إرهاب الدولة الأب الشرعي لارهاب الجماعات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
إرهاب الدولة الاب الشرعى لارهاب الجماعات


المقدمة

لجوء الافراد والجماعات الى العنف لتحقيق أغراض سياسية جريمة في حق المجتمع وخطر يهدد امن المجتمع وسلامته ، لكن الأكثر خطرا والاعظم جرما ، عندما تتبنى السلطة نفسها تلك السياسة (العنف) لتحقيق أغراض سياسية .. ففي سجون السلطة وتحت سياط جلاديها ظهر فكر التكفير ! ونبت العنف دفاعا عن النفس وعن الحق في التعبير والحياة والحرية ..

يقول الدكتور خليل العنانى

(يفوق عدد ضحايا القمع والاستبداد في العالم العربي كل ضحايا الحروب الخارجية التي خاضتها الدول العربية منذ نشأتها الحديثة منتصف القرن الماضي وحتى الآن)

هذه الجرائم وغيرها حوّلت الدولة العربية من جهاز إداري وبيروقراطي وظيفته الرئيسية خدمة المواطنين إلى "آلة قتل" فتّاكة تتغذى على الدم ، وقد زادت هذه الدولة وحشية بعد الربيع العربي خوفاً من أن يتم تفكيك استبدادها وتقليم أظافر حكامها.

السلطة واحتكار القوة

من حق السلطة التي تقوم على امر مجتمعا ما ان تحتكر القوة ، فتكون لها (الدولة) الهيبة التي تفرض بها النظام على الجميع ، حماية للمجتمع وضمانا لأمنه وسلامته .

كيف تحولت الحماية الى .. إرهاب؟

فقيام السلطة بانفاذ القانون مستندة الى هذه القوة امر مشروع ، لكن انحرافها بتلك القوة لمصالحها الخاصة ، (إرهاب) منظم تمارسه (دولة)، ولضمان عدم حدوث ذلك الانحراف

فلابد من توفر شروط ثلاثة:

  1. احترام القانون والتزام احكامه
  2. الخضوع للمحاسبة امام (سلطة) شعبية
  3. ان تتوزع السلطة بين ثلاث (منفذ ومشرع ومراقب)

وضمان تحقق هذه الشروط الثلاثة، قوة المجتمع المدنى وعافيته ، فالمستبد انما يستمد قوته ونفوذه من ضعف المجتمع وتشتت قواه وقلة وعيه. وأول مظهر لانحراف السلطة ، هو اللجوء الى العنف لتمرير مخططات بقائها في السلطة .

فالاستبداد والعنف قرينان لا يفترقان ويحدث ذلك الانحراف عندما يختل شرط واحد من هذه الشروط الثلاثة ، وحينها يختفى معنى (الدولة) ليظهر بدلا منها معنى (المافيا) التي تستأثر بالحكم وتستغل القوة لفرض نفسها على المجتمع .. وهو امر ان حدث ، يهدد امن المجتمع وسلامته .. وبهذا يظهر الفارق بين (الاكراه) المشروع وبين (العنف) غير المشروع .

فالاول (الاكراه المشروع) يتم تنفيذا للقانون بيد سلطة منتخبة وتحت المسائلة ، لضمان امن المجتمع وسلامته . والثانى (العنف غير المشروع) يقوم به افراد او تمارسه سلطة ، ويكون الافراد حينذاك مخالفين للقانون متمردين على سلطة الدولة فــ(استبداد) الدولة هو الوجه الاخر لــ(الإرهاب) .

لماذا تلجأ السلطة لممارسة العنف ؟

وتعود أسباب لجوء السلطة الى استخدام مابيدها من أدوات القوة متجاهلة القانون الى سببين اثنين في الغالب :

  1. حماية (فسادها) من المجتمع : فحينذاك ترى السلطة (الفاسدة) اى مظهر اعتراض محاولة لقلب نظام الحكم ، فتقوم باقصاء الجميع من الشأن السياسي العام الذي تحتكره النخب التابعة لتلك السلطة .
  2. الرغبة في الاستئثار بالسلطة : فالسلطة التي لاتحترم مبدأ تداول السلطة ولاتنزل على رأى الجماهير في انتخابات حرة نزيهة ، سوف تجد فيما تحت يدها من قوة أداة كافية للوصول الى اغراضها والدفاع عن مكتسباتها .

