الأمل للإمام حسن البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الأمل للإمام حسن البنا


بقلم: جمال ماضي

مقدمة:أمل وشعور

لهذا نحن لسنا يائسين أبداً

أحب أن تعلم يا أخى:

أننا لسنا يائسين من أنفسنا وأننا نأمل خيراً كثيراً، ونعتقد أن لا يحول بيننا وبين النجاح إلا هذا اليأس فإذا قوى الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله لهذا نحن لسنا يائسين ولا يتطرق اليأس إلى قلوبنا والحمد لله .

وكل ما حولنا يبشر بالأمل:

رغم تشاؤم المتشائمين إنك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرج من كلام إلى صمت، ومن حركة إلى سكون، شعرت بقرب نهايته، وعسر شفائه، واستفحال دائه فإذا انعكس الأمر وأخذ يتدرج، من صمت إلى كلام، ومن همود إلى حركة شعرت بقرب شفائه، وتقدمه في طريق الصحة والعافية .

ولقد أتى على هذه الأمم الشرقية، حين من الدهر جمدت فيه حتى ملّها الجمود، وسكنت حتى أعياها السكون ولكنها الآن تغلى غلياناً بيقظة شاملة في كل مناحى الحياة وتضطرم اضطراماً بالمشاعر الحية القوية والأحاسيس العنيفة ولولا ثقل القيود من جهة والفوضى في التوجية من جهة أخرى، لكان لهذه اليقظة أروع الآثار ولن تظل هذه القيود قيوداً أبد الدهر فإنما الدهر قلَّب وما بين طرفة عين وانتباهتها يغيّر الله من حال إلى حال ولن يظل الحائر حائراً فإنما بعد الحيرة هدى، وبعد الفوضى استقرار ولله الأمر من قبل ومن بعد.

لهذا لسنا يائسين أبداً:

وآيات الله تبارك وتعالى، وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وسنته تعالى في تربية الأمم وإنهاض الشعوب، بعد أن تشرف على الفناء وما قصّه علينا من ذلك في كتابه كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع ويرشدنا إلى طريق النهوض الصحيح ولقد علم المسلمون - لو يتعلمون .

وإنك لتقرأ الآية الكريمة في أول سورة "القصص": (طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) .

تقرأ هذه الآية الكريمة، فترى كيف يطغى الباطل في صولته، ويعتز بقوته ويطمئن إلى جبروته ويغفل عن عين الحق التى ترقبه حتى إذا فرح بما أوتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر أبت ارادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين، وتأخذ تناصر المهضومين المستضعفين فإذا الباطل منهار من أساسه وإذا الحق قائم البنيان، متين الأركان، وإذا أهله هم الغالبون وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الكتاب المحكم، عذر في اليأس والقنوط، لأمة من أمم الإسلام، تؤمن بالله ورسوله وكتابه فمتى يتفقه المسلمون في كتاب الله ؟

لمثل هذا يا أخى:

وهو كثير في دين الله لم ييأس الإخوان المسلمون، من أن ينزل نصر الله على هذه الأمم ، رغم ما يبدو أمامها من عقبات وعلى ضوء هذا الأمل يعملون عمل الآمل المجد والله المستعان .

أما الوسيلة فهى أركان ثلاثة تدورعليها فكرة الإخوان:

أولها: المنهاج الصحيح: وقد وجده الإخوان في كتاب الله وسنة رسوله، وأحكام الإسلام حين يفهمها المسلمون على وجهها، غضة نقية بعيدة عن الدخائل والمفتريات، فعكفوا على دراسة الإسلام على هذا الأساس، دراسة سهلة واسعة مستوعبة .
وثانيها: العاملون المؤمنون: ولهذا أخذ الإخوان أنفسهم بتطبيق مافهموه من دين الله، تطبيقاً لا هوادة فيه ولا لين وهم بحمد الله مؤمنون بفكرتهم، مطمئنون إلى غايتهم، واثقون بتأييد الله إياهم ما داموا له يعملون، وعلى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيرون .
وثالثها: القيادة الحازقة الموثوق بها: وقد وجدها الإخوان المسلمون كذلك، فهم لها مطيعون، وتحت لوائها يعملون: ذلك يا أخى مجمل ما أردت أن أتحدث إليك به عن دعوتنا وهو تعبير له تعبير وأنت يوسف هذه الأحلام فإن راقك ما نحن عليه فيدك مع أيدينا لنعمل سويا في هذا السبيل والله ولى توفيقنا وتوفيقك، وهو حسبنا ونعم الوكيل، فنعم المولى ونعم النصير .

