الأناركية (الاشتراكيين الثوريين) وفوضوية الدولة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١١:٥٥، ١٠ فبراير ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الأناركية (الاشتراكيين الثوريين) وفوضوية الدولة

موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

مقدمة

برز بعد ثورة 25 يناير 2011م اسم الأناركيين، ورغم وجودهم إلا أنه لم يسمع عنهم أحد بهذا الاسم، وكان الاسم الشائع الثوريين الاشتراكيين، وبالرغم أنه منذ وجودهم لم يحققوا أية مكاسب لهم جيلاً بعد جيل، ربما بسبب منهجهم الفوضوي الذي يقوم على اللاسلطة، فهم جماعة تعبوية إذا توفر لهم المناخ لذلك أما إذا وجدت دولة القانون أو الدولة الديكتاتورية فإن نشاطهم لا يظهر ولا يسمع به أحد بسبب هذا الفكر والمنهج الفوضوي والذي من الممكن أن يهدد سلامة واستقرار البلاد.

معنى الأناركية

كتب حاتم موافي في هذا الصدد فقال: "أناركى" هى كلمة يونانية قديمة تعنى حرفيًا لا حاكم أو لا سلطة و قد استخدمت الكلمة طوال قرون فى الكتابات الغربية لتشير إلى حالة بلد أو إقليم جغرافي حال تفكك أو سقوط السلطة المركزية المسيطرة عليه مما يؤدى إلى صعود قوى مختلفة تتصارع لتحل محلها محدثة حالة من فوضى الحرب الأهلية ومن ثم أصبحت الكلمة فى اللغات الأوروبية المختلفة مرادفة للفوضى.

فى المقابل فإن الأناركية كنظرية و فكر سياسي وكحركة اجتماعية تبلورت لأول مرة في النصف الثاني للقرن التاسع عشر فى إطار نشأة الحركات العمالية و الاشتراكية. و اتخذ بعض أوائل مفكريها مسمى الأناركية بمعنى اللاسلطوية إذ دعوا إلى أن ينظم المجتمع شؤونه ذاتيًا دون تسلط لفرد أو جماعة على مقدرات و حياة غيرهم.

اللاسلطوية تعنى الغياب التام للسلطة و ليس تفكيك السلطة المركزية لسلطات متناحرة تحدث الفوضى فى المجتمع و هى تعنى استبدال مؤسسات الدولة المركزية و الهرمية بمؤسسات شعبية أفقية - أى لا يكون فيه تراتبية هرمية - و شبكية - أى لا مركزية ترتبط كل منها بالأخرى للتكامل و لإدارة الموارد المشتركة و اتخاذ القرار فيما يخصها.

الجذور التاريخية للتيار الاشتراكي التحرري

يرجع هذا التيار لجذور فكرية قديمة إلى ما قبل العصور الحديثة، حيث تعتبر الدولة كمؤسسة فى حد ذاتها مصدر كل شر، ومصدر القهر الواقع على الإنسان، وسبب استغلاله وإفساده وتشويهه، وتبشر بعالم يخلو من هذا القهر، وذاك الاستغلال، وبإمكانية أن يحيا البشر أحرارًا دون هذه المؤسسة القمعية المتعالية عليهم، والمتسلطة عليهم، أيًا ما كان نظامها، ويرى البعض الآخر أن هذا التيار هو الامتداد الأكثر جذرية لفكر عصر التنوير الذى سبق الثورة الفرنسية، بشعـاراتها الثـلاث (الحرية، و الإخاء، والمساواة)، كما يرى البعض أن هناك جذورًا أناركية فى كل الثقافات عبر التاريخ فى الصين واليونان والعالم الإسلامي.

تنقسم جذور هذا التيار فى العصر الحديث لعدة منابع بدأت فى القرنين الثامن و التاسع عشر:-