واكثر الدول العربية للأسف يحكمها مثل هذه السلطة التي لاتؤمن بتداول السلطة والتي تقمع معارضيها بعيدا عن القانون الذى يضمن العدالة

ووسيلة السلطة (المستبدة) في تحقيق ذلك:

نشر ثقافة الخوف: بين عامة الناس ولو لم يمارسوا السياسة ، فهذه احد اهم أدوات السيطرة على الجماهير ، لتكون النتيجة في النهاية الطاعة العمياء للسلطة السياسية الحاكمة ، وهكذا تقنع الجماهير بهامش من الحرّية قليل في مقابل الأمان ..

وابرز مثال لها ، ماحدث بعد انقلاب 52 باسبوعين عندما قام جمال عبد الناصر وجماعته بتشكيل محكمة عسكرية على عجل! لمحاكمة ما يزيد عن ستين متهماً منهم أطفال في سن العاشرة والحادية عشر وعلي رأسهم المتهمان مصطفي خميس العامل و محمدالبقري الخفير باعتبارهما محرضين على اضراب عمال مصنع كفر الدوار ، وبدون أدلة او دفاع تم الحكم علي العامل مصطفي خميس " 18 سنة " ومحمد البقري " 19.5 سنة " بالاعدام هذا فضلاً عن عشرات الأحكام بالأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة .

وهناك في النادي الرياضي بالمدينة تم إجبار العمال علي الجلوس في دائرة كبيرة تحت حراسة مشددة من جنود الجيش شاكي السلاح لتذاع فيهم الأحكام المرعبة من خلال مكبرات الصوت وسط ذهول الجميع !! كان اعدام عامل وخفير رسالة كفيلة بنشر الذعر والخوف بين من يفكرون في معارضة تلك السلطة او مجرد التحدث بفسادها او استبدادها ...

تحطيم المعارضة: اما هذه فتخص أصحاب السياسة فقط ، وهنا لانتحدث عن مصادرة مطبوعات او اغلاق مقرات لاحزاب ... انما نتحدث تعذيب يستهدف اغتيال الإنسانية ذاتها .

يحكي سعد زهران الذي كان نزيل سجن الأوردي مرتين ، الأولى من 1954 إلى 1956 ، والثانية من 1959 إلى 1961

قائلا:

"لم يكن التعذيب في أبو زعبل يهدف إلى انتزاع اعترافات ، وإنما كان أشد قسوة وهمجية . كان يهدف إلى تحطيم اللياقة الإنسانية للخصوم السياسين ، إنه ذلك النوع من التعذيب الذي يجري بأعصاب باردة وعلى فترات زمنية طويلة بهدف تحطيم الطاقات الفكرية والروحية للإنسان ، عن طريق التحطيم البطيء المحسوب، والضغط الدائم المرهق على الوعاء الجسدي" .

وابرز مثال لذلك ماحدث مع الإخوان المسلمين في سجون عبد الناصر من 1954 وحتى عام 1970 بعد موت عبد الناصر .. تلك السجون التي تم فيها استنبات فكر التكفير .

كيف تمارس (الدولة) العنف ؟

تعتمد السلطة على سياسات ثابتة تحميها من مواطنيها ! وتتلخص تلك السياسات في فرض الحصار على المجتمع كله ، ومن يتمرد منه تتم معاملته باشكال متدرجة من القمع المعنوى ثم المادى ، تبدأ بتكفيره سياسيا ، وتنتهى باجباره على التراجع او تحطيمه ان لزم الامر ..

