أخلاقيات العملية الانتخابية في فكر الإمام البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١١:٣٦، ١٠ فبراير ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أخلاقيات العملية الانتخابية في فكر الإمام البنا بين النظرية والتطبيق


موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)

الإمام حسن البنا

حرص الإمام البنا على قدسية الدعوة، وطهر الجماعة، وسمو الغاية من أن تنجرف لمعترك السياسة؛ لذلك كان من القواعد الأساسية التي قام عليها بناء الجماعة ألا يخترق صفوفها أو يسجل في أعضائها عظيم أو وجيه من الذين عرفوا بميولهم السياسية الخاصة أو نزعتهم الحزبية الحادة؛ حتى لا تكون الجماعة أداة حزب لتحقيق مغنم مادي أو كسب سياسي.

ولما كان للبرلمان دوره في سن القوانين والتشريعات، وأهميته في تحقيق مصالح الأمة، ورعاية الدين وحفظ الشريعة –وهي أهداف الإخوان وهم من أبناء هذا الشعب- كان لزامًا عليهم أن يشاركوا في اختيار ممثليهم؛ فصرح الإمام البنا أن "الصوت الانتخابي من حق الوطن، فلا يصح أن يتأخر قادرٌ عن إبداء صوته في قضية هي من أمس القضايا بالواجبات الوطنية، فاحرصوا على أداء الواجب، ولا تعطلوا أصواتكم ولا تهملوها" .

وبعد ثلاثة عشر عامًا من التأسيس غدت جماعة الإخوان المسلمين أكثر تنظيمًا، وأحسن إدارة، وأوضح رؤى، وفي يناير عام 1941م قرر المؤتمرون في المؤتمر الدوري السادس للإخوان المسلمين الإذن لمكتب الإرشاد بترشيح الأكفاء من الإخوان للهيئات النيابية المختلفة؛ لإبداء رأى الجماعة فيما يهم الدين والوطن.

وحين تغيرت الخريطة السياسية، وأمعنت وزارة حسين سري باشا -بإيعاز من الإنجليز- في التضييق على الإخوان بتعطيل اجتماعاتهم، ومراقبة دورهم، وإغلاق صحفهم، واعتقال رموزهم، كتب الإمام البنا رسالة "لماذا يشترك الإخوان في انتخابات مجلس النواب؟"

التي ظهر فيها مدى حرص الإخوان على العمل في النور وتحت المظلة الرسمية للدولة؛ حيث إن البرلمان هو "المنفذ الوحيد للرأي، وأن المنبر الذي كانت تعلن فيه شكاية أهل الحق في ذلك الوقت منبر مجلس النواب الذي كانت الصحف لا تجرؤ حينذاك على التوقف عن نشر مضابطه، فكان ما ينشر من مناقشات المجلس هو البصيص الوحيد من النور الذي ينير الظلام أمام المكبوتين المضطهدين" .

وفي عام 1942م حل النحاس باشا مجلس النواب، وفتح باب الترشيح لانتخابات جديدة تقدم فيها الإمام البنا مرشحًا عن دائرة الإسماعيلية، والأستاذ محمد عبد الرحمن نصير عن دائرة بنها، ثم تنازل الإمام البنا مقدمًا مصلحة الوطن في مقابل: إحياء الأعياد الإسلامية، وتحريم الخمر والبغاء، وإصدار قانون بوجوب استخدام اللغة العربية في جميع الشركات والمؤسسات، وبذل الجهد لإنشاء جامعة الدول العربية.

أقيلت وزارة النحاس باشا في أكتوبر 1944م، وجاءت وزارة أحمد باشا ماهر، وحل مجلس النواب, وباشرت الحكومة إجراءات الانتخابات من جديد، وترشح ستة من الإخوان المسلمين، وفي الإسماعيلية كانت المنافسة بين الإمام البنا وسليمان عيد متعهد توريد الأغذية للجيش الإنجليزي.

وفي يوم الانتخابات فوجئ أهالي الإسماعيلية بقيام الجيش الإنجليزي بإحضار سيارات اللوري، والتي كانت مليئة بعمال المعسكرات البريطانية الذين لا ينتمون لمدينة الإسماعيلية، وكانوا يهتفون لصالح سليمان عيد، ثم توقفت السيارات أمام اللجان وقام أفراد جيش الاحتلال الإنجليزي بإدخالهم إلى مقار اللجان، فأدلى هؤلاء العمال بأصواتهم ببطاقات مزورة بأسماء ناخبين من أهالي الإسماعيلية، فاحتج أهالي الإسماعيلية على هذا التزوير، وكادت تندلع معركة بين الأهالي والعمّال.

