الإخلاص.. من رسالة التعاليم للإمام حسن البنا (2)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخلاص.. من رسالة التعاليم للإمام حسن البنا (2)

إعداد: وليد شلبي

محتويات

مقدمة

نستكمل الجزء الثاني من تلخيص كتاب (الإخلاص من رسالة التعاليم للإمام حسن البنا) للداعية الكبير الأستاذ جمعة أمين، وكنا قد عرضنا في الجزء الأول الباب الأول (من دلائل إخلاص المسلم بوجه عام)، والباب الثاني (من دلائل الإخلاص للدعوة "المنهج" جندًا وقيادةً)، ونستكمل في الحلقة الثانية البابَين الأخيرَين.

الباب الثالث: من دلائل إخلاص الأفراد فيما بينهم وبين قيادتهم

1- تحقيق عقد الأخوَّة داخل الجماعة لوضع منهج الجماعة موضع التنفيذ

لا شك أن من دلائل إخلاص الأفراد فيما بينهم الحب، والإيثار، والتعاون، والتكافل، والتضحية، وغير ذلك من الأخلاق التي نراها تسود مجتمع المسلمين، ولا تتحقق هذه الخلال الحميدة إلا إذا حقَّق كل فرد في ذاته عقد الإيمان، وهو حق الله على العباد، فيتقوَّى بذلك الرباط الإيماني بين أفراد الجماعة ويقْوَى تبعًا لذلك قوة الرباط التنظيمي القائم على الثقة والأخوَّة والطاعة.

فإذا وجدت خلَلاً تنظيميًّا في جماعة مسلمة فابحث أولاً عن الخلل الإيماني؛ لأن كثيرًا مما يصيب الجماعة من خلل تنظيمي ربما يكون سببه ضعفًا في الإيمان أو مرضًا في القلب أو عدم الأخذ بالأسباب أو إهمالها، ومع هذا فكم من ثغرات عولجت بالإخلاص!! وكم من ضعف قَوِيَ بالمحبة، مع عدم إغفال الأخذ بالأسباب التي نتعبَّد الله بها؛ لذلك كان لابد من تحقيق عقدة الأخوَّة، سواء كان بين الأفراد أو بين الأفراد والقادة لوضع المنهج موضع التنفيذ. وهذا يتطلَّب ترتيبًا يبدأ أولاً وقبل كل شيء بـ:

أ- حب المسلم لربه.. فالمفروض أن حبَّ المسلم لربه أربَى من أي عاطفة عند أي إنسان آخر ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ..﴾ (البقرة: من الآية 165)، ويظهر ذلك جليًّا عندما يصطدم في نفس المرء شعوران متناقضان، فقد تجيش في قلبه رغبةُ القعود في بيته مع ولده وأهله، وقد يهتف به نداء الواجب أن يدَعَ ذلك كلَّه، وينطلق إلى ميدان الجهاد، مضحيًا بنفسه ورغباته.

ومقتضى حب الله عز وجل أن يطيع الإنسان أمرَه، ويدَعَ نهيَه ويحرصَ على رضاه، وكلما ازدادت هذه العاطفة فعَل الإنسانُ الكثيرَ لله دون أن يحسّ؛ لأن ما عمر فؤاده من شعور يهوِّن عليه المشاقّ.

وإذا كان المولى- سبحانه وتعالى- يحب من أحبَّه فإن على المسلم المخلص لدينه أن يحبَّ من أحب الله فـ"فمن أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان" فحب الله إذن دليلُ إخلاصٍ لهذا الدين، وإخلاص لأتباعه.

ب- الحب في الله.. يتميز المجتمع الإسلامي بسيادة شعور المحبة والتآخي فيه؛ لأنه مجتمعُ الحب والإخلاص، فالحب الذي عرفه هذا المجتمع بين أفراده لم يعرفْه مجتمع بشري آخر، إنه الحب الأخوي الذي لا يتحقق إلا بالصدق والإخلاص، الذي استمد صفاءه وشفافيته من مشكاة الوحي وهي النبوة، فكان نسيجًا وحدَه في العلاقات البشرية، وكانت أثره في سلوك الإنسان المسلم فريدةً في تاريخ المعاملات.

فلا عجب أن تثمر تلك الأخوَّة الفريدة نمطًا من الحب عجيبًا في سموِّه ونقائه وديمومته يسمِّيه الإسلام الحبَّ في الله، ويجد المسلم الصادق فيه حلاوةَ الإيمان "ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".

بالحب نبني مجتمعنا

ولقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يدرك ما لهذا الحب النقي القوي من أثر في بناء المجتمعات والأمم، فكان لا يدع مناسبة تمر إلا ويدعو المسلمين إلى التحابب بهذه المحبة الناصعة بني رسول الله صلى ال الله عليه وسلم جيل الإسلام الأول الذي بلغ رسالة السماء إلى الأرض، وكان القاعدة الصلبة التي حملت صرح الإسلام الشامخ إلى الناس، وبدون هذه المحبة الصافية التي تفرَّد بزرعها الإسلام في القلوب ما كان المسلمون الأول ليستطيعوا التماسك والصمود في تحمُّل تبعات الجهاد، وتقديم التضحيات الجسيمة في بناء دولة الإسلام ونشر أعلامه في الخافقين.