والله أكبر ولله الحمد

حسن البنا


حسن البنا أمل الشرق ..كما رآه الغرب

"النيويورك بوست" الأمريكية تقول:

حسن البنا ... أمل الشرق في صراعه مع المستعمر:
كتبت جريدة "النيويورك بوست" الأمريكية في 13 فبراير سنة 1946 لمراسلها في القاهرة: زرت هذا الأسبوع رجلا قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ الحاضر أو قد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه هذا الرجل هو الشيخ حين البنا زعيم الإخوان المسلمين وقد صار الإخوان عاملا مهما في السياسة المصرية ويقول الأستاذ البنا: إن حركة الإخوان فوق الأحزاب، وسبيلها هو العودة إلي القرآن، وغايتها جمع كلمة المسلمين، في كل أرجاء العالم .

وهذا نص الحديث:

  • هل أنتم مسلحون ؟
نعم ... بسلاح الإيمان .
  • ما سر استعمال السيفين في الشارة ؟
هما رمز الجهاد .
  • والمصحف ؟
دستوره .
  • متى بدأت دعوتك ؟
لا أستطيع أن أحدد متى وكيف نشأت دعوتي هذه فهناك أفكار برزت عقب تخرجي من دار العلوم في شعبتي الإسماعيلية وشبراخيت .
  • هل عندك مال ؟
نحن أفقر جمعية وأغني جمعية مالنا الرسمي اشتراكات الإخوان ومالنا الحقيقي: خزائن الإخوان .

وفي سنة 1951 يبعث روبرت جاكسون "الصحفي الأمريكي" بقصة لقائه بالإمام الشهيد التي نشرتها النيويورك بوست – يبعث بها إلي "النيويورك كرونيكل" ثم يقول معقبا:

هذا ما كتبته منذ خمس سنوات، وقد صدقتني الأحداث فيما ذهبت إليه، فقد ذهب الرجل مبكراً ... وكان أمل الشرق في صراعه مع المستعمر وأنا أفهم جيداً أن الشرق يطمح إلي مصلح يضم صفوفه ويرد له كيانه، وطالما رجا الكتاب والمفكرون اقتراب اليوم الذي يحقق فيه هذا الأمل غير أنه في اليوم الذي بات فيه مثل هذا الأمل قاب قوسين أو أدني، انتهت حياة الرجل علي وضع غير مألوف وبطريقة شاذة .

هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلا بالكنز الذي يقع في يديه لقد لفت هذا الرجل نظري بصورته الفذة عندما كنت أزور القاهرة بعد أن التقيت بطائفة من الزعماء المصريين ورؤساء الأحزاب، خلاب المظهر، دقيق العبارة بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية لقد حاول أتباعه الذين كانوا يترجمون بيني وبينه الحديث أن يصوروا لي أهداف هذه الدعوة

وأفاضوا في الحديث علي صورة لم تقنعني وظل الرجل صامتا حتى إذا بد لي الحيرة في وجهي قال لهم قولوا له: هل قرأت عن محمد ؟ قلت: نعم قال: هل عرفت ما دعا إليه وصنعه ؟ قلت: نعم، قال: هذا هو ما نريده وكان في هذه الكلمات القليلة ما أغني عن الكثير .

