كناب الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الأسسُ الأخلاقية ُ للحركةِ الإسلاميّةِ


أبو الأعلى المودودي


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الاسلام رسالة الله الخاتمة الى الارض ، وهو رسالته الخالدة على الدهر ، وهو رسالته العامة للناس كافة ، ولذلك فقد ضمنه الله – عزوجل -- عناصر الخلود وصلحية العموم للأمم والأجيال والبيئات، وأمده بأسباب الحياة في جميع الظروف والأحوال، وترتب على هذه الخصائص العامة والحقائق الكبرى لهذا الدين ، أن يكون الاسلام دينا حركيا ، اذ أن الحركة أبرز مظاهر الحياة ، وحركة الاسلام لست حركة عشوائية المسار ضالة القصد، انتهازية الأخلاق ، ولكنها حركة مستقيمة النهج ، واضحة الغاية ، راقية الخلق ، كيف لا، وهى المسيرة الربانية التى ابتعثها الله -- سبحانه – لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وتهديهم الى صراط مستقيم ، ((وأن هذا صراطى مستقيما ، فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )). استمرت هذه المسيره المباركة زاحفة صاعدة دهرا طويلا، تولت فيه زمام القيادة للبشرية جمعاء، ساست فيه أمورها بمبادئ الاسلام، فما نعمت البشرية في تاريخها الطويل بمعشار ما نعمت به في ظل هذا الحكم ، حيث نشر العدل جناحيه على المسلم والذمى معا، وتنفس الجميع الحرية كاملة ووقف الحاكم والمحكوم أمام القضاء سواء ، وشعر الانسان بالكرامة الانسانية والامن كأروع ما يكون الشعور ، ومن له أدنى المام بتاريخ هذا الدين، وسيرة المسلمين، ليعلم علم اليقين أنهم كاموا أعدل وأرحم وأكرم قادة وحكام على مدى الزمان، وبدهى أن ذلك كله لا يمكن أن يعزى الا الى الاسلام ، دين الله الذى صاغهم وبعثهم فحملوه الى العالمين ، فما كانوا في جاهليتهم شيئا مذكورا، فضلا عن أن يكونوا أهلا لقيادة الناس وهدايتهم وفى العصر الحيث بدأ الانفراج بين المسلمين والاسلام ، رافقه هبوط خطهم ، أوفول نجمهم ، وانتقلت القيادة الى غيرهم، ليس ذلك فحسب ، وانما بلغ بهم الانحدار والتدهور أن صاروا فريسة للاستعمار، يحكمهم الكافرون،وينقضون لهم ما بقى من عرى الاسلام.

ونشأت أجيال تعانى الذل والضعف والضياع ، وفى نفس الوقت تحهل حقيقة الاسلام وطبيعته ، وبالتالى تجهل نواميس الكون وأسلوب استخدامها والتعامل معها ، ومن ثم ضلت طريق الخلاص من عنائها وشقائها . ترجو أن يخلصها الله من أعدائها وتجهل سنته في اصطراع الحق والباطل ابتلاء لكليمها بالأخر ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين)) وتنتظر أن يغير الله ماحل بها دون أن تغير هي فساد نفوسها، والله يقول: ((ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).

وتأمل أن يأتيها النصر بغير عدة من ايمان أو أسباب، ما دام لها انتساب اسمى بالاسلام ولن يغير الله سنته من أجل هذا الصنف من الناس ((ولن تجد لسنة الله تبديلا ، ولن تجد لسنة الله تحويلا)). ((وكان حقا علينا نصر المؤمنين)).

واذ لم يتحقق مايرجون وما يأملون،أصيبوا بخيبة أمل ، وتزعزت ثقتهم في هذا الدين الذى كانوا يطمحون أن يعمل وحده بطريقة خارقة بغير جهد منهم ولاعناء.

ثم تحولت هذه الشكوك الى دعوات للتخلى عن الاسلام كليا ، وانتهاج سبيل الغرب المستعمر ، بل وصل الامر ببعض غلاة المستغربين، أن يدعى أن أهل الغرب هم المسلمون الحقيقيون ، لمجرد أنهم ممكنون في الارض.

وانبرى الأستاذ الكبير أبو الأعلى المودودى يعيد الى الناس ثقتهم بدينهم، يشرح لهم حقائقه وأصوله، ويشخص لهم أسباب عللهم الكامنة، ويصف لهم علاجها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويعلمهم كيف يستأنسون الكون، ويطوعون (بتشديد وكسر الواو) سنته لخدمتهم ومصلحتهم، كل ذلك في خطبة جامعة، هى مادة هذه الرسالة.

والرسالة تبدأ بتبيان دور المسلمين في الحياة ، ألا وهو تولى قيادة البشرية، ليس ابتغاء التسلط والعلو ولكن لتعميم الخير والهدى والعدل ((الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور)).

ثم تتحدث عن أهمية هذا الدور ، وكيف أنه غاية الدين ولبه، وأن اضطلاع المسلمين به هو خير ضمين، بل هو الضامن الوحيد لحرية الانسان وسعادته وترقى خصائصه الانسانية. وينتقل الاستاذ المودودى للحديث عن أسباب الوصول الى هذه المكانة ، مكانة الامامة والقيادة ، وان لله تعالى سنة لا تتخلف، من سار عليها بلغ، ومن أهملها تخلف مع القاعدين ، وسنن الله لا تحابى ولا تحيف.

ثم يقسم الوجود الانسانى الى وجود مادى يخض للقوانين التى تحكم المادة في الكون كله ، ووجود خلقى يسمو بالوجود المادى ويسره ويستخدمه وفق ما يريد، ثم يقسم الاخلاق الى أخلاق انسانية أساسية وهى الاخلاق اللازمة لنجاح الانسان في حياته الدنيا فقط وتتمثل في الصبر والثبات والشجاعة والنشاط وقوة الارادة والحزم والحيطة والاحساس بالمسئولية وحب العمل والاباء والامانة والوفاء ...الخ، والى أخلاق اسلامية وهى جملة الاخلاق الانسانية السابقة الذكر بعد أن يتوجه المسلم بها الى الله تعالى ويوسع دائرتها جمعيا وليس في قومه فحسب، وبالتالى يضمن النجاح وتأييد الله له في الدنيا والأخرة.

ثم يشرح العلاقة بين الأخلاق والقيادة ، فاذا وجدت أمة تتخلق بالاخلاق الاسلامية وتستجمع الوسائل المادية ،فلابد أن تتبوأ مكان القيادة.

أما اذا اختلفت هذه الأمة ، فسوف تتسلم زمام القيادة في الارض أكثر الامم اتصافا وتمسكا بالاخلاق الاساسية واستحواذا للاسباب المادية.

ثم يرتب الاخلاق الاسلامية ترتيبا تصاعديا في مراتب أربع، الايمان ثم الاسلام ثم التقوى ثم الاحسان ويشرح حقيقة كل أمر من هذه المور شرحا يتناسب مع المقام، داعيا المسلمين أن يتخلقوا بهذه الاخلاق القرأنية، كما تخلق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبته من قبل، حتى روى عنه عليه الصلاة والسلام: ((كان خلقه القرأن)). فيصبحوا أهلا لوارثة المكانة والنهوض بالدور ،وأداء الامانة التى نيطت بأعناقهم، فان الله لاينال عهده الظالمين ولو كانوا من سلالة أئمة صالحين ((واذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهون ، قال :انى جاعلك للناس اماما، قال: ومن ذريتى ، قال: لا ينال عهدى الظالمين)).

وهكذا يتجلى لنا أن حركة الاسلام مقيدو بالاخلاق الاسلامية، لا يمكن أن تخرج عليها قيد أنملة، ولا تتخلى عنها طرفة عين، وأنه بحسب التمسك بها والتدرج معها يكون الرقى والتقدم والسيادة ، والعكس بالعكس.

وثمة ملاحظات على أسلوب الرسالة، فهى في الاصل خطبة، والأستاذ المودودى زعيم شعبى وخطيب مفوه، بالاضافة الى أنه يبتغى اقتلاع مفاهيم خاطئة وانتزاع قيم هابطة، واحلال بدائلها الاسلامية ،وهى عملية شديدة المشقة ، كما أنه يستثير عزائم الجماهير ويستنهض هممهم ويستجيش مشاعرهم، حتى تتسع مداركهم لاستيعاب الاسلام كاملا ، وتدب الحمية والنشاط في قلوبهم، فتتحرك به جوارحهم. وضرورى لهذه الأسباب كلها أن يستخدم الاسلوب الخطابى الحماسى، الذى من طبيعته المبالغة في التحذير من التقصير في الوجبات، والترهيب من الواقع في شعب الكفر، والشدة في اصدار الاحكام العامة.

ولقد ذهب بعض الناس، استنادا لمثل هذا الاسلوب، وأعتمادا على واقع مفروض على المسلمين قهرا، ذهبوا الى الحكم بكفر سائر المسلمين الا من ثبت لديهم ايمانه <ref>سنصدر قريبا بمشيئة الله رسالة في هذا الموضوع بعنوان: ((الحد الفاصل بين الايمان والكفر)) للأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق.</ref>، أو ذهبوا على الأقل الى التشكك في ايمانهم، وفاتهم أن الاستاذ المودودى الذى يستدلون بأقواله قد استدرك على نفسه وذكر بصريح اللفظ والعبارة أنه لا يقصد هذا المقصد الذى يرمون اليه فها هو ذا يقول في هذا الكتاب مانصه: ((غير أن الذى لا ريب فيه أن تكفير رجل من رجال الاسلام بحكم الشرع والقانون واخراجه من حظيرة الأمة المسلمة لا يتعلق بهذا المقام ، فان الحاجة فيه الى الحيطة والتأنى شديدة جدا)).

ونحن اذ ننشر هذه الرسالة لندعو الله سبحانه أن تكون سببا في تصحيح مفاهيم الغلاة والمفرطين، حتى يستأنف المد الاسلامي حركته، ويكون الله غايته، والقرأن منهجه، والرسول الكريم أسوته وامامه.

ونسأل الله عز وجل أن يبارك في الاستاذ المؤلف، ويبارك حهوده ، وينصر دعوته ، انه سبحانه نعم المولى ونعم النصير. لجنة الاعلام والنشر بالاتحاد العام لطلاب مصر.

٭ ٭ ٭ بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده

وبعد فها نحن أولاء نقدم اليوم الى قراء العربية محاضرة جليلة ورسالة نفيسة للأستاذ السيد أبى الأعلى المودودى-- أمير الجماعة الاسلامية في باكستان. ولعمر الحق، انها محاضرة جليلة المعنى، خطيرة المبنى، لأنها تبحث في موضوع هام وتناول بالدرس والتحليل مسألة طالما أشكل على المفكرين حلها واستعصى على أولى العلم فك معضلتها . وذلك أن الناس – أولا-- يتحيرون في ارتفاع كلمة الكفر وانتكاس راية الاسلام في كل مكان، ثم يشكل عليهم قول الله تعالى: (( وأنتم الأعلون ان كنت مؤمنين )). ويجرهم هذا وذلك الى تأويلات بعيدة وأقوال واهية ضعيفة . ومن الناس <ref> - اشارة الى رجل في باكستان ، يتزعم حزبا سياسيا الى الأن ، وكتابه ( تذكرة) بالعربية والاردية مشحون بمثل هذه الترهات.</ref> من اغتر بهذه الحال وبمثل تلك الآى الكريمة فذهب يقول أن الأوروبيين هم المسلمون الحقيقيون لأنهم هم الغالبون ، وأسس حزبا وقام بحركة عنيفة ، ثم لم يرجع الا بخفى حنين.

ألقيت هذه الخطبة في مؤتمر الجماعة الاسلامية السنوى المنعقد في الـ 8/5/1364 هـ 31/4/1945م أمام جمع من أعضاء الجماعة وأنصارها والمتأثرين بدعوتها ، في دارها المركزية الواقعة في شرقى بنجاب، وكان كاتب هذه السطور ممن حضر الاجتماع (المؤتمر) واستمع الى هذه الخطبة المرتجلة، ولم ينس للآن ما كان لها من أثير عميق في نفوس الحاضرين.

أكتب هذه الكلمة ، وأرى بين يدى صور الأصدقاء والزملاء والاخوان ماثلة، وعلى وجوههم أثر مما في قلوبهم من التأثر البالغ واللهف الشديد على صحة الخطيب ومستقبل الدعوة في بلاد الهند، اذ جاءت في ختام الخطبة كليمات بهذا الشأن. وجملة القول أنها كانت خطبة تاريخية في تاريخ الدعوة وكان لها أثرها المرجو.

قلت انها كانت خطبة مرتجلة، الا أنها دونت في ما بعد، وأعاد الأستاذ فيها النظر ونشرت بالأردية، لغة الخاطبة والكتابة ولسان عامة مسلمى هذا القطر. وعنى بتعريبها الأخ العزيز السيد محمد عاصم الحداد، زميلى في دار العروبة، وراجعها هذا العاحز ، فعسى أن تنال حظوة لدى قراء العربية ويعم نفعها.

والله نسأل أن يوفقنا لسبيل الخير والرشاد ويجنبنا مزالق الأقدام ومسالك الزلل والفساد. فانه هو المرجع وبيده كل شئ وعليه التكلان.

بلدة راولبند (باكستان) في 23/12/1371هـ مسعود الندوى

الأسس الأخلاقية للحركة الاسلامية

لعله قد تبين لكم من كتاباتنا ورسائلنا أن غايتنا النهائية التى نقصدها من وراء ما نحن بصدده الأن من الكفاح انما هى ((احداث الانقلاب في القيادة )) وأعنى بذلك أن نطهر ما ينبغى الوصول اليه والظفر به في هذه الدنيا أن نطهر الأرض من أدناس قيادة الفسقة الفجرة وسيادتهم، ونقيم فيها نظام الامامة الصالحة الراشدة. فهذا السعى والكفاح المتواصل نراه أكبر وأنجح وسيلة موصلة الى نيل رضاء الرب تعالى وابتغاء وجهه الأعلى في الدنيا والأخرة.

