أحمد محمد شريت .. صعوبة الرحلة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أحمد محمد شريت .. صعوبة الرحلة


أحمد-شريت.8.jpg

إخوان ويكي

مقدمة

ما زال عطاء آل شريت يتدفق من أجل العمل للإسلام، حيث قدمت هذه العائلة قامت كثير في مجالات عدة كالشيخ محمد أحمد شريت ومحمد وحامد وعبدالعزيز وغيرهم، كما كان والده من كبار علماء الأزهر وقد أسس معهد القراءات.

ميلاده

ولد كغيره من إخواته الكرام في قرية ريفا بمركز أسيوط بمصر، تلك القرية التي تحضنها الجبال، وهي قرية يحدها من الشمال قرية درنكة ودير درنكة التي بها دير العذراء بجبل درنكة الذي يقام به أكبر احتفال بالصعيد باكمله ويحدها من الجنوب قريتى دير ريفا والزاوية ومن الشرق قرية موشا ومن الغرب جبل أسيوط المعروف بجبل درنكة، وهى قرية قديمة منذ عصر الفراعنة، وفى العصر القبطى كانت توجد بها أديرة رهبان وأديرة راهبات، وكانت تسمى في ذلك العصر بقرية ابسيديا.

وعائلة شُريت عائلة عريقة نزح الجد الأكبر من الجزيرة العربية واستوطن قرية ريفا القريبة من مدينة أسيوط، حيث حرص على تنشأة أولاده النشأة الإسلامية. التحق منذ صغره بالتعليم الأزهري حتى تخرج فيها وعمل بمجال الوعظ حتى صار كبير مفتشي الوعظ في الأزهر الشريف.

وسط الإخوان

انطلقت دعوة الإخوان من محافظة الإسماعيلية عام 1928م على يد الشاب حسن البنا حيث تأثر بمنهجه كثير من طوائف الشعب المصري لحبهم للإسلام. وأخذت الدعوة في الانتشار فانتقلت من الإسماعيلية إلى شبراخيت والمحمودية وبورسعيد والقاهرة وغيرها

حيث كان الشيخ محمد شريت أحد ابناء آل شريت الذين تعرفوا على دعوة الإخوان في وقت مبكر عام 1929م، حيث كانت البداية حينما سعى مع إخوته وبعض الغيورين على الدين من تأليف جمعية الحضارة الإسلامية للعمل للإسلام، لكن بعدما عرفوا منهج الإخوان انضموا بجمعيتهم إلى دعوة الإخوان

حيث يقول الأستاذ حسن البنا في مذكرات الدعوة والداعية:

نشأت "جمعية الحضارة الإسلامية" فشقت طريقها، واتخذت لها من حجرة في الدور الأول ذات فناء فسيح بحارة الروم مكاناً للنشاط، وميداناً للعمل، وانضم إليها اخوة فضلاء يلقون المحاضرات، يواظبون على الدروس للناس، ويدعون إلى الله بإحسان، وفي مقدمتهم الإخوان الفضلاء الشيخ محمد أحمد شريت - رحمه الله - والأستاذ حامد شريت المدرس بالمعارف الآن.

ويضيف:

في صيف عام 1929م الموافق 1348هـ رأت جمعية الحضارة نشاط جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وانتشار فروعها في هذا المحيط حول هذا البلد المبارك، واقتنع رجال الحضارة بأن التوحيد خير من الفرقة، وبأن انضمام الجهود أولى وأفضل،فاتصلوا بالإسماعيلية، وكانت محادثات انتهت أخيراً بانضمام جمعية الحضارة إلى الإخوان المسلمين، وصيرورتها شعبة من شعبهم.

كان الشيخ أحمد أحمد شريت أحد دعامات آل شريت جميعا الذين حملوا الدعوة إلى أسيوط وبمكانتهم بين الناس، وصيتهم العالي في العلم انتشرت الدعوة في أسيوط. ولقد أشار الإمام البنا إلى أن للإخوان في الأزهر كتائب مجهزةً وصفوفًا مسوَّاة وجنودًا عاملين مؤيدين وفلذات أكباد هي من قلب الإخوان بين الحبة والشغاف.

وقد أبلى هؤلاء الإخوان بلاءً حسنًا في نشر الدعوة وحمل الرسالة وتثقيف العامة ورفع اللواء، وكان بعضهم ما زال طالبًا بالأزهر، وقد تخرَّج البعض مع نهاية المرحلة، وكان من هؤلاء الذين برزوا في هذه المرحلة: الشيخ محمد فرغلي، والشيخ أحمد شريت، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ السيد سابق، والشيخ عبد المعز عبد الستار، والشيخ زكريا الزوكة، والشيخ إسماعيل حمدي، والشيخ محمد البهي، وغيرهم.

كان الشيخ أحمد شريت كبير مفتشي الوعظ في الأزهر الشريف، وكان مهابا مما أفاء الله عليه بسطة في العلم والجسم، فوهبهما لله، واستطاع أن يقوم برئاسة لجنة المصالحات في محافظة أسيوط، والتي عالجت بفضل الله الكثير من قضايا الثأر والمشاحنات الأسرية؛ لما كان له من مكانة في نفوس الجميع مسلمين ومسيحيين.