وسافرت من مصر بعد أن حصلت علي تقارير وافية عن الرجل وتاريخه وأهدافه وحياته وقارنت بينه وبين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والمهدي السنوسي ومحمد بن عبد الوهاب فوصل بي البحث إلي أنه قد أفاد من تجارب هؤلاء جميعا وتفادى ما وقعوا فيه من أخطاء ويراه محمد عبده عن طريق التربية

واستطاع حسن البنا أن يدمج الوسيلتين ووصل إلي ما لم يصلا إليه لقد جمع صفوة المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة إلي مذهب موحد وهدف موحد ثم أخذت أتتبع خطواته بعد أن عدت إلي أمريكا وأنا مشغول به حتى أثير حوله غبار الشبهات حين ما انتهي إلي اعتقال أنصاره ... وهي مرحلة كان من الضروري أن يمر بها أتباعه ثم استشهاده قبل أن يتم رسالته .

وبالرغم من أنني كنت أسمع في القاهرة أن الرجل لم يعمل شيئا حتى الآن، وأنه لم يزد علي جمع مجموعات ضخمة من الشباب حوله غير أن معركة فلسطين ومعركة التحرير في القناة قد أثبتتا بوضوح أن الرجل صنع بطولات خارقة ... قَلٌَْ أن تجد مثلها إلا في تاريخ العهد الأول للدعوة الإسلامية .

ولو طال عمر هذا الرجل لكان يمكن أن يتحقق لهذه البلاد الكثير خاصة لو اتفق حسن البنا وآية الله الكاشاني الزعيم الإيراني علي أن يزيلا الخلاف بين الشيعة والسنة، وقد التقي الرجلان في الحجاز 1948 ويبدو أنهما تفاهما ووصلا إلي نقطة رئيسية أن عوجل حسن البنا بالاغتيال .

كل ما أستطيع أن أقوله أن الرجل أفلت من غوائل المرأة والمال والجاه وهي المغريات التي سلطها المستعمر علي المجاهدين وقد فشلت كل المحاولات التي بذلت في سبيل إغرائه ... وقد أعانه علي ذلك صوفيته الصادقة وزهده الطبيعي.

لقد تزوج مبكراً وعاش فقيراً وجعل جاهه في ثقة أولئك الذين التفوا حوله لقد أعلنت عليه الأحزاب حربا عنيفة رغم أنه كان يؤمن بالخصومة الفكرية ولا يحولها إلي خصومة شخصية . كان الرجل يقتفي خطوات عمر وعلي، ويصارع في مثل بيئة الحسين، فمات مثلهم شهيداً . وإنني علي أتم يقين من أن أي حركة وطنية تظهر في الشرق بعد ذلك يمكن إرجاعها إلي المقاييس التي وضعها هذا الرائد العملاق .

حسن البنا حياة الأمل كما رآه تلامذته

عبد البديع صقر يروي: سعة أمله

وكان واسع الأمل – أو قل – واسع الخيال وهي صفة لابد منها لكل مصلح – وأحيانا يستفتح الحديث بقوله: (دعونا نتخيل وجود شعب مؤمن فاهم يحقق كذا وكذا) .

ومن كلماته السائرة:

(حقائق اليوم أحلام الأمس وأحلام اليوم حقائق الغد) .

وقد طلب منه بعض العاملين في دار المركز العام، أن يعطيهم إجازة لدراسة الدكتوراه والماجستير فكان جوابه لهم جميعا: (الأمر أعجل من ذلك إن الذي نحن فيه أهم وأكبر من نيل الدرجات) .

كيف كان دفن الإمام الشهيد طريقاً إلى الأمل ؟

في فبراير سنة 1949 اغتالت الأيدي الآثمة حسن البنا بعد حياة قصيرة ولكنها حافلة .. غيّر فيها كثيراً من المعالم وأحدث فيها كثيراً من المعالم . وبعد اغتيال الإمام الشهيد كتبت الكتلة جريدة حزب الكتلة الوفدية تصف جنازته وكيف كان الآثمون يخافون حسن البنا في حياته وفي مماته وكيف كانوا أخساء في الجريمة وأخساء إزاء أبسط القواعد الإنسانية .