مجتمع تحت الحصار

وبدأت هذه السياسة مع بداية تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد على ، وأول من تبناها كان محمد لاظوغلي (وزير المالية أيام محمد على وأول وزير في القوات المسلحة ثم رئيس وزراء مصر، وإليه تنسب فكرة مجزرة القلعة للتخلص من المماليك) ، عندما حاصر المجتمع بشبكة من (البصاصين) ممن يقومون بمهام التنصت ومراقبة الأسواق وأختراق مجالس الوجهاء والأعيان

كما تم جعل شيخ الحارة والعمد والمشايخ مناصب رسمية في وزارة الداخلية لفرض مزيد من المراقبة المؤسسية على المجتمع ، ولتمكين السلطة من اختراق النسيج الاجتماعي !

واستمر الإنجليز في تلك انتهاج تلك السياسة ، من خلال شبكة واسعة من المخبرين والمتسولين والباعة الجائلين والسواقين والمرشدين ، الذين يقدمون تقارير منظمة حول حركة الأفراد والجماعات ، ثم تطورت هذه الشبكة لتصبح "القلم السياسي" أو "قسم المخصوص" في عهد الانجليز ، في عهد عبد الناصر تم انشاء جهاز "المخابرات العامة" في 1958 ، وكان يتبع لمكتب الرئيس مباشرة .

حتى التنظيم السياسى الوحيد أيام عبد الناصر "الاتحاد الاشتراكي" سرعان ما تحول إلى جهاز أمني لمراقبة المجتمع ، وبداخله خُلِق "التنظيم الطليعي"، فأصبحنا أمام جهاز أمني داخل جهاز أمني ، على الرغم من أن الهدف الأساسي كان خلق جهاز سياسي !!

محرقة (التكفير) السياسى

وهذا يتم اشهاره في وجه من تسول له نفسه معارضة النظام ! المقصود بالتكفير السياسى تخوين وشيطنة المعارض ، تمهيدا لاغتياله معنويا او ماديا ان لزم الامر ، فيتم نعته بكل صفات الخيانة والعمالة ! ثم يتم بعد ذلك تجريده من وطنيته وانتمائه ! وحتى انسانيته ! فيتحول من انسان له اسم وحقوق الى رقم له تهمة وسجان !

في رسالة كتبها المستشار علي جريشة من زنزانته بالسجن الحربي في 7 سبتمبر 1965 قال فيها :

"هنا جحيم من صنع البشر.. ألوان من العذاب لا تخطر على بال .. جثث معلقة من أرجلها.. مسلوخة من جلدها تماما كالذبائح.. تتصاعد منها صرخات ثم تخفت إلى أنات.. ثم تخفت الأنات إلى أنفاس تردد.. حتى تلفظ الأنفاس.. والسلخ يتم بطريقة مؤلمة.. هي الضرب بالسياط.. ثلاثة أو أربعة على واحد حتى ينسلخ جلده ويتركوه بين الحياة والموت.
كلاب متوحشة تعوي وتهاجم.. وتقتطع أجزاء حية من الأجساد.. أسلاك كهرباء.. تسري في الأجساد وتصيبها برعدة شديدة.. وتتركها كذلك بين الحياة والموت.. نزع الشعر.. واقتلاع الأظافر.. ولحمزة البسيوني هواية غريبة.. ينزع نصف الشارب من ناحية، ونصف الذقن من ناحية أخرى ليسخر من خلقة الله.. كل ذلك بجانب الحرمان من الطعام ومن الشراب في عز الحر.. كأنما هو تآمر على قتل كل الأحرار وكل المؤمنين، كأنما هو تآمر على وأد الحرية ووأد الإيمان".

وابرز مثال لذلك ماحدث مع الإخوان المسلمين في فترة حكم عبد الناصر في السجون 1954 - 1965

منهجية (إرهاب) الدولة

ولهذا الامر منهجية متدرجة ثابتة ، فمن يتمرد على حياة القطيع ، يتم تأديبه لاعادته الى الحظيرة ، او بتحطيمه نهائيا وقتله معنويا ..