كان الشيخ أحمد أحمد شريت منذ التحاقه - وعائلته بركب الدعوة – شعلة نشاط داخل الجماعة ووسط المجتمع، وحينما زار الأستاذ البنا أسيوط في 20 رمضان 1354هـ الموافق 16 ديسمبر 1935م

كتب الأستاذ مصطفى أحمد الرفاعي اللبان :

لقد كنت من الذين تمتعوا بمرافقة المرشد العام بعض الوقت فحين جاء إلى الصعيد في أواخر رمضان الماضي، وانتظرت أن يكتب بعض الإخوان شيئًا عن رحلته النافعة وها هو قد طال انتظاري ولذا فقد اعتزمت كتابة هذه الكلمة تذكارًا لها.
علمت أن الأخ المرشد قادم من القاهرة في اليوم العشرين من رمضان بعد الظهر فذهبت لاستقباله، وهناك وجدت لفيفًا من الإخوان يحدوهم الشوق إلى لقياه ووصل القطار فأسرعت إلى لقائه وإذا وجهه يفيض بشرًا وعلائم النشاط التام ظاهرة عليه، فسلمنا عليه وخرجنا من المحطة إلى مكتب الأستاذ محمد خلف الحسيني المحامي
وهو شاب مسلم غيور على دينه معتز به فاستراح الأخ المرشد إلى نحو الساعة الرابعة ثم ركبنا السيارات إلى بلدة الواسطى وتعد من ضواحي أسيوط وكان في استقبالنا آل غدير الكرام وكثير من رجال البلدة، وهناك صلينا المغرب وتناولنا فطورنا الذي تخلله أحاديث شتى في العلم والأدب والدين والأخلاق
وقد صلينا العشاء في مسجدها وأمنا الأستاذ الكبير الشيخ أحمد شريت المدرس بمعهد أسيوط والمشهور بعطفه على الجمعيات الإسلامية وكان المسجد مملوءًا فيه المئات من الناس المتعطشين إلى الوعظ والإرشاد، فوعظهم الأخ المرشد وعظًا مخلصًا وجلت منه قلوبهم وأحسوا بحاجتهم إلى العمل على الخلاص مما هم فيه من ضعف وفرقة وبلاء وتبعته بكلمة في رمضان ومعنى صيامه وفي ليلة القدر وسموها وجلالها.

كان الشيخ أحمد شريت أحد فرسان الإخوان في المناسبات والمحافل الدعوية، يجوب شرقا وغربا معرفا الناس شعائر دينهم، فحينما لمست الجماعة مدى انحراف الشباب انطلق دعاتها ينبهونه ويبثون فيهم روح الوعي واليقظة

ونذكر على سبيل المثال منها محاضرة ألقاها فضيلة الأستاذ أحمد شريت من علماء تخصص الوعظ والإرشاد بنادي جمعية الإخوان بروض الفرج بعنوان: "شبان اليوم والأمس" ذكر فيها هذه الأمراض وهي التناحر، والتفرق، والأثرة، والانتحار، والتملق، والمواربة، والنفاق، وإهمال تحية الإسلام، والتخنث، والتشبه بالنساء، والجبن، والكسل، والتهافت على دور اللهو والدعارة، وحب النفس، والمال، وافتتان الشبان في هذا العصر بالتمسك بالضار من حضارة الغربيين. كما كان للشيخ درس ثابت في شعبة القاهرة يدرس فيها التجويد والعلوم القرآنية يوم السبت من كل أسبوع.

وحينما بدأت بوادر حل الجماعة استعان الإمام البنا بالشيخ أحمد شريت لمكانته وعظيم شأنه في الجماعة حيث يقول الأستاذ فهمي أبو غدير:

يقول ابو غدير أرسلني الإمام البنا بصحبة الشيخ أحمد شريت إلى نائب دائرتنا الانتخابية (الأستاذ حامد جودة) رئيس مجلس النواب والمشرف على جريدة السعديين (الأساس) اعتذرنا عن المهمة إذ كنت هاجمته في آخر عدد ظهر من الجريدة اليومية في 2/12/1948 فقال (قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون) أحسن الرجل استقبالنا وهش لنا ورحب.. وعندما فاتحناه بمهمتنا اعتذر وصمم على ذلك.. رجعنا نقص قصتنا مع نائبنا.. فقال "إن قرار الحل في الطريق.. وكيل الداخلية يعد مذكرة بمبررات الحل فصبر جميل والله المستعان".

وهو ما أكده الأستاذ محسن محمد في كتابه "من قتل حسن البنا" أحس الشيخ البنا بخطورة الحادث فأوفد أبو غدير والشيخ أحمد شريت فى اليوم نفسه من ديسمبر إلى حامد جودة رئيس مجلس النواب يطلبان منه التوسط لدى النقراشي لبدء صفحة جديدة بين الحكومة والجماعة.

ظل الشيخ عاملا نشيطا كأحد نجوم الإخوان الأزهريين حتى حلت الجماعة عام 1948م واعتقل أعضائها، وعلى الرغم من كوننا لم نعثر على ما يدل أن الشيخ أحمد شريت قد اعتقل في هذه المحنة إلا أن الشواهد تؤكد أنه اعتقل لفترة، بعدما اعتقل أخيه الشيخ حامد شريت عام 1948م.