وبعد إعلان فوز سليمان عيد طلب الإمام البنا من أهالي الإسماعيلية كظم الغيظ، وأن ينصرف كل منهم إلى منزله لكي يُفوتوا على الإنجليز فرصة الاصطدام بهم حقنًا للدماء، واعترض القاضي عبد القادر عودة على هذا التزوير، وقدم استقالته من القضاء، وانضم للإخوان المسلمين.

هذا من ناحية التطبيق، آثرنا أن نبدأ بها على خلاف المنهج الفكري المعتاد؛ لأننا نرى كثيرًا من أرباب النظريات أول من يخون الفكرة عند التطبيق.

وعلى الجانب النظري فقد دخل الإخوان المعترك الانتخابي باعتباره وسيلة وليس غاية، والفرق ظاهر؛ أن تكون غاية لأجلها تحب وتكره، وتصل وتقطع، وأن تكون وسيلة تنشر بها فكرتك، وتربي بها صفك، وتكسب بها تعاطفًا، وتقوي بها لِحْمَة الوطن وسداه؛ وهذا ما فعله الإمام البنا حين تنازل عن وسيلة الترشح عام 1942م لما وجد أن ذلك يحقق المكاسب لمصر والإسلام دون أن يكون له ولجماعته أي حظ في ذلك.

وحفاظًا على الهوية الإسلامية والدعوة المباركة فقد قسم الإمام البنا المرشحين إلى ثلاثة أصناف نقطة الفصل فيها: مرجعيتهم الإسلامية، فيقول الإمام البنا في رسالة "لماذا يشترك الإخوان في انتخابات مجلس النواب"

موضحًا تلك الأصناف :

أولاً: من سيتقدمون على مبادئ الإخوان سافرة، وهؤلاء سيساعدهم المكتب بكل قواه، ويجب على كل أخ أن يساعدهم كذلك ما استطاع.

ثانيًا: من قدموا للإخوان خدمة سابقة، واتصلوا بالإخوان من قبل ثقة وثيقة، وبدا منهم حسن الاستعداد للفكرة الإسلامية، وهؤلاء سيناصرهم المكتب والإخوان أيًا كانت ألوانهم السياسية، على أن تكون المناصرة بحكمة ولباقة، وهؤلاء لا يعرفون إلا بعد ظهور الترشيحات.

ثالثًا: بقية النواب الذين لم تسبق للإخوان صلة بهم، وهؤلاء يناصر الإخوان منهم القوى المتدين الذي لا يجاهر بالعصيان، ويأخذون عليه العهد والميثاق في وضوح وصراحة أن يكون إلى جانب الفكرة الإسلامية، وأن يخدمها في البرلمان.

وكان الإمام البنا حريصًا على الالتزام بالمنهج الإسلامي في العملية الانتخابية، فلا تجريح ولا تخوين ولا شويه لأي شخص مهما اختلفت مع سياسته ومواقفه.

يقول الإمام البنا:

" ونحن أحرص ما نكون على أن تظفر الدعوة بهذا الموضع من القلوب، وستكون المعركة الانتخابية الإخوانية معركة مثالية في البعد عن المثالب الشخصية، أو إثارة الأحقاد والحزازات، فإذا فهم الناس هذا المعنى وبادلونا إياه فسندخل أصدقاء ونخرج أصدقاء، وإذا لم يفهموه ولم يقدروه فهم الملومون، وليست الدعوة ولا أصحاب الدعوة بمكلفين بأن يتجنبوا طرائق نجاحها خشية الناس، والله أحق أن نخشاه، وأية دعوة في الدنيا نريد ألا يكون لها منافسون وخصوم؟ وحسب الدعوة وأصحاب الدعوة شرفًا ألا يخاصموا الناس في الباطل، بل في الحق، وأن يحاربوا بأنظف الأسلحة وأنبل الوسائل" .

كما شدد الإمام البنا على ضرورة مراعاة الآداب الإسلامية، والالتزام بالأخلاق الحميدة، والسعي بالوسائل النظيفة إلى الغايات النبيلة، والحرص على كسب القلوب؛ لأن ذلك أولى وأبقى.