فوارينا التراب هذا الأمل الغالي

ولنترك الشيخ أحمد البنا والد الشيخ حسن يتم القصة:

" أبلغت نبأ موته في الساعة الواحدة وقيل لي أنهم لن يسلموا إليّ الجثة إلا إذا وعدتهم بأن تدفن في الساعة التاسعة بلا احتفال وإلا فإنهم سيضطرون إلي حمل الجثة من مستشفي القصر العيني إلي القبر .
واضطررت إزاء هذه الأوامر إلي أن أعدهم بتنفيذ كل ما تطلبه الحكومة رغبة مني في أن تصل جثة ولدي إلي بيته فألقي عليه نظرة أخيرة وقبيل الفجر حملوا الجثة إلي البيت متسللين فلم يشهدها أحد من الجيران ولم يعلم بوصولها سواى .

حصار حول البيت

وظل حصار البوليس مفروضا لا حول البيت وحده بل حول الجثة نفسها ولا يسمحون لإنسان بالاقتراب منها مهما كانت صلته بالفقيد .وقمت بنفسي بإعداد جثة ولدي للدفن .. فإن أحداً من الرجال المختصين بهذا لم يسمح له بالدخول .

ثم أنزلت الجثة حيث وضعت في النعش ... وبقيت مشكلة من يحملها إلي مقرها الأخير . طلبت إلي رجال البوليس أن يحضروا رجالا يحملون النعش فرفضوا !! قلت لهم: ليس في البيت رجال، فأجابوا: فليحمله النساء وخرج نعش الفقيد محمولا علي أكتاف النساء .

جنازة تشيعها النظرات

ومشيت الجنازة الفريدة في الطريق فإذا بالشارع كله وقد صف برجال البوليس وإذا بعيون الناس من النوافذ والسخط علي الظلم المسلح الذي احتل جانبي الطريق .

مسجد خال

وعندما وصلنا إلي جامع قيسون للصلاة علي جثمان الفقيد كان المسجد خاليا من الناس حتى من الخدم .. وسبقوا إلي بي الله وأمروا من فيه بالانصراف ريثما تم الصلاة علي جثمان ولدي ..

صلاة ودموع

ووقفت أمام النعش أصلي فانهمرت دموعي ولم تكن دموعا بل كانت ابتهالات إلي السماء أن يدرك الله الناس برحمته، ومضي النعش إلي مدافن الإمام، فوارينا التراب هذا الأمل الغالي وعدنا إلي البيت الباكي الحزين .. "

ومضي النهار وجاء الليل ولم يحضر أحد من المعزين لأن الجنود الأسداء منعوا الناس من الدخول أما الذين استطاعوا الوصول إلينا فلم يستطيعوا العودة إلي بيوتهم فقد قبض عليهم وأودعوا المعتقلات إلا شخصا واحداً هو مكرم عبيد باشا وبعد ذلك سردت الكتلة ما يلي:

هي الدنيا

في اثني عشرة ساعة قتل الشيخ البنا وشرح وغسل ودفن وانطوت صفحات حياته ... عادت النساء الثلاث اللاتي حملن النعش علي أكتافهن وعاد الوالد الواله الحزين ... وقبل أن يغشي الظلام مدافن الإمام الشافعي كانت ثلة من الجنود تحاصر الطرق المؤدية إلي المقبرة وقوات كبيرة تحيط بمنزل الفقيد لتمنع الداخلين ولو كانوا من مرتلي آي الذكر الحكيم وتقبض علي الخارجين ولو كانوا من جيران الراحل الكريم .فهل مات الأمل ؟

الأمل … بعد استشهاده

في عام 52، أعيد التحقيق في قضية مقتل (الإمام الشهيد) وأدين القتلة وحكم عليهم وبتعويض قدره (ألف) جنيه دفعته الدولة لابنه الأستاذ: أحمد سيف الإسلام، فابتني بهذا المبلغ بيتا للعائلة بمدينة الأوقاف، وهذا البيت صار المورد الوحيد بعد موت الإمام الشهيد واعتقال ابنه وتوفيت زوجة الإمام الشهيد رحمه الله ورحمها، عام (1970)، وقد منعت الحكومة السير في جنازتها إلا من بقي من بناتها وأخواتها .