جمع القلوب أولاً

إن أيَّ نظام من النُّظُم الوضعية قد يستطيع أن يجمع الصفوف ولو تنافر ما في الصدور، ولكنه لا يستطيع أن يجمع القلوب، فجاء الإسلام ليجمع القلب إلى القلب بالإخلاص، ثم الصف إلى الصف بالنظام، ولن تجتمع القلوب إلا بالإيمان الخالص، فالإيمان يجمع والكفر يفرق، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيْعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (الحشر: من الآية 14) فأين هؤلاء من الذين وصفهم الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد"، ولقد وضع الإسلام شروطًا لهذه الأخوَّة، يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

إن من الإخلاص أن تحب من أخيك المؤمن إيمانه وعبادته وطاعته لربه فتدور مع أمر الله حبًّا وبغضًا، وفي نفس الوقت تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكرهه لنفسك، وحين تحقّق ذلك في مجتمع المسلمين امتنَّ الله على المؤمنين بهذه النعمة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: من الآية 103)، وتأمَّل دقَّة التعبير ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولم يقُل فألَّف بينكم، والتأليف بين القلوب لا يكون إلا بالإخلاص ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾ (الأنفال).

ويقول شهيدنا الإمام حسن البنا لتلاميذه وأتباعه ليعمِّق فيهم معنى الإخلاص: ائتوني باثني عشر ألف مؤمن وأنا أقتحم بهم الجبال، وأخوض بهم البحار، وأفتح بهم الأقطار، مشيرًا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس مرفوعًا: "لن يُهزم اثنا عشر ألفًا من قلة".

جـ- سلامة الصدور..لذلك كان من الإخلاص سلامة الصدور بين أفراد الجماعة الواحدة، فلا بد للجماعة التي أخلص أفرادها لدعوتهم أن تكون صدورهم سليمة، وقلوبهم رحيمة، وعلاقاتهم وطيدة، يستمعون إلى رسولهم صلى الله عليه وسلم وهو يقول لهم: "بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة الصلاة ولا الصيام وإنما دخلوها بسخاوة الأنفس وسلامة الصدور".

إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوصي أنسًا رضي الله عنه فيقول: "يا بني إذا أصبحت وأمسيت وليس في قلبك غشّ لأحد فافعل؛ فإن ذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبَّني ومن أحبَّني كان معي في الجنة" ويقول: "ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في الصدر".

إن سلامة الصدر أدني درجات المحبة؛ لأن أعلاها الإيثار الذي رأيناه في صحابة رسول الله، وقد ورد في السيرة أنه عرض الماء على عكرمة بن أبي جهل وأصحابه في اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقَل أحوج ما يكون إلى الماء فردَّه الآخر إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم، رضي الله عنه وأرضاهم.. تلك هي أمة الإيثار، وذلك هو شعار المؤمنين المخلصين الأنصار ليكون هذا الشعار نبراس المخلصين في كتائب الإيمان في كل زمان ومكان.

أمثال هذه القلوب المخلصة لا يستطيع أهل الباطل أن يقتحموا صفوفَها، إنه بقدر ما تضعف هذه المشاعر في القلوب يكون الضعف معولاً في هدم ذلك الصفّ، وقد يجد الأخ في نفسه شيئًا على إخوته، بل قد تكون هناك بعض النفوس المريضة التي تبذر لنفسها بذورَ الفتن فتضيق لسعادة إخوانها، أو ينفتح صدرها لتمني زوال النعمة التي أنعم الله بها عليهم، فعليهم أن يجدِّدوا الإيمان ويتوبوا إلى الله وينظروا إلى جيل الصحابة الذي قال الله عنهم﴿ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية 9) أي لا يجدون في صدورهم حاجة يعني الحسد (مما أوتوا) قال قتادة: يعني فيما أعطي إخوانهم.

ولكي نحافظ على سلامة الصدور على الأقل يجب أن نراعي الاجتماع على الأصول، والتماس العذر للمخالف، كما قال الإمام البنا في القاعدة المعروفة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه" كذلك النصيحة بوجه عام وعدم التعصب للرأي وترك الجدل والمكابرة.. كل ذلك من دلائل الإخلاص.

2- السمع والطاعة للقيادة في العسر واليسر والمنشط والمكره

درج الصحابة رضوان الله عليهم- وهم أخلص الجند- على طاعة رسول الله في المنشَط والمكرَه، وفي العسر واليسر وتلقَّوا أوامره للتنفيذ، وتعلَّموا الأحكام للعمل، فما أُمروا بشيء إلا فعلوه، ولا نُهُوا عن شيء إلا اجتنبوه ولا نزل فيهم حكمٌ من الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم- إلا استسلموا إليه راضين وعملوا به مذعنين.

ويوم أن يخلص الجند طاعتَهم للقيادة التي لا تأمر إلا بمعروف؛ لأنه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"- أقول- يوم تتحقق هذه الجندية يتحقق فيهم قول الله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ (173)﴾ (الصافات)؛ لأن الجندية في الإسلام هي قوام الجماعة، والتي بها يشدُّ أزر القيادة ويقوِّيها، وهي الدرع الواقي والحصن المنيع الذي يضع الأهداف موضع التنفيذ.

فالجندية هي الجزء المتمِّم للقيادة، وكلتاهما لا وجودَ لهما ما لم يجتمعا، فلا قيادةَ بدون جندية، ولا جنديةَ بدون قيادة؛ ولذلك إذا أخلص الجند للقيادة فلا بد أن تكون العاقبة حميدةً والنصر مؤكدًا بإذن الله؛ لأنه وعْدُ الله الذي لا يخلف وعده ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾.

