إلى الأمة الناهضة 2

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٨:١٣، ٩ يونيو ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
إلى الأمة الناهضة 2

بقلم:الإمام حسن البنا

مقدمة

حينما ارتفع الصوت بتوجيه نهضة الأمة المصرية الكريمة إلى اتجاه اسلامي يرتكز على تعاليم الإسلام و مبادئ القرآن , سمعنا من كثير من الغيورين العطف على هذه الدعوة و مناصرتها و الاستعداد للعمل لها , و في اثناء ذلك كان يبدو من كلامهم التخوف من ان تثير هذه الدعوة قضية الأقلية في الدين و الجنسية , و لكننا نسوق إليهم هذه الكلمات العليلة ليعلموا ان الاسلام قد عالج هذه الناحية علاجا شافيا يشيد بالقومية و يحمي الاقلية .

الإسلام و الأقليات

ان الإسلام الذي وضعه الحكيم الخبير الذي يعلم ماضي الأمم و حاضرها و مستقبلها قد احتاط لتلك العقبة و ذللها من قبل , فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا و قد اشتمل على النص الصريح الواضح الذي لا يحتمل لبسا و لا غموضا في حماية الأقليات , و هل يريد الناس أصرح من هذا النص : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) "الممتحنة :8"

فهذا نص لم يشتمل على الحماية فقط , بل أوصى بالبر و الاحسان إليهم , و ان الإسلام الذي قدس الوحدة الانسانية العامة في قوله تعالى : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ) "الحجرات:13"

ثم قدس الوحدة الدينية العامة كذلك فقضى على التعصب و فرض على ابنائه الايمان بالأديان السماوية جميعا في قوله تعالى : ( قولوا آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل إلى ابراهيم و اسماعيل و اسحاق و يعقوب و الاسباط و ما أوتى موسى و عيسى و ما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم و نحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا و إن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم * صبغة الله و من أحسن من الله صبغة ) " البقرة : 136-138 "

ثم قدس بعد ذلك الوحدة الدينية الخاصة في غير صلف و لا عدوان فقال تبارك و تعالى : ( انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم و اتقوا الله لعلكم ترحمون ) " الحجرات:10"

هذا الإسلام الذي بنى على هذا المزاج المعتدل و الانصاف البالغ لا يمكن أن يكون اتباعه سببا في تمزيق وحدة متصلة , بل على العكس انه اكسب هذه الوحدة صفى القداسة الدينية بعد ان كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط .

و لقد حدد الإسلام تحديدا دقيقا من يحق لنا أن نناوئهم و نقاطعهم و لا نتصل بهم فقال تعالى الآية السابقة : ( انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين و اخرجوكم من دياركم و ظاهروا على اخراجكم ان تولوا و من يتولهم فأولئك هم الظالمون ) " الممتحنة : 9 "

و ليس في الدنيا منصف واحد يكره أمة من الأمم على أن ترضى بهذا الصنف دخيلا فيها و فسادا كبيرا بين أبنائها , و نقضا لنظام شؤونها .

ذلك موقف الإسلام من الاقليات بين واضح لا غموض فيه و لا ظلم معه , و موقفه من الاجانب موقف سلم و رفق ما استقاموا و اخلصوا , فإن فسدت ضمائرهم و كثرت جرائمهم فقد حدد القرآن موقفنا منهم بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا و دوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم هؤلاء تحبونهم و لا يحبونكم ) " آل عمران : 118-119" . و بذلك يكون الاسلام قد عالج هذه النواحي جميعا أدق علاج و أنجعه و أشفاه

و قد يظن الناس كذلك أن نظم الإسلام في حياتنا الجديدة تباعد بيننا و بين الدول العربية , و تعكر صفو العلائق السياسية بيننا و بينها بعد أن كادت تستقر ,و هو أيضا ظن عريق قي الوهم فإن هذه الدول ان كانت تسيء بنا الظنون فهي لا ترضى عنا سواء اتبعنا الاسلام أم غيره و إن كانت قد صادقتنا بإخلاص و تبودلت الثقة بينها و بيننا , فقد صرح خطباؤها و ساستها بأن كل دولة حرة في النظام الذي تسلكه داخل أرضها مادام لا يمس حقوق الآخرين ,فعلى ساسة هذه الدول جميعا أن يفهموا أن شرف الاسلام هو أقدس شرف عرفه التاريخ , و أن القواعد التي وضعها الاسلام لصيانة هذا الشرف و حفظه أرسخ القواعد و أثبتها .

فالإسلام هو الذي يقول في المحافظة على التعهدات و أداء الالتزامات : ( و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ) "الاسراء : 34 " , و يقول : ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا و لم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين " التوبة :4" , و يقول: ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) "التوبة :7" , و يقول في إكرام اللاجئين و حسن جوار المستجيرين : ( و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) " التوبة :6" , و هذا في المشركين فكيف بالكتابيين ؟!

فالإسلام الذي يضع هذه القواعد و يسلك بأتباعه هذه الأساليب يجب أن يعتبره الغربيون ضمانة أخرى تضمن لهم الوفاء بمعاهداتهم و أداء التزامات الدول الاسلامية لهم , بل نقول : إنه من خير أوروبا نفسها أن تسودها هذه النظريات السديدة في معاملات دولها بعضها لبعض , فذلك خير لهم و أبقى .