جهاد ومحن حتى الممات

كانت المرحلة التي تلت الإمام البنا مليئة بالأحداث المتسارعة والمحن التي أصابت الشيخ أحمد شريت وبقية إخوانه في الصف. فما إن عادت الجماعة إلى شرعيتها عام 1951م بدأ اختيار مرشد عام جديد لها وهو المستشار حسن الهضيبي حتى كانت تنتظرها أحداث جسام

حيث يذكر الأستاذ عباس السيسي:

جاءنا في أسيوط وفد من الإخوان بالقاهرة على رأسه فضيلة الشيخ البهي الخولي وقابلوا فضيلة الشيخ أحمد شريت مفتش الوعظ والأستاذ فهمي أبو غدير وتحدث معهما بشأن ترشيح الأستاذ المستشار حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين ثم تم لقاء موسع بينهم وبين مجموعة من الإخوان وعرضوا عليهم الأمر الذى طالت فيها المناقشة حيث أن الأغلبية من الإخوان لم يعرفوا عن الأستاذ حسن الهضيبي شيئا من قبل .
وأجاب على كل الأسئلة التي تناولت حياة الرجل وماضيه وصلته بدعوة الإخوان المسلمون وعاد الوفد إلى القاهرة ومعه موافقة الإخوان في أسيوط على انتخاب الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين . وبعد حوالي شهر أبلغونا نبأ انتخاب الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما وقد تمت له البيعة على ذلك.
كان الشيخ أحمد شريت أحد الفاعلين فيها خاصة بعدما تم انتخابه عضوا بمكتب الإرشاد في أول انتخابات للمكتب بعد ثورة يوليو 1952م حيث شارك في الاجتماعات التي عقدت بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة، فقد ذكر هذا اللقاء الأستاذ خميس حميدة - وكيل الجماعة - فحينما سأل من حضر الاجتماع مع السيد رئيس الوزراء جمال عبد الناصر قال الدكتور خميس: حضره الأستاذ عمر التلمساني والشيخ أحمد شريت ومحمد الخضري وحلمي نور الدين وأنا كنت معاهم وده كان فى أكتوبر 1953م.

الدفاع – الحديث اللى جرى فى هذا الاجتماع كان إيه؟

د.خميس – كان فى حتتين المعاهدة والنظام الخاص وأنه لابد أن هذا النظام ينتهى منه لأنه ما يصحش انه تبقى فيه هيئة من الهيئات عاوزة ديمقراطية حقيقية ويكون فيها نظام خاص. كان لمواقف الشيخ أحمد شريت الصلبة والثابتة على منهج الإخوان أن دفع ضريبة ذلك بالحكم عليه في محكمة الشعب بالحبس 15 عاما قضاها كلها بل زاد عليها حتى مات في السجن.

حيث يقول الأستاذ عباس السيسي:

والحق يقال إن الإخوان وعلي رأسهم فضيلة المرشد المجاهد كانوا يؤدون ما يؤمرون به وقلوبهم عامرة بالإيمان وألسنتهم تلهج باللعنة علي معذبيهم من الطغاة والظالمين ، هذه الصورة البغيضة عشتها في السجن الحربي لمدة أسبوع من دخولي.
وفي يوم السبت السابع والعشرين 27 من نوفمبر سنة 1954 نادوني بصوت جهوري فأخذ الإخوان في الزنزانة يطرقون الباب بالقباقيب وبعد لحظة فتح الباب وقال لى السجان انزل - للمحاكمة - وهنا استحضروا حلاقا ولبست الطربوش الذى كان قد سحق بأحذية الجنود واخذ الشاويش "أمين" يتحدث إلي بأسلوب لم أعهده منه من قبل فقال لي بهدوء : النهاردة المحاكمة امسح الطربوش ونظف هدومك وامسح الجزمة فمسحتها بملابسي لأن المناديل منعت عنا

وفي هذه اللحظة كان قد حضر بعض أعضاء المكتب وهم :

الأستاذ عمر التلمساني، وفضيلة الشيخ: أحمد شريت، والأستاذ عبد العزيز عطية ووقفوا في شكل طابور ونودي للأمام سر فسرنا وهناك عند إدارة السجن وضع القيد (الكلابش) في أيدينا وركبنا السيارة في حراسة مشددة ومنعنا من التحدث إلي بعضنا البعض إلي بلغنا إلي مبني محكمة الشعب.

فأخذنا رجال البوليس الحربي وأدخلونا قاعة المحكمة ، وكانت القاعة شاغرة تماما إلا من بعض الأشخاص لعلهم كانوا من ضباط المخابرات وبعض مراسلي الصحف والمصورين . وجلسنا والأستاذ حسين أبو زيد المحامي في الصف الأول ، وكان بجواري الأستاذ عبد العزيز عطية ، وفي الجانب الآخر في نفس الصف المرحوم الشيخ أحمد شريت ، والأستاذ عمر التلمساني. وفي صباح يوم السبت الرابع من ديسمبر سنة 1954 – استدعينا ووضع الكلابش في أيدينا وتوجهنا في حراسة مشددة إلي مبني المحكمة لسماع الحكم ، وكان في مقدمتنا فضيلة المرشد الأستاذ حسن الهضيبي.

