إخوان الحرية أم حرية الإخوان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
إخوان الحرية أم حرية الإخوان


إخوان ويكي

مقدمة

لربما يظن القارئ أن سنتناول في هذا البحث بعض الموضوعات الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين - خاصة مفهوم الحرية لديهم - لكن هذا جزء سيكون في مضمون البحث غير أني أهدف من البحث عن الحديث عن جماعة أخرى أنشئت تحت هذا المسمى لجذب الشباب إليها وصرفهم عن الإخوان المسلمين، حيث دار بينهما صراع غير معلن إلا أنه كان تحت إشراف المستعمر البريطاني خاصة حينما لم تجدي السبل لإغراء الإخوان أو لشرائهم لخدمة المستعمر في العالم الإسلامي.

محاولات استعمارية مستميتة

منذ أن جثى المستعمر البريطاني على صدر مصر بعد خيانة بعض الزعماء المصريين من السياسيين والعسكريين لأحمد عرابي في سبتمبر من عام 1882م وهو يعمل على تفكيك الدولة ومحاولة طمس هويتها، وقد وقفت ضد بعض الأفراد بصفات فردية والتي – كما يذكر التاريخ – لم تزعجه مثل الزعيم مصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهم

كما قامت بعض الحركات السرية لكنها كانت محدودة التأثير وكانت تعتمد الاغتيالات كمبدأ لها، ولم ينزعج منها بل استمر في ابتكار وسائل جديدة ليحكم قبضته على المجتمع، إلا أنه منذ أن برزت جماعة الإخوان المسلمين كقوة منظمة – بشهادة المؤرخين

وقد انزعج المستعمر منها والذي ظن في بداية الأمر أن في استطاعته استمالتها لصالحة ولخدمة أهداف، أو على الأقل ستكون مثل الحركات الدينية المستأنسة، إلا أنه وجد فيها قوة أزعجته وخاف على مركزه منها، ولذا حاول حلها والضغط على الحكومات بحلها والقضاء عليها، إلا أن هذه المحاولات باءت كلها بالفشل

يقول الدكتور سيد عبد الرازق يوسف عبد الله:

حدثت محاولات عديدة في عهد الحكومات السابقة لحكومة النقراشي لحل الجماعة ولكنها لم تخرج إلى حيز التنفيذ وكانت أولي هذه المحاولات في عهد وزارة حسين سري عام 1941 فقد حدث أن أراد الإخوان المسلمون الاحتفال بافتتاح شعبة لهم بالقاهرة في حي السيدة زينب فأعدوا لذلك سرادقا كبيرا حشدوا فيه عددا كبيرا من أنصارهم الأمر الذي أزعج السفارة البريطانية في وقت كان الإنجليز يعانون فيه هزائم الألمان المتوالية؛
وقدمت السفارة البريطانية احتجاجا إلى حسين سري لتهاونه في السماح للإخوان المسلمين بمزاولة نشاطهم العدائي للإنجليز وتهديدهم لسلامة الإمبراطورية البريطانية وطلبت من السفارة حل هذه الجماعة ولكن حسين سري رفض الموافقة على طلبها فاضطرت السفارة إلى أن تنشئ جمعية إخوان الحرية لمناهضة الإخوان.
والمحاولة الثانية لحل جماعة الإخوان كانت في وزارة مصطفي النحاس باشا الخامسة التي تشكلت في 4 فبراير 1942-26 مايو 1942 فقد طلبت السفارة البريطانية من النحاس باشا حل الإخوان وتعطيل نشاطهم فأبي أن يجيبها إلى ذلك واكتفي بإغلاق الشٌعب كلها مع إبقاء المركز العام مفتوحاً ويمارس نشاطه كاملاً.
والمحاولة الثالثة كانت في عهد وزارة الدكتور أحمد ماهر وكان طلب الحل في هذه المرة بناء على طلب الشيخ المراغي شيخ الجامعة الأزهر الذي طالب من النقراشي بحل جميع الهيئات الدينية ومن بينها جمعية الإخوان المسلمين ويرجع السبب في ذلك إلى أن هذه الهيئات أباحت لنفسها استصدار الفتاوى ونشرها على الناس كل بما يتفق وأغراضها ولكن الشيخ المراغي توفي قبل أن ينفذ رغبته .
أما المحاولة الرابعة لحل جماعة الإخوان المسلمين فكانت بمناسبة موقف الإخوان المسلمين في حوادث اليمن عندما أبدي السيد على المؤيد مندوب اليمن في الجامعة العربية استنكاره لموقف الإخوان المسلمين من حوادث اليمن فاقترح أحد المندوبين حل هيئة الإخوان حتى لا تتكرر مأساة اليمن ولكن الاقتراح استبعد.. وذلك قبل قرار الحل رقم 63 الذي أصدره النقراشي باشا بتاريخ 8 ديسمبر 1948م. (1)

