسكرية ولقد لقيت من زيارته الأمرين فكان بمجرد أن يراني ينالني بكرباجه، وبلسانه القاسي وكان دائما يسخر من خطبي ويهددني بسوء المصير.

أما العذاب الأكبر فكان يجري في السلخانة التي أعدت بكافة وسائل العذاب والتنكيل ولأنه نالني قسط ليس بالكبير من هذا العذاب فإنني أكتفي بذكر بعضه، متجنبا ذكر ما لم تره عيناي.

استدعيت ذات يوم لعنبر (4) فأدركت أنني مقبل على محنة عنيفة فاستجرت بالله وسألته العافية والرحمة... ساقوني بكرابيجهم إلى الحجرة رقم (4) وكانت معدة للون من العذاب ولأذكر ما جرى لي فهو يصفها لحد ما، طلب مني تحت لسع الكرابيج أن أعتلي كرسيا عاليا ثم حملني بعضا لزبانية وعلقوني بين كتفي ورجلي بحبال مدلاة من سقف الحجرة..

وحشد ثلاثة من زبانيتهم ومسحوا جسدي بكرابيج تناولتني من قدمي إلى رأسي، ولما أعلمتهم أن، بجسمي جروحا نتيجة لاستئصال الكلية تجنبوا موضع الجرح ولقد كنت لحد كبير صبورا على العذاب الذي استمر لساعات

ثم أنزلوني وطلبوا مني أن أعمل «محلك سر» لمدة طويلة.. ثم أرسلوا بي إلى زنزانة وجدت بها الدكتور خميس حميدة وكيل الإخوان المسلمين ، فخفف عني الرجل بنظراته الحانية وفجأة فتح الباب ودخل منه رجل جسيم وتقدم مني وقال لي بصوت غليظ: أنت كنت عايز عمل وزير ياس حسن؟؟

ولا أدري كيف أجبته بقولي:

لوعذبتموني ثانية ما قبلت أن أكون وزيرا.. ثم أجهشت بالبكاء.. فجلس الرجل إلى جانبي وعرفني أنه علي شفيق ياور المشير عامر... وبدأ يتحدث بتعال واعتزاز وقال فيما قال: لقد طلبت منهم أن أحضر عبد الحكيم عابدين في صندوق ولكنهم رفضوا ثم ختم حديثه بنفس اللهجة التي بدأها والعجيب أن علي شفيق قتل بيد عصابة في لندن بعد أن سرقوا منه مليون جنيه، ثم شحن في صندوق إلى مصر ثم اختلفت الأسرة وتقاضت فيما بينها بشأن تكاليف شحن الجثة في صندوق.

عدت إلى عنبر ثانية، ثم اشتدعيت بعد أيام وعلقت في نفس الغرفة خصص لي أبعة أشداء فأذاقوني أشد العذاب والغريب أنهم كانوا يطلبون مني أن أصرخ وأستغيث بشدة لا أدري ما السبب، وإن كنت قد علمت فيما بعد أن كانت تسجل أشراط بصراخنا لتذاع ثانية من قبيل المتعة والتشفي عند كبار المسئولين.

بعد أيام استدعيت مع ثلاثة من أصدقائي وزملائي وطلب منا نحن الثلاثة أن نرفع أرجلنا لأن القائد العام قد صرف لكل منا مائة كرباج فستسلمنا، وقال لنا الجندي المنفذ وكان الجاويش أمين وهو أقساهم وأغلظهم قلبا، سأضرب كل واحد ثلاثين جلدة، فمن يتحملها ولا يصرخ سأكتفي بهذا القدر أما من يصرخ فسوف أضاعفها إلى المائة، ولقد تمكنت من تحمل الثلاثين. ولكن بعض زملائي بدت منهم آهات فأملوا العد إلى المائة.

كان من عادتهم المناداة على العيادة الطبية فكان المضطرون يخرجون للقاء الطبيب متحملين الإيذاء والعذاب... وفكرت في الاستعانة بالجورح الظاهرة في جسدي لأستعين بالطب لعله يخفف عني بعض ما ألقى من عذاب ولكني آثرت السكوت خوفا من الضرب وذات يوم ناداني أمين فتوقعت جولة أخرى من العذاب ولكنه طلب مني أن قابل ضابطا يدعى عمران فقال لي الضابط بمجرد أن رآني: هل أنت مت؟؟ فعجبت من سؤاله.

ولكني علمت فيما بعد أن إذاعات خارجية أذاعت خبر وفاتي من التعذيب كما أذاعت السودان خبر مفاده أنني فقدت بصري.. فخطر لي أن أستفيد من تساؤله وقلت له: الحمد لله أنا بخير فعاد يسأل: ولم يقولون انك مت؟ قلت له: لأنني أعيش بكلية واحدة ولعل هذا هو السبب فيما قالوا؟ ثم صرخ في أمين: هل عذبت؟؟ فطبعا أنكرت.

أمر الضابط عمر بعرض على الطبيب فاستدعيت في اليوم التالي ومثلت أمام الطبيب وعلمت عرضا أنه شقق علي شفيق فقلت له همسا: إزي علي!! فقال وهل تعرفه فأشرت برأسي ما يفيد أنه صديقي فأكرمني الرجل بأن أحالني إلى الشفخانة.

وحتى أخفف عن القارئ وطأة الحوادث. أذكر له قصة مبكية مضحكة كما يقولون...يوم أن عرضت على الطبيب، أوقفوني مع زملائي في طابور وكان بعضنا لا يستطيع الوقوف من شدة الإيذاء وكان منا رجل كسرت رجله في حرب فلسطين ومع هذا كان يجبر على الوقوف برجل واحدة، بل أمرونا بأن نقوم ونقعد بحركة لولبية واحدة..

فتوسل بعضنا إلى الطبيب ليؤذن لنا في الجلوس فاستأذن الطبيب من رؤسائه ففكر في حيلة ذكية وطب منا أن نستمر في الوقوف والجلوس لأن اللعبة قد أعجبته حتى لا يتهم بعصيان الجاويش أولانا ظهره وأخذ يحرك كرباجه إلى أعلى وأسفل وأمرنا بالتحرك مع الكرباج فدهش الجاويش والدكتور من منظرنا وظن أن بنا لوثة فأمرنا بالجلوس، ولم يحرم دياب من كرباج حاويشه فقد ضربه لعصيان أوامره.

بعد أن كشف علي الطبيب وتبين له أنني اعيش بكلية واحدة أحالني إلى الشفخانة وهناك وجدت مجموعة من إخواني الذين كانوا يعالجون من آثار التعذيب ليعدوا للمحاكمة وكان منه صلاح شادي الرجل التقي الورع الذي تحمل ما لم يتحمله آلاف الرجال من العذاب والإيذاء وفي الشفخانة جرت أحداث سريعة ومروعة؛

فقد جيء بالإخوان الستة الذين حكم عليهم بالإعدام وأودعوا في زنزانات منفردة وتحت حراسة مشددة وظلت حجراتهم مضاءة طول الليل وعشت ليلة تمثل لي فيها القبر الرهيب وهو يضمنا جميعا واستعرضت الرجال الستة الذين كنت أعرفهم حق المعرفة استعرضتهم أمامي وتخيلت ما سيلقونه فروعت أيما روع، وحاولت جهدي أن أنظر إليهم أو ألتقي بهم ولكن الحصار كان شديدا عليهم .. إلا أنني قابلت المرحوم هنداوي دوير الذي حاول أن يهمس إلى بكلمة ما.. ولكن الجنود حالوا بينه وبيني.

وفي فجر اليوم التالي حضر حمزة البسيوني وبصوت المنفر، وأسلوبه الجاف ناداهم الواجد تلو الآخر.. وتمت جريمة إعدامهم رحمهم الله رحمة واسعة ورحم من لحق بهم بعد ذلك ممن قتلوا بالتعذيب أو برصاص الحكومة كما حدث في مذبحة طرة أو مشانقها اللعينة رحم الله الجميع ورحم أسرهم وإخوانهم وأحبابهم آمين.

لبثت عشرة أيام في المستشفى كان استشفاء للجسد،ولكنها كانت عذابا للنفس وترويعا لها.. ثم حضر إلي حمزة البسيوني وساقني بكرباجه إلى السجن وبعد أيام استدعيت مع المجوعة التي كانت معي في سجن مصر وطلب منا لنستعد للمحاكمة ولأن قضيتنا لم يكن فيها سابق تحقيق في السجن الحربي لم تؤثر كما كان يفعل مع غيرنا بأن نقول ما كان يمليه علينا الجلادون.

سبق بنا إلى معسكر قريب من السجن ومثلنا أمام ثلاثة ضباط من ضباط الجيش وبدأت مهزلة ما سميت بالمحاكمة، وكان قد تطوع بالدفاع عني قريب المرحوم الأستاذ أحمد فراج طايع الذي كان يعمل وزيرا للخارجية في بداية الثورة، وسئلت هل ألقيت هطابك في المسجد ولم؟ فأجبت بكل صراحة لأنهم قالوا لي أنهم يحتفظون بتسجيل لخطابي ولم أكن لأخشى من أي شيء ورد في الخطاب وسألني رئيس المحكمة: هل قلت في خطابك اللهم وفق الحاكم للحكم بما أنزل الله؟؟

فأغتظت من السؤال وأجبته بتهكم: لو أنك زرت المسجد يوم الجمعة لسمعت الخطيب وهو يدعو بهذا الدعاء.. وانتهت المحاكمة بعد أن ترافع عني الأستاذ فراج .. وانتهت محاكمة زملائي ثم أعادونا للسجن وقوبلنا بأسلوب أخف من الأسلوب المعتاد؛

وبعد أيام استدعينا لسماع الكم فصدر الحكم علي بخمس عشر سنة أشغال شاقة، وعلى ابن عمي بعشرة أعوام أشغال شاقة وحكم على الآخرين إما بالسجن مع إيقاف التنفيذ أو بالبراءة وبهذا الحكم انتهت مأساة السجن الحربي.. وكنت فرحا إيما فرج بأنني سأخرج من السجن الحربي إلى ليمان طرة، وهو مهما سمعنا من قساوته إلا أنه لن يكون في مستوى السجن الحربي.

وبدأت مرحلة جديدة من المعاناة والآلام لكنها كانت من لون آخر وبأسلوب آخر.

ليمان طرة

يقترن اسم طرة في أذهان المصريين بالرعب والخوف والحرمان حتى أننا كنا نتساب به فنقول «روح جاك طرة» ونزلاء هذا السجن معظمهم من عتاة القتلة أو جرائم السرقة التي يصاحبها العنف، ولذلك فقد كان من عادة إدارة السجون تخصيث سجانة من الأقوياء ليقابلوا القوة بمثلها وكان السجين يعيش قيد الحديد طوال فترة سجنه أي لمدة عشرين سنة؛

ويطلق عليه اسم المذنب، وله رقم معلوم، وكان العمل الرئيسي للسجناء قطع الأحجار من الجبل، هذا السجن كان بالنسبة لنا أملا لننجو من عذاب السجن الحربي، ولننجو كذلك من الحكم بالإعدام..

وتحقق الأمل بالنسبة لي وهو الخروج من سجن تنعدم فيه كل القيم الإنسانية إلى سجن آخر فيه ولو جانب يسير من الإنسانية ثم إن سجن طرة كان محكوما بلوائج ونظم أيا كانت هي، أما السجن الحربي فالحكم فيه للكرباج وحمزة البسيوني ، ولقد لمست هذا الفارق بمجرد أن دخلت سجن طرة؛

فقد شعرت بدفء النظام بغض النظر عن قسوته، ولقد كان السجن لحد ما يشعر بفداحة مأساتنا، فعاملنا معاملة أفضل من معاملة السجناء العاديين، إلا أنه كان يطبق علينا نظمه القاسية بطبيعتها.. ولقد خفف من وطأة السجن علينا وجود مجموعة من إخواننا الذين سبق أن حكم عليهم وكان منهم الأستاذ منير الدلة رحمه الله وأحسن إليه، كما خفف عنا صدور قرار بإلغاء القيود الحديدية بالنسبة لكافة المساجين.

عشنا في هذا السجن ثلاثة أعوام تقريبا انتهت بمأساة رهيبة أفردت لها قسما كبيرا من هذا الكتاب .. أما عن حياتنا في هذا السجن فكان الجانب الطيب منها هو لقاؤنا مع أسرنا بعد غيبة شهور، وبعد عذاب ما كنا نتوقع أننا سنفلت منه إلا بالموت ثم إنه تيسر لنا الكتاب فسعدنا به إيما سعادة، وتيسر لنا الأمان فكنا ننام الليل ولا نسمع الصراخ ولسع الكرابيج أما عن حياة السجن فكانت حياة قاسية فكنا نخرج إلى الجبل صباح ككل يوم لنشارك في تكسير أحجاره؛

وكان طابور الجبل يمثل السخرة والإذلال، لكن التعود عليه خفف عن إخواننا الكثير نظرا لحالتي الصحية فقد أعفيت مع مجموعة من زملائي من الذهاب للجبل كما منعت من الذهاب إلى سجن الواحات الذي خصص لكبار الإخوان ولقد انتفعت كثيرا هذه المزايا فاشتغلت بالقراءة، والكتابة، والتسلي بلعبة الشطرنج.

ولقد حاولنا أن نضع حياة خاصة بنا داخل السجن فشكلنا قيادات من بيننا بعضها يتولى العمل في الجبل والعنبر وكان يتولاها شاب ذكي هو عبد الحميد الخطابي ، وقيادة فكرية كان يشرف عليها العالم الجليل الشيخ حسن أيوب أما القيادة العامة فكانت موكولة لرجل فاضل من قدامى الإخوان هو الأستاذ أحمد البس وكنت أتولى التوجيه وأدلي بالمشورة وكان يشاركني هذا الأمر الدكتور محمود الشادي والأستاذ عبد الحليم حسين والأستاذ محيي الدين عطية وآخرون من الكرام.

بمجرد أن استقر بنا المقام في السجن وتضاءل لي الأمل العاجل في الإفراج عنا، والذي كانت تغذية الإشاعات التي كانت ترسل إلينا تباعا تبشرنا بالإفراج عنا، بدأنا نتدارس قضيتنا، ونتدارس أوضاعنا وقد بدأنا هذه الدراسة همسا لأننا كنا نخشى أن نتهم بالتمرد لوجود معظم أعضاء مكتب الإرشاد، وأن هذه القيادة تستمد شرعيتها من المرشد الذي كان قد أفرج عنه..

وكانت القيادة المحلية لها جانب من الاحترام لأنها كانت على علاقة بقيادة الوحات هذا الهمس بدأ من بعض الشباب المثقفين.. وكان السؤال الحائر: لم دخلنا السجن؟؟ وهل كنا على حق في كل تصرفاتنا؟ ثم ماذا سنفعل في غدنا؟

وكان السؤال الفكري المحير: هل نحن جماعة المسلمين أم نحن جماعة م المسلمين؟ كل هذه الأسئلة كانت تناقش بين الشباب المثقف والشباب المتفتح.. وكان من طليعة هؤلاء الدكتور محمود الشادي والدكتور سليمان حجر ، والمهندس وجيه حسنين والأستاذ محي الدين عطية..

وكنت أشترك في هذه المناقشات لكنني لم أوافق على إنقاذها إلى جمهور الإخوان وخاصة أنهم بداخل السجن.. وكان جمهور الإخوان من المتعلمين وغير المتعلمين يميل إلى إقناع النفس بمسلمات ليستريح نفيسا ومعيشيا في السجن من هذه المسميات: إن الأوامر والتوجيهات تكون من القيادة فقط؛

وأن هذه القيادة قادرة على حل مشاكلنا وأهما أنها ستتمكن م الإفراج عنا، وأن النصر آت لا ريب فيه، وكان النصر يتمثل في العودة إلى دار الإخوان المسلمين ثانية، وهزيمة حكومة عبد الناصر .. هذان اللونان من التفكير انتشرا في كل السجون وكان أشدها وطأة سجن الواحات.. ولقد انتهى هذا التفكير إلى ظهور فريق المعارضة وفريق التأييد وما صاحب ذلك من متاعب لا حد لها.

ولو أن قيادة الإخوان استجابت لهذا الحوار الفكري لحصلت منه فائدة كبيرة، ولكن بعض هذه القيادات أقفل أبواب المناقشة خشية الفتنة فكان من نتيجة هذا الخطر، أن طغت الخلافات وانتشرت واستغلتها الحكومة أيما استغلال ولو أن الشباب الذي تبنى المناقشات الحرة المفتوحة تصرف بحكمة مع القيادات، ولم يعمل على إدانتها بشدة على تصرفاتها، وهي تعاني مرارة السجن الحرمان لكانت المناقشات قد آتت ثمارا أفضل وخرجنا بحصيلة عظيمة.

ومع هذا كله فإنني أعتقد أن هذه المناقشات حملت الكثير من جمهور الإخوان على الاعتقاد بأنهم جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين.

ولكن مما يؤسف له أن هذه المناقشات انتهت إلى خلافات حادة داخل السجن، فرقت بين بعض الإخوة، وخاصة في الواحات حين الجو المفتوح.. وإن كنت قد لمست أن هذه الخلافات كان السجن من الأسباب الرئيسية في خلقها فلما أفرج عنا بدأت تذوب؛

ولعل من أسباب تبدد هذه الخلافات فرية سنة 1965 التي خلفها عبد الناصر ليقضي بها على كل فكر أو تجمع إسلامي هذه الفرية أكدت للجميع أن جمال عبد الناصر كان يهدف إلى ضرب كل تجمع سواء كان إسلاميا أو غاير إسلامي وقد خص التجمع الإسلامي بكل غضبه وسخطه.

وقبل أن أنتقل إلى موضوع آخر أود أن أنقل القارئ إلى داخل عنبر (أ‌)في السجن واصف له مجتمع السجن، وما كان يدور فيه من صراع ومنا قشات فكرية أو عقائدية كان هذا العنبر يضم 180 عضوا من أعضاء الإخوان...

كان معظمهم من الشباب، وكانت معظم تهمهم القيام بتمويل أسر الإخوان بعد اعتقال أرباب هذه الأسر وكانت عقوبة تمويل الأسر تبدأ من خمسة أعوام سجن إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وللعلم فإن من حكم عليه بجريمة تمويل الأسر كانوا أكثر من ثلاثة أرباع المسجونين البالغ عددهم ثمانمائة مسجون..

وكان هذا الشباب على أول طريق الدعوة.. هذا المجتمع الإخواني كان يحتل الطابق الثالث والرابع من المبنى، و.. وكان يشاركنا في سكننا سبعة من الشباب اليهودي الذين كان قد حكم عليهم في قضية لأفوم الشهيرة.

وكان يشاركنا أيضا خمسة من الشباب الشيوعي.وكان يشاركنا أيضا ثلاثة من الشباب المسيحي الذين كانوا ينتمون لجماعة الأمة القبطية وكانوا قد أدينوا باختطاف البابا.وكان يشاركنا في المبنى مساجين عاديون.

هذا الخليط من الناس اضطرتنا الظروف للتعامل معه على الرغم من التباين الفكري والعقائدي ولقد كان تفاهمنا مع كل هذه الطوائف يلتقي عند نقطة الوسط كما يقولون، باستثناء الشيوعيين والصهيونيين فالشيوعيون لا يستطيعون إخفاء كفرهم؛

حتى وإن أنكروه بألسنتهم، إلا أن الحوار الفكري معهم يصطدم بحقائق تنتهي بهم إلى هذه النتيجة مثلا يقدسون كل الماركسية لا يكون صريحة في اتهامها للدين بأنه مخدر لشعوب وأن تحقيق الماركسية لا يكون إلا بتحريم هذا المخدر؛

ثم إنهم لا يؤمنون بالمنهج الماركسي في التطبيق وهذا المنهج يستبعد الدين تماما من أمامه يضاف إلى هذا أن إيمانهم بالوطن الأم روسيا أولى من الإيمان ببلدهم مصر، ويترتب على هذا الإيمان أنهم كانوا ولا يزالون يؤيدون روسيا في كل مواقفها الخارجية وإن تعارضت مع الوطن أو الدين أو الإنسانية ومن لقائاتي الأخيرة بهم وجدتهم ينتصرون للحبشة ضد أرتيريا، ولروسيا ضد أفعنانستان ، وكان ترحيبهم بالخبراء الروس في مصر أيما ترحيب...

من أجل هذا وغيره كان اللقاء بيننا وبينهم مستعصيا أما اليهود فعلى الرغم من وداعتهم وحرصهم على مودتنا إلا أن طبيعتهم المعروفة وهي الغدر والخيانة كانت تجعلنا نخشاهم ونخشى التعامل معهم، ثم إنهم كانوا يعرفون عنا الكثير وكانت سمعتنا في فلسطين ترهبهم ولذلك أوصينا إخواننا بعدم الخوض معهم في مناقشات، كما أوصيناهم بعدم التعرض لهم بالسوء فهم في موقف الضعف وليس من شيمة المسلم انتهاز الفرص.

أما الشباب المسيحي فقد توثقت العلاقة بهم وكنا نوداهم ويوادوننا وكان الهم يجمعنا وهو السجن وكان كره الظلم والظالمين يسد كل الثغرات والحساسيات التي نلمسها في المجتمعات المفتوحة .. ولأن ما عندهم من عقيدة نعرفها كما أنهم يعرفون الكثير من عقيدتنا، فقد احتكما إلى قوله تعال: «لكم دينكم ولي دين».

أما المساجين العاديون فكانوا يتعاطفون معنا كثيرا وذلك لموادتنا لهم ولإشفاقنا على مستضعفيهم والتفاهم المادي مع زعمائهم وخاصة ملوك الجبل لكننا كنا نخشى من تخالطهم في حياتهم العادية، لأن ماضيهم كان له تأثير كبير في حياتهم داخل السجن..

بل إن السجن أضاف إليهم أمراضا خلقية يسرت لها ظروفهم المعيشية وتعامل السجن غير الإنساني معهم وطول الأحكام التي تدعو إلى اليأس من بناء حياة كريمة، ولكم أتمنى أن نعيد التفكير في الأحكام الطويلة فتغليها من قوانينا بحيث لا يتجاوز الحكم أكثر من خمسة أعوام.. يعد فيها السجين إعدادا عسكريا مدرسيا..

فيرغم على النظام ويرغم على التعليم ويرغم على العمل مع تقديم راتب له يتفق مع جهده وتحصله وقبل هذا كله يلقن الدين ويحمل على العمل به.. وبالتالي يمكننا أن نخرج السجين ومعه سلاح ثقافي وسلاح عملي وسلاح الإيمان وهو أقوى الأسلحة وكل سجين ينجح في الدراسة والتدريب يمكن أن تخفف عنه الأحكام لكن قد يقال: وهل تكفي هذه العقوبة لردع القاتل أقول: إن ردع القاتل هو القصاص منه وبالتالي فإن العقوبة التي أذكرها سوف توضع للمجرمين من غير القتلة لأن عقوبة القاتل القتل.

بقي أن نستكمل حديثنا عن السجن الذي وقعت فيه أكبر جريمة في تاريخ مصر.. وهي جريمة تفوق بكثير مذبحة القعلة التي تعرض لها المماليك على يد محمد علي.. فقد كان السجن يدار بمجموعة من الضباط والسجانة...

وليس من العدل أن نعمم الحكم عليهم فنقول أنهم كانوا قساة قسوة السجن لأننا وجدنا من بعضهم معاملة طيبة وكريمة وإنسانية ولكن وجدنا من آخرين غلظة تكاد تعدل غلظة ضباط وجنود السجن الحربي.. وهذه المجموعة الثانية هي التي تسببت في حادث طرة المرعب.

مذبحة طرة

حادث طرة دون مقامات جريمة تفوق كل وصف، ومصيبة حلت بأمتنا لا يمكن تخيلها، وحدث مفجع موجع محزن مؤلم.. قل ما شئت فيه من صفات فإنك سوف تقف مشلولا أمام تصوره وتقييمه.

الصور كاللآتي .. مائة وثمانون شابا حوكموا أمام مهزلة سميت محكمة الشعب كانت التهم الموجة إلى 90% منهم هي تميل أسر الإخوان بعد أن فقدت عائلها ولا تملك حتى القوت الضروري هذه هي تهم ضحايا مذبحة سجن طرة.. وهؤلاء الضحايا كان يتراوح عمرهم بين الثامنة عشر والثلاثين وجلهم من الطلبة الجامعيين.

المكان.. سجن طرة الرهيب.. والضحايا بداخله في زنزانات في الدور الثالث، وزنزانات محكمة القفل تقع بداخل عنبر يحكمه باب حديدي كبير لا ينفذ منه شيء قط ويحيط بهذا العنبر سور ضخم يرتفع عشرة أمتار على الأقل ولهذا السور باب ضخم موصد من الخارج، ويقف على السور جنود من الجيش معهم أسلحة أتوماتيكية حديثة..

فإذا قدر أن هربت من العنبر وهذا مستحيل فلسوف يعترضك الباب الكبير القائم في السور، فإذا قدر ونفذت منه بمعجزة ولن تكون فسيعترضك باب ضخم لا يسمح لإنسان نه بالدخول إلا بإذن من الضابط ويبقى بعد ذلك الباب الرابع وهو باب السجن الضخم وهو باب مركب من حديد وخشب ويقف عليه حراس من أمامه وخلفه هذا السجن يستحيل على أي إنسان أن ينفذ منه.

هذا هو المكان الذي وقعت فيه الجريمة.الزمان الساعة الثامنة صباحا 2 يونيو سنة 1957.أي مبرر يمكن أن يجده الإنسان لهؤلاء الذين اقترفوا حادث طرة هروبنا من السجن؟ هذا مستحيل مائة في المائة. !! التمرد. !!