وشروط تحقيق هذا الوعد أن ترعى القيادة أوامر الله، وأن يضعَها الجند موضع التنفيذ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾ (الروم) فيوم كان المسلمون أهلاً لذلك وصدقوا الله صدقهم الله وعده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده.

إن الجندية في الإسلام لكي يتحقق فيها واجب الإخلاص لا بد أن تحسن الصلة بالله أولاً، وتتوكَّل عليه حسن التوكل، وتطيعه في صغير الأمر وكبيره، فالجيشُ المسلم لا يُهزَم إلا بمعصية أو مخالفة؛ لأن الله ضمن له النصر ما دام في طاعة الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاع الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ..﴾ (النساء: من الآية 59)؛ لذلك كان من دلائل الإخلاص طاعة الأمير.

الذنوب أخوف من العدو

فالذنوب وعدم طاعة الأمير تُبعد المسلم عن ساحة نصر الله، وتُدنيه من الهزيمة، فذنوب الجيش أخوف عليه من عدوِّه، ولذلك وثَّق الصحابة رضوان الله عليهم الصلة بربهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)﴾ (الفتح).

ذلك لأن الجندي في الإسلام يطيع أمر قيادته في المنشط والمكره، وهو على يقين من أنه يقاتل لنشر الدعوة، وإقامة العدل، ومَحْو الظلم والطغيان، فلم يفتح البلاد من أجل خيراتها ولا ثرواتها، ولكنه بذل الروح من أجل هداية الناس وسعادتهم ولتكون كلمة الله العليا.

من أجل هذه المبادئ السامية كان إخلاصه في طاعة قيادته، فالجندي المخلص هو الذي يكون وقَّافًا عند حدود الأوامر والنواهي فلا يعصي ولا يتمرَّد ولا يخالف أمرًا تُصدِرُه القيادة، فهو يتحكَّم في سلوكه ويكبح أهواءه ورغباته، ويلتزم بالأمر متى صدر إليه من القيادة، لا يعمل عملاً حتى يستأذن ولا يتحرَّك حركةً إلا بعد موافقتها.

فالجندي المخلص بحقٍّ لا يمكن أن يصدر إليه أمر قيادته ثم يتردَّد في تنفيذه؛ لأن ذلك من أبرز سمات المنافقين.. إن الجندي الصادق لا يعطي نفسه حقَّ الاختيار بعد صدور أمر القيادة؛ لأن ذلك يُعتبر معصيةً؛ لأن ولاءه لقيادته مبنيٌّ على أساس عقيدته، فطاعة وليِّ الأمر من طاعة الله طالما أنها في معروف، فلا يصدّه عن الطاعة عاطفة مهما قويت، ولا توهنه قرابةٌ مهما قربت، ولا تصرفه أُبوَّةٌ رحيمةٌ، ولا أمومةٌ رؤومة، ولا بنوَّة بارَّة كريمة ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا (36)﴾ (الأحزاب).


3- النصرة والتأييد (الولاء)

الولاء هو الحب والتناصر والتحالف، وهو بهذا المعنى مِن أوجب واجبات الجنود لقيادتهم ومبادئهم؛ لأن الجندية الصحيحة لا تتحقَّق إلا بالحبِّ المتبادَل بين الجنود والقيادة، والقيادة المخلصة لا توجد إلا بالتناصر والتحالف بينها وبين جنودها.

ومن المعلوم في الإسلام أن المسلم لا يمنح ولاءه إلا لأخيه المسلم جنديًّا كان أو قائدًا.. فالرابطة هي رابطة الإيمان الباقية، وما عداها روابط مادية أو أرضية تزول بزوال موجباتها، لهذا لم يعترف القرآن الكريم برابطة البنوة بين نوح عليه السلام وبين ابنه الذي كفر.. فالعقيدة هي الأساس الذي يبني عليه الولاء في الإسلام؛ ولذلك لا بد أن تكون المفاصلة في هذا الأمر حاسمة صارمة.

ولقد فهم المسلمون أنَّ ولاءهم لا يكون إلا لقيادتهم وجماعتهم المسلمة وإخلاصهم لا يكون إلا لعقيدتهم والمؤمنين بها، وجهادهم لا يكون إلا لإعلاء كلمة الله، فحققوا ذلك كله في أنفسهم وطبقوه في حياتهم.

ولذلك فإنَّ من دلائل إخلاص الفرد الولاء للجماعة وقيادتها؛ إذ المفروض في الشخص أن يكون ولاؤه للجماعة مطلقًا؛ بحيث يدين لها بكاملِ الطاعة في المعروف وأن تكون ثقته بها مطلقة.


4- النصح والتسديد

النصيحة دليل إخلاص الجندي لقيادته ودعوته.. ذلك أنَّ إهمالَ النصيحة يؤدي إلى تفكك الجماعة وتفرقها، وتأديتها يقيم الجماعة ويزيد من تماسكها؛ ولذلك جعلها الرسول- صلى الله عليه وسلم- هي الدين.. "الدين النصيحة"، قلنا: لمَن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

شروط الناصح

1- أن يكون الناصح عالمًا بالحكم الشرعي لما يأمر به أو ينهَى عنه؛ حتى لا يتعرَّضَ للخلط والخطأ.