لم ييأس المستعمر من محاولة السيطرة على جماعة الإخوان – خاصة في ظل تمددها أفقيا ورأسيا في المجتمع بل والعالم – فحاول الانجليز تقديم الرشاوي للإخوان وما زيارات هيورث دان ومستر كلايتون للمركز العام بالأمر الخفي، بل ذكرته العديد من المصادر سواء الإخوانية أو غيرها، حيث عرضوا على البنا أن تقوم السفارة البريطانية بمد المركز العام بالمال

إلا أن البنا كان رده عليه:

فالذى يلبس بجنيه ويوفر ما بقى من راتبه للدعوة ومعه الآلاف من الإخوان على شاكلته لا يحتاجون لمساعدة أحد والحمد لله. وأنصحك أن توفر كل قرش لخزينة بلادك؛ لأننا لن نقبل شيئًا من مثلكم، كما أن الزعماء الذين تشترونهم بأموالكم لا يملكون إلا أنفسهم، أما الشعوب فلن تقبل بغير استقلالها التام مهما كلفها من ثمن، ووفروا أموالكم هذه أو اشتروا بها معدات، وواجهوا بها أعداءكم بعيدًا عنا. (2)

وخرج الجنرال كلايتون وهو يدرك تمامًا مدى فشله الذريع، وأن عليه أن يسلك طريقًا آخر؛ لأنه لا سبيل قط فى التعاون مع الإخوان المسلمين. وبعد فشل الإنجليز فى استعمال أسلوبهم المغرى جربوا سلاحهم العنيف سلاح الإرهاب والاضطهاد من تشريد الإمام البنا إلى قنا والأستاذ أحمد السكري إلى دمياط، ثم العودة بهما إلى معتقل الزيتون، ومنع وإغلاق المطبعة، ومصادرة المجلة، ومنع الاجتماعات، وإغلاق الدور. (3)

ثم عمدوا لإدخال الجماعة في آتون المحاكم لحلها، حيث أوعزوا إلى بعض عملائهم باتهام بعض الإخوان بالتواصل مع الألمان، حيث عمد "المجلس البريطاني" بطنطا عن طريق أحد عملائه بتلفيق قضية للأخوين محمد عبد السلام فهمي - وكان مهندسًا فى مصلحة الطرق والكباري بطنطا - وجمال الدين فكيه - موظف ببلدية طنطا - وكانت التهمة الموجهة لهما "أنهما يعدان جيشًا للترحيب بمقدم الألمان، وأنها يحدثان بلبلة فى الأفكار، ويعدان عناصر معادية للحلفاء وأنهما وسيطان بين الألمان وبين الشيخ حسن البنا مرشد الإخوان". (4)

وقدمت هذه القضية للمحاكمة تحت مسمى الجناية العسكرية العليا 883 لسنة 1942م قسم الجمرك، واستمر حبس الأخوين ثمانية أشهر ونصف على ذمة القضية بسجن الحضرة بالإسكندرية، غير أن القاضي استطاع أن يكتشف كذب الشهود ويحكم للأخوين بالبراءة

غير أن الانجليز كان لابد من إيجاد طريقة أخرى لتحجيم الإخوان الذين يزداد عددهم كل يوم ويشكلون خطرا على الانجليز ليس في مصر فحسب بل في العالم الإسلامي كله، ولذا جاءت فكرة إخوان الحرية لتكون جماعة تجذب الشباب من الإخوان، حيث سخر الانجليز العديد من امكانيتهم وأموالهم لنجاح هذه الجمعية. (5)

الحرية في فكر الإخوان

لقد يأس المستعمر في محاولة اصطفاف الإخوان خلفه – رغم ما قيل من بعض الباحثين إلا أنه لم يقدم باحث دليل إلا المنحة التي قدمتها شركة قناة السويس لمسجد الإخوان بالإسماعيلية – مما جعل الانجليز ينشئون جماعة إخوان الحرية وهو الاسم الذي كانت نفوس المصريين تهفوا إلى وهو الحرية، فهل كان فكر الإخوان ومنهجهم ضد الحرية؟

فالحرية مفهوم سياسي واقتصادي وفلسفي وأخلاقي عام، وذو مدلولات متعددة ومتشعبة، وقد جعل الإسلام "الحرية" حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحرية الانسان لا تعنى الانسلاخ من التعاليم الدينية ،بل المحافظة عليها وممارسة الحرية في إطارها، والإنسان ليس حرا في إلحاق الضرر بنفسه أو بغيره. (6)