إن قمعه في السجن معروف وهو الجلد والسجن الانفرادي .. امتناع المساجين عن الخروج إلى الجبل لأداء العمل الموكل إلهيم، هذا عقوبته الحبس الانفرادي والجلد والقصة كما أذكر طرفا منها.. لأن من شهدها وفي مقدوره أن يحتفظ بقدر كبير من الذاكرة فهو إنسان غير عادي،

القصة كالآتي:

كانت قد وقعت مشاحنات بسيطة بين بعض شبابنا وبين ضابط فقط اسمه عبد اللطيف رشدي «هذا الضابط قتل في حادث لا أذكر سببه» وقد جوزي الذين اختلفوا مع هذا الضابط ولكنه حمل في صدره لهؤلاء الشباب حقدا غذاه كبرياؤه الكاذب، وضابط آخر كانت له مناوشات مع شباب الإخوان؛

وذلك لأنه كان يفاضل بين معاملة الجواسيس اليهود وبين الإخوان فلما احتج الإخوان غضب وعاقبهم وسجنهم وضابط ثالث كان همه أن يدفع عن نفسه تهمة أنه كان في يوم من الأيام من الإخوان وليس أمامه من وسيلة إلا تعذي الإخوان والإيقاع بهم وإثارة الفتنة فيما بينهم ..

وضابط رابع كان مريضا في نفسه مجروحا في كرامته يشعر بحقارة نفسه وقد وجد الفرصة ليفرغ هذا الحقد في آخرين لتكون له شخصيته ومكانته.. هؤلاء وغيرهم ممن لا أذكرهم فيما بعد أن هؤلاء جميعا جوزوا من الله في دنياهم أسوأ الجزاء ويا ويل القتلة بين يدي الله.

ننتقل إلى صورة أخرى كان بالسجن جواسيس يهود وكان بعض الضباط يفضلونهم علينا في المعاملة لأسباب سرية فلما طلبنا مساواتنا بهم أسمعنا مطلبنا هذا لخارج السجن خشي المسئولون عن السجن على مستقبلهم فاشتد حقدهم علينا..

وكان في السجن وزج ممثلة مشهورة وهو وزوجتنه كانا متهمين بالاتجار في المخدرات وبعد أن تم الإفراج عن الممثلة تولت رعاية زوجها فكان مدللا بالسجن وكنا نطالب أن نعامل مثل هذا السجين وكانت إدارة السجن تغضب من مطالبنا هذه... وكل هذا الغضب والحقد كان يدخر في صدور هؤلاء الضباط.

ومن الحوادث المؤلمة التي سبقت المجزرة أننا في أثناء الزيارة التي كانت تتم من خلال الأسلاك الشائكة حاول بعضنا تناول مأكولات بسيطة كقطعة لحم مثلا، من خلال ثغرات ضيقة في السلك لا ينفذ منها الأصبع، فاعترض الجندي المكلف بالحراسة على تصرفنا ووقعت مشادة بين الجندي وبين زملائنا فثارت ثورة أحد الضباط وانتهى التحقيق في هذه الجريمة بجلد بعض الإخوان وسجنهم وفي نفس الوقت كان الجنود يحملون الطعام المرسل من الخارج للجواسيس اليهود أو لزوج الممثلة..!!

هذه المشاهد كانت تثير انفعالنا وتؤجج الحقد في صدور بعض الضباط من ضعاف النفوس.وكان عبد اللطيف رشدي وهو من أشد الضباط كراهية لنا مكلفا بحراستنا في الجبل فوقر في صدور إخواننا أنه قد تدبر لهم مجزرة في الجبل يصطنع لها هذا الضابط أسبابها بأن يتهمهم بأنهم حاولوا الهرب وبالتالي من حقه إطلاق النار عليهم.

ثم تكاثرت الحوادث الفردية لدرجة لم يعد هناك شك في أن الأمر لم يعد محتملا، وكان لابد من اتخاذ قرار..قرار يدافع به الشباب عن أنفسهم وبعد تفكير وتروا اهتدوا إلى موقف سلبي وفي نفس الوقت قانوني وهو الامتناع عن العمل احتجاجا على تصرف إدارة السجن معنا ولما كان هذا القرار سوف يكون جماعيا، ومعنى هذا أنه قد يفسر تفسيرا خاطئا؛

فقد قررنا أن يكون التصرف فرديا لا إجماعيا ولقد رأينا أنا ومجموعة من زملائي من الذين يعتبرون في حكم المسئولين عن الإخوان، والتشاور مع جميع الذين سيشتركون في الامتناع عن العمل قبل بدء الإضراب فجلسنا معهم جلسات موسعة نحذرهم من نتيجة تصرفهم هذا وتبين لهم أن الليمان قد يتخذ موقفا متشددا لدرجة قد تصل إلى الجلد والإيذاء الشديد

لأننا لم نكن نتخيل أن هذا الموقف قد يصل إلى معاشر ما وصل إليه لم نكن نتصور هذا لأنه لم يحدث في تاريخ السجون المصرية وعلى حد علمنا في تاريخ السجون جميعا أن يقدم سجن على ما أقدم عليه الليمان ولكننا أغفلنا شيئا واحد وهو أن نظام الحكم القائم الحربي سنة 1954 في اعتقاد أقسى وأغلظ من مجزرة طرة وما بعدها.

وما قبلها في تاريخ مصر، وما حدث في السجن الحربي وقد أبى زعبل سنة 1965 هو شيء فوق تصور البشر.. المهم أننا حذرنا إخواننا من نتيجة موقفهم ولكنهم أصروا.. فأفهمناهم أنه ليس من المصلحة أن نكتب للسجن عريضة ممضاة منا كجماعة.. ولكل واحد منا أن يكتب بخط يده ما يعن له ..

ثم حددنا لهم مضمون الشكوى حتى لا تذهب بهم الشطط.. وانتهى الجميع إلى كتابة شكاوي منفردة إلى النيابة العامة عن طريق السجن أعلنا فيها امتناعنا عن الخروج إلى الجبل خشية أن تتعرض حياتنا للخطر، وقلنا في شكوانا أننا سوف نبقى في غرفنا في انتظار التحقيق معنا، وفي الوقت أبدينا استعدادنا لتقبل الإجراءات القانونية التي يتخذها السجن.. هذا ما حدث بالضبط... أما التفصيلات فلا تتسع لها الكتب العديدة.

نسيت وما أكثر ما نسيت أنني والشيخ حسن أيوب طلبنا مقابلة مدير الليمان قبل المجزرة بثلاثة أيام، ورجوناه أن يحضر إلى العنبر الذي نقيم فيه ليلتقي بزملائنا ويستمع إلى شكواهم ومتاعبهم وخاصة ما يلاقونه في الجبل وكان إلحاحي في طلبه شديدا وملفتا، وبينت له أنني أمثالي من المسؤلين عن الإخوان لا قبل لنا بإقناعهم بالصبر على ما يلقونه من إيذاء.. فوعدنا بزيارة المساجين ولكنه لم يفعل.

وفي اليوم المشئوم خرجنا من زنزاناتنا كالمعتاد وذهبنا فرادى إلى ضباط السجن وسلمناه الأوراق التي كتبناها. ثم عدنا إلى غرفنا ننتظر تصرف الإدارة.. وجاء التصرف بعد قليل بأن أمرنا بدخول الزنزانات ثم غلقت علينا الأبواب.. ومعنى إغلاق الأبواب علينا شيئان، أولهما استسلامنا لنظم السجن تنفيذ القانون علينا؛

وذلك لأن كل زنزانة لم يكن يتجاوز عدد السجناء فيها الأربعة ما عدا زنزانة كبيرة كانت تضم سبعة أو ثمانية أشخاص وهذا كله يعني أن إدارة السجن ولو كانت حريصة على تطبيق القوانين لما ستعصى عليها ذلك، وما عليها إلا أن تأمر كل مجموعة أن تمثل أمامها منفردة...

ثم تتصرف معها كما تشاء .. ولكن الأمر جاء على خلاف ذلك.. ويبدو أن إدارة السجن كانت قد تلقت أوامر من وزارة الداخلية.. لكن ممن؟ الله أعلم.. إلا أن المقطوع به أن التصرف الذي تم معنا وما تلاه من عدم المبالاة بما جرى، وما تلاه من عدم إجراء تحقيق أو اتخاذ إجراء ضد الجناة يقطع بأن الإجراء إنما اتخذ بنا على توجيهات من جهات عليا. جهات عذبتنا وأعدمت العديد منا، وزجت بنا في السجن وطاردت وشردت.

استدعاني مدير السجن من زنزانتي وقال لي بخشونة: عملوها.. قال له: لقد سبق أن قلت لك أن الشباب يرغبون في الاجتماع بك وإسماعك شكواهم، فسكت قليلا ثم أمر بإرسالي إلى غرفة التأديب، فأوجست في نفسي خيفة وتوقعت جلدا وإيذاء واتهاما بتزعم الإضراب..

ثم أحلق بي عبد الحميد الخطابي وهو شاب من الإسكندرية كان معروفا ليدهم كأحد زعماء الإخوان .. وثلاثة آخرون لا أذكرهم.. ثم أحيط العنبر من جميع جوانبه بقوات لا تقل عن ثلاثمائة جندي مدججين بأسلحة نارية ... وأعلنت حالة الطوارئ في السجن، ثم دخل مدير السجن إلى ساحة العنبر الخارجي وأمر السجانة باستدعاء مجموعة من إخواننا أظنهم في حدود العشرة كدفعة أولى ..

ثم أمر بربطهم بالحبال كالبهائم وأن يساقوا للجبل على هذه الصورة تحت حراسة مجموعة ضخمة من الجنود المعززين بالعصى بالغليظة.. فلما رأوا هذا المشهد الرهيب هرعوا عائدين إلى العنبر وانتزعوا المفتاح من يد الجندي وفتحوا أبواب الزنزانات كلها فخرج منها إخواننا ليواجهوا مصيرهم إلا أنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا لأن بال العنبر كان مرصدا عليهم، وبالتالي لن يستطيعوا الخروج من الباب المفضى للفناء الخارجي والأبواب التي ذكرتها علاوة على وجود قوة كبيرة من رجال الجيش كانت تتربص بهم من فوق الأسوار.

حاول مدير السجن اللواء سيد والي ومساعده طلعت أن يخدعوا إخواننا ليتمكنوا من اقتحام زنزاناتهم ولكن غدره السابق بزملائهم جعلهم يطلبون منه ضمانات حتى لا يكرر ما أقدم عليه.. طلبوا منه أن يقسم بشرفه العسكري على ألا يؤذيهم ويلتزم بتطبيق القانون عليهم ولكنه رفض..

وفي الوقت الذي كان يفاوضهم فيه صعدت قوة من المسلحين إلى الدور العلوي الذي يعلو المكان الذي كان يتجمع فيه إخواننا وبدأت بإطلاق النار.. وعلى الفور التجأ جميع إخواننا إلى زنزاناتهم وأقفلوها على أنفسهم اتقاء النار..

وكان المفروض أن ينتهي الأمر عند هذا الحد لأن الجميع صاروا في قبضة يمينهم ولكن المدهش والمذهل، والسر الذي لا زال أبحث عنه، والسؤال الذي يفتقد جوابا: ما الذي دعاهم للمضي في ضرب النار لأكثر من خمس وأربعين دقيقة والمذهل أكثر وأكثر أنه بعد أن توق إطلاق النار وقتل من قتل داخل الزنزانات، وأمر الجنود باقتحام هذه الزنزانات وقتل البقية الباقية بالعصي الغليظة.. ودارت عملية الطحن والعجن في الشباب بصورة مرعبة.. ولم يرحمهم الصراخ والاستغاثة، ولم يشفع لهم استسلامهم.

بعد أن تصور المدير أن معظم أخواننا قد انتهوا وأنه سجل لنفسه انتصارا تاريخيا أمر رجاله بالتوقف وانتهت المعركة.. فخلفة وراءها دماء وشلاء ومزقا بشرية وأنينا وهلعا ورعبا لا يتخيله العقل قتلى في أحضان جرحى، ومروعون بني القتلى الجرحى، يحالون ادعاء الموت حذرا منه، وأصوات مرعبة، ولعن وسب، وشيء مرعب..مرعب..

القتل في سجن التأديب ولقد عشت ساعات القتل في سجن التأديب.. وعشت ساعات لا أرى الله إنسانا مثيلا لها، ويعلم الله أنني كنت أشد أذني لأتأكد من أنني ما زلت حيا. وأهز رأسي لأتأكد أنني لم أجن.. لقد خيل إلى أنني فقدت عقلي للأبد كانت أمنيتي الوحيدة أن أقتل أقتل على عجل..كنا عاجزا عن تصور ما حدث، وكنت عاجزا عن تقدير ما أنا فيه .

وكنت أضعف من أن أفكر فيما ينتظر إخواني وأنا في روعي وانزعاجي استدعيت لمقابلة المدير.. لم أستطع أن أفكر فقط.. القتل فيه راحة.. قبل أن أقترب من باب المدير لم أستطع أن أفكر فيما سوف يلحق بي.. كنت فقط أتمنى ألا أعذب .. أن أقتل فقط.. القتل فيه راحة..

قبل أن أقترب من باب المدير أمروني بخلع حذائي لأدخل حافيا على المدير فانصعت للأمر ودخلت عيه ففوجئت بوجود صلاح الدسوقي الششتاوي الذي كان يعمل أركان حرب وزارة الداخلية قال لي المدير ما معناه: أنت نفدت بعد ما عملتها قلت له.. أنا جئتك بوم الأربعاء (كان الحادث يوم السبت) السابق وطلبت منك تهدئة إخواننا فسكت المجرم ولم يتكلم ثم أمرني الانصراف ولعل هذه المواجهة دعته لعدم تمكيني من المثول أمام النيابة للتحقيق معي أو سماع شهادتي.

ولتسمع بقية القصة إذا كان بإمكانك أن تسمعها .. اعتبرت البقية الباقية من إخواننا متهمين في القضية!! فساقوهم إلى النيابة للتحقيق معهم.. ساقوا مائة وأربعين سجينا للتحقيق معهم.. بعد أن قتل كم!! واحد وعشرون قتيلا.. وجرح كم .. وأحد وعشرون جريحا.. جن كم .اثنا عشر.. الباقيون شاء الله أن يعيشوا ليقولوا للناس كلمة .. ولعل فيها عبرة.

سبق هؤلاء الإخوة إلى النيابة .. للتحقيق معهم وسؤالهم لم لم تقتلوا؟ أو تجرحوا ولا أعرف شيئا عما قالوه.. ولعله موجود في سجلات النيابة ... وإن كنت أعتقد شيئا عما قالوه.. ولعله موجود في سجلات النيابة.. وإن كنت أعتقد أنها تعرضت للألاعيب لتغطية الجريمة؛

فمثلا: علمت أنهم سحبوا بعض الجثث خارج الزنزانات يعتقلوا لأنهم رفضوا دخول الزنزانات، منطق مذهل وعلمت أنهم طلبوا من سجين أن يشهد بأن إخواننا طلبوا منه أن يجضر لهم ديناميتا لينسفوا السجن .. ولكن السجين يأبى أن يشهد. وهذا السجين كان من المتهمين بالإغارة على المسعكرات البريطانية.

إن القتلة حاولوا إيجاد أي مبرر للقتل فعجزوا .. والسبب بسيط جدا.. فتمرد 180 سجينا من تعداد السجن البالغ أربعة آلاف سجين يمكن قمعة ولو بتركهم في عنابرهم يوما واحدا فهذا فيها الكفاية ليعلنوا استسلامهم وذلك لأن الزنزانات ليس بها طعام أو ماء يكفي لأكثر من يوم واحد.. أو يومين أو ثلاثة!!

ثم يستحيل العيش بعد ذلك ويتحقق نصر الإدارة ؟؟ ولكن القتل والرغبة فيه ... والرغبة في الانتصار في معركة ترضي عنها الحكومة!! وتكافئ عليها برتب أو علاوات أو مناصب .؟.

هذه الرغبة كافية لتيجرد هؤلاء القتلة من كل القيم.. ليتجروا من إنسانيتهم ومن رجولتهم ومن شرفهم، لقد قتلوا رجالا ما أروع رجولتهم، وما أعظم أخلاقهم وما أكرم معدنهم.. قتلوا رجالا كانوا يقدمون الليل سجدا ركعا في سجنهم، ويحملون الأحجار وهم صيام في نهارهم.

قتلوا رجالا منهم من كان يقاتل الإنجليز في القناة ومنهم من كان يقاتلا لصهيونية في فلسطين ومنهم من كان يقاتل البغي والظلم والفساد في مصر. قتلوا محمد عفيفي وكان وحيد أبويه الشيخين الكبيرين، وحيدا لا أخ ولا أخت له.

قتلوا أحمد قرقر.. آية في الذكاء والإخلاص والصلاح والتقوى والعلم، قتلوا محمد عطية قتلوا عشرات من الرجال وقتلوا ذاكرة لا تذكر أحب وأعز الناس على صاحبها قتلوا ذكرتي قاتلهم الله .. قتلوا ذاكرة يعلم الله أنني كنت أتحدى بها أقراني في المدرسة .. قتلوها.. ولكن بعثها الله لتكتب .. فالحمد لله.

وماذا حدث بعد ذلك ويحك أيها الإنسان ويحك جمعوا أكوام التقتلى وكانوا وحدا وعشرين قتيلا وأرسوا لأسرهم لاستلام جثثهم شريطة ألا يعلم عن موتهم أحد وألا تقام لهم جنائز حرموا عليهم البكاء والمواساة.. فمن رفض استلام الجثة، وقد حدث ألقوا بها في حفر في جبل السجن أما الجرحى فقد ألقة بهم في المستشفى وتركوا لمصيرهم وأما نحن الأيتام ماذا كان من أمرهم معنا.

أسماء شهداء المذبحة وعناوينهم

  1. أنور مصطفى أحمد، قبض عليه في 30/3/ 55 دباغ وعنوانه، حارة الأميرة شارع أبو سفين مصر القديمة
  2. السيد علي محمد قبض عليه في 8/ 5/ 54، تاجر متزوج وله أربعة أولاد، عنوانه شارع الجداوي قسم المنشية الإسكندرية
  3. محمود محمد سليمان قبض عليه في 12/ 1/ 55 مهندس، متزوج وله ولد، عنوانه: 30 شارع جنينة القادرية العباسية القاهرة.
  4. أحمد حامد علي قرقر، قبض عليه في 10/ 8/ 55، محاسب متزوج وله ولد عنوانه: دنديط مركز ميت غمر دقهلية
  5. محمود عبد الجواد العطار، قبض عليه في 8/ 11/ 54، خياط متزوج وله ولدان عنوانه: 33 شارع وكالة الليمون الجمرك الإسكندرية
  6. إبراهيم محمد أبو الدهب ، لم يعرف عنوانه بعد
  7. رزق حسن إسماعيل قبض عليه في 4/ 8/ 55 مزارع، متزوج وله 7 أولاد، وعنوانه: كفر المرازقة مركز قلين كفر الشيخ.
  8. عبد الله عبد العزيز الجندي ، قبض عليه في 3/ 3/ 55، عامل متزوج وله 3 أولاد، عنوانه، 10 شارع الوايلي الكير العباسية القاهرة.
  9. عصمت عزت عثمان: قبض عليه في 16/ 11/ 54، موظف أعزب، عنوانه: 23 شارع المنشية القديمة بالسويس .
  10. عبد الفتاح محمود عطا الله قبض عليه في 27/ 2/ 55، خياط متزوج وله ولد من كفر وهب، مركز قويسنا منوفية .
  11. أحمد محمود الشناوي قبض عليه في 13/5/ 55، براد (حداد) أعزب يعول والديه، عنوانه: 30 شارع غرب القشلاق العباسية القاهرة.
  12. خير الدين إبراهيم عطية، قبض عليه في 3/ 3/ 1955، طالب بالأزهر أعزب عنوانه: باب الوزير رقم 20 قسم الدرب الأحمر القاهرة.
  13. مصطفى حامد علي ، قبض عليه في 4/ 3/ 55 طالب ثانوي، أعزب عنوانه 9 شارع الحاج إسحاق إمبابة القاهرة.
  14. أحمد عبده متولي قبض عليه في 15/ 5/ 55 بكالوريوس زراعة، أعزب، عنوانه: أبو الشقوق كفر صقر الشرقية
  15. عثمان حسن عيد ، قبض عليه في 17/ 3/ 55 طالب ليسانس دار العلوم أعزب يعول ولديه، عنوانه :ابن طولون القاهرة
  16. محمد أبو الفتح معوض ، قبض عليه في 25/ 2/ 55 مطبعجي أعزب، من عزبة ناصف بمنوف، المنوفية.
  17. علي إبراهيم حمزة قبض عليه في 16/ 12/ 54، ترزي (خياط) أعزب، من شارع أبو الفضل المحلة الكبرى
  18. فهمي إبراهيم نصر ، قبض عليه في 12/ 9/ 54 طالب ثانوي، أعزب من رملة الأنجب هواش منوفية.
  19. السيد عزب صوان ، قبض عليه في 24/ 9/ 54 موظف متزوج وله 3 أولاد، من شارع محمد علي المحلة الكبرى.
  20. سعد الدين محمد شوقي قبض عليه في 2/ 3/ 55، موظف أعزب من 14 شارع سماحة عطفة نصار رقم 2 إمبابة.
  21. محمد السيد عفيفي ، قبض عيه في 17/ 3/ 55، موظف، أعزب من 14 شارع محمد علي بين السرايات جيزة

أما الجرحى فقد بلغ عددهم خسمة وثلاثين جريحا منهم ثلاثة عشر حالة خطرة وقد أودعوا جميعا في المستشفيات تحت حراسة مشددة حتى لا يعرف أحد أسماءهم.

اسمع بقية القصة:

في اليوم التالي ساقوا «الأحياء» وكنت من بينهم إلى حفلة ضرب، ضرب وحشي على مؤخر العنق «القفا» والضرب يقم به العساكر في حضرة جميع «حضرات» الضباط.. ومع الضرب شتم وسب لأسرى المعركة .. معركة أنتصر فيها الجيش والبوليس على من .. ؟؟ شيء مؤلم مؤلم.ثم ماذا!!

جاءونا بملابس منتنة قذرة وأمرونا بأن نتجرد من جميع ملابسنا الداخلية نرتدي هذه الملابس المنتنة الممزقة استجبنا ثم ماذا ؟؟ حشرونا في مكان واحدا وأحاط بنا الجنود.. ماذا سيحدث لنا!! من يجبرنا من هذا الهول الكبير. !! من يسمعنا من يرانا..!! الله فقط.

ووضعوا القيود الحديدية في أيدينا ثم حشرونا في عرفات مضت بنا إلى مكان علمنا فيما بعد أنه سجن القناطر وشهدنا ثلاثة أشهر من العذاب.

جند لنا ضابط شاب حديث التخرج يدعى سامي فيه طموح وظيفي يريد أن يحققه عن طريق الإجرام وقد أوتي حنجرة خشنة استعملها لإرهابنا وإزعاجنا.. وقد وضع له نظام طبقة بأسلوبه الخاص ويقضي هذا النظام باستعراضنا صباحا ومساء في طوابير، نجري بين صفين من الجنود وعلى رأسهم صول يدعى علي شلقاني ستمتع بقد وافر من الإجرام والغباء، والجهل..

ثم ينهال علينا الجنود والصول والضباط بالكرابيج والعصي وبعد أن نجهد يأمروننا بحمل أوعية البول لنقليها في المراحيض ثم نقضي حاجتنا على عجل هذا كله دون أن نتكلم أو نبدي أي طلب أو نشكو من أي شيء .. ثم يجري علينا تفتيش يومي، تفتيش زنزاناتنا، وملابسنا وهي كما قلت خرقة ملطخة بالزيت، لا تكاد تستر عورتنا ..

ثم يقلب البرش الوحيد والبطانية الوحيدة وينفضان ليتعرف السجان على ما نخفيه.. لقد بلغ بهم الأمر إلى درجة أن أحد الجنود أمرني بأن أفتح فمي ليفتشه فاستجبت لطلبه.. وقلت لنفسي بعد أن انتهى من مهمته لعل أمر بأن يفتش عنا لكلام الذي سبق أن قلته وأدنت من أجله.. وأفظع أنواع التعذيب النفسي أننا كنا نؤمر بالتجرد تماما من ثيابنا ..

ثم يأتي الحلاق بماكينة شعر فيحلق لنا عانتنا، منظر رهيب مفزع ولا ولن أنساه ولكن ماذا أفعل أمام عزمي على ذكر الصدق والحقيقة الحقيقة بكل مرارتها وألمها، وماذا بعد؟ لقد كان يزج بنا جماعات إلى حمام مفتوح ونحن عرايا .

ولم يكن أمامنا من حيلة إلا أن نغمض عيوننا اتقاء النظر إلى العورات.. كان العنبر الذي نعيش فيه أشبه ما يكون بالقبر الذي دفع إليه إخواننا الفارقا لوحيد أنه كان قطعة من جحيم أما إخواننا الشهداء فما نظنه إلا كان منبرا مشرقا برحمة الله..

كان قبرنا موحشا ساكنا إلا من صراخ الضابط الطفل، والصول الغبي والجاويش عسل سمي الجاوي عسل لأنه كان يشرب العسل الذي يصرف لنا ولا يعطينا منه إلا القليل كانت هذه الأصوات تذكرنا بما يقال عن منكر ونكير وعذاب القبر .. ما أفظعهم وما أفظع ذكراهم..

أما الطعام والشراب فقد كان قليلا ورديئا وكان يسرق نصف أطايبه فكما قلت أن الشاويش عسل كان مغرما بشرب العسل أما شلقاني فكان يأكل أطايب اللحم هو وجنوده ليتقوا على الضرب ولذكر على الشلقاني هذا وعبائه وإجرامه جرى بيني وبينه فيما بعد حيث غبي..

بعد أن هدأ العذاب قليلا بعد مضي ثلاثة أشهر قال لي: أنتم مش بتقرءوا في القرآن ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ فلم تععصون الحاكم؟ قلت له: وأنت لم عصيت الحاكم.. قال لي بفزع: أنا لم أعصي الحاكم؟ قلت: كم سنة لك في الجيش!! قال: عشرون سنة قلت له: ألم تكن تطيع خلالها الحاكم السابق للثورة وحو حيدر باشا وملكه؟؟

قال متلجلجا: أنا كنت عبد المأمور.. فأفهمته أن طاعة الحاكم لا ينبغي أن تكون معصية الله لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولكنه «معذور» لأنه آلة تنفيذية يؤمر فيستجيب للأمر.. وليس معنى هذا أنني ألتمس له عذرا في تعذيب المسجونين، لأن التعذيب لا يقره القانون أو الدين، والمطلوب منه أو من غيره أن ينفذوا إرادة الحاكم في حدود الأوامر الصادرة إلأيه في حدود القانون، ستقول لي إنه لو لم ينفذ الأوامر الصادرة إليه سيجازى من رؤسائه وردي على هذا قصة رواها لي على شلقاني بغبائه..