2- أن يتحرَّى الطريقة المناسِبة عند نُصحه مراعيًا الظروف والأحوال.

3- أن يكون عاملاً بما ينصح به، مطبِّقًا له على نفسه وأهله ومَن يعول.

4- أن يقدم النصيحة بصورة تؤدي إلى قبولها، على أن يغلب ظنُّه استجابة المنصوح، مع مراعاة ألا تؤدي إلى ضررٍ أكبر، ويُفضَّل أن يُسرَّ بها، ولا لومَ فيها ولا تعنيفَ، خاليةً من جرح شعور المنصوح أو إظهاره في صورةِ المخالف، وهناك أمثلة كثيرة حدثت في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما بعد عهده، منها على سبيل المثال: موقف غزوة بدر، ومواقف أبي بكر وعمر، وغيرها الكثير.

ففي غزوة بدر

أولاً: الشجاعة الأدبية التي تحلَّى بها الجندي المسلم، والتي ربَّى الإسلام جنوده عليها، وهي صفةٌ يتحلَّى بها المخلصون العاملون لدينهم.

ثانيًا: التقيُّد بأمرِ الله تعالى؛ بحيث لا تجوز مخالفته في صغيرةٍ ولا كبيرةٍ.. يا رسول الله أرأيت هذا المنزل منزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه..؟!

ثالثًا: بذل النصيحة للقيادة إذا كان هناك مجالٌ للرأي، قال رسول الله: "بل الرأي و الحرب والمكيدة"، عندئذ يقول الحباب: يا رسول الله هذا ليس بمنزلٍ.

رابعًا: احترام القيادة لآراء الجند والاستماع إليهم وتنفيذ الصالح منها يزيد من رصيد الإخلاص لديهم قال- صلى الله عليه وسلم- للحباب: "لقد أشرت بالرأي".

في هذه البيئة النقية المخلصة جنودًا وقيادةً، والتي تتغذَّى بالحوار، وتنمو بالمراجعة، وتصحُّ بالنقاش، تتنوع أساليب العمل، وتنشط حركة الاجتهاد، وتغدو الحكمة ضالَّةَ المؤمن "أنَّى وجدها فهو أحقُّ الناس بها" فإذا بالتوفيق حليفُهم والإخلاصُ ديدنُهم، وتقديمُ النصح لقيادتهم من دلائل حركتهم.

أصحاب الأماني

إن المسلم الحريص على تحقيق الأهداف يجب أن يفرِّق بين الأمنيات والإمكانات، ويقدم نصيحته على ضوء الإمكانات لا الأمنيات؛ لأن الأمنيات تقوم على العواطف وربما الهوى والظن، ولا تفرق بين ما يجب أن يكون وما هو كائن؛ ولذلك فإنَّ أصحابَ الأماني يُكثرون من النقد، ويرون كل خطوةٍ ناقصةً، وكل عملٍ خاطئًا ولا يقول الواحد منهم "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وليس هذا من الإخلاص في شيء؛ لأن المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات، ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "استعيذوا بالله من جارِ السوء الذي إن رأى خيرًا ستره، وإن رأى شرًا أظهره".

فالمسلم المخلص حين ينتقد ينظر إلى الإمكانات المتاحة لقيادته؛ لأن الإمكانات تشمل على: البرمجة والتخطيط ودراسة الأسباب، ومعرفة العلل، وحصول النتائج ومناقشة صحتها من خطئها ومدى توافقها والتصور الإسلامي.

النقد الموضوعي يتطلَّب وضْعَ هذه الأمور في الحسبان، إن النقد (النصح) يتطلب دراسةً موضوعيةً متعمقةً متجردةً للوصول إلى الرأي الذي يعتقد صوابه؛ ولذلك الناصح يتحرى الصدق، ويتحرى القصد، ويتحرى الأسلوب، ويتحرى الموضوعية.

ويجب عليه أن يفرِّق بين الوسائل المتغيرة والأهداف الثابتة، ليكون نقدُه مبنيًّا على دراسة علمية دقيقة- كما قلنا- أساسها التخصص والخبرة، بعيدًا عن الارتجال ولا يتهم الرجال بل يراجع الأعمال، وليخش الناصح على نفسه ودينه من حبِّ الشهرة والصيت، خصوصًا إذا كان من أصحاب المواهب؛ لأن الإنسان لو طبقت شهرته الآفاق وهو مدخول النية لم يغنِ الناسُ عنه من الله شيئًا.. يقول إبراهيم بن أدهم: "ما صدق اللهَ من أحبَّ الشهرة"، ويقول الفضيل بن عياض: "إن قدرت على ألا تعرف فافعل، وما عليك ألا تعرف؟ وما عليك أن يُثنَى عليك؟ وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس إذا كنت محمودًا عند الله؟!

إنكار الذات ليس معناه عدم الشهرة

ولا نفهم من هذا أنها دعوةٌ إلى الانطوائية والعزلة، ولكنها دعوةٌ إلى إنكار الذات، واليقظة لشهوات النفس الخفية، والحذَر من تسلل الشيطان إلى قلب المسلم ليفسد عليه إخلاصه، فالشهرة في ذاتها ليست مذمومةً، فليس هناك أشهَر من الأنبياء والخلفاء الراشدين، فوجودها من غير التكلُّف والحرص عليها لا شيء فيه، كما قال الغزالي: "فتنة الضعفاء دون الأقوياء".

