اتفاق واي بلانتيشن عام 1998م

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٩:١٧، ٢٢ ديسمبر ٢٠١٠ للمستخدم Menna (نقاش | مساهمات) (ومن أخطر ما في هذا الاتفاق الظالم الجانبُ الأمني.)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
اتفاق واي بلانتيشن
الأستاذ عصام العطار

بعد الانتهاء من طباعة العدد 204 من الرائد أعلن في واشنطن عن الاتفاق الرهيب الذي توصل إليه المجتمعون في “ واي بلا نتيشن ” . ورغبة في بيان الموقف من هذا الاتفاق فقد كتب الأستاذ الكبير عصام العطار هذا الموضوع


في مساء يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر 1998م تم في "البيت الأبيض" التوقيع على ما أطلق عليه: إتفاق “واي بلانتيشن”… بعد سبعة عشرشهرا من آخر توقّف لما عُرف بالعملية السلمية.


وهذا الاتفاق الذي تأخر عن موعده المقدّر كثيرا كثيرا، والذي لا يعطي الفلسطينيين- إن أعطاهم بالفعل لا بمجرد الوعود - إلا شيئا يسيراً من أرضهم المحتلة التي طالبوا بها، ثم تنازلوا شيئاً فشيئاً عن ما طالبوا به، ثم قبلوا - كما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية - بنسبة 13.1 من الأرض، في الانسحاب الثاني من الانسحابات الثلاثة المتفق عليها في “ أوسلو ”، مع شروط وشروط وشروط يتوقف على تحقيقها الانسحاب، ودون وجود خرائط تحدد بالضبط الأرض التي يجب أن يتم الانسحاب منها، فإسرائيل هي التي تحدد ذلك بالدرجة الأولى.


أما الانسحاب الثالث فقد ترك للجنة إسرائيلية-فلسطينية لدراسته، والاتفاق على مقداره وكيفيته، خلال أربعة أشهر -كما قالوا -؛ والكيان الصهيوني - كما هو معروف - لاترتبط ولا تكترث بالمواعيد، ولا تريد أن ترد في الانسحاب الثالث -كما أعلنت ذلك مراراً- أكثر من واحد بالمئة.


وأما القدس، والمستوطنات، واغتصاب الأراضي، وهدم المساكن، وعودة اللاجئين، وإطلاق سراح بقية المساجين، واقتسام المياه، والدولة الفلسطينية ... فأمور منوطة بمفاوضات "الحل النهائي" التي يجب أن تبدأ بعد عشرة أيام من الاتفاق الأخير .. أما متى تنتهي فعلم ذلك عند الله، وقد لا تنتهي- إن انتهت- إلا بعد سنوات..


القدس تُهَوّد بسرعة وتصميم، والمستوطنات تكثر وتتوسّع باستمرار، واغتصاب الأراضي، وهدم المنازل، لايعبأ بحق ولا قانون ولا شعور إنساني، والعقوبات الجماعية، والحصار المتكرر، والقمع الوحشي، والإنتهاك الدائم لحقوق الإنسان.. وغير ذلك .. وغير ذلك !!


تُرى ماالذي سيبقى عمليا - إن لم تتوقف هذه الإنتهاكات الصارخة الفاضحة المخالفة لجميع القوانين الدولية وحقوق الإنسان - مالذي سيبقى عمليا من فلسطين حتى يتم التفاوض عليه؟!.. أما كان الواجب أن لايكون - دون التفاهم على إيقاف الاستيطان واغتصاب الأراضي وتهويد القدس -اتفاق؟!.


ومن أخطر ما في هذا الاتفاق الظالم الجانبُ الأمني.

لقد حول الجانب الأمني من هذا الاتفاق السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية -إلى حدِّ بعيد- إلى شرطي لإسرائيل، يحرس لها حدودها، ويطارد لها خصومها، ويعتقل من تتّهمهم، ويحاكم من تُجَرِّمهم. ويتبادل معها المعلومات، ويتعاون معها في عدد من المجالات، ويتحرك بمشاركة الولايات المتحدة وإشرافها ومراقبتها ومحاسبتها في كل ما يتعلَّق بأمن الكيان الصهيوني، أو يراه الكيان الصهيوني متعلقا بأمنها، ولا يكتفي “ الاتفاق ” بإلزام السلطة الفلسطينية بمقاومة المقاومة الفلسطينية ومطاردتها، ولكنه يطالبها بتفكيك بنيتها التحتية، ومحاربة من يساندها، ومن يشايعها، بل ومن ينادي بمناهضة الاحتلال، أو يُتّهم بخلق جو عقيدي أو نفسي أو فكري… يساعد على مناهضة الاحتلال ومجابهته.


ولقدت تعهدت السلطة الفلسطينية على لسان رئيسها ألا يكون هنالك أيّ مقاومة مسلحة، وأيّ عنف بعد اليوم، لا في الحاضر ولا في المستقبل، دون أن تلتزم إسرائيل على الصعيد الأمني بما التزمت به السلطة الفلسطينية، ودون أن تطبق إسرائيل ما اتفق عليه، ودون أن يظفر الفلسطينيون بعدُ - عمليا - بأدنى الحقوق.


إننا نكتب هذا الكلام المختصر العاجل في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، ليكون بإمكانه أن يصل مع الرائد إلى قُرائها حسب رغبة كثير منهم.


ولا نريد أن ندخل الآن في تفاصيل الاتفاق.. فهذه التفاصيل يقرؤها من أحب في الصحف والمجلات.