وفي 12 فبراير 1953 احتفل الإخوان بالذكري الرابعة لاستشهاد الإمام الشهيد فذهب اللواء محمد نجيب وبصحبته جمع من الوزراء وضباط الثورة إلي قبره بعد أن قرأوا الفاتحة علي روحه وعزوا الإخوان

وارتجل اللواء نجيب كلمة بهذه المناسبة جاء فيها:

" إن الإمام الشهيد حسن البنا أحد أولئك الذين لا يدرك البلى ذكراهم ولا يرقي النسيان إلي منازلهم لأنه رحمه الله لم يعش لنفسه بل عاش للناس ولم يعمل لمنفعته الخاصة بل عمل للصالح العام " .

واقتصرت برامج الإذاعة المصرية في ذلك اليوم علي قراءة القرآن والأخبار وترديد كلمات الرثاء التي قيلت بمناسبة الذكري الرابعة لاستشهاده . وصدق الله العظيم (من المؤمنون رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)

عباس السيسي يروي: تربيته: من الألم يبدأ الأمل

أذكر أنني ذات يوم وكنا نعود من جولة داخل مدينة الإسكندرية ..

قلت لفضيلته: أنا غاضب وحزين ومتألم يا فضيلة المرشد أليس من أهدافنا تحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي ؟

قال: نعم .

قلت: فكيف إذا علمت أن روسيا الشيوعية قد اقتحمت دولة ألبانيا المسلمة .. وبهذا بدل أن نحرر وطننا من الاستعمار فقد ضاع منا وطن آخر !!

قال: وهل أنت متألم إلي هذا الحد ؟

قلت: جدا

قال: وهذا هو المطلوب .

قلت: وكيف ذلك ؟

قال: لو أن كل المسلمين تألموا مثلك، نكون قد بدأنا الطريق فنحن أولاً في حاجة إلي يقظة وصحوة فالجسم الميت لا يشعر بالألم .

حسن البنا .. وانتخابات البرلمان دعوته إلى الأمل ... رغم الانسحاب

بعد أن تولي مصطفي النحاس باشا مقاليد الحكم قام بحل مجلس النواب وأعلن عن إجراء انتخابات جديدة ورشح الأستاذ البنا نفسه عن دائرة الإسماعيلية بناء علي رغبة الإخوان في منطقة القناة، وسرعان ما استقبلت المدينة هذا النبأ بالمظاهرات واللافتات والإعلانات والمؤتمرات .

وفي وسط هذا الشعور الجارف وهذه المظاهرات والأفراح دعا الأستاذ البنا إلي مؤتمر عقد بالشارع الثلاثيني بعد صلاة العشاء حضره جمع حاشد ..

وفي هذا المؤتمر قال حسن البنا بعد الافتتاحية:

"أنه قد رشح نفسه عن الإسماعيلية بناء علي طلب الإخوان" ولقد جئت اليوم لأضع أمام الإخوان هذه التطورات الجديدة فقد دعاني مصطفي النحاس باشا رئيس الحكومة إلي مكتبه وطلب مني ضرورة أن أتنازل عن ترشيح نفسي عن دائرة الإسماعيلية فلما سألته عن الأسباب المبررة لهذا الطلب قال لي البلد في حالة حرب ومصلحة البلد في أن أتنازل .
فقلت له: ألا يكفي أن الحكومة قيدت خطواتي ولا تسمح لي بالسفر خارج القاهرة إلا بإذن من وزارة الداخلية وأن الدعوة فبهذه الصورة لا تجد مجالا للانطلاق، فيكون التنازل عن الترشيح حجراً علي الدعوة والداعية .
فقال مصطفي النحاس باشا: إنه في حالة قبول التنازل لا مانع عندي من أن يكون لك حرية الدعوة في كل مكان .. وأمام هذا التصريح وافقت علي أن أتنازل عن ترشيح نفسي " .

فتعالت الهتافات غاضبة من كل مكان ولكن الأستاذ المرشد قال:

أيها الأخوة:

المسألة أولاً وأخيراً مسألة دعوة وليست مسألة أشخاص، ولقد تأسيت في هذا الموقف بموقف رسولنا صلي الله عليه وسلم في صلح الحديبية يوم رأي الصحابة رضوان الله عليهم أن لا يعطوا الدنية في دينهم ورأي رسول الله صلي الله عليه وسلم رأيا يخالف رأيهم .