فالمخلص يجب أن يكون العمل الصامت أحبَّ إليه من العمل الذي يحفُّه ضجيج الإعلان وطنين الشهرة، فهو يستوي عنده العمل قائدًا والعمل جنديًّا، بل ربما آثر الجندية خشيةَ التفريط في واجبات القيادة وتبعاتها، ولكنه إذا حملها حملها واستعان بالله على القيام بحقِّها، أمثال هؤلاء إذا نصحوا أخلصوا النصح لله.


5- الوفاء بالوعد واحترام المواعيد

لا شكَّ أن الوفاء بالوعد واجب إسلامي، فهذا هو المعروف من ظاهر نصوص القرآن والسنة، ففي القرآن يقول المولي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف).. إن الذي يعاهد الله ثم يخلف الوعد والعهد، والذي يكذب على الله فلا يفي بما وعد لا يسلم قلبه من النفاق، والآية تفيد أن نفاقهم بسبب إخلافهم وعدَهم مع الله، ومثل ذلك إخلاف الوعد مع الناس، فنَكْث العهد محرَّم، سواءٌ كان مع الله أو مع الناس، والظاهر من هذه الأدلة أن الوعد- سواءٌ كان بصلة وبرّ أم بغير ذلك- واجبُ الوفاء به، فإذا كان هذا التحذير من إخلاف الوعد حتى عُدَّ من علامات النفاق وإحدى خصاله الأساسية.. أيفعله المسلم المخلص لدينه؟!

يقول الإمام الغزإلى في إحيائه تحت عنوان (الوعد الكاذب): إن اللسان سبَّاق إلى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفًا، وذلك من إمارات النفاق.. قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: من الآية 1).

احترام المواعيد

واحترام الميعاد من الوفاء بالوعد؛ فإنك إن اتفقت مع أحد على أن تقابله في وقت كذا لتزوره أو لتذهب إلى مكان أو تقوم بعمل، فإنه ينتظرك، وعليك أن تذهب في ميعادك تمامًا، فإن فعلت فقد وفَّيت بوعدك، وإلا كنت مخالفًا للوعد، وعدم احترام المواعيد من قلة الإخلاص؛ إذ الخلف من سوء الأخلاق، وسوء الأخلاق دليل قلة الإخلاص أو انعدامه، والوفاء بالوعد نوع من أنواع الصدق يدلُّ على أن الواعد صادقٌ في قوله حين وعده، صادقٌ في فعله حين وفَّى، وحسن الخلق دليل زيادة الإخلاص.

والوفاء بالميعاد يُكسب صاحبه ثقةَ إخوانه واحترامهم له، ويوثِّق عُرى المحبة والائتلاف، وبه يتحقَّق التعاون وهو سبب النجاح، أما الخلف فيُذيق الموعود مرارةَ الانتظار ويضيِّع عليه وقتَه ومصالحَه، ويُشعرَه بالاستهانة.

إنك حين تفي بوعدك لا تكون إلا محترِمًا لنفسك متحليًا بفضيلة الوفاء، وهي من أجلِّ صفات النبوَّة التي امتدح الله بها أنبياءَه في كتابه العزيز؛ ولذلك فإنك تجد الذي يحترم المواعيد مهيبَ الجانب موقَّرًا بين إخوانه، موثوقًا به من خلطائه، محبوبًا من الجميع؛ لذا كان من دلائل إخلاص الجندي لقيادته الوفاء بالوعد واحترام المواعيد؛ لأن ذلك من صفات المؤمنين الصادقين.


6- كتمان ما ائتُمن عليه من سر وعدم إفشائه

الأمانة هي رعاية حقوق الله بتأدية الفرائض والواجبات وترك المحرَّمات، وحفظ حقوق عباده، ومن هذه الحقوق كتمان السر وعدم إفشائه، ومن ضروب الأمان ما ائتمنت عليه من سرٍّ، سواءٌ كان قولاً أو عملاً؛ لذا وجب ألا يخون في نقل حديث أو إفشائه، وقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحلُّ لأحدهما أن يُفشِيَ على صاحبه ما يخاف".

والجماعة التي لا يحافظ أفرادها على أمانة الكلمة وكتمان السر يسوءُ حالُها، وتنفصم عراها، وتضعُف قوتها؛ لأن من الأمور ما يُعدُّ سرًّا يجب كتمانه؛ لأنه قد يكون في إفشائه ضررٌ بالغٌ، خاصةً إذا صدر من القيادة للجند، فمن الناس من تراهم دائمًا يتحدثون عن غيرهم، ويروون الأحاديث ينسبونها إلى القيادة والمسئولين، ويرون أن من دواعي اتصافهم بالعلم والإحاطة بالأخبار أن يفشوا لك أسرارهم، ويوقفوك على ما بطن من أمورهم.

من أجل ذلك قيل: كتمان الأسرار من شِيَم الأحرار وشمائل الأبرار، وهو أبعد الأفعال من الضرر، وأحقّ الخصال بالظفر، يدل على وفور العقل، وكثرة الصبر، وكمال المروءة.. قال- صلى الله عليه وسلم-: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود" (رواه الطبراني عن معاذ بن جبل).