1- الأناركية الفردية ويمثلها المفكر الإنجليزي جودوين والمفكر الألماني شترينر، وهى تقوم على الحرية المطلقة للفرد إزاء أي سلطة أو جماعة، ومن هذا المنبع تتواجد تيارات الأناركية الرأسمالية والأناركية الفردية وهى تيارات هامشية لا تمثل التيار الرئيسي فى الأناركية.
2- الأناركية التعاونية أو التبادلية ويمثلها المفكر الفرنسي برودون.
3- الأناركية الجماعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي باكونين.
4- الأناركية الشيوعية ويمثلها المفكر الثوري الروسي كروبوتكين.
وكل من الأناركيات التعاونية والجماعية والشيوعية تنشد مجتمع تتعاظم فيه الحرية الفردية، وتنتفى فيه السلطة القمعية، فى إطار جماعي منظم تعاونيًا، باعتبار الإنسان فى النهاية حيوان اجتماعي؛ وتختلف فى تفاصيل حول الملكية الخاصة بنفيها أو تحديدها، وأسلوب تحقيق الاحتياجات البشرية إذا ما كانت حسب الحاجة أم الجهد المبذول فى العمل.
5- الأناركية المسيحية ويمثلها الروائي الروسي الشهير تولوستوى الذي استلهم من المسيحية رؤى أناركية.كما ظهر مؤخرًا من تأثر بأفكار هذا التيار من المفكريين الإسلاميين والبوذيين على قلتهم النادرة، فظهرت الأناركية الإسلامية و الأناركية البوذية، ويوجد تيار الأناركية البدائية وهو تيار هامشى مثله مثل تيارات هامشية أخرى تقترب من البوهيمية والعدمية والفردية المتطرفة. بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر.

ظهرت الأناركيات التعاونية والجماعية و الشيوعية و الاشتراكية كتيار قوى فى العديد من البلدان الأوربية والأمريكية، شاركت فى الأممية الأول(جمعية العمال الدولية)، وتصارعت فكريًا وتنظيميًا مع الماركسية متهمة اشتراكيتها بالسلطوية، وخرج ممثلوا هذا التيار الأناركى ليشكلوا أممية أخرى، وشارك الأناركيون الجماعيون والاشتراكيون و الشيوعيون فى العديد من الحركات الثورية فى روسيا و أسبانيا وفرنسا وإيطاليا، و حتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وخلال ذلك ظهرت فى داخل هذا التيار الأناركية النقابية فى فرنسا، والتى بلغت أوجها فى أوائل القرن العشرين، وظهر اتجاه ماركسي لا سلطوي فى مواجهة التفسير اللينينى السلطوى للماركسية، ويمثله كل من روزا لوكسمبورج و بانيكوك، والمعروف الآن بشيوعية المجالس، وهم الأقرب للماركسية الأصيلة، والأقرب للأناركية الشيوعية، من كل التيارات الماركسية الأخرى، و يشكلان معًا تيار الاشتراكية التحررية.

ما إن انتصفت ثلاثينات القرن العشرين حتى انتهت كل هذه التيارات لفترة كمون طويلة، حتى اعتقد البعض أنها انتهت تمامًا، وأصبحت مجرد جزء من التاريخ، ومجرد تراث من الأفكار .

مع منتصف الخمسينات من القرن العشرين بدأ جهد نظرى لإحياء الأناركية الشيوعية، حيث ظهرت كتابات جديدة لمفكرين جدد تعتمد على نقد الكتابات والممارسات السابقة، وتحاول استشفاف رؤى جديدة تلتزم بالإطار العام الأناركى والتحررى، وفى منتصف الستينات، ومع ظهور اليسار الجديد، خرج هذا التيار من كمونه، وأخذ ينتشر مجددًا فى العديد من بلدان غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع سقوط الدول التى تدعى بالاشتراكية فى أواخر الثمانينات، و سقوط اللينينية أحزابًا وأفكارًا مثلما سقطت الاشتراكيات الديمقراطية والإصلاحية والقومية، و زاد التشكك فى أهمية دور الدولة،وتأكد خطورة تضخم جهازها البيروقراطى، واستمرار نقد كل من النظرية والممارسة السلطويتين، ونقد الأيديولوجيات التسلطية و الإصلاحية والقومية، أخذ هذا التيار يكسب مواقع متزايدة فى أوروبا واستراليا والأمريكيتين وشرق آسيا، وبعض بلدان الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، وفى السنوات الأخيرة شارك أعضاء هذا الاتجاه فى الكثير من الأحداث، و بفضل ثورة الاتصالات الأخيرة أخذ ينتظم عالميًا، ويزداد تأثيره وضوحًا، وعرف مفكرين جدد أشهرهم عالم اللغويات الشهير ناعوم شومسكى، و سام دوجلوف ودانيال جرين وأنطونيو نيجرى وغيرهم ...وتدخل تحت هذا التيار مدارس عديدة تتفق فى الإطار العام، وتختلف فيما بينها فى التفاصيل العملية،لا النظرية، فهناك شيوعية المجالس، و الاستقلالية، والمواقفية، و الأناركية النقابية، والبرنامجية، و التسيير الذاتى، و التعاونية.الخ، وكل هؤلاء يشكلون الجناح اليساري فى الأناركية ، وهم التيار الرئيسي فيها، مع وجود من يمكن اعتبارهم الجناح اليميني المتمثل فى الأناركية الرأسمالية و الأناركية الفردية.