ومن دواعى الأسف اننا نشاهد الناس اليوم جميعا – المسلمين منهم وغير المسلمين -- غافلين عن هذا الذى جعلناه غايتنا ومطمع أبصارنا. أما المسلمون، فلانهم يعدونه غاية سياسية بحتة ولا يكادون يفطنون لمكانته وأهميته في الدين. وأما غير المسلمين، فبما نشؤوا عليه من التعصب على الاسلام ولجهلهم وقلة معرفتهم بتعاليمه، لا يعلمون أصلا أن قيادة الفجار والفساق انما هى منشأ جميع الكوارث والنكبات التى منى بها الجنس البشرى، وان سعادة البشر وغبطته انما تتوقف على أن يكون زمام أمور الدنيا بايدي الصالحين العادلين. فكل ما نشهده اليوم في الدنيا من الفساد والظلم والطغيان والفوضى الشاملة العالمية في الأخلاق البشرية، وما سرى من السم الفتاك في عروق الحضارة والعمران والسياسة البشرية، وان جميع وسائل الأرض وسائر القوى التى ابتدعاتها العلوم البشرية تستعمل في القضاء على الانسان واهلاكه وتدميره بدل أن تستخدم في اسعاده واعداد الوسائل والأسباب لفلاحه وهنائه وغبطته، فانما تعود تبعة كل ذلك على أن الأرض، وان لم تكن خاية من الرجال ذوى الصلاح والعفاف ولأمانة ، قد استبد بزمام الأمر فيها رجال انحرفوا عن الله تبارك وتعالى وانغمسوا بأجمعهم في عبودية المادة، وتكالبوا على الشهوات هذه الدنيا الدنيئة. فان أراد أحد اليوم أن يطهر الأرض ويستبدل فيها الصلاح بالفساد، والأمن بالاضراب، والأخلاق الزكية بالاباحية، والحسنات بالسيئات، لا يكفيه أبدا أن يدعوهم الى الخير ويعظهم بتقوى الله وخشيته ويرغبهم في الأخلاق الحسنة، بل من المحتوم عليه أن يجمع من عناصر الانسانية الصالحة ما يتمكن من جمعه ويجعل منها كتلة متضامنة وقوة جماعية تمكنه من انتزاع زمام الأمر من الذين يقودون موكب الحضارة في الدنيا، واحداث الانقلاب المشود في زعامة الأرض وامامتها.

أهمية الزعامة وخطورتها:

وكل من له أدنى بصيرة بمسائل الحياة الانسانية، لا يخفى عليه أن المسألة التى تتوقف عليها قضية صلاح الشؤون البشرية وفسادها، انما هى مسألة زعامة الشؤون البشرية ومن بيده زمام أمرها. وذلك كما نشاهد في القطار أنه لا يجرى الا الى الجهة التى يوجه اليها سائقه، وان لابد للركاب أن يسافروا -- طوعا أو كرها – الى تلك الجهة نفسها. فذلك لا يجرى قطار المدينة الانسانية الا الي جهة يوحهه اليها من بأيديهم زمام أمر تلك المدينة. ومن الظاهر البين أن الانسانية بمجموعها لا تسطيع بحال من الأحوال أن تأبى السير على تلك الخطة التى قد رسمها الذين بأيدهم وسائل الأرض وأسبابها طرا، ولهم الهيمنة كل الهيمنة على أزمة الأمر وبيدهم نفوس الجمهور وآمالهم، وهم يملكون أدوات تكوين الأفكار والنظريات وصوغها في قوالب يحبونها، واليهم المرجع في تنشئة الطباع الفردية وانشاء النظام الجماعى وتحديد القيم الخلقية. فان كان هؤلاء الزعماء والقواد ممن يؤمنون بالله ويرجون حسابه، فلابد لنظام الحياة بأسره أن يسير على طريق من الخير والرشد والصلاح، وأن يعود الأشرار الخبثاء الى كنف الدين ويصلحوا شؤونهم. وكذلك تنموا الحسنات ويذكو غراسها، وأقل ما يكون من تأثير المجتمع في السيئات انها لا تربو، ان لم تمحق وتنقرض اثارها. وأما اذا كانت هذه السلطة، سلطة الزعامة والقيادة والامامة بأيدى رجال انحرفوا عن الله ورسوله واتبعوا الشهوات وانغمسوا في الفجور والطغيان، فلا محالة أن يسير نظام الحياة بقضه وقضيضه على البغى والعدوان والحشاء، ويدب دبيب الفساد والفوضى في الافكار والنظريات والعلوم والأداب والسياسة والمدنية والثقافة والعمران والأخلاق والمعاملات والعدالة والقانون برمتها، وتنمو السيئات ويستفحل أمرها، وتأبى الأرض أن ترحب بالحسنات، ويضن الماء والهواء أن يفيضا عليها شيئا من القوت، وتمتلئ الأرض ظلما وجورا. ففى مثل هذا النظام يسهل على المرء أن يسلك سبيل الشر ويصعب عليه أن يثبت على طريق الخير فضلا عن أن يمشى عليها ويسير، شأنه كشأن السائر في موكب من المواكب المحتشدة، لا يحتاج الى بذل أى شئ من الجهد اذا أراد التوجه الى الجهة التى يقصدها الجمع، بل هو يندفع اليها بدافع من الجمع قصدا ومن غير قصد. وأما اذا أراد أن يتوجه الى جهة تخالف جهة الموكب، فلا يكاد يقدر على أن يخطو بضع خطوات ولو استنفد فيها وسعه، ويكون من شأنه أنه كلما تقدم خطوة، دفعته موجة من الزحام الهائل خطوات الى الوراء. فكذلك النظام الجماعى اذا بدأ يسير على سبيل الكفر والعصيان بزعامة رجال من العصاة سهل على الأفراد والجماعات أن يسلكوا سبل الشر من غير أن يبذلوا شيئا من جهودهم البتة. وأما اذا أرادوا السير على طريق غير ذلك الطريق المعوج، فلا يمكنهم أن يتقدموا ولو بضع خطوات لما يواجهونه من مقاومة الزحام الجاف المعارض الذى يؤخرهم أميالا وفراسخ الى الوراء مهما اسنفدوا من جهودهم للوقوف في وجهه.

وذلك الأمر لم يعد بعد حقيقة نظرية غامضة تحتاج الى برهان، بل الحوادث الماضية قد صيرته حقيقة ظاهرة لا يمكن الجحود بها أو المكابرة فيها لكل من أوتى بها نصبيا من العلم والمعرفة. وحسبكم شاهدا على ذلك ما حدث في بلاد الهند في القرن الماضى تبدل عظيم وانقلاب مدهش. أفلا ترون كيف تبدلت الأوضاع وتغيرت الأراء والنظريات وتحولت الطبائع والسجايا المتواراثة، وتقلبت مناهج التفكير وأساليب النظر، وطرأ الانقلاب والتغير على مقاييس الأخلاق والمدنية وموازين الشرف والفخار؟ . فهل بقى فيها شئ سالما من عواصف التغير والانقلاب؟ فماذا ترى سبب التغير والانقلاب الواقع في هذه الديار بين عشية وضحاها؟ أو يسعكم أن تبينوا له سببا غير أن الذين كان بيدهم زمام شؤون هذه البلاد وكانوا متبوئين فيها مناصب الزعامة والامارة طبعوا أخلاق أهلها وعقولهم وغرائزهم ومعاملاتهم ونظام مدينتهم بطابعهم الخاص، وصاغوها فيما شاءوا من القوالب المعوجة ؟ ثم سرح النظر في الذين قاموا في وجه هذا الانقلاب ولم يألوا في مقاومته جهدا الام كان مصيرهم ؟ أوفقوا أم أخفقوا في مسعاهم، والى أي حد؟ أو ليس من باب الأمر الواقع المؤلم ان الذين كانوا في طليعة المقاومين بالأمس تجد لليوم أبنائهم وأحفادهم مندفعين في تيار المدينة الحاضرة وقد دخل في بيوتهم من موبقاتها وشنائعها ما كان منحصرا بالأمس خارج البيوت، في الأسواق والأندية ؟ أو ليس مما وقع وتحقق أن كثيرا من بيوتات العلم والشرف التى يضرب المثل بها وبأهلها في الزهد والورع قد نشأت فيها اليوم ناشئة قد أفضى بها الضلال والزيغ الى الزندقة والالحاد والكفر بالله ورسوله واليوم الأخر؟ يبقى عند أحد بعد هذه التجارب المتتابعة والمشاهدات المائلة للعيان من منزع للشك ان مسألة القيادة والزعامة انما هى مسألة المسائل في الحياة الانسانية وأصل أصولها ؟ وأهمية هذه المسألة وخطورتها شأنها ليست بأمر مستحدث اكتسبتها في هذا العصر، وانما هى مقرونة ومنوط بها منذ أقدم الأزمنة، وناهيك من شاهد بالقول السائر ((الناس على دين ملوكهم)) ومن ثم تكرر في الحديث أن علماء الأمة وكبراءها هم المسؤولون عن اصلاح شأنها وفساد أمرها لما يمتلكون من ناصية الأمر ويحملون بأديهم من لواء الزعامة .

غاية الدين الحقيقية : اقامة نظام الامامة الصالحة الراشدة:

وأرى أن قد تبين لكم مما تقدم من الشرح والبيان ما لهذه المسألة من الأهمية البالغة في الدين. والظاهر أن أول ما يطالب به دين الله عبده أن يدخلوا في عبودبة الحق كافة مخلصين له الطاعة والانقياد حتى لا يبقى في أعناقهم قلادة من قلائد العبودية لغير الله تعالى. ثم يتطلب منهم ألا يكون لحياتهم قانون الا ما أنزله الله تعالب وجاء به الرسول الأمى الكريم صلى الله عليه وسلم. ثم ان الاسلام يطالبهم أن ينعدم من الأرض الفساد وتستأصل شأفة السيئات والمنكرات الجالبة على العبادة غضب الله تعالى وسخطه. وهذه الغايات السامية لا يمكن أن يتحقق منها شئ ما دامت قيادة أبناء البشر وتسيير شؤونهم في الأرض بأيدى أئمة الكفر والضلال، ولا يكون من أمر أتباع الدين الحق وأنصاره الا أن يستسلموا لأمر هؤلاء وينقادوا لجبروتهم، يذكرون الله قابعين في زواياهم منقطعين عن الدنيا وشؤونها مغتنمين ما يتصدق به هؤلاء الجبابرة عليهم من المسامحات والضمانات . ومن هنا يظهر ما للامامة الصالحة واقامة نظام الحق من أهمية خطيرة تجعلها من غايات الدين واساسه. والحق أن الانسان لا يمكنه أن يبلغ رضى الله تعالى بأى عمل من أعماله اذا تناسى هذه الفريضة وتقاعس عن القيام بها. ألم تروا ما جاء في الكتاب والسنة وتكرر من ذكر الجماعة ولزومها والسمع والطاعة، حتى أن الانسان ليستوجب القتل اذا خرج من الجماعة ولو قيد شعرة وان صام وصلى وزعم انه مسلم . وهل لذلك من سبب سوى أن غرض الدين الحقيقى وهدفه انما هو اقامة نظام الحقوق والامامة الراشدة وتطيد دعائمه في الأرض. وكل ذلك يتوقف تحققه على القوة الجماعية. والذى يضعضع القوة الجماعية ويفت في عضدها، يجنى على الاسلام وأهله جناية لا يمكن جبرها وتلافيها بالصلاة ولا بالاقرار بكلمة التوحيد. ثم انظروا الى ما كسب ((الجهاد)) من المنزلة العالية والمكانة الرفيعة في الدين، حتى ان القرأن الكريم ليحكم ((بالنفاق)) على الذين ينكلون عنه ويثاقلون الى الأرض منه. وذلك ان ((الجهاد)) هى السعى المتواصل والكفاح المستمر في سبيل اقامة نظام الحق، ليس غير. وهذا الجهاد هو الذى يجعله القرأن ميزانا يوزن به ايمان الرجل واخلاصه للدين، وبعبارة أخرى أنه من كان يؤمن بالله ورسوله، لا يمكنه أن يرضى بتسلط نظام الباطل أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل اقامة نظام الحق. فكل من يبدو في اعماله شئ من الضعف والاستكانة في هذا الباب فاعلم انه مدخول في ايمانه مرتاب في أمره. فكيف ينفعه عمل من أعماله بعد ذلك ؟ . والمقام لا يتسع للافاضة في هذه المسألة وتفصيل القول فيها. الا أن الذى ببنته أنفا أراه كافيا لايضاح هذه الحقيقة المهمة ، وهى أن اقامة الامامة الصالحة في أرض الله لها أهمية جوهرية وخطورة بالغة في نظام الاسلام. فكل من يؤمن بالله ورسوله ويدين دين الحق، لا ينتهى عمله بأن يبذل الجهد المستطاع لافراغ حياته في قالب الاسلام ولا تبرأ ذمته من ذلك فحسب، بل يلزمه بمقتضى ذلك الايمان أن يستنفد جميع قواه ومساعيه في انتزاع زمام الأمر من أيدى الكافرين والفجرة الظالمين حق يتسلمه رجال ذوو صلاح ممن يتقون الله ويرجون حسابه، ويقوم في الأرض ذلك النظام الحق المرضى عند الله الذى به صلاح أمور الدنيا وقوام شؤونها.

ثم اذا لم يكن من الممكن تحقق هذا المقصد الأسمى الا بالمساعى الجماعية، لم يكن بد من أن تكون في الأرض جماعة صالحة تؤمن بمبادئ الحق، وتحافظ عليها ولا تكون لها غاية في الحياة الا اقامة نظام الحق وادارة شؤونه بغاية من الاهتمام والعناية. ولعمر الحق انه ولو لم يكن على وجه الأرض الا رجل واحد مؤمن، لما جاز له أن يرضى على نفسه بتسلط نظام الباطل، حينما يجد نفسه وحيدا فاقدا للوسائل اللازمة، أو أن يحاول التستر وراء الحيل الشرعية كالاقتناع ((بأهون البليتين)) أو أن يساوم نظام الكفر والفجور السائد في ايمانه، ويقنع بحياة موزعة بين الكفر وطاعة الله. بل الحق انه لا يكون أمامه الا طريق واحد: وهو أن يدعو الناس كافة الى منهاج الحياة الذى يرضى به الرب تعالى. فان لم يجب لدعوته أحد، فان قيامه على الصراط المستقيم واستمراره في دعوة الناس حتى يلق ربه، خير له ألف مرة أن يتنكب الصراط الحق، ويهتف بنعرات تهش لها وتفوح بها الدنيا المتسكعة في بيداء الضلال والغواية، أو يأخذ في المشى على طريق جائرة بزعامة الكفار. وان وجد من عباد الله رجالا يستمعون لقوله ويلبون دعوته، فعليه أن يؤلف منهم كتلة لا يكون من همها الا استنفاد جميع القوى الجماعية في سبيل تحقيق تلك الغاية التى نحن بصددها.

هذا ما أراه مقتضى الدين الالهى حسب ما رزقنى الله من معرفة كتابه العزيز وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. وهذا ما يتطلبه الكتاب العزيز، وهذه هى سنة الأنبياء والرسل. وانى على مثل اليقين من ذلك، ولا أرانى متزحزحا عن هذه العقيدة وهذا الرأى ما دام كتاب الله يؤيدنى وسنة الرسل الكرام من ورائى تأخذ بيدى وتحفزنى للعمل والجد.

