أيها الأحباب.. غزوة بدر الكبرى والصحوة الإسلامية الرائدة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
لم تعد النسخة القابلة للطباعة مدعومة وقد تحتوي على أخطاء في العرض. يرجى تحديث علامات متصفحك المرجعية واستخدام وظيفة الطباعة الافتراضية في متصفحك بدلا منها.
أيها الأحباب.. غزوة بدر الكبرى والصحوة الإسلامية الرائدة

28-08-2010

بقلم: فضيلة الشيخ محمد عبد الله الخطيب

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)﴾ (الأنفال).. معركة بدر الكبرى وقعت حدًّا فاصلاً بين أسباب النصر والهزيمة، وحينما ننظر ونتأمل في تاريخ أمتنا الإسلامية نرى سلسلةً متصلةً مضيئةً، كلها دعوةٌ إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيانٌ لهذا الحق، وتذكيرٌ للعالم كله بمن خلقه من العدم وسوَّاه، وإحياء لكل رسالات الأنبياء ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفي بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)﴾ (الأحزاب).

إن عمل الإسلام وتطبيق المسلمين له يرفع رايةً واحدةً، تقول للعالم كله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾ (البقرة).

فإذا رفض من يُدعى إلى الله وحده وإلى طاعته هذا الحق، وأصرَّ على هذا الرفض، وركب رأسه، وأغمض عينيه عن نور الله، وحاول العدوان على من يدعوه إلى الله، وطغى عليه وبغى، وأصرَّ على إسكان صوت الحق؛ فهنا يكون الموقف الفاصل الذي تمليه طبيعة هذا الدين العظيم الذي ما جاء إلا لإصلاح البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور.

والناظر المدقق في التاريخ الإسلامي يرى أن المعارك التي خاضها المسلمون في داخل الجزيرة وفي خارجها ما كانت كلها إلا ردًّا لعدوان، أو حسمًا لبغي وطغيان وافتراء على الله وتكذيب لرسالته؛ التي دعت إلى السلم والسلام والأمن والأمان، وهذا ما حدث- في الحقيقة- في أولى الغزوات، وهي بدر الكبرى؛ فلقد خرج المسلمون من المدينة لا يريدون حربًا، ولا يقصدون أذى لأحد، ولا عدوانًا على أحد، ولم يخرجوا جميعًا؛ لأن الأمر كان على وجه الندب، هم يريدون الاستيلاء على التجارة؛ تعويضًا للمؤمنين المهاجرين عما فقدوه في مكة، ونجت العير.

وكما ثبت في السيرة: قال جميع العقلاء من أهل مكة: لا داعي للقتال مع محمد، ولا داعي للخروج؛ فهذه تجارتنا قد نجت، وقالها لهم قائد العير أبو سفيان: لا تخرجوا فإن التجارة قد نجت؛ لكنَّ أبا جهل- ككل إنسان مستبدٍّ مستهتر مندفع قتله الغرور- قال بصوت مرتفع: والله لن نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم فيها ثلاثًا، ننحر الجذور، وتغني لنا القيان، ونشرب الخمور، وتسمع العرب بمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا.

وقفة هنا بحق وصدق لكل أصحاب العقول: ماذا يستفيد العالم إلى اليوم من السكارى والفجرة والراقصين والراقصات، والمغنين والمغنيات، والهازلين والهازلات، والمستكبرين على ظهر الأرض؟ ماذا قدَّموا لأممهم؟ ما النفع الذي يُرجى منهم؟ وما الخير الذي يمكن أن تستفيد منه البشرية من هؤلاء الذين ألغوا عقولهم وولغوا في المعاصي، وأسرفوا في الذنوب؟ أهو الاستكبار في الأرض بغير الحق؟ أهو المكر السيئ؟ أهو الاستهتار؟ إن أبا جهل في هذا الموقف وغيره كان سببًا بعناده واستهتاره وكفره وشركه فيما نزل به وبمن معه.

