أحمد العسال.. المربي القرآني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أحمد العسال .. المربي القرآني
النظرة 1.jpg

عبد الرحمن هاشم *

تحول بالممارسة وبمرور الأيام من وارث للتربية الإسلامية إلى مورث لها، عندما كنت تراه ينزل من بيته ساعيًا إلى المسجد يهمس في أذن البواب يدعوه إلى صلاة الجماعة أو واقفًا مع رواد المسجد عقب الصلاة في دائرة محبيه يتفقد أحوالهم ويتحدث معهم حول معنى آية أو حديث شريف في بساطة وتلقائية، وعندما تراه وهو يصلي بالناس إمامًا يختار من الآيات ما يؤثر في قلوب المصلين وفي دعائه في الفجر تجد من ضمن ما يدعو قوله: "اللهم اجعلنا لك ذاكرين.. لك شاكرين.. إليك منيبين.. ولا تكتبنا في الغافلين.. اللهم اجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين"، تدرك تمامًا تمكنه في مجال التربية والإرشاد والتوجيه.

غلفت الدعوة كل حياته، فتحرك بها، وامتدت جسور معارفه إلى كل رموزها، وبقدر ما كان صديقًا للنخبة كان بكل تواضع أبًا وأخًا للبسطاء، لا ينسى أهله وأقاربه، رزقه الله بأخوة وأخوات، وأبناء إخوة وأبناء أخوات ولم يرزقه بالأولاد فصبر هو وزوجه صبرًا جميلاً وفوضا أمرهما لله، فعوضهما الله خيرًا بأبناء الأخوة والأخوات فلا تجد بيته يخلو من أحد منهم.

كان يؤمن بأن الداعية رجل أفعال يحتاج إلى زاد فكري لا ينضب وخير زاد للداعية القرآن الكريم، وكان يرى أن للقراءة أهمية خاصة لكل من يدعو إلى الله، بل هي الخلفية القوية التي يجب أن تكون وراء الفقيه والداعية. وضحالة القراءة أو نضوب الثقافة تهمة خطيرة للمتحدثين في شؤون الدين.

كان يقول: "إن القراءة –أي الثقافة- هي الشيء الوحيد الذي يعطي فكرة صحيحة عن العالم وأوضاعه وشؤونه، وهي التي تضع حدودًا صحيحة لشتى المفاهيم. وكثيرًا ما يكون قصور الفقهاء والدعاة راجعًا إلى فقرهم الثقافي. ولا بد للداعية إلى الله أن يقرأ في كل شيء.. يقرأ كل منازع الفكر البشري المتفاوتة؛ ليعرف الحياة والمؤثرات في جوانبها".

الدكتور العسال كان رجلا قرآنيا، فهو مع القرآن أبدا، يديم القراءة له، والتأمل فيه، والتدبر لآياته، حفظ القرآن حفظا جيدا منذ صباه، فقلما تند منه آية أو كلمة، أو تلتبس عليه آية بأخرى، وهذه المعايشة الدائمة للقرآن جعلت معانيه ومعارفه بين يديه، وكأنه جنة دانية القطوف، يقطف من ثمارها ما شاء الله. شعاره في هذه الدنيا قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ... لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 162-163).

الميلاد والتكوين

ولد الدكتور أحمد العسال في السادس عشر من مايو عام 1928 م، بقرية الفرستق التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية، حيث سمات البيئة الزراعية المنتجة وحيث الصفاء الروحي والذهني والهدوء والسكينة وكل القيم الإنسانية الجميلة التي تتسم بها المجتمعات الزراعية.

نشأ في أسرة مترابطة تعشق العلم وأهله؛ ففي سنوات عمره الأولى حرص والده على أن يحفظه القرآن الكريم كاملاً، فتتبع مشايخ القرية الجيدين، ونقله من شيخ إلى شيخ حتى أتم حفظ القرآن في سن العاشرة والنصف، وحصل على جائزة الملك فاروق التي خصصها لمن يتم حفظ القرآن كاملاً قبل سن الثانية عشرة.

وأثناء حفظه للقرآن بالكتاب كان يذهب إلى المدرسة وحصل على الشهادة الابتدائية، ثم قدم له والده في المعهد الديني الأزهري الابتدائي بطنطا، وهناك تزامل مع الشيخ يوسف القرضاوي في فصل واحد.