ونعطى مثالا هنا على المعتقلين فقط:

  1. تكون البداية بعزل المعتقل السياسي ، وافقاده القدرة على التواصل مع المحيط الخارجي ، وتحطيم إحساسه بكيانه ، وتفكيك علاقاته بالآخرين ، وتحطيم شعوره بالاستقلالية ، والتلاعب بكافة تفاصيل حياته اليومية والبيولوجية ..
  2. احداث ممارسات صادمة متراتبة مستمرة غير منتظمة ، من التعذيب والتنكيل والحِرمان والعَزل ، تؤدّي إلى إفقاده الإحساس بالزمان والمكان ، وإنهاكه جسديًا بشكل مستديم ، وإفقاده الإحساس بهويّته ، وتفكيك آدميته ، وخلخلة منظومة عملياته الذهنية واستجاباته العصبية ، وإعاقته نفسيًا وسلوكيًا ، وإحلال الاضطراب الدائم محلّ كل شيء في حياته .
  3. وعندما تصل تلك الصدمات الى حد تدمير الشخص المعتقَل بدنيًا ونفسيًا وذهنيًا من خلال خطوات منهجية ومدروسة ، يصل المعتقل إلى قناعة تامة بتمتّع معذّبه بقوة ومناعة فائقتين ، وبأن مقاومته غير مجدية على الإطلاق . فيخضع لارادة جلاده ، ويتنازل عن أفكاره ومبادئه
  4. ثم يكون مشهد النهاية ، بجعله عبرة أمام المجتمع بما يكفي لإيصال رسالة ترويع لأفراده . فليس هدف الجلاد التخلص من حياة الشخص المعتقل ، وإنما على العكس تمامًا ، يحرص الجلاد على حياة المعتقل بعد كسر إرادته ؛ كي يعيد إرساله إلى المجتمع مرة أخرى ، وهو يعاني من آثار نفسية وجسدية مفجعة ، تبعث الخوف الشديد في الآخرين ، وتورثهم الرغبة في اتّقاء التعرّض لمحنة مشابهة .

تستغرق هذه المنهجية عدّة سنوات ، وتتوزع خلالها على مراحل ، كل مرحلة منها يختص بها عدد من السجون (أبو زعبل مرحلة – وادي النظرون مرحلة – الوادي الجديد مرحلة وهكذا) ، يُرحّل الشخص المعتَقَل من سجنه الذي أنهى فيه مرحلته التي قد تصل إلى عدّة سنوات ، ليبدأ المرحلة التالية في سجن آخر، وهكذا.

نتائج ممارسة عنف (الدولة)

حين تكون السلطة اكثر اصراراً على استخدام العنف ، متحللة من الالتزام بالاهداف وبالقانون ، لا يعني ذلك ابداً انها الاقوى دوماً، ولكن تجسيدها للعنف من الممكن ان يكسر مقاومة الخصم فيضطر للرضوخ .. فان لم يحدث ذلك الرضوخ ففي الغالب تحدث هزات سياسية واجتماعية تهدد سلام المجتمع واستقرار الدولة

تدجين الشعوب

والتدجين هنا بمعنى التطويع والاخضاع ، فنتيجة للقهر والقمع وخوف الوقوع تحت طائلة سيف السلطة الظالم ، يتربى الشعب على الاستسلام والخضوع لمن يملك سيف السلطة . بل اكثر من ذلك ، حيث يقاوم هؤلاء المدجنون عملية التغيير نفسها والتي قامت لصالحهم !! فتكون هناك مقاومة ذاتية للإصلاح والتغيير ! كخدمة مجانية للحاكم المستبد !

فتعجز الشعوب حينذاك على مواجهة مشاكلها التنموية فضلا عن الهيمنة الاستعمارية . فالنظم الاستبدادية تقتل في شعوبها إرادة التفكير والتطوير والإبداع وتخلق مجتمعا متأزما . فأسير الاستبداد كما يقول الكواكبي "يعيش خاملا فاسدا ضائع القصد ، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته"

واكبر مثال على ذلك ، رد فعل الجماهير على هزيمة 1967 ، حيث خرجت الجماهير مؤيدة لجمال عبد الناصر .. نعم حدث تغير في اتجاه الجماهير في فبراير ونوفمبر 1968 حين خرجت احتجاجا على محاكمات قيادات القوات الجوية ، لكن كان رد فعل الجماهير بما فيهم المثقفين انفسهم دون مستوى الحدث بكثير !!