قال لي وهو يشير إلأى جندي أسود اللون.!! أن هذا الأسود كان يرفض الأمر بضربكم، فزعلنا منه.. قلت له: وماذا تم بشأنه قال ببلاهة أخذه الضابط لميز الضباط مقصف الطعام فهو يقدما الطعام للضباط ويأكل كل يوم نصف فرخة قلت له: وهل هذه عقوبة .. قال ببلاهة.. والله ما أنا عارف هم عاقبوه أم كافأوه.. !! قلت له:

يظهر أنه كان نظيفا. ولم يفهم معنى كلامي. وتفسيري لهذا أنه بعد أن شعر الضباط بترفع الرجل عن الإيذاء طابت أنفسهم أن يأكلوا من يديه، وذكر هذا الجندي يدعوني للقول بأن كان بالسجن الحربي بعض جنود الجيش ممن مستهم الإنسانية بشكل أو بآخر كانوا يتحايلون للإفلات من تعذيبنا ولم يكن لهم من جزاء إلا الإبعاد عن مسرح العذاب والحرمان من مكافآت هزيلة؛

ولقد صادفتنا أمثلة لهذا الجندي في معتقل سنة 1965 ولقد سمعت بأذني أحد مخبري المباحث وهو يدعو الله على زميل له كان يشتد في تعذيبنا كان هذا المخبر يضرع إلى الله أن يخلصه من العمل المشين، سمعته يقول: أنا يرب مش عاوز بدل الإجرام اللي بيدوه لنا، الله الغني وعلمت أن هذا المخبر نقل إلى جهاز آخر من أجهزة أمن شركة من الشركات..

كما علمت أن أحد ضباط المباحث أعتقل لأنه اقتنع بما يدعوا إليه شباب التبليغ وفي معتقل أبو زعبل لمست تعاطف بعض ضباط البوليس معنا فكانوا يحاولون جهدهم التخفيف عنا ومساعدتنا لقد أبكاني أحد ضباط السجون وهو يناديني بصوت خفيض عاوز حاجة يا «أستاذ حسن» ثم عرض على ليشتري لي رداء على حسابه..هذا الضابط الإنساني أخشى أن أذكر اسمه ولا أملك إلا أن أدعو له بالخير والبركة.

لنعد إلى حديثنا. .استمر الضرب والإيذاء والتجويع طوال ثلاثة أشهر، لا نرى الشمس ولا الضوء إلا من خلال طاقة تغطيها قضبان حديدية وكانت سلوانا الوحيدة حفظ القرآن .. ولما كانت المصاحف محرمة علينا فقد لجأنا لأسلوب الكتاتيب في حفظ القرآن ولقد رزقني الله بأخوين فاضلين الشيخ عبد الرازق أمان الدين وهو رجل آية في صلاحه وتقواه والتزامه، وكان يحفظ القرآن وشاب هو حسين علي وكان متفتح الذهن صافي الذاكرة .

وقد تمكنت بفضل أستاذي عبد الرازق من حفظ نصف القرآن في ثلاثة أشهر.. وإن كنت وللأسف الشديد قد أنسيته. ولم تكن لنا تسلية إلا لعب الشطرنج ولكن كيف نصنع القطع ورقعة الشطرنج القطع كنا نصنعها من الفلفل الأخضر أما الرقعة فكنا نرسمها على الأرض تحت الحصر بحيث يمكننا مدارتها بسهولة إذا وهمنا خطر.

أما مناقشتنا الفكرية حبيسة بداخل أنفسنا ولا تتعداها إلى الخارج ولعل ركام الظلام كان يجثم على نفوسنا ورؤسنا واعتقادنا بأن هذا العذاب سوف تتصل أسبابه، لعل هذا كله عطل تفكيرنا وجمد ذهننا ولقد ابتلينا خلال تلك الفترة بلون جديد من الابتلاء ما أفدحه فلقد أصيب بعض إخواننا بحالات نفسية أو جنونية غريبة أعجتنا أيما إزعاج؛

فقد وقع أكثر من أثنى عشر شابا صرع مرض نفسي وكان المرض يفاجئهم دون مقدمات أحيانا كنا نستيقظ في الصباح فنرى ملامح أحد إخوننا وقد تغيرت وهو يهزي بكلام غير مفهوم أويفقد ذاكرته لأعوام مضت أو يبكي كالأطفال ويطلب حنانا من إخوانه شأن الطفل الصغير مع أمه.

ولقد وقعت في حجرتي حالتان من هذا النوع أذكر منها حالة شاب طلب مني فجأة أن يضع رأسه على رجلي كشأن الصبي مع أمه فظننته يمزح ولكنه أصر فاستجبت وبعد لحظات غاب عن وعيه وبدأ يهذي بكلام غريب فلما أيقظته كان في سبه غيبوبة ولم يتذكر شيئا مما قاله..

لقد روعتنا هذه الظواهر حتى خيل إلينا أننا سوف نمضي جميعا على هذا الطريق كان الواحد منا ينام الليل ولا يدري ماذا سيكون عليه حاله في غده.. قد يجن كإخوانه ما أعنفها محنة.. تصورها.. تخيلها. أيها القارئ .. تخيل فقط لأنني أرجو لك العافية.

ما ذنبا.. لا ندري.. ما جريتنا.. لا ندري.. ماذا نفعل حتى يخفف عنا العذاب.. لا ندري ..أين الحكومة أين القضاء .. أين الصحافة ... أين الأدب والعلم والأدباء .. أين الجامعة.. أين الناس.. أين الإنسان.. لا أحد . لا شيء فقط إلا الله.. كنا نحس به في أنفسنا كنا نشعر أن الله معنا.. إن ابتلينا شكرناه وسألناه العافية وإن قتلنا سألناه الجنة والرحمة وهل لمثل هذه المحن أحد إلا الله.

بدأ العذاب يخف عنا تدريجيا ثم سمح لنا بالخروج ساعة من نهار لنجفف في الشمس ونحرك أقدامنا التي كادت تفقد القدرة على المشي ويوم أن خرجنا والتقت أعيننا أحسنا باليتم، وشعرنا بالفراغ الذي تركه إخواننا الذين قتلوا في الليمان.

وبدأ شريط الحوادث يتسع شيئا فشيئا حتى تكشف لنا حقيقة المأساة تفصيلا .. ولن أستطيع ذكر شي منها في كتابي هذا لأنها تحتاج لكتب أرجو أن تسجل في يوم ما وتتكون منها مكتبة يطلق عليها أسماء الشهداء إنني لا أكاد أتصور كيف يعيش الين ارتكبوا مذبحة طرة في أنفسهم وبيوتهم وبين أهليهم.

إن الذي ارتكب حادث هيروشيما ونجازاكي فقد عقله بعد أن شهد ثمار ما فعلته يداه.. ولم يغفر له ضميره أنه كان عبدا مأمورا.. لم يغفر له .. وفي ظني أن هؤلاء الذين ارتكبوا هذا الحادث كانوا أقسى قلوبا من مرتكبي حادث نجازاكي وهيروشيما؛

وذلك لأنهم مارسوا التعذيب مرارا ودون رحمة أو شفقة مع يقينهم أن من يعذبونه ليس خائنا ولوطن أو محاربا ضد دولة أو جاسوسا.. وحتى لو كانوا كذلك لو كانوا خونة أو جواسيس أو أسرى فالمجرم له عقوبات حددتها الحروب أو القوانين.. الحروب تقضي بالقتل أو الأسر والقوانين من يخالفها عقوبته القتل أو السجن، ونحن ما كنا نمتنع على عقوبة يريدونها لنا لقد طلبنا القتل فرفض ثم سجنا بال ذنب وقبلنا السجن .. .فلم كل هذا العذاب؟ من يكون هؤلاء الذين يعذبوننا.. مصريون لا .. مسلمون . .مسيحيون. يهود.. لا بشر؟.

حيوانات .. لا لا.. حشرات.. عقارب.. ثعابين .. لا .. هم صنف آخر، هم شيء كتب عليه الشقاء ليبتلي به مؤمنون في الأرض هم من صنف آخر ، هم شيء كتب عليه الشقاء ليبتلي به مؤمنون في الأرض هم من أظن أنه ورد فيهم قول الله تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لايفقهون بها ولم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ وأظن أن المبتلين ورد فيهم قول الله تعالى:

﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ لقد سمح لنا بعد جهد كبير ممارسة الرياضة والعمل في الورشة، كما سمح لنا بالزيارة، وكانت محرمة علينا وكان لقاؤنا مع ذوينا عبر الأسلاك لقاء دراميا حزينا، وكان فرحهم بنجاتنا لا حدود له، ولقد رأيت طفتلي الصغيرة الحبيبة وقد كبرت ولكم تمنيت لو أضمها إلى صدري ولكن الأسلاك الشائكة والقلوب الحديدية رفضت أن تمن على بما تهوى نفسي.

ولقد علمنا فيما بعد أن سبب هذا التخفيف مرده إلى ما كانت تذيعه بعض الإذاعات المعايدة لعبد الناصر ولم تكن الإذاعات متعاطفة معنا بقدر ما كانت حريصة على إثارة الرأي العام ضده.

والقد تأكد لنا بعد حادث طرة أن الاستعداد لقتلنا جملة أو فرادى كان قائما لم يكن يحول بين تنفيذه ضمير أو دين أو وطنية.. كما تبين لنا أن الأجهزة المأمورة كان عندها استعداد فطري لتنفيذ ما يجبه الحاكم وزيادة..

ولعل هذا ما دعاني لأن أقبل مبدأ تأييد الحكومة لنفلت من السجن، وانتقل هذا المبدأ معي إلى عام 1965 عندما اعتقلنا للمرة الثالثة، ولو كان ثمن هذا الإفراج الهتاف بحياة عبد الناصر صبحا ومساء والخطابة والكتابة لتمجيده وفرض على هذا المبدأ فكرة الفرار من مصر بعد أن تحولت إلى أرض عذاب.. أعود إلى حديثي عن السجن .. قلت أنه بدأ التخفيف عنا تدريجيا..

ولكن أبتلينا بضابط اسمه عبد العال سلومة (قيل إنه ابتلى بالسرطان قبل موته) وهو يشبه الإنجليز شكلا وفي الموضوع فهو فضلا عن ملامحه التي تشبه كثيرا ملامح الإنجليز كان يستمتع بالبرود الإنجليزي القاتل، وكان قادرا على اللعب بأعصابنا والتسلي بنا؛

بل كان يستمتع بإثارة أعصابنا، وعلى الرغم من انه كان من الأسباب غير المباشرة لحادث طرة، فإنهم تعمدوا انتدابه لمواصلة هوايته المحمومة في إثارة أعصابنا الضغط علينا، والأغرب من هذا أنه انتدب ليلاحقنا في معتقل أبي زعبل ثم معتقل طرة، الأخير وهو على طول الطريق لا يتخلى عن وظيفته في إثارة أعصابنا والتلاعب بنا؛

ولقد أضاف إلى وظيفته في إثارة أعصابنا التلاعب نبا ولقد أضاف إلى وظيفته هذه وظيفة أخرى وهي محاولة تجزئة الإخوان إلى مؤيدين ومعارضين فبدأ يقرب منه فريقا سموا بالمؤيدين وأبعد فريقا آخر سماهم بالمعارضين ولايهمنا قليلا أو كثيرا تحليل شخصيته أو سبر أغواره ولكن آلمني جدا ما علمته من أنه كان في يوم ما يدعي أنه من الإخوان المسلمين... وأن ما فعله بنا لم يكن أكثر من إثبات ولائه للنظام القائم.

لبثت مع الإخوان قرابة ستة أشهر نشهد صورا متقلبة من التخفيف والتشديد وانتهى مقامي في سجن القناطر بمرض غير معروف اضطر إدارة السجن لإرسالي إلى سجن مصر لأعالج هناك.. وكان هذا التغيير بالنسبة لي أمرا حيويا إلا أنه حرمني من مجموعة ارتبطت بها ارتباطا روحيا وعاطفيا وما زلت أعيش إلى يومي هذا في غمرة عواطفهم ولقد علمت فيما بعد أنها عانت الكثير من الأعيب عبد العال سلومة..

ولولا حكمة رجال أذكر منهم عبد الحكيم حسن ومحمود الشاوي وحسن أيوب لما أفلتت المجموعة من محن متلاحقة متنوعة .. ولقد شهدت في سجن مصر وصول أول فوج من المؤيدين من إخوان الواحات وتناقشت معهم في ... أمر التأييد وأدركت منهم أن الخروج من باب السجن هو الهدف، أما التأييد وغيره فهو وسيلة لهذه الغاية..

ومع هذا كانوا يخوضون في مسائل فرغية وفلسفات لا مبرر لها وكلها تنتهي للرغبة في الخروج من السجن، وقد علمت منهم أنهم تصادموا مع مجموعة أخرى سميت بالمعارضين أو الملتزمين والتي كانت تضم معظم زعماء الإخوان .. وفي اعتقادي أن الإخوان لو كانوا في ظروف عادية لما تعرضوا لمشكلة مؤيدين وعارضين لعل أكبر قرينة على هذا أن متشددي المعارضين صاروا في محنة 1965 من غلاة المؤيدين.

أما بالنسبة لموقفي من التأييد فكانت تتجاذبني عدة عوامل منها أن التأييد قد يضر بقاعدتي الشعبية في الإخوان وهذه القاعدة كنت أحرص عليها وما زلت لكن أنا صادق فيما أقول، لم يكن حرصي لغرض شخصي كأن أكون عضوا بمكتب الإرشاد أو أتولى مركز قياديا في الجماعة الواقع أن الله متعني بعدم الرغبة في مثل هذه المناصب ولكنني كنت حريصا على الذكر الطيب والعاقة الحميدة؛

وكنت دائما أتمثل ما جرى لمصطفي مؤمن بعد أن استثير الإخوان ضده وعزل عن الجماعة ومن أعز أحبابه فيها.. هذا العامل كنت أرصده أمامي وأن أفكر في التأييد ثم إنني كنت مبقيا على قدر قليل من تقديري لسياسة زعماء الجماعة الذين كانوا يميلون للتشدد مع الحكومة .

يضاف إلى هذا أنني كنت أراجع نفسي ينيا في تأييد حاكم لا يجهر بالحكم بما أنزل الله.. والشيء الذي كنت أخشاه هو أن أقدم على تأييد الحكومة دون أن أحظى بالإفراج الذي تاقت نفسي إليه، وخاصة بعد أن شعرت بأن المحنة شقت على زوجتي وأهليها الذين تحلموا الكثير في سبيلي.

كل هذه العوامل مجتمعة أو منفردة أخرت من تأييدي .. فلما نقلت إلى مستشفى قصر العيني للعلاج حاولت الدفع بالوساطات لتسعى للإفراج عني وبالتالي أعفى نفسي من التأييد كوسيلة للإفراج والواقع أنني أعتبر أن هذا الموقف لم يكن سليما وكان الأفضل أن أواجه الحقيقة وأضع نفسي في موقف إخواني الذين ليست لهم وسيلة إلا التأييد ومع هذا فقد فشلت جميع محاولاتي وتبين لي أن السعي يصطدم دائما بجهاز المباحث والمخابرات الذي يعتبر المرجع الأخير في قضية الإفراج..

وهؤلاء كانوا يقولون عني أنني شخصية مجمعة أي تستطيع تجميع الإخوان حولها.. ومن الذين أذكر لهم فضل السعي للإفراج عني مجدي حسنين والمرحوم الطيار عز الدين ناصر وأحمد مكاوي وأشخاص كرام قد لا يحبون أن أذكرهم.. أقول أنه بعد أن استنفدت الوساطة أغراضها فكرت في التأييد؛

فكتبت رسالة أتبعتها بثانية وثالثة ورابعة، ولا أذكر الآن عدد الرسائل والبرقيات التي أرسلتها للتأييد ولكن يبدو أن كل محاولاتي قد تبددت وشعرت أنهم يطمعون أن أتدني لدرجة أخرى وهي أن أكتب تقارير في حق زملائي.. والواقع أن هذا الأمر كنت وما زلت أعتبره حارما لأن فيه إضرار بآخرين.. وفي نفس الوقت هو عمل ينقص من قدر الرجل وشهامته. ومن فضل الله علي أولا وآخيرا أنني لم أبتل بهذا الأمر الذي تعرض له بعض إخواننا سامحهم الله وعافاهم.

لقد ظللت أكتب لعبد الناصر خطابات تأييد لأكثر من عام ونصف وأنا بمستشفى قصر العيني ولكن لا مجيب وأخيرا استعان المرحوم أحمد فراج طايع الذي كان وزير للخارجية بصديق له للإفراج عني لدي عبد الناصر فوافق بعد أن تأكد من تأييدي له.. وكان يوما بهيجا في حياتي.. يوم أن ضمني بيتي الصغير بزوجتي وطفلتي بعد رحلة من العذاب العنيف ومعاناة لا حدود لها .. وآلام وأحزان ومآس تعرضت لها زوجتي وتحملتها في صبر واحتساب عند الله.

وسافرت إلى قريتي في أقصى الصعيد لأستقبل بها استقبال الفاتحين فلقد استقبلني أهل المطاعنة الطيبين بترحاب لا مثيل له.. وكان الناس متأثرين بشخصية عبد الناصر لأبعد حد، فأخذوا يسألوني عما إذا كان قد تصالحت معه أم لا.

وكانا يرجون لي منصبا في الحكومة كدليل على رضا عبد الناصر عني ولقد علمت منهم أنهم أرسلوا ستمائة برقية يتشفعون بها لدى عبد الناصر لتخفيف الحكم عني.

هذه هي خاتمة رحلة السجن الأولى الذي قضيت فيه ستة أعوام ونصف.

الانتقام

إن ربك لبالمرصاد.وإن أخذه أليم شديد. هذه نذرك يارب.. وبعدا يكون عقابك وقد كان ولكن الإنسان ينسى ما أصاب أمثاله من الذين قارفوا جرائم في حق الناس وتعللوا بأسباب تبيح لهم البطش والظلم.

والعجيب حقا أن العبرة مائلة أمامنا في مصر.. تشهد بمصير البغاة والظلمة... «ولنجعلك لمن خلفك آية.. ومع هذا ننسى أن هذا المصير يتربص بمن سلك مسلك هؤلاء الفراعنة الفراعنة كانوا تعاليا وكبريا وتألها ... والتعالي والكبر والتأله يلد إجراما وظلما، وقتلا ولكن الله في علاه وقوته يكبد لهؤلاء الطغاة..ويجعل منهم عبرة وعظة لغيرهم ثم يمهلهم لمصير يستقبلهم فيه هول كبير..والأعجب من هذا كله أن يتولى مهمة فرعون قوم من جلدتنا يؤمنون بديننا، ويتكلمون بلغتنا، وينتسبون لامتنا ومع هذا لا يأنفون عن تولى وظيفة فرعون.. وينطقون بلسانه ويعملون عمله.. ثم لا يتخيلون أن مصيرهم سوف يكون كمصيره... في دنياه وفي أخراه..

  • ماذا قال فرعون!! وماذا فعل؟؟ وما مصيره؟
قال: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد إن هذه أوامري وهي أوامر ثورية لا تقبل المناقشة فأنا أعلم بمصلحتكم منكم.. فإذا تأبى أحدكم عن طاعتي ورفض التزام أوامري .. فسوف يلقى جزاءه.

«لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين وقال: سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون... وكان الرد.. من رب فرعون. وهو ردمس!! فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا» «فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين» نكتفي بهذا القدر من ذكر فرعون وما جرى له ولقومه.. وسريعا نستعرض آخرين .

الذين ظلموا واستكبروا.. «فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا من أشد منا قوة.. أو لم يرو أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون.

«وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى أخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون» «ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين» «وقتل أصحاب الأخدود...»

وبنو إسرائيل يجزون بظلمهم عقوبات تلازمهم دنيا وأخرى:

«وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب» وتمضي الآيات محملة بالعبر والعظات تحكي لنا قصص الظالمين والمتكبرين ثم نذكر لنا العقوبات التي لحقت بهم جزاء ظلمهم وكبرهم .. عقوبات بعضها يصيب الأفراد.. وأخرى تلحق بالأمم الظالمة..

حتى إذا بلغت بنا باب أمة محمد صلى الله عليه وسلم تعلن التوقف من العقوبات العامة إكراما لمحمد الرحمة المهداه وحماية لأمة كتب لها الخلود... وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون.. ونحن لا نملك إلا الشكر لله والصلاة على رسوله، ثم مداومة التوبة والاستغفار حتى لا يقع بنا عذاب الأمم.

تطبيق الفرعونية

الفرعونية ليست أكثر من عصيان وظلم وكبرياء فإذا تلبست هذه الصفات إنسانا .. معاصرا لفرعون كهامان مثلا أو جاء من بعده.. فمن يكون .. وما مصيره.. وما مصير أتباعه؟؟ في مصر بلد فرعون تواجد زعيم هو جمال عبد الناصر نصب نفسه باسم الثورة حاكما فردا أحدا، يأمر فتستجاب أوامره، وينهى فينتهي الناس عن عصيانه من أطاعه قربه منه وكرمه وأغدق عليه الخير أما من عاداه فصب عليه العذاب.

هو نفسي القول القديم.. ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.. ثم استخف قومه فأطاعوه فماذا قال هو:

هذه الثورة من عندي «وهي ولية نعمتكم وقد جئتكم بالعزة والكرامة» من عاداها صار عدوا للشعب وعدوا لي .. ولسوف أعتقله واسجنه..ونف ما قال.. سجن الآلاف قتل العلماء أعتقل الرجال والنساء والأطفال.

وبعد أن استسلم له الشعب من فرط ظلمه.. دفع به إلى محاربة من تأبى علي طاعته حتى يمتد ملكه من الخليج إلى المحيط فحارب شعب اليمن وتآمر على شعب سوريا والسعودية، والأردن حتى يدينوا له بالولاء ..

ثم أراد أن يثبت ملكه، ويقوي عرشه، ويرهب الشعوب من حوله، فألقى بالجيش والشعب في معارك عشوائية في فلسطين فكانت معرة يونية.. ثم حمل الشعب على الولاء لدولة تكفر بالإسلام وبكل الديانات وأمره بالتمذهب بمذهبها والأخذ عنها.. والعجب العاجب أنه لما عزم على قتال سيد قطب وإخوانه أعلن ذلك من فوق منبر الكفر.

أو ليست هذه هي الفرعونية أوامر واجبة النفاذ من إنسان وعقوبات تنفذ على ما يعصاها... بل بلغ الأمر بالفرعونية الجديدة أنها رفضت أسلوب المحاجة مع خصومها كما فعلت الفرعونية القديمة، يوم أن جمع فرعون الشعب في ميدان عام، وحشد أعوانه ثم جاء بخصومه.

ودارت مناقشات بين الفريقين في يوم معلوم وهو يوم الزينة قال "أي فرعون" موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى.. ثم جمع فرعون حزبه:

فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى.. ووقف موسى ومن حوله أعوانه: قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيستحكم بعذاب وقد خاب من افترى.. لقد سمح لموسى أن يدلي بحجة أمام الناس وفي مواجهة فرعون..

لكن ثائرنا كان يرفض المناقشة ولا يسمع النصيحة ويحارب الرأي السديد ألم يقتل سيد قطب لأنه كتب رأيه في كتاب «معالم على الطريق» أين هم الآن... «إن ربك لبالمرصاد..» لقد قتل عبد الناصر شعبه ليحي هو سعيدا.. قتله في سيناء واليمن وسوريا.وقتله في السجون والمعتقلات. وقتل حريته وإرادته وكرامته.

وقتل تاريخه وهو زاد حياته.. فهل عاش عبد الناصر ليرث قتلاه. إن عبد الناصر مات كما يموت الناس.

وأيا كانت موتته. وأيا كانت أسبابها إلا أن الواقع يقول أنه مات..مات كمدا مات مسموما مات بيد الروس.. المهم أنه مات..لم يعد يصدر الأوامر يقتل غيره، ويسجن عدوه، وتعذيب شعبه.. لم ولن يسمع التصفيق والهتاف بحياته.. وافتداءه بحياة شعبه.

لكني أقول أن عبد الناصر قتل.. نعم قتل، لكن من قتله لقد قتله دعاء الشهداء الذين واجهوه بكلمة الحق..لقد دعا عليه ولي الله عبد القادر عودة، وهو يدفع ظلما إلى حبل المشنقة، (اللهم أجعل دمي لعنة عليهم) هذه الدعوة تقف جمال سالم حتى أوصلته إلى الجنون وإلى أبشع موتة؛

وتقف أنور السادات حتى مزقته وتقفت جمال عبد الناصر حتى أهلكته وتقفت حمزة البسيوني حتى جندلته بأسياخ الحديد ثم مضت الدعوة تحرق صفوفهم وتشتت شملهم وتثير الفتنة بينهم فقتل عبد الحكيم عامر بيد مسمومة، وتآمر رفاق الظلم ليقتلوا كبيرهم فعجل بغدرهم وأوردهم المقامع التي كان يعذب فيها المؤمنين الصالحين ثم أورثتهم دعوة دعوة صراعا مريرا انتهى ببطش السادات بالبقية الباقية مهم الله الله ما أعد لك.(وأين هو الآن..)

هو حفنة من تراب.. لا تسمع لا ترى .. لا تعي شيئا لا تسمع التصفيق .. ولا الهتاف .. ولا تقدر على البطش والقتل.. ولا تملك سلطانا ولا مالا هي كغيرها من حفنات التراب ستسمع صيحة الحق فإذا بها تتشكل من جديد.. تعود إليها صفات الشر سمع وبصر.

ويمثل عبد الناصر كغيره من البشر واحدا فردا .. لا جنود ولا جيوش ولا هتاف ولا تصفيق ولا ثورة ولا ثوار وسيسمع الجميع هذا القرار الكبير:

لا ظلم اليوم ويواجه كل واحد بالحكم القاضي: يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه ويا لندامة وحزن الظالم: يوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا... ثم سيفاجأ بكتاب واضح ومقروء: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه وتخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا..