والحرية عند حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين جزء أساسي من دعوتهم ، لا يمكن أن يساوم عليها، وكم من تضحيات بذلها الإخوان في سبيل الحرية، يقول الشيخ البنا: إذا قيل لكم إلام تدعون؟ فقولوا: ندعو إلى الإسلام الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم: هذه سياسة! فقولوا: هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام. (7)

ولقد تعددت أشكال الحريات عند الإخوان مثل حرية العقيدة، وحرية الوطن من الاحتلال الأجنبي، بحيث يصل الإنسان بهذه الحرية إلى العزة ورفض الذل والظلم في إطار القانون وانتظام مؤسسات الدولة.

جماعة إخوان الحرية

كانت بريطانيا بعد انتصارها في الحرب العالمية الأولى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكان من الطبيعي أن يتملكها القلق على هذه الإمبراطورية، فما أن لاحت نذر الحرب في أواخر الثلاثينيات حتى عمدت لتأمين هذه الإمبراطورية، إلا أن الحرب اشتعلت على الجبهة الأوروبية في الأول من سبتمبر 1939م، وامتدد لهيبها إلى بقية العالم، ولذا حاولت بريطانيا تأمين مستعمراتها خاصة في الشرق الأوسط.

كان ظهور الإخوان مثار قلق لدى الإنجليز حيث حاولوا شرائهم بكل السبل لكنهم فشلوا في ذلك، ولذا عمدوا إلى استصدار قرار بحلهم لتأمين جبهتهم الداخلية في مصر خاصة أن الألمان أصبحوا على مشارف الحدود الغربية لمصر، ولذا عمدوا إلى بعض عملائهم لإنشاء جماعة إخوان الحرية.

لكن كيف نشأت هذه الجماعة؟ وهل كان لها فروع امتدت خارج مصر وما مصريها؟ هذا ما سنقف عليه في السطور القادمة لقد كانت بدايتها في مصر وفقا لما جاء في جريدة الجمهور المصري

قائلة:

إنه فى بداية الحرب كانت بريطانيا فى طريقها إلى الزوال، إلا أن البريطانيين مع ذلك كانوا يتشبثون بأوهى خيوط الأمل، وكانوا يحاولون جاهدين أن يستميلوا إليهم شعوب الشرق الأوسط الذى كان بالنسبة لهم ميدان صراع يائس ضد الطليان والألمان، وكانت مصر كلها تغلى حقدًا على الإنجليز
فى هذه الأثناء بحثت المخابرات البريطانية عن وسيلة تجذب إليها الناس وتضرب بها جمعية الإخوان المسلمين ومرشدها حسن البنا، فأخذ الجاسوس فان فاى - أحد المستشرقين، وعمل محاضرًا بكلية التجارة جامعة فؤاد الأول، وكان المراقب العام لجمعية إخوان الحرية بمصر - يفكر حتى وصل إلى الطريقة التى يستميل بها السذج وذوى النيات الحسنة من المصريين؛
وهى التفكير فى تأليف جمعية مصرية الاسم والمظهر، وبريطانية فى كل ما عدا ذلك، وقد بحث فاى عن اسم للجماعة الجديدة، فلم يجد أحلى وقعًا على الأسماع فى مصر من كلمة "إخوان" التي تسمى بها جماعة الإخوان المسلمين، ففكر فاى قليلا ثم ذهب إلى السفير البريطانى اللورد كيلرن وأخبره أنه اختار اسم الجماعة البريطانية الجديدة "إخوان الحرية".
فقال اللورد كيلرن للمستر فاى: لكن إخوان الحرية ينقصها واحد شيخ، وانحنى فاى للديكتاتور العملاق وفهم أنه يريد شيخًا للجماعة لينافس به الإمام الشهيد حسن البنا، فقال له فاى: إنه موجود يا سيدى، وكان الشيخ الذى وجده المستر فاى هو الشيخ الزواوى. (8)

النشأة

تأسست هذه الجمعية بمصر في عام 1942م، وسرعان ما فتحت لها فروعًا في العراق وعدن، وكانت رئيسة هذه الجمعية على النطاق العالمي والتي أسست نظامها مس فريا إستارك، أما مستر فاى فكان المراقب العام لإخوان الحرية بمصر، وأصدرت نشرة أسبوعية خاصة بها فى 24 جمادى الأولى 1361هـ 9 يونيو 1942م، واستمرت هذه النشرة مع هذه الجمعية حتى عام 1951م وكان رئيس تحرير هذه النشرة شفيق رمزي، واتخذت الجمعية مقرا لها فى بيت السنارى بشارع الكومي بالسيدة زينب. (9)