نشأة الاشتراكيين الثوريين بمصر

يقول نبيل شرف الدين في موقع الحوار المتمدن - العدد: 771 - 12/ 3/ 2004م:-

ترجع نشأة هذا التيار إلي بداية عقد التسعينات حيث شهد اليسار المصري أزمة عنيفة وساد الإحباط أوساط مختلف قواه المتعددة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي. وتبلور التيار من خلال مجموعة من الحلقات النقاشية التي عقدت حينئذ بين أعضاء من حزب العمال الموحد ـ الذي كان قد تفكك نهائيًا في تلك الأثناء ـ من جهة ومجموعة من التروتسكيين المصريين من جهة أخرى، استهدفت بناء يسار جديد وعبر هذه الحلقات تشكل تيار الاشتراكيين كتيار متماسك يمتلك رؤية ماركسية جديدة وبرزت مواقفه ورؤيته من خلال مجموعة من الأنشطة الدعائية والفكرية التي شملت ترجمة أدبيات ماركسية وإصدار مجموعة من المطبوعات، كما خاض سلسلة معارك جماهيرية ساخنة، كان أبرزها دوره في إضراب عمال كفر الدوار عام 1994 وانتخابات النقابات العمالية عام 1995م.

وكان ذلك بعد أن حكمت محكمة أمن الدولة العليا (طوارئ) في القاهرة ببراءة كل المتهمين الخمسة في قضية "التنظيم الشيوعي" الذي اشتهر إعلاميًا في مصر باسم تنظيم "الاشتراكيين الثوريين".

وتضم القضية التي تعد الأولى من نوعها في مصر منذ العام 1987 خمسة متهمين يتصدرهم أشرف إبراهيم محمد الغريب، باعتباره المتهم الأول في القضية، وهو الوحيد الذي حوكم حضوريًا، وظل قيد الحبس الاحتياطي على ذمة تلك القضية، أما المتهمون الأربعة الآخرون فهم كل من : ناصر فاروق البحيري، يحيى فكري أمين، ومصطفى محمد البسيوني، ووريمون إدوارد جندي مرجان).

وإن كان التيار الشيوعي دخل مصر في بداية القرن العشرين، غير أنه وجه من قبل الحكومات، حتى عاد مرة أخرى في بداية الأربعينيات من القرن الماضي على يد هنري كوريل والذي شكل جماعة حدتو بالاشتراك مع بقية الشيوعيين، وحاولوا أن يجدوا لأنفسهم قدم في مصر غير أن دعوتهم لم تلقى ترحيب من جموع الشعب المصري مما عرض كوريل للاعتقال ثم خروجه من مصر إلى فرنسا، لكن ظل الفكر الشيوعي (اليساري) موجود في مصر لكن بسبب ضعفه وعدم تفاعله مع متطلبات المرحلة ورغبة الشباب ظهر فكر الاشتراكيين الثوريين (الأناركيين).

أصول الفوضوية

كتبت الدكتور هبة رؤوف مقالاً بعنوان (الفوضوية: الفلسفة التي ظلمتها الترجمة) جاء فيه:-

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
الدكتورة هبة رؤوف

تبلورت أفكار الفوضوية حول الموقف من الدولة والمؤسسات ومفهوم الحرية، وتمثلت في مقاومة محورية الدولة التي تحمي أسلوب الإنتاج الكبير، والمطالبة بالحفاظ على الملكية الفردية الصغيرة ورفض كل صور السلطة المنظمة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية بحجة أنها غير ضرورية وغير مرغوب فيها، وتنكر الفوضوية أن رضا المحكومين هو الأساس الصالح للسلطة السياسية، وترى أن السلطة الوحيدة الشرعية والأخلاقية هي التي يمنحها الناس لأنفسهم، بالتالي لا يمكن إرغام أحد على عمل لا ينبع من إرادته المستقلة؛ لأن التشريع وصنع القرار هما من حقوقه المطلقة. أي أن “كل مواطن هو مشروع نفسه”؛ لهذا اتهمت الفوضوية المؤسسات بتهديد الحرية الفردية وطالبت بإزالتها لضمان الحرية الحقيقية للإنسان وفتح الطريق أمام مجتمع جديد يقوم على الارتباط التلقائي الحر بين المواطنين.