ثم يقول عليه شهود عدل لا يكذبون يوم تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون.. وسوف ينطقها الله بالشهادة: قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.

ولن تستطيع أمريكا بأساطيلها ولا روسيا بصواريخها ولا جيوش المنافقين والمصفقين ولا حمزة ولا ناصر ولا شمي أن تدفع هذا القضاء النازل بالظالم الجبار، لسوف يجد في هذا الكتاب أسماء قتلاه في السجون وأسماء قتلاه في سيناء واليمن ولسوف تصرخ فيه يداه التي كان يصدر بها أحكام الإعدام ويمهرها باسمه؛

ويأمر بتعذيب الشباب وتشريدهم لسوف يسأل لم قتلت عودة وسيد قطب وفرغلي ولم ارتكبت مذبحة طرة لم لم كل ها «يوم تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون» وهل كان عودة والذي سطر بيده أروع الكتب وأصدر أعدل الأحكام.. وقاد الشباب ضد الإنجليز وضد اليهود هل كان هذا الرجل العظيم يستحق الشنق أم كان يستحق أن يتولى أمانة هذه الأمة..

وهل كان سيد قطب الذي نستظل جميعا تحت «ظلال القرآن» الذي خطته يمينه. يستحق هذا المصير المرير..والذي كان بوسعه تربية أمة بأكملها وتأديبها على يديه.

وهل يستحق العالم الكبير الشيخ فرغلي، والذي روع العصابات الصهيونية في فلسطين هل يستحق حبل المشنقة وكان أولى بنا أن ندخره للمعركة الفاصلة مع الإسرائيليين.

وهل يستحق الشاب الذي سحق تحت أحجار سجن طره، هل يستحق الإبادة الجماعية.. وكان الأولى الإبقاء عليه ليحمي الأمة من خزي يونيه ويساهم في نصر أكتوبر وما بعده أكتوبر..

لقد نسي كلام الله وحكمه: من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا...وبعد لا نملك إلا أن نترك الأمر لله، فهو وحده صاحب الكلمة الأولى والأخيرة وهو الذي سيحكم بين عباده يوم الدين: لا ظلم اليوم..وأين هم

لقد أسهم آخرون في القتل والظلم والتعذيب ولكنهم الآن في خبر كان... هم بين ميت رهن أمتار من الأحجار .. وبين آخرين حكم عليهم الله والناس بالموت المرير .. فأين هم الآن!!

لقد شهدت نهاية من نصب نفسه قاضيا ثوريا وحكم في الناس بالموت والعذاب. وإن أنسى شيئا من مهزلة محكمته فإنني لا أنسى يوم أن أمر الشهيد يوسف طلعت أن يقرأ الفاتحة بالمقلوب إنه جمال سالم.

هذا الرجل كتب على أن أشهد فصلا من نهايته في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي.. نقلت إلى ممرضة مسيحية ما كان يفعله في غرفته قالت لي إن الرجل كان يهذي بكلام غريب وكان يتخيل أشباح تهاجمه، فيقذفها بأي شيء يجده، وهو يصرح بأعلى صوته أبعدوا عني...

وقالت: لقد شهدت أقرب الناس إليهم وهم يعافون الاقتراب منه، ويتهربون من زيارته، على الرغم من إلحاحه عليهم في البقاء إلى جواره...لقد وصفت لي حالته بصورة تدعو للعجب تخيلات وأوهام وانزعاج ويصاحب هذا أمراضا حيرت الطب والأطباء وأسد ما كان يعاني منه أنه أدرك أنه خدع من عبد الناصر فقد استعمل فيه عبد الناصر اندفاعه فأوكل إليه محاكمة الإخوان..

ثم أشاع في الناس أنه أي عبد الناصر لم يوافق على أحكام الإعدام إلا تحت تهديد بالقتل من جمال سالم.. هذا الخداع من عبد الناصر، والذي انتهى بحبس جمال سالم في بيته ومحاصرته بالجواسيس انتهى به إلى أمراض نفسية وعصبية خطيرة.

وللأمانة أقول إن أحد إخواننا سمع منه ما يفيد شدة ندمه على قتل الإخوان وشدة نقمته على زميله وصديقه عبد الناصر ...ودارت الدائرة على عبد الحكيم عامر الذي روي عنه أنه قال للشهيد عبد القادر عودة .. إذا كان الإخوان ثلث الشعب فليذهب هذا الثلث ويعيش الآخرون في سلام .. فقال له عودة: وهل يقتل الثلث دون مقاومة!! وقد يذهب ثلث آخر، للدفاع عن النفس، فكم تبقى لكم من الشعب لتحكموه.

هذا الرجل والذي كان ينظر إليه كتوأم لعبد الناصر انقلب عليه عبد الناصر بعد أن تبين له أنه كان يدبر له مؤامرة وأنه أشرك فيها كبار المجرمين شمس بدران ، وصلاح نصر ، وحمزة البسيوني وهم أئمة التعذيب في السجن الحربي وانتهى به إلى الانتحار بالسم.

والتف الحبل على رقبة حمزة البسيوني والذي بلغ به الكبر والطغيان إلى التطاول على الله، ونسب إليه أنه قال: لو نزل الله في الأرض لسجنته في هذه الزنزانة..هذا الإنسان العجيب انقلب على سيده عبد الناصر ولكن مخالب عبد الناصر أدركته فأمسك به، وسجنه في القلعة حتى يتذكر ضحاياه وكان مصيره بشعا فقد أخترمت أسياخ من الحديد جسده وألقت به في الطريق العام وللعبرة والعظة شاهده أحد ضحاياه من الذين لقوا على يديه أشد العذاب شاهده وهو مغطى بأوراق صحف بالية، والدماء تنزف منه..وإلى جواره يرقد بعض ضحاياه من أقاربه الذين تسبب في مصرعهم نتيجة نزقه وهو يقود سيارته..

أما صلاح نصر والذي كان يقود فرق التعذيب ببشاعة وجبروت فقد استدار عليه سيده عبد الناصر وألقى به في السجن والعجب العاجب أنه كتب مذكراته قبل أن يموت وقد اتهم فيها عبد الناصر بالدكتاتورية والكذب.. ولقد قدر لي أن أقرأ ما نشر عن محاكمة صلاح نصر وشمس بدران وهي فضائح خلقية يندى لها الجبين.و هي تكشف عن مدى انغماس هؤلاء اللاهين في الملذات واستهتارهم بالأعراض.

وعندما كنت في السجن الحربي عام 1954 تصادف أن التقيت بعلي شفيق والذي كان يقوم بتعذيب الشباب قال لي وهو يشهد آثار التعذيب على أقدامي إنني كنت أنوي الذهاب لبيروت لأحضر عبد الحكيم عابدين في صندوق بعد أن أخدره وتمضى الأيام وأقرأ خبرا في الصحف أن على شفيق قتل في لندن بعد أن سرق منه مليون جنيه استرليني وأنه أرسل إلى مصر في صندوق خشبي.

ولقد علمت يقينا عن الفضائح التي لحقت بأحد الذين تولوا قتل الشباب في سجن طرة.. وهي فضائح القتل والسجن والعذاب أهو منها بكثير... ومن الذين أشرفوا على قتلنا وتعذيبا في طرة وفي أبي زعبل أذكر ما سمعته عن العذاب النفسي والجسماني الذي لاحقهم بعد أن ارتكبوا أبشع جريمة في تاريخ مصر.

  • آحدهم انتحر أمام أمه...
  • آخر أصيب بسرطان خبيث أعجز الطب علاجه، وعافه أقرب الناس منه.. وذهب غير مأسوف عليه...
  • وآخر تبرأت منه أسرته بعد أن تكشفت لها جرائمه.
  • وعلمت من رجل أحسبه من كرام الناس أن أحد أبطال مذبحة تطاول على سيدة عبد الناصر فأمر بإلقائه في بالوعة القاذورات تأديبا له وقد تم هذا في السجن الحربي ثم أخرج منها فتاب وأناب فرضي عنه سيده وأسند إليه وظيفة هامة..
  • «وكذلك تولى بعض الظالمين بعضا».

أحداث سنة 1965

توهمنا خطأ أن أفرج عنا في السجن أننا نعيش في سلام ما دمنا نسالم الحكومة وهذا ما أفهمنا إياه رجال المباحث العامة وحتى يتحاشى بعض إخواننا مواطن «التهم» بل «والشبهات» انكمشوا على أنفسهم وعكفوا على عيشهم وتجنبوا كل ما يتصل بالإخوان ..

بل إن بعضهم تجنب حتى صلاة الجماعة في المساجد حتى يقطع الحد، بكل الأسباب التي قد تؤدي به إلى السجن وتجاوز البعض الحد، فتظاهروا بأنهم قد هجروا دينهم وأخلاقهم حتى أن رجال المباحث قالوا أنهم ضبطوا أثناء التفتيش عنا في سبتمبر 1965 بعض الشباب وهم يجلسون حول مائدة رصت عليها زجاجات الخمر..

إن هذه الصورة قد تكشف عن مدى ثقل المحن وجبروتها ومع هذا فإن هذه الصور المشينة كان يقابلها صور أخرى مشرقة، فقد عز بعض شباب الإخوان على ألا يكفوا عن العمل ولكن بأسلوب جديد يتسم بالمشروعية بمفهوم الحكومة وحرصت أن أكون من هذا الصنف وكان قراري الأول هو العمل المفتوح للإسلام وكان قراري الثاني الاندماج ما أمكن في تجمعات الحكومة السياسية كالاتحاد الاشتراكي والاتحاد القومي ولكن هذه القرارات لم يكن من السهل تنفيذها ولقد صدمت من أول الطريق بالأجهزة الخلفية..

وكانت القصة كالآتي: فبحكم صلتي السابقة والقديمة بكمال الدين حسين طلبت منه أن يلحقني بوظيفة في شركة أو مؤسسة من المؤسسات التي كان يرأسها ولكن الرجل لم يجبني إلى طلبي وظللت ستة أشهر لا أجد عملا ومع أنني كنت قد افتتح مكتبا للمحاماة إلا أن الزبائن كانوا يفرون من مجرد الاقتراب من باب المكتب فأعدت الكرة على كمال الدين حسين ، الذي أخبرني عن طريق مدير مكتبه أنه عينني في وظيفة قانونية بالاتحاد القومي بثلاثين جنيها فترددت في قبول الوظيفة

إلا أنني قبلتها بعد أن نصحني مستشار طيب كان يعمل بالاتحاد حتى لا يستاء مني المسئولون، ولما كنت حريصا على ألا أتعرض لمتاعب، وفي نفس الوقت كنت في حاجة إلى إعالة أسرتي فقد قبلت الوظيفة على مضض ،ولقد ذهب تفسيري لاختياري هذه الوظيفة أن الأجهزة الخلفية قد أوحت بأن أورط في أحد أجهزة الدولة الرسمية حتى أظهر بمظهر الخارج عن الإخوان المتحالف مع الحكومة.

حاولت جهدي أن أتخلص من هذه الوظيفة فسعيت بكل وسيلة كريمة مستعينا بصديق قديم لي لألتحق بعمل آخر يمكنني من الانسحاب من الأتحاد، وبعد جهد وفقت الالتحاق بعمل في أخبار اليوم وفرحت أيما فرح بالعمل الجديد وشجني ترحيب مصطفي أمين الذي كان يرأس المؤسسة فقد رحب بي الرجل أمام المحررين وحرص على إعطائي بعض الفرص، منها أنه مكنني من السفر إلى أنجلترا بدعوة من شركة طيران عربية.

ولقد خيل إلي أنا بأخبار اليوم أن بإمكاني أن أكتب مقالات تشبه خطبي ولكن الصحيفة لم تتسع لأمثال تلك الكتابات فاندمجت في عمل تحقيقات صحفية ثم التحقت بقسم الأخبار كلفني بمتابعة أخبار وزارة المالية ووزارة الإسكان.. وفجأة تغير كل شيء في المؤسسة الصحفية الكبرى بعد أن استولى الشيوعيون على كل أجهزة المؤسسة وكان من ثمار هذا التغيير فرض قيادات جديد، وأقلام جديدة، وتحطيم العناصر «الرجعية»

وكعادة الشيوعيين في كل مكان فإنهم بدءوا يحيكون المؤامرات ضد خصومهم ويوقعون بهم، ووجدتني أفكر من جديد في مقاومة الزحف الشيوعي ولكن بأسلوب يعتمد على العقل لا اليد ففكرت في الاتصال بخالد محيي الدين الذي كنت وما زلت أعتقد أنه وإن كان شيوعي التفكير إلا أن سلوكه يختلف عن سلوك الشيوعيين؛

وظني بالرجل أنه على خلق ونجحت خطة الالتحام به ثم فاتحته بصراحة أن بعض العناصر أعني بهم الشيوعيين تحرص على عزله عن الصحيفة ويبدو أن الرجل كان ضائقا بأسلوب الشيوعيين التقليدي إلا أنه كان عاجزا عن مقاومتهم لأنهم كانوا يحيطون به في كل مكان .. ويظهرون له ولاء أحسبه كاذبا.

في غمار هذه المعركة فوجئت ذات يوم بخالد محيي الدين يطلب مني أن أنقد كتاب سيد قطب «معالم على الطريق» فأدركت مدى ورطتين وكذلك خطئي لأنني أولا وأخيرا سعيت للعمل في جهاز إعلامي حكومي مسير؛

ولكن شاء الله أن ينقذني من ورطتي وهداني لرد ظننته وقتها أنه مقنع، كان ردي من خلال خبر سمعته وأنا في طريقي إلى الصحيفة أن الكتاب قد صودر فعجب خالد وكنه وافقني وسكت ولم يضغط علي.. وبعد يومين من هذا اللقاء وجدت نفسي في المعتقل وكان ذلك في 27 أغسطس سنة 1965 وعلى الرغم من صدور الإفراج عن جميع المعتقلين من العاملين في أجهزة الإعلام إلا أنني استثنيت من هذا القرار.

بعد خروجي من المعتقل نوفمبر سنة 1967 وجدت قيادة الصحيفة قد وكلت للأستاذ هيكل الذي شعرت بأنه حريص على الابتعاد مني ثم تسلم القيادة الزعيم الشيوعي الكبير محمود العالم، وكان الرجل مهذبا رقيقا معي، وإن كنت أشك كثيرا في أنه كان راضيا عني في الصحيفة لأنني معروف بعدائي الشديد للحركة الشيوعية ..

وذلك لأنني كنت وما زلت أعتقد أن الحركة الشيوعية في مصر كانت الببغاء الذي ما جعلنا ننظر إلى الشيوعيين باعتبارهم عملاء لا مواطنين، ثم أن عداءهم الصريح للإسلام وتعاليمه كان من أسباب نفوزنا منهم.

بقي أن أضع حقائق عن تجربتي الصحفية:

أولا: أن الصحافة على الرغم مما قال من أنها كانت تمارس عملها في حرية إلا أن حريتها كانت محكومة بخلفية عنيفة، كان القيود المفورضة عليها تتدرج من علياء القيادة العليا إلى أن تصل إلى أدني الرتب في الأجهزة الحكومية السرية، وكان من المفروض على الصحافة أن تؤكد أن جمال عبد الناصر هو الإنسان الذي فعل ويفعل وسيفعل كل خير للشعب وللإنسانية كلها ..
كان مقدسا لا يخطئ ولن يخطئ كان هو مصر، وكانت هي جمال عبد الناصر ، فلما ألغى حتى أسمها صفقنا له جميعا، وآمنا باسمها الجديد وهو الجمهورية العربية المتحدة.. هذا ما كانت عليه حرية الصحافة حرية كتابة الكلمة التي تؤله عبد الناصر.. وترفض كل ألوهية.
عداه...!! وكانت حربا ضارية على من عداه ومن عداه، كان يأمرها بل يشير إليها أن ترفع قدر فلان فتقعده على كرسي العرش، وكان يأمرها بأن تخسف قدر غيره فتكتشف فيه سيئات العالمين .. وكان للأسف الشديد معظم الصحفيين مدفوعين إلى العمل بإرادة الرجل الفرد..
بل كانوا يتسابقون لمرضاته.. ولعل عذر القليل منهم يمكن أن نقبله الآن لأنهم كانوا واقعين تحت سلطان أجهزة جبارة قادرة على حرمانهم من رغيف الخبز، ومن رؤية النور لشهور أو لسنين ولكن الكثير منهم كانوا مدفوعين بالرغبة في الاستزادة من الخبر، كانوا يجدوان في أسلوب المدح والذم والاستجابة لهوى القيادة ما يدفع بهم إلى المراكز العاية في صحفهم؛
ولقد سمعت الكثير من قصص الصحفيين الذين كان يسيرهم جاويش أو صول كان يتحكم في مقدرات أخبار اليوم لفترة طويلة ثم شاهدت صورة من الحكم الشيوعي للصحيفة الذي كان يستمد إرادته من رضى عبد الناصر؛
ولقد خرجت بتشخيص لحقيقة العاملين في الصحيفة، رددته كثيرا بيني وبين نفسي كنت أقول إن الذين يعملون في الصحيفة إما المفروض أو مسنود أو مردود والمفروض هو من فرضته السلطة وعينته في مركز من المراكز العالية كرؤساء مجالس الإدارة والمديرين، والكتاب الكبار، أما المسنود فهو من له علاقة بهذه الشخصيات المفروضة أو من له انتماء لجهاز من أجهزة الأمن، أما المردود فهم عدا هؤلاء أو أولئك..
وكنت أسمي نفسي من المردودين ومع هذا فإنني لا أنكر أنني حاولت أن أترضي عبد الناصر بكلمة موضوعية فكتبت في إحدى المناسبات مقالة تمتدح أعمال الثورة البناءة وكنت أستهدف النفاذ من خلالها إلى السماح لي بالكتابة على نطاق واسع، ويظهر أن المفروضين أدركوا قصدي فسجنوا الكلمة ..
وأنا لا أبرئ نفسي مما كتبت ولكني ألتمس بعض العذر لنفسي لأنني وجدت في جو مشبع باتجاه معين، وكنت أحرص على أن أخرج من الدائرة المحكمة حولي كما أضيف إلى هذا عذرا لا أقبله الآن من نفسي وهو أنني تأثرت بالدعاية التي كان يطلقها جمال عبد الناصر من حوله حتى توهمت أن عبد الناصر هذا لا غالب له من الناس، بل إنني سمعت بعد وفاة عبد الناصر من أحد الإخوان الذين كانوا مندفعين وراء هذه الأعذار المقبولة أو غير المقبولة أودعها الأجيال كتجربة مارستها بنفسي وتركت آثارها.
وبصماتها في حياتي، والأمر الذي أحمد الله عليه أن منطلقي كان من خلال عقيدة متأصلة في نفسي من خلال الإسلام ولم أقل من خلال الإخوان ، لأنني أومن أن الإخوان في حد ذاتها ليست عقيدة، ولكنها تجمع ينشد العمل لعقيدة..
ومن خلال هذا المنطلق كنت أعمل وما زلت أعمل من خلال إسلامي وإسلامي فقط، وهذا طبعا لا ينفي حبي وتقديري لدور الإخوان في الحياة العامة.. وفي نفسي وفي تاريخي، بل إن الإخوان أعطتني من الذكر والاسم والتربية ما لم أكن أحلم به..
ولعل نقدي لها الآن هو خير برهان على حبي وتقديري لها، وسواء رضي الناس عن هذه الحركة أو سخطوا عليها فإنها كانت ولا تزال تحدث تأثيرها الجذري في كل الحركات الإسلامية والتحررية والوطنية القائمة الآن في العالم العربي والإسلامي بل والعالمي وعلى الرغم من قسوة ضربات عبد الناصر
إلا أن رجال الحركة لم يكفوا عن العمل الجاد لأمتهم أذكر أنني زرت النادي المصري في لندن عام 1963 ودعيت بحكم مهنتي الصحفية لحضور اجتماع للأساتذة المصريين في لندن وهناك فوجئت بوجود أحد الإخوان وهو الدكتور المنوفي الذي كان متهما معي في قضية مسجد الروضة وهو يرأس اجتماعا لكبار الأساتذة المصريين
وذلك بعد اختياره من جميع الطلبة العرب لرئاسة اتحادهم وعلمت أن كثيرا من قادة الحركات الإسلامية في أوروبا وأمريكا كانوا ينتمون في يوم ما للجماعة ولقد قام الكثير من شباب الإخوان المسلمين بأدوار رئيسية في الحركات الوطنية والتحررية في العالم العربي
ويدعوني هذا الاستطراد لذكر أبو عمار «ياسر عرفات» إن هذا الرجل الذي ملأ اسمه وذكره العالم كله كان في يوم ما منتميا لحركة الشباب الجامعي الذي كان يحارب في القناة وهذه الحركة كما سبق أن ذكرت انبثقت من داخل الإخوان..
ولا يعني هذا أن ياسر كان من الإخوان ولكنه كغيره آمن بالجهاد ورضي عن قيادة الإخوان ولولا خشية إحراج رجال لهم مكانتهم لذكرت للقارئ ارتباطاته القديمة بالإخوان .
أخلص من هذا الاستطراد أن الجماعة قامت ولا تزال تقوم بدور توجيهي طليعي في العالم العربي والإسلامي .. بارك الله خطاها وبارك خطا العاملين المجاهدين.وليسمح لي القارئ أن أعود به إلى تجربتي الصحفية وانعكاسها على نفسي.
ثانيا: يقولون أن الصحافة هي صحافة الخبر.. هذا الرأي قد لا يقبله البعض وخاصة من يدينون بالشيوعية أو من يخضعون لحكم الفرد المطلق والمؤمنون بأن الصحافة هي صحافة الخبر يستندون في نظريتهم إلى أن الإنسان بغريزته يحب أن يعرف جديدا، وجديدا يهمه سواء على المستوى الشخصي أو الوطني أو العالمي هذه الغريزة تغزيها صحافة الخبر أما صحافة الرأي فإنها تعجز عن الوفاء بمتطلبات الناس ولا تعطيهم جديدا، ولعل السبب في نجاح صحيفة الأخبار وتفوقها على غيرها أنها صحيفة الخبر، وحتى إذا تعرضت للفكر فإنها تقدم الفكر بأسلوب صحفي متصل بالأحداث اليومية.
وإن كنت أفضل أن تجمع الصحيفة بين الخبر الصادق المشوق، وبين الفكر الأصيل.. أما ما يحدث في الصحف فأمر يحتاج لوقفه ولو قصيرة.. المعروف أن الصحف تخضع للجهاز المسيطر على الصحيفة وهذا الجهاز يخضع بشكل أو بأخر للتوجيه الحكومي ..
فمثلا الذين يكتبون المقالات الرئيسية في الصحف هم من الصحفيين الذين يملكون السلطة في الصحف .. هم وحدهم يكتبون والآخرون مكتوب عليهم القراءة.. ونادرا ما تسمح هذه الصحيفة، والمتنفس الوحيد للمواطنين قد يجئ عن طريق الأحاديث الصحفية أو التحقيقات التي غالبا ما يكتبها الصحفيون بأنفسهم ويضعون فيها فكرهم..
وقد تكون هذه التحقيقات موجهة من الحكومة أو من جهاز آخر أو تنظيم سري.. ولقد دفع الحزب الشيوعي في مصر في يوم ما بعض عناصره لعمل تحقيقات مثيرة في صفوف العمال ولم يكونوا يستهدفون من وراء هذه التحقيقات إلا إثارة هذه العناصر وتجميعها وتكتيلها ليوم كانا يستعدون فيه لفاصلة جمال عبد الناصر نفسه..
ولقد سمعنا من الشيوعيين الذين رافقونا في السجن قولهم أنهم إنما يتعاونون مع جمال عبد الناصر كمرحلة للوصول إلى الحكم كانت خطتهم تستهدف تصفية خصومهم بيد جمال عبد الناصر ، ثم القضاء عليه بعد ذلك وأظن أن جمال لم يكن يجهل هذه الحقيقة إلا أنه كان حائرا فيما يفعل وخاصة أن العناصر الشيوعية كانت تستند إلى قوة روسيا وتأييدها السياسي والعسكري لمصر؛
ومما أذكره أن خروشوف رئيس وزارة الاتحاد السوفيتي رفض زيارة مصر لأنها دولة تسجن الشيوعيين، ولقد أثر ضغطه هذا على عبد الناصر ، ولكنه بعناده المعروف لم يفرج عن الشيوعيين مباشرة وتحايل على الأمر بأن أصدر دستورا مؤقتا وما أكثر الدساتير التي صدرت في عهده هذا الدستور انتهى بالإفراد عن الشيوعيين فقط، وأقفل الباب في وجه الإخوان..
ونفس هذا الموقف تجدد وبشكل مباشر قبل حرب 1967 مباشرة، فلقد أصدر شمس بدران أوامره بالإفراج عن جميع المعتقلين الشيوعيين وكان عددهم لا يتجاوز 150 معتقلا وذلك بمجرد هبوطه من الطائرة التي عادت به من موسكو، وهذا يعني أن موسكو أشترطت الإفراج عن الشيوعيين في مقابل مساعدتها لمصر..
هذه الأمثلة أسوقها تدليلا على أن العناصر الشيوعية كانت مرتبطة بسياسة موسكو، وكانت موسكو تعتبر الشيوعيين في مصر وفي غيرها بمثابة عملاء لها، وفي مقابل هذا كان الشيوعيون يشعرون بالولاء لروسيا أكثر من الولاء للدولة التي ينتمون إليها ولقد أفقدت هذه التبعية الحركة الشيوعية فعاليتها وقدرتها على الحركة
يضاف إلى هذا أن الحركة كانت ولا تزال تناصب الدين الإسلامي العداوة متهمة إياه بأنه يناهض الحركة التقدمية الثورية ومع أنني راغب عن الاستطراد في هذا الموضع إلا أن الكلمة العاجلة التي أحرص على تسجيلها هي أن عداء الحركة الشيوعية للإسلام كان عداء جهلاء يسيرهم عملاء تضللهم الصهيونية والاستعمار الغربي لأن الدين الإسلامي يرفض كل ألوان الظلم والتسلط سواء كان التسلط مبنيا على طغيان رأس المال أو طغيان السلطة الحاكمة
وأخذا بهذا المبدأ الأصيل يمكننا أن نرفض وجود الطبقية التي تستند إلى قوة رأي المال أو قوة الحكومة ونتيجة لإلغاء الطبقية لن يجد له المال مكانا إلا في يد الشعب الذي يصرفه على نفسه آخذا بعدالة التوزيع فالإسلام يرفض دكتاتورية رأس المال ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ويرفض دكتاتورية السلطة أو الحكومة: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾
هذه القواعد السهلة البسيطة يمكن صياغتها على أي وجه وفي أي قالب فإذا تحققت الصياغة فالأمر الذي لا شك فيه هو أن الشيوعية بدكتاتوريتها والرأسمالية بجبروتها سوف يهربان من أرضنا بل ومن العالم أجمع.
إن هذا الاستطراد عن الحركة الشيوعية اضطرني إلى الحديث عن صحافة الخبر وصحافة الرأي .. ومع أنني لم أقصد من وراء هذا الحديث تقديم دراسة عن الصحافة إلا أنني أرجو أن أتمكن من خلال هذا الكتاب من إيداع ما يضطرب في نفسي من فكر ورأي ومنهج.
يبقى سؤال يحتاج لجواب صريح فلماذا كان من أمر الصحيفة وأمري.؟ لقد آثرت أن أعيش في أجهزة الصحافة لأتعلم فن المهنة وأصولها فعلمت في قسم الأخبار وقسم التحقيقات فترة لا تقل عن خمسة أعوام إلا أنني لا أستطيع أن أقول أنني تفوقت في عملي؛
ولكني أقول أنني، بذلت جهدا طيبا وسجلت بعض الانتصارات الصحفية إلا أن الفائدة الكبيرة التي كسبتها هي أنني عشت الصحيفة وتعايشت مع زملائي وزميلاتي وأثرت فيهم وتأثرت بهم، فلقد حرصت على أن أنصح لهم وبأسلوب مقبول ووجدت استجابة من بعضهم
ولكني كنت أشرع أن دعاية عبد الناصر المضادة كانت تلاحقني وتلاحق الجميع كان الناس ومنهم الصحفيون يعيشون فترة من الخوف والانزعاج من اسم الإخوان ومن أشخاص الإخوان ويتجنبون كل ما يتصل بهم.
ولقد أثر هذا الخوف في نفسي وفي غيري وحال بيني وبين أداء رسالتي على الوجه المطلوب.. فقيدت قلمي طواعية قبل أن تقيده الحكومة قسرا وربطت على لساني مخافة أن تقطعه الحكومة.