وأثبتت الأيام صحة ما أستقر عليه الرسول صلي الله عليه وسلم، ونحن لسنا طلاب مراكز ولم نرد من الترشيح إلا أن نجد منبراً، نعلن فيه عن دعوتنا ونقول فيه كلمة الحق . فإذا تيسر لنا ذلك علي أوسع مدي في حدود الظروف التي يتاح لي أن أفضلها لكم حين تسمح الظروف بذلك، نكون قد وقفنا إلي أحسن الحلول، وعسي أن تكرهوا شيئا، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا .. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله .

أيها الأخوة:

إن تفاوت التوازن بين قوة البلاد العربية والإسلامية وقوة الدول الغربية الاستعمارية لا تعطي فرصة للتحرر والخلاص، فكانت هذه الحروب إرادة ربانية ليذيق الله الغرب بعضهم بأس بعض فيشتت شملهم ويضعف قوتهم وينهي دولتهم، وبهذا يكون هناك شبه توازن في القوى بين الشرق والغرب .

والذي يهمنا الآن هو أن توجد قيادة إسلامية تستفيد من هذه الظروف العالمية التي نادراً ما تتحقق فتتوحد كل الجبهات الإسلامية في وجه فلول الاستعمار فتخرج بريطانيا من مصر وفلسطين والسودان والعراق وتغادر فرنسا سوريا ولبنان وبلاد المغرب وتذهب إيطاليا من ليبيا إلي غير رجعة وتعود الهند وإندونيسيا وأفريقيا وغيرها بلادا إسلامية ترفرف عليها راية القرآن .

أيها الأخوة:

لا تظنوا أن هذا خيال أو محال .. إنه حقيقة مستقرة في قلوب المؤمنين نقرأ معا قول الله تعالي: (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله: فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب . يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين . فاعتبروا يا أولي الأبصار) .

أيها الأخوة الفضلاء: هذه بيوتهم يخربونها بأيديهم .. بقي أيدي المؤمنين . (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) .

دعوته إلى الأمل ... رغم التزوير

وفي الانتخابات الثانية، وفي صبيحة يوم الاقتراع بالأصوات توزع الإخوان في كل المناطق لمراقبة لجان الانتخابات .. وقبيل العصر فوجئ الإخوان بجماعات من غير أهل المدينة ينضمون لصفوف الناخبين ومعهم تذاكر انتخابية مزورة ولما اكتشف الإخوان التزوير وعلم أن هناك مخزنا كبيرا للمنافس يتجمع فيه هؤلاء ثم يتم توزيعهم من هناك إلي مقار لجان الانتخابات .

وصدر الأمر للإخوان فتجمعوا حول هذا المخزن بصورة رهيبة تنذر بالخطر، وفجأة اقتحمت بعض سيارات الجيش الانجليزي الضخمة هذا التجمع وخاضت بيننا بسرعة وبلا اكتراث كما تبعها بعض قوات الشرطة المصرية وهم يطلقون النار علي جموع الإخوان .

واستطاع بعض الإخوان أن يستولي منهم علي بعض الأسلحة، وهنا كادت تقع كارثة لولا أن أصدر الأستاذ المرشد أوامره إلي الأستاذ سعد الدين الوليلي بأن يصرف الإخوان في الوقت الذي أسرع فيه اللواء الانجليزي " فايز باترك " حكمدار الشرطة المصرية في القناة برجاء للأستاذ البنا أن يرد الإخوان السلاح إلي الشرطة، وكان الأستاذ قد سبقه إلي ذلك حقنا للدماء رغم ما حدث من القبض علي بعضهم وما أصاب الإخوان من إصابات بالغة.