وفي يوم من الأيام بعد خروجه من المعهد شده منظر "جوالة الإخوان المسلمين " تقف في الشارع وتهتف: "الله أكبر ولله الحمد" فهزته تلك الهتافات ومضى خلف الجوالة وعرف مقر شعبة الإخوان بطنطا.

تتلمذ في المعهد على يد الأستاذ البهي الخولي صاحب كتاب " تذكرة الدعاة " وأحد أبرز أعضاء الإخوان في ذلك الوقت، فتولاه وزملاءه بالتربية وكان يجلس معهم مرتين في الأسبوع يومي الأحد والثلاثاء كما كان يلتقي بهم مرة كل شهر في "كتيبة الذبيح" في جو روحاني إيماني مؤثر، كما كان يعدهم بدنيًّا ورياضيًّا الأستاذ أحمد إمام (زوج أخت زوجته فيما بعد)، الذي كان يسير بهم في طابور الجوالة في بعض الأحيان لمسافة 10 كيلومترات، كما تأثر بشدة بالأستاذ أحمد البس مدرس الابتدائي ابن قرية القضابة ببسيون الذي لم يترك وسيلة لنشر الخير إلا واتبعها بكل بساطة وتلقائية، كما كان شديد التأثر بوالده "محمد العسال" الذي كان شغوفا بالقرآن الكريم ويذكر له عادته في وضعه يده اليمنى على رأس الطفل من أطفال العائلة شديد الصراخ والبكاء تاليا قول الله عز وجل "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله" ويظل يكرر في قوله "خاشعا" حتى يهدأ الطفل ويكف عن الصراخ والبكاء.

ولما دخل الثانوي تدرب على الخطابة وانضم لقسم نشر الدعوة في الإخوان وكان يخطب الجمعة في القرى المحيطة بطنطا، وشارك في عقد وتنظيم المؤتمرات المنادية بمطالب الأزهريين ومساواتهم بغيرهم من خريجي الجامعات المصرية، فكان يحضر المؤتمرات التي يعقدها طلاب الأزهر في عواصم المديريات مع ممثلين عن المعاهد الدينية في أنحاء المملكة المصرية وقد حددوا فيها مطالبهم ونقلوها إلى المسئولين بالأزهر والحكومة المصرية ومنها:

- إعادة النظر في المناهج والكتب الدراسية.

- الاهتمام بالجانب التربوي والسلوكي لطلاب الأزهر.

- إدخال اللغة الإنجليزية إلى المعاهد الأزهرية.

- فتح باب الكليات العسكرية والمدنية أمام حملة الثانوية الأزهرية.

- فتح معاهد دينية للفتيات.

- إعادة فتح باب الدراسات العليا وتعيين معيدين بكليات الأزهر.

ولم يكتف هو وزملاؤه بعقد المؤتمرات، ورفع المطالب والتوصيات بل كانوا أحيانا يدعون إلى الإضراب أو تنظيم المؤتمرات، وكثيرًا ما حدث صدام بينهم وبين الشرطة وتعرضوا للإيذاء من أجل الأزهر.

ومرت السنون وجاءت حرب فلسطين 1948 وتطوع فيها عدد كبير من الإخوان لقتال الصهاينة، وكانت النتيجة حل جماعة الإخوان واعتقال أعضائها، فقام مع زملائه بالأزهر بعمل إضرابات ومظاهرات تنديدًا بحل الجماعة، واعتقل هو وزملاؤه من الطلاب إثر هذه المظاهرات وتم ترحيله من قسم أول طنطا إلى الهايكستب، ثم إلى معتقل الطور، وكان الشيخ محمد الغزالي هو مسئول الإخوان في معتقل الطور وكان معه في المعتقل الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ عبد المعز عبد الستار والشيخ السيد سابق .

ظل في المعتقل 9 أشهر، وتخلف عن أداء الامتحانات لكن قام الدكتور طه حسين وزير المعارف آنذاك بعمل امتحان استثنائي لجميع الطلاب المعتقلين ونجح فيه، وتقدم لكلية الشريعة وتقدم صديقه يوسف القرضاوي لكلية أصول الدين.

إلى الجامعة

وجاءت المرحلة الجامعية واستمر نشاطه المعتاد داخل الإخوان في المجالات التي كان له بها صلة قوية: في قسم نشر الدعوة، وفي قسم الطلاب، وفي قسم الاتصال بالبعوث الإسلامية.