وليسمح لي القارئ أن أضع تصوري عن الصحف بصفة عامة:

(أ‌) الصحف الموجهة من الحكومة أو الأجهزة الحكومية تلتزم بسياسة الحكومة ورئيسها ويتحول العاملون بهذه الصحف إلى موظفين شبه حكوميين يلتزمون بمسلك معين الأصل فيه السمع والطاعة، ومهما حاول هؤلاء الموظفون التحرر من سلطان وظيفتهم فإن محاولتهم لن تتعدى الإطار المرسوم لهم.. ويكفي مثلا لما أقول إن جمال عبد الناصر ظل بكل أخطائه محصنا من النقد طوال حياته، بل إن هذه لحماية امتدت إلى وزرائه والعاملين معه..
(ب‌) الصحف الحرة.. والواقع أن عبارة صحف حرة مبالغ فيها، لأن جميع الصحف التي تصدر في الدول ذات الاقتصاد الحر تخضع للمعلن وللمعونات، وسواء كان المعلن حكومة أو قطاعا خاصا فإنه يعتبر مصدر التوجيه والإلهام لهذه الصحف وتكون إيرادته هي المسير للصحيفة، ويلتزم العاملون بهذه الصحف ..رضوا أم كرهوا بإرادة رب العمل الذي لا يملك إلا تراضي المعلنين والممولين ولقد لمست هذه الحقيقة في صحف الصحيفة وأما ما يقال عن حريتها فإنه أمر مشكوك فيه ومع هذا كله فإنها لا تستطيع سواء عدلا أو ظلما أن تنقد وزيرا مسئولا.

ولكن ما هي الصورة المثلى لكي تؤدي الصحف رسالتها .. إنني ناقشت هذا الأمر كثيرا مع نفسي ومع الغير ولا أقول أنني انتهيت إلى رأي سليم ومتكامل ولكني أقترح أن تحرر الصحف من سلطان الحكومة ومن سلطان أرباب الإعلانات؛

ولن يتحقق هذا إلا إذا قامت مؤسسات صحفية تكون على هيئة شركات مساهمة شعبية شريطة ألا تمكن أصحاب رؤوس الأموال من الهيمنة عليها أما دور الحكومة فلا ينبغي أن يتعدى نطاق تقديم معونة تتدرج حسب قدرة الصحف على الانتشار كذلك عليها أن تلتزم بتزويد الصحف بالإعلانات أخذا بنفس هذا الأسلوب..

يتبقى بعد ذلك دور اختيار الكتاب والمحررين لأن كتاب الصحف لا يقلون في دورهم الإعلامي عن خطباء المساجد والمدرسين ولما كانت رسالتهم بهذا القدر فإنه إلى جانب إحسان اختيارهم ووضع معايير أخلاقية ودينية وعلمية وثقافية إلى جانب القدر الفنية الصحفية ..

إن الأقلام الصحفية تلعب دورا خطيرا في توجيه المجتمع ومن حق المجتمع أن يضع الضمانات الكافية لحماية نفسه من المنحرفين والذي سهمني أن أقوله في ختام حديثي عن الصحافة أن أذكر نفسي والصحفيين والمتكلمين أن يتذكروا قول الله تعالى: ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون﴾

لقد استيقظت هذه الآية أخيرا في نفسي وكأنني لم أقرأها أو أفهمها من قبل تماما، أو لعلي كنت لا أتذكرها إلا حينما أتحدث في جمهور قليل من الناس أما أن أخطب في جماهير أو أكتب في صحيفة أو كتاب فإن هذا المعنى كان يبدو بعيدا عني وغدوت الآن أدرك خطورة ومسئولية الكلمة أمام الله والناس، الكلمة المنطوقة والمقروءة والمسموعة، من أجل هذا أجدني حريصا كل الحرص على أن ألزم نفسي هذا الكتيب أن أقول كلمة الحق ما مكنني ربي...

كل هذا الحديث عن الصحافة دعاني إليه ما أهم بكتابته عن الأحداث التي وقعت عام 1965 وما تلاها وليسمح لي القارئ أن أدنو به من «باب السجن» ولكن قبل أن يخطو أعتابه ليشاهد الهول الأكبر أرجو أن أذكره أن تغييرا ما قد تم في سياسة الحكومة الخارجية هذا التغيير أو الانحراف اتجه إلى الشرق بعنف والتزام بالخط السياسي الروسي ولحد ما بالخط الفكري.. ونتج عن هذا مناصبة من يسمونهم باليمينين أشد العداء..

وكان طبيعيا أن يوضع الإخوان على رأس القائمة وقد كان وتأهب جمال عبد الناصر لخوض معركة التصفية ضد الإخوان ولأني أكتب كلمة للتاريخ ألزمت نفسي فيها بالأمانة والصدق أقول إنه قبل وقوع أحداث سنة 1965 بحوالي خمسة أشهر همس في أذني صديق كبير ملتصق بالثورة أيما التصاق بل هو منها وعليها قال لي ما معناه أن ضربة ما ستوجه إلى الإخوان وأنها ستكون ضربة عنيفة؛

وبمجرد سماعي لهذا الخبر بدأت أتحايل للخروج من مصر فرارا بديني وخلقي ولكن أجهزة الأمن رفضت السماح لي بالسفر مع أنها كانت قد أذنت لي من قبل كما سبق أن ذكرت.. ثم بدأت المحنة الجبارة التي يزعمها شمس بدران وآخرون وأحلافهما..

بدأت بمقدمات وعلى خطوات كانت أولاها اعتقال الإخوان وتعذيبهم ثم إطلاق سراحهم فأوجست النفوس خوفا واضطربت البيوت وانزعج الأقارب والأصحاب وتخلخلت العلاقات الاجتماعية وبدأ كل واحد منا يسترجع عذاب الماضي وآلامه، ويتكهن بما سيجري له.

ولكن الأمر الذي كنا جميعا نستبعده هو احتمال تعرضنا لمحنة مثل محنة 1954 ذلك لأننا كنا نشعر أن ظروف وملابسات تلك المحنة غير قائمة فالجماعة غير موجودة، وقيادتها لا تزال معظمها بالسجن وجهازها السري اختفى من الوجود..

وعلى الجانب الآخر كنا نتخيل أن جمال عبد الناصر قد غير سياسته وخالف منهجه ولم يكتف بمخالفة سياسته بل أن تطرف في عدائه للتكتلات الغربية ونجح إلى حد كبير في إسقاط الأحلاف الاستعمارية كحلف بغداد وغيره..

ثم أنه أفرج عن عدد كبير من المسجونين هذا كله جعلنا نستعبد محنة كمحنة 1954 ولكن الأمر كان على عكس كل تصوراتنا فقد كانت ضربة 1965 تعنوا أمامها ضربات يناير وأغسطس 1953 فأولا كانت تفتقد مبرراتها وهذا ما أعطاها مرارة خاصة في أنفسنا ثم إنها كانت تستمد جبروتها من موقف سياسي خاصة عقائدي معروف بعداوته الضارية للإسلام عامة وللإخوان خاصة كان الشيوعيون يتحفزون لهذه المعركة ويعدون لها عدتها ..

ولقد كشفوا عن نواياهم يوم أن ذهبوا لاستقبال جمال عبد الناصر في المطار وهو عائد من موسكو وكان هتافهم قتل قتل يا جمال.. لا رجعية ولا إخوان»..

ولعل إعلان جمال عبد الناصر في موسكو يوم 4 سبتمبر 1965 عن عزمه على ضرب الإخوان، أعطاهم فرصة كبيرة للكشف عن عداوتهم الضارية وتشوقهم للانتقام من أخطر أعدائهم.

عشية الثامن والعشرين من شهر أغسطس اقتحم بيتي خمسة من رجال المباحث بقيادة ضابط من ضباطهم وفي دقائق نبشوا البيت، كانوا في عجلة من أمرهم، وكانوا يؤدون عملهم بروتينية لأنهم كانوا على يقين أنني لا أخفي في بيتي شيئا من المحظورات ثم ساقوني أمامهم وبناتي الأربعة يقفن في ذهول ولا أذكر من قالت منهم يومها: أنتم سرقتم بابا..

وقد صدقت في تعبيرها ثم حشرت في عربة سوداء مضت بي إلى مباحث الدقي ومنها نقلتني إلى القلعة وهناك دفع بي إلى زنزانة ضيقة مختنقة لا يكاد ينفذ إليها نور أو هواء.. ردتني هذه الزنزانة إلى أحد عشر عاما خلت. ففي مثل ذلك اليوم أي في ليلة 28 أغسطس عام 1954 اعتقلت ودخلت نفس الزنزانة وبت فيها ليلة واحدة.

إن القلعة تعتبر رمز القسوة والظلم والجبروت إنها قطعة من الصخر بنيت في قلب جبل صخري ولها عيون حادة سوداء تقتحم العاصمة الرابضة أمامها تلقى في قلوب الآمنين الرعب والخوف أنها نفس المكان الذي كان غدر فيه محمد علي بخصومه من المماليك؛

وهي نفس السجن الذي أرهب به أبناؤه وذريته من بعده الشعب المصري المسالم وأخيرا استعملها عبد الناصر باسم الشعب ضد من أطلق عليهم أعداء الشعب اتخذها حماية له من كل من يفكر في معرضته بالكلمة أو الورقة أو السلاح.. إلا أنه أدخل فيها كل جديد مبتكر أو مستورد من صنوف العذاب المرير..

القلعة بت ليلة في تلك الزنزانة لا أعرف شيئا عن غدي أو عن مصيري وحاولت جهدي في أول الليل أن أسترجع حركاتي وأحصى تصرفاتي خلال الفترة التي أعقبت الإفراج عني عام 1961 بل إنني استرجعت الصورة التي سبقت الإفراج عني وجرى أمامي شريط سريع من الوسائل التي انتهجتها حتى تم إفراج عني؛

لقد كتبت العديد من صادقة بل وصادرة عن انفعالي حقيقي، وكان بعضها يتسم بالمجاملة والرغبة في التقرب إلى الحكومة لتفرج عني قد انفعلت بوحدة سوريا ومصر إيما انفعال وانفعلت بموقف جمال عبد الناصر في هيئة الأمم يوم أن سعى للصلح بين خروشوف وأيزنهاور حتى خيل إلي وقتها أن الرجل قفز بمصر إلى مصاف الدول الكبرى؛

وأعطاها مكانة عالمية بعد أن كانت شبه مستعمرة تمثل «درة التاج البريطاني» كما كان الإنجليز يطلقون عليها.. هذه المواقف وغيرها أثرت في نفسي أيما تأثير وشدني إلى وطنية لها عمقاها في نفسي ودعتني لأن أغفر جمال عبد الناصر الكثير من أخطائه.

كل هذه الصور تدافعت إلى رأس ي تلك الليلة ثم لحقت بها صور أخرى.. بيتي الحبيب أسرتي الطيبة أولادي الصغار زوجتي المعذبة لقد اختطفت من بين أيديهم بلا مقدمات ولم أكن قد تركت لهم شيئا يذكر فأشفقت عليهم من الجوع والحرمان..

ولكن طمأنينة ما تنزلت على قلبي وسكينة لا أفهم لها سببا سرت في نفسي فأسلمت الأمر لله ..وفجأة عرض أمامي شريط مرعب عن التعذيب الذي قد أعترض له فارتعدت خوفا لأن التعذيب فضلا عن أنه إيلام جسدي رهيب فهو تحطيم للإنسانية وسخرية بكل القيم وإذلال وامتهان للكرامة وتهاون بكل شيء.

في اليوم التالي لاعتقالي ساقوني مع مجموعة من زملائي إلى مكان ما تبين لنا أنه سجن أبو زعبل الرهيب وكنا أول من دخل هذا السجن بعد أن جدد بناؤه القديم الذي سبق أن هدمته القنابل البريطانية سنة 1956 كان استقبالنا في السجن عاديا لا ضرب ولا شتم ولا حمزة ولا كلاب فاستبشرنا خيرا وانقلب السجن إلى قطعة من العذاب سياط وعصي وصراخ شيء فظيع .. فظيع حقا.. ومرت أمامي مشاهد فظيعة حقا.. ومرت أمامي مشاهد لا أستطيع أن أتخيلها أو أتصورها وكلما عرضت لي فزعتني وأقضت مضجعي وأثارت آلاما لا أستطيع تحملها إلى هذا اليوم إذا سقطت بالقرب مني قطعة من الحديد انتفض جسدي خوفا واضطربت أعصابي واسترجعت كل آلامي .

والسبب في هذا أن العذاب كان يبدأ من تمام الساعة العاشرة صباحا بإلقاء قضيب من الحديد على الأرض ثم يتصل العذاب إلى فجر اليوم التالي هذا القضيب كان يعلق عليه المعتقلون مثل، الذبائح تماما ثم يوضع طرفاه على كرسيين ويظل المعتقل على هذه الصورة أيام يضرب بالعصي والكرابيج على جسده، وبكل قسوة يمكن أن يتصورها العقل..

نسيت أن أقول أنه قبل أن يجري عليه العذاب يعري من ثيابه تماما كيوم ولدته أمه وتعصب عيناه بمنديل، حتى لا يعرف شيئا عمن يضربه.. صورة بشعة مرعبة . شاهدتها عشرات المرات.

أما المشهد الآخر فهو أشد روعا من الأول وفي ظني أن أي مخرج سينمائي وليس بمقدوري الآن أن أنقل صورته للقارئ مهما أوتيت من قدرة على البيان أو الكتابة هذا المشهد كان كالأتي:

يؤمر المعتقل بالتجرد من ثيابه بعد أن تعصب عيناه، ثم يؤمر بتسلق قضبان حديدية إلى مسافة قد يصل إلى ثمانية أمتار ويكلف بالصعود والنزول فوق هذه القضبان في الوقت الذي تنهال عليه السياط والعصي في كل جانب، وحتى إذا تعب الجلادون قاموا بربط المعقل برباط غليظ إلى القضبان الحديدية ويظل المعتقل معلقا وهو عريان تماما بين السماء والأرض طوال الليل والنهار والدماء تقطر من جسده المنهك تاركة خطوطا حمراء وسوداء تثير الرعب والفزع .. مشهد لا يمكن أن يتخيله مخرجو الأفلام السينمائية وقد بلغت السفاهة ببعض المعذبين أنهم كانوا يتسلون بضحاياهم بأن يغرسوا عصيهم في دبر المعذبين أو يعبثوا بقبلهم وهم يضحكون....

كم يوما يستطيع أن يتحملها إنسان تحت هذا العذاب.. إنسان معلق بين السماء والأرض معصوب العينين مشدود إلى قضيب من حديد يضرب ليل نهار ولا يكاد يطعم شيئا أو يشرب إلا القليل من الماء ...!!

كم يوما بل كم ساعة يمكن أن يتحملها الإنسان .. هذه الصورة من العذاب اتصلت أكثر من شهر بالنسبة لبعض الإخوان أذكر منهم الدكتور أحمد الملط، ومحمد الغزالي الجبلي شقيق زينب الغزالي وأنوار عزب...

إن المسيحيين يقيمون الدنيا ويقعدونها منذ ألفى عام توجعا على زعمهم بصلب المسيح كما يدعون فكيف بهم وبغيرهم ولو شاهدوا عملية الصلب والتعذيب لجماعات من الناس دون ما ذنب أو جريرة اللهم إلا وهما بأن حكم جمال عبد الناصر يحف به خطر.

هذا المشهد لا أستطيع تصويره مهما أوتي من براعة في التعبير ومن أجل هذا أوثر الاكتفاء بما ذكرت.ولأنتقل إلى مشهد آخر نوديت ذات يوم وأمرت بأن أعصب عيني حتى لا أتعرف على الطريق التي سأسلكها أو على زبانية العذاب الذين سيتمتعون بتعذيبي ثم جروني مع مجموعة من زملائي إلى مكان خارج عنبر السجن كنت أرتعد من الخوف وكان الصراخ المتصاعد من حولي يضاعف من رغبي ومن خوفي.

أدخلت في السلخانة وأمرت تحت وطأة الكرابيج والعصي بالتجرد من ثيابي ثم الرقود على الأرض ورفع قدمي إلى أعلى .. وبدأت العصي تنهال على جسدي بكل فظاعة وقسوة، وأنا أصرخ وأستجير ولكن لا مغيث، وكانوا أثناء الضرب يسألوني عن اسمي ووظيفتي ويتسون بأسئلة لا معنى ولا مغزى لها، ومن أسئلتهم التي عجبت لها سؤالهم إياي عن مدى صلتي بكمال الدين حسين..

ثم تطرقوا لأسئلة أخرى عن فترة ما قبل المعتقل .فلما قلت لهم أنني كنت أصطاف في معسكر جمصة جن جنونهم وتضاعف غضبهم، وتسابقوا على ضربي بأحذيتهم وكرابيجهم، وهم يسألون عن أخبار هذا المعسكر وماذا كان يجري فيه، وتحت وطأة العذاب طلبوا مني أن أعترف على المدربين وعبثا حاولت إفهامهم عن حقيقة المعسكر وأنه معسكر حكومي تشرف عليه إدارة رعاية الشباب، فاضطررت لذكر أسماء أشخاص كانوا معي في المعسكر ولكنني حرصت على أن أذكر أسماء من اعتقلوا معي تجنبا لإيذاء آخرين، ثم أكدت لهم أننا كنا نصطاف على الشاطئ ولم نكن نتدرب.

ثم انتقلوا لسؤالي عن موضوع غريب ما كنت أعتقد أنه يشكل أتهاما خطيرا ضدي نظام الحكم الموضوع يتعلق بقضية كنت قد وكلت فيها كمحام عن أحد الإخوان الذين سبق الحكم عليهم من محكمة الشعب والقضية تتعلق بطبيعة هذه الأحكام وقد وفقني الله لكسب القضية إلا أن جهاز المباحث غضب من تصرفي وبيت انتقاما لكرامته؛

وكرامة أحكام محكمة الشعب المضحكة المهم أنهم أوجعوني ضربا بسبب هذه القضية اتصل تعذيبي خمس ساعات دون توقف وخلصت من بين أيديهم وأنا مزقة بشرية، بها بقية من حياة تتمثل في جسد يتحرك بلا ضابط ولولا ملاحقتهم لي بالعصي والكرابيج والشتائم لما استطعت السير بل والركض أمامهم حتى أدركت زنزانتي؛

فلما رفعت المنديل الذي كنت أعصبه فوق عيني لمحت سحابة الحزن والألم والرعب ترتسم على الوجود الصفراء الخائفة التي كان تلتصق بالجدران كان كل واحد منهم ينتظر دوره في السلخانة ويتخيل نفسه وهو يجر معصوب العينين إلى حيث يلقى نصيبه من العذاب ولما كان المعذبون يؤمرون بعدم ذكر أي سبب لتعذيبهم فقد كان إخواننا يتوهمون أن العذاب لن يمسهم لأنهم لم يقترفوا شيئا!

ولكن تبين لنا فيما بعد أن العذاب كان يمارس من قبيل الاستمتاع والتلذذ ليس إلا فمثلا عذبت مجموعة من الشباب لأنهم كانوا يتناولون طعاما معا في نزهة خلوية، وتعرض عدد كبير من أبناء شبين الكوم لأشد العذاب لأنهم كانوا أعضاء في فرقة لكرة القدم وقد ضبط كشف بأسمائهم وقد ضبط كشف بأسمائهم عند مدربهم وكان الكشف يحمل رموزا لأسماء اللاعبين؛

فظن رجال المباحث أن هذه الرموز تعني أسماء حركية لجهاز سري فعذب مدرب الفريق عذابا رهيبا أعجزه عن كشف حقيقة الأمر إلا في اليوم التالي نسيت أن أقول أنهم أمروني أثناء التعذيب وأنا مغمض العينين بالتوقيع على محضر قالوا أنه محضر تحقيق فتحايلت على توقيعه بشكل مثير للغموض فضربوني لإعادة التوقيع لأتخلص من العذاب وقعت على ورق لا أعرف عنها شيئا يومي هذا ..

وبعد ثلاثة أيام استدعيت مرة ثانية، وبعد أن عصبت عيني ساقوني في طابور طويل كلهم معصوبو العيون ثم دفعوا بي إلى غرفة التعذيب حيث تركت فترة أسمع صراخا وعويلا ووقع الكرابيج والعصي وعبارات الاستعطاف والاسترحام التي تمزق القلب إلا أنني لم ألق منهم عذابا في ذلك اليوم...

مكتفين بترويعي لاعترف فأقسمت بالأيمان المغلظة أنني لا أعرف شيئا عن الأجهزة وأنني بعيد كل البعد عن الإخوان ثم استحلفوني بالطلاق فحلفت وفي حركة درامية شد أحد الضباط العصابة من فوق عيني ثم وقف أمامي ضابط آخر وقال لي أنت عارف ده مين؟ دا فلان اللي كان يخطب ويقول كذا وكذا وأخذ يمثلني وأنا أخطب؛

فلاطفني الضابط الكبير فبكيت ولا أدري ما سبب بكائي ثم تشفعت بالضابط الكبير ليكفوا عن عذابي، قد تسألني ولم الاستعطاف والتشفع أقول بكل صراحة بل وأوصي وأنصح كل من يسقط في يد الحكم العسكري أن يحاول ما أمكنه الإفلات من قبضته لأن الحكم العسكري لا عقل ولا منطق له، ولا قانون يحكمه شأنه شأن الوحش المفترس فمن العبث مواجهة وحش مفترس والأفضل الإفلات منه هذا رأي وما زلت أنادي به... ولقد أمدني حادث طرة الرهيب بما يحملني على إبداء هذا الرأي ولكم وددت لو تمكنا من تجنب أنفسنا ما وقع لنا في حادث طرة ولكن قضاء الله نفذ ولا راد لقضائه.

ولما كنت حريصا على كشف كل ما كان يحتمل في صدري فإنني أعترف بأنني كنت من المشجعين على تأييد الحكومة على أثر اعتقالنا ولم يكن هذا التأييد عن اعتقاد مني بسلامة موقف الحكومة ولكنني كنت خائفا من تكرار حادث طرة مرة ثانية..

كما كنت أخشى أن ينقسم الإخوان على أنفسهم إلى مؤيدين ومعارضين ويقع بينهم ما وقع لإخوانهم في الواحات والسجون الأخرى وكان هذا كله بفعل الحكومة كل هذا حملين على انتهاج سياسة ملاينة الحكومة حتى يخف عذابها عنا لقد وصل الأمر بنا إلى درجة لا تسمح لنا بغير هذا الموقف لأن معارضة الحكومة تعني إبادتنا والسكوت عن تأييدها يضاعف من عذابنا .. فماذا كان ينبغي علينا فعله غير الذي فعلناه.!!

انتهت جولتي الثاني في السلخانة بسلام إلا أن العذاب لم يتوقف بالنسبة للجميع إلا بعد ثلاثة أشهر من اعتقالنا ومما أذكره وهو قليل جدا مما عرض لنا أن إدارة السجن قررت ذات يوم ضرب جميع المعتقلين فأصدر قائد السجن أمرا بصرف خمسين عصا لكل معتقل احتفاء بذكرى حادث المنشية الذي تعرض فيه عبد الناصر للقتل؛

ولقد نفذت فينا العقوبة بصورة مخزية فقد أمرنا جميعا بربط عصابات على أعيننا ثم الحبو على أرجلنا وأيدينا شأننا شأن القرود والكلاب وأمرنا بالزحف هبوطا على درجات السلم إلى ساحة السجن ثم طرحنا على ظهورنا وأمرنا برفع أرجلنا لنتلقى تحية الذكرة .

