أفرغت يا أبا الوليد؟ أتسمع مني؟

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أفرغت يا أبا الوليد؟ أتسمع مني؟

بقلم/ الأستاذ: جمعة أمين عبدالعزيز*

الأستاذ جمعة أمين

هذا القرآن الكريم الذي أنزله ربنا على قلب رسولنا- صلى الله عليه وسلم- والذي أحاط بكل شيء علمًا، وأصلح به الزمان والمكان.. فيه التفصيل المحكم وفْق الأغراض والأهداف، ووفْق أنواع الطبائع والعقول، ووفق البيئات والعصور، ووفق الحالات النفسية وحاجاتها المتنوعة، كلُّ ذلك من سمات هذا الكتاب الذي فُصِّلت آياته من لدنْ حكيمٍ عليمٍ.

وبالرغم من هذا الوضوح في المنهج- الذي تقوم خطته على الخير للناس جميعًا، وأثره في حياة البشرية وتصوراتها ومداركها، والذي لم يقتصر في هذا على المؤمنين، بل تعدى تأثيره عالميًا ومداركها، ولم يقتصر هذا على المؤمنين بل تعدى تأثيره عالميًا، ومطردًا منذ أن جاء إلى الناس كافة- يدرك هذه الحقيقة الصادقون المتفقهون ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43).

وبالرغم من هذا شاءت إرادة الله أن يكون من بين خلقه من لا يسمعون ولا يعقلون ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً ﴾ (فصلت: 44). ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (الأنفال:22-23)، ولم يكتفوا بما هم عليه من عمىً، بل كانوا يحرضون الناس إلى عدم السماع ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ (فصلت:5).

يقولون ذلك عنادًا وتيئيسًا للرسول صلى الله عليه وسلم- ليكفَّ عن دعوتهم، فكأنهم يقولون له: لا تحاول معنا؛ لأن قلوبنا غلف، فلا تصل كلماتك إليها، وفي آذاننا صمم فلا نسمع إليك، ومن بيننا وبينك حجاب فلا اتصال بيننا وبينك، فاتركنا وأعمالنا واهتمَّ أنت بأعمالك ونفسك، فنحن لا نبالي قولك وفعلك، وإنذارك ووعيدك، وهم كاذبون..!! وما قصة "عتبة بن ربيعة" منا ببعيد، وكان سيدًا في قومه، قال يومًا- وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد وحده-: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى "محمد" فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيُّها شاء ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه وكلمه، فقام إليه "عتبة" حتى جلس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يا ابن أخي، إنك منَّا حيث علمت من البَسطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم، فرَّقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعبْت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منّي أعرض عليك أمورًا فانظر فيها، لعلَّك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: قلْ يا أبا الوليد أسمع، فقال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئْيًا تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبْنا لك الأطباء، وبذلْنا فيها أموالنا حتى نبرِئَك منْه، فإنه ربَّما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه"، أو كما قال.

فقال صلى الله عليه وسلم- بعد أن سمع منه-: أفرغت يا أبا الوليد؟

قال: نعم.
قال: فاستمع منّي.
قال: أفعل.
قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (فصلت: من الآية4:1) ثم مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيها وهو يقرأ عليه، فلما سمع "عتبة" أنْصَت لها، وألقَى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد، فأنت وذاك.
فقام "عتبة" إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله، لقد جاءكم "أبو الوليد" بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا "أبا الوليد"؟ قال: ورائي أنّي سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها لي، خلُّو بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزِلوه، فوالله ليكوننَّ لقوله-الذي سمعت- نبأ، فإن تصبْه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن ظهر على العرب فمُلكه ملكُكم، وعزُّه عزُّكم وكنتم أسعدَ الناس به، قالوا: سحَرَك والله يا أبا الوليد بلسانه!! قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم!!.

تعمَّدْت أن أقُصَّ هذه القصة المشهورة لترى أثر القرآن على قلب رجل لم يؤمن، إنَّه صورة تلقي في القلب المهابة، وتجعل المسلم يتعجَّب من تقلُّب القلوب التي بين أُصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، فيحمَد الله على هداية الله له، وإحياء قلبه بالقرآن..!!

فكَمْ من أُناس ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: من الآية179).