حتى أن المؤرخ عبد العظيم رمضان يقول:

كما نظرة قضايا منير دلة وصالح أبو رقيق ومحمد حامد أبو النصر وأحمد شريت وعمر التلمساني وعبد العزيز عطية فى يوم واحد وهذا كله يبين صورية المحاكمة ومدي الضمانات التى كان يتمتع بها المتهمون!. لقد كانت جلسات للتشهير لا للحكم والقضاء والفصل كما يحدث فى المحاكمات الحقيقية.

رحلة المجهول

رحل الشيخ بعد الحكم عليه إلى العديد من السجون فبعد أن كان في ليمان طره تم ترحيله إلى سجن الواحات حيث قضى مع إخوانه فترة قبل أن يرحل إلى سجن المحارق ثم سجن قنا ليقضى فيه فترة طويلة.

يقول الحاج سعد الجزار في حوار له:

رحل إلى سجن الواحات فى 16 مايو 1955م، حيث كان به كل قيادات الجماعة فكان معظم أعضاء مكتب الإرشاد هناك مثل الأستاذ محمد حامد أبو النصر وعمر التلمساني وحسين كمال الدين وكمال خليفة، وأحمد شريت.

وكان أول عمل لإدارة السجن أن قامت بحرق ملابسهم وألبسوهم ثياب السجن المكون من قميص وبنطلون فى الشتاء والصيف، وكان محبوسا معهم بعض الشيوعيين فى الواحات لكنهم خرجوا بعد أن هدد رئيس روسيا أنه لن يمد مصر بدعم لتنفيذ مشروع السد العالي إلا بعد إطلاق سراح الشيوعيين وتقليدهم الإعلام.

وفي سجن الواحات كان الإخوان على موعد مع مذبحة جديدة مثل التي حدثت في ليمان طرة عام 1956م، حيث يذكر محمد حامد في كتاب مائة موقف من حياة المرشدين:

وصلت إشارة إلى اللواء قائد فرقة تأديب السجون بأن الإخوان المسلمين في سجن الواحات قد تمردوا... فأعدت العدة للقمع والتأديب !! وكان من عادة هذا القائد أن يجلد ويضرب ويدمر... لمدة ساعة ثم يستفسر !! ولكن شاءت إرادة الله أن يعوق القطار بين قنا والواحات بسبب الرمال والصخور على القضبان. وذهب القائد وحده بسيارة أغاثته.
وطلب من مأمور السجن أن يلتقي باثنين من الإخوان ليتحدث معهما ويسمع منهما. فكان المتحدثان الأستاذ عمر التلمساني والشيخ أحمد شريت - رحمهما الله - وفي نهاية اللقاء قال القائد: لقد كنت سأرتكب اليوم أسوأ ذنب في حياتي... ثم قال لمأمور السجن: لم أر مثل صدق وصراحة هؤلاء الرجال !! ومرض القائد بالدوسنتاريا أثناء وجوده بالواحات فأسعفه الإخوان المعتقلون !!

يقول الدكتور رشاد البيومي:

رحل فضيلة الشيخ أحمد شريت إلى ليمان طره، ومنها إلى سجن جناح بالواحات ثم إلى المحاريق، وكان رغم علمه الواسع وإلمامه بكل الجوانب الشرعية بسيطًا سمحا حلو الحديث طيب المجلس، ويملأ مجلسه بالعلم الذي لا تنقصه الدعابة الطيبة "والقفشات" الجميلة، وتحس معه بالأبوة الحانية والأخوة بكل ما تحمله من دواعي المودة.

لقيته أول مرة في سجن أسيوط وكان قد رحل إليه للعلاج، وكان دوره مؤثرا للغاية، واستطاع في المدة التي قضاها بيننا أن يحل الكثير من المسائل التي تُصادف مجتمع السجن، وكان الجميع من السجناء يعرفونه حق المعرفة، ويعرفون مكانته في بلادهم، كما كانت إدارة السجن تحس هذا أو تتعامل معه هكذا، ولذا كانت زيارته لها أثر كبير علينا جميعا.

خرجتُ معه مرةً للعرض لمستشفى أسيوط العام، وفي كل مكان مرت به عربة الترحيلات، وعرفوا فيها الشيخ أحمد شريت كان الجميع يعانقونه بترحاب وافر حتى وصلنا المستشفى، فكان استقبال الأطباء والعاملين بالمستشفى مؤثرا للغاية، وعاد الشيخ إلى الواحات.

الشيخ وفتنة التأييد

الشيخ أحمد شريت في إحدي جلسات المحاكمة الظالمة

تجرد وإخلاص - كان أحد أربعة من مكتب الإرشاد الذين واجهوا محنة التأييد بكل حسم واقتدار وضربوا المثل فى التجرد والإخلاص والثبات.

وكان أحد الأربعة من مكتب الإرشاد:

الأستاذ عبد العزيز عطية ، والأستاذ محمد حامد أبو النصر ، والأستاذ عمر التلمساني الذين ثبتوا على العهد، وواجهوا محنة التأييد بكل حسم واقتدار، وضربوا المثل في التجرد والإخلاص والثبات.