تحفيز العنف المجتمعى !

ما حدث في حالتنا هو أن عنف الدولة لم يستخدم لمنع العنف ، وإنما أدى استخدامه المفرط كأداة لممارسة السلطة ... إلى خلق عنف مضاد ، يمكن إدانته ، له أسبابه الثقافية وجذوره الاجتماعية ، لكنه يبقى قبل كل شيء عنفا مضادا وليد جرعات عالية من عنف الدولة .

هنا يصير الدفاع عن عنف الدولة ليس حماية للدولة ولا طريقا إلى إنهاء العنف ، وإنما طريق لتقويض شرعية الدولة القائمة بالأساس بهدف تقليل استخدام العنف ، وطريقا أيضا لإنتاج عنف اجتماعي بنيوي نابع من عنف الدولة البنيوي ضد المجتمع .

ونتيجة لانسداد الحياة السياسية ، تحدث حالة من الإحباط والذى يشكل بدوره سبباً رئيسياً في نشوء العنف عند علماء النفس باعتبار أن (الإحباط حالة مؤلمة تنزع الذات إلى أبعادها وإلى الخلاص من الضغط الذي ينجم عنها ويكون العدوان أحياناً السلوك الدفاعي للذات في سعيها وراء الخلاص من ضغط الإحباط)

ويكون عنف السلطة المفرط وغير المبرر ، هو مبرر منطقى لــ :

  1. الدفاع عن النفس ضد تغول السلطة
  2. الدفاع عن حق التعبير والسعى الى التغيير

ويدخل المجتمع بذلك في دوامة العنف والعنف المضاد ، من حلقة مفرغة لاتنتهى حتى تبدأ من جديد ! فتبدأ حالة من التآكل الداخلى مما يؤدى الى الانهاك والانصراف عن خطط التنمية والبناء والتطوير .. واكبر مثال على ذلك ، ماحدث عقب إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 1991 في الجزائر والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزا كاسحًا اندلعت الحرب الأهلية الجزائرية أو ما يعرف باسم "العشرية السوداء في الجزائر" في صراع خلّف أكثر من مائة وعشرين ألف قتيل

ومثال اخر من مصر ، ان الدولة المصرية سعت تجاه الحركات الإسلامية في الثمانينيات الى مايسميه هشام مبارك بـ"التسامح القمعي" ، والتي هدفت إلى احتواء الإسلاميين المسلحين في الصعيد بالسماح ببعض أنشطتهم المؤسسية من ناحية وقمع السلوك الصدامي من ناحية أخرى .

يتمثل هذا مثلًا في أن الجماعة كانت تعقد اجتماعاتها – حتى ذات الطبيعة السياسية منها- بشكل دوري في المساجد وكانت هي الفصيل الوحيد الذي يمكنه عقد المؤتمرات الشعبية دون الحصول على تصريح أمني كما ينص القانون . مكن هذا الجماعة من تسمية بعض المناطق بـ"المناطق المحررة" في صعيد مصر ثم اتجهت الجماعة إلى التوسع في مناطق القاهرة الطرفية: عين شمس، الزاوية الحمراء، إمبابة، وبولاق، كل هذا دون أي قمع حقيقي من الدولة.

تغير هذا عندما قامت الدولة باغتيال المتحدث الرسمي للجماعة علاء محيي الدين ، فردت الجماعة باغتيال رفعت المحجوب بعد ثلاثة أشهر، لتبدأ بعد ذلك دوامة من العنف والعنف المضاد طوال فترة التسعينات هل يؤدي القمع بالضرورة إلى العنف؟

ويعزز هذا الاتجاه في تفسير سبب نشوء عنف الافراد والجماعات ، ان الدول التي تتمتع بحرية في الحياة السياسية والتداول السلمى للسلطة والانتخابات النزيهة لايتواجد فيها عنف مجتمعى كتلك التي لاتتمتع بتلك المزايا من الحريات واحترام حقوق الانسان .