وربما تكون نقطة البداية هي التأكيد على أن الفوضوية ليست أيدلوجية وإنما نقطة تقاطع بين العديد من الأيدلوجيات، فهناك فوضويون يساريون وفوضويون ليبراليون، والمشترك بينهم هو النقد الحاد لسلطة وسيادة الدولة.

وقد تعرضت الفوضوية في توجهها الاشتراكي لنقد الليبرالية المعاصرة؛ لأن مفاهيمها تتلاقى مع مفهوم ماركس عن تلاشي جهاز الدولة في المرحلة الأخيرة من تطور البشرية في ظل النظام الشيوعي.

وانتقد الماركسيون بدورهم الفوضوية الليبرالية كمنظومة فكرية رجعية؛ لأنها بمطالبتها بجعل الملكية الفردية الصغيرة أساس النظام الاجتماعي تحاول عبثًا استعادة أوضاع اقتصادية واجتماعية تجاوزتها الرأسمالية. كما اتهموا أنصارها بالنفاق لعدم الإسهام الجاد في مقاومة الرأسمالية، وإنكارهم الصراع الطبقي الكفيل بالانتقال إلى الاشتراكية. وقد صنفوا أجنحتها في تيارات ثلاثة:

1- تيار باكونين والفوضويين النقابيين الذين قصروا مقاومتهم للبرجوازية على الصراع الاقتصادي من خلال نقابات العمال.
2- تيار برودون صاحب فكرة البنك الشعبي للخدمات المتبادلة، وعن طريقه يستطيع العمال تبادل منتجات عملهم والتخلص من الاستغلال. وقد تعرض للاتهام بتسميم وعي الطبقة العامة العالمية؛ لأن تنفيذ الفكرة يتم في إطار النظام الرأسمالي ولمصلحته، ويبعد البروليتاريا عن الصراع من أجل الثورة الاشتراكية والسلطة.
3- تيار الفيلسوف الألماني كاسبر شميدت المعروف بالفوضوية الفردية وهو أكثرها تطرفًا فهو القائل: “لا يوجد شيء أعلى أو أسمى مني.. إنني أعلنها حربًا ضد كل دولة حتى ضد أكثرها ديمقراطية”. ولا يزال للفوضوية حتى الآن بعض التنظيمات في أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية تتبنى هذه الأفكار.

فمن بين الأيدلوجيات والمفاهيم الهامة تبدو “الفوضوية” ANARCHY أشد المفاهيم صعوبة في تحديدها، فهو مصطلح يصعب إيجاد تعريف مباشر صريح له؛ وذلك لكونه مليئًا بالتناقضات؛ فالتصور السائد للفوضوية لدى الوعي يراها تصدر عن شخص هدام “تخريبي” مستعدٍّ لاستخدام العنف؛ ليوقع “الفوضى” في النظم الاجتماعية دون أن يكون لديه أي بديل بناء، ولكن على الجانب الآخر ينكر معظم الفوضويين هذا التصور تمامًا مؤكدين أنهم يهدفون لبناء مجتمع خالٍ من التشوهات التي خلقها المجتمع الحالي كالحروب والعنف والفقر، والكثير منهم يرفض العنف أو يقر بأنه إجراء دفاعي ضد ما يرونه من “عنف الدولة”.

أما الاتهام الثاني فهو اعتبار الفوضويين مؤيدين للفردية، فالفوضوية تبدو وكأنها تعلي من شأن الفردية على حساب كل القيود الاجتماعية، مدعية بأن كل فرد له الحق في أن يفعل ما يشاء دون الحاجة للالتفات إلى حقوق ومصالح الآخرين. بينما وجهة النظر الأخرى يظهرها الفوضويون أنفسهم الذين يؤكدون أن هدفهم هو خلق أفراد اجتماعيين يكونون أكثر إدراكًا لالتزاماتهم المجتمعية.