سنة الله تعالى في باب الامامة في الأرض :

واذا أدركنا غاية مساعينا ومجهوداتنا هذه، فعلينا أن نعرف وندرك سنة الله تعالى التى لا نبلغ هذه الغاية الا بموجبها. ان هذا الكون الذى نعيش فيه انما أوجده الله تعالى على قانون معين، وقدر لكل شئ فيه ضابطة من الأمر لا يمكنه الانحراف عنها. وليس من الممكن أن يتحقق في هذا الكون سعى من المساعى بمجرد الرغبات الطيبة والنيات الخالصة، ولا أن يؤدى ثمراته ببركات النفوس القدسية، بل لابد له من استيفاء تلك الشروط والمقتضيات التى قررها القانون الالهى لتحقيق مثل هذه المساعى. فان كنت زارعا في حقلك مثلا، فمهما تكن قد بلغت من طيب الخلق والسيرة الطاهرة مبلغا عظيما وأكثرت من التسبيح والتهليل، فلن تنبت لك حبة ولن تؤتى ثمراتها الا اذا اتبعت وراعيت في مسعاك ذلك القانون الالهى الذى سنه الله تعالى لايتاء الزرع و الحقول ثمراتها. وكذلك من المستحيل أن الى الوجود ذلك الانقلاب المنشود في نظام الامامة الذى جعلتموه نصب أعينكم في الحياة وتتطلع اليه نفوسكم بمجرد الأدعية الطيبة والأمانى المعسولة، بل لا بد لكم لتحقيقه أن تحيطوا علما بذلك القانون الالهى الذى تقوم بموجبة الامامة والسيادة في الأرض وتستوفوا جميع شروطه. وهذا موضوع مهم ذو خطورة، قد ألمت به غير مرة من قبل في كتاباتى ومحاضراتى، ولكنى أحب أن أتناوله بالشرح وايضاح في هذه المحاضرة، لأنه لا تستبين لنا السبل الا بالاحاطة بها علما ومعرفة .

انكم اذا تأملتم في الانسان وتدبرتم وجوده في الدنيا، ظهر لكم أن وجهتين متناقضتين تختلفان وتزدوجان معا.

فالوجهة الأولى أن له وجودا طبيعا وحيوانيا تجرى عليه نفس تلك القوانين التى تجرى على سائر الطبيعيات والحيوانات في هذا العالم. وهذا الوجود يتوقف عمله على الأدوات والوسائل والأسباب المادية والاحوال الطبيعية والحيوانية. ولا يمكن لهذا الوجود أن يأتى بعمل الا في ضمن القوانين الطبيعية وبواسطة الأدوات والوسائل والأحوال الطبيعية. وجميع القوى في عالم الأسباب لها تأثير يوافقه أو يخالفه في أعماله. والوجهة الأخرى التى هى متجلية في الانسان أنه من البشر أى أن له وجودا خلقيا لا يذعن للطبيعيات بل يسيطر عليها ويحكم فيها. حتى أنه ليستخدم جسد الانسان الحيواني والطبيعى كألة من ألات العمل ويحاول الاستيلاء على أسباب الدنيا الخارجية والتصرف فيه . وأما قواه العاملة، فأنما هى تلك الصفات الخلقية التى أودعها الانسان من لدن ربه الكريم وانما تحكمه القوانين الخلقية دون القوانين الطبيعية .

الأخلاق مناط رقى الانسان وانحطاطه:

وهاتان الوجهتان تتعاملان في الانسان مشتركتين، وعلى الوجه العمومى يتوقف نجاحه واخفاقه ورقيه وانحطاطه على القوى المادية والخلقية معا . وهو لا يكاد يستغنى عن القوة المادية ولا عن القوة الخلقية. فإذا ما قدر له النجاح وبلغ أوج الكمال والرقى ، فبهاتين القوتين . واذا ما خسر وانحط ، فلأنه فقد هاتين القوتين . أو أصبح نصيبه منهما أقل من نصيب غيره . ولكنكم اذا تأملتم المسألة تأملا وسبرتم غورها تبين لكم أن القوة المنفذة الفاصلة الحقيقية في الحياة هى القوة الخلقية لا المادية . ولا ريب أن الحصول على الوسائل المادية واستخدام الآلات الطبيعية ومسايرة الأسباب الخارجية للعوامل الداخلية أيضا من الشروط المستلزمة للنجاح . وما دام الانسان يعيش في هذا العالم الطبيعى فأنه لا يمكنه الاستغناء عن هذه الشروط. ولكن الحق ، مع كل ذلك ان الذى يرفع الانسان ويضعه والذى له الحظ الأوفر واليد النافذة في سعادة الانسان وشقائه ، ان هى الا ((القوة المعنوية)) . ومما لا يخفى عليكم أن الانسان لا يسمى انسانا لأجل جسمانيته وحيوانيته، بل لأجل صفاته الخلقية . وليس مما يميز الانسان من غيره من الموجودات في هذا العالم ، أنه يحتاج لجسده الى محل يحله ، أو لأنه يتنفس ويأتى بالنسل والولد ، بل الميزة التى تفرق بينه وبين سائر الموجودات وتفضله عليها جميعا ولا تجعله نوعا مستقلا عنها فقط بل وخليفة الله في الأرض أيضا ، انما هى اجتيازه للصلاحية الخلقية والتبعيية المعنوية وتفرده بهما. فاذا كانت الأخلاق هى جوهر الانسانية وملاك أمرها، فلابد من الاقرار بأن الأخلاق لها القول الفصل في صلاح الحياة الانسانية وفسادها . وأن القوانين الخلقية هى التى تسيطر على رقى الانسان وانحطاطه .

فاذا استعرضنا الاخلاق بعد ادارك هذه الحقيقة، وجدناها منقسمة الى شعبتين مهمتين : الأخلاق الانسانية الأساسية والأخلاق الاسلامية. ٭ ٭ ٭

الأخلاق الانسانية الأساسية:

والمراد من الاخلاق الانسانية الاساسية تلك الصفات التى يقوم عليها أساس وجود الانسان الخلقى . وهى تشتمل على أساس سائر الصفات التى لابد منها لفلاح الانسان ونجاحه في هذه الدنيا. سواء كان عمله وكفاحه لغاية صحيحة أو غير صحيحة. وسواء في بابها أيؤمن صاحبها بالله واليوم الأخر والوحى والرسالة أم لا ؟ وهل هو متحل بالطهارة النفسية والنية الخالصة والعمل لبصالح أم لا ؟ وهل كان سعيه وجهاده وراء غاية طاهرة ومقصد نزيه أم وراء غاية دنيئة وغرض عاجل؟ فكل من تحلى بهذه الاخلاق واستوعبها في نفسه استيعابا، فلابد أن يرى ثمرات جهوده يانعة عما قريب ويجئ نجاحه في هذه الدنيا كفلق الصبح ، فيبن ويسبق الذين لا يتحلون الاخلاق، أو كان حظهم منها أقل وأنقص من حظه وذلك بصرف النظر هل كان صدره مستضيئا بنور الايمان أم لا ؟ وهل كانت حياته طيبة أم غير طيبة ؟ وهل يبتغى من وراء سعية الخير أم الشر؟ ان الانسان – مؤمنا كان أو كافرا، صالحا كان أو طالحا – لا يمكن أن ينجح في هذا العالم ويكون في عداد الفائزين ، الا اذا كانت فيه قوة الارادة والمضاء في الأمر والعزم والاقدام والصبر والثبات والاناة ورباطة الجأش وتحمل الشدائد والهمة والشجاعة والبسالة والنشاط والشدة والبأس والولوع بالغاية الاستعداد للتضحية بكل شئ في سبيل تحقيقها، والحزم والحيطة وادراك العواقب والقدرة على العمل المنظم والشعور بالواجب والاحساس بالمسؤولية والقدرة على تقدير المواقف المختلفة، والقدرة على صوغه وافراغه في قوالب مناسبة حسب الظروف المتبدلة ، والقدرة على تدبير الشؤون وفق تلك الأحوال والظروف ، وكان ملاكا لعواطفه ورغباته ونزعاته النفسية ، وكذلك كان قادرا على استمالة أهواء الناس والأخذ بمجامع قلوبهم وتحبيب نفسه اليهم واستخدامهم في ما يحتاج اليه .

ثم لابد له من أن يكون متحليا ولو بلمع من تلك الشمائل الكريمة التى هى ملاك الأدمية وقوام امرها في نفس الأمر والتى تضمن للانسان الوقار والثقة في هذه الدنيا كالاباء والسخاء والرأفة والمواساة وسعة القلب والنظر والصدق والأمانة والنزاهة والوفاء بالعهد وكمال الرزنة والاعتدال والتهذيب والطهارة والنظافة وضبط النفس والذهن.

هذه هى الصفات التى اذا حزها واستوعبها معظم أفراد أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات، فكأنها عندها ثروة الانسانية ورأس مالها . فان هذه الثروة هي التى تتكون على اثرها قوة جماعية قوية فعالة ، الا أن هذه الثروة لا يمكن أن تركز وتتجمع بنفسها وتنقلب الى قوة جماعية عظيمة محكمة فعالة في الأمر الواقع ، الا اذا ساعدتها على أمرها جملة من الصفات الخلقية الأخرى ، وذلك مثل أن يكون جميع الأفراد أو معظمهم متفقين على غاية لهم مشتركة بعينها وكانت أحب اليهم من أغراضهم الشخصية بل من نفسوسهم وأموالهم وأولادهم ، وكانوا متمتعين بالتحاب والمواساة في ما بينهم ، وكانوا متعاونين على الخير متساندين على البر، وكانوا، على الأقل، ممن يضحون بأثرتهم وذاتيتهم الى حد لا بد منه لسعى جماعى منظم ، ثم يميزون القائد الراشد من القائد المضل، ولا يلقون أعباء قيادتهم وسيادتهم الا على كواهل رجال يصلحون لها ، وكان قوادهم وزعماؤهم متحلين بصفات الاخلاص وحسن التدبير وما اليها من الصفات الأخرى المستلزمة للقيادة، وكانت الأمة أو الجماعة أنفسهم يعرفون طاعة قوادهم يثقون بهم ويتطلعون الى جعل جميع وسائلهم ومواهبهم الفكرية والجسمانية والمادية تحت تصرفهم ، وكان فيهم من الرأى العام الحى الفعال ما لا يسمح بأن ينشأ فيهم شئ يمس بكيانهم ويهدد فلاحهم الجماعى.

فاذا كانت أمامك غاية صحيحة منزهة، فانما تحتاج الى سلاح من الحديد لا من الخشب الذى أكلته الارضة ولا قبل له بتحمل شئ من الضرب الخفيف. وهذا ما أشار اليه نبينا الكريم صلى الله عليى وسلم بقوله: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام)<ref>كما ورد في صحيح البخارى من حديث أبى هريرة بطرق متعددة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام اذا فقهوا. ( باب المناقب).</ref> أى أن الذى كان فيهم الجوهر الثمين في الجاهلية، انما هم الذين نفعوا الاسلام وأثبتوا انهم أكفاء للضطلاع بكل أمر من أموره. وغاية ما حدث فيهم من الفرق انه كانت مواهبهم وقواهم تستعمل في طرق الشر والمعصية، فجاء الاسلام ووجها الى طريق الراشد والخير. والحاصل ان نفايات القوم وحثالاتهم ما كان ليرجى منهم النفع لا في الاسلام ولا في الجاهلية. ان الظفر العظيم والفتح المبين – الذى ناله النبى صلى الله عليه وسلم في العرب والذى لم يمض عليه الا مدة يسيرة ، حتى أحس بجزء عظيم من المعمورة من نهر السند الى بحر الأطلسى بنفوره وأثاره البالغة – أو لو كان لكل ذلك سبب غير انه صلى الله عليه وسلم ظفر في جزيرة العرب بأحسن ذخيرة من الكفاءة الانسانية والاستعداد البشرى ممن كانوا يملكون قوة مسخرة من السيرة الفردية والطباع المستقيمة. أرأيتك أنه لو كان ظفر صلى الله عليه وسلم من أصاحبه برجال ساقطى الهمة متعزعزعى الارادة ممن لا يوثق بهم ولا يعول عليهم فهل كان يحصل منهم على نتائج مثل تلك النتائج الباهرة التى حصل عليها.

الأخلاق الاسلامية:

ولنتناول الأن الشعبة الثانية للأخلاق، وهى التي أعبر عنها بالأخلاق الاسلامية ، وما هى بشئ مستقل عن الأخلاق الانسانية الأساسية ، بل هى متممة لها ومكملة اياها. فأول عمل يأتى به الاسلام أنه يزود الأخلاق الانسانية بمركز صحيح وقطب مسقيم اذا اقترنت به حولها الى الخير والرشد برمتها . وليست هذه الأخلاق في صورتها الأولى الا قوة مجردة يمكن استخدامها في الخير والرشد معا ، وانما مثلها كمثل السيف الصارم هو ألة للظلم والرهاق والجور ان كان في يد اللص السارق ، وأداة للخيروالحق ان كان في يد المجاهد في سبيل الله . فلا يحكم على هذه الأخلاق بالخير والصلاح لمجرد وجودها في فرد معين أو جماعة بعينها، بل يتوقف خيرها وصلاحها على كونها مستخدمة في السبيل الأقوم ، فالاسلام يعنى بتوجيه هذه الأخلاق المحضة الى طريق الخير والحق . ومن المقتضيات المستلزمة لدعوة الاسلام الى التوحيد أن لا تكون الغاية الوحيدة والمقصد الجوهرى من وراء جهود الانسان ومساعيه الا ابتغاء وجه الرب تعالى <ref>كما أشير الى هذا المعنى ب (واليك نسعى ونحفد) في الدعاء المأثور المعروف.</ref> وأن يحدد أفق فكرته ونطاق عمله بحدود عينها له ربه الجليل <ref>والى هذا المعنى أشير ب (اياك نعبد ولك نصلى ونسجد) في الدعاء نفسه.</ref>. فمن النتائج اللزمة لهذا الاصلاح الأساسى أن جميع الأخلاق الأساسية التى قد ذكرتها لكم أنفا تتجه الى الطريق المستقيم، وأن القوى التى تتولد بوجود هذه الأخلاق لا تستعمل ولا تنفذ الا في سبيل اعلاء كلمة الحق الناصع بالطرق المباحة ، بدلا من أن تستعمل في سبيل النفس أو الأسرة أو الأمة أو الوطن بطرق جائزة وغير جائزة. وهذا هو الذى ينهض بهذه الأخلاق – على الوجه الايجابى – من مرتبة القوة المجردة ويحولها خيرا شاملا ورحمة للعالمين.