وقال معاوية: لما استعملني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- دخلت على أبي سفيان فقال لي: يا بني، إن هذا الرهط من قريش سبقونا وتأخَّرنا، فرفعهم سبقُهم، وقصر بنا تأخُّرنا، فصاروا قادةً وصرنا أتباعًا، وأرى هذا الرجل قد استعملك فاحفظ مني ثلاثًا: لا يجرب عليك كذبًا، ولا تفشِيَنَّ له سرًّا، ولا تطوِ عنه نصيحةً وإن استثقلتها".

إن السرَّ أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب وعاؤه، فمِن الأوعية ما يضيق بما يودع، وهذا من قلة الإخلاص، ومنها ما يتسع لما استودع، وهذا من دلائل الإخلاص.. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حدَّث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة"، وقال مطلقًا "الحديث أمانة".

ليس كل ما يُعرَف يكتم

ويجب أن ننتبه إلى أن بعض الناس يكتم أمرًا استحقَّ الجهر به، كالذي يكتم ويبتعد عن كل ما يشير إلى أي مظهر من مظاهر الدين الإسلامي؛ ذلك لأن الداعي يدعو الناس بقوله وفعله وسلوكه، فلا يسكت عما يجب الجهر به من الدعوة وتعاليم الدين.


7- الثقة في تسيير القيادة لأمور الجماعة وسياستها

يعرف الإمام البنا الثقة بأنها اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة.. ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

والقائد جزء من الدعوة، ولا دعوةَ بغير قيادة، وعلى قدْر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها, وتغلبها على ما يعترضها من عقبات ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ* طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (محمد: 20- 21).

وللقيادة في دعوة الإخوان حقُّ الوالد بالرابطة القلبية, والأستاذ بالإفادة العلمية, والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة, ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا, والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات.


الباب الرابع: من دلائل إخلاص القيادة لأفراد الجماعة

1- العمل على تماسك الجماعة وتنفيذ منهاجها وتحقيق أهدافها

الإمام الشهيد حسن البنا وهو يخطب فى أحد الؤتمرات

القيادة المخلصة تعمل على تماسك الجماعة بتحديد الروابط التي يقوم عليها تجمعها، والمبادئ التي تحدد علاقتها وتحفظ حقوق أفرادها، وتدفعهم لتحقيق أهدافها، فتماسك الجماعة يحقِّق معنى الأخوَّة، والتعاون والإيثار وغير ذلك من المعاني المتبادلة بين الأفراد، فالقيادة الحكيمة هي التي تعمل على تماسك الجماعة وتحرس الدين، وتسوس الدنيا به، وتربي أفرادها على ذلك بشتى أنواع التربية الفكرية منها والوجدانية والعلمية، وتعمل على إزالة ما يقف أمام هذه التربية من عقبات ومعوقات، سواءٌ كانت داخليةً أو خارجيةً لتحقيق الأهداف المرجوَّة.

ولن تنجح القيادة في تحقيق ذلك، إلا إذا أخلصت وأشعرت الفرد داخل جماعته بـ:

1 - الاعتزاز بانتمائه إليها.

2 - الطمأنينة في وجوده فيها.

3 - أنها تحقق أمانيه.

4 - أنه لبنة أساسية في بنائها.

5- أنه خلية فيها يمدُّها ويستمد منها، فإذا انفصلت عن جسمه عُدمت، وإذا ظلت متصلةً به ظلت تستمد منه الحياة، والجسم تتكامل وظائفُه بشتَّى خلاياه ويضيره أن يفقد واحدةً منها.

إن العمل على تماسك الجماعة دليل إخلاص القيادة، وللمحافظة على الترابط والتماسك يجب على القيادة أن تترفَّق بالجند، وتحترم آراءهم، وتقوم على مصالحهم، وتهتم بتربيتهم إلى الحدِّ الذي يجعل هذه التربية مقدمةً على دعوة الآخرين والسير معها جنبًا إلى جنب لتحقيق أهداف الجماعة؛ إذ إن هذه الأهداف لا يقوم بتحقيقها إلا رجال أخلصت قيادتهم في تربيتهم.

إن دعوة الغير هدف من أهداف الجماعة يجب أن توليها القيادة اهتمامًا على أن تسير جنبًا إلى جنب مع تربية الأتباع، والحق يقال أن محاولة تحقيق القيادة هذا الهدف الأخير لا ينبغي أن يحملها على إهمال الصف الداخلي، فقد يطرأ عليه في غفلة القيادة أو انشغالها ما يؤدي إلى الاختلاف بين الأفراد أو التمزق في الصف؛ مما يؤدي إلى ضياع ما تم كسبه في الفترات السابقة.

وعلى هذا فإن من الإخلاص أن تولي القيادة الجانب الداخلي من الرعاية والاهتمام والتعهد والترقِّي بالأفراد في سلَّم الفضائل، أكثر ما تولي دعوة الآخرين؛ لأن ما تم كسبه وإحرازه هو الرصيد الذي سيتحمَّل تبعات الدعوة في المستقبل، وهو أيضًا الدرع الواقي من عدوان المعتدين، وعليه يُبنَى صرْح الجماعة.

