أخر ما كتبه الإمام البنا قبل حل الجماعة في 8 ديسمبر 1948م

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٦:٠٦، ١١ يوليو ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أخر ما كتبه الإمام البنا قبل حل الجماعة في 8 ديسمبر 1948م
"بين المحنة و المنحة"


مقدمة

[قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ] [يوسف: 33]

أخر صورة للإمام الشهيد حسن البنا قبل استشهاده

كذلك مضت سنة ربك من قبل ومن بعد: ما صدع أحد بالحق وجهر به، ودعا الناس إليه إلا أوذى، والعاقبة للمتقين والنصر للصابرين، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ[ [البقرة: 207]، ]وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[ [الحج: 11]، ]وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ الْعَالَمِينَ) [العنكبوت: 10]، وسبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامة: فريق فى الجنة، وفريق فى السعير.

تلوت هذه الآيات جميعًا، واسترسل بى التفكير، وتداعت إلى نفسى المعانى يأخذ بعضها بحجز بعض، وانتقل الخاطر من الآيات إلى العظات، ومن الحاضر إلى الغابر، وتكشفت صحائف التاريخ؛ فلمحت فى ثناياها المشرقة أئمة الفقه الإسلامى الأربعة: أبا حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعى، وأحمد بن حنبل الشيبانى، رضى الله عنهم جميعًا، أولئك الذين مهدوا للناس سبيل الفقه، وعبدوا طرائقه للسالكين، وكانوا فى الناس كالشمس للدنيا والعافية للبدن، ومع هذا لم ينجُ أحدهم من محنة فى سبيل الحق، كانت له منحة، ولا شك.

عرض القضاء على أبى حنيفة مرتين، وهو يعلم أن استقلال القاضى حينذاك قد يهدد بتدخل الولاة ورأى الخلفاء، مع أن القاعدة العامة يومئذ أن منزلة القاضى من السمو بحيث لا تنال منها رهبة ولا تؤثر فيها رغبة، وكان لأبى حنيفة فى الدولة رأيه فلم يشأ أن يقبل، وألح أبو جعفر وأصر أبو حنيفة، وأقسم الخليفة فأقسم الإمام وانتقل الأمر إلى التهديد والوعيد؛ فلم يفعلا شيئًا أمام عزيمة أقوى من الحديد، وضُرب الإمام أكثر من مائة سوط حتى سال الدم على عقبيه وهو ثابت لا يلين، وحبس حتى مات فى حبسه أو أخرج منه واعتقل فى منزله لا يفتى، ولا يجتمع الناس عليه، وهو على موقفه الأول، وجاءته أمه تعاتبه وتقول: "يا نعمان إن علمًا ما أفادك غير الضرب والحبس لحقيق بك أن تنفر عنه"، فقال: "يا أماه، لو أردت الدنيا ما ضربت، ولكن أردت وجه الله وصيانة العلم".

وسئل مالك عن طلاق المكره -وهو يعلم ما يقصد السائل، وأنه يسأل عن يمين البيعة يكره الوالى عليها الأمة؛ فلا تجد مخرجًا إلا اليمين هربًا من العذاب الأليم- فقال: "طلاق المكره لا يقع"، وغضب الوالى لفتوى الإمام، وأحضره، وحاول أن يثنيه عن عزمه، وأنى له، فأمر به فضُرب مائة سوط، وجُذب جذبًا عنيفًا حتى خُلعت كتفه، وطيف به فى الأسواق وهو يقول مع هذا كله: "طلاق المكره لا يقع".

واتهم الشافعى فى اليمن بانضمامه إلى حزب الطالبيين وشغبه على حكومة الرشيد وإمامته، فأحضر من صنعاء إلى بغداد بالسيف والنطع، وأعدم قبله تسعة وكان هو العاشر، ومع هذا لم تَهُن عزيمته، ولم تلِن قناته، ولم يذهب الخوف بلبه، وأثبت الحق لنفسه حتى فاز بإعجاب الخليفة به، وتقريبه إياه، وسلم العلم والفضل بسلامته.

وحاول المعتصم أن يظفر من الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى بكلمة توافق رأى الخلافة ومذهبها حينذاك، والإمام حيث هو وقاف عند كتاب الله وسنة رسوله، منكر لكل ما يسمع عداهما لا يتحول ولا يتردد، وضُرب حتى غُشى عليه، وسُجن فى بيته لا يتصل بأحد ولا يتصل أحد به، حتى فرج الله عنه، فلم يكن خصومه معه إلا على حد قول القائل:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها

فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

ومن قبل ومن بعد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مضت وتمضى سنة الله العلى الكبير (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد: 31]. فاللهم إن كان بلاء فى مرضاتك وفى سبيلك فمرحبًا به وأهلا ولك العتبى حتى ترضى، وما لم يكن بك غضب علينا فلا نبالى، وعافيتك بعد ذلك أوسع لنا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وأنتم أيها المجاهدون العاملون لدعوات الحق اليوم وغدًا، هذا نبأ من الأمس ]أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ[ [الأنعام: 90].

(وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35]

وهل تنضج الموهبة، ويصفو الجوهر النقى الحر إلا بين المنحة والمحنة؟ وتلك سنة الله -تبارك وتعالى- فى تنشئة الأفراد، وتربية الأمم، وسبيل أصحاب الدعوات ممن اصطنع لنفسه من عباده، وصنع على عينه من خلقه ليكونوا أئمة يهدون بأمره (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35]. والأمة الإسلامية اليوم بين منحة ومحنة إن فهمت عن الله فيهما، وأدت ما وجب عليها من حقهما، فشكرت النعمة، وثبتت وصبرت على الشدة، وواصلت السير فى قوة إلى الغاية؛ فهى واصلة -بإذن الله تبارك وتعالى- إلى ما تريد، مهما اعترضها من صعاب، وواجهها من عقبات، ونصر الله قريب (وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40]

وصدق رسول الله القائل: "عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله له لخير؛ إن أصابته النعماء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته الضراء صبر فكان خيرًا له".

والإخوان المسلمون اليوم وهم الأمة الجديدة القائمة على الحق المهتدية بنور الله، الداعية إلى صراطه المستقيم بين منحة ومحنة.. وعليهم أن يشكروا الله أجزل الشكر، على ما أولاهم من نعمه، وأغدق عليهم من فضله ومنته، وأن يصبروا أكمل الصبر على المحنة مهما علا ضجيجها، وأرعد برقها وعظم هولها، وأجلبت بخيلها ورَجلها، وليثقوا بوعود الله -تبارك وتعالى- لسلفهم الصالحين (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120]..

يا أيها الإخوان المسلمون

فى الحرم المكى وأمام الكعبة المشرفة تجلس بعثتكم المتواضعة خاشعة لله مخبتة، تذوب حياء من رب البيت، وتنطوى على نفسها خشية لجلاله وعظمته، والأبصار ترنو إليها من كل مكان، والأيدى تدل عليها بكل بنان، ووفود الحجيج من كل قطر وبلد ومصر تقبل عليها بقلوب متوادة متحابة، تسأل فى شوق ولهفة: أأنتم الإخوان المسلمون؟ مرحبًا بكم، وما أشوقنا إلى لقائكم، ونحن إخوانكم فى إندونيسيا أو فى جاوة وسيلان، أو الهند، أو الباكستان، أو فى جنوب إفريقية، أو فى مدغشقر ويونيو،

أو فى نيجيريا والكامرون، أو فى إيران والأفغان، أو فى غير ذلك من أرض الله الواسعة التى امتدت إليها أضواء الإسلام الحنيف، وانبسط فيها هدى كتابه الشريف المنيف، وتكون تحية وسلام، وتفاهم وكلام، وتدارس لحال أبناء الإسلام، وإعجاب بجهودكم المتواضعة، وأعمالكم النافعة، لا نرى أنفسنا له أهلا، ولا نعتبرهما إلا منة من الله وفضلا (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21].

ويعود إخوانكم من البعثات العلمية أو من الرحلات التجارية فى إنجلترا أو أمريكا أو فرنسا أو غيرها من بلاد الغرب المتهالكة على المادة المتهافتة على الطغيان، فإذا بهم قد أنشأتهم المرحلة نشأة أخرى، وسمعوا ورأوا من حديث الناس هناك عنكم واهتمامهم بشأنكم، والتعليق على جهادكم وجهودكم بما يجعلهم يستشعرون التقصير فى حق الدعوة، ويعتزمون بذل الجهد وفوق الجهد فى العمل لها والجهاد فى سبيلها.

ولقد سمعت أحدهم بالأمس القريب يخاطبنى فى حماسة ويحدثنى فى قوة وحزم فيقول: "يا أخى والله إنا لسنا مجهولين إلا فى وطننا، ولا مغموطين إلا فى أرضنا؛ فإذا أراد الناس أن يعرفونا، بل إذا أردنا نحن أن نعرف أنفسنا ومدى تأثير دعوتنا؛ فعلينا أن نرحل إلى هذه الأقطار، ونجوس خلال تلك الأمصار، ونستمع إلى أهل تلك الديار فى مجالسهم الخاصة أو مجامعهم العامة، وسنرى من ذلك العجب العاجب، والقول اللازب"، فأقول له: لا بأس عليك فقديمًا قيل: "وزامر الحى لا يحظى بإطراب"، وليس نبى بدون كرامة إلا فى وطنه وبين عشيرته، وسيدرك قومنا بعد ذلك من نحن وماذا نصنع؟ والعاقبة للمتقين (وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40].

وفى هذه الغمرة الغامرة من نعم الله عليكم بحسن الأحدوثة، وجميل الذكر، وجليل التقدير، تواجهكم محنة القول الزائف؛ فتبلغ قلوب المنافقين الحناجر، ويظن الكثير من المتربصين بالله الظنون، وتقول طائفة كما قال أسلافها من قبل: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) [الأحزاب: 13]، وتقول طائفة أخرى: (مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا) [الأحزاب: 12]، وأنتم خلال ذلك كله تسيرون فى ركاب نبيكم والمؤمنين معه، وتهتفون بندائهم: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب: 22].

يا أيها الإخوان المسلمون

ستنكشف الغمة، وتزول المحنة إن شاء الله، وتخرجون من البلاء خروج السيف من الجلاء، أنقياء أتقياء، والله -تبارك وتعالى- يربيكم بالمنحة والمحنة (سُنَّتَ اللهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر: 85]، (اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200].

المصدر : جريدة الإخوان المسلمين اليومية : العدد 794، 2صفر 1368هـ / 3 ديسمبر 1948م.