والمهمة الثانية التى يأتى ويعنى بها الاسلام في باب الأخلاق أن يؤصل الاخلاق الأساسية الانسانية ويوطد أركانها في جانب، ويوسع في تطبيقها على مظاهر الحياة الانسانية الى حد عظيم في جانب أخر. وخذ لذلك الصبر مثلا. فمهما بلغ الرجل الغاية في الصبر واستولى على الأمد في حلبته، فلابد له أن يقف تحمله وينفد ثباته عند حد معلوم اذا كان لأغراض عاجلة ليستمد قوته ويتغذى من الجذور الفكرية للشرك وعبودية المادية. أما الصبر الذى يستجلب قوته من جذور التوحيد والذى لايبتغى من ورائه الا وجه الله تعالى، فهو كنز مكنون لا تصل اليه يد السارق، وجيش عرمرم من الثبات والبسالة لا يقدر أن يقف في وجهه سائر الشدائد والأهوال الممكنة في هذه الدنيا. ثم ان الصبر لغير المسلمين من نوع محدود ضيق جدا، فبينما تراه خائضا غمار المعركة ثابتا أمام هجمات الرشاشات والقنابل ثبوت الجبال الراسيات، اذ به تراه مستسلما لشهوات النفس الجامحة لا يكاد يملك نفسه وعواطفه أمام هزة يسيرة من هزات الغريزة الثائرة. أما الاسلام، فيطبق الصبر ويوسع في تطبيقه على سائر الحياة الانسانية، ولا تجعله سدا منيعا وعقلا حصينا دون اخطار وأهوال معدودة فقط بل دون كل ما يحاول تنكيب الانسان عن الصراط المستقيم من المطامح والأخطار والوساوس والرغبات . والحقيقة ان الاسلام يطبع حياة المؤمن بطابع من الصبر والاناة التى من مبادئها الأساسية أن يظل قائما على طراز صحيح مستقيم من الفكر والعمل طول حياته مهما لقى في ذلك من الأخطار والأهوال والشدائد، ولم يتراء له بارقة أمل من النتائج النافعة في هذه الحياة الدنيا، وأن لا يختار طريقا معوجا من الفكر والعمل بأية حال، وان لمحت له جنة وارفة من الأحلام العذاب، والأمانى المعسولة والمنافع المأمولة. فهذا الابتعاد عن الشر والمواظبة على طريق الخير والرشد طول الحياة الدنيا احتسابا لنتائج الأخرة وعواقبها اليقينية، هو الصبر الاسلامى . وكذلك يكون ذلك الصبر بطبيعة الحال في تلك الأشكال التى ترى في حياة الكفار على نطاق محدود. ولك أن تقيس عليه سائر الأخلاق الأساسية التى نشاهدها ضعيفة محدودة في حياة الكفار لما يعوذها من أساس فكرى صحيح. فالاسلام يتناول هذه الأخلاق كلها ويسعفها بأساس صحيح محكم من عنده ويوسع دائرة نفوذها. والمهمة الثالثة التى يقوم بها الاسلام أنه ينظر الى الأخلاق الأساسية العامة كأنها الطبقة الأولى من البناء، فيشيد عليها الطبقة الثانية من الأخلاق الفاضلة، حتى ليرتقى بها الانسان الى أعلى درجات الشرف والكمال وهو يطهر قلبه من أدران الاثرة والأنانية والظلم والوقاحة والخلاعة والاستهتار، ويلقى في روحة بذرة تقوى الله وخشيته تعالى، والورع واتباع الحق، ويذكى فيه قبس الشعور بالتبعيات، ويروضه على التخلق بضبط النفس، ويجعله جوادا كريما ودودا مواسيا ناصحا أمينا مخلصا عادلا صادقا لخلائق الله جمعيا في كل حال، ويربيه وينشئه على سيرة طاهرة سامية لا يرجى منها الا الخير ولا يخشى منها الشر أبدا، ثم ان الاسلام لا يقتصر على أن يجعل الانسان صالحا راشدا في ذات نفسه، بل يجعله فوق ذلك ((مفتاحا للخير مغلاقا للشر)) كما ورد في الحديث النبوى <ref>عن سهل بن سعد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : طوبى لعبد جعله الله تعالى مفتاحا للخير مغلاقا للشر. وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير. ( مشكاة المصابيح ، كتاب الأداب ، باب الرقاق).</ref>. أى أنه يفوض اليه وينيط به – على الوجه الايجابى – مهمة تعميم الخير واستئصال شأفة الشر في أرض الله . وفى طبيعة تلك الاخلاق والسيرة من الحسن والحذب وقوة التسخير البالغة ما أن تحلت به جماعة منظمة وسعت سعيها في القيام بما ألقى الاسلام على كاهلها من مهمة الدعوة اليه، فلا قبل بمواجهتها ومقاومتها لقوة من قوى الدنيا كلها.

جماع القول في سنة الله في باب الامامة:

هذا وأريد الأن أن أبين لكم بكلمات موجزة تلك السنة التى سنها الله تعالى في باب الامامة والتى ما زالت نافذة من الأزل وستبقى جارية ما دام النوع البشرى حيا قائما على فطرته في هذه المعمورة ، فهاكم اياها : •اذا لم تكن في الأرض طائفة منظمة متصفة بكل من الأخلاق الأساسية والاخلاق الاسلامية وهى تستخدم – مع ذلك الوسائل والأسباب المادية، فلا بد أن يسلم زمام القيادة والسيادة في العالم الى طائفة تكون أكثر جمعا واحتيازا للأخلاق الأساسية الانسانية والأسباب المادية من غيرها وذلك بأن قد جرت مشيئة الله أن يبقى نظام هذا العالم جاريا مطردا على كل حال، فمن ثم يفوض أمر ادارته وتسير دفة شؤونه الى أعظم الطوائف المعاصرة قدرة وأكثرها كفاءة .

أما ان كانت في الأرض فئة الأرض فئة منظمة تمتاز من بين سائر الفئات الموجودة وتفضلها جميعا في الأخلاق الاسلامية والأخلاق الانسانية العامة معا، ثم لا تقصر في الوقت نفسه في الوقت في استخدامها، فمن المستحيل عندئذ أن تتسلم أزمة قيادة الأرض وتتمتع بسيادتها فئة أخرى بازائها، فان ذلك مما يناقض مواعيده التى وعد بها المؤمنين الصالحين من عباده في غير موضع من كتابه العزيز. والله تعالى لايحب الفساد في أرضه ، وأى فساد أشنع وأبشع من أن ينقاد زمام أمور الأرض لفئة تعيث فيها وتملؤها ظلما وجورا، مع أن فيها فئة صالحة قادرة على تسيير دفة حكمها طبقا لمشيئة الرب ومرضاته تعالى. ومما ينبغى أن لا يغيب عن البال أن نظام الاستخلاف في الأرض لا يمكن أن يتغير ويتبدل بمجرد وجود فرد صالح أو أفراد صالحين مشتتين في الدنيا ولو كانوا في ذات أنفسهم من أولياء الله تعالى بل ومن أنبيائه ورسله. ان الله تعالى لم يقطع ما قطع من المواعيد لأفراد متفرقين مشتتين، وانما قطعها لجماعة منسقة متمتعة بحسن الادارة والنظام قد أثبتت نفسها – فعلا – أمة وسطا، أو خير أمة في الأرض.

•وكذلك ينبغى أن يكون منكم على ذكر بهذا الصدد، ان نظام الامامة لن يحدث فيه أى تغيير ولا انقلاب بمجرد وجود فئة مثل هذه في الارض، بحيث أنها اذا تألفت وأخذت في الوجود مكانها، تنزلت من السماء الملائكة ونحت الفاسقين الفاجرين عن كرسى السيطرة والسلطان بوؤوه هؤلاء الصالحين المؤمنين. بل مما لا مندوحة عنه لهذه الفئة الؤلفة أن تستمر في المكافحة والمناضلة لقوى الكفر والفسق على كلى خطوة من كل حلبة من حلبات الحياة الدنيا وتثبت ما في نفسها من حب الحق وكفاءة للاضطلاع باعباء امامة الأرض ببذل التضحيات والمساعى في سبيل اقامة الحق. وذلك شرط لم يستثن منه حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فانى لاحد اليوم أن يتمنى على ربه أن يستثنيه منه .


الفرق بين قوة الأخلاق الأساسية والأخلاق الاسلامية:

والذي قد أرشدتنى اليه دراستى للقرآن الكريم والتاريخ والامعان فيهما أن لله سنة مطردة في باب التوازن بين القوتين المادية والخلقية، وهى أنه اذا كانت القوة الخلقية بتمامها مرتكزة في الاخلاق الانسانية الأساسية، فهناك للوسائل المادية أهمية عظيمة، حتى انه من الممكن اذن أن يستتب الأمر في الأرض لفئة لها النصيب الأوفر من الوسائل المادية ولو لم يكن عندها الا قليل من القوة الخلقية، على حين أن الفئات الأخرى التي قد تفوقها في القوة الخلقية تكون مغلوبة على أمرها لقلة الوسائل المادية فحسب. أما اذا كانت القوة الخلقية مدججة بأسلحة من الأخلاق الأساسية والاسلامية معا، فهناك لا بد أن تتغلب الأخلاق – على قلة الوسائل المادية عندها – على سائر القوى التى لم تقم ولم تبرز الى الميدان الا مستندة الى الأخلاق الأساسية والأسباب المادية فقط. ولك أن تدرك هذه الحقيقة عن هذا الفرق النسبى بين القوتين بأنه اذا كانت الأخلاق الأساسية تحتاج الى مائة درجة من الوسائل المادية، فالأخلاق الاسلامية والأساسية متحدة لا تحتاج في هذا الموقف نفسه الا الى 25 درجة من تلك الوسائل المادية، والذى يبقى من الخمس والسبعين درجة من قوتها المادية، تستكملها الأخلاق الاسلامية بدافعها النفسى الكامن في طبيعتها. بل الذى تعلمناه من تجارب العهد النبوى انه اذا كانت الأخلاق الاسلامية على ما كانت عليه أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الوسائل المادية تقوم مقام مئة درجة منها. والى هذه الحقيقة قد أشار القرأن الكرم بقوله : ((ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين))<ref>((الأنفال : الأية 65)).</ref>.

والذى ذكرت لك الأن، لا أقوله عن حسن عقيدة في شخص النبى صلى الله عليه وسلم وأصاحبه فحسب، ولا يذهبن بك الظن الى انى أقص عليك من قبيل المعجزات والكرامات، لا، لا، بل هى حقيقة فطرية ثابتة تحدث في هذا العالم – عالم الأسباب والعلل - وفق قانون العلة والمعلول، ويمكن تحققها كلما وجدت علتها وقبل أن أتقدم في البحث يجمل لى أن أشرح لكم على وجه الايجاز كيف تقوم الأخلاق الاسلامية – وهى متضمنة للأخلاق الأساسية بطبيعة الحال – مقام 75 بل 95 درجة من القوة المادية.

لكم أن تدركوا هذه الحقيقة بانعام النظر في الصورة العالمية الحاضرة اليوم، فان الفساد العظيم الذى كانت قد اشتعلت وتأججت نيرانه قبل ست سنوات، قد انتهى أخيرا بانهزام ألمانيا ،وتكاد رحى الحرب تدور على اليابان بالهزيمة أيضا<ref>كتبت هذه الرسالة في أعقاب الحرب العالمية الثانية قبيل استسلام اليابان.</ref>. فالذى لا مجال فيه للريب أن الفريقين متساويان في الأخلاق الأساسية تقريبا، بل الذى يظهر من بعض الوجوه ان ألمانيا واليابان أتتا بما يدل على تفوقهما في القوة الخلقية الأساسية بازاء الحلفاء. وكذلك اذا وازنا بين الفريقين في العلوم الطبيعية وطرق استخدامها، وجدنا كلا منهما يناهض الأخر ويماثله، بل الذى لا يخفى على أحد أن ألمانيا – ان لم نقل اليابان أيضا – كان لها قصب السبق على سائر الدول العالمية في هذا الباب. غير ان هناك شيئا واحد فاق فيه أحد الفريقين على الأخر فوقا عظيما، ألا وهو ملاءمة الوسائل المادية وموافقتها. فلم ينتصر المنتصر الا لما كان لديه من الرجال والعدة والعتاد والوسائل المادية الأخرى أضعاف ما كان عند قرينه. وأضف الى ذلك موقعه الجغرافى المنيع الذى لم يتسير لقرينه، وكذلك ما أنعمت به عليه الأسباب التاريخية من ظروف وأحوال لم تكن لقرينه. فلا يكاد يكون من المتوقع اليوم أن تقوم أمة قليلة العدد والعتاد في وجه امة قوية عندها وفرة عظيمة من الوسائل والأسباب المادية، ولو كانت أسبق منها في التحلى بالأخلاق الأساسية وأعرف منها باستخدام العلوم الطبيعية وذلك ان كل أمة تجعل نهضتها على قواعد من الأخلاق الأساسية والعلوم الطبيعية لا تخلو حالها من أمرين: اما أن تكون غارقة في قوميتها طامحة ببصرها الى تسخير العالم واحتجابه لمصلحتها، واما أن تكون حاملة بيدها لواء بعض مبادئ عالمية داعية اليها سائر أمم الأرض.

ففي الصورة الأولى لايمكن أن تنال مبتغاها وتبلغ مرادها الا اذا كانت أوفر الأمم وأكثرها حظا من الوسائل والقوى المادية. وذلك ان سائر الأمم التى تكون عرضة لمطامحها وجشعها الاستعمارى، لابد أن تقوم في وجهها وتستميت في مقاومتها وتتقد بنار الغضب والنفور في مطاردتها . أما الصورة الثانية، فلا شك انه من الممكن فيها أن تسخر فكرتها ونظريتها عقول الأمم وأذهانها فتستسلم لدعوتها المادية. ولكن الذى ينبغى أن لا يغيب عن الألباب ان القلوب لا تذعن لها بمجرد المبادئ العذبة والقواعد المعسولة بل لابد لمن يرغب في تسخيرها أن يثبت أنه غذى بلبان النصح والصدق والأمانة والطهارة ورحابة الصدر والسخاء والموساة والشرف والعدل – أن يثبت انه قد ترعرع في حضن هذه الأخلاق الفاضلة الحقيقة التى تتحقق ناصعة غير مشوبة بأدران الأغراض الدنيئة في الحرب والسلم والانتصار والانهزام والصداقة والعداوة وما اليها من الأحوال الطارئة والمحن التى تعترى الحياة الانسانية، هذه الأخلاق الفاضلة والمحن التى هى أسمى وأسنى من الأخلاق الأساسية العامة. ومن ثم تشاهدون اليوم أن كل أمة تقوم نهضتها على دائم الأخلاق الأساسية والقوى المادية المجردة، لابد أن تؤول جهودها ومساعيها كلها الى الاغراض والاثرة الفردية أو الطائفية أو القومية الخالصة، سواء أكانت قد جهرت بخطتها القومية أو أخفتها وراء ستار دعوة عالمية تحمل لواءها وتدعى الذود عن مبادئها، كما تشاهد اليوم بأم عينك في السياسة الخارجية للدول الامريكية والانجليزية والروسية، فالظاهر في هذا الكفاح والصراع أن تقوم كل أمة في وجه أمة أخرى وتحول بينها وبين تحقيق أمالها ومطامحها وتبذل بذل المستميت كل ما أوتيت من القوى المعنوية والمادية في نضالها وكفاحها، وتأبى أن تسمح لها أن تشق الطريق لرقيها من بين أرضها، اللهم الا اذا غلبت عليها بوسائلها المادية الموفورة وطحنتها طحنا.