إن محاربة القرآن من أصحاب القلوب الغُلف ليست بجديدة، فبالرغم من وقْعه على النفوس والقلوب، إلاَّ أن قومًا أحسُّوا بما فيه من سلطان فقالوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: من الآية 26)، ومازالت هذه الوصية التي أوصى بها الطغاة والكبراء، والتي يُغْرون بها الجماهير بعد أن عجَزوا عن مغالَبة أثَر القرآن في نفوسهم أولاً وفي نفوس أتباعهم ثانيًا...﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ ؛ لأنه في نظرهم يفرِّق بين الوالد وولده، والزوج وزوجه، وهذه الوصية لون من ألوان المهاترة والعجْز، عجْز عن المواجهة بالحجة والمقارعة بالبرهان؛ ولذا فإن لَغْوَهم ذهب أدراجَ الرياح، وانتصرَ القرآن؛ لأنه الحقُّ المحفُوظ بحفظِ اللهِ له ما دامَ الليل والنهار ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحِجْر:9) مهما بذل المبطلون من جُهد فما هم ببالغيه!!.

والعجيب أن تلامذة هؤلاء وأحفادَهم موجودون في كل زمان ومكان، تراهم فيمن يتحدَّث في القرآن لغوًا عن عمْد، ويشْرح أدقَّ الأحكام- التي لا يفقهها إلا العالمون-، بينما هو جاهل بأبسط مفاهيم الإسلام، ولقد رأينا امرأة متبرِّجة نامصة على وجْهِها كمٌّ من الأصباغ التي غيَّرت بها خلق الله، ومعظم جسدها ظاهر أو إن شئت فقل: عارٍ، وهي على هذه الحال تتعرَّض- وبجرأة-، وتتحدث فيما لا تعلمه، وتلغو في القرآن في أدقّ الأمور الحكيمة، والتي قال المولى فيها: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية83).

ونذكر في هذا المقام ما قاله أحد المسئولين عن هيئة إسلامية كبيرة، وكان على رأسها يومئذ، وتكلم في هذه المناسبة الإسلامية فإذا به يقول: صدق الله حين قال: "اشتد أزمة تنفرج"!!، فكتم الحاضرون ضحكات ساخرة من هذا القول، الذي أسند فيه إلى القرآن ما ليس منه، وكانت مصيبة، وما أكثر مصائبنا من الذين يخوضون في القرآن!!، ولقد أقيم اليوم في قاهرة المعزّ وبلد الأزهر الشريف المدافع- وما زال- عن الإسلام مؤتمرٌ تحت رعاية وزارة الثقافة، وأنقل إليك بعض "مانشيتات" صحيفة "الأسبوع" الغرَّاء، وهي تشير إلى ما يبحثه هذا المؤتمر، وتقول: ياللمصيبة!! المؤتمر يدعو إلى تحرير النصوص الدينية، وهم في مؤتمرهم يكفرون المفسرين، ويقولون- كما تقول الجريدة-: إن آية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ -(آل عمران: من الآية110)- دعوة للاستعلاء، وكلمة "الكفار" يجب حذفها؛ لأنها عنصرية، ويطالبون بإلغاء الفقة؛ لأنه سبب إرهاب المسلمين، وهذا أكثر بكثير مما يطلبه "بوش" و"شارون" ومن على شاكلتهما، فماذا يريدون؟!!

والله، إنَّ هذا الذي حدث لهو مصيبة كبرى تستحق أن يتصدَّى لها رجال وعلماء الأزهر الشريف، ومعهم رجال مجمع البحوث الإسلامية بل كل عالم غيور على دينه، فوالله ما قال ذلك "أبو الوليد" في جاهليته وكفره، فهل نصرخ بأعلى صوتنا ونقول: واإسلاماه علَّنا نجد المجيب الذي يقول: "لبيك يا أهل قرآن فداك أبي وأمي يا كتاب الله" إننا ننصح هؤلاء أن يكفوا عن محاولة العبث واللغو في القرآن فالله حافظه، ونقول لأبي وليد العصر وبطانته: أفرغت يا أبا الوليد أتسمع مني: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت:13) وستستمر قافلة القرآن، وسينتصر ويعود منهجًا للحياة كما وعد ربنا، وسيزهق باطلهم؛ لأن المولى هو القائل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الانبياء:18) فصبر جميل والله المستعان....