ويقول محمد عبد الحليم:

أنشأوا جمعية أطلقوا عليها "جمعية إخوان الحرية"، ورؤساء هذه الجمعية إنجليز مؤهلون تأهيلاً خاصاً يسهل لهم سبل الاتصال بالمصريين و بالعرب فهم يتكلمون العربية وعلى درجة عالية من الثقافة ، و على دراية واسعة بأحوال البلد الذي سيعملون فيه ، وفضلاً عن ذلك فهم مزوّدون بسلاحين قاطعين هما المال والنساء.
لم تكن هذه هي المحاولة الأولى من الإنجليز لإرساء أساس لجمعية تناوئ الإخوان المسلمين فقد أنشأوا في سنة 1940 جمعية في القاهرة سموها "جمعية الإصلاح الوطني"، أسندت رياستها لجمال الدين هيورث دن وهو إنجليزي سبق له أن أقام في مصر وتعلم العربية الدارجة وادّعى الإسلام وتزوج من مصرية مسلمة كانت تقيم معه في لندن.. وقد أنشأ مطبعة أمام السفارة البريطانية لإصدار المنشورات المضللة...وانتهت هذه المحاولة بالفشل فلجأ الإنجليز في أثناء الحرب العالمية الثانية إلى إنشاء جمعية إخوان الحرية. (10)

ويضيف:

لم تلبث أن افتتحت لها فروعاً و شعباً في طول البلاد و عرضها حتى القرى مقتفية في ذلك طريق الإخوان المسلمين في الدخول بالدعوة إلى أعماق البلاد حتى إن بعض الصحف المصرية قد نشرت في مارس سنة 1947 عن رحلة قام بها في ذلك الوقت المستر فاى إلى الوجه القبلي يصحبه من يسمى بالشيخ الزواوي و ذكرت الصحيفة أنهما اتصلوا بعرب الجهمة و الأنصار و امتدت رحلتهما إلى قنا و أسوان.
ولما كان التقرب إلى الإنجليز في ذلك الوقت هو البضاعة الرائجة و كانت خزانة الحكومة البريطانية مفتوحة على مصراعيها فسرعان ما تضخمت هذه الجمعية بما ضمت لعضويتها من ذوي المصالح و المنافقين ، وبعد أصدرت الجمعية في ذلك العام كتاباً باللغة العربية في ثلاثمائة صفحة يتضمن أسماء أعضائها و كان بينهم أناس يحتلون مراكز خطيرة في المجتمع.. وكانت الجمعية تصدر نشرات لا تستحي أن تشيد فيها بدور بريطانيا في فلسطين و بتدخل أمريكا في الشئون الداخلية للدول الصغيرة كما تنشر فيها خطب السفير البريطاني. (11)

أهدافها

يعد الهدف الرئيسي للجمعية التي أنشئت من أجله هو تضليل الناس بقصد إبعادهم عن الإخوان المسلمين؛ وذلك بنشر الأكاذيب والادعاءات ضدهم كي يوقفوا زحفهم ويعطلوا سيرهم، ويصدوهم عن السبيل؛ وذلك باستخدام نفس الاسم وإضافة الحرية إليه، خاصة أن إنجلترا في ذلك الوقت كانت تزعم أنها دخلت الحرب من أجل الديمقراطية وضد الديكتاتورية، وقد أعلنت مرارًا وتكرارًا عن هذه الغاية فى نشرتها التي كانت تأخذ اسمها، وكانت هناك أهداف أخرى لتحقيق هذا الهدف الذى يرمى إلى القضاء على الإخوان

ومن هذه الأهداف:

  1. أن تكون هذه الجمعية عينًا للإنجليز على جميع الهيئات والأحزاب والمصالح الحكومية؛ ليعرفوا كيف تسير الأمور في مصر، وإعداد تقارير عنها ورفعها للمسئولين في السفارة البريطانية. (12)
  2. إقناع الشباب أن بريطانيا هي جنة الله في الأرض، وأنها رمز الخير والحب الذى تريد تحقيقه لكافة البشرية، وأن أهداف المصريين والإنجليز ومثلهم العليا تتطابق رغم التناقض في أسلوب التطبيق، وأن بريطانيا هي بلد الديمقراطية والحرية والعدل، ويجب الإدانة لها بالولاء والطاعة. (13) ويضيف الأستاذ محمود عبد الحليم بعض الأهداف التي يراها من وجهة نظره كانت الجمعية تهدف لتحقيقيها ومنها:
  3. نشر القيم الفاسدة والإباحية بالمجتمع، وذلك عن طريق المال والنساء؛ حيث كانت الجمعية تعقد المحاضرات والندوات عن الإخاء والمساواة والحرية التى طالما طالب بها الشعب، فكانت هذه المحاضرات تلاقى هوى فى نفوس الشباب. وفى خلال هذه المحاضرات تقدم المشروبات المرطبة صيفًا والساخنة شتاءً مع بعض الحلوى الفاخرة، ثم تترك حرية الاختلاط بين الشباب والفتيات، ويبدأ هذا الاختلاط بشيء ظاهره التمسك بالآداب والأخلاق، ثم يتدرج مع نداء الحرية إلى حفلات راقصة تقدم فيها الخمور وتعزف الموسيقى المثيرة، وترتكب فيها الآثام ولا يكتفون بذلك بل يكلفون الشبان تمشيًا مع الحرية لاصطحاب أخواتهم حتى يصلن إلى الحضيض الذى انحطوا إليه.
  4. التشكيك فى العقيدة والشريعة الإسلامية؛ فقد كان المحاضرون يركزون على أن الحرية تقتضى أن يدع الإنسان عقيدته جانبًا حتى لا تكون هناك عوائق تعوق سبل الإخوة بين الناس من مختلف الأديان، وكانت هذه الأفكار تؤثر فى قطاع أصبح مثخنًا بالجراح صريع شهوته.(14)

واستطاعت الجمعية من خلال العمل الدءوب للقائمين عليها من المخابرات والجواسيس أن تنتشر فى كافة أنحاء القطر المصرى وبعض الدول العربية، وإمعانًا فى محاربة الإخوان المسلمين فقد استخدمت نفس أسلوب الإخوان بإنشاء مكاتب لها على غرار الشُّعب فى المدن والقرى والنجوع، وكانت تنشر أسماء أعضائها فى هذه الفروع بنشرتها؛ كما فى العدد 186 وما بعده؛ حتى وصل عدد المخدوعين بهذه الجمعية والمقيدين فى دفاترها 50 ألف مصري غير مدركين حقيقة الأغراض التي يعمل لها زعماء هذه الجمعية ومشايخها ومثقفيها. (15)

دور الإخوان المسلمين نحو إخوان الحرية

يقول محمود عبد الحليم:

أزعج الإخوان هو خطة جهنمية وضعتها هذه الجمعية للإيقاع بالشباب الغض الإهاب الخالي الذهن السهل القياد. فمقر الجمعية بالقاهرة مؤثث بأفخم الأساس ومزود بجميع وسائل الترفيه ثم توجه الجمعية الدعوة إلى الشباب فى معاهده الدراسية وفى نواديه الرياضية وفى مختلف أماكن تجمعاته لحضور محاضرة لرئيس الجمعية أو لأحد محاضريها فى مقرها مساء يوم محدد
وموضوع المحاضرة جذاب يتصل بالحرية التى هى من حق كل المجتمعات ، فيستجيب لهذه الدعوة فى أول الأمر عدد قليل من الشباب .. وحين يستمع إلى المحاضرة ويتمتع بالجلوس على المقاعد والرياش تقدم إليه المرطبات صيف والمشروبات الساخنة شتاءا مع بعض الحلوى الفاخرة ، فيخرجون من هذه المحاضرة لا هجين بالثناء على ما رأوا وما سمعوا وما قدم لهم من طعام وشراب .
فإذا ما دعت الجمعية إلى محاضرة أخرى تضاعف عدد المستجيبين ، وهكذا .حتى يصل الحال إلى التسابق للظفر بالجلسة الممتعة المشبعة والتي لا تكلفهم كثيرا ولا قليلا . حينئذ .. وبعد أن يطمئن القائمون على الجمعية إلى أن مجموعة ضخمة من الرواد قد أصبحوا أسرى هذه المتعة الحلال حتى الآن .. يبدأون فى تطعيم محاضراتهم - التي تدور كلها حول التغني بالحرية وأنها أشرف ما يطلب - بلون من الحرية فيها الإغراء هو حرية الاختلاط بين الشباب والفتيات ..
وتبدأ الفتيات التابعات لقيادة الجمعية فى مجالسة هؤلاء الشباب ومجاذبتهم أطراف الحديث وما أسرع الشباب الذى استهوته من قبل المتعة الحلال إلى الاستجابة إلى لمتعة الجديدة التي هي أشد إغراء من الطعام والشراب والتي تبدأ عادة بشيء في ظاهره في حدود الحياء والأدب ثم تتدرج حتى تصل إلى الحرام .
وهكذا يأخذ القادة "المرشدون" فى التوسع فى معنى الحرية بعد أن أوقعوا ضحاياهم فى شرك الإثم وفقد كل منهم احترامه لنفسه ، فتتجه المحاضرات إلى العقيدة ، وتأخذ فى توجيه سهام النقد نحوها ، وتبرز المتمسك بعقيدته فى صورة المتعصب المتزمت ، وأن الحرية تقتضى أن يدع عقيدته جانبا حتى لا تكون هناك عوائق تعوق سبل الأخوة بين الناس من مختلف الأديان .
ويلاحظ أن إقناع صرعى شهواتهم بمثل هذا لا يحتاج إلى كثير جهد ولا إلى عظيم عناء ، فتجريد الواحد منهم من عقيدته ما هو إلا إجهاز على جريح مثخن بالجراح ، ولذا فإن المحاضرات التى كانت تنمق بأقوى الأساليب إقناعا تتحول بعد صرع الشباب أمام شهواتهم إلى ما يشبه التعليمات والأوامر لا تستغرق وقتا ولا تتخللها مجاملة ، ولذا ترى خطوات الانحدار تتوالى فى سرعة مذهلة لا تلبث أن ترى الشباب فى نهاية المنحدر أشبه بالجثة الهامدة لأنها فقدت إنسانيتها وفقدت حتى آدميتها .
فى الخطوات الأخيرة التى تتخذ مع هذا الشباب للإجهاز على ما بقى فيه من آدمية حتى يبدو أمام نفسه حيوانا أو بهيمة ، يعقد حفل يضم الجنسين وتقدم الخمور وتعزف الموسيقى المثيرة للأعصاب حتى تلعب الخمر بالعقول ويفقد كل الحاضرين سيطرتهم على أعصابهم ويغيبوا عن وعيهم ولا تستيقظ إلا حيواناتهم وتطفأ الأنوار . وإذ يترك للحيوانية العنان فلا يفيق الجميع إلا وقد وجد كل نفسه فى حضن فتاة .
ومن الأساليب التى قد يعجز الشيطان عن ابتكار مثلها ، أنه إمعانا فى إذلال الشباب وتماديا فى الاستيلاء عليه وأسره وقطع صلته بالحياة وتحويله إلى آلة يسخرونها حيث شاءوا إنهم لا يكتفون باستعمال الفتيات التابعات للجمعية فى الإيقاع بالشباب بل يكلفون هؤلاء الشبان تمشيا مع نداء الحرية - باصطحاب أخواتهم معهم ، فيحضرون ويمرون بالخطوات التى مر بها إخواتهم حتى يصلن إلى الحضيض الذى انحطوا إليه .
ولقد وصل الأمر إلى ان انتهت حفلة من الحفلات الصاخبة التى أشرت إلى طبيعتها الحيوانية ، فلما أصبح الصباح وجد أحد الشبان نفسه فى حضن أخته .. ولقد سمعت بأذنى قوما أعرفهم من أهل حى السيدة زينب يتحدثون فى حزن وأسى عن هذا الشاب وأخته وماآل إليه أمرهما فى تلك الليلة وكان الشاب وأخته من أهل الحى نفسه ومن أسرة سميت أمامى .
فطبيعة خطة هذه الجمعية طبيعة جهنمية ، فهم يجهدون أنفسهم فى محاولة جذب الشباب إلى الجمعية مرة واحدة ، ثم يتركون هذه المهمة لهذا الشباب نفسه بعد أن جردوه من آدميته ليقوم عنهم بهذه المهمة ، وقد اعتمدوا فى ذلك على خطة نفسية تتلخص فى أن الشاب بعد أن غرر به حتى فقد آدميته يتولد فى نفسه حقد على زملائه الشبان الذين لايزالون يحتفظون بآدميتهم وإنسانيتهم ، وعقيدتهم
وهو إذ يرى نفسه عاجزا عن أن يسترد مافقده فإنه يحاول أن يراهم وقد فقدوا ما فقده ليتساووا معه ، ولذا فإن شبان الدفعة الأولى أو ضحايا الدفعة الأولى ، يلحون بكل الوسائل على جر زملائهم من الشبان للذهاب إلى دور الجمعية متكتمين عنهم ما حدث لهم ، غير ذاكرين لهم إلا ما يغريهم بالذهاب لسماع المحاضرات والاستمتاع بالمقاعد الوثيرة والمشروبات المرطبة والحلوى الشهية دون مقابل ، ولايزالون يغرونهم حتى يستجيبوا فينالهم مانال سابقيهم وهكذا. (16)