هذا، وتمثلوا في مثل هذه الحال ان هناك فئة، ولو كان منشؤها في أول الأمر في أمة من الأمم، الا أنها قد ظهرت بمظهر الجماعة، والحزب، لا بمظهر الطائفة في هذه الدنيا، وهى منزهة من الأغراض الشخصية الطبقية أو القومية وهى لا تبتغى من وراء جميع ما تبذل من المساعى والجهود الا أن تقيم في هذه الدنيا نظام الحياة الانسانية على أساس مجموعة من الأصول والمبادئ التى تؤمن بها، ولا ترى سعادة النوع البشرى وهناءته مضمونة الا في اتباعها والسير عليها، وكذلك لا يشوب المجتمع الذين تؤلفه هذه الفئة أى شائبة من شوائب الفروق والامتيازات القومية أو الاقليمية أو الطبقية أو النسلية، ومن الممكن أن ينضم اليه وينخرط في سلكه جميع أبناء البشر بحقوق متساوية ومنزلة متماثلة، وأن ينال فيه منصب القيادة والامامة أى فرد أو مجمعة من الأفراد، فاق سائر الأفراد في اتباع هذه المبادئ والأصول والتحلى بمققضياتها، بقطع النظر عن قوميته النسلية أو الاقليمية. بل قد يمكن في هذا المجتمع ان المغلوب على أمره اذا آمن بهذه المبادئ وأثبتت نفسه أصلح وأكفأ للاضطلاع بالأمور من الذى فتح بلاده وانتصر عليه، يأتى هذا الفاتح ويسلم اليه جميع ثمرات مساعيه ويرضى به اماما لنفسه يقتدى به ويأتمر بأوامره. فاذا قامت هذه الفئة ودعت الناس بدعوتها، قام في وجهها الذين لا يرضيهم انتشار مبادئها في الأرض والقوا في سبيل سيرها ورقيها العراقيل والعقبات. فوقتئذ يبتدئ الصراع والمنازعة بين القوتين. فكلما تزداد هذ المناضلة شدة واشتباكا تزداد هذه الفئة صبرا ومراسا وتأتى بازاء عدوها بأشرف الأخلاق وأفضلها وثبت بسلوكها وخطتها العلمية انها لا تبتغى من وراء جهودها الا سعادة جميع خلق الله. وهى لا تحارب ذوات أعدائها ولا قوميتهم وانما تحارب ضلالتهم ومناهجهم الزائغة التى لو تركوها لأصبحوا اخوانا لهم متحابين فيما بينهم. وهى لاتطمع في أموالهم وثروتهم، ولا تريد ان تضع يدها على تجارتهم وصناعتهم، وانما تحرص كل الحرص على هدايتهم وتطمع كل الطمع في سعادتهم الخلقية والروحانية التى اذا نالوها وظفروا بها، فهم أحق بثروتهم وبكل ما لديهم. وهى لا تستخدم الكذب والخديعة والمكر السئ، ولا في أحرج المواقع وأشدها، وهى تدفع السيئة بالحسنة ولا ترد على المؤامرات الدنيئة الا بالحيل والتدابير الشريفة، ولا تكاد تحملها سورة الانتقام والثأر على الجوار والاعتداء، وهى لا تقعد عن اتباع ما قامت لدعوة الناس اليه من المبادئ حتى في أشد مواقف الحرب وأكثرها خطورة، ولا تنفك قائمة في كل الأحوال على الصدق والوفاء بالعهد وحسن المعاملة والاستمساك بالعدل، وتثبت نفسها مستوفية لشروط الأمانة والنزاهة العليا التى كانت عرضتها على الدنيا في أول أمرها مقياسا لهما. وكلما التقى في ميدان الحرب الفريقان واصطفا وجها لوجه: الزناة والمدمنون للخمر والمقامرون والجفاة الغلاظ من جنود العداء في جانب، والأطهارة والاتقياء والعابدون الصالحون والمجاهدون الرحماء من رجال هذه الفئة في جانب، تظهر مروءة كل رجل من هؤلاء الأطهار وانسانيتهم العالية ويبرز للعيان سموها وتفوقها على توحشهم وهمجيتهم، وحينما يتسنى لاولئك ان يأتوا الى هؤلاء جرحى أو أسرى بعد الحرب، تأخذ أرواحهم الخبثة المدنسة بادناس الكفر والضلال في التطهر من أدرانها شيئا فشيئا لما يرون في هذا المجتمع من الخير والشرف والعلو والطهارة في الأخلاق. واما اذا أسر أفراد هذه الفئة ووقعوا في ايدى عدوهم، يزداد صقلا وانجلاء في هذا المجتمع المظلم ما في أنفسهم من جوهر الانسانية. واذا كتب لهم الاستيلاء على قطر من أقطار الأرض، يلقى منهم اهله العفو مكان الانتقام، والمرحمة والنصفة مكان الظلم والعدوان، والمواساة مكان المجافاة، والحلم والتواضع مكان الغطرسة والكبرياء، والدعاء مكان السباب، والدعوة الى المبادئ الحقة مكان الدعايات الكاذبة الملفقة، ولا يكادون يقضون عجبهم حينما يشاهدون أن الفاتحين الأمناء لا يطالبون منهم النساء، ولا يبحثون عن أموالهم المخبوءة، ولا يتجسسون لاكشاف اسرار صناعتهم، ولا يتفكرون في القضاء على قوتهم الاقتصادية، ولا يستخفون بكرامتهم القومية ولا يمسونها بسوء، بل الذى يهمهم قبل كل شئ ان لا تنتهك حرمة لأحد من أهالى البلاد التى قد تولوا أمرها، ولايصاب أحد منهم في ماله، ولا يحرم حقا من حقوقه المشروعة، ولا تنشأ فيهم رذيلة من الرذائل الخلقية ولا تبقى فيهم المظلمة الجتماعية في أى شكل من الأشكال، وبالعكس من ذلك فكلما احتجز الفريق المخالف بقعة من بقاع الأرض، ارتفعت شكوى سكانها من مظالمه واعتداءاته، ونادت بالويل والثبور. ولك ان تتمثل بنفسك مبلغ ما يحدث في مثل هذه الحرب من الفرق العظيم بالنسبة الى الحروب والمعارك القومية، ولا بد أن تهزم الانسانية السامية في مثل هذه الحرب على قلة وسائلها وأسبابها المادية همجية أعدائها المحصنة بالحديد والمدججة بآلات الدمار والهلاك، وأن تغلب أسلحة الأخلاق الفاضلة المدافع والقنابل، وان ينقلب الأعداء أصدقاء في عين الوقت الذى يكون وطيس الحرب فيه حاميا مضطرما وان تنهزم القلوب وتنفتح قبل الاجساد، وأن تدخل الاقطار تلو الأقطر في حوزة ملكها بدون أدنى مشاكسة أو محاربة، وان هذه الفئة الصالحة عندما تقوم بأمرها وتشمر عن ساق الجد في تحقيق مهمتها بعدد قليل من رجالها، ونزر يسير من عتادها، فلن تزال تحرز وتستكمل شيئا فشيئا كل ما تحتاج اليه من القواد والجنود والحذاق المهرة في فنون الحرب، وكذلك الأسلحة والذخائر وأدوات الحرب من معسكرات الأعداء وثكناتهم أنفسهم.

وانى لا اقول كل ذلك بناء على مجرد الحدس والتخمين. بل انكم اذا اجلتم النظر في عهد النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، تجلى لكم بدون أدنى شك ولا ارتياب ان هذا كله قد وقع وشهد عليه التاريخ من قبل ويمكن ان يتحقق اليوم بشرط أن ينبرى لهذه التجربة رجال فيهم الجراءة والحمية والحماسة الكافية.

لعلكم قد أدركتم مما تقدم من البيان ان منشأ القوة ونبعها الأصلى هو القوة الخلقية. وان كان في الأرض اليوم فئة منظمة متصفة بالأخلاق الاسلامية والأخلاق الأساسية كلتيهما، فمن المستحيل عقلا والمتعذر طبعا أن تتمتع بسيادة الأرض وتتمسك بأزمة أمورها فئة غير هذه الفئة. وكذلك أراك قد فطنت لما هو السبب الجوهرى لتأخر المسلمين وانحطاطهم في العالم اليوم. ومن الظاهر البين أنه لا يمكن أن تبقى متمتعة بسيادة الأرض وزعامتها وقيادتها أمة لا تستخدم الوسائل المادية ولا الوسائل الأساسية، ولا تتزين بالأخلاق الأساسية، ولا توجد فيها بصفة جماعية الأخلاق الاسلامية. ومن مقتضى السنة الالهية التى لا تتبدل ولا تتغير أن تؤثر فيهم أمم كافرة قد أثبتت ولا تزال تثبت أنفسها أكثر كفاءة منها في الأخلاق الأساسية واستخدام الوسائل المادية لادارة شؤون الأرض وتسيير دفتها وان كانت مجردة عن الأخلاق الاسلامية. فان كان في نفوس المسلمين شئ من الملل والضجر من هذه الحال فليلوموا أنفسهم لا سنة الله، وليكن من نتيجة ذلك أن يفكروا ويجتهدوا في تدارك ذلك النقص الذى قد أخرهم ونحاهم عن قيادة الأرض وجعلهم مطية ذلولا لكل قاهر مستبد.

٭ ٭ ٭

أربع مراتب للأخلاق الاسلاميّة

وهذا الذى نعبر عنه بالأخلاق الاسلامية، يشتمل بموجب القرأن والسنة على أربع مراتب هى: الايمان والاسلام والتقوى والاحسان. وهى كلها مرتبة ترتيبا فطريا بحيث ان كل تالية منها تتولد من سابقتها ولا تؤسس الا عليها. فما دامت الطبقة الأولى منها غير محكمة متقنة، لا يكاد يخطر بالبال ان تبنى عليها الطبقة الثانية. فالايمان بمنزلة الأساس في هذا البناء، وهو الذى تقوم عليه طبقة الاسلام، ثم تشد على طبقة الاسلام طبقة التقوى فطبقة الاحسان. والذى يبدو من ذلك أنه ما دام الايمان – وهو أساس الاسلام والتقوى والاحسان، كما عرفت – منعدما، لا يمكن وجود الاسلام أو التقوى أو الاحسان بوجه من الوجوه. وكذلك ما دام الايمان ضعيفا متزعزعا، يستحيل أن يشيد عليه أى بناء من الأبنية، وان شيد فلا يخلوا من أن يكون ضعيفا متزعزع الأركان متداعى القواعد والأسس . وكذلك اذا كان الايمان ضيقا محدودا فلا بد للاسلام والتقوى والاحسان جميعا أن تحد بحدوده ولا تعدوه ابداً. فما دام الايمان غير صحيح محكم واسع الاكناف والجوانب، لا يكاد يخطر ببال رجل له شئ من الالمام بالدين ان يشيد عليه بناء الاسلام أو التقوى، أو الاحسان، وكذلك مما لا بد منه ان يهتم باصلاح الاسلام واتقانه وتوسيعه قبل التقوى، وباصلاح التقوى واتقانه وتوسيعه قبل الاحسان ولكن كثيرا ما نشهد الناس اليوم قد نسوا هذا الترتيب الفطرى ولا يأبهون له فيشرعون في تشييد صرح التقوى والاحسان قبل ان يوطدوا لها أسس الايمان والاسلام، وأشد من ذلك مبعثا للأسى والأسف ان الناس قد رسخ في أذهانهم تصور محدود للايمان والاسلام، فيزعمون أنهم يستكملون تقواهم ويبلغون أعلى درجاته اذا أفرغوا هندامهم وزيهم وجلوسهم وقيامهم وأكلهم وشربهم وما اليها من الأعمال الظاهرة الأخرى في قالب معين، ثم يفوزون بأعلى درجات الاحسان اذا اختاروا لأنفسهم قدرا معينا من النوافل والأذكار والأوراد وغيرها من الأعمال المستحبة شرعا. ولكن كثيرا ما تشهدون في حياة هؤلاء المتقين المحسنين بزعمهم أمارات تشهد شهادة ناطقة بأنهم لم يؤسسوا بعد صرح الايمان على أساس متين محكم. فما دامت هذه الأخطاء باقية. فلا رجاء في نجاحنا في استكمال أدوات الأخلاق الاسلامية ابدا. فاذن لا بد من استكمال تصور المراتب الأربع: (الايمان والاسلام والتقوى والاحسان) وادراك ما فيها من ترتيب طبيعى فطرى.

الايمان:

فلنبدأ بالايمان الذى هو الأساس للحياة الاسلامية. ولايخفى على أحد أن الايمان عبارة عن الاقرار بالتوحيد والرسالة. فاذا ما أقر بهما المرء استوفى الشرط القانونى لدخول المرء في الاسلام وأصبح من عداد المؤمنين. فاذن يكون من حقه ان يعامل معاملة المسلمين. ولكن هل يكفيه هذا الاقرار المجرد – الذى لا يعدو استكمال أداة قانونية – في أن يشيد على أساسه صرح الحياة الاسلامية بطبقاته الثلاث الباقية؟ ومن دواعى الأسف وبواعث الأسى الشديد أن الناس لايفهمون الأمر الا كذلك، ولأجل ذلك كلما رأوا هذا الاقرار المجرد موجودا شرعوا في تشييد صرح الاسلام العملى، وكذلك التقوى والاحسان الذى لا ينهض ولا يطول على هذا الأساس الواهى الا ليسقط وينهار. أما الحياة الاسلامية الكاملة فلابد لابرزها وتشييد صرحها أن يكون الايمان شاملا محيطا بجميع جوانبه، راسخا بعيد الغور في تأصل جذوره. فأى شعبة تفوت من شعبه التفصيلية الواسعة تبقى لك الشعبة نفسها في الحياة الاسلامية ناقصة البناء، وحيثما يبقى الضعف في رسوخ الايمان وبعد غوره، يبقى بناء الحياة الاسلامية في الموضع نفسه عرضة للضعف والوهن والانهيار.

وخذوا لذلك الايمان بالله مثلا، وهو رأس الدين واللبنة الأولى من أساسه فسوف تجدون أنه كلما جاوز الاقرار بالله صورته العادية وتناولته التفاصيل، ظهر بمظاهر مختلفة لا تحصى ، فلا يبدو عند طائفة من الناس الاقرار بأن الله تعالى له وجود وهو خالق هذا الكون ولا شريك له في ذاته، وعند طائفة أخري ينكمش نطاقه وينحصر في أن الله هو الهنا معلينا بعبادته. وعند طائفة أخرى تحد صفات الله تعالى وحقوقه تصرفاته – على وسعها ورحبتها – بأنه عالم الغيب والشهادة، السميع البصير، مجيب الدعوات وقاضى الحاجات ولا شريك له في استحقاقه لجميع الصور الجزئية للعبودية، وان كتابه هو المرجع الأخير في جميع الشؤون الدينية على حسب مصطلحتهم المحدود. ومما لا مجال فيه للريب ان هذه التصورات المختلفة لا يمكن أن يتكون بها منهج ونظام للحياة واحد بعينه، بل كلما كان التصور ضيقا محدودا كانت الصبغة الاسلامية في الحياة العملية والأخلاق أيصا محدودة، حتى أنكم ترون أن الذين قد بلغ عندهم الايمان بالله الى أقصى غاياته حسب التصورات الدينية الشائعة، لا يعدو في نظرهم نطاق الحياة الاسلامية أن يجمعوا بين طاعة الله تعالى وبين الاذعان والتذلل للطواغيت ، أو أن يضموا نظام الكفر الى نظام الاسلام حتى يحصل منها مركب جديد يجدون فيه كل ما تشتهيه أنفسهم.