هكذا نظل متحيرين إذا ما كان الهدف الحقيقي للفوضوية هو الحرية الفردية أم التماسك الاجتماعي أو أنها ربما تحاول أن تجمع ما بين أهداف تبدو متناقضة؟!

إن تاريخ الفوضوية قد يوحي بأن الفوضوية يجب أن تعامل كفرع من الاشتراكية وهذا يتجاهل كل الفوضويين الفرديين (الأمريكيين بالأساس) الذين قدموا تصورًا بديلاً لما قدمه الاشتراكيون، وفي أثناء القرن التاسع عشر أحدثت أفكارهم تأثيرًا ظهر خارج الدائرة الضيقة التي تشمل عددًا من المفكرين، وكان الإحياء الحقيقي حديثًا للحركة الفوضوية الفردية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث اتحد الفوضويون مكونين ائتلافًا سجل 920.800 صوت في الانتخابات الرئاسية عام 1980م.

الأفكار الرئيسية للفوضوية

تضيف الدكتورة هبة تحت هذا العنوان:-

1-العداء للدولة

بالرغم من التحذير المبدئي من البحث عن تعريف شامل للفوضوية، فقد نكون قادرين على الإشارة إلى ملامح تسمح بتصنيف الفوضويين تحت اسم واحد. أولها وأوضحها هو العداء للدولة، التي يدعي الفوضويون وجوب اختزالها لمساحة هامشية MINIMALIST STATE أو اختفائها واستبدالها بشكل جديد من التنظيم الاجتماعي، ولإيضاح عقلانية هذا المطلب نحتاج إلى معرفة ما المقصود بالدولة؟ فالدولة ليست المكافئ للحكومة عمومًا، وبالفعل فإن بعض الفوضويين قد استخدموا هذا التمايز مؤكدين أن هدفهم ليس مجتمعًا بلا حكومة، ولكن مجتمع بلا دولة، وبالنظر للأمر من منظور تاريخي نجد أن الدولة هي تكوين سلطة أعلى من الفرد تستقل بالإدارة السياسية واستخدام القوة التي تبلورت بعد بروز الدولة القومية في أوروبا بعد صلح وستفاليا 1648 في فترة نضج النهضة الأوروبية، وأسست لنفسها مكانًا كفاعل على الساحتين الداخلية والدولية.
  • أولى هذه السمات هي أن الدولة هي السيادة أي أنها تدعي لنفسها كامل السلطة لتعريف وتحديد حقوق رعاياها.
  • ثانيًا: الدولة كيان إلزامي بمعنى أن كل فرد ولد في مجتمع مجبر على الاعتراف بالتزاماته تجاه الدولة التي تحكم هذا المجتمع.
  • ثالثًا: الدولة كيان احتكاري، فهي تحتكر القوة في أراضيها ولا تسمح بوجود منافس إلى جانبها.
  • رابعًا: الدولة كيان متميز بمعنى أن الأدوار والوظائف التي تقوم بها منفصلة عن الأدوار والوظائف الاجتماعية عمومًا .
والفوضويون يرمون الدولة باتهامين: فهم يدعون بعدم أحقيتها في الوجود ككيان مسلم به، ينظر له على أنه ضمان السلام الاجتماعي، كما يدعون بأنها حملت معها سلسلة من الشرور الاجتماعية.
ويعرض “برودون” – أحد أبرز منظري الفوضوية – أربع اتهامات أساسية للدولة:
  • الأولى: أنها كيان إكراهي يحد من حرية الناس ويقللها لما هو أدنى بكثير مما يحتاجه التعايش الاجتماعي، فهي تصدر قوانين مقيدة لا لصالح المجتمع بل لحمايتها.
  • ثانيًا: أن الدولة هي كيان تأديبي أو عقابي، فهي توقع عقوبات شديدة على هؤلاء الذين يخرقون قوانينها، سواء أكانت هذه القوانين عادلة أم لا. والفوضويون ليسوا بالضرورة ضد هذه العقوبات، ولكنهم ضد أشكال وأحجام العقوبات التي تصدر عن الدولة.
  • ثالثًا: الدولة كيان استغلالي، فهي تستخدم قوتها في فرض الضرائب والتنظيم الاقتصادي؛ لتمويل الموارد من مراكز الثروة إلى خزانتها
  • وأخيرًا: فالدولة هي تنظيم هدام؛ إذ تجند رعاياها أو مواطنيها في حروب سببها الوحيد حماية الدولة نفسها، وبدلاً من أن تكون حافظة لحياتهم من حالة الفوضى كما رأى هوبز وأنصار الدولة ينتهي الأمر بموت الفرد في سبيلها‍‍‍‍‍.‍‍
وسيكون من الخطأ استنتاج أن الفوضويين يعدون كل الوظائف التي تقوم بها الدولة غير ضرورية، فمن وجهة نظرهم أنه من المستحيل أن تكسب الدولة شرعيتها بين الجماهير دون أن تقدم خدمات أو تقوم بمهام نافعة، وإن لم يتفق الفوضويون على هذه المهام، إلا أنها تتواجد في مساحتين: حماية الفرد ضد غزو الآخرين له، والتنسيق بين أعمال الإنتاج في المجتمع.
أما عن المجتمع المتصور لدى الفوضويين فهو ليس بدون تنظيم كليًّا، بمعنى أنه توجد مؤسسات لتحقيق أهداف جماعية، ولكنها تلك المؤسسات لها خصائص تختلف عن الدولة:
  • أولها: أنها لن تكون راعية أو سلطوية، ولكن ستكون محددة الوظائف، ولن يسمح لها بتخطي دورها المحدد سلفًا.
  • ثانيًا: يصر الفوضويون أن يكون الانتماء لهذه المؤسسات اختياريًّا، وليس إجباريًّا بمعنى أن كل فرد تحكمه تلك المؤسسات يجب أن يوافق سلفًا على أن يحكم بها.
  • ثالثًا: بعض الفوضويين قد أعجب بفكرة وجود وكالات مختلفة تتعاون في مجال واحد، وفي الوقت نفسه تتنافس لاستمالة العاملين في تلك المجال-أي ما يشبه الشبكات NETWORKS.
  • أخيرًا: فهم يرون جعل هذه المؤسسات أكثر قبولاً وذلك بتسييرها عن طريق الديمقراطية المباشرة أو تداول الإدارة .

