احتشام هنا واحتشاد هناك

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
احتشام هنا واحتشاد هناك ..

بقلم / أ. فهمي هويدي

الأستاذ فهمي هويدي

لست مع الذين يتحدثون عن «حراك سياسى» تشهده المنطقة هذه الأيام. لأن ما يجرى مشكوك فى براءته، إذ تشير دلائل عدة إلى أن ملعوبا من العيار الثقيل يتم تحضيره من وراء ستار، يوقع العرب فى شر أعمالهم.


(1) خلال الأسبوعين الأخيرين ظل خمسة على الأقل من كبار المسئولين الأمريكيين يتحركون بشكل حثيث فى الفضاء العربى، متنقلين بين القاهرة وتل أبيب وعمان والرياض والبحرين. ولم يفت بعضهم أن يمر على دمشق وبغداد وصنعاء.

وهؤلاء لم يكونوا سياحا بطبيعة الحال ولكنهم كانوا فى مهمة واحدة، تتعلق بالطبخة التى يجرى إعدادها. الخمسة هم: روبرت جيتس وزير الدفاع ــ الجنرال جيمس جونز مستشار الأمن القومى ــ روبرت ميشيل مبعوث الرئيس أوباما إلى الشرق الأوسط ــ الجنرال ديفيد باتريوس قائد القيادة المركزية ــ جيفرى فيلمتان مساعد وزير الخارجية.

حين يتقاطر الخمسة على المنطقة فى وقت متقارب لكى يخاطبوا قادتها، فذلك يعنى أن ثمة حدثا كبيرا استدعى ذلك. وحين يجتمع الثلاثة الأخيرون دفعة واحدة مع ملك البحرين يوم الثلاثاء الماضى (28/ 6)، فإن ذلك يثير الانتباه ويضيف المزيد من علامات الاستفهام حول الذى يجرى.

التصريحات المقتضبة والتسريبات الصحفية سلطت الضوء على موضوع هذه التحركات. ومنها عرفنا أن جهدا غير منظور سبقها خلال الأشهر الأخيرة، مركزا على عنوانين أساسيين هما: ملف الصراع العربى الإسرائيلى والمشروع النووى الإيرانى. حيث لم يعد سرا أنهما يحتلان موقعا بارزا فى السياسة الخارجية الأمريكية بالشرق الأوسط، كما أنهما يمثلان أهمية وجودية بالنسبة للكيان الصهيونى. أما كيف تم تناول كل من العنوانين، فتلك قصة يطول شرحها.


(2) أثناء حملته الانتخابية، وقبل اختياره رئيسا، ألقى المرشح الديمقراطى آنذاك باراك أوباما خطابا مؤثرا أمام اللجنة العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك، تعهد فيه بأن يعمل على أن تكون القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. وهو ما قوبل بحماس شديد، لأنها كانت المرة الأولى التى يعلن فيها مرشح ديمقراطى مثل ذلك التعهد، الذى ظلت الإدارة الأمريكية تتعامل معه بحذر وتحفظ. وحين تولى أوباما السلطة بعد ذلك، بدا وكأنه يريد أن يضع أسسا جديدة للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

وكان حل الدولتين أحد الأفكار الأساسية التى ركز عليها وقتذاك. وبدت تلك إشارة أولى إلى الاختلاف مع سياسة حكومة نتنياهو التى انتخبت على أساس برنامج يرفض صراحة وبصورة قطعية فكرة الدولة الفلسطينية، ولا يتحدث إلا عن حكم ذاتى وتنمية اقتصادية للفلسطينيين ولأن الذى يضع السياسة فى الولايات المتحدة هو الكونجرس وليس الرئيس، ولأن النفوذ الإسرائيلى لم يفقد قوته فى مجلسى النواب والشيوخ. فإن جهدا كبيرا بذل لمحاصرة الرئيس أوباما وإجهاض فكرته.

لسنا نعرف تفاصيل ما جرى وراء الكواليس خلال الأشهر الأولى فى ولاية الرئيس أوباما، لكننا نعرف الآن أمرين، الأول أن الرئيس الجديد اعتمد بعد ذلك لغة مختلفة تحدث فيها عن ضرورة أن تكون كل الأطراف مستعدة لدفع «ثمن السلام» والثانى أن فكرة الدولتين سقطت من خطابه، بحيث لم يعد يذكرها، وبرزت فى الأفق صيغة جديدة اعتبرت ترجمة لفكرة الثمن الذى يتعين على الجميع دفعه.

وفى طرحه الجديد فإن أوباما دعا إلى وقف أو تجميد بناء المستوطنات. على أن يتوازى ذلك على شروع الدولة العربية فى عملية التطبيع مع الكيان الصهيونى .

عرفنا فى وقت لاحق أن فكرة التطبيع مقابل التجميد التى ظهرت فى الأفق وراءها جهد كان لمنظمة «إيباك» نصيب فيه، أقله فى الشق المتعلق بالتطبيع، فقد ذكرت وكالة أنباء «أمريكا إن أرابيك» (فى 30/ 7) أن «إيباك» أعدت خطابا موجها إلى الملك عبدالله بن عبدالعزيز طالبه بالتطبيع مع إسرائيل.