وفي أواخر سنة 1953 شارك في إنشاء لجنة (البعث الأزهري) مع مجموعة من الأزهريين الواعين والمخلصين لقضية الأزهر: يوسف القرضاوي و علي عبد الحليم محمود ومحمد المطراوي ومحمد الراوي وصلاح أبو إسماعيل ومحمد عبد العزيز خالد ومحمد الدمرداش مراد ومحمد الصفطاوي وغيرهم إلا أن هذه اللجنة لم يكتب لها الاستمرار بسبب حل جماعة الإخوان للمرة الثانية على يد رجال انقلاب يوليو وأعيد اعتقاله وظل في السجن حتى يونيو 1956 م، فخرج وأتم دراسته بكلية الشريعة بالدرّاسة، وبعد تخرجه منعته الحكومة المصرية من التعيين في أي مؤسسة تابعة لها، فعمل فترة في المدارس الخاصة بمصر الجديدة وكان الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف يعرفه جيدًا فساعده هو وإخوانه الذين يعرفهم من خريجي الأزهر للعمل في وزارة الأوقاف في مجلة منبر الإسلام ثم نقل إلى مكتب الشيخ محمود شلتوت بإدارة الأزهر فكان عمله بالمكتب الفني للوعظ والإرشاد، أما صديقه الشيخ القرضاوي فكان في مراقبة البحوث والثقافة.

وعمل العسال بالمكتب الفني للوعظ والإرشاد ثم طلب من الشيخ شلتوت شيخ الأزهر أن يتوسط له للإعارة خارج مصر ، فتوسط له وأوصله بالشيخ عبد الله التركي –مدير العلوم الشرعية في قطر– فوافق على سفره وسافر إلى الدوحة عام 1961 ، وسافر بعده صديقه الشيخ يوسف القرضاوي بعام دراسي ولما عادا معًا إلى مصر في أول إجازة تم اعتقالهما من قبل المخابرات العامة في مبناها بسراي القبة لمدة 50 يوما، وهناك أصيب بالزائدة الدودية وأجريت له العملية وهو رهن الاعتقال، بعدها خرجا وذهبا إلى الدوحة، ولم يتمكنا من العودة إلى مصر مرة أخرى.

ذهب العسال إلى إنجلترا لاستكمال الدكتوراة عام 1965 وحصل عليها من جامعة كمبردج بلندن في أصول الفقه عام 1968 ، وظل هناك حتى عام 1970 ، واستثمر هذه الفترة التي قضاها في لندن فأنشأ دار الرعاية الإسلامية الذي أصبح لها الآن أكثر من 20 فرعا، وفي لندن اتصل به الدكتور عبد العزيز الفدا ليعمل معه بالمملكة العربية السعودية فوافق وذهب هناك عام 1970 ودرس مادة الثقافة الإسلامية بكلية التربية جامعة الرياض وهناك التقى بالعديد من إخوانه الذين سبقوه إلى هناك ومنهم الشيخ مناع القطان والأستاذ أحمد إمام ، وظل هناك حتى استدعاه الأستاذ عمر التلمساني، فقدم استقالته وعاد للقاهرة.

وجاءت أحداث سبتمبر 1981 وحاولت السلطات المصرية اعتقال العسال، لكن أحد أصدقائه من الأطباء مكَّنه من الهروب مرة أخرى إلى السعودية. ورأس قسم الدعوة في كلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود عام 1984 م.

تم تعيين العسال أستاذا بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد - باكستان حيث عمل نائبا لرئيس الجامعة ثم رئيساً لها وظل هناك حتى عام 2003 م، ثم عمل مستشارا لنفس الجامعة ذات العضوية في اتحاد جامعات العالم الإسلامي التابع للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، وشارك في تأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية كما شارك في تأسيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

استطاع الدكتور العسال خلال عشرين عاما قضاها في باكستان أن يرتقى بالعلوم والثقافة الإسلامية، وأن يجعل من الجامعة الإسلامية هو ومن معه من أساتذة جامعة الأزهر صرحا علميا نشيطا أثمر قوة وتحصينا للعقيدة والتعاليم الإسلامية بين طلاب الدول الإسلامية القادمين من دول آسيا الوسطى وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وروسيا والقوقاز والبلقان ودول إفريقية لدراسة العلوم الإسلامية، إضافة إلى أبناء المسلمين في الصين الذين يعانون من طغيان الفلسفة المادية، ويعانون من ضعف الكوادر الإسلامية المثقفة التي تستطيع مواجهة التيارات المادية العاتية.