وكذلك يختلف مقياس رسوخ الايمان بالله وبعد غوره باختلاف الناس. فمنهم من لا يرضى ولو ببذل شئ حقير مما يعز عليه في سبيل الله مع اقراره وايمانه به. ومنهم من يكون الله تعالى أحب اليه من بعض ما عنده من الأشياء، كما تكون بعض الأشياء الأخرى أحب اليه من الله. ومنهم من يشرى في سبيل الله حتى نفسه وماله، ولكن يعز عليه التضحية بأفكاره وأرائه الخاصة أو سمعته التى قد نالها بين الناس. فهذه هى المقادير والمقاييس المحكمة التى يتعين بالنسبة اليها استقامة الحياة الاسلامية وتزلزل أمرها. وهكذا يخون الانسان أخلاقه الاسلامية في نفس الموضع الذى يكون فيه بيان الايمان ضعيفا واهنا.

فالحق أنه لا يمكن أن ينهض صرح الحياة الاسلامية الكاملة الخالصة الا على دعائم ذلك الاقرار بالتوحيد الذى يحيط بجميع نواحى الحياة الانسانية، الفردية والجماعية، والذى يحسب الانسان موجبه أنه هو وكل مابيده من شئ ملك لله ويرى أن الله هو الماللك الشرعى الحقيقى له وللعالم كله، المعبود المطاع وله الأمر والنهى وأن لا ينبوع للهداية الا هو، وتطمئن نفسه بكل شعور الى أن الانحراف عن طاعة الله أو الاستغناء عن هدايته أو اشراك غيره به في ذاته وصفاته وحقوقه وتصرفاته ان هو الا امعان في الضلالة من أى ناحية جاء أو في أى لون كان. ثم ان هذا البناء – بناء الايمان بالله – لا يمكن توطيد دعائمه الا اذا رأى المرء في باطن أمره رأيا جازما، وقطع على نفسه بشعور كامل وارادة قوية أنه هو وكل ما بيده ملك لله وراجع الى مرضاته، وقضى على ما في نفسه من مقياس للرضا والسخط وجعله مذعنا لرضا الرب تعالى وسخطه، ونفى عن نفسه الأثرة والكبرياء، وصاغ نظريته وأفكاره وأراءه وميوله ونزعاته ومنهاج تفكيره في قالب ذلك العلم الذى قد انزله الله تعالى في كتابه العزيز وخلع عن عنقه ربقة جميع أنواع الولاء الذى لا يذعن لطاعة الله، بل يمكن أن يقف في وجهها، ومكن محبة الله تعالى ومودته من سويداء قلبه، ونفى عن أعماق فؤاده كل صنم يطالبه باجلاله وأكباره أكثر من الله تعالى، وأدغم حبه وبغضه وصداقته وعداوته ورغبته ونفوره وصلحه وحربه .. الخ في مرضاته تعالى حيث لا ترضى نفسه الا بما يرضى به الله تعالى، ولا تكره الا ما يكرهه الله تعالى. فهذه هى مرتبة الايمان بالله الحقيقة وغايته المرموقة، ومما لا خفاء فيه انه ما دام ((الايمان)) ناقصا محدودا في سعته وشموله ونضجه واستحكامه من هذه الوجوه، فانى يمكن وجود التقوى والاحسان؟ وهل تسد هذا الخلل وتتداركه المبالغة في اعفاء اللحى أو هيئة الازياء أو عملية السبحات أو قيام الليالى؟

ولكم أن تقيسوا على ذلك الايمان بالنبوة والكتاب واليوم الأخر... الخ. فانه لا يكمل الايمان بالنبوة الا اذا آمن المرء بالرسول قائدا له مرشدا يهتدى بهدية ويتأسى بأسوته في كل شؤون الحياة، ورفض سائر الطاعات والارشادات والهدايات التى تخالف هدية أو تستغنى عنه. وكذلك يبقى الايمان بالكتاب ناقصا ما دامت في القلب شائبة من شوائب الطمأنينة بهيمنة أصول ومبادئ للحياة غير التى جاء بها كتاب الله تعالى، أو كان القلب والروح ينقصها القلق على عدم اتباع الدنيا لما أنزل الله واتخاذها أياه نظاما لحياتها. وكذلك لا يكمل الايمان بالآخرة ما دامت نفس المرء لا ترضى بايثار الآخرة على الدنيا ورفض القيم الدنيوية بازاء القيم الأخروية، ولا يقلقه الشعور بالمسؤولية الأخروية عند كل خطوة يخطوها في الحياة الدنيا. فحيثما كانت هذه الأسس والدعائم منعدمة فأنى للحياة الاسلامية الشاملة أن يشيد بناؤها هنالك؟ فلما حسب الناس انه من الممكن أن يشيد صرح الأخلاق الاسلامية بدون توسعة هذه الدعائم واكمالها اتقانها وارساخها، آل بهم الأمر الى انك تجد اليوم باب التقوى والاحسان ومراتبهما العالية نفتوحا على مصراعيه حتى في وجوه القضاة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، والمحامين الذين يتخاصمون على أسس القوانين غير الشرعية، والعمال الذين يتخامصون على أسس القوانين غير الشرعية، والعمال الذين يدبرون شؤون الحياة الانسانية تحت نظام الكفر والاحاد، والزعماء والقواد الذين يتسابقون ويتنافرون في ما بينهم ليشكلوا الحياة البشرية ويؤسسوها على أصول المدنية والسياسة الكافرة. فهؤلاء القوم كلهم يعدون من المتقين المحسنين اذا اهتموا بافراغ ظواهر حياتهم وملامحهم في قالب معين، وعودوا أنفسهم قدرا معلوما من النوافل والاذكار والاوراد.

الاسلام:

فدعائم الايمان وأسسه التى ذكرتها لك آنفا، اذا تأصلت وتكملت وأخذت في الأرض مكانها اللائق بها، ينهض عليها بناء الاسلام الذى هو ثانى مدراج الأخلاق الاسلامية، كما عرفت مما تقدم. فما الاسلام الا عبارة عن ظهور الايمان في صورة العمل. فعلاقة الايمان بالاسلام كعلاقة البذر بالشجرة. فلا يظهر بالشجرة الا كل ما يكون في البذر، حتى انك اذا اختبرت الشجرة عرفت ما كان وما لم يكن في بذرها. فكما انه لا يكاد يمر بخلدك أن تنبت الشجرة وتبسق اغصانها من غير أن يبذر لها البذر في الأرض. أو تأبى الشجرة أن تنبت وتؤتى ثمارها وان بذر لها البذر في أرض طيبة غير مجدبة، فهذا ما بين الايمان والاسلام بعينه. فحيثما كان الايمان، كان لزما أن يظهر في حياة الانسان العلمية وأخلاقه ومعاملاته للناس وقطعه أو وصله للأرحام واتجاه سعيه وكفاحه وميل طبعه وذوقه ومصرف أوقاته وقواه وكفاءته الى غير ذلك من كل جزء من سائر مظاهر حياته. واذا وجدت ناحية من هذه النواحى يظهر فيها شئ غير الاسلام، فاعرف ان الايمان لا يوجد في تلك الناحية، وان وجد، فلا قوة فيه ولا حياة. واذا كانت الحياة العلمية تجرى بقضها وقضيضها في مجرى غير اسلامى، فاعلم ان القلب خلو من الايمان أو قد بلغت الارض في جدبها وقحلها الى حد بعيد حتى لا يكاد بذر الايمان يؤتى فيها ثماره. فالذى أعتقده وأجزم به، بعدما قدر لى الله تعالى من مطالعة الكتاب والسنة ودراستهما ما قدر، أنه من المستحيل وجود الايمان في القلب وعدم ظهوره بمظهر الاسلام في الأعمال.

وأرجوكم في هذا المقام أن تجردوا أذهانكم من تلك المباحثات التى قتلها بحثا الفقهاء والمتكلمون في باب الايمان والعمل وما بينهما من العلاقة، ولكم أن تفهموا هذه القضية وتحيطوا بها علما من كتاب الله رأسا. فالذى يظهر من القران الكريم واضحا جليا أن الايمان الاعتقادى والاسلام العملى متلازمان في ما بينهما، وقد قرن الله تعالى بينهما في غير موضع من كتابه العزيز، وأنه ما وعد بما وعد من حسن الجزاء والثواب الا عباده الذين هم مؤمنون اعتقادا ومسلمون عملا. ثم الذى يتراءى لك من هذه النظرة في القرأن أن الله تعالى كلما أخذ المنافقين بجرائرهم يقيم الحجة على قلة ايمانهم بأعمالهم السيئة، ويجعل الاسلام العملى هو الدليل على الايمان الحقيقى. غير أن الذى لا ريب فيه أن تفكير رجل من رجال الاسلام بحكم الشرع والقانون واخراجه من حظيرة الأمة المسلمة لا يتعلق بهذا المقام، فان الحاجة فيه الى الحيطة والتأنى شديدة جدا، ولست الآن بصدد أن أذكر لكم ذينك الايمان والاسلام اللذين تترتب عليهما الاحكام والقضايا الفقهية في هذه الدنيا، وانما أنا بصدد ذكر ذينك الايمان والاسلام اللذين ينفعان أو يضران صاحبهما عند الله يوم القيامة، وعليهما ترتب النتائج الأخروية. فانك اذا ضربت صفحا عن القانون المجرد، ونظرت بعين الحقيقة والواقع، وجدت أنه حيثما كان السقم في استسلام المرء لربه وتفويضه أمره اليه في أعماله، وحيثما كان رضا نفسه مجافيا لرضا الرب تعالى وحيثما كان على اشغال وأعمال غيرالسعى في سبيل اقامة الدين، وحيثما كانت جهوده ومساعيه تصرف في سبيل غير سبيل الله تعالى، كان ايمانه مصابا بالنقص والضعف. ومن الظاهر طبعا أنه لا يمكنه أن يشيد بناء التقوى والاحسان على أساس من الايمان والاسلام غير راسخة، ولو حاول أشد المحاولة في تشبيه ظاهر صورته وزيه بصور المتقين وأزيائهم والتمشى على أقدامهم في بعض أعملهم. فالصور الظاهرة الخلابة اذا كانت خالية من روح الحقيقة، فانما مثلها كمثل رجل بالغ الغاية في الجمال، أبقى جسده على الأرض في زى مزخرف مبرقش بعدما فارقته روحه. فان انخدعت بظاهر هذا الجسد الملقى على الأرض وعلقت به بعض أمالك، لا تلبث أن تنكشف لك الحقيقة وتبوء بالخيبة والخسران في أول اختبارك في عالم الواقع، فهناك تعلم علم اليقين ان رجلا دميما اذا كان حيا قويا خير من رجل بالغ الجمال والحسن اذا فارقته الروح. نعم! من اليسير عليك أن تخدع نفسك بالصور الظاهرة الخلابة، ولكنه لا يمكنك أن تترك بذلك أى أثر في عالم الواقع، أو تنال وزن قطمير في كفة ميزان الله تعالى يوم القيامة، فان كنت لا تنخدع بالظاهر ولا تريد الا ذينك التقوى والاحسان الحقيقيين اللذين ينفعانك في اعلاء كلمة الدين في الدنيا وترجيح كفة الخير في الأخرة، فاعلم علم اليقين أن طبقتى التقوى والاحسان العاليتين لا ترتفعان الا اذا كان أساس الايمان راسخا متأصلا وأصبح الاسلام العملى – أى الطاعة والنقياد لله عملا – دليلا ساطعا على رسوخه وتأصله.

التقوى:

ولكم أن تجتهدوا في فهم التقوى وادراك معناها قبل أن تتنالوا ذكر تفاصيلها. فما التقوى، في حقيقة الأمر، بعبارة عن زى مخصوص وهيئة معينة وطراز للمعيشة بعينه، وانما هى عبارة عن حال النفس التى تتكون وتتولد من خشية الله تعالى والشعور بالتبعة وتظهر وتتجلى في كل ناحية من نواحى الحياة ومظهر من مظاهرها. فالتقوى الحقيقية هى أن يكون قلب المرء مستنيرا بخشية الله والشعور بعبوديته، وأن يكون وعيه للقيام بين يدى ربه والمسؤولية أمامه يوم القيامة شديدا قويا، وان يدرك ادراكا تاما قويا أن ليست هذه الحياة الدنيا الا مضمارا لامتحانه حيث قد بعثه الله تعالى ومتعه الى حين من الزمن، ولا تنحصر القضية في مستقبله الدائم الا في شئ واحد وهو: كيف يستخدم قواه وكفاءاته المختلفة في هذا المضمار للامتحان وكيف يكون تصرفه في ما أوتى من المال والمتاع حسب المشيئة الربانية، وماذا يكون من معاملته للذين تتصل بهم حياته من مختلف الجهات؟ فكل من نشأ فيه هذا الحس وذلك الشعور، فقد تنبه ضميره وزاد شعوره الدينى جلاء وأصبح يحيك في قلبه كل ما لا يوافق حب الله تعالى، وصار يحاسب نفسه: ماذا ينشأ فيه من الميول والرغبات وفيم يقتل أوقاته ويصرف مواهبه وقواه من الأشغال، وأخذ يكف نفسه عن الواقع في المشتبهات فضلا عن المنكرات والمحظورات الصريحة الواضحة، وأجبره ما في نفسه من الشعور بالواجب على القيام بجميع الأوامر والوجبات بكل طاعة وامتثال، وأثرت فيه خشيته لله أبلغ تأثير، حتى لتكاد تتزلزل اقدامه عندما يخاف على نفسه من الاجتراء على حدود الله وأصبحت من ديدنه المحافظة على حقوق الله، وحقوق عباده في الأرض، ووجل قلبه من أن يأتى بشئ يخالف الحق والصدق.