وفي ظل المحنة بلغَه نبأ استشهاد أخيه الأستاذ حامد عندما تناول وجبة سمك فاسدة في السجن الحربي بعد فترة حافلة بالتعذيب والتنكيل.. وخرجت روحه إلى السماء تشتكي إلى الله ظلم الظالمين.. وبغي البغاة.. بنفس راضية محتسبا إياه عند الله العلي الكبير، وتلا ذلك خبر وفاة أخيه عبد العزيز بعد أن أُفرج عنه بفترة وجيزة، فما لانت له قناة ولا كان لهذا من أثر عليه، رغم قسوة ظروفهم العائلية.

وظهرت فتنة التأييد واستمرت وكان ذلك في أواخر الخمسينيات، وكان عبد الناصر وأعوانه وقد أحسوا أنهم لم يستطيعوا أن ينالوا من الإخوان، رغم أنهم مارسوا معهم كل ما عرف من ألوان التعذيب والتنكيل، وأن عددًا غير قليل وقد استهان بممارستهم الفجة بل زادتهم قوة إلى قوتهم وثباتًا على ثباتهم.

فلجئوا إلى حيلة ماكرة خسيسة، وحشدوا لها كل طاقاتهم وجنودهم، فأرسلوا الوعاظ وكبار الضباط إلى السجون بين التهديد والوعيد والتلويح بالخروج لو تنازلنا عن تمسكنا بدعوتنا وجماعتنا، وفي محاولة لإثبات وجهة نظرهم تمَّ الإفراج عن بعض الأفراد الذي كانوا مؤيدين لجمال عبد الناصر.

وكان هذا فخًّا رخيصًا وقع فيه البعض، وتجاوبوا مع هذا الإيحاء الوضيع، ولم يدركوا الهوة التي وقعوا فيها إلا بعد فوات الأوان. وطُرح الأمر على أعضاء المكتب (الأستاذ عبد العزيز عطية - الأستاذ عمر التلمساني - الأستاذ محمد حامد أبو النصر - الأستاذ أحمد شريت)، وتدارسوا الأمر بينهم من الناحية الشرعية ومن الناحية الحركية، فيما يمس مسيرة الجماعة، وتشاوروا مع الأستاذ المرشد حسن الهضيبي الذي كان قد أفرج عنه مرضيًّا.

وانتهى الرأي الذي أعلنه الأستاذ عبد العزيز في قوة وصلابة

"ما كان للجماعة أن تأخذ بالرخص؛ ولكن عليها أن تأخذ بالعزائم، وما كان على الجماعة أن يكتب أو يسجل عليها التاريخ أنها مالأت الظالم، وأيدت طغيانه، واستكانت لممارساته وتجاوزاته"

وقال كلمته الشهيرة "إن هذه الفتنة هي (الزحلوقة) وكان يعني بها أن من وضع رجله على أول درجاتها ينزلق فيها إلى أسفل الدركات، وأصبح لزامًا على الجميع الالتزام بهذا الرأي والخارج عليه خارج على الجماعة"، وقد ثبت الشيخ أحمد شريت في هذه الفتنة ثبات الجبال الرواسي.

ومن سجن إلى سجن والشيخ رمزا للصمود ومثالا كان له تأثيره الكبير وسط إخوانه في السجون، حيث كان له في كل سجن موقف.

يقول إبراهيم منير:

الشيخ أحمد شريت متوسطا إخوانه في السجن
وفي أول يوم جمعة من أيام هذا التجمع وقبل أن تتم الإدارة الجديدة للسجن ترتيباتها وقبل وصول الحملة الأمنية من القاهرة بقيادة اللواء إسماعيل همت المعروف بقسوته واعتياده الخروج عن كل شرع وقانون يساعده مجموعة من أمثاله منهم العميد البشلاوي والمقدم ضياء سالم
وعندما حان وقت الظهر أذن الإخوان لصلاة الجمعة على رمال السجن وبين عنابره وتقدم الشيخ الجليل أحمد شريت عضو مكتب الإرشاد ليؤم المصلين من إخوان وغيرهم من حرس الحدود وتعرض لقوله تبارك وتعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (الأنعام)
وأفاض هذا العالم المجاهد الذي وافاه أجله في سجون الفرعون بعد أكثر من سبعة عشرة سنة كاملة قضاها صابرا محتسبا بعد أن تم اعتقاله بقرار جمهوري عقب انتهاء مدة محكوميته وكانت خمسة عشرة سنة، ضاربا المثل على الوفاء والجندية .. وأطال الشيخ في خطبته ناقلا المصلين إلى رحابة عالم الغيب وشهوده بعيدا عن تلك البقعة من الصحراء التي لا يدري عنها أحد شيئا
وتحدث عن هناء العبد بالرضا والتسليم بقضاء الله عز وجل والأنس إلى جواره والصدق معه .. وكان بكاءً من الجميع حتى من حرس الحدود جدد العزم وارتفع بالنفوس عن لعاعة الدنيا وتكبر المتكبرين الذين يظنون في كل وقت من تاريخ البشرية والرسالات والدعوات أنهم هم الذين يكتبون التاريخ وهم الذين يطوون صفحاته حسب ما يريدون.