التكفير السياسى .. هو البداية

ففي مزرعة إرهاب الدولة يترعرع التكفير الدينى ، فالتكفير السياسى سابق على التكفير الدينى .. كان التعذيب في سجون عبد الناصر ، والذى لم تشهده مصر او المنطقة العربية من قبل حتى فى أيام الاحتلال ، هو المزرعة التي نبت فيها التكفير بين المعتقلين ، فقد كانت مشاهد الجماجم والجثث واغتصاب النساء امام ازواجهن واشعال النار في أجساد المعتقلين وهم احياء ... كانت تلك المشاهد اقوى الف مرة من صوت العقل او المنطق داخل السجون ..

ولولا الوقفة الشجاعة للإخوان المسلمين داخل عبد الناصر امام تيار التكفير الذى غذاه ممارسات عبد الناصر القمعية ، لانفجر الشارع المصرى كله عنفا وتدميرا رغبة في الانتقام والثأر .. ولم يسفر في النهاية استخدام الدولة للعنف خارج إطار الشرعية عن انتصارها في معركة الصراع على السلطة ، وانما أدى إلى مزيد من عدم الاستقرار في النظام السياسي المصري ، مما أدى في النهاية الى اندلاع ثورة 25 يناير 2011

فاول ظهور للتكفير في مصر لم يكن في المساجد او الجمعيات الدينية ، انما كانت في اقبية سجون عبد الناصر وسلخانات التعذيب ونتيجة للوحشية الشديدة التى فاقت كل حدود التصور ، ويكفى ان تقرأ كتاب (البوابة السوداء) الذى الفه احمد رائف لتعرف ماهى البيئة التي نبت فيها فكر التكفير !

فخلف (البوابة السوداء) للسجن الحربى وسجن القلعة ، ظهر شاب لم يتحمل بشاعة ما يحدث من تعذيب (شكري مصطفى) ، فانكر ان يكون من يمارس هذا التعذيب مسلم او انسان ، فتبنى فكر التكفير بعد خروجه من المعتقل عام 1971م ، واستقطب ذلك الفكر كل من سمع او رأى او عايش مايجرى في سجون عبد الناصر من تعذيب وتنكيل ..

لم يتبنى تنظيم التكفير خيار العنف ، وقد تمكنت الجماعة من نشر أفكارها في اغلب المحافظات المصرية وخاصة في مناطق الصعيد حيث يغلب الجهل والفقر على أبنائه عموما ، استمرت الجماعة في نشاطها العلني حتى تم القبض على زعيمها مصطفى شكري واعدم مع مجموعة كبيرة من اتباعه في قضية وزير الأوقاف عام 1977م بعدها لجأ بعض أفراد الجماعة الناجين إلى العمل السري الداخلي ..

هل نجحت السلطة بممارسة العنف ؟

لكن السؤال في النهاية ، هل نجحت السلطة (المستبدة) في تحقيق أهدافها من اللجوء الى العنف غير المشروع ؟ وتحديدا في مواجهة معارضيها ؟ والمقصود هنا ، النجاح في نشر ثقافة الخوف وتحطيم المعارضة . نعطى هنا ثلاثة امثلة ، وهم الشيوعيون والإخوان المسلمون والجماعة الإسلامية ..