وهذه الكيفية والحالة لا تظهر في حياة الانسان بصورة خاصة أو في نطاق للعمل ضيق محدود، بل هى تستولى على منهج فكرته وتتجلى في مجريات حياته بأسرها، وينشأ فيه بموجب تأثيرها من السيرة الحنيفية والخلق النزيه الطاهر ما لا يوجد فيه الا الصفاء والطهارة والنظافة بطراز مخصوص في جميع وجوهه المختلفة. أما الذين لم تكن كلمة ((التقوى)) عندهم الا عبارة عن اتباع المرء لبعض صور معينة ومواظبته على بعض طرق معلومة وافراغه ظاهره – بطرق متصنعة غير فطرية – في قالب مخصوص، فهناك تجدهم أشداء في المواظبة على صور التقوى هذه التى قد تمرنوا وراضوا عليها أنفسهم بغاية من الاجتهاد والكد والاهتمام، ولكن تجدهم في الوقت نفسه يظهر من نواحى حياتهم الأخرى من الأخلاق ومناهج التفكير وطراز العمل وطرق السعى والجد ما لا يلتئم ولا يتوافق مع مقتضيات الايمان البدائية فضلا عن مقام التقوى الأسمى. وهذا كما قال السيد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بلغته الخاصة: (( أيها القادة العميان الذين يغصون من العوضة ويبلعون الجمل.))<ref>انجيل متى 23 الآية 34.</ref>.

ولك أن تدرك هذا الفرق بين التقوى الحقيقة والمتصنعة بأن أضرب لك مثلا رجلين أحدهما يشعر بالنظافة والطهارة شعورا كليا، وفيه ذوق بالغ في الصفاء والزكاء فهو يكره نفس القذر ولو كان في أى نوع من أنواعه أو شكل من أشكاله، ويؤثر نفس الطهارة ويرغب فيها ولو لم يكن في وسعة الاحاطة بجميع مظاهرها.أفيستوى هو ومن ليس عنده أى شعور بالطهارة ولكن يحمل بيده فهرسا مطولا لأسماء طائفة من الأقذار والأدناس قد استنسخه من هنا أو هناك، فيتجنب تلك الأقذار والأدناس التى اندمجت في هذا الفهرس أشد تحنب، ولكنه متلوث بكثير من الأدناس المختلفة التى هى أشد وأغلظ من التى يتجنبها، بمجرد انها لم تندرج في هذا الفهرس من الأسباب.

وليس هذا الفرق الذى أنا بصدد بيانه لك في هذا المقام بفرق نظرى فحسب، بل انك لتراه ملموسا متجليا بعينى رأسك في حياة أولئك الذين طبقت سمعة ورعهم وتقواهم الآفاق، يبالغون في الاهتمام بالجزئيات الشرعية والمحافظة عليها حتى أنهم يفسقون كل من كان في لحيته شئ من القصر عن ذلك القدر المخصوص الذى قد عينوه لطول اللحية، ويتوعدون بدخول النار كل من اسبل ازاره الى أسفل من كعبيه قليلا، ويكادون يعدون الانحراف عن اتباع الأحكام الفرعية لمذهبهم الفقهى خروجا من دين الله. هذا في جانب، وبجانب أخر قد اسرفوا اسرافا شديدا في اغفالهم لأصول الدين وكلياته ومبادئه الأساسية، حتى لقد جعلوا حياة المسلمين بأسرها قائمة على الرخص الشرعية والمصالح السياسية واخترعوا من الحيل والمكائد لاعراضهم عن بذل شئ من جهودهم في سبيل اقامة الدين مالا يأتى عليه الاحصاء، والذي هم باذلون فيه جل همهم ومساعيهم أن يؤسموا للمسلمين خطة ((العيشة الاسلامية)) تحت غلبة الكفر وسيطرته واستيلاء نظامه، وهم الذين اقنعت زعامتهم وامامتهم عامة المسلمين بأنهم يستطيعون أن يعيشوا ((عيشة دينية)) في نطاق ضيق ويبرئوا ذمتهم من جميع مقتضيات الدين ولو كانوا مغلوبين على أمرهم تحت نظام غير اسلامى، بل ولو كانوا باذلين في سبيل خدمته مهجهم وأرواحهم وليس لهم وراء ذلك مطمح يجاهدون في سبيله ويسعون وراء تحقيقه. وأشد من ذلك وأدعى للبكاء والويل أنه اذا تجرأ أحد وعرض على هؤلاء القوم مقتضيات الدين الحقيقية وحاول لفت أنظارهم الى السعى في سبيل اقامة الدين، فانهم لا يقتصرون على أن يصعروا خدودهم ولا يعيروا لقوله شيئا من الاهتمام والعناية، بل لا يذرون شيئا من التعلات الا أتوا به ليتقاعسوا عن هذا السعى هم أنفسهم، ويصدوا عنه غيرهم من المسلمين، أو ليس من العجب العجاب أن كل ذلك لا يمس ورعوهم وتقواهم في قليل ولا كثير؟ ولا يكاد يشك أولو العقلية الدينية في كمال تقواهم أصلا؟ وكذلك لا يزال الفرق بين التقوى الحقيقية والمتصنعة يبدو في صور ومظاهر أخرى كثيرة أيضا ويسهل عليك ادراكه اذا كان التصور الجوهرى للتقوى واضحا غير مبهم في ذهنك.

ولايذهبن بكم سوء الظن بما قلت الى أننى أريد الاستخفاف بما نص عليه في الحديث النبوى من الآداب والأحكام التعلقة بالهيئة الظاهرة والزى والملبس وأداب المعيشة، ومعاذ الله أن أتجرأ على مثل هذا الرأى أو يخطر لى ذلك على بال. والذى أريد القاءه في روعكم ان ملاك الامر وجوهره هو حقيقة التقوى لا مظاهرها الملموسة هذه. فكل من نشأت وتأصلت في قلبه حقيقة التقوى فقد اصطبغت حياته كلها بصبغة من الحنيفية والاستقامة وأصبحت حياة اسلامية خالصة، ولا يزال الاسلام بشموله الأتم يبدو ويتجلى شيئا فشيئا في أفكاره وعواطفه وميوله وذوقه الشخصى وانقسام أوقاته ومصارف مواهبه وطرق سعيه وكفاحه ومنهاج عشيته وكسبه وانفاقه وما اليها من نواحى حياته الدينوية الأخرى. أما اذا عكستم الأمر وأثرتم المظاهر على الحقيقة وبالغتم في العناية بها فوق ما تستحقه، وأبيتم الا الامثال لبعض الأحكام والأوامر الظاهرية بطريقة غير فطرية من غير ان تلقوا في الأرض بذرا للتقوى الحقيقية وتتعهدوه بالسقى، فلن تبوءوا الا بالنتائج نفسها التى ذكرتها لكم أنفا. ففى الصورة الأولى يحتاج المرء الى غاية من الصبر والاناة والتريث، فان النتائج فيها تتدرج في النماء وتتأخر الى مدة من الزمن. وذلك كما تشاهدون في بذرة تلقونها في الأرض، فان الشجرة التى تنبت منها لا تكبر وتتكمل وتؤتى ثمارها وأزهارها في يوم أو يومين، بل يمضى عليها ما يمضى من السنين الطوال العديدة. فلذا يمل هذه الصورة ويشمئزمنها الذين في طبعهم النزق والاستعجال. أما في الصورة الثانية، فان النتائج لا تلبث أن تتمثل أمام أعينكم بكل سرعة وبكل سهولة. وذلك كما تنصبون في الارض قطعة من الخشب تشبه الشجرة في هيئتها وصورتها وتعلقون بها من الأوراق والأزهار والأثمار ما يجملها في أعين الناظرين . ومن ثم تجدون هذه العملية الثانية اليوم أكثر رواجا وأنفق سوقا من الأولى في الأندية والمحافل. ولكن الحق أن الآما ل والأمانى التى تحققها شجرة فطرية لا يمكن أن يأتى ولا عشر معشارها من مثل هذه الأشجار المتصنعة.

الاحسان:

هذا، وهيا بنا الأن لنتناول في الختام ((الاحسان)) فانه أعلى طبقات الاسلام وارفعها كما عرفتم. فالاحسان في الحقيقة، هو عبارة عما يجعل المرء متفانيا في الاسلام من صلة قلبية بالله ورسوله وحب متأصل ووفاء صادق وبذل للمهج وتضحية بالنفوس والنفائس. فتصور التقوى الأساسى هو خشية الله وخوفه، وهو الذى يستحث المرء على اتقاء سخطه. وأما الاحسان فتصوره الأساسى هو حب الله الذى يحمل المرء ويحضه على ابتغاء مرضاته. ولكم أن تدركوا ما بين التقوى والاحسان من الفرق بأن أضرب لكم مثلا موظفى حكومة من الحكومات. فمنهم من يقومون باداء ما يلقى اليهم من الوجبات بكل شعور بالتبعة واجهاد النفس ويواظبون على جميع ضوابط الحكومة وقواعدها ولا يأتون بشئ يخالف مصلحة من مصاحها ويجلب عليهم اعتراضها. وبازائهم طبقة أخرى من المخلصين الصادقين الأوفياء الذين ينتصرون للحكومة بأنفسهم وأموالهم ولا يقتصرون على أداء ما يلقى عليهم من الوجبات، بل لا يزالون يجيلون تفكيرهم ويصرفون همتهم في ايجاد طرق ومنهاج للعمل يرقون بها صالح الحكومة، ويعلون بها كلتمها، فيعملون ويجتهدون بموجب هذه النزعة أكثر مما يطالبون به. وكلما يرون شيئا يهدد سلامة الحكومة، يضحون في سبيل الدفاع عن كيانها بما في وسعهم من الأنفس والأموال والأولاد. وكلما يجدون القانون تنقض قواعده يشعرون بألمه في صدورهم. وكلما يشمون رائحة للغدر يقلق بالهم ولا يدخرون ما في وسعهم من المهج والأرواح في اطفاء شعلته واجتثاث جذوره من الأرض. وانما يكون يكون أحلى أمانيهم، وهم في سبيله يسعون، أن تكون دولتهم مرهوبة المقام مرفوعة الرأس من بين دول العالم كلها، ولا يبقى صقع من اصقاعها الا ويكون علم دولتهم مرفوعا في أجوائه. فهؤلاء هم محسنون للحكومة وأولئك متقون لها. ولاشك أن المتقين يرفعون درجات وتدرج اسماؤهم في جدول اسماء الموظفين الأوفياء للحكومة، الا أن المحسنين هم الذين ينعمون بأعلى الدرجات التى لا تتطلع اليها اعناق المتقين ولاغيرهم. ولكم أن تقيسوا على ذلك المتقين والمحسنين في الاسلام. فالمتحلون بالتقوى، وان كانوا رجالا يوثق بهم ويعتمد عليهم، ولكن قوة الاسلام وحيوته الجوهرية انما تتجمع وترتكز في المحسنين وحدهم، ولا ينهض بالمهمة التى يريدها الاسلام في هذا العالم الا هذه الطبقة من المحسنين وحدها.

فاذا كنتم قد أدركتم حقيقة الاحسان هذه، فتفكروا في شأن أولئك الذين يرون بأم أعينهم ان دين الله قد رزئ وغلب على أمره بيد الكفر وأهله، وان حدود الله ما انتهكت واعتدى عليها فحسب، بل يشاهدون أنها تكاد تنعدم من الوجود لأجل غلبة الكفر، وان شريعة الله قد أهملت ونبذت وراء الظهور لا عملا فقط بل بموجب القانون أيضا، وان أرض الله قد اعتلت فيها كلمة أعداء الله، ويشاهدون أن المجتمع الانسانى العام قد دب دبيب الفساد في أخلاقه ومدنيته بموجب غلبة نظام الكفر، بل الأمة الاسلامية نفسها قد رزئت ولا تزال تزرأ بكثير من الضلالات الخلقية والعلمية بغاية من السرعة والشدة، -- يرون كل ذلك ويحسونه بين كل أونة وأخرى – ولكن لا تكاد تتنغص عليهم حياتهم، ولا يكاد ينبض بهم عرق الغيرة حتى يقوموا للعمل على أن يستبدلوا حياة صالحة راشدة بهذه الحالة المخجلة الحاضرة. بل الأمر انهم بالعكس من ذلك يسعون دائما ويتخدمون كل ما أتوا من الذكاء والفطنة في اقناع عامة المسلمين – مبدأ وعملا-- بغلبة نظام الكفر وسيطرته عليهم. فكيف يمكن أن يعد أمثال هؤلاء من طبقة المحسنين، وكيف يمكن لهم أن يتمتعوا بمرتبة الاحسان العليا مع هذا التهاون العظيم في أمر الله، ويظلوا مستمتعين بمجرد أنهم يقومون الليالى ويؤدون صلاة الضحى ويصرفون أعمارهم في الاذكار والأوراد والرياضيات الصوفية ويلقون دروسا للقرآن والحديث ويبالغون في الاهتمام بفروع الفقه والسنن غير المهمة ويدربون أتباعهم في زواياهم التى بنوها لتزكية النفس على فن التدين الذى ان كان يشتمل على لطائف الحديث والفقه والتصوف ونكاتها، فانه لا يشتمل على لباب الدين واعلاء كلمة الحق.