وجاء في كتاب المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر:

" وكانت الحكومة تتخوف من بقائنا في سجن الواحات الخارجة، لأنه في نظرها سجن مفتوح، فقررت بناء سجن خاص في المحاريق، وأنشأت به ثلاثة عنابر لجميع النزلاء، ومباني خاصة بالإدارة، وكان يحوط السجن سور عال مبني بالأحجار، أقيمت عليه أبراج الحراسة.
وكانت جميع عنابر السجن ومرافقه عليها أبواب خشبية ضخمة مبطنة ومزودة بالحديد، وفي وسط السجن أقيمت فيلا خاصة لسكن المأمور، حتى لا يغادر السجن ليلاً أو نهاراً، إمعاناً في التحفظ على الإخوان، وخشية من هروبهم، وقد أرادت الحكومة إجهاد الإخوان، فعملت على إنشاء مزرعة قريبة من السجن، وكلفت الإخوان بإصلاح هذه الأرض، فكان الإخوان يذهبون كل يوم إلى هذه الأراضي لاستصلاحها
وهم يحملون على أكتافهم الفئوس والمقاطف، وكانوا يؤدون هذا العمل بانطلاق، غير مكترثين بهذه الصعاب، بل كانوا يرتلون القرآن ويحفظونه، وكان هذا التعذيب فرصة طيبة للتزود بالقرآن الكريم، ومن النوادر التي حدثت، أن أحد الحراس قال لفضيلة الأخ الشيخ أحمد شريت: مالك يا سيدنا الشيخ..
وهذا التعب.. المثل يقول: (إن كنت في بلد تعبد العجل حش وارميله..) فرد عليه الشيخ شريت في غضب (إزاي أرميله.. دا أنا أقطع رأسه..) وبلغ هذا الحديث عبد الناصر، فما كان منه إلا أن أمر ببقائه في السجن بعد انقضاء مدة العقوبة، وقدرها خمسة عشر عاماً، وظل فضيلته في السجن حتى توفى بين جدرانه رحمه الله رحمة واسعة.

في سجن قنا

يقول المهندس محمد الصروي:

دخلنا سجن قنا بعد منتصف الليل، وهو عبارة عن عنبر واحد فقط مكون من أربعة أدوار، الدور الأول وكذلك الدور الثاني كل واحد منهما مقسم إلى 64 زنزانة.. أما الدور الثالث وكذلك الدور الرابع فكل واحد منهما مقسم إلى 16 حجرة، كل حجرة من هذه الحجرات الست عشرة تعدل 4 زنزانات من زنازين الدول الأول أو الثاني.

يسكن الدور الأول المساجين تحت التحقيق، وأغلبها قضايا الثأر.. المساجين تحت التحقيق يلبسون ملابس بيضاء (سروال أبيض، وقميص أبيض) والآخرون يلبسون الملابس الزرقاء.

موقع السجن في صحراء قنا القاحلة، والمناخ قاري هناك، شديد البرودة ليلاً شديد الحرارة نهاراً. أما في الصيف فالحرارة مختلفة تماماً عما تعودناه في السجن الأخرى.. وإذا أغلقت الزنازين كان الأمر رهيباً.. والعرق أنهاراً.

الإخوان القدامى (إخوان 54) من تبقى منهم يسكن في الدور الثاني، والدور مقسم إلى أربعة أرباعه كل ربع 16 زنزانة، فهم يحتلون الزنازين (49 – 64).. أما نحن فسكنا في الزنازين من (33-44).

أما الزنازين (45، 46، 47، 48) فهي زنازين مخصّصة للمحكوم عليهم بالإعدام حيث كان يتم الإعدام في الماضي في سجن قنا، إضافة على سجن الاستئناف بالقاهرة .. هنا عشماوي رقم (2) وفي القاهرة عشماوي رقم (1)، كما أن هناك مشنقة في سجن قنا لا تزال قائمة حتى الآن.

استقبلنا مأمور السجن، وعاونه إخوان كريمان هما الأخ الأستاذ محمد مهدي عاكف (المرشد السابع)، والأخ محمد علي الشناوي ، ويَسّرا لنا كل شيء، فلقد كانوا في هذا السجن منذ 4 مايو 1964 م أي قبلنا بأربع سنوات ونصف.. وكانت خبرتهم في السجون منذ أكتوبر 1954 م. أي منذ أربعة عشر عاماً.. وفي صبيحة اليوم التالي قابلنا إخواننا الذين سبقونا بالإيمان بهذه الدعوة، والذين ثبتوا ضد العواصف والأعاصير طوال أربعة عشر عاماً.

فما لانت لهم قناة، وما ضعفوا وما استكانوا، ونحسبهم من الصابرين الذين أحبهم الله، ولا نزكي على الله أحداً، وهم:

ابتداء من نوفمبر 1969 م حتى يونيو 1970 م.. كنا نودع كل أسبوع واحداً من رجالات الإخوان الذين حكم عليهم عبد الناصر بالأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً.. وكنا نقيم احتفالاً عاطفياً مؤثراً لوداع هؤلاء الإخوة الذين أمضوا في السجون (15 عاماً) كاملة غير منقوصة، وقد تعرضوا للتعذيب، ومحاولات القتل، والقتل البطيء، والمساومات لترك فكرتهم وعقيدتهم

فما لانت لهم قناة وصبروا.. ثم أصدر عبد الناصر ورجاله قراراً باعتقال هؤلاء مدى الحياة بعد أن أمضوا الخمسة عشر عاماً كاملة.. وأبرز هؤلاء عمر التلمساني والشيخ أحمد محمد شريت. عضو مكتب الإرشاد اللذان أشر لهما جمال عبد الناصر بالاعتقال مدى الحياة بعد انقضاء مدة العقوبة.. ولبثا في المعتقل عامين آخرين.. ومات الشيخ الشهيد أحمد أحمد شريت.