وكان صراح المئات من الشيوخ والشباب بل والصبية وهم يضربون رهيبا مفزعا وكان منظر الجلادين الكبار وهم يتفرجون علينا مخزيا مخجلا إنني مذهول مذهول حقا كيف كان هؤلاء المجرمون يتحملون مشهد هذا العذاب وكيف كانوا يفكرون وأين قلوبهم؟؟

أنني أشك في أن يكون لهم قلوب أو آذان أو أي شيء يتصل بالإنسانية لا شك أنهم نوع خاص من الناس إذا سمحنا لأنفسنا أن نطلق عليهم تعبير الناس عقب هذا الحادث بيومين ناداني واحد من الذين كانوا يشرفون على التعذيب وحول جهده أن يبرر سبب تعذيبه للمعتقلين قال لي وهو يتجرع كأسا من الشاي لو اعترف المعتقلون بجرائمهم لما أصابهم ما ترى وأشار إلى المصلوبين على قضبان الحديد ثم أضاف قائلا أن المجرم الإنجليزي إذا وقع في يد العدالة بادر بالاعتراف بجريمته إما المجرومون عندنا فينكرون كل شيء وهذا ما يضطرنا لضربهم.

لقد مرت على المئات من مشاهد الإيذاء والعذاب منها النفس ومنها الجسدي ولا بأس من ذكر بعض الأمثلة مثلا أمر أحد الأبناء بضرب أبيه بالعصا على رجليه فلما أجفل الابن عن ضرب أبيه ضربوه بشدة فكان الأب يرجو ابنه ليشتد عليه بالضرب ..

وقال لي معتقل أن واحدا من رجال المباحث وضع حجرا على صدره ثم أمره أن يقول أحد أحد كما كان يقول بلال وهو يعذب كان يتهكم من بلال بن رباح الصحابي الجليل.. ومنها أنهم كانوا يأمرون المعتقلين الجدد بالتجرد من ثيابهم ثم يستمتعون باستعراضهم وبعد أن يتم استعراضهم يتركونهم عرايا لساعات ثم يسمحون لهم بارتداء الثياب لقد سمعت عشرات القصص ولكن وللأسف لا أكاد أذكر منها إلا القليل ولحرصي الشديد على أمانة الكلمة فإنني لم ولن أذكر إلا ما استيقنت منه وأنني أعتقد أن بعض الإخوان دنوا الكثير مما جرى لهم ولعله يتيسر لهم تسجيله ونشره فيما بعد.

ومن المضايقات العديدة في المعتقل أنهم كانوا يحشروننا بالمئات في حجرات عفنة في معتقل طرة حتى أنه كان يستعصي علينا النوم ولقد بلغ الأمر ببعض زملائنا أنهم كانوا يتقاسمون الليل ويتناوبونه، فينام البعض ويظل الباقون جالسين القرفصاء وكان الطعام قليلا جدا وقذرا للغاية وكان الماء في بلاد النيل لا يكاد يوفي بالحاجات الضرورية حتى أننا كنا نضطر للتيمم لأداء الصلاة؛

ولقد حرصت الحكومة على قطع علاقتنا بالعالم الخارجي لا صحافة ولا إذاعة ولا رسائل لقد لبثنا ستة أشهر دون أن يعلم أهلنا عنا شيئا ثم سمح لنا بكتابة توكيلات لذوينا ليتسلموا رواتبنا، مع تحذير من كتابة أيه عبارة يشتم منها التحية أو السلام للأهل ولم نسمع صوت الإذاعة إلا بعد عام من اعتقالنا وكان ذلك بعد إعدام المرحوم سيد قطب ورفاقه.

بعد ستة أشهر قضيتها في معتقل أبي زعبل حولت إلى معتقل طرة للعلاج وكان معتقل طرة يعتبر جنة بالنسبة لمعتقلي الحربي وأبو زعبل على الرغم من متاعب الأكل والشرب والنظافة والانقطاع عن الأهل والفتن الداخلية والتلصص كل هذه المتاعب كانت أهون بكثير من عيرها وكان المعتقلون في طرة يتوهمون أنه سوف يفرج عنهم قبل إخوانهم المحتجزين في المعتقلات الأخرى.

وفي معتقل طرة ابتلينا بداء هيب مر به قلة من إخواننا فتنتهم الحكومة واضطرتهم ليتجسسوا على إخوانهم تحت ضغط التهديد أو الإغراء وكان معظم هؤلاء من بقايا المسجونين الذين ابتلوا بممارسة هذا العمل سواء عن رغبة في الإفراج أو أملا في التقرب من الحكومة أو حقدا على الجماعة أو رهبة من الحكومة.

كل هذه العوامل خلقت مجموعة من عيون المباحث في صفوف المسجونين وانتقلت هذه المجموعة لتمارس نشاطها بين المعتقلين... يضاف إليهم مجموعة من المعتقلين نهجوا نفس المنهج تحدوهم نفس الآمال ولعلهم تأثروا من زملائهم المسجونين.

الواقع أن هذا البلاء خلق فينا جوا من الرعب، وحول البعض منا إلى مجموعة من المنافقين تظهر غير ما تبطن .. كنا نضطر خوفا من هؤلاء إلى كيل المديح للحكومة والتبرؤ الدائم من الإخوان.. ولقد وصل الأمر بأحد المعتقلين أنه تطوع بالتجسس لحساب طبيب كان يعمل في مستشفى السجن وكان هذا الطبيب كما اعتقد؛

وبما صرح لنا به من عملاء المباحث العامة المخلصين وصل الأمر بهذا المعتقل أنه كان يبلغ الطبيب على الذين يؤمون الناس في الصلاة حتى أنه كان يستثير حفيظة الطبيب على الذين يؤمون الناس في الصلاة.. فكان الطبيب يخرجهم من المستشفى انتقاما منهم ومن طريف ما أذكره أن بعض المعتقلين حرصا منهم على أداء الصلاة ي جماعة كانوا ينتهزون فرصة صلاة أحدهم فيأتمون به دون أن يدري فكنت أقول هلم أرجوا أن تضيفوا إلى نية الصلاة وتقولوا نوينا إخراج الإمام من المستشفى وللعلم حرمت علينا صلاة الجمعة طوال فترة إقامتنا بالمعتقل.

إن قضية التجسس لحساب الحكومات من القضايا المألوفة في كل دول العالم ولقد كتبت فيه آلاف الكتب ونقل لنا التاريخ مآسي مؤلمة تسبب فيها الوشاة وأغلبهم إن لم يكن كلهم من الكذابين وأنا هنا لا أحب أن أتعرض للتجسس ضد عدو الدولة فهي قضية قد تتسم بالوطنية بل هي ضرورة من الضرورات في زمن السلم والحرب على سواء وذلك لمعرفة أسرار الخصوم والأعداء ولكن القضية التي تثير اهتمامي هي التجسس لحساب الحكومة ضد خصومها من ا لمواطنين.. للكشف عن المجرمين العاديين حماية للمواطنين من أذاهم.

ويهمني في هذا المقام أن أسجل وجهة نظري بالنسبة لقضية التجسس بصفة عامة أو قضية الجواسيس ينقسمون إلى قسمين:

قسم يؤمن بعمله ويوظف نفسه له عن طواعية ودون مقابل لتبلغ الحكومة أخبار خصومها الذين يتآمرون في عملهم ولأن هذه المشكلة دقيقة ..فإنني أتمثلها كالآتي.. حكومة صالحة تعمل بإخلاص لحساب الشعب يتآمر عليها بعض المواطنين الذين قد يكون لهم ارتباطات بدول أجنبية سواء يعلمون حقيقة هذه الارتباطات أو يجهلونها هؤلاء المتآمرون قد لا يكتفون بالتعبير عن آراءهم ومعتقداتهم الفكرية أو السياسية
بل قد يتآمرون ضد الحكومة الصالحة ويعملون على تغييرها لصالحهم فإذا تطوع بعض الناس للتعرف على أخبار المتآمرين إيمانا منهم بأن هذا العمل فيه مصلحة للأمة، إن هؤلاء قد نجد لهم مبررا لتصرفهم ولقد قام نعيم رضي الله عنه بهذا الدور في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الرسول منه هذا العمل ..
ولكن الرسول كره أن يقوم البعض بإبلاغه بأخبار أصحابه وكان يقول لهم ما معناه إنني أحب أن أخرج على أصحابي وليس في صدري شيء .. بل إنه كره أن تكشف أسرار جرائم شاء الله أن يسترها فقال لمن أبلغه أه رأى رجلا ملتصقا بإمرآة قال ما معناه هلا سترتهما بثوبك...

هذا العمل بكل القيود التي أوردتها لا نعتبره عملا لا أخلاقيا أما العمل أللا أخلاقي بل والذي يخالف آداب الدين فهو تجسس البعض على زملائهم ونقل أخبارهم إلى الحاكم سواء كانت هذه الأخبار صحيحة أم كاذبة؛

وللإيضاح أقول إن الذي ينقل أخبار مواطنيه إلى الحاكم سواء كان عن خوف من الحاكم أو عن رغبة في رفده، هذا المواطن لا أخلاق له، ويضاعف في جريمته إذا كان الحاكم ظالما مستبدا ومتآمرا ضد أمته.. أن هذا اللون من التجسس فيه إضرار بالأمة وبالأفراد وفيه مخالفة للشرع، وقد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإضرار بالأمة وبالأفراد وفيه مخالفة للشرع وقد نهي رسول الهل صلى الله عليه وسلم عن الإضرار بالناس ..

قال «لا ضرر ولا ضرار» فإذا طبقان هذه القواعد على ما كان يقوم به قليل ممن فتنوا من المعتقلين من تجسس على إخوانهم لصالح الحكومة فإن أبسط ما وصف به عملهم أنهم كانوا يضارون بإخوانهم المسلمين ويكفي أنهم كانوا يعوقون الإفراج عنهم.

وكان هؤلاء الجواسيس يستهدفون من وراء عملهم تعجيل الإفراج عن أنفسهم أو حمايتهم من الاعتقال مسبقا تقول لي: ما رأيك فيمن كانوا يقومون بهذا الدور؟ أقول: إنني قسمتهم إلى ثلاث أقسام: قسم منهم لا يزال يواصل مهمته إلى الآن ..

إن هذا القسم يتحمل إثمه بين يدي الله ويحسن تجنب شره واتقاء ضرره، وقسم ثان كان يخطئ وهو بداخل السجن وان خطأه تحت ضغط ظروف السجن أو الطمع في التخفيف عن نفسه.

هذا القسم يحسن الرفق به حتى يصحح ما بنفسه ثم يذكر الله حتى يتوب وينيب ومن مستلزمات التوبة إصلاح ما ارتكبه من أخطاء في حق الآخرين إن الذي يهمني في هذا الأمر هو أن نستبين الحق من الباطل ونلزم أنفسنا بضابط إسلامي سليم حتى لا يختلط علينا الأمر ونحتكم إلى أهوائنا وشهواتنا، ولو أننا ألزمنا أنفسنا بالضوابط الإسلامية من أول الطريق لما أقدم بعض إخواننا على الخوض في حق الآخرين.

وهناك فريق من المعتقلين أخطأ على الطريق أخطأ بسيطة لم تكن يدرك أبعادها كأن يكتب تقارير صادقة عن زملائه، معتقدا أنه لا يقول إلا الصدق، إنني لا أبرئ هذا الصنف من إخواننا لأن الحكومة كانت متحفزة للضرب بشدة على يد من بيدي أي رأي مخالف لها أو يمس ولو من بعيد سياستها أو يتعرض بالنقد للقائمين على هذه السياسة؛

وفي ظني أن هؤلاء لو كانوا يدركون أبعاد أخطائهم لأحجموا عن فعلتهم ومما أذكره بهذا الصدد أن أحد الضباط وهو عبد العال سلومة استدعاني وقال لي: يجب عليك أن تقول لنا من هم «الوحشين من الإخوان ومن هم الكويسين» بعد أن ثبت لنا أنك لم تدخل في التآمر ضد الحكومة (كان ذلك في سنة 1965) فقلت له أن من حاكمتموهم بتهمة التآمر يعتبرون بحكم هذا القياس من الوحشين، أما بقية المعتقلين فإنني أعتبرهم من الكويسين،

لأنهم لم يتآمروا ضد الحكومة .. فامتعض الضابط من جوابي هذا وأسرها في نفسه لأنه أدرك أنني أتهرب من التعاون معه الحقيقة أنني لم أكن أعني ما أقول من أن الوحشين هم من حكم عليهم بالسجن، لأنني كنت في يوم من الأيام من المساجين ولكني في الواقع كنت أحرص على أن أجنب نفسي الخوض في المعتقلين الذين أعيش معهم أما المساجين فكانوا في مكان آخر ولن يفيدهم أو ينفعهم حكمي عليهم ثم إنه لم يكن بالإمكان إلا التسليم بما تراه الحكومة وإلا تحولنا إلى مساجين مثلهم.

أعود فأقول إن هذا الصنف الأخير من إخواننا يحتاج لتصحيح نفسه وتصحيح مفاهيمه والاستغفار عما اقترفه في حق إخوانه..

أما موقفي الشخصي من هذه الفئات فإنني أقول أن هذه الوظيفة سواء كانت للصالح العام أو ضده فإني لا أحب ممارستها ولو كانت لحساب حكومة صالحة مباركة ولقد أكرمني الله بعدم الخوض في حق الغير سواء كانوا من الإخوان أو من غيرهم ولقد حرصت على طول الطريق تجنب هذا المسلك بجميع صوره حتى أنني رفضت في أول الثورة عرضا من أحد قادتها بأن أخبره عن تحركات الشيوعيين كما رفضت أن أقوم بهذا الدور ضد خصوم الإخوان والحمد لله الذي عافاني.

أعود للحديث عن معتقل طرة:

نظرا لظروفي الصحية أرسلوا بي إلى مستشفى الليمان حين كان ينزل به عدد ممن ألح عليهم المرض وأوشكوا على النهاية المحتومة وهي الموت وإلى جانب هؤلاء كان يقيم بالمستشفى مجموعة من المكرمين من الحكومة أو من المباحث العامة هذا يعمل في نفس الوقت لحساب المباحث العامة..

عشت في هذه المستشفى قرابة عام، وكنت أحاول جهدي الإقامة فيها لأنها تعتبر مكانا ممتازا بالنسبة للعنابر التي كان يحشر فيها المئات من إخواننا في جو خانق متعب وكان فضلا عن حرمانهم من النوم المريح والنظافة الطعام المناسب كانوا يعانون من تعقب المخبرين لهم، الذين تمكنوا من تكميم أفواه الجميع حتى في المسائل المتعلقة بالأمور المعيشية..

ومما أذكره أن أحد المخبرين نقل إلى إدارة السجن فإدارة المباحث العامة قول أحد المعتقلين: «هو احنا فراخ يمسكونا ويحطونا في الأقفاص»... هذا المعقتل المسكين حمل إلى معتقل أبي زعبل حيث ذاق من العذاب أمره..

ولقد بلغ به الضيق بأحد المعتقلين أن هتف وهو ينظر إلى السماء من خلال القضبان الحديدية «لو كنا نعبد معزة لأنقذتنا» إنني أذكر هذه العبارة على الرغم مني ولكن حرص على تسجيل الأحداث مجردة وكما شهدتها أرجو أن يغفر لي ربي هذا التعبير الممجوج ولا يسعنا الآن وبعد أن تعرى الباطل وتكشف الحق وامتدت يد القصاص الربانية إلى هؤلاء المجرمين إلا أن نبسط أيدينا شكرا لله على وافر رحمته.

إن القارئ قد يمر على هذه الفترة كما تمر عيناه على هذه السطور وقد ينفعل بها انفعالا خاطفا ولكنه لو عاشها كما عشناها لارتجف قلبه، وصعقت نفسه عند كل موقف من المواقف فمثلا على الرغم من عدم وجود مكان للتعذيب بمعتقل طرة إلا أننا كنا نعيش في رعب دائم مخافة أن يستدعونا للسجن الحربي الذي كانت تجرى فيه أفظع صور التعذيب على أيدي جهاز المخابرات؛

والذي كان يضم حسب زعمهم أخطر الإخوان من زعماء الجهاز يليه في المرتبة أبو زعبل الذي تحدثت عن %1 مما كان يجري فيه أو أقل على الرغم من أننا كنا نعيش في سلام نسبي إلا أن استدعاء واحدا منها يعني أن سيشهد عذابا رهيبا وقد يلقى الله نتيجة لهذا العذاب..

هذه هي الحالة النفسية التي كنا نعيش فيها، رعب وفزع دائمين، حتى غدا الموت من أحب أمانينا، ولولا مخافة الله في الآخرة ويتم أولادنا الدنيا لما توانينا عن إزهاق أرواحنا بأنفسنا لأنه خيل إلينا أن هذا العذاب قد كتب علينا ما عشنا وتأول بعضنا ما نلاقيه قربنة على غضب الله علنيا لأننا كنا على ضلال؛

وبالتالي فنحن نستحق العقوبة من الله ومن حسن حظنا أن هذا الشعور لم يكن منتشرا بيننا بل على العكس فقد أكدت لنا محنة 1965 أننا مظلومون 100% لأن معظمنا كانوا قد شغلوا بأنفسهم ومعاشهم عن كل شيء بعد خروجهم من السجن أو المعتقل الأول مما دعا البعض إلى تفسير ابتلائنا على أنه نتيجة لأنشغالنا بأنفسنا وتفريطنا في حق دعوتنا؛

أما ما كنت أذهب إليه من تفسير فهو أن ما نلاقيه من عذاب هو نوع من الابتلاء، أراده الله لحكمة يعلمها هو، وأولى بنا أن نصير ونحتسب ونتقبل حكم الله برضى نفس وطيب خاطر، واحتساب عند الله ولأعد لحديثي عن معتقل طرة مكتفيا بالتعرض لجوانب يهمني ويهم القارئ الحديث عنها؛

وفي اعتقادي أن من أهمها التوعية التوعية معناها ترشيد الإخوان بالتخلي عن أفكارهم وإحلال أفكار الثورة وكانت التوعية على صورتين: الأولي على شكل محاضرات يلقيها أساتذة من الخارج أذكر منهم عبد العزيز كامل ، والشيخ بدارن وكان المحاضرات تستهدف توعيتنا بالإسلام الصحيح على حد زعمهم وتجنيبنا مفاهيم الإخوان الخاطئة.. ثم شرح أهداف الثورة ...

ولا أذكر من المحاضرات إلا محاضرتين:

واحد ألقاها عبد العزيز كامل وكان موضوعها ماذا قدمت الثورة للإسلام.. والثانية للشيخ بدران وكانت في الواقع ممتعة للغاية وتتسم بالموضوعية حتى خيل إلينا أن الرجل كان معنا وليس علينا ..

أما النوع الآخر من التوعية فجاء نتيجة لطلب ملح من بعض المعتقلين أو آحاد من المعتقلين المتحمسين للحكومة والذين كان يعمل معظمهم مع جهاز المباحث فلقد طلب هؤلاء وكانوا من المساجين الذين أفرج عنهم من قبل طلبوا من رئيس المباحث السماح لهم بتوعية الإخوان ، والكشف لهم عن تجربتهم بالسجون وفضح أسرار الجماعة وقيادتها.

ولقد استجاب رجال المباحث لهذا الاتجاه وجاءنا وفد منهم بقيادة وكيل المباحث العامة وكانوا قد رشحوا لمقابلته اثنى عشر معتقلا من الذين سبق لهم أن سجنوا أو من الذين لهم مكانتهم في صفوف الإخوان..

واعتقد أن ترشيحنا جاء بناء على تزكية من هؤلاء الذين اقتراحوا فكرة التوعية وكان من المرشحين حسين عبد الدايم ونجيب الكيلاني والمرحوم علي المنوفي والصاد وعبد العزيز إسماعيل ومحمود الفوال وكنت من بينهم وقد وقع اختيارهم على لأكون أول المتحدثين، فأدركت من أولها أن المقصود توريطي «لمرمطتي» وتشوية سمعتي والنيل مني لأنني كنت أستمتع بسمعة طيبة في نفوس الإخوان .. ثم أوصانا رجال المباحث بأن نهتم بتشوية سمعة الإخوان وقادتها.

حرث في الأمر ماذا أقول، وماذا أفعل، فأنا بين نارين إن تحدثت عما يعتمل بنفسي فليس لي من جزاء إلا العصا أما إذا تحدثت بنا على توجيه المباحث العامة فقد أستشعر الندم ويبدو أن بعض الإخوان لمسوا حيرتي فاشتركوا في تأليف قصيدة طريفة أذكر منها:

«طفنيس» يا ست القرى..
يا وردة بين الورا

هذا فتاك قادم

للتوعيات قد انبرى

«حق الحلاوة» جاهز

إن قال قولا نيرا

«والأهلا أهلا» حاضر

إن قال قولا منكرا
  • طفيس: قريتي وهي تقع في أعلى الصعيد.
  • حق الحلاوة: علبة الحلاوة الطحينية.
  • الأهلا أهلا: أي الضرب.

ومعنى هذه القصة أن زملائي سوف يهدونني علبة من الحلاوة الطحينية إذا وفقت في حديثي أما إذا لم أوفق فلسوف يضربني رجال المباحث العامة.

حرت في أمري حيرة لا مثيل لها لأنني كنت وما زلت حريصا على ألا أمس الجماعة بسوء أو أنال من إخواني ومعظمهم تربطني بهم علاقة طيبة كما كنت حريصا على عدم المساس بمن يعيشون تحت وطأة السجون.. وأخيرا قررت أن أنقذ نفسي أوال، ثم أنقذ الجماعة في أمرين:

أولهما تشكيلها للأجهزة السرية.
ثانيا ما عرف عنها من أنها جماعة المسلمين وليست جماعة من المسلمين.

والذي لا أنساه هو أنني كنت غير موفكق في كلامي كخطيب وإن كنت أعتقد أنني وفقت في الهروب من المساس بالآخرين لقد كان لساني ثقيلا كأن جبلا يرقد فوقه، وكانت نفسي مثقلة بضيق لا حدود له.. ولقد حاول بعض المعتقلين التقرب للمباحث العامة على حسابي على أمل التعجيل بالإفراج عنهم فوقف واحد منهم واتهمني بأنني تهربت من الحديث عن الإخوان وفي الواقع كان محقا فيما قال

أما الثاني فكان مضحكا لأنه اتهمني بأنني كنت قد صرفته عن الإسهام في حرب القناة سنة 1951 وأوعزت إليه أن ينتظر إلى أن أجد له فرصة أخرى، فذهب في تفسيره لكلامي أنني كنت أعده للانضمام للجهاز السري للإخوان..

وكان ردي على هذا الشاب سؤالي إياه عن عمره وقتها أي عام 1951 فتبين أنه كان في الخامسة عشرة فقلت له أنه ليس من المعقول أن أقبل تجنيدك للحرب معنا وأنت في مثل عمرك.. ولقد علمت فيما بعد أن هذا الشاب كان قد غرر به واحد من عملاء المباحث العامة؛

وذلك للنيل مني وبعد أن تكلمت تعاقب الخطباء وكانوا صنفين صنف حرص على أن يقول كلاما يدفع به عن نفسه، وصنف آخر اتجه إلى النيل من الجماعة وقادتها وتاريخها وكل شيء يتصل بها وانتهت المحاضرات التي استمرت حوالي الشهر وانتظرنا بعدها قرارا بالإفراج عنا؛

ولكن الحكومة خيبت ظننا جميعا واكتفت بتخفيف بعض القيود المفروضة علينا بعد محاولات كثيرة حولت لمستشفى قصر العيني للعلاج إلا أن حالتي الصحية بدأت تتدهور وأشارت التحليلات الطبية إلى أن كليتي الثانية قد أصيبت بنفس إصابة الكلية الأولى؛

ولم يزعجني هذا الأمر كثيرا لأن إحساسا ما يصاحبني دائما ويؤكد لي أو واجبي لا يزال قائما وإن الله سيمد في عمري لأداء رسالتي هذا الإحساس كنت أستشعره في باكورة شبابي وكان يتجه وقتها إلى طموح دنيوي وهو أنني سوف أكون حاكما لمصر ولقد تصاعد هذا الإحساس بنفسي حتى أنني فاتحت صديقي وابن عمي المرحوم المستشار أيوب الحسن فراج وقلت له أنني سأكون حاكما لمصر

العجيب أنني حددت تاريخا لتحقيق أمنيتي وهو عام 1951 هذا الخاطر أو هذه الأمنية تم فيها تحول كبير بعد تذوقي للعمل الإسلامي وإدراكي أبعاده وغدوت أومن أن الأصل هو أن أعمل لله ابتغاء مرضاته فلعل كلمة طيبة أو عملا صادقا أو موقفا كريما أو نصيحة خالصة لعل أي شيء أقدمه اليوم ومهما يكن صغيرا قد يؤتي بثمار كبيرة تفضل مئات المرات الحكم والقيادة والرئاسة؛

لأن الحكم عمل مرحلي أما ما الكلمة والعمل والتصرف فقد تكون لها أبعادها التي لا نهاية لها إن الخالد من تاريخ عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين وابن تيمية أعمالهم ومواقفهم الإنسانية والأخلاقية حتى أنها رجحت سياستهم وحكمهم ومواقفهم البطولية إن البطولة الحقة قد يصنعها الأفراد العاديون، وقد يطويهم التراب دون أن يكون لهم في الناس ذكر أو اسم.

أعود إلى قصتي في معتقل مستشفى قصر العيني..

لقد مرت علي عدة مشاهد متنوعة تحمل طابع الأسى والحزن.. فقد كان معتقل السجن يتلقى الحالات شبه الميئوس منها التي كانت تنتهي عادة بالموت أو بالعطل الكامل .. كان معي بعض المعتقلين ممن تجاوزوا السبعين من عمرهم وكانوا لا يجدون إلا القليل من العناية الطبية على الرغم من تعاطف الجهاز الطبي معنا؛

وأذكر من هؤلاء شيخا في السبعين من عمره كان يشغل قبل اعتقاله وظيفة رئيس الجمعية الشرعية بالجيزة وكما سبق أن قلت أن حملة اعتقال الإخوان التي تمت عام 1965 شملت أنصار السنة والجمعية الشرعية وجماعة التبليغ وجمعية الهداية وكل من له سابق علاقة بجمعيات دينية ولا أدري ما السبب في هذه الحملة..