2- إعداد البرامج التربوية التي تنمِّي قدرات الأفراد دينًا ودُنيا ومعالجة الأمراض داخل الجماعة

وعلى القيادة المخلصة ملاحظة أسباب النصر والهزيمة عند السير في طريق الدعوة، وأن تضع نصب أعينها أهم أسباب النصر، وهو بناء القاعدة الصلبة التي تكون قادرةً على تحمل المسئولية في حمل الدعوة للناس، والدفاع عنها، والتفاني من أجلها، وذلك بتنقيتها وتخليصها من الأمراض التي تفتك بالعقيدة والأخلاق والسلوك، وأن تنمِّي فيها الصفات الكريمة والأخلاق الفاضلة، حتى يبرز الهدي القرآني في كل تصرفاتها؛ ذلك لأن تأخر النصر أو نزول الهزيمة، إنما يكون سببه وجود خلل أو مرض في الصفّ ناتج عن ضعف التربية أو نقصها.

لذا كان السلف الصالح لا يخافون العدو مثل خوفهم من المعاصي التي تصدر منهم، وعلى هذا فإن القيادة المخلصة تتعرَّف على أهم الأمراض التي تكون سببًا في تأخُّر النصر، أو الهزيمة، والمسارعة إلى معالجتها، وتنقية الصف منها، مثل:

1- ضعف الإيمان بين أفرادها.

2- ميل القلب إلى شيء من أمور الدنيا المعوقة.

3- اليأس والكسل والخوف، والفتور أو الحماس الزائد.

4- عدم الولاء للجماعة أو لقيادتها أو ضعف هذا الولاء أو تعدده.

فإخلاص القيادة للفكرة، وإيمانها بالمبدأ، وقدوتها في التطبيق، يدفعها لمعالجة ضعف الإيمان بين الأفراد بتقويته بمختلف الوسائل والطرق، والقيادة المخلصة هي التي تتبع مواطن التربية والإعداد والسلوك، مقتديةً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن نجاح الدعوة متوقف على السير بها، وباتباع النهج الذي سلكه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع مراعاة الظروف والأحوال.


3- إعداد الرجال وحسن اختيار القيادات للمستقبل

إن مشكلة الحركة الإسلامية في كثير من الأقطار أن القاعدة أكثر من قدرة استيعاب القيادة لها، ولا حرج، فهذه سنة الدعوات حين قيامها وانتشارها، وأول واجب هنا أن نخلص للدعوة وأن نضحِّيَ في سبيلها، لكي يكون لكل هذا قيمة لا بد من قدرات فكرية ونفسية وعملية إلى جوار الشروط الإيمانية والأخلاقية والسلوكية الأساسية التي تتوفر في القيادة المنشودة؛ ولذا وجب على القيادة أن تستكمل هذا كلَّه حتى تحقق الأهداف المرجوَّة والملقاة على عاتقها.

ولا أعني بالقيادة القائد الذي يكون على قمة المسئولية الإدارية، بل المجموعة التي تخطط للعمل، وتحركه وتوجهه، وتفجر به طاقات العاملين معها، تشغلهم بالبناء عن الهدم، وبالعمل عن الجدل، وبالجد عن البطالة واللهو.

ولا يجوز أن تقف القيادات المخلِصة عقبةً كئودًا أمام القيادات الجديدة الناشئة، وتحول دون بروز المواهب الشابَّة والقدرات الصاعدة، فمن الضروري إعداد القيادات المنشودة للمستقبل حتى يتولَّى زمام الأمور كلُّ قويٍّ أمينٍ، حفيظ عليم.

وهذا ما فعله الإمام البنا- رضوان الله عليه- فلقد ترك مِن خلفه رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولولا إخلاص البنَّا لدعوته وإيجاد هذه القيادات من بعده ما استمرَّت الدعوة إلى يومنا هذا ولانقرضت كما انقرضت كثير من الأحزاب الأرضية الوضعية.

فعلى القيادة أن تبحث عن التوابع المخلصين، الذين تتوافر فيهم الصفات العقلية والنفسية والإيمانية والسلوكية، وتتعهَّدهم ليحيَوا حياةً ربانيةً علميةً دعويةً أخويةً جهاديةً، وتوضَع لهم المناهج التي تعدهم للقيادة حتى يتحقَّق فيهم العلم المُوثَّق، والفكر الناضج، والإيمان الصادق، والوعي بالواقع المعاصر، والبعد عن الإفراط والتفريط.

وللروح العلمية سمات أبرزها

1- النظرة الموضوعية للمواقف والأشياء والأقوال، بغض النظر عن الأشخاص، كما قال الإمام علي: "لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله".

2- احترام التخصصات.

3- القدرة على نقد الذات والاعتراف بالخطأ والاستفادة منه، وتقويم تجارب الماضي تقويمًا عادلاً موضوعيًّا.

4- استخدام أحدث الأساليب وأقدرها على تحقيق الغاية، والاستفادة من تجارب الغير حتى الخصوم، فالحكمة ضالَّة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها.

5- إخضاع كل شيء- فيما عدا المسلَّمات الدينية والعقلية- للفحص والاختبار، والرضا بالنتائج كانت للإنسان أو عليه.

6- عدم التعجُّل في إصدار الأحكام والقرارات.

7- تقدير وجهات النظر الأخرى، واحترام آراء المخالفين في القضايا ذات الوجوه المتعددة.

حسن اختيار الرجال

ولا يمكن أن يتحقق ذلك كله إلا بحسن اختيار الرجال، وهذا أمانة في يد القيادة يجب أن تخلص فيه، كما يجب على القيادة أن توزِّع الجهد على العاملين، مع مراعاة حسن سير العمل دون مجاملة لأحدٍ على حساب مصلحة الجماعة، فلكل موقف رجاله، ولكل عمل مَن يناسبه.