وهذا الفرق بين الوفى الناصح والعدو الغادر لا تكاد تخلو منه حتى ولا عامة الدول والأمم الدنيوية في الأرض فان قامت، مثلا، في بقعة من بقاع الدولة طائفة من الناس خارجة عليها أو تسلط عليها العدو من الخارج، فالذين يستجيزون سلطة الأعداء والغادرين أو يطمئون اليها اطمئنانا ويصالحونهم على شروط تنم على ذلتهم واستكانتهم أو يشكلون تحت اشرفهم نظاما للبلاد لا تكون أزمة الأمور وخزائن البلاد الا بأيدى هؤلاء الأعداء ويقتنعون في أنفسهم بجانب من الحقوق والتصرفات الجزئية، لا تجد دولة من دول الأرض أو أمة من أمهها تعد أمثال هؤلاء الأعداد الذين يميلون الى العدو ويجنحون له، من رجالها المخلصين الأمناء الصادقين، ولو كانوا بالغين أقصى الغاية في التشدد بزيهم القومى واتباع قانونهم القومى في شؤونهم الجزئية. وها هى البلاد التى خرجت من حوزة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ماثلة أمامكم ناطقة بصحة ما قررت. أفرأيتم بماذا يعامل فيها الآن أولئكم الاقوام مكن أهلها الذين مدوا الى ألمانيا يد المصالحة والتعاون عندما استولت على بلادهم؟ فهولاء الأمم والدول الغربية اللادينية ليس عندها الا مقياس واحد لاختبار الوفاء والاخلاص، وهو مزاحمة الرجل لسلطة العدو في بلاده وعمله في سبيل القضاء عليها وبذله الجهد المستطاع في ارجاع تلك السلطة التى هو مدعى الوفاء بها. أفمن حسبانكم اذن أن الله تعالى أقل من رجال الدنيا – الناقصى العقل والبصيرة – تمييزا بين أوليائه وأعدائه. أفتراه ينخدع بطول اللحى وعمليات السبحات والأشغال. والأوراد والوظائف والتطوعات والمراقبات وما اليها من الأعمال الأخرى ويعدكم من أوليائه؟

أمثلة لسوء التفاهم في هذا الباب وازالتها:

سادتى الكرام! الآن، وأكاد أن أنتهى من كلمتى هذه، أريد أن أبين لكم شيئا واحدا مهما. وهو أنه قد سيطرت على أذهان عامة المسلمين اليوم أهمية الفروع والظواهر بسبب كثير من التصورات والنظريات الخاطئة الضيقة حتى أصبحوا لا يكادون يبرحون هذه المسائل التافهة والظواهر السفسافة مهما بذلتم من جهودكم وحاولتم بكل وسيلة لفت أنظارهم الى أصول الدين وكلياته وجوهر التدين والخلق الاسلامى الحقيقى، فكأنهم قد جعلوا هذه الفروع والمسائل الجزئية أصلا لدينهم وأساسا يشيدون عليه بنيانه، وهذا الوباء الشامل نرى كثيرا من أعضاء جماعتنا وأنصار دعوتها قد تأثروا به بعض التأثر. وقد استنفدت كل جهدى في ما مضى في افهامهم وتلقينهم حقيقة الدين وما فيه لمثل هذه الأمور من أهمية وما يستحق التقديم وما يستحق الـتأخير من تعاليمه المتشعبة. وكذلك قد بلغنى أن من الناس من يرون ان الجماعة ينقصها ذلك الشئ الذى يعبرون عنه ((بالروحانية)) على حين انهم لا يكادون يحددون بأنفسهم ما يريدون بتلك الكلمة من معنى. ومن ثم يرون أن يختاروا من الغاية ومنهاج السير اليها نفس ما اختارته الجماعة نفسها، ثم يرجعون لتزكية النفوس وتربية الروحانية الى الزوايا. والذى تنم عنه هذه الأفكار والآراء ضرورة أنه لم يتضح بعد في الناس فهم الدين وادراك تعاليمه بالرغم مما بذلناه لهذا الغرض من الجهود المتتابعة. وها قد بينت لكم أنفا ((الايمان والاسلام والتقوى والاحسان)) فان كنتم ترون في هذه الكلمة شيئا اختلقته من تلقاء نفسى معرضا عما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، فلكم أن تنبهونى عليه وتهدونى عليه الى الصواب في أمره. وأما اذا كنتم تسلمون وتعترفون أن كل ما بينت من حقيقة هذه الكلمات الأربع هو موافق لما جاء في الكتاب والسنة، فتفكروا هل يمكن أن توجد تلك الروحانية التى أنتم في صدد البحث عنها في أماكن لم تتحقق فيها مقتضيات الدين، ولم تتأصل فيها جذور التقوى والاحسان؟ أما فروع الشرع التى تعدونها من مطالب الدين الأولية، فأرى أن أكرر لكم بيان منزلتها الحقيقية في الدين بشئ من الايضاح والتفصيل، حتى أتبرأ مما ألقى على كاهلى من تبعة البلاغ الثقيلة.

ولكم أن تتفكروا قبل كل شئ لماذا ولأى غرض أرسل الله تعالى وأنبياءه الى هذه الدنيا؟ وأشئ كان ينقص الدنيا حتى بعثهم لايجاده فيها؟ وماذا كان فيها من فساد وأرسلهم لرفعه والقضاء عليه؟ أفكان ذلك أن الناس ما كانوا يعفون لحاهم، فأرسل الله تعالى رسله لدعوة الناس الى اعفائها؟ أم كانوا يسبلون أزرهم فأمر الله أنبياءه أن يدعوا الناس الى الكف عن ذلك، أم لم تكن هذه السنن التى تهتمون بها أشد اهتمام، جارية في الأرض، فجاءت الرسل لاجرائها وترغيب الناس فيها؟ ولعمرى انكم اذا تأملتم في هذه المسائل، شهدت لكم قلوبكم شهادة ناطقة انه لم تكن مفاسد الدنيا وسيئاتها من هذا القبيل، وما كان بعث الرسل لغرض من هذه الأغراض. فاذا لم يكن الأمر كذلك، فتفكروا من أى نوع كانت تلك المفاسد والمنكرات التى كانت الدنيا مبتلية بها فجاءت الرسل لازالتها واجتثاث جذورها، وماذا كانت تلك الحسنات التى كانت دعوة الانبياء الى اقامتها وتحلية الحياة البشرية بمقتضياتها؟ أفيسعكم أن تجيبوا على كل ذلك الا بأن المفاسد والمنكرات الحقيقية التى كانت شائعة في الدنيا، فجاءت الرسل والأنبياء لتقليص ظلها والقضاء عليها: انما كانت: انحراف الناس من عبودية الرب تعالى وطاعته، واتباعهم للقوانين والأصول الوضعية وعدم شعورهم بمسؤوليتهم بين يدى الله تعالى يوم القيامة؟ فمنها نجم قرن الأخلاق الفاسدة، وراجت في حياة العباد الأصول الخاطئة المضلة وطبق الفساد مشارق الأرض ومغاربها. ثم كان الغرض من بعث الرسل وارسال الأنبياء أن ينشأ في الناس الشعور بعبوديتهم وولايتهم لله ومسؤوليتهم بين يديه يوم القيامة، وترقى الأخلاق الفاضلة ويقام نظام الحياة الانسانية على تلك الأصول والدعائم التى بها ينمو وينهض الخير والصلاح ويتقلص ظل الشر والفساد وتنتكس رايتهما؟ فانما كان هذا هو الغرض الوحيد من بعث الرسل والأنبياء، وللدعوة اليه جاء أخيرا خاتمهم وسيدهم وسيد البشر أجمعين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

ثم انظروا قليلا في ما تحرى النبى صلى الله عليه وسلم من الترج والترتيب للبلوغ الى هذه الغاية؟ فقد قام بدعوة الناس – أولا وقبل كل شئ-- الى الايمان وأحكمه في قلوبهم وأتقنه على أوسع القواعد وأرحبها، ثم نشأ في الذين آمنوا تعليمه وتربيته طبقا لمقتضيات هذا الايمان تدرجا، فنشأهم على الطاعة العلمية – أى الاسلام – والطهارة الخلقية – أى التقوى – وحب الله والولاء له – أى الا حسان – ثم شرع بسعى هؤلاء المومنين المخلصين المنظم المتواصل في تحطيم النظام الفاسد للجاهلية القديمة واستبدال نظام صالح به، قام على القواعد الخلقية والمدنية المقتبسة من القانون الالهى المنزل من الرب تعالى. ثم لما أصبح هؤلاء الذين الذين أمنوا به ولبوا دعوته من كل وجهة -- بقلوبهم وأذهانهم ونفوسهم وأخلاقهم وأفكارهم وأعمالهم – مسلمين متقين محسنين بالمعنى الحقيقى وانصرفوا بأنفسهم الى ذلك العمل الذى ينبغى لعباد الله المخلصين الأوفياء أن ينصرفوا اليه -- اذن وبعد كل ذلك أخذ النبى صلى الله عليه وسلم يرشدهم الى ما يزين حياة المتقين المحسنين من الآداب والعادات المهذبة في الهيئة والملبس والمأكل والمشرب والمعيشة والقيام والجلوس وما الى ذلك من الشؤون الظاهرة الأخرى. وكأننى به فتت الذهب ونقاه من الأوساخ والأقذار أولا، ثم طبع عليه بطابع الدينار، ودرب المقاتلين أولا ثم كساهم زى القتال. وهذ هو التدرج الصحيح المرضى عند الله في هذا الباب كما يبدو لكل من تأمل القرآن والحديث وتبصر فيهما. فان كانت كلمة اتباع السنة النبوية عبارة عن اختيار المرء خطة العمل التى كان قد اختارها النبى صلى الله عليه وسلم تحت الهداية الربانية اكمالا لمشيئة الرب تعالى وتبرئة لزمته من مقتضيات العبودية، فليس من السنة في شئ أن تكسوا ملابس المتقين وتحاولوا افراغهم في قالبهم الظاهرى المتصنع حتى يتشبهوا بهم في بعض أعمالهم الرائجة الشهيرة المرغوب فيها بين عامة الناس من غير أن تخلقوهم بأخلاق المؤمنين والمسلمين والمتقين والمحسنين وتحلوهم بصفاتهم الحقيقية. من الغش والخداع أن تضربوا على قطعات من النحاس والرصاص بطوابع الدينار وتنفقوها في السوق، أو تكسوا الناس ملابس الجنود وتبوؤوهم مقاعد للقتال في ساحة الحرب من غير أن تدربوهم على صفات البسالة والشجاعة والوفاء والايثار والتضحية. فمن نتائج هذا الغش والخداع انه لا تروج اليوم دنانيركم الزائفة في أسواق العالم ولا يرجع اليكم جنودكم المموهون بشئ من الظفر والانتصار في ميدان الحرب. أفتعلمون أى شئ هو أعلى قدرا وأرفع منزلة عند الله، فلتفرضوا أن لديكم رجلا يؤمن بالله ايمانا صادقا، ويشعر بالمسؤولية شعورا تاما ويحافظ على حدود الله أشد محافظة ويؤدى كل ما عليه من واجب الولاء لله والاخلاص والتضحية في سبيله، الا أنه ناقص الحظ في زيه الظاهر وأحط كعبا في الآداب الظاهرة، فاقل مايكون له منزلة عند الله انه خادم وفى صالح ولكن فيه بعض من سوء الأدب، وربما لا يتمكن بسبب ذلك من نيل المراتب العالية والدرجات الرفيعة عنده. ولكن هل تحسبون مع قلة عنايته بالزى الظاهر ان الله ربه وسيده يحيف عليه ويبخسه الأجر على هذا الولاء والاخلاص والتضحية ويصليه النار بمجرد أنه لم يكن جميل الهيئة حسن الآداب؟ ثم أفرضوا أن لديكم رجلا أخر قد بلغ الغاية في الاهتمام بزيه الجميل الشرعى ويراعى أشد الرعاية في التزامه بالآداب الشرعية، ولكنه ناقص الحظ في ولائه لله وشعوره بالتبعية وغيرته على الايمان، فماذا يكون من تقدير الله لهذا الكمال الظاهر مع هذا التفريط العظيم والنقص البالغ؟ وليست هذه بمسالة من المسائل القانونية المعضلة نحتاج لحلها والوقوف عليها الى تصفح الكتب الضخمة، وانما يعلم كل فرد من أفراد البشر بفضل عقله السليم أى هذين الأمرين يستحق القدر والاجلال عند الله؟ حتى ان الذين لم يؤتوا الا قليلا من العقل وملكة التفكير من أهل الارض ليدركون بكل سهولة انه لا يستحق أى تقدير أو اجلال في حقيقة الأمر. وها هى الحكومات الغربية ماثلة بين أيديكم بما في أهلها من الافتتان بالأزياء الظاهرة والاهتمام بالآداب والعوائد البادية للعيان، أفتعلمون ما هو أجل قدرا وأرفع منزلة عندهم؟ أنهم اذا وجدوا ضابطا من ضباط جنودهم يعمل الفكر والروية ويستنفد القوى الجسدية والفكرية في اعلاء كلمتهم ورفع علمهم ولا يدخر شيئا من مساعيه وجهوده ولا يأبى التضحية بنفسه ونفيسه عندما يبلغ الأمر مبلغ الجد يبالغون في اجلاله ورفع مقامه ولو بلغ في الجلافة وقلة الأدب مبلغا عظيما: لا يحلق لحيته الى أيام ويلبس ملبسا غير منسق ولا يعرف آداب الأكل والشرب ويجهل فن الرقص جهلا تاما. وبالعكس من ذلك عندما يرون ضابطا أخر من ضباطهم يكون أمة وأسوة – في نظرهم-- في زيه وهندامه وحسن آدابه وتحليه بالعوائد والرسوم الرائجة في مجتمعهم ولكنه ناقص الحظ في ولائه وتضحيته في سبيل الدولة ويؤثر نفسه واستراحته ومصالحه الذاتية على مقتضيات الغيرة القومية عند ساعة الجد والعمل، فلا يتحرجون من محاكمته العسكرية فضلا عن أن يرفعوا درجاته ويبالغوا في اكرامه وتبخيله. فاذا كانت هذه حال رجال الدنيا ناقصى العقل والمعرفة، فما ظنكم بربكم الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. افيستوى عنده الذهب والنحاس، وينخدع بطابع الدينار على وجه النحاس، ويعد الذهب فلسا اذا كان مطبوعا بطابع الفلس؟

ولا يحملنكم مابينت آنفا على الظن بأنى بصدد نفى المحاسن والمحامد الظاهرة أو الاستخفاف بتلك الأحكام والأومر التى وردت بها السنة -- على صاحبها ألف تحية وسلام – في شأن اصلاح وجوه الحياة الظاهرة وتهذيبها. كلا! بل الذى أقول به وأعتقده أن العبد المسلم يجب عليه الامتثال لكل ما أمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك أعتقد من نفسى أن الدين يريد أن يهذب ظاهر العبد كما يريد أن يهذب باطنة، ولكن الذى أريد أن أرسخه في أذهانكم وألقيه في روعكم بوجه خاص في هذا المقام أن باطن العبد واصلاحه وتهذيبه أرجح وأقدم من ظاهر العبد واصلاحه وتهذيبه. فنوروا باطنكم بجوهر الحقيقة قبل أن تفرغوا ظاهركم في قالب الحقيقة، ولكم أن تتفكروا وتستنفدوا قواكم في التحلى بتلك الخصال والصفات التى هى جديرة بالتقدير والاجلال عند الله في واقع الأمر والتى ما جاءت الرسل والأنبياء الا لترويجها وتنميتها. أما الزينة الظاهرة فانى واثق بأن تتولد بنفسها نتيجة لهذه الصفات الباطنة. واما ان بقى فيها شئ من النقص، فيمكن الاهتام بتدراكه عند اكمال المراتب والمراحل. سادتى ورفاقى! قد ألقيت بين أيدكم هذه الخطبة المسهبة لأبين لكم الأمر الحق بكل ايضاح وتفصيل. وذلك انى أريد أن أبرئ ذمتى أمام الله يوم القيامة من واجب شهادة الحق. فان الحياة لاعبرة بها، ولا تدرى نفس ماذا تكسب غدا ولا تدرى نفس بأى أرض تموت. وانى أرى من الواجب على نفسى أن أبرئ ذمتى من مسؤولية البلاغ، فاستوضحونى أيها الاخوان ان كان قد فرط منى شئ يخالف الحق ويضاده فردوه على. وان كنت قلت الحق، فاشهدوا به أمام الله والملائكة والناس أجمعين. (الأصوات : انا شاهدون. انا شاهدون ....).

وفى الختام أدعوا الله تعالى أن يجمعنا على الخير ويثبت أقدمنا ويوفقنا لفهم دينه فهما صحيحا ويهدينا الى أداء جميع مطالبه ومقتضياته طبقا لهذا الفهم.

اللهم أرنا الحق حقا وأرزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

٭ ٭ ٭

وصلات خارجية