يقول الإمام البنا:

"إن أشرف معركة هي معركة الانتخابات لمجلس التشريع الأعلى في البلد، فمن أهم الواجبات أن تكون على أطهر حال وأشرف مثال، بعيدة عن السباب والشتائم، لا تنال فيها الأعراض، ولا تنتهك الحرمات، ولا تدنسها الغيبة الفاحشة، والنميمة الكاذبة، والرياء القاتل، والنفاق الوبيل، ولا مانع من أن يعرض الإنسان مناهجه أو منهاج من يناصره، ويتكلم عن مزاياه وفضائله، ويدلي بالحجج والبراهين على صلاحيته، ولكن لا يصح مطلقًا أن يغتاب المنافس ويسبه ويشتمهن ويلصق به المعايب والتهم بحق أو بغير حق، فإن ذلك ليس من الدين، ولا من المروءة ولا من الإنسانية في شيء، ولئن قالوا إن ذلك جائز في عرف السياسة، فإن الإسلام لم يتسامح فيه أبدًا ولم يجزه أبدًا. ستنتهي الانتخابات وتبقى الحزازات أو المجاملات، فلأن يبقى المعروف بينكم خير، ولا تنسوا الفضل بينكم في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة والتساند".

وفي مجال الدعاية الانتخابية حرص الإمام البنا على أن تكون بريئة مطهرة مما يعتاد الناس فعله.

يقول الإمام البنا:

" ستقوم دعاية الإخوان على المبادئ والأهداف، وسيرى الناس أمامهم لونًا فريدًا جديدًا من ألوان الدعاية الانتخابية البريئة المطهرة تستمد من قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(الحجرات: 11) .

وبعد الصدق مع النفس والمنهج، واتساق النظرية والتطبيق، يسجل الإمام البنا في نقاط تقييمه لهذه التجربة الثرية يقول:

" إننا لم نكن نطلب من وراء هذا الترشيح حكمًا ولا مغنمًا بدليل أننا لم نقدم في المرة الأولى إلا اثنين وفى المرة الثانية إلا ستة.وإننا لم نقصد بذلك مناوأة أحد أو خصومته بدليل أننا تنازلنا في المرة الأولى، وتفاهمنا في المرة الثانية، وأعلنا في كلا المرتين أننا نشجع أهل الخير والصلاح مهما كانت ألوانهم الحزبية.وإننا لم ننحرف بذلك عن نهج الدعوة القويم، وصراطها المستقيم فقد أعلنا في وضوح، وخصوصًا في المرة الثانية أن المرشحين إنما يتقدمون بصفتهم الشخصية لا بصفتهم الإخوانية، وأن من واجب الإخوان أن يناصروا من المرشحين من يأملون فيهم العمل لصالح الفكرة الإسلامية، هذا فضلاً عن أن نجاح الإخوان في البرلمان من خير ما يساعد على ظهور الدعوة وقوتها ونجاحها، وهو حق مكفول لكل مواطن ومن الظلم أن يحرم منه شخص بسبب انتسابه إلى الدعوة أو جهاده في سبيل الفكرة" .

أيها الإخوان: هذه أخلاقيات دعوتكم، وتلك حقيقة فكرتكم، فأحيوها تحييكم، والتزموها تنالوا ثواب الدنيا والآخرة.

المصادر

  1. مجلة الإخوان المسلمين، السنة الرابعة، العدد (3)، 7 صفر 1355ه- 28 أبريل 1936م
  2. مجلة الإخوان المسلمين اليومية، السنة الثالثة، العدد (719)، 2 ذو القعدة 1367ه- 5 سبتمبر 1948م، ص (7، 10)
  3. مجلة الإخوان المسلمين اليومية، السنة الثالثة، العدد (719)، 2 ذو القعدة 1367ه- 5 سبتمبر 1948م، ص (7، 10)
  4. مجلة الإخوان المسلمين اليومية، السنة الثالثة، العدد (719)، 2 ذو القعدة 1367ه- 5 سبتمبر 1948م، ص (7، 10)
  5. مجلة الإخوان المسلمين، السنة الرابعة، العدد (3)، 7 صفر 1355ه- 28 أبريل 1936م
  6. مجلة الإخوان المسلمين النصف شهرية، السنة الثانية، العدد (46)، 18 ذو القعدة 1363- 4 نوفمبر 1944، ص(3-4)
  7. مجلة الإخوان المسلمين اليومية، السنة الثالثة، العدد (719)، 2 ذو القعدة 1367ه- 5 سبتمبر 1948م، ص (7، 10)