ومن الأعمال التي قام بها الشيخ أحمد شريت هو عقد زواج الأستاذ عبد الرحمن بارود على أخت أحمد عبدالمجيد عبدالسميع – أحد قيادات تنظيم 1965 – وبحضور الأستاذ محمد حامد أبو النصر وعدد كبير من إخوان سجن قنا وإدارة السجن.

الشيخ وفتنة التكفير

وحينما بدأت بذور فتنة التكفير داخل السجون هنا برز الشيخ بصحبة إخوانه في التصدي لهذا الفكر وهذا المنهج الغريب عن الجماعة.

يقول الدكتور رشاد البيومي:

وفي ليلة الثالث عشر من رمضان عام 1960م تم ترحيل 62 أخًا من سجن المحاريق إلى سجن القناطر الخيرية (حيث تم ترحيل إخوان ليمان طرة بعد المذبحة التي حدثت عام 58)، وبعد فترة جاءتني رسالة من الأخ جلال عبد العزيز - رحمه الله - يذكر فيها أن هناك بعض أفراد الإخوان (وهم من المتشددين الذين ذكرتهم آنفًا) يتحدثون عن فكر الجاهلية والتكفير واعتزال المجتمع، بما يتنافى تمامًا ويتعارض مع فكر الإخوان الذي استقيناه عن قائدنا وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودرسناه في مدرسة الإمام الشهيد حسن البنا، وينسبون هذا الكلام للأستاذ سيد قطب.

عرضت الرسالة فورًا على الأستاذ عبد العزيز عطية والذي بدوره تدارسها مع إخوانه أعضاء مكتب الإرشاد (الأستاذ عمر التلمساني والأستاذ الشيخ أحمد شريت والأستاذ محمد حامد أبو النصر)، وانتهى الجميع إلى أنه من الواجب سؤال الأستاذ سيد قطب عن صحة ما ورد وحقيقة تلك الأفكار التي ينادي بها البعض، وأُرسلت له رسالة بهذا المعنى، وجاء الرد من الأستاذ سيد منكرًا أن يكون قد ورد على لسانه تصريحًا أو تلميحًا بهذا الذي وصلنا وختم ذلك بعبارته الشهيرة: "لقد حُملت أفكاري على حمار أعرج".

الشيخ وتنظيم السجون

رغم قضاء الشيخ أحمد شريت وإخوانه ما يقرب من 15 عاما داخل السجون إلا أن عقلية عبد الناصر وجنوده أبت إلا أن يختلق قضية من داخل السجن للشيخ شريت وبعض إخوانه

حيث يذكر الأستاذ أبو الفتوح عفيفي قوله:

رغم كوننا في السجن نؤدي الأحكام المفروضة علينا، إذ بالظالمين يقتادون أربعة عشر أخًا من الإخوان كنت أحدهم متهمين إيانا بالاشتراك في تنظيم 65

وأذكر منهم:

  1. الأستاذ أحمد شريت.
  2. الأستاذ عبد العظيم همام.
  3. الأستاذ حسن عليان.
  4. الأستاذ حسن عبد الرحيم.
  5. الأستاذ بدر عبد اللطيف.
  6. الأستاذ عبد المنعم سليم جبارة.
  7. الأستاذ محمد مهدي عاكف.

وكانت التهم الموجهة إلينا ملفقة تمامًا، فكيف ونحن خلف الأسوار يتم اتهامنا بالانضمام إلى تنظيم خارجي، ولكنها إرادة الله أن يفضح الظلم والظالمين الذين استمروا في غيهم وبهتانهم, فأصدر عبد الناصر وزبانيته قراراً باعتقال من سبق اعتقاله فتم إعادة المفرج عنهم إلى السجون حيث حُكم على بعضهم بالسجن مدى الحياة!!.

استشهاده

يصف رحلة استشهاده الدكتور رشاد البيومي بقوله:

افترقنا عام 64 حيث تم ترحيل الأخوة المحكوم عليهم ب 15 سنة والمؤبد إلى سجن قنا؛ حيث لقوا إخوان سنة 65 ورحل الذين كان حكمهم 10 سنوات إلى سجن أسيوط. وتم الإفراج عني عام 65 ، ثم تم اعتقالي بعد 24 يوما، ورحلت إلى سجن أبي زعبل ثم القلعة والحربي واستقر بي المقام في سجن مزرعة طره.

وفي عام 69 وقد انتهت مدة المحكوم عليهم ب 15 عاما، وبدلاً من الإفراج عنهم تم ترحيلهم إلى سجن المزرعة.. وليلة استقبال الشيخ أحمد شريت في سجن المزرعة كانت فرحا عاما، واستقر الشيخ وكنت معه والأخ الحاج مصطفى الكومي، والأخ طاهر أبو سعدة في زنزانة مع آخرين، وكعادته ملأ الشيخ المكان بالعلم والبهجة.