الإخوان المسلمين .. الملحمة

جماعة الاخوان المسلمين كانت اكثر من تعرض لقمع النظام بداية من العهد الملكى ومرورا بالحكم العسكرى الذى بدأ بعد انقلاب يوليو 52 ، وكانت اصعب الفترات التي مرت على جماعة الإخوان المسلمين في عام 1954 عندما اُتهمت الجماعة بانها حاولت اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية

وبرغم انه لم يثبت ان الجماعة ضالعة في محاولة الاغتيال تلك ، الا ان عبد الناصر استغلها في الزج بالمئات من أعضائها في السجون وتعرضوا لاشد أنواع التعذيب ، ولم يكتفى عبد الناصر بإعدام المتهم بمحاولة الاغتيال ، بل اعدم الى جواره خمسة من قيادات الجماعة ، منهم القانوني عبد القادر عودة ، والشيخ محمد فرغلي الذى كان احد ابطال المقاومة في القناة ضد الانجليز !

الا ان الأنظمة المتتابعة فشلت فشلا ذريعا في كسر إرادة الإخوان او انتزاع مواقف مؤيدة للنظام منها .. فكان الإخوان الأكثر ثباتا على مبادئهم ، فلم يتراجعوا عنها في اى مرحلة من مراحل الحكم العسكرى ، وكانت الجماعة تعيد بناء نفسها لتحقق في كل مرة المزيد من الأهداف ، فصارت القوة الأولى في المجتمع المصرى في عهد السادات ثم عهد مبارك ثم في ثورة يناير ، حتى وصلت الى رئاسة الجمهورية ، الى ان حدث انقلاب 2013 .

الجماعة الإسلامية .. التراجعات

نشطت الجماعة الإسلامية أوائل السبعينات نتيجة هامش الحرية الذى وفره السادات ، لم تتبنى الجماعة حتى ذلك الوقت العنف كوسيلة للتغيير، لكن الصدام حدث بعد اعتقالات سبتمبر 81 ، وقيام الدولة باغتيال متحدث الجماعة الاسلامية الدكتور علاء محي الدين في شارع الهرم ، لتندلع الاشتباكات بين الجماعة وأجهزة الامن ، ويعتقل اعداد كبيرة منهم وتمارس ضدهم ابشع ممارسات التعذيب

لنصل الى عام 97 عندما يعلن قادة الجماعة الإسلامية التخلي عن منهج العنف .. وبعد انقلاب 2013 تقف الجماعة موقف المعارضة ، لكن ماتلبث ان يكون حزبها (البناء والتنمية) جزء من النظام ويعترف بالانقلاب !! قبل حظره في منتصف 2020

وهكذا انتهت هذه التجربة بنجاح ساحق للدولة اكثر من مرة :

أولها: حين اجبرتها على وقف عملياتها المسلحة
ثانيها: حين الجأتها الى المراجعات في التسعينات
ثالثها: حين اضطرتها الى وقف معارضتها لانقلاب 2013

الشيوعيون .. التدجين والشراكة

اعتقل عبد الناصر الشيوعيين عام 1958 لاجبارهم على حل تنظيمهم ، ولم يخرجوا الا بصفقة في عام 1964 ، ابان تقارب عبد الناصر مع السوفيت :

  1. فحلوا تنظيماتهم طواعية أيام عبد الناصر
  2. انخرطوا في تحالفات واسعة مع النظام الناصرى
  3. ايدوا – ضمن تيار واسع من اليسار – انقلاب 2013

الصفقة الحرام بين اليسار وعبد الناصر

وصار بعدها الشيوعيون واليسار عموما اكثر تماهيا مع السلطة بداية من عبد الناصر والى مبارك ثم الانقلاب العسكرى بعد الرئيس محمد مرسي فكانت السياسة الأمنية التي اتبعها نظام عبد الناصر مع الشيوعيين ، سببا في تحولهم من تيار معارض الى تيار مساند للسلطة (حزب التجمع أيام مبارك) ومشارك للسلطة أحيانا (عبد الناصر) وداخل دواليب الدولة (طوال الوقت)

الخاتمة

التكفير السياسى سابق على التكفير الدينى ، بل ان هذا التكفير انما نشأ في سجون عبد الناصر ، وبسبب افراطه في تعذيبهم واستباحة انسانيتهم وكرامتهم .. فاستبداد الدولة هو الوجه الاخر للارهاب ..