كما لا يجوز حين تعدّ الرجال والقيادات للمستقبل أن يرتبط الفرد بأحد القيادات المربية شخصيًّا، وإنما يكون الارتباط دائمًا بالمبدأ والمنهج والفكرة، وليس بشخص الداعي أو المربي أو القائد، فالمبادئ باقية والأشخاص فانية، وعلى هذا فليس من الإخلاص تركيز السلطة في يد أفراد معينين، ولكن لا بد من توزيع السلطات وتوريث الدعوة لمن بعدنا لتستمرَّ المسيرة حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً ويتحقق النصر بإذن الله.


4- اعتماد الشورى الملزمة

إن الشورى من مبادئ الإسلام، وقبل أن تقوم للمسلمين دولة نزل فيهم قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)﴾ (الشورى)، فمعنى الشورى أن الآراء تقال، وكلٌّ يقول ما عنده ويشرح رأيَه وهو يعرضه، حتى إذا أُخذت الآراء وعُرف الاتجاه إلى أين، فمع الأغلبية تسير، وهذه الأغلبية ليست غوغائيةً إنما يحكمها: الفهم الدقيق، الإيمان العميق، الحب الوثيق، العمل المتواصل، الوعي الكامل.

وعلى هذا فإن القيادة تبذل الجهد وتستفرغ الوسع في تحرِّي الحقيقة وطلب الصواب بكل الإمكانات المتاحة وكل الوسائل المعينة، وكل المعلومات المتوافرة للوصول للصواب، وعليها بعد ذلك أن تستشير أولي النُّهَى، وتستعين برأيهم وتشاورهم في الأمر طلبًا للرأي الأسدّ، والعمل الأرشد.

فإذا تم التشاور فعلى الجميع أن ينزل على الرأي الذي اتُّفِق عليه ويلتزم به ويُخلص له، وليس له أن يخرج عنه؛ لأن الشورى ملزمة عندنا، أما إذا كان ممن لا يلتزمون بمنهجنا ولا يسيرون على طريق دعوتنا، فنقول لهم القاعدة الذهبية: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".


5- بث الأمل والثقة في نصر الله

ومن إخلاص القيادة أن ترسخ الإيمان في نفوس الأفراد، وأن تؤكِّد لهم أن عناية الله ورعايته ونصره لعباده المؤمنين سنةٌ لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، فالثقة في نصر الله من كمال تصورنا السليم.

وعلى هذا فواجب القيادة المخلصة لدعوتها غرس معنى "من كان الله وليَّه وناصرَه فلا غالبَ له، ومن حادَ عن الله عز وجل وطلب النصر عند غيره وحارب عباده المؤمنين، فإنه لن يجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا، كما يجب أن يُعلَم أن الإيمان الذي يأتي معه النصر هو الذي يقوم أهله بكل الأسباب المطلوبة شرعًا، والمشروطة لحصول النصر.

إعداد العدة

إن كان من إخلاص القيادة بثّ الأمل والثقة في نصر الله، فإن من الإخلاص أيضًا أن تعدَّ العدةَ المقدور عليها، وعدم التقصير أو التهاون في شأنها؛ لأن الأخذ بالأسباب المادية عبادة لله أُلزِم العبد بالأخذ بها، ولا ينبغي للإنسان أن يركن إلى إيمانه وتوكله- وإن كان ذلك هو أعظم الأسباب المؤدية للنصر- إلا أنه لا ينبغي له إغفال الأسباب المادية والقعود عن السعي في تحصيلها.

ومن هنا رفع الإخوان المسلمون شعارهم (وأعدوا) وهو: سيفان يرمزان إلى القوة المستطاعة، والمصحف للتربية الروحية الإيمانية الأخلاقية، وهكذا يكون إخلاص القيادة حين تبثّ في أفرادها الأمل والثقة في نصر الله أن تبيِّن أسباب تحقيق ذلك كله.


6- تقويم الخطوات والوسائل والمصارحة بالأخطاء لتصحيح المسار

يخشى بعض المربين والقادة مصارحةَ بعض إخوانهم بأخطائهم؛ خشيةَ أن يؤثر كلامهم في نفسيتهم، أو يسبب إحراجًا لهم، والواجب على القيادة المخلصة أن تكسر الحواجز والعوائق التي تعيق اندماج النفوس بعضها ببعض، ولا يُستصغر الخطأ ويُظنّ أنه لا يستدعي النصح والمكاشفة، فالرسول صلى الله عليه وسلم وسلم يقول: "لا تحقرن من المعروف شيئًا" والذي يجب التنبيه إليه هو أن الأعمال المشروعة لا يُنهَى عنها خوفًا من الرياء، بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها؛ ذلك لأن الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياءً.

المكاشفة من الدين

والمكاشفة من الدين إذا ما تحسس المسلم أحكم العبارة وأقرب المعنى إلى قلب أخيه، بغير أذى من مراء أو انتصار لرأي النفس؛ فإن من الإخلاص أن يكاشف القائد جنده بما فيهم، ولا يجاريهم فيما يحبون أو يرغبون ويترك ما يكرهون.

فعلى القيادة إن رأت نقصًا أن تسدِيَ النصح والمصارحة دون مجاملة على حساب الدعوة، وحتى لا يتهم الجندي وقت التقييم بكثير من السلبيات التي ما ظهرت فيه إلا لترك النصح والمجاملة