ولا نريد أيضا أن نغرق في هذه التفاصيل ونُغرق فيها قراءنا ونشغلهم بها عن جوهر الأمور وخطوطها الأساسية الكبرى.

قال أحد رجال السلطة الفلسطينية، بصراحة نادرة، في إحدى الأقنية الفضائية، جوابا على سؤال أو اتّهام:

"- نعم، لقد خضعنا لضغوط.. وقبلنا ما يجب ألا يُقبل.. وتنازلنا عن ما يجب أن لا نتنازل عنه..نحن ضعفاء وعدونا قوي، وتسانده أعظم دولة في الدنيا.. فلم يكن هنالك مفرّ من أن نخضع ونتنازل ونقبل ما فرض علينا..لقد ظفرنا بالقليل القليل، وفاتنا الكثير الكثير.. ولكن هذا أقصى ما استطعنا أن نصل إليه مع ضعفنا وضعف سائر العرب معنا !!.. لم يكن أمامنا إلا أن نعمل ما عملناه!!".


ونحن لا نستطيع أن نقبل هذا العذر وهذا الكلام الذي لا ينظر نظرة واسعة ممتدة في الزمان والمكان والتاريخ ودروسه وعبره، ولا يعطي العقيدة والإرادة والعزيمة حقها ودورها في كفاح الأمم والشعوب وانتصاراتها على امتداد الزمان والمكان والتاريخ البشري، والذي يُحكّم اللحظة الحاضرة وظروفها وحدها في الحاضر القريب والمستقبل البعيد؛ ولكن كلام هذا الأخ المسؤول ينطوي في جانب منه على حقيقة رهيبة من حقائق وضعنا الراهن -نحن العرب والمسلمين -


مأساتنا الكبيرة - نحن العرب والمسلمين - أننا ننظر إلى نتائج واقعنا الراهن الفاجع، وثمراته المُرَّة على كل صعيد؛ ولا ننظر إلى أسباب هذه النتائج ومقدماتها ألتي أثمرتها،ولا نفكر تفكيراً جديا وحقيقيا مخلصاً في الإصلاح والتغيير، والخروج من مأزقنا الخطير.


أبسط دراسة لتاريخنا، وملاحظة لواقعنا، وتفكير نزيه في أمورنا.. يقودنا إلى أمر لم يعد يشك فيه أحد أو يختلف فيه أحد مع أحد:

التجزئة، والتخلف، وطغيان المصالح الفردية والإقليمية، وغياب النظرة الاستراتيجية العميقة الشاملة الممتدة زمانا ومكانا، وإهمال الأخذ بأسباب القوة: إيمانا وإخلاصا واتحادا، وعلما ووعيا وتخطيطاً، وعملا فاعلا على كل صعيد.. هي من أهم أسباب ضعفنا وعجزنا واستخفاف العدو والصديق بنا؛ ومن أهم أسباب هزائمنا ومآسينا وهواننا في ماضينا وحاضرنا؛ فحكام العرب والمسلمين وزعماؤهم، ثم عامتهم، مسؤولون جميعاً عن مأساة فلسطين وغيرها من بلاد العرب والمسلمين.. ومن هذه المآسي : اتفاق " واي بلانتيشن".. وليس المسؤول عن ذلك " ياسر عرفات” وحده، ولا “ السلطة الفلسطينية ” وحدها، ولا منظمة التحرير وحدها.. كما يردد ذلك بعض حكام العرب.


إن حدودنا مع إسرائيل ليست هي حدود ما كانوا يسمونه “ دول الطوق” فقط ، وهزائمنا وانتصاراتنا لا تحصل على هذه الحدود الجغرافية فقط ، وجبهات الصراع ليست هي الجبهات العسكرية والسياسية وحدها.

جبهات الصراع تمتد إلى سائر الأمكنة والمجالات في العالم

كل انتصار نحرزه في العالم العربي والإسلامي على التجزئة والجهل والتخلف والاستبداد والفساد والضعف واليأس والاستسلام.. هو انتصار لقضية فلسطين ، وقضايانا الكبرى العادلة في كل مكان.


وكل خطوة نخطوها في طريق المعرفة والتقدم العلمي والتكنولوجي ، والاجتماعي والاقتصادي، والحرية والعدالة والشورى وحقوق الإنسان، والقوة والأمل والإصلاح والكفاح.. هي انتصار لقضية فلسطين وقضايانا الكبرى في كل مكان.


وكل وشيجة من وشائج التعارف والتعاطف والتعاون بيننا وبين سائر الدول والأمم والشعوب على البر والتقوى، وغَلَبةِ الحق والعدل والخير في عالمنا وعصرنا.. هي انتصار لقضية فلسطين، وقضايانا العادلة كلها، وقضايا الإنسانية والإنسان.


بهذا الانبعاث العظيم، والتحرك الشامل الواثق الحي القوي، في كل بلد من بلادنا وجبهة من جبهاتنا، وفي عالمنا وعصرنا، وكل مجال من مجالات حياتنا.. ننتشل أنفسنا من الموت المادي والمعنوي الذي صرنا إليه، ومن الضياع والهوان والاستسلام ، ونمتلك من أسباب القوة المادية والمعنوية، ومن الإمكانات الضرورية المختلفة، ما يمكننا من الوصول إلى حقوقنا المشروعة في فلسطين وغيرها، وحل سائر قضايانا حلاًّ أميناً منصفاً، والإسهام العادل الفاعل المسؤول في حل مشكلات العالم والإنسان في كل مكان.