وهذا الخطاب تم التوقيع عليه من جانب ٢٠٠ من أعضاء الكونجرس، دعوا العاهل السعودى إلى التحرك قدما نحو القيام ببادرة دراماتيكية تجاه الكيان الصهيونى ، مشابهة للخطوات التى اتخذتها مصر و الأردن .

عرفنا أيضا أن ثمة حملة لجمع توقيعات مشابهة فى مجلس الشيوخ على رسالة طالبت الرئيس أوباما بالضغط على الدول العربية لتقديم مبادرات تهدف إلى إنهاء المقاطعة العربية للكيان الصهيونى، بما يؤدى إلى تحقيق التعاون العربى بين الطرفين فى مختلف المجالات.

هذا الجهد لم يذهب هباء، لأن مجلة «فورين بوليسى» ذكرت فى 28/ 7 أن الرئيس أوباما بعث بخطابات خطية إلى زعماء 7 دول عربية دعاهم فيها إلى اتخاذ إجراءات «لبناء الثقة» مع إسرائيل، مقابل الضغط عليها لإيقاف الاستيطان. وذكرت المجلة أن من بين الدول السبع التى وجهت إليها الرسالة قادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر والأردن.

كان تقرير سابق لمجلة «فورين بوليسى» قد كشف أن الرئيس الأمريكى حاول إقناع الملك عبدالله بالتقارب مع الكيان الصهيونى فى الوقت الذى يضغط على قادتها من أجل تجميد المستوطنات، إلا أن العاهل السعودى رفض مطلب أوباما، معللا ذلك بأن العرب قدموا ما يكفى من التنازلات للدولة العبرية دون أن يلقوا لذلك مقابلا.

وقالت المجلة الأمريكية نقلا عن مسئول سعودى إن الشيخ سليمان بن حمد آل خليفة ولى عهد البحرين، ذهب إلى الرياض ليستأذن الملك عبدالله قبل أن ينشر مقالا بصحيفة «واشنطن بوست الأمريكية» يوم الأحد 19 يوليو دعا فيه العرب إلى الحوار مع الكيان الصهيونى .

وأضافت أن الملك السعودى حذر الأمير البحرينى من التمادى فى عرض تنازلات على الكيان الصهيونى .


(3) يلفت النظر فى هذا السياق ثلاثة أمور؛ الأول أن موضوع وقف الاستيطان أو تجميده صار محل خلاف بين واشنطن وتل أبيب، رغم أن الفكرة شريرة من أساسها. لأن هناك حكما لمحكمة العدل الدولية قضى ببطلان بناء المستوطنات على الأراضى المحتلة بمقتضى نصوص القانون الدولى. ولذلك كان الحديث أصلا عن تفكيك المستوطنات وليس وقفها أو تجميدها.

ولا ينسى فى هذا الصدد أن إسرائيل لديها ما لا حصر له من الوسائل للتحايل على الوقف، فهى تفرق بين المستوطنات الشرعية وغير الشرعية (رغم أن جميعها غير شرعى) وقد توقف المستوطنات الجديدة فى حين تسمح بالتوسع فى المستوطنات القائمة بحجة مواجهة متطلبات النمو العادى للسكان (الذى يحظر على العرب فى الكيان الصهيونى ).

ولن تعدم وسيلة للاحتجاج بأنها ليست سلطة محتلة ولكنها تبنى فوق ما تسميه «أرض الكيان الصهيونى » ــ الأهم من هذا كله وذاك أن برنامج حزب الليكود الذى صوت له الناخبون ينص صراحة على أن الحزب سيعمل على تعزيز الاستيطان ومنع التراجع عنه، لأنه تعبير عن حق اليهود غير القابل للمساومة فى البناء على أرض الكيان الصهيونى ، فضلا عن أنه من مستلزمات حماية أمن الكيان الصهيونى .

الأمر الثانى المهم أن الاحتلال لم يذكر للاحتلال فى كل الأطروحات الجارية، علما بأن الاستيطان يعد مصدرا أساسيا لتكريس الاحتلال ومن ثم فهو جزء من المشكلة وليس أصلا لها. ولا شك أن وقفه يحد من نطاق الجريمة، لكنه لا يلغيها.

لكن حين تختزل المشكلة فى العمل على وقف بناء المستوطنات فإن ذلك يهون من شأن القضية. ناهيك عن أنه يضيف بعض الشرعية على المستوطنات التى تم بناؤها فعلا.

يوما ما كنا نتحدث عن أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وكانت لنا «لاءات» ترفض حتى التفاوض مع المحتل. لكن التراجعات استمرت لاحقا. فتحدثنا عن أن السلام خيارنا الاستراتيجى (الكيان الصهيونى لم تقل بذلك حتى الآن). ورفعنا شعار الأرض مقابل السلام، الذى كان يعنى: أعطونا ما تم احتلاله سنة 67 نُقم معكم سلاما.