2- الدين

وبالرغم من كون الدولة هي الموضوع المميز الذي هاجمه الفوضويون إلا أن أي مؤسسة كالدولة تدار بالطريقة نفسها، وعلى هذا ظهر نقد الفوضويين للكنيسة كمؤسسة سلطوية. فكان معظم الفوضويين ملحدين وادعوا بأن الإيمان بالله هو رد فعل تجاه الحرمان الاجتماعي.
وكان نقدهم للكنيسة ذا جانبين: الأول: أن سلطة القس أو الكاهن على المؤمن تبدو دومًا كمصدر لكل السلطات، بمعنى آخر فإن الشخص الذي يقبل رجوعه إلى سلطة آخر أكثر حكمة منه في الأمور الروحانية، وهو ما يسهل قبوله لأي نوع آخر من السلطة كسلطة القائد السياسي على سبيل المثال، ثانيًا: أن الكنيسة قد تستخدم مباشرة لخلق شرعية للدولة، فالقس يمكنه استخدام سلطته لينشر مبادئ الطاعة للسلطة السياسية.


3- الاقتصاد

يعد الفوضويون أيضًا نقادًا للنظم الاقتصادية القائمة، فحينما نقرأ بعض الأعمال في كتابات الفوضويين ربما نعتقد أن القهر أو الظلم الاقتصادي كان هدف تلك الأعمال، بينما يحتل القهر السياسي المرتبة الثانية.
ويدعي الفوضويون أن النظام الاقتصادي في المجتمعات الغربية هو بالأساس نوع من السيطرة الاحتكارية من جانب أصحاب الأعمال الضخمة حيث يجبرون قوى العمل على الرضا بأجور تقل عما يستحقونه نظير مجهوداتهم.
فماذا يقترح الفوضويون كنظام اقتصادي بديل؟ هنا لا يوجد اتفاق حول هذا النظام بل على العكس، فتتراوح اقتراحات الفوضويين بين السوق الحرة والقطاع الخاص، والمنافسة بين المؤسسات على شراء المستهلكين لمنتجاتها وخدماتها، وبين نظام الملكية العامة حيث ينتج عامة الشعب ويوزع الإنتاج حسب قاعدة الاحتياج، ويرى “برودون” أن الملكية الفردية تعني الاستغلالية، والشيوعية تعني العبودية، ويؤكد على وجوب احتفاظ العمال باستقلالهم وترابطهم بعلاقات من الثقة والتعاون، ويرى أن كل منتج يباع للمستهلكين وتقاس قيمته بعدد ساعات العمل لإنتاجه لا بالأسعار التي يحددها السوق، وبدلاً من استخدام النقود تصدر أوراق عمل عن بنك الشعب.