لقد ترك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وهاجر هو وأصحابه إلى المدينة، بعيدًا عن هذا الجنون، بعد أن ظل بينهم ثلاثة عشر عامًا يدعوهم إلى الله وحده، وترك عبادة الأصنام واحترام النفس، وصيانتها من الشرك؛ فماذا حدث؟! بغوا عليه وطغوا، ونكَّلوا به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، وهم الكرام البررة الذين لم يسيئوا إلى أحد، ولم يأخذوا حقًّا لأحد، وها هو أبو جهل يخرج من مكة محرِّضًا، ومعه العدة والعتاد، والكل يحمل الحقد الأسود، تقودهم الكراهية للإسلام وأهله، وللإيمان ورجاله، وللطهارة والنقاء في أعلى الدرجاة، إنه يحث السير إلى مصيره المحتوم في بدر.

وننظر إلى الجانب الآخر، جانب الإيمان والصدق جانب الرحمة والعدل، جانب الصفاء والنقاء الذين يمثلون عنوانًا عظيمًا لهذه الأمة المسلمة، قلة في العَدد، وقلة في العُدة، ثلاثمائة ويزيدون قليلاً، معهم فرسان وسبعون بعيرًا يتعاقبون عليها، ينظر إليهم صلى الله عليه وسلم؛ فيقول ويدعو "اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم فقراء فأغنهم، اللهم إنهم عالة فاحملهم"، وإلى هذه اللحظة يسير هذا العدد من الرجال الأبرار في غير تشكيل حربي؛ لأنهم لا يريدون حربًا، ولا يقصدون عدوانًا على أحد؛ لكنهم حين علموا بأن القافلة قد هربت على طريق الساحل، وأن قريشًا قد نفرت إليهم، وخرجت تدافع عن باطلها وإجرامها، هنا اتخذ صلى الله عليه وسلم ومن معه من الأبرار القرارات التالية لحسم لموقف مهما تكن الظروف:

1- وضع جميع من معه من المسلمين في تشكيل حربي.

2- أظهر السلاح ورفع رايات الحرب.

3- استشار أصحابه فيما يفعل، وأخبرهم بحقيقة الموقف؛ فكلهم قالوا ما يجب أن يقوله الرجال المؤمنون في هذا الموقف؛ قال أحد المهاجرين وهو المقداد بن عمرو رضي الله عنه:

يا رسول الله، امضِ لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:

﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)﴾ (المائدة: من الآية 24)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغمام (مدينة في الحبشة) لجالدنا معكم من دونها حتى تبلغها.

ثم نظر صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار وقال: "أشيروا عليَّ أيها الناس"، فقام سعد بن معاذ فقال: قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، فامضِ يا رسول الله لما أردت فنحن معك؛ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف عنك رجل واحد فسر على بركة الله.

4- سُرَّ صلى الله عليه وسلم وأُعجب بالأبرار الأوفياء وقال "سيروا وأبشروا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين؛ والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم"، وهنا يشير صلى الله عليه وسلم بيده:

مصرع أبي جهل في هذا المكان، ومصرع فلان في هذا المكان.. واحدًا واحدًا.. يقول الحق تبارك وتعالى ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)﴾ (الأنفال).

5- الشورى، وهي فريضة دينية وشعيرة إسلامية لا غنى عنها وعن العمل بها لمن يريد النجاح والفلاح؛ فإن الاستبداد بالرأي، والإصرار عليه مهلكة تضيع الأمة كلها، ولذلك نرى هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين وصل إلى بدر نزل أدنى ماء منها فسأله الحباب بن المنذر: يا رسول الله هذ المنزل؛ أمنزلاً أنزلك الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوّر ما وراءه، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون؛ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "لقد أشرت بالرأي"، ثم أمر بتنفيذ خطته.

6- عرض سعد بن معاذ رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقام له عريش (مركز قيادة يشرف منه على المعركة)؛ ليتولى قيادة المعركة من خلاله، والاقتراح هنا أن يكون العريش مفتوحًا على ناحية المدينة، وعند بابه الركائب النجيبة وشباب الأنصار يحرسون القائد في العريش، وقال سعد بن معاذ تعليلاً لهذا الاقتراح الناجح: يا رسول الله لو قتلنا جميعًا في بدر، فيجب أن تبقى أنت لتؤدي رسالة الإسلام، فتكون على ركائبك وتلحق بمن تركنا في المدينة، فإن فيها من ورائنا من هم أفضل منا، ولو علموا أنك تلقى عدوًّا في بدر ما تخلفوا عنك ولو انتصرنا في بدر فالحمد لله.

انظروا إلى هذا الأفق العالي، والتفكير العجيب وفداء صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم بأعز ما يملك الإنسان وهو النفس؛ لكن هنا ارتفع حب الدعوة وحب القائد إلى ما هو أعلى من النفوس والأموال والأولاد والدنيا بأسرها، رضي الله عنهم وأرضاهم.

وصل المسلمون إلى العدوة الدنيا فتمركزوا فيها، ووصل المشركون إلى العدوة القصوى فأقاموا بها، وفرق هائل بين المعسكرين؛ هذا معسكر الباطل يدافع عن الأصنام والأوثان والخمور وكل ألوان الفجور، وهذا المعسكر الحق الذي يريد الله عزَّ وجلَّ أن ينتصر وأن يسود لأنه الأنفع للناس، والأشرف للبشرية.

إن دعوة الإسلام هي دعوة الإنقاذ، وهي طوق النجاة لمن أراد أن ينجو ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)﴾ (الأنفال).

7- بث صلى الله عليه وسلم من ينظر في أحوال الأعداء، وهذا أمر مهم في الحروب؛ فبعث عمار وابن مسعود رضي الله عنهما، فطافا بمعسكر المشركين ثم رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله، القوم مذعورون فزعون؛ إن الفرس ليريد أن يصهل، فيُضرب على وجهه مع أن السماء تسُحُّ عليهم.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن رحمة الله عزَّ وجلَّ بأوليائه وجنده وحزبه كانت عظيمة؛ فسخر كل مخلوقاته للدفاع عنهم حتى المطر؛ فقد أمطرت السماء فتحولت عند معسكر المشركين إلى برك من المياه والطين، أما عند المسلمين فكانت رحمة ونعمة فثبت الأرض من تحتهم، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)﴾ (الأنفال).

8- وقمة النصر بعد ثبات المؤمنين وتفانيهم وحبهم لدينهم ولنبيهم، وقبل ذلك كله رعاية الله وعنايته لهم أن سخَّر الملائكة لتقف في صفهم ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13)﴾ (الأنفال).

يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: إني لأقف في بدر، فأرى مشركًا فأسل عليه سيفي، وقبل أن يصل إليه طارت رأسه، فعلمت أن ملكًا قد سبقني إليه.

9- الدعاء: وهو أمر مهم وضروري في الشدة والرخاء في العسر وفي اليسر، فقد ظل صلى الله عليه وسلم طوال ليلة المعركة في العريش يدعو ويناشد ربه قائلاً "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد" فيرد عليه أبو بكر: يا نبي الله! بعض مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك، وما لبث الرسول صلى الله عليه وسلم أن انتبه فجأة، وقال والبشر يكسو وجهه "أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع"، قال تعالى:

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)﴾ (الأنفال).

10- واشتبك الجمعان، ووصلت المعركة إلى قمتها، والنبي صلى الله عليه وسلم في عريشه يواصل الدعاء، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض المعركة يشجِّع أصحابه وهو يرى جند الله قد ثبتوا ثباتًا عظيمًا لنصرة الرسالة والحق الذي يحملونه، أما جند الباطل فقد أغراهم الغرور والضلال حتى ظنوا أنهم يستطيعون أن يغالبوا القدر، وهيهات أن يغالب القدر النافذ مخلوق عاجز.

يقول الشيخ الغزالي رحمه الله في هذا الموقف : وفتح المسلمون عيونهم على بشاشة الفوز تضحك لهم خلال الأرض والسماء، إن هذا الظفر المتاح رد لهم الحياة والأمل والكرامة وخلَّصهم من أغلال ثقال ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران). اهـ.

إن دروس غزوة بدر وما فيها من جوانب عظيمة تحيي الموات وتلين القلوب، وتعيد الثقة إلى النفوس؛ لهي كثيرة لا يمكن أن يحيط بها هذا الحيز المحدود، فليرجع كل من يريد أن يتأمل هذه الجوانب إلى كتب السيرة، فإن من كتبوا في غزوة بدر من العلماء والدعاة إلى الله لا حصر لهم فجزاهم الله خيرًا.

وهنا لا بد أن نذكِّر بالصحوة الإسلامية التي عمت الكرة الأرضية بأجمعها وهي تدعو بحكمة وتربي بأناة وثقة؛ لأن هذا الحق هو طريق الخلود في الدنيا والآخرة، وتنهي بشدة عن الجري هنا وهناك والتلقي في أمر العقيدة أو العبادة أو الأحكام الشرعية- من غير المصادر الصحيحة- وهي الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح.

إن الردّ إلى الله ورسوله، وقرآنه وسنة نبيه في أمور العقيدة والإيمان بالله، وصحيح العبادة؛ لهو طريق الاستقامة على أمر الله، ولا مانع أبدًا- بعد ذلك- من أن يأخذ المسلم من غيره- أيًّا كان- الجوانب المختلفة في ترقية الحياة في الدنيا، ولقد تقدَّم الطب والعلاج وكافة الابتكارات في شئون الحياة الدنيا كثيرًا عند غيرنا، ونحن نأخذها عنهم مع الاحتياط والدقة في هذا الأخذ.

إن أمر العقيدة أخطر من أن يتلقى من إنسان لا يملكه ولا يعرفه مهما كان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا؛ كتاب الله وسنتي، ألا هل بلغت اللهم فاشهد".

الصحوة الإسلامية بحق أحيت الأمل، وردت الثقة إلى النفوس والقلوب؛ لأن الإسلام يستطيع بصدق رسالته، وأنه الحق مهما كانت الظروف في أمة من الأمم إذا آمنت به وصدقته، وأخذته بكامله، ودعت إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وجاهدت في سبيل الله؛ تستطيع أن تعود إلى مجدها وعزها.

وما أحوج الصحوة إلى وقفات طويلة متأنية عند غزوة بدر، وصدق أهل بدر، وإخلاص أهل بدر، وتجرد أهل بدر وحب أهل بدر لهذا الحق، وتفانيهم في نصرته ورفع رايته، والدفاع عنه.

إن الصحوة الإسلامية هي بشير الخير لهذه الأمة، وهي عنوان السلامة والرجاء العظيم في رب هذه الدعوة أن ينصرها كما نصر أهل بدر وآوي أهل بدر الذين رفعوا الراية بصدق، والتي لن تنزل أبدًا حتى تقوم الساعة.

الأمر الأخير.. جاء علينا رمضان، كنا نتمنى من قلوبنا أن يفرح أهل الذين ظلموا وأوذوا وصبروا واحتسبوا ويقضون عقوبة لا أساس لها، وتهمةً لا مكان لها؛ من إخواننا وأحبابنا الذين وراء القضبان.

ونقول للذين ظلموهم، وظلموا أولادهم وزوجاتهم وآباءهم وأمهاتهم نقول لهم بصدق: احذروا دعوة المظلوم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم "إن الله يرفعها فوق الغمام ويقول: بعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين".

دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، احذروا دعوة زوجة في جنح الليل ظُلمت، وطفل يسأل: أين أبي؟ لماذا لم يصم معنا؟ ما الذي ارتكبه أبي؟ ما الذي جناه يا أمي حتى يُفعل به ما يُفعل؟ ويقف خلف القضبان كما يقف المجرمون والسفاكون؟.

اتقوا الله واتركوا أسرانا يعودون إلى بيوتهم وأولادهم وزوجاتهم وأمهاتهم وآبائهم وإخوانهم، وإياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

اللهم فرِّج عنا وعن أسرانا، اللهم ارحمهم وارحمنا، اللهم اغفر لهم ولنا، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصلاتنا، اللهم عافنا واعف عنا.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر

إخوان اون لاين