لكني أعتقد أن اتجاها ما كان يحرص على تصفية العمل الإسلامي في شخص الإخوان فانتهز الفرصة ليمد يده إلى كل الجمعيات الإسلامية الظاهرة والخفية وسواء كان عبد الناصر مديرا لهذه التصفية أو أنها جاءت تلقائية فإنه المسئول عنها؛

هذا الشيخ رحمه الله والذي نسيت اسمه كان ضحية الإهمال وعدم الرعاية ولقد شهدت ساعة صعود روحه فقد تسجى على الأرض وبسط يداه إلى جانبه وأخذ يتلو القرآن وأظنه كان يقرأ سورة يسن إلى أن فاضت روحه ن أن يتأوه.. إنني لا أنسى مشهد هذا الرجل أنه يتمثل أمامي كلما تذكرت إخواني الشهداء وما أكثرهم

وكان يرقد إلى جواري شاب نابه كان يعمل معيدا بكلية الهندسة وقد أصيب بأنفصال شبكي في غينيه نتيجة الضرب وفي حجرة مجاورة لنا كان الموت يتربص ببعض الإخوان الذين أصيبوا بأمراض خبيثة ومستعصية منها السرطان ولقد روعت أيما روع عندما أحضر المرحوم منير الدلة من السجن في حالة غيبوبة تامة؛

ولم يجد من ينقذه في حين أنه كان ينزف بشدة، فلما هممنا بمساعدته حال بيننا وبين غايتنا ضابط غريب التصرف ولحسن الحظ كانت علاقتي بهذا الضابط طيبة فتحايلت عليه حتى سمح لي بتقديم الخدمات له، ولقد ظن هذا الضابط أنه بإهماله لمنير الدلة سوف يكون محظيا عند جهاز المباحث يحين أن الأمر كان على العكس من ذلك فقد أوصى أحد المسئولين بالمباحث العام العناية بمنير فأنقذه الله وعافاه..

ولقد شهدت آثار العذاب في ساق منير كان ساقه ممزقا من العصى والكرابيج بشكل ملحوظ ولم تكف عامان لإزالة آثار التعذيب ولذكر منير الدلة فإن الرجل كان يتهم بالارستقارطية في صفوف بعض الإخوان ولكني أشهد للرجل أنه كان نقيا تقيا قواما لليل، وكان ينفق على الجميع بسخاء وفي نفس الوقت كان يمتع نفسه من حلاله؛

يضاف إلى هذا المآسي التي لقيناها في قصر العيني وجود رجال المباحث العامة الرسميين فيما بيننا علاوة على مساعديهم من بعض المعتقلين الذين كانوا على استعداد لبذل كل شيء في سبيل البقاء في المستشفى كان أحد رجال المباحث وهو مخبر يضطرنا تحت تهديده بكتابة تقارير ضدنا أو تطمينه لنا بكتابة تقارير لصالحنا كان يضطرنا لأن نعطيه نصف طعامنا الطب ويترك لنا الطعام العادي وكان يتحكم فينا وفي حركاتنا وسكناتنا، ولا يسكت عنا إلا إذا قدمنا له ما يطلبه من طعام وفاكهة وشاي.

وأثناء وجودي بالمعتقل وقعت أحداث يونيو 1967 ولقد شهدت روعة أيام التي سبقت يونيو كما شهدت مأساة ما بعد يونيو كان فرح الشعب الشباب وطلبة الجامعة الذين كنت أشاهدهم من خصاص نافذة المعتقل لا يكاد يتصوره أحد كان الجميع يرقصون من شدة الفرح لتصريحات عبد الناصر الذي كان يهدد بإلقاء إسرائيل في البحر، ويقول لإيدن أنا «مش خرع زيك» وكانت البلاغات الأولى تبشر بانتصارات رائعة ..

ولقد أرسلت برقية لعبد الناصر أعرض تطوعي للقتال وحرصت أن أكون مثاليا فقلت أنني مستعد للعودة للمعتقل بعد أن أؤدي واجبي وبعد أيام ظهرت الحقيقة وامتلأت المستشفى بجرحى النابالم وأعلن عبد الناصر في التليفزيون والإذاعة عن حقيقة المأساة ويومها بكيت أشد البكاء؛

ولم يكن بكائي من أجل عبد الناصر بل كان من أجل البلد الحبيب بكيت لأنني أدركت حجم المأساة وتصورت سيناء وكأنها بركة من دم أما بالنسبة لعبد الناصر فكان تعليقي على موقفه قبل وقوع الأحداث أن عبد الناصر إذا تمكن من تسجيل انتصار على إسرائيل فإنه سوف يحطم جميع خصومه في الداخل والخارج أما إذا هزم فإنها ستكون نهايته مهما بذل من محاولات وقد كان.

وتلاحقت الأحداث أحداث التاسع من يونيو وما بعدها..أما بالنسبة لنا معشر المرضى فقد أمروا بإعادتنا للمعتقل .. والذي لا أنكره على الرغم من فرط ألمنا على ما جرى في سيناء لأنه حدث خطير يمس حياتنا ومستقبلنا بل وعقيدتنا..

لأن اليهود الذين كانا ننظر إليهم باحتقار وإزدراء ونحن نحاربهم عام 1948 تطاولوا حتى احتلوا في ساعات قسما كبيرا من مصر أقول أننا على الرغم من هذا فإن الكثير منا شمت في عبد الناصر الذي كان يستمتع بسجننا وتعذيبنا وحرماننا من حق الحياة والحرية ويباعد بيننا وبين أهلينا وأولادنا شمتنا فيه حقا وتمنينا له الزوال إلا أنني كنت أغالب عاطفتي؛

وأحاول أن أتصور جمال عبد الناصر وقد هداه الله بعد نكبة وأنه سوف يثوب إلى رشده ويحاول أن يدرس السبب الحقيقي لهزيمة سنة 1967 والهزائم التي سبقتها في اليمن وفي سوريا، ولكن عبد الناصر لم يتغير لأنه كان يؤمن بعبد الناصر وبالتالي فإنه ألقى بتهمة الهزيمة على أقرب أعوانه وهو عبد الحكيم عامر وأنصاره واستخلص نفسه من أكبر وأخطر جريمة يرتكبها حاكم في حق أمته.

ولو سألتني عن أسباب هزيمة عبد الناصر لقلت لك إن إيمان عبد الناصر بنفسه هو الذي قتل أمته وقتل عبد الناصر.

ومع هذا كله فإن عبد الناصر بدأ بالإفراج عن بعضنا ليوهمنا ويوهم المجتمع بأنه سيصلح من سياسته وقد أفرج عني في أواخر سنة 1967 إلا أنه وبعد استعاد قبضته تباطأ في الإفراج عن الآخرين وظلت المعتقلات مفتوحة في عهده إلى أن تم إغلاقها في عهد السادات.

بدع الإفراج عني وجدت نفسي أعيش محنة الاعتقال المفتوح والتي تحدثت عنها بعد الإفراج في عام 1961 .. مراقبة متصلة ملاحقة في الرزق، تجسس دائم وفي كل مكان.. وعدت إلى أخبار اليوم إلى مكتبي ولكن الجو العام لم يكن لسمح لي بالعمل المنتج يضاف إلى هذا أنني اضطررت لإجراء عملية جراحية في مستشفى القوات المسلحة وتصادف أن كان جمال سالم يعالج من داء السرطان في الحجرة التي تعلو حجرتي وكانت أخباره المحزنة المؤلمة تأتيني من طريق الممرضات ومما بلغني عنه أنه كان يتوهم أشباحا مخيفة وكان يلقي «بطفاية» السجائر في الهواء ليدفع عنه الأشباح.

خرجت من المستشفى بعد أن أجريت لي عملية بالغة الخطورة، وقررت الخروج من مصر هربا بديني وحماية لنفسي من فتن كقطع الليل المظلم واستطعت عن طريق الصحيفة أن أسافر إلى الكويت تاركا زوجة عاشت عمرها في عذاب وآلام وأربع بنات كبراهن في الثالثة عشر من عمرها وطفل تحمله الأم وتعاني من آلام حمله..

تركت بلدا عشتها بطولها وعرضها وتركت فيها حبي الكبير في زوجتي وأولادي وتركت أهلا كانوا في أمس الحاجة إلي وتركت تاريخا كريما ونضالا حرا شاء الله أن أشارك فيه بقدر ما استطعت وتركت رجالا ونساء يعانون ظلم حاكم لم ترد الرحمة على قلبه.

وتركت شعبا حوله حاكم إلى «قطيع» يسوقه بقسوة وجبروت وقد فل منه معظم أسلحته ولم يكن بمقدور الرافضين أن يتصدوا له أو يوقفوه عند حده وخاصة بعد أن تمكن بمقدور الرافضين أن يتصدوا له أول الجاسوسية والغدر الخيانة التي سلطها علينا عبد الناصر وتركت نفاقا تفش في الناس حتى غدا أشد الناس عداء له أكثرهم تصفيقا له.

وقلت لتكن لي سياحة في الأرض، ومهما تكن هذه الأرض فلن يكون فيها هذا لقدر من الظلم الذي يجري في مصر وجل بي المقام بالكويت .. وعشت فيها عامين لم يغادرني شبح عبد الناصر وأحلافه...وانتهى عبد الناصر .. وانتهت كثير من المآسي والحمد لله نحن نعالج آثارها .. أثارها في الجسم وفي النفس.

ولو سألتني عن آثار هذا المشوار الرهيب ونتائجه لقلت لك ببساطة وبتحديد هذه هي النتائج.

أولا: ترك عبد الناصر مصر نصفها تحتله الولايات المتحدة شاخصة في إسرائيل والنصف الآخر والذي يقع غربي القناة يحتله عشرون ألف جندي روسي يتحكمون في الجيش وفي الشعب.
ثانيا: إفلاس اقتصادي رهيب نتيجة للحرب المجنونة والتطبيق الاشتراكي الكاذب واللصوصية الخطيرة.
ثالثا: تمزق شعبي داخلي وخوف وقلق يحتاج لربع قرن لعلاجه أما عن آثاره على شخصية وجماعته:انتهت الثورة على يدي قد أجهز على كل قادتها وروادها سواء من علاة في الرتبة أو من هو دونه. ولم ينج منهم إلى القليل.

ثانيا: تحطكم هو شخصيا وابتلى بأمراض موجعة أودت بحياته.

أما بالنسبة للإخوان:

أولا: على الرغم ن جبروت المحن التي تعرضوا لها فإنهم لا يزالون يؤمنون بالمبادئ الأساسية للإخوان وإن اختلفوا في أسلوب التطبيق أو في منهج العمل.
ثانيا: استطاع الكثير منهم أن يصلوا إلى مراكز عليا ي الدولة وفي الخارج وأصاب بعضهم ثروات لا بأس بها
ثالثا: ظهر جيل جديد من الشباب يؤمن بأهداف الإخوان وهو يمل لها بدأب وصبر .. وعلى الرغم من أخطاء بعضهم إلا أنهم لا يكفون عن العمل.
رابعا: ما لا تنكره أن بعضا الإخوان انتكسوا في أنفسهم وآثروا إما الاعتزال أو الانضمام لمنظمات أو أحزاب أو هزموا في معركتهم مع الحياة فأغراهم الجاه والمال ... عفا الله عنا وعنهم.
خامسا: ومما لا شك فيه أن تشريد الإخوان في الأرض جعل منهم دعاة يهدون إلى دين الله دون التقيد باسم الإخوان وقد قبلهم المجتمع الخارجي بسهولة ورضي بهم قادة ورواد وها هم يقودون الثوار الأفغاني ضد روسيا ويقودون الشعب السوري ضد حافظ الأسد؛

ولهم نصيب موفور في ثورة الشعب الفلسطيني ويكفي أنهم دربوا ياسر عرفات في معسكر الجامعة وآخرين معه، هؤلاء وصلا إلى قمة العمل الفلسطيني بفضل تربية وتدريب الإخوان ثم إنهم يقودون معظم الجماعات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي كذلك انتشروا في العالم العربي والولايات المتحدة يساعدون الحركات الإسلامية ويصححون مسارها.

ونستطيع أن نقول أن صدى أدعية المأثورات التي أوصى بها حسن البنا يرددها مسلمون في اليمن ومسلمون في الولايات المتحدة في آن واحد..

لقد انتصرت مبادئ الإخوان وعاشت بفضل قوتها وصلابة دعاتها ولم تهزمها ضربات عبد الناصر وأعوان عبد الناصر ومن ظاهر عبد الناصر من دول أو حكومات أو مبادئ.

وبعد.. وبعد أن وضعت حصيلة تجربة خاضها شباب نشأ على الفطرة ثم دخل منها إلى الحياة المعاصرة، ثم استدل على العمل الإسلامي في شخص الإخوان المسلمين ثم قبض له أن يعمل بالسياسة ويعمل في ميادين القتال، ويعمل في الصحافة والمحاماة وفي الاقتصاد ويمر بابتلاءات عديدة..

ويخطئ ويصيب هذا الشاب الذي صار شيخا يرى أن من حق الأجيال القائمة والمقبلة أن يقدم لهم تصوره عن العمل فقد ذهبت المحن بالطمع في الحياة الدنيا ولم يتبق له إلا طمع في رحمة الله وفضل.. كما لا يطمع في ثواب حاكم لأنه ما كتبه وما يكتبه لا ولن يعجب أي حاكم .. ثم إنه لا يخاف حاكما فلم يتبق من الحياة ما يبقى عليه ثم إنه لا يكتب ما يستثير غضب حاكم فيخشى بطشه.

بعد هذه المقدمة سأكتب تصوري للعمل الإسلامي ثم تصوري للدولة المسلمة واضعا أمامي تجربة الماضي .. متوخيا الحكمة وهي ضالة المؤمن، وسأبدأ حديثي.نداء إلى كل داعية.

على كل داعية مسلم أن يضع خريطة العالم كله أمامه، ويتصور البشرية المنتشرة على هذه الخريطة ويفكر في هدايتها إلى الله.. عليه ألا يبدأها بالاتهام لأنها لم تعرف شيئا عن الحق فتتهم بأنها خالفته، اعتصمت بالباطل.

عليه أن يواجه نفسه وهو يخاطب الناس ويسألهم سؤالا بسيطا.. وماذا كنت عليه قبل أن تكون مسلما؟ ويقين كان أجدادك غير مسلمين كانوا أتباع دين آخر أو لم يكن لهم دين، فاحمد الله ربك أن صرت مسلم .. كانوا أتباع دين آخر أو لم يكن لهم دين فاحمد ربك أن صرت مسلما.

وعليه أن يخاطب الناس بالحكمة والموعظة الحسنة ويمد يده إليهم ليساعدهم على تصحيح أنفسهم ومفاهيمهم. وما ذكرته لك ليس تشريعا من عندي أوصيك بالأخذ به، ولكنه مأخوذ من أسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقدم للناس دعوته.. إنه وضع خريطة البشرية أمامه، وكل ما كان على خريطة الأمس هو الآن على خريطة القرن العشرين.

كان بعض سكان الأرض يعبدون الكواكب والأصنام والحكام، وكان بعضهم يعبدون إلها حسب تصورهم وجهالتهم وكان آخرون يعبدون الله يهدي من كتب سماوية وكان آخرون دهريين لا يعبدون إلها.

كل هذا كان خريطة الأمس وكل هذا كائن على خريطة اليوم فمن البشر من لا يزال يعبد بشرا كالبوذيين والزرادشتيين ومنهم من يعبد الله بمفهوم كتب سماوية سبقت القرآن وهؤلاء يحتلون نصف الكرة الأرضية .. ومنهم من لا يعبد ربا ولكنه يعبد رغيف العيش كالدول الشيوعية التي تجردت من الدين وآمنت برغيف العيش..

والحقيقة المرة أن معظم البشر يعبدون الحكام والحكومات على درجات متفاوته لأن الحكام قيدوهم بحدود دولهم وثبتوا حولهم أبنية دستورية تجعل من الإنسان عبدا ذليلا للحاكم ويكفي أن نضع هذه الحقيقة أما أعيننا لنعرف مدى ما وصل إليه الإنسان من ذل وهوان، فكل إنسان يبلغ سن الرشد يلزم يحمل السلاح وهذا يعني أنه مستعد ليسلم روحه لمن يحكمه فإن لم يفعل فإنه يحرم من حق الحياة والعيش ولا يقبل في عمل وظيفي أو غير وظيفي.

هذا هو وضع إنسان القرن العشرين وهو وضع لا يختلف كثيرا عن وضع زميله القديم. هذا الإنسان القديم والإنسان الجديد خاطبه القرآن الكريم من خلال الرسول ودعاته من بعده بأسلوب حكيم وأوصى بالصبر عليه والتحمل فإن أصر على ما هو عليه من كفر قيل له «لكم دينكم ولي دين» «ولا إكراه في الدين» أما إذا تصدى للدين، وتعدى على رجاله وأعوانه فهناك إذن صريح بالدفاع عن النفس مع وعد أكيد بالنصر: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ ..

ولكن عنوان الداعية الذي يحمله ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله﴾ فالدعوة إلى الله في القرن السادس .. وكتاب الدعوة هو نفسه الكتاب والناس هم الناس .. فلم لا يأخذ الداعية الجديد مسلك الداعية القديم.. سيعترض البعض ويقولون:

كان الناس في جاهلية ونحن الآن في إسلام أقول إن هذا فيه تخفيف عنا فالحمد لله أننا وجدنا القرآن كله بين أيدينا وسنة الرسول كلها ووجدنا من بيننا من يعرف الكتاب والسنة، ثم إننا نجد تربة طيبة قد تؤتي ثمارها بسرعة وخاصة أن وسائل الإعلام في عصرنا أكثر يسرا من وسائل الإعلام قديما..

إن الداعية المسلم سيجد أمامه من يستجيب له ويكون مثله ولم يكن هذا حال الداعية المسلم قديما فقد كان يواجه بكفر عنيد قد يقول الداعية إن بعض مسلمي اليوم يعرضون طريق الداعية ولا يمكنونه من أداء رسالته.. أقول ليصبر عليهم ويتحمل حتى ينفذ إلى المسلمين الآخرين..

ثم يستعين بهم ليصل إلى ما لم يمسه الإسلام بخيره ولعل المسلم الجديد يكون أفضل من المسلم القديم.. وقد يجد الإسلام في دولة جديدة ما لم يجده في دولة قديمة في إسلامها والتاريخ يحكي لنا أن الدول التي دخلت الإسلام كمصر والشام وتركيا قامت بدور أكبر بكثير من دور الحجاز قديما.

إن الداعية المسلم لا يجده زمان ولا يجده مكان، لأن العقيدة ليست طائفية ولا وراثية ولا إقليمية ولا عنصرية: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.

ومن خلال هذا المفهوم الشمولي يجب على الداعية المسلم ألا ينظر إلى شعوب أوربا وأمريكا وروسيا إلا باعتبارها شعوبا لم تفقه الإسلام ولعلها لو فقهته لكانت له دارا مثلها مثل مصر والشام وفارس والحبشة التي كانت خاضعة لوثنية أو ضلال وزيف.

إن هذا المفهوم سوف يغير خطة الداعية المسلم ومن أسلوبه الذي غالبا ما يتأثر بالأقاليم المحدودة التي يعيش فيها الآن فلا يرى الإسلام وأعداءه إلا في مصر أو الشام أو العراق مثلا.

إن هذا المفهوم يخنق تفكير المسلم ويحبسه من الدنيا والواسعة قد يعترض الداعية ويقول: ألا أبدأ بنفسي أي بالدولة الإسلامية التي أعيش فيها ثم أنتقل إلى الدول الأخرى.

أقول: إن تأكيد المفهوم الشمولي للدعوة الإسلامية هو الذي سيهدي الداعية إلى أسلوب الداعية وإلى منهاج العمل فقد يجد في أرضه متسعا لدعوته ليستقطب آخرين وقد لا يجد متسعا فعليه أن ينشد أرضا أخرى.

قد يقول لي: أليس من الأفضل أن أحقق الإسلام ولو في دولة صغيرة لأجعل منها نموذجا يحتذى به.. كما حدث في المدينة؟؟

أقول: إن هذا هو أفضل أسلوب ولو تحقق لحل جميع مشكلاتنا لأن تحقيق الإسلام في دولة مهما كان عدد سكانها سيجعل منها «معرضا» نموذجيا لتطبيق الإسلام ولسوف تسعى الشعوب والحكومات لتطبيقه في أرضها.

ولكن ما السبيل إلى ذلك والدول الكبرى تحارب عن جهل الإسلام والمسلمين والمسلمون في الدول الإسلامية قد عموا وصموا من خلال الدعاية المغرضة عن جوهر الإسلام فحاربوه دون أن يفقهوه.

ثم هناك مشكلة خطيرة وهي أن الكثير من الدعاة والجماعات الإسلامية لم تكن على مستوى الفهم الصحيح وبالتالي لم تستطع أن تقود الشعوب الإسلامية .. وتهديها إلى الطريق السليم؟.؟؟

من أجل هذا القول لنبدأ بالفرد المسلم ... فإذا فهم إسلامه، وفهم أسلوب الدعوة إلى الإسلام في هذا القرن، وإذا التزم بإسلامه سلوكا وخلقا.. فإن المشكلة ستجد لها حلا.. وأعني بالمشكلة مشكلة الجماعة المسلمة ومشكلة الدولة الإسلامية ومشكلة الأمة المسلمة ومشكلة العالم المسلم.

ومن هنا نبدأ نبدأ بالتعرف إلى القرآن ، كيف نزل وبم نزل، وعلى من نزل وندرس كل هذا دراسة سهلة ميسورة بحيث نتذوق هذا الكتاب العظيم .. ثم نتعرف إلى الرسول من خلال القرآن ومن خلال سيرته وسننه..

ونستشعره بكل عظمته، ونتمثل خطاه، ونندمج في أصحابه الكرام، لنصلح أنفسنا بهم حتى إذا استوى فهمنا، واستوى سلوكنا دعونا الناس ليشاركونا فرحة الإيمان والحب واليقين وأفضنا عليهم من المعرفة والعلم ما يصلح به أنفسهم وعقولهم.

وليس المفروض في الداعية المسلم أن يقفل على نفسه الأبواب حتى يصل إلى الدرجة القصوى من العلم، ثم يخرج بعد ذلك ليبلغ الناس ويدعوهم إلى الله إن هذا المفهوم يحتاج إلى تصحيح فيكفي أن يعرف الداعية أصول دينه، وفقه العبادة وبعضا من علوم القرآن والحديث.. ليدعو الناس إلى الله .

ولكن علين أن يحذر من الجرأة بالفتوى أو الاجتهاد قبل أن يحيط بقدر وافر من العلم والمعرفة.. واحذر أكثر وأكثر من إصدار الأحكام الشرعية، ومواجهة الناس بها، ومحاسبتهم عليها، مما قد تعرض حياة الناس أو أموالهم لمخاطر غير مأمونة العواقب .. كأن يتهم هذا أو ذاك بالكفر، أو يقول بحل معاملات تجارية أو بحرمتها دون بينة أو علم.

وعلى الداعية المسلم أن يضع «الحكمة» موضع القانون أو أكثر وهو يخاطب مجتمعه فيأخذ الناس بالرفق والمودة، ويفيض عليهم من الحب والرحمة ما يشرح بها صدورهم ويسترجع نصيحة ربنا الغالية لرسوله: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾.

وعلى الداعية المسلم أن يتسلح بكل أسلحة العصر الحديث وهو يدعو الناس... ليكن الطبيب الماهر، الصانع الماهر والمهندس الخبير، والمعلم العالم، ومن خلال خبرته وعلمه يستطيع أن ينفذ إلى العقول الراجحة والخبرات المتخصصة لأنها صاحبة الكلمة العليا في قيادة البشرية.

خلاصة القول أن على داعية القرن العشرين أن يأخذ بكل الأسباب الممكنة للوصول إلى الإنسان المعاصر ولكن سيثور سؤال.

وماذا يفعل في مواجهة مشاكل عصره:

الجواب على هذا السؤال يحتاج لمجلدات ولكني سأحاول ف عجالة أن أجيب عنه.

إن مشاكل عصرنا معقدة لأبعد حد، ولذلك فهي في حاجة إلى التفسير أولا، ثم نفكر بعد ذلك في وسائل الوقاية وسائل الوقاية منها، ثم نعمل على إيجاد حلول جذرية لها، وأتمثل مشكلة عصرنا في وجود أموال وفيرة وإمكانيات ضخمة في يد شعوب ودول خالية من القيم الدينية الأصلية .

وقد نشأت هذه الدول وترعرعت في غيبة من الإسلام .. بل إنها وعلى جعل منها حاربته بعنف وضراوة باسم المسيحية منذ ألف عام ثم عادت إلى منذ ثلاثة قرون باسم المسيحية أيضا وظلت إلى يومنا هذا تتدافع عليه محكومة بالدين والمصلحة ثم أستجد عدوان جديد جاء من نفس الغرب مسلحا بكفر بواحة ومحميا بالمطرقة والمنجل..

هذه المشكلة بالغة الخطورة لأنها ترتكز إلى قوى مسلحة عنيفة وضاربة وأخطر ما فيها أنها سخرت إمكانياتها لخلق مجتمعات مرفهة واستباحت كل القيم والأخلاق المتعارف علها فلم يعد الخمر ولا الزنا ولا لعب الميسر بالأمر المنكر .. بل إنه دخل الحياة بكاملها وصار جزءا لا يتجزأ مها..

ولقد تمكن هؤلاء القوم بحكم قوتهم المادية من فرض أسلوب حياتهم ومعاشهم علينا ووجدا فينا استعداد لقبول ما يفعله السيد القوي ولكننا فعلناه ببلاهة واندفاع فدمرنا به حياتنا وافسدنا مجتمعنا أعلنونا بشتى الأساليب حتى يتم تخربنا من داخل أنفسنا هذه بإيجاز مصيبة الحضارة الأوربية وانعكاسها علينا.

فماذا نفعل في مواجهتها..؟؟

نفعل ما فعله رسول الله وأصحابه حين ووجهوا بقوم أشبه ما يكونون بمن نعيش معهم.

فأولا حصن نفسه منهم، فلم يشاركهم حتى مجالسهم ورفض كل أساليب المساومة والإغراء فحين عرض عليه الملك والمال رفضهما بشدة وجمع أصحابه من حوله وكون منهم الجماعة الطاهرة النظيفة.. هذه كانت خطوته الأولى.