الفوضوية في القرن الواحد والعشرين

ثم تقول:-

قد يقول البعض: إن الفوضوية لم تجد طريقها للتطبيق في تجارب واقعية، وقد يربط البعض الفوضوية بالتصور الخيالي أو اليوتوبيا (المجتمع المتعاضد الفاضل الذي لا يوجد في الواقع)، وذلك كما ذهب نوتسيك في كتابه القيم حول الفوضوية والدولة واليوتوبيا، وأنها لا صلة لها بعالم اليوم، لكن هناك صعود الآن في مجال النظرية السياسية للاهتمام بالفوضوية نظراً للأزمة التي تشهدها الدولة القومية في ظل العولمة، وهو ما جعل أفكار الفوضوية عن إدارة المجتمع بدون دولة تكتسب أهمية من جديد إذا ما تم تطويره . فالحديث عن مجتمع الشبكات الدولية، وعن صعود المجتمع المدني، وتنامي الديمقراطية بأشكال تعتمد الإدارة المحلية والإقليمية كلها تطورات فكرية وواقعية تستدعي أفكار الفوضوية التي رغم انحسارها مع صعود الليبرالية والماركسية ظلت دوماً مدرسة هامة في الفكر تتجاوز الأيدلوجيات كما أسلفنا، وهو ما يتطلب من الفكر الإسلامي المعاصر قراءة تراثه عن الأمة ومراجعة نظرياته عن مركزية الدولة (الخلافة) في ظل ما يشهده العالم من تطورات قد تجعل مفهوم الأمة والوحدات الاجتماعية في حاجة لتفعيل وتطوير مع مراحل الرأسمالية الحالية وثورة المعلومات وتدويل الاقتصاد والإعلام ، وإذا كانت الأفكار الأناركية في الغرب- لأسباب متعلقة بالنشأة – قد قاومت سلطة الدين فإن رؤية إسلامية لدور محدود للدولة قد تعني العكس تماماً، وهو توسيع سلطة الأمة والشرع مع تحجيم تغول الدولة حتى وإن كانت إسلامية، وهنا تبرز الحاجة لصياغة عولمة مختلفة تتأسس على هذه المفاهيم برؤية إسلامية تراجع الدولة وتقوم بتفعيل الشرع والناس.


الإخوان المسلمين والشيوعية

وجد هذا التيار ضمن تيارات الفكر التغريبي في مصر، حيث بدأت تتكون في مصر حلقات شيوعية من الأجانب واليهود الروس، وبعض المصريين بعد الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917م وتكون الحزب الاشتراكي المصري عام 1921، وحمل برنامجه معالم الماركسية.

ويرجع بداية العمل الشيوعي في مصر إلى نهاية الحرب العالمية الأولى, عندما بدأت بعض العناصر الأجنبية بالإسكندرية نشر الفكر الشيوعي تحت إشراف جوزيف روزنتال, وانضم له بعض المصريين أمثال سلامة موسى, وعلى العناني, ومحمود حسنى العرابي ,وتشكل الحزب الاشتراكي المصري, ثم تغيير إلى الحزب الشيوعي المصري فى يناير 1923, والذي تبنى سلسلة إضرابات واعتصامات عمالية, أدت للقبض على أعضاء الحزب الشيوعي والحكم عليهم بالسجن,

ولو نظرنا إلى الأسباب التي أدت لظهور الشيوعية لوجدنا أنها تمثلت فى:

1- عدم رضاء الشباب عن نتائج ثورة 1919 والتي تحقق حلول للأزمة الاجتماعية كالفوارق الطبقية والبطالة.
2- أصداء ثورة أكتوبر 1917 الروسية في مصر وإنكباب بعض الشباب المصريين على التعرف على الفكر الشيوعي.