وكتب الأستاذ المرشد مذكرة إلي أحمد ماهر كما أرسل له عدة برقيات احتجاجا علي التزوير وتصدي رجال الأمن للإخوان

ويقول الأستاذ المرشد ردا علي سؤال أحد الإخوان:

" إذا كانت الحكومة لا ترغب في أن تفوز في الانتخابات فلماذا لم تصارحك كما فعل ذلك من قبل النحاس باشا عام 1942 ؟ ..
قال: لكل حكومة أسلوب وسياسة عمل وهذه الحكومة لا تريد إخفاء خضوعها للاستعمار، كما أنها تريد في نفس الوقت أن لا تجعل من الإخوان في نظر الشعب أبطالا وتريد أن تصور للناس أن الانتخابات حرة ليس فيها أي ضغط من الحكومة وفي نفس الوقت هي متفقة مع الانجليز وتعهدت بالعمل علي سقوط مرشح الإخوان .
ولازلت أتصور مشهد أمسية سبقت يوم إجراء الانتخابات حيث عقد مؤتمر ضخم في شارع الثلاثين حضره فضيلة المرشد ومجموعة من النواب الذين فازوا في الدور الأول للانتخابات في البلاد المجاورة وقد جاءوا لتأييد الأستاذ المرشد .
وكان هتافنا (إلي البرلمان يا بنا) من الهتافات التقليدية في الانتخابات ولكن هتافاً جديداً (إلي البنا يا برلمان) قد صدر من الأخ المرحوم مصطفي شعبان من الإسكندرية قد دوي في الاجتماع فرددته الجماهير كالرعد بوعي وحماس .

وفي اليوم الذي أعلن فيه فوز منافسه لم يجد حسن البنا بدا من الخروج إلي الجماهير خطيبا وبأعلى صوت قال:

يا أبناء الإسماعيلية الأوفياء .. أيها الإخوان الذين جئتم من كل مكان إن هذه الحشود الهائلة بهذه الصورة القوية الرائعة، بهذا الواقع الصادق والحقيقة القائمة لتصم الحكومة بالتزوير والتضليل وإن الباطل لا يغني عن الحق شيئا وإن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلي قيام الساعة، وإن عجز أمة عن أن تدفع أبنائها إلي البرلمان ليقول كلمة الحق والإسلام، لدليل علي أن الحرية رياء وهباء، وأن الاستعمار هو سر البلاء .

أيها الأخوة:

إنني أحس أن مراجلكم تعلي بالثورة وعلي شفا الانفجار ولكن في هذا الموقف لابد من صمام الأمان فاكظموا غيظكم وادخروا دماءكم ليوم الفصل وهو آت لا ريب فيه .. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ووصيتي لكم أيها الإخوان أن تنصرفوا إلي منازلكم وبلادكم مشكورين مأجورين وأن تفوتوا علي أعدائكم فرصة الاصطدام بكم.

حديثه عن اعتقاله: كله الأمل

وحين صدر قرار باعتقاله في معتقل الزيتون بالقاهرة اعتصم الطلاب في مسجد السلطان الحسن بعد صلاة يوم من أيام الجمعة فأفرج عن فضيلته بعدة أيام . ... وبعد أن تم الإفراج عن فضيلته استقبلناه في مصلي (بدروم) المركز العام القديم بكل أشواقنا وعواطفنا الحارة

وبدأ حديثه معنا فقال:

لقد كانت فترة الاعتقال بمثابة اعتكاف إجباري أو محطة في طريق السفر الطويل، راجعت فيها كتاب الله تعالي حفظا ودراسة وتدبرا وعرفت واختلطت بأناس آخرين . ووجدت فرصة أخلو فيها إلي نفسي أستعرض أحداث الماضي وأفكر في الحاضر بهدوء وروية وأعتقد أننا لن نخسر شيئا في أمر قد قدره الله لنا ..
فإن ما يحدث لنا من عذاب أو اضطهاد أمر قد تعاهدنا عليه فلا غرابة فيه ولن يؤثر فينا عقدنا العزم عليه ولكنه – فقط – يعطينا المؤشرات، ويحذرنا من المطبات، ويفتح أعيننا علي ما هو آت .. فإن ما يحدث لنا لن يوقف حركة الدعوة ولن يرهب أبناءها الذين اعتقدوا أن أقل ما يطلب في سبيلها هو الدم والمال .. (والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) .
نشر عام 2008