الإبتلاء

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإبتلاء


بقلم / د. موفق الحكيم

الابتلاء هو أحد سنن الله عزّ وجل في عباده المؤمنين في الحياة الدنيا ، وهو سنة الله في العقائد والدعوات ، فطريق الدعوة إلى الله طريق شاق وطويل ، محفوف بالمكاره ، مليء بالأشواك ، حافل بالعقبات ، مفروش بالدماء والأشلاء ، محكوم عليه بالابتلاء والإيذاء .

يقول الله تعالى : { ألم ¯ أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ¯ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } [العنكبوت:1-3] .

الأستاذ سيد قطب

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال : « إن الإيمان ليس كلمة تقال ، إنما هو حقيقة ذات تكاليف ، وأمانة ذات أعباء ، وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال ، فلا يكفي أن يقول الناس : آمنا ، وهم لا يتركون لهذه الدعوة حتى يتعرضوا للفتنة ، فيثبتوا عليها ، ويخرجوا منها صافية عناصرهم ، خالصة قلوبهم ، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ، وهذا هو أصل الكلمة اللغوي ، وله دلالته وظله وإيحاؤه ، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب . هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية في ميزان الله سبحانه : { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين }.

وأنواع الابتلاء متعددة ، وطرق الإيذاء متنوعة ، ولا بد من الصبر على تلك وهذه ، فطريق الجنة محفوفة بالمكاره وطريق النار قد حُفت بالشهوات . يقول الله تعالى : { لتُبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعُنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً } [آل عمران:186] . ويقول الله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين } [البقرة:155].

إنها سنة الله في العقائد والدعوات ، لابد من البلاء والابتلاء ، في المال والنفس والأحباب ، ولكن لا بد من الصبر والتحمّل والمقاومة ، فهذا هو الطريق الحقيقي لتحمل الأعباء والتكاليف ومن أجل المعرفة الواقعية والحقيقية لمكنونات النفس ، وقدرات الجسم ، ومعرفة الواقع وحقيقة الحياة .

فالابتلاء هو سنة ربانية نابعة من طبيعة الدعوة من جهة ، ومن طبيعة الجاهلية من جهة أخرى .

أ- الابتلاء سنة ربانية : لأن الداعية يحتاج إلى صياغة كافية وإعداد حقيقي وتدريب مستمر ليحمل ويتحمّل تكاليف الحق وأعباء الدعوة ، وهي تكاليف مرهقة ، وأعباء باهظة تحتاج إلى تدريب شاق ، وإعداد مستمر ، وتحتاج معها إلى الصبر والإيمان وصدق العزيمة ، وذلك لما يتطلبه هذا الإعداد ولما يترتب عليه هذا التدريب من معاناة واضطراب وقلق ، فالطريق إلى الله ليس بالطريق المُعبد السهل اليسير ، وليس هو بالرحلة أو النزهة القصيرة الجميلة ، ولا عَرَضاً قريباً وسفراً قاصداً .

إن الدعوة إلى الله هي أشبه ما تكون بتشييد بناء متين مكين يستظل فيه الناس بظل الله في الأرض ، يستروحون فيه العدل ، وينشدون فيه الأمان والاطمئنان ، تكتنفهم في جنباته الرحمة وتظلهم في أرجائه الألفة والأخوة ، هو أشبه ما يكون بالواحة الوارفة الظلال التي تقي من لهيب شمس الهاجرة ، وتعطي السكينة والهدوء للنفس القلقة المضطربة » .

إن الإيمان كما يقول الشهيد سيد قطب في الظلال : « إن الإيمان أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل ، وفيهم على حملها قدرة ، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص ، وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة ، وعلى الأمن والسلامة ، وعلى المتاع والإغراء » .

ويتابع رحمه الله : « وما بالله - حاشا لله - أن يعذب المؤمنين بالابتلاء ، وأن يؤذيهم بالفتنة ، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة ، فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات ، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه ، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء » .

نعم ، كما أن العجينة تحتاج إلى حرارة لإنضاجها ، فإن العجينة البشرية تحتاج أيضاً إلى حرارة الابتلاء لتصلب وتنضج وتقسى وتصبح قادرة على الصمود وتحمل الصدمات ، والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ، وحتى تتمكن جذور العقيدة في نفس الداعية وتتغلغل في كيانه وأعماقه فلا تقتلعها العواصف ولا تذهب بها الرياح : { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } [آل عمران:159] . والشدائد والأزمات تستجيش مكنونات النفس وطاقاتها وإمكاناتها وتطرقها بعنف وقوة ليشتد عودها ويصلب ساقها ويصقل قوامها .

إن النعيم لا ينال إلا بعد الشقاء ، ولذة السرور تأتي عقب شديد الألم ، وجمال الربيع يتلو زمهرير الشتاء ، وهذا هو حال الدعوة فإنها لا تعطي وروداً ولا تجني منها ثماراً إلا بعد أن ينالك الوافر من التعب والمشقة وجروح الأشواك .

يقول الأستاذ أحمد أمين في كتاب “ فيض الخاطر [ج1 ص118] ” تحت عنوان : فلسفة المصائب : « حتى كان من غريب أمر الإنسان أنه لا يدرك اللذة إلا بالألم ، ولا الفائدة إلا بالمصيبة ، كما لا يدرك الحلو إلا بالمر ، ولا المر إلا بالحلو ، ولا يمكن أن نتصور سعادة إلا بشقاء ، ولا شقاء إلا بسعادة ، فكأن السعادة والشقاء وجها القطعة من النقود لا يمكن أن يُتصوّر وجود أحد الوجهين إلا بالآخر » .

ويتابع : « على أن المصائب نفسها ليست تخلو من وجه جميل وناحية رائعة ، فهي ليست قبحاً صرفاً ولا شقاءً خالصاً بل كثيراً ما تكون بلسماً كما تكون جروحاً ، ودواءً كما تكون داءً . إن الرخاء يفسد الطبيعة البشرية فلا بد لها من شقاء يصلحها ، والحديد قد يفسد فلا بد له من نار تذيبه حتى تصلحه ، وتذهب خبثه ، فكذلك النفوس قد يطغيها النعيم ويصدئها الترف ، فلا بد لها من نار تُكوى بها لتنصهر ويذهب رجسها ، ثم إذا أردت أن تعرف نفوس الناس حقاً فتعرّفها في أوقات المصائب لا في أوقات النعيم » .

وأشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء والصالحون كما جاء في الحديث الشريف الصحيح : « أشد الناس بلاءً الأنبياء ، ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء » ؛ لأن كل مصيبة تصيب الإنسان الصالح أو كل ابتلاء يقع به فيواجهه بالصبر والإيمان والاحتساب يغسل عنه ذنوبه وخطاياه ، ويزيل عنه الرجس والآثام ليلاقي ربه في دار النعيم وقد فاز بجنات الله ورضوانه ورؤية وجهه الكريم .

كما أنه لابد من الابتلاء لتستطيع الجماعة أن تقوم بحمل هذه الدعوة والنهوض بتكاليفها ومعرفة عناصر الخير من عناصر السوء في أفرادها وقياداتها ، ولمعرفة حقيقة النفس البشرية وخباياها ، وحقيقة الجماعات والمجتمعات التي تعيش فيها ، وهم يرون كيف تصطرع مبادئ الدعوة مع أهواء النفوس والشهوات ، ومعرفة مداخل الشيطان إلى هذه النفوس ومزالق الطريق ومسارب الضلال . يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله : « لابد من تربية النفوس بالبلاء ، ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد ، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات » لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة ، كي تعزّ على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف ، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى ، فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين . وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها ، كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها ، كذلك لا يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها ، إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيراً مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء ولا صبروا عليه ، وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها ، مقدرين لها ، مندفعين نحوها ، وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجاً .


المصدر : مجلة الرائد عدد 200