وأتيحت فرصة، وسمحت إدارة السجن بتحويل إحدى الزنزانات الكبيرة كملحق للمستشفى، وتم تجهيزها ببعض الأسرة، فانتقل الشيخ للإقامة بها على أن يأتي لتناول وجبات الطعام معنا. وفي أحد الأيام تأخر في المجيء لتناول طعام الإفطار، فذهبت إليه وإذا به راقد في سريره، استفسرت منه عن سبب تأخره فقال: إنه يشعر ببعض التعب؛ ولكني ألححتُ عليه، فإخوانه في انتظاره، وقام معي، وفي الطريق إلى الزنزانة تعثَّر، ولم يستطع مواصلة السير.

إصابته بجلطة فى المخ

استدعينا الأخ الطبيب عبد الفتاح الجندي ، وكان معتقلاً معنا، فأشار بضرورة نقله فورا إلى المستشفى، وفي المستشفى تبين أنه أُصيب بجلطة في المخ، وكان لا بد من نقله فورا إلى القصر العيني، وكانت إدارة السجن عند حسن الظن، فلم يمضِ إلا وقت قصير وحملته سيارة إسعاف إلى المستشفى، حاولتُ مرافقته؛ ولكن الطبيب أشار علي بأنه سيطلب من إدارة السجن السماح لي بالتردد إلى القصر العيني لعلاج الجيوب الأنفية التي كنت أعاني منها، وذلك لمقابلة الشيخ.

ذهبت إليه في اليوم التالي، وقابلته في المستشفى، وكان مرحبا كعادته يلاطف الأخ المرحوم رجب الخميس صاحب القلب الكبير، والنفس المخلصة، وطلب مني أن أحضر له بعض المستلزمات، وانصرفت عائدا إلى السجن وأحضرت له ما طلب.

وفي اليوم التالي ذهبت لألقاه، ووجدت أخاه الأستاذ محمود في حجرة الحرس، فتصورتُ أنه جاء لزيارته، ودخلت على الأخ رجب فوجدت الدموع تنهال من عينيه وصدمني الخبر، وظللت واجما إلى أن حكاها لي المرحوم رجب الخميس؛ فقد حكى له الشيخ عن رؤيا رآها في الليلة السابقة أن المرحوم الأخ أحمد نار أتاه وقال له: بدلاً من مقامك هنا تعال لتعيش مع أخيك المرحوم عبد الحميد البرديني، وكان الاثنان قد توفاهما الله، وقال للأخ رجب: لقد وجدت الأخ عبد الحميد البرديني في الجنة يرفل في النعيم، فتاقت نفسي لصحبته، وقال الشيخ للمرحوم رجب: إنى سألقي الله قريبا، ولم تمر سويعات إلا وكان له ما أراد.

وصعدت روحه إلى بارئها، تنضم إلى مواكب الشهداء الصالحين، تنعى على الظالمين ظلمهم، وتشتكي إلى الله ما أصابها في سبيله. ترك وصيته، وكان محصلتها أنه مدين بمبلغ يسير أوصى بسداده، وكان له ما أراد، وترك ابنه محمدا الذي أصبح طبيبا، وسار على نهج والده مقتفيا أثره.

ويقول الشيخ أحمد أبو شادي:

مرض الرجل مرضه الذى مات فيه فرحل إلى مستشفى قصر العينى وكان يقوم على تمريضه أخ كريم هو الأخ المرحوم رجب الخميسى الذى كان بدوره مريضا فلما أحس الشيخ بدنو أجله – رأى فيما يرى النائم أن الشيخ أحمد نار الذى توفى فى السجن وكان محكوما عليه بعشر سنين يزوره ويدعوه إلى اللحاق بإخوانه الذين سبقوه فاستدعى الأخ رجب وأخبره بهذه الرؤيا وأملى عليه وصيته التى جعلها كلها نصائح للإخوان للاستمساك بدعوتهم وعدم التفريط فى بيعتهم .

.

وقد أتيحت لى فرصة مصاحبة الرجل منذ وفد إلينا من سجن أسيوط بعد قضاء 15 سنة فكان وجوده بيننا بلسما كنت لا تراه إلا مبتسما رائق الوجه طلق المحيا وكثيرا ما كان يردد هذا القول يصبر به إخوانه: وكم لله من لطف خفى يدق خفاه عن فهم الذكى وإذا ضاقت بك الأحوال يوماً فثق بالواحد الفرد العلي

المصادر

  1. جريدة الإخوان المسلمين الاسبوعية – السنة الثانية – العدد 32 – 6 رمضان 1353هـ 13 ديسمبر 1934م - صـ20 : 22.
  2. كتاب محكمة الشعب: الجزء الخامس، صـ 1088.
  3. محمد الصروي: الإخوان المسلمون في سجون مصر (من عام 1942م-1975م)، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.
  4. محمد حامد أبو النصر: حقيقة الخلاف بين "الاخوان المسلمون" وعبد الناصر ، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1987م.
  5. عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، الجزء الثاني، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2000م.


ألبوم صور

ألبوم صور.. أحمد شريت


أحمد-شريت.1.jpg
أحمد-شريت.2.jpg
أحمد-شريت.3.jpg
أحمد-شريت.4.jpg
أحمد-شريت.5.jpg
أحمد-شريت.6.jpg
أحمد-شريت.7.jpg
أحمد-شريت.8.jpg
أحمد-شريت.9.jpg
أحمد-شريت.10.jpg
أحمد-شريت.11.jpg
أحمد-شريت.12.jpg
أحمد-شريت.13.jpg