وكانت خطته الثانية والتي كانت تصاحب الأولى أنه دعا خصومه وخصوم الحق ليكونوا معه ويهجروا الحياة كان يذهب إليهم في الأسواق ويزورهم في دورهم ويحادثهم في الطرقات.. واستطاع بفضل أسلوبه الحكيم ومسلكه المستقيم وصبره على الناس أن يجتذب إليه الكثير منهم.

هذا الأسلوب يمكننا الأخذ به ونحن نواجه هذه الغارة الهمجية فلنأخذ طريق الرسول في تربية أنفسنا ونتجنب كل باطل عصرنا وفساده ثم لمنضى إلى هؤلاء القوم لنهديهم إلى الله وندعوهم بكل أسلوب حكيم ليسعدوا بالإيمان.

  • وقد تقول لي وماذا أفعل إذا أعرضوا؟
أقول لك: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ﴾

وأقول لك: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وأقول لك إنك مهما فعلت فإنه سيعيش معك على أرضك الكافر والظالم والفاسق وهؤلاء رسم الله لك أسلوب التعامل معهم .. ستظل تدعوهم وسيظلون على باطلهم وقد يحاربونك وق يقتلونك فإذا استعصى عليك الأمر، ولم تجد وسيلة لصدهم بالمعروف فلتكن لك معهم مواجهة .

ولكن حذار ألا تعدلهم العدة الكافية لصد عدوانهم والعدة لها أساليبها الكثيرة ولها حيلها ولها كافة الأسلحة المشروعة.

وأنت تواجه عصرك حذرا أن ترفض كل ما قدمه لك من وسائل الحضارة والعلوم المتطورة خذ منها كل ما هو طيب واستوعبه ولا تقل إن هذا العالم كافر فلا آخذ عنه .. لا إن رسول الله كان يعد الأسير إذا علم بعض المسلمين القراءة والكتابة أن يفرج عنه وأعلم أن ما صنعه هؤلاء الناس لم يصنعوه لأنهم كفرة ولكنهم صنعوه ليمتعوا أنفسهم به وليسروا أسباب عيشهم فاستمتع بكل صنيعهم وحاول أن تطوع لدينك ولأخلاقك.

وهل للداعية أن يشكل جماعة مسلمة الجماعة الإسلامية لا تتحقق إلا من داخل المسجد فإذا كان ولابد من إقامتها خارج المسجد فعليها ألا تغادر روح المسجد ومنهجه وتوجيهه وإلا ضلت سواء السبيل والجماعة الملتزمة تأخذ منهج المسجد في التربية وفي الإقامة وفي التعاون وفي الجهاد وبغير هذا تكون الجماعة قد ضلت الطريق المستقيم لأن الجماعة الأولى تكونت في المسجد وتربت في المسجد وتعارفت وتعاونت في المسجد وتشاورت وتناصحت في المسجد ثم حكمت من خلال المسجد.

وكل مسلم يجب عليه أن يعيش حياة الجماعة سواء في حيه أو في قريته أو في بلدته ..ويؤدي حقوقها عليه ويأخذ حقوقه من خلالها.

والجماعة الإسلامية يجب أن تعمل في كافة ميادين العمل المثمرة وتناقش قضايا الناس عامة والمسلمين خاصة لأنها إذا قصرت جهودها على المسلمين فقط فقد تتحول إلى طائفة من الناس تهمها مصالحها الذاتية فقط وتفقد أهم خصائص الجماعة المسلمة وهي التبشير بالإسلام وخدمة الإنسان أيا كان هذا الإنسان وأيا كانت عقيدته لأنه ولاية الناس معقودة لحامل الرسالة التي جبت كل الرسالات السماوية وألغت كل ما عداها.

والجماعات الإسلامية عليها أن تدرس مشاكل المجتمع وتضع لها حلولا وتشبع التعاون والتعاطف بين أفراد المجتمع وتقدم المساعدات للضعفاء والمرضى والشيوخ.

وعلى الجماعات الإسلامية أن تدرس القضايا العامة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ويكون لها فيها رأي علمي مؤسس ولها أن تتخذ كل الوسائل لإبلاغ رأيها للناس عامة وللحكومة ولأصحاب الرأي وتستعين بكل أجهزة الإعلام للتعبير عن رأيها المطلوب من الجماعات الإسلامية أن تتعدى الإقليمية إلى الشعوب والدول الأخرى، فتتداولها ومشاكلها وتعمل على إيجاد حلول لمشاكل العالم كله؛

وعليها أن تجهر برأيها وتبصر الناس به فمثلا: إن العالم الغربي يعاني من عبء الرأسمالية المتحكمة ومن مثالب الحرية الكاذبة ومن الفراغ الفكري والعقائدي فلم لا توضح له مفاهيم الإسلام الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتنقله إليها بلغة قومه والدول والشعوب الشيوعية تعاني كبتا عقائديا وضياعا فكريا وحيرة وقلقا فلم لا نفكر ف لفتهم لأسلوب الإسلام في حل أمثال مشاكلهم.

هذه هي رسالة الجماعات الإسلامية تبدأ بالفرد دون المسجد وتمتد إلى العالم كله ومن خلال المسجد. وماذا يفعل مع الحكومات؟

الحكم وسيلة إلى غاية إنه وسيلة لتحقيق العدل في الناس والتمكين لكلمة الله في الأرض فمن فهمه بهذا المعنى الشمولي أدرك أنه ليس أكثر من وسيلة من وسائل الدعاية والإصلاح وتقويم المجتمع هذا علاوة على تحقيق الأمن للناس في الداخل وحمايتهم في الخارج وهو بهذا عمل شاق يحتاج من يمارسه إلى عزم وقوة وشجاعة وزهد وصبر وتحمل وهي صفات ليس من اليسر التحلي بها والمسلم الأمين يخشى على نفسه ودينه من فتنة الحكم. .ولكن إذا أسند إليه الحكم لزمه أداء واجبه بأمانة وإخلاص وصدق ..

من أجل هذا أقول ما قاله المرحوم حسن البنا:

«الحكم تكليف لا تشريف» لكن ماذا يفعل الداعية جماعته إذا ووجه بحكم لا يرضى عنه أقول على الداعية وجماعته أن يحققا النموذج الصالح للحكومة الصالحة بداخل جماعته أن يحققا النموذج الصالح للحكومة الصالحة بداخل جماعته بمعنى أن يحقق الشوري في الجماعة، ويلتزم بنظم الجماعة ويشيع العدل في صفوفها فإذا انتصر كان من حقه أن يطالب الحكومات بالشوري وبالعدل وبالقانون .

ومطلوب من الداعية وجماعته الصبر الطويل في دعوة رجال السلطة للالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة ويسلك كل طريق لكسب رجال السلطة إلى دعوته، ولا يبدؤها بالعداء فإن أعرت فليصر عليها فإن ضايقته فليصبر عليها أما إذا واجهته بالسلاح ولم يجد وسيلة لإصلاحها فليعمل على فل سلاحها أما إذا استشعر منها عداوة صريحة لدينه ودعوته فعليه أن يعد لها إعداده لأعداء دينه وبهذا يكون قد أبرأ إلى الله وأعذر إلى الناس وصبر واحتسب وعليه بعد ذلك أن يدفع عن دينه وعن نفسه:﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾

ليست مهمة الداعية أن ينتظر الناس حتى يطرقوا بابه، ولكن عليه أن يلتمس كل الوسائل لإبلاغ الناس وتبصرهم بالنور الذي يبشر به ولذلك فمهمته قبل الجماعات والأحزاب أن يدعها بالمعروف لتسلك مسلكا إسلاميا وهي تمارس نشاطها السياسي أو الاجتماعي فإن استجابت فقد سلكت نفس طريقه وعليه أن يعينها عليه أما إن أعرضت فليحسن في تعامله معها حتى يكسب ودها فإذا عجز فعليه ألا يكسبها عدوا له..

أما إذا تبين له أنها تعادي أصل دينه، فعليه أن يأخذ حذره منه ثم يعمل على التصدي لها وكشف تآمرها حتى يعزلها عن المجتمع ويكف شرها من الناس وفي تصوري أن الجماعات إحدى ثلاث جماعة لا دينية وتحارب الدين عن عمد فعلى المسلم أن ينبذ إليها بالعداء ويفضح تآمرها كل الجماعات الشيوعية تضمر العداء للدين كدين وتعمل على حربه واستئصاله من المجتمع إلا أنني حملت السلاح فحينئذ يجب مواجهتها وأني على يقين أن مبادئ الإسلام إذا قدمت الناس بحكمة وبأسلوب عصري فإنها ستسد الطريق على دعاة الكفر والإلحاد.

هناك جماعات دينية غير إسلامية وهذه وضح الإسلام التعامل معها فلا إكراه في الدين ولكم دينكم لي دين.. وليس من حقي أن أعتدي على من يخالفني دينا.

أما الأحزاب السياسية فمعظمها يفتقد المبادئ المتكاملة وحتى إذا وجد منها من يلتزم ببرنامج سياسي فإن المآرب الشخصية والمادية يكون لها السلطان الأكبر على رؤساء هذه الأحزاب وأعوانهم ولذلك فعن هذه الأحزاب غالبا ما تنهار أمام الأفكار الشابة المتطورة وعلى الجماعة الإسلامية أن تغزو هذه الأحزاب بأفكارها ومثلا وتعمل على استقطاب العناصر الصالحة منها.. وتترك الزمن ليصدر حكمه على مخالفات هذه الأحزاب.

أما الجماعات الإسلامية المماثلة فإن من مصالحها أن تنافس في العمل وتتجنب التخاصم فيها بينها حتى وإن اختلفت قيادتها أو اختلفت منهاجها وليأخذوا بالحكمة الخالدة «لنجتمع على ما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضها فيما اختلفنا فيه»

تصوري عن المجتمع الإسلامي تصور يبدأ من تسليمي بأن قصر الحضارة الذي شيدته البشرية لا ينبغي أن نتعرض عليه باعتبار أنه لم يكن من صنع أيدينا، فننكره وننكر عن وضع أساسه لأن الإنسان لم يتعمد الكفر وهو يضع لبناته ولكنه وضعه من رغبة في إسعاد نفسه ثم إنه لم يكن على بينة من العقيدة التي متعنا الله بها وفرضنا لكل العطاء الإنساني يعني عدم فهمنا لديننا وعدم فهمنا لواجبنا نحو الإنسانية؛

ويكفي أن اضرب مثلا بدخول الإسلام إلى دول حضارية كفارس والروم فقد أفاد المسلمون من حضارة هذه الأمم ونقلوا عنها علومها بل إنهم استقطبوا منها معظم علمائها ولو استرجعنا تاريخ عظماء العلماء المسلمين لراعنا أن معظمهم من الدول التي انتقل إليها الإسلام وما نبغ في الدول الأم إلا عدد محدود نظرا لقلة عدد سكانها وضعف إمكانياتها على الرغم من أنها مصدر الإشعاع الأول؛

وهذا لا يعيب الإسلام في شيء بل على العكس فإنه يؤكد عظمة الإسلام لأنه على الرغم من ضعف الأمة التي ظهر فيها فإنه انتشر في أمم أكبر منها حجما وأقوى منها عدة وأسبق منها حضارة وهذا يعني أن الفكر أقوى من التقدم الحضاري المادي وأن بإمكان الفكر أن يطوي الحضارة تحت جناحه وأن الحضارة بكل إمكانياتها لا تستطيع أن تقهر العقيدة السليمة والفكر الحر.

فلم نخشى الحضارى المعاصرة ولم نتربص بها ونتهمها إن هذا يعني أننا لا نثق في قدرتنا ولا نفهم مبادئنا والمطلوب منا أن نحتوي الحضارة بكاملها، ونلبسها الثوب الإسلامي.

والحضارة التي نطالب باحتوائها هي الحضارة المادية المتجردة من خلفية عقائدية أو خلفية سلوكية فكل بناء حضاري أسس على هدى فكري شيوعي مثلا أو فكري استعماري أو فكر ديني غير إسلامي .

هذا البناء لا يصلح للأخذ عنه، لأن الفكر الإسلامي مبني على عقيدة ثابتة القواعد قوامها قرآن ورسول. ولأضرب مثلا إيضاحيا لما أقول:

الطلب علم متجرد ومما لا شك فيه أن الغرب والشرق سبقونا في ميدان الطب النظري والتطبيقي فلنأخذ عنهم هذا العلم ولنحاول سبقهم فيه ومثل علم الطب الصناعة والزراعة والتجارة المتطورة كلها علوم نظرية وتطبيقية فالأخذ بها والاستفادة منها لا يتناقض البتة مع الإسلام، ولكن إذا ثبت لنا أن المعاملات التجارية تقوم على أساس من الربا المحرم دينا فعلينا أن نتجنب كل لون من المعاملة الربوية دون رفض المعاملات الأخرى فمثلا البنوك تقوم بخدمات مصرفية لا يشوبها ربا كالحسابات الجارية العادية فلنأخذ كل الخدمات البريئة ولندع ما يشوبها حرام.

ولنأخذ مثلا من الدول الشيوعية المعاصرة فهي مثلا تأخذ بنظام المزارع الجماعية هذا النظام قد يصلح تطبيقه في بعض الدول الإسلامية وقد يحتاج لتطوير ولكن هذا لا يعني أخذنا بالفكر الشيوعي عقيدة أو سلوكا.

قد يعترض البعض ويقولون: ولم لا نعمل على تقويض هذه الحضارة بكل أسبابها ونحل محلها حضارة إسلامية متكاملة الأركان أقول: إن تقويض الحضارة معناها زلزلة كيان الأرض وتخريبها وهذا أمر غير طبيعي وفي نفس الوقت هو عمل غير إسلامي لأن النبي لم يهدم ي الإسلامية صينت المعابد غير الإسلامية ورفض عمر بن الخطاب الصلاة في كنيسة بيت المقدس وفي حين كان مقدوره وهو القائد المنتصر أن يحول كل الكنائس إلى مساجد.

خلاصة القول إن الإسلام لا يرفض الحضارة ولا التقدم العلمي في كافة مجالات الحياة إلا إذا صادمت جوهر العقيدة وعلى هدى هذا التفكير يمكننا أن نتخيل دول إسلامية يقوم بناؤها على الأسس التالية:

البناء الدستوري

ودعامته الرئيسية الحكم الشوري ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وتحت مظلة الشوري الملزمة يمكن أن تبني المؤسسات الدستورية ومن خلال هذه المؤسسات يمكن أن يتحقق العدل بين الناس ومن خلال الدستور ومؤسساته توضع التشريعات التي لا تتعارض مع التشريعات الإسلامية فكل تشريع يبيح الخمر أو لا يحرم الزنا ولعب الميسر، والتعامل بالربا، وأكل أموال الناس بالباطل هذا التشريع يعد باطلا من أساسه وإذا استجدت مصالح للناس ولم يرد بشأنها نص صريح فللمجلس الشورة أن يضع هلا التشريع المناسب.

التربية والتوجيه

بالتربية ابتدأ من الطفولة إلى أر مشوار الحياة وأتمثل شعارا للتربية من كلمتين قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم» أي المزج بين القول والعمل وقد حذرنا الله تعالى من الفصل ما بين القول والعمل: ﴿كبر مقتا عن الله أن تقولوا مالا تفعلون﴾

والتربية في الصغر لها أثرها الخالد في النفس فعلينا أن نهتم بالناشئة ونلقنهم الدين بأبسط وأيسر أسلوب مستعينين بكل الوسائل التربوية الحديثة والتربية الدينية لا تعني قصر التربية على الأمور الفقهية أو حفظ القرآن والحديث فقط ولكن يجب أن ننتقل بالناشئة إلى التربية التطبيقية فنعودهم الصلاة والصيام والزكاة ونحاسبهم على تفريطهم وتصيرهم ونراقبهم في سلوكهم.

أما الكبار فإنهم في عصرنا يعيشون مع التليفزيون والسينما والإذاعة والصحافة وهذه الأجهزة في حاجة ماسة للتوجية من داخلها قبل أن تواجه الجمهور واختيار العاملين في هذه الأجهزة يحتاج لتدقيق شديد والمطلو بتحويل هذه الأجهزة إلى مدارس ناطقة ومصورة وهي إذ تفعل هذا لا يعني أنها لا تقوم بدورها الترفيهي بل على العكس فإنها مطالبة أن تصبغ توجيهاتها بصبغة جمالية حتى تشد الانتباه وأول ما نطلبه من هذه الأجهزة أن تعتسل من الأفلام والتمثيليات الأجنبية والمصرية التي تشيع الإجرام الجنس.

الاقتصاد

المال قوة مؤثرة في الأفراد والدول، وللمال سلطان في عصرنا يفوق أي سلطان آخر والمطلوب منا أن نطوع المال للعقيدة ولا نطوع العقيدة للمال ولقد لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاقة بين المال والعقيدة بقوله: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» فصلاحية المال تتوقف على صلاحية الإنسان.

ولقد تيسر للأمة الإسلامية الوفير من المال بعد ظهور النفط، وظهوره بوفرة في البلد الذي ولد فيه الرسول وولد فيه معظم الرسل وظهرت فيه معظم الرسالات وهو لون من الابتلاء لنا ابتلاء بالخير فإذا وفقنا للاستعانة به وأصلحنا به أمتنا كان لنا نورا وخيرا أما إن سخرناه لشهوتنا وأهوائنا فإننا سنحترق بلظاه.

إن النفط بإمكانه أن يمنحنا الاكتفاء الذاتي ولا يحوجنا إلى المستثمرين الأجانب ثم إن بإمكانه أن يشتري الخبرات الأجنبية والتكنولوجيا الحديثة ويفتح أمامنا أوسع المجالات العلمية وبإمكانه أن يحررنا اقتصاديا وسياسيا ويعيننا على التخلص من الوباء الاستعماري والصهيوني والشيوعي الذي لوث حياتنا لقرون طويلة.

والمال سواء في يد الدولة أو يد الأفراد في حاجة إلى التطهير من كل ضروب الظلم ومن أخطرها الربا وأكل أموال الناس بالباطل والجور والظلم وعلى هدى هذه المبادئ يستطيع المجلس التشريعي أن يصوغ التشريعات والقواعد التي تحقق العدالة الإسلامية ويمها سوف يختفي الفقر والجوع، والاستغلال وتبسط العدالة يدها على المجتمع.

وللمال رسالة هامة وخطيرة وهو أن بإمكاننا الاستفادة منه في الدعوة إلى الله في داخل الأمة الإسلامية وفي خارجها لأن أساليب الدعوة الحديثة تحتاج إلى الإنفاق بكثرة على الدعاية كما أن بإمكان المال الوفير في بلادنا أن يفتح مجالات استثمارية في الدول الآخرى فيعينها على حل مشاكلها الاقتصادية وهذا يعطيها فرصة أكبر لإبلاغ رسالتها.. وبإمكاننا أن نجعلها ممن يستفيدون من «المؤلفة قلوبهم» حتى نفتح شهيتهم لتفهم الإسلام لأن الجائع والعريات في حاجة إلى الخبز و اللباس حتى يعيرانا آذانهم.

العلاقة الاجتماعية

وأعني بها العلاقات داخل المنزل وخارجه وهذه وضحها الإسلام ويعرف الناس معظم قواعدها ولكن يعوزهم التطبيق وخاصة في مواجهة عالم متفكك ونظرا لأننا نعيش عصر سيطرة القوى الكبرى سيطرة اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية فإن التفلت من سيطرته يحتاج لفترة زمنية قد تطول ولا بأس من الأخذ بالتدرج في بناء مجتمع مسلم متكامل فنضع أمامنا المثل الأعلى للمجتمع السلم المثالي ثم نسلك إليه شتى الضروب حتى نبلغه فمثلا مبدأ الاختلاط بين الجنسين يرفضه الشرع إلا في حدود ضيقة تقضي بها الضرورة لكن ماذا نفعل أمام هذا الموج الهادر من الاختلاط الذي أباح الجنس وجهر به في الطرقات وصوره على شاشة السينما بصورة مزرية ووضع له فلسفة إننا لا نملك أمام هذا الزحف الفاجر إلا الأخذ بالتدرج حتى نصل إلى الصورة المثلى وهذا التدرج يحتاج منا إلى الحكمة حتى نتمكن من النفاذ إلى المجتمع واستقاده من الفساد المستشري فيه وإلا عزلنا المجتمع ومضى في سبيله أو عزلنا أنفسنا وهذا يعني أننا يئسنا منه واليأس يقتل همة الداعية.

المواجهة الفكرية

العالم يموج بأفكار سياسية واجتماعية ودينية وهو إذ يعتنق فكر أو عقيدة إنما يستجيب للفطرة الإنسانية ولعوامل الوراثة أو الوطنية أو القبلية أو التاريخ والمطلوب منا تصحيح معتقدات الناس بأسلوب هادئ وعلمي الصبر عليهم قد يصل بهم إلى ما نحن عليه من خير وحتى نتمكن من الوصول إلى عقول الناس علينا أن نقدم لهم الإسلام وهو يحمل إليهم الحلول الجذرية لمشاكلهم وخاصة مشكلة الحرية ومشكلة رغيف الخبز ومشكلة العلاقة بين الرجل والمرآة، لأن هذه المشاكل الثلاث تكاد تزعج الناس وتؤرق أمنهم وهناك مشكلة كبرى وهي مشكلة الخوف الذي يعانيه الإنسان المعاصر الخوف من نفسه من مجتمعه ومن العالم كله ومن الحكومات ومن الحروب.

والإسلام قد حقق الأمن للناس في الفترات التي التزم فيها المسلمون بدينهم واستمسكوا بمسلك رسولهم فلم لا تصور لهم هذه الفترات المشرقة لعلها تستوي نفوسهم وقلوبهم.

الصراع العالمي

يعيش العالم تحت وطأة السادة الكبار الذين يملكون المال والسلاح وهم الآن يشخصون في ثلاث جبهات جبهة الرأسمالية وتاجها معقود للولايات المتحدة الأمريكية وجبهة روسيا ومن يدور في فلكها من دول الغرب ودول الشرق وجبهة الصين وهي جبهة شابة ولكن لها من الإمكانيات العسكرية والبشرية الخفية هذه الجبهات تعادي الإسلام عن جهل منها؛

أو عن عناد أو إرث تاريخي وهي على الرغم من ظاهر قوتها إلا أنها متآكلة داخلها شأنها شأن دول الفرس والروم في العصر الإسلامي قولا وسلوكا وفهما لأن في حد ذاته قادر على هزيمتهم فكريا وعقائديا بل إنه قد ينفذ إلى شعوبهم ويثيرها ضد أئمة الفكر والظلم في بلادهم وعلينا بعد ذلك أن نأخذ بكل أسباب العصر في الإعداد الحربي حتى إذا وجبت المواجهة فإننا سنغلبهم بفضل عون الله وقوته:

﴿وأعودوالهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ وقياسا على الماضي أقول لقد تمكن الإسلام بفضل العقيدة وحدها من هذيمة الفرس والروم خلال حكم أبي بكر وعمر، في حين لم تتجاوز فترة حكمهم أكثر من خمسة عشرة سنة ولم يكن تعداد سكان الجزيرة العربية؛

ولم تكن عدة المسلمين تعدل 1% من تعداد وعدة الإمبراطوريتين الكبيرتين ولو أنتقلنا إلى عصرنا وقسنا الحاضر على الماضي لقلنا إن دول المسلمين لو وجدت لها ركيزة في «إمارة» لا تتجاوز تعدادها المليون لأمكنها بفضل الإيمان والعزم أن تهتم الإمبراطوريتين روسيا وأمريكا وحلفاءهما لأن القوة الظاهرة سوف تساندها قوة خفية يصنعها الله عندما يجد الجد ويصدق العزم ولا داعي لاعتراض بأنه ليس فينا عمر آخر، لأنه يوجد القرآن القادر على صناعة عمر القرن العشرين وذلك ليس بعزيز على الله.

وأكتفي بهذا القدر عن تصوري لمجتمع إسلامي يمكن أن يتحقق في القرن العشرين ولوددت أن يجتمع به متخصصين وأهل خبرة وتجربة من دعاة الإسلام الذين تمكنوا من الجمع بين الثقافة الإسلامية والثقافة المعاصرة ويقدموا لنا تصورا تفصيليا لأمة مسلمة يمكن أن تتحقق ولو في دويلة صغيرة وفي أي قارة من قارات الأرض.

  • هل انتهى المشوار؟
أقول لا بالنسبة لنفسي ولغيري .. لأن الإسلام يحملنا رسالة دائمة لا تنتهي حتى بعد نهاية عمرنا فالمطلوب من كل مسلم أن يعمل ما يستطيع ليبلغ رسالة ربه..بل لأكون مبالغا إذا قلت أنه بمقدور المسلم أن يبلغ رسالته بعد وفاته..فالكاتب والقائد والمعلم والعالم يمكن أن يواصلوا رسالتهم بالكتاب أو بأي أداة حديثة ليبلغوا رسالتهم للناس...وها نحن ندرس العلم على يد أئمة المسلمين الذين مضى عليهم أكثر من ألف سنة فلم لا يعمل جيلنا على إثراء الأجيال القادمة بالعمل والحكمة والمثل الحسن.

والجهاد في سبيل الله سيظل ميدانه مفتوح أبد الدهر والجهاد يكون بالكلمة وبالورقة وبالسلاح وبالمال وهو فريضة تلازم المؤمن عمره، والنكوص عنها تخلى عن فريضة واجبة.. وما أكثر ميادين الجهاد.. ولنتذكر أن رسول الله لم يكف عن الجهاد بلسانه وبسلاحه إلى أن لقي ربه وهو يستعرض جيش أسامة بن زيد وهو يغدو إلى ميدان القتال.

فالمشوار لم ولن ينتهي وهو مشوار على الرغم من صعوبته إلا أنه الماضين على طريقه يستشعرون عظمته في الدنيا ويطمعون في ثواب الله يوم لقائه.

وأني لأحمد الله أن يسر لي السبيل لأشارك في أجل وأعظم عمل إسلامي شهده القرن العشرون وأحمد الله الذي ابتلاني في سبيله وكتب لي من الصبر ما جعلني أتحمل المحنة مؤمنا محتسبا .. وهيأ لي من الأسباب ما مكنني من تسجيل هذه الصفحات من تاريخ دعوة إسلامية.

وأني لأسأل الله تعالى أن يعافيني من كل هفواتي وأخطائي ونسياني إنه سميع مجيب الدعاء.