أخذ الدكتور العسال في تطوير الجامعة وتطوير مناهجها وجلب أساتذة الأزهر لها، وأخذت وقته وجهده وفكره حتى قفزت قفزات سريعة أكاديميا وعمرانيا، وأصبحت خلال فترة قصيرة من الجامعات العالمية، فخرَّجت قيادات طلابية مؤهلة تأهيلاً يناسب العصر، وعلماء يقومون بإرشاد شعوبهم المسلمة متسلحين بسلاح العلم والتقوى لهم دور ملحوظ في كل ميدان من الميادين الدعوية.

ارتبط العسال برموز الحركة الإسلامية في الكثير من مناطق العالم الإسلامي، والحقيقة أن الرجل في هذا المجال لم يكن شاهدا على العصر، بقدر ما كان جزءًا من التاريخ، وربما كان صانعًا له في بعض المواقف والأحداث.

كان مرشد الإخوان التلمساني يقول عن العسال: "إنه رجل يمثل نموذجًا للشخصية المسلمة المخلصة، القادرة على التأثير بسلوكها في الآخرين، متفائل دائمًا، شديد التأثر بالقرآن، عميق في إسلامه، صلب في مصريته، وعالمي في أفقه".

وقرب عالم وداعية ومرب ومفكر في قامة أحمد العسال من تاريخ الحركة الإسلامية في القرن العشرين، ودخوله في قلب تفاصيلها محليا وعالميا، يجعله جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الأدبي والفكري والدعوى، وشاهدًا امتلك صفة المشارك أو صانع الأحداث، على مدى عقود من التحولات السياسية والأدبية والفكرية والاجتماعية.

التربية قبل التأليف

ربما ظل الدكتور أحمد العسال مربيا وداعيا أكثر منه مؤلفا؛ فكتبه المؤلفة تعد على أصابع اليدين، وربما فضل "الداعية المربي" التأليف الجامعي؛ فكتب في كل المقررات الشرعية لإفادة الطالب المسلم؛ فكان من أصحاب صنعة ورواد حرفة التأليف الجامعي، والكتاب المقرر، والتوزيع على الطلاب. كانت رغبته في البناء والتشييد أعمق، فهو ينتمي إلى جيل إرساء القواعد.

واستطاع الدكتور العسال استيعاب كمٍّ هائل من المؤلفات في الثقافات المتعددة العربية والفارسية والتركية والهندية والصينية داخل الحضارة الإسلامية، وكان مشروعه الفكري هو التمهيد لأجيال قادمة من أبناء المسلمين في البلاد غير الإسلامية لدراسة الإسلام، وإعداد الخريطة العامة لعرض منهجه لهم، بحيث يسهل الصعب، ويفتح الأبواب للدخول. فكان نقطة التقاء يمهد الطريق للأجيال القادمة من الصين وروسيا واليابان لدراسة الإسلام على يد علماء الأزهر وأساتذته الذين استقدمهم للعمل معه في الجامعات الإسلامية بمكة والمدينة والرياض وإسلام آباد.

كان الفراغ كبيرًا لدى هؤلاء الدارسين من أبناء المسلمين يحتاج إلى ملء أولي في كل الميادين، ودون هذا الحد الأدنى من الثقافة الإسلامية لما أمكن لهم البناء والتشييد بعد رجوعهم إلى ديارهم داعين ومبشرين بما درسوه من الإسلام الحنيف، ولما أمكن لهم كذلك التحول من الاتساع إلى العمق ومن الأساس إلى البناء ومن القواعد إلى البيت ومن العام إلى الخاص.

ساعده على القيام بهذه المهام التفرغ الكامل للمناهج الدراسية وكتابة المقررات، والرغبة في البناء والتشييد في العمق أولاً وفي الارتفاع ثانيا.

لقد ترجل فارس التربية والدعوة يوم 10 يوليو 2010 وتوفي عن عمر ناهز 82 عاما.. رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله خيرا عن المسلمين جميعا.

  • صحفي مصري (جزء كبير مما ورد في المقال حوارات مع المرحوم د.أحمد العسال أجراها الكاتب خلال فترات مختلفة).

المصدر

للمزيد عن الدكتور أحمد العسال

وصلات داخلية

كتب متعلقة

متعلقات أخري

مقالات بقلمه

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

محاضرات صوتية للشيخ

وصلات فيديو