والشيوعية مذهب مادي يؤمن بالمحسوس فقط، ويفسر حركة التاريخ والفتوحات بأنها كانت لغرض مادي، وكانت في سبيل التملك والتوسع، ومن ثم راحت الشيوعية تهتم بكل محسوس على ظهر الأرض، وبكل محسوس في الكيان البشري من مأكل وملبس ومسكن وشهوة، ثم طمست في الإنسان جانب الروح؛ فأنكرت وجود الله ومحت العقيدة الحقة، ورفضت كل ما يشع منها من مثل وأخلاق، فالشيوعية في جوهرها حرب على كل القيم الإنسانية وعلى المثل العليا، حرب على الدين والتدين.

ومن ثم كان موقف الإخوان من هذه الحركة واضح وصريح ، و لقد كان للإخوان وصحافتهم موقف واضح حاسم من الشيوعية والاشتراكية في العالم الإسلامي عامة، وفي مصر خاصة، إذ شعروا بخطورتها في بداية ظهورها، فحذروا ونشروا أول تحذير لهم من هذا الخطر القادم في افتتاحية جريدة الإخوان المسلمين تحت عنوان: "فليحذر الإخوان .. انقلاب خطير يهدد العالم".

ولقد هاجم الشيوعيين الإخوان وطالبوا الحكومة بحل جماعة الإخوان وذلك عبر صحيفة الجماهير اليسارية، فظهرت التحالفات والتحالفات المضادة بين الإخوان والشيوعيين، وكان موقف الإخوان واضح من حرب فلسطين في حين اعترف الشيوعيين بالدولة الصهيونية.

يقول سامح نجيب –أحد الاشتراكيين الثوريين: وإذا كان كفاح الإخوان ضد الصهيونية أدى إلى نجاحهم في ضم جماهير واسعة من الشباب الغاضب إلى صفوفهم، ففي المقابل أدى الموقف المتخاذل لليسار المصري من قرار التقسيم وإنشاء دولة إسرائيل إلى فقدانه لتلك الجماهير وانعزاله عنها.

لقد كان الإتحاد السوفيتي أول من اعترف بقرار التقسيم، ونتج عن ذلك الاعتراف حالة من التخبط الشديد في أوساط اليسار المصري والعربي عموماً. فالمنظمات الشيوعية المصرية وقتها كانت تعتبر الإتحاد السوفييتي قلعة الإشتراكية العالمية، وصارت بالتالي تابعة أيديولوجياً وسياسياً للحزب الشيوعي السوفييتي. وبدلاً من نقد الموقف السوفييتي وفضحه بصفته مناورة تهدف إلى خدمة المصالح الخارجية الإستراتيجية لروسيا في ذلك الحين، تبنت غالبية المنظمات الشيوعية في مصر موقفاً من قرار التقسيم كان مجرد تبرير وترديد للموقف السوفييتي.

ويضيف: لقد ارتكب اليسار المصري أخطاء فادحة في تحليله وتعامله مع جماعة الإخوان المسلمين. فقد اتخذ موقفاً يعتبرها حركة رجعية ظلامية تعادي الحداثة والديمقراطية...... ولم يكن باستطاعة الإخوان أن يصبح لهم ذلك النفوذ الجماهيري الهائل دون أخطاء اليسار التاريخية في الأربعينات حيث أدت تبعيته للاتحاد السوفيتي إلى تبني إستراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية، التي أدت في نهاية المطاف إلى تذيل حزب الوفد والتخلي عن استقلالية وقيادية الطبقة العاملة.

المراجع

1- رءوف عباس : أوراق هنري كوبيل والحركة الشيوعية المصرية, ترجمة عزة كامل, الطبعة الأولى ,سينا للنشر القاهرة 1988م.

2- عبد الله الخطيب: فوق أطلال الماركسية والإلحاد, الطبعة الأولى, دار المنار الحديثة, القاهرة 1989م.

3- سامح نجيب: الإخوان المسلمون رؤية اشتراكية، مركز الدراسات الاشتراكية، 2006م.

4- هبة رؤوف: مقال بعنوان: الفوضوية: الفلسفة التي ظلمتها الترجمة، موقع إسلام أون لاين.

5- مدونة بهدوء: تامر موافي.

أقرأ-أيضًا.png
الإخوان المسلمون رؤية اشتراكية

.