حرب الجاسوسية

حاول مسئولو هذه الجمعية توثيق علاقتهم ببعض الإخوان لرفع تقارير دقيقة عن سير الجماعة، وقد وصل الأمر أن أحد الوجهاء الذى يتقرب إليه الإخوان وعينوه فيما يسمى مكتب الإرشاد الإقليمي ويدعى محمد درار أصبح على صلة وثيقة بإخوان الحرية، وطالبته الجمعية برفع تقارير حول شعبته

وكتب بالفعل تقريرًا، إلا أن هذا التقرير وقع فى يد أحد الإخوان المكلفين بمتابعة أنشطة الجمعية وأن يكونوا أعضاء بها، وقد أحضر هذا الأخ التقرير للمهندس محمد حلمى عبد المجيد الذى رفعه لفضيلة المرشد العام ، وبعد الاطلاع على التقرير طلب الإمام ألا يشعر ذاك العضو أنه اكتشف، أو يشعر بأى تغيير فى المعاملة من الإخوان، وقال: دعوه يكتب ما يشاء.

وكان الإخوان يضعون تحت يده كل ما يريدون نقله للإنجليز عن الجماعة، ولما أصبح الإخوان فى غير حاجة إليه ألغى المرشد المكتب الاستشاري الإقليمي الذى كان فيه هذا العضو سكرتيرًا. (17)

محاربة الإخوان لجمعية إخوان الحرية

لم يقف الإخوان مكتوفي الأيدي أمام هذه الحملة الشرسة التي تستهدف الإسلام، حيث قاموا باختراق هذه الجمعية وفضح أساليبها وأنشطتها للرأي العام، حيث يشرح محمود عبد الحليم الجهود التي قام بها الإخوان للتصدي لهذه الجمعية

بقوله:

حين ظهرت هذه الجمعية فى القاهرة فى أثناء الحرب العالمية ، فهم الإخوان أنهم هم المقصودون بها ، وأنها أنشئت خصيصا لتكون معول هدم لما يبنيه الإخوان ، وأنها سلاح ضدهم أقوى من أسلحة الهجوم والمواجهة ، وأنها تحتاج منهم إلى تخطيط دقيق لمقاومتها وإحباط خطتها
وقد كانت خطتهم لمقاومتها تقوم على المحاور الآتية:
أولا : أوفدوا إلى مقر هذه الجمعية مجموعة من كرام الشباب من الإخوان لاستطلاع أحوالها وجمع معلومات عن قادتها وعن مهمة كل فرد من أفراد هذه القيادة ، وتتبع خطوات هؤلاء الأفراد داخل مقر الجمعية وخارجه والإلمام باتصالاتهم والوصول من هذا التتبع إلى مصدر تمويلهم .
ثانيا: أوفدوا مجموعة أخرى من الإخوان للاشتراك فى نشاطات الجمعية والتظاهر بالتجاوب مع القائمين بهذه الأنشطة - مع الاحتفاظ بأنفسهم من التلوث بحجج مختلفة - حتى يلموا بكل ما يحدث للشباب داخل هذه الاجتماعات إلماما عن معاينة تنفى كل شك ، وأن ينقلوا صور ما يحدث إلى قيادة الإخوان أولا بأول .
ثالثا: أوفدوا بعد ذلك - وبعد أن عرفوا عن هذه الجمعية كل شئ - مجموعة أخرى من الإخوان الأقوياء الحجة والواسعى الثقافة إلى الاجتماعات العامة للجمعية التى تلقى فيها المحاضرات باعتبار هذه المحاضرات هى المصيدة التى يقع بين فكيها الفرائس من الشباب الساذج الخالى الذهن - ومهمة هذه المجموعة هى التعرض بالنقد إلى الأفكار التى تتضمنها هذه المحاضرات على أن يتبادل أفراد المجموعة
الذين يجلسون فى أماكن متفرقة - هذا التعرض واحدا بعد الآخر حتى يلقوا أولا ظلالا من الشك على هذه الأفكار أمام الحاضرين ، فتتزعزع ثقتهم بالمحاضرين ، ثم يتدرج أفراد المجموعة فى المناقشة حتى يبدأوا فى كشف ألاعيب الجمعية وفضحها أمام الشبان فضحا خفيفا فتؤجل المحاضرة .
رابعا: تكرر المجموعة حضور المحاضرة فى الموعد الذى أجلت إليه وتكمل مهمتها بالمهاجمة والنقد والمناقشة المنطقية ثم العنيفة ثم بفضح ألاعيب الجمعية وإفسادها للشباب البرئ وقضائها على مثله وعقيدته ، ونشر روح الانحلال الخلقي بعد وقوعه فى الشرك ، وهنا يحتد المسؤلون فى الجمعية مكذبين هذه الادعاءات فيقوم فرد - هو أحد أفراد المجموعة التى تضمنها البند ثانيا
ويقف بين الحاضرين ويعرفهم باسمه وبتاريخ انضمامه للجمعية ويقص عليهم الخطوات التى اتبعتها الجمعية معه ومع زملائه لإفساد أخلاقهم وتلويث شرفهم وبث روح الانحلال العقيدى والخلقى فيهم ، وما رآه بنفسه مما اقترف مع زملائه فى خلال حفلات ماجنة دبرت لهم ، وهنا تتعالى أصوات الاحتجاج على الجمعية من كل مكان ويسود الهرج ويحدث بعض التحطيم فى أمتعة الجمعية ويلوذ المحاضر ومن معه من المسؤولين بالهرب.
كما قام طلبة الإخوان فى الجامعة والمدارس بحملات توعية للشباب ضد الغزو الفكري الإنجليزي، وقام بنفس الأمر كافة أقسام وشعب الجماعة كلٌّ فى قطاعه وبين جمهوره؛ حتى استطاعت الجماعة أن تقلل من خطورة هذه الجمعية. (18)