ثم عقدت مصر والأردن معاهدتى سلام مع الكيان الصهيونى فى حين ظل الاحتلال مستمرا لبقية الأراضى التى احتلت عام 67 (فى فلسطين والجولان). ودخلنا بعد ذلك فى طور الكلام مقابل السلام. الذى بمقتضاه تم وقف المقاومة لكى تستمر المفاوضات فى «عملية» لا تتوقف ولا سقف زمنى لها.

وأخيرا صار المعروض علينا يختزله شعار التطبيع مقابل التجميد، الذى يعنى تجاهل الاحتلال الذى هو بيت الداء وأصل كل البلاء. وفى الوقت ذاته التنازل عن فكرة المقاطعة التى هى آخر ورقة ضغط على الكيان الصهيونى .

الأمر الثالث المدهش حقا، أن الملعوب انطلى على بعض القادة والسياسين العرب، الذين أصبحوا يتحدثون بنفس اللغة تقريبا، مشددين على أنه لا تطبيع فى ظل استمرار الاستيطان. حتى السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية قال هذا الكلام.

وهو يعلم ــ وكل القادة العرب يعرفون جيدا ــ أن المبادرة العربية اشترطت التطبيع أن يتم الانسحاب الكامل من الأراضى العربية بما فى ذلك الجولان السورية حتى خط الرابع من يونيو 67، والأراضى التى مازالت محتلة فى جنوب لبنان ».


(4) بعدما أصبحت غاية المراد فى الموضوع الفلسطينى أن تستأنف المفاوضات فى ظل التطبيع والتجميد المؤقت للاستيطان، بحيث تتواصل «عملية السلام» ويستأنف الكلام إلى أجل مفتوح، فإن الشغل الجاد بات مطلوبا فى ملف إيران .

وفى ظل التهوين من الشأن الأول والتهويل فى الشق الثانى، أصبح ما سمى «بالخطر الإيرانى» هو القضية المركزية للعالم العربى. ولأن الأمر كذلك فإن التفاهمات أصبحت صيغة التعامل مع الملف الأول الذى غدا تحقيق «السلام» هدفا وحيدا له. فى حين أن الإجراءات صارت مدخلا للتعامل مع الملف الثانى الذى أصبح العمل العسكرى خيارا واردا فيه.

من الإشارات الأولى للإحتشاد العسكرى فى مواجهة إيران ، ما صرح به الجنرال ديفيد باتريوس قائد القيادة المركزية بعد اجتماع فى القاهرة مع الرئيس مبارك استمر 90 دقيقة (فى 29/ 6). قائلا إن واشنطن استضافت اجتماعا لرؤساء أركان الحرب فى دول لم يسمها، وأشار فقط إلى مشاركة رئيس الأركان المصرى فيه. ونوقشت فى ذلك المؤتمر القضايا المتعلقة بإجراءات بناء الأمن الإقليمى.

من الأشارات الأخرى التى شدت الانتباه فى هذا السياق ما صرحت به وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون فى بانكوك عاصمة تاياند (يوم 11/ 7) من أن الولايات المتحدة تعتزم نشر خطة دفاعية نووية تشمل منطقة الخليج و مصر ، لطمأنة الكيان الصهيونى ولتهدئة مخاوف الدول العربية من النشاط النووى الإيرانى. ونشرت صحيفة «الشروق» فى 30/ 7 أن البحرين ستكون مقرا للكيان المقترح (هل كان لقاء المسئولين الأمريكيين الثلاثة مع ملك البحرين لهذا الغرض؟).

لا يفوتنا أن نلاحظ فى هذا السياق أن مصر سمحت لأول مرة بعبور مدمرتين إسرائيليتين لقناة السويس، الأمر الذى اعتبره المراقبون رسالة تحذير لإيران موجهة إليها من الكيان الصهيونىو مصر .

ليس معروفا ما إذا كانت واشنطن بهذه التحركات تريد أن تطمئن الكيان الصهيونى وتمنعها من القيام بعمل عسكرى ضد إيران ، أو أنها تعد العدة للاشتراك معها فى العمل العسكرى المفترض.

ولكن الذى نعرفه يقينا أن كل هذه الترتيبات تصب فى المصلحة الصهيونية بالدرجة الأولى، إذ التطبيع أمل تتطلع إليه الكيان الصهيونى منذ زرعت فى قلب الوطن العربى، وإيقاف المشروع النووى الإيرانى وتعبئة العالم العربى ضد طهران حلم لها مارست كل ما استطاعت من ضغوط وألاعيب لتحقيقه. وإزاء تلك النقاط التى تسجل لصالح الكيان الصهيونى لم يكن مستغربا أن نقرأ فى مانشيت الأهرام يوم 17/ 7 أن أوباما يقدر مساندة مصر لتحقيق السلام الشامل للمنطقة ــ مبروك علينا الرضا السامى


المصدر : نافذة مصر