ولم تمر هذه الأمور بسهوله على دولة المحتل الانجليزي ففي سبتمبر 1948م وفى قاعة الاجتماعات بالقيادة البريطانية العليا في معسكر الإسماعيلية اجتمع كبار مشرفي جمعية إخوان الحرية وقد رأسهم المجير (مارتن) واستغرق الاجتماع أربع ساعات واجمع المجتمعون على تأليف جمعية باسم (أنصار السلام) تعمل على القيام بالدعاية بين طلبة الجامعة لدعوتهم إلى الاندماج فيها واعتمدوا مبلغ 20 ألف جنية لتكوين هذه الجمعية ومناهضة الحركات الطلابية. (19)

المصادر

  1. سيد عبدالرازق يوسف: محمود فهمي النقراشي (1888 - 1948)، مكتبة مدبولي، طـ1، 1995م، صـ 621، 622.
  2. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: السنة الثالثة، العدد 724 ، 7 ذو القعدة 1367هـ -10سبتمبر 1948م، صـ7.
  3. ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمون، ترجمة محمود أبو السعود ، دار النشر الأمريكية، 1980م، صـ65.
  4. جريدة المباحث القضائية: السنة السابعة، العدد 54 ، 2 ربيع الأول 1370هـ - 12 ديسمبر 1950م، صـ8.
  5. محمود عبد الحليم : الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، جـ1 ، دار الدعوة، الإسكندرية، 1999م صـ219.
  6. عبد الوهاب الكيالى: موسوعة السياسة جـ 2 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1985، صـ242.
  7. رسالة بين الأمس واليوم: مجموعة رسائل الإمام البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2008م، صـ580.
  8. جريدة الجمهور المصري: العدد 57 ، 8 جمادى الأولى 1371هـ - 4 فبراير 1952م، صـ3.
  9. نشرة إخوان الحرية: العدد 191 ، 1 ربيع الآخر 1365 هـ - 5 مارس 1944م، صـ1.
  10. محمود عبد الحليم : الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الجزء الأول، دار الدعوة، الإسكندرية ، 1999، صـ 438.
  11. محمود عبد الحليم : الإخوان المسلمون: مرجع سابق، صـ 439.
  12. محمد حلمى عبد المجيد : (مختارات إسلامية) – الكتاب 128، دار الطباعة والنشر الإسلامية، القاهرة، 2003م، صـ96.
  13. نشرة إخوان الحرية: العدد 103 ، 30 جمادى الأولى 1363هـ - 23 مايو 1944م، صـ7.
  14. محمود عبد الحليم: (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ)، مرجع سابق، صـ357، 358.
  15. جريدة الجمهور المصري: العدد 57 ، 8 جمادى الأولى 1371هـ - 4 فبراير 1952م، صـ3.
  16. محمود عبد الحليم : (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ)، مرجع سابق، صـ340- 342.
  17. محمد حلمى عبد المجيد : (مختارات إسلامية) – الكتاب 128، مرجع سابق، صـ96.
  18. محمود عبد الحليم : (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ)، مرجع سابق، صـ360، 361.
  19. الكشكول الجديد: العدد 45، السنة الثانية، 9 ذو الحجة 1367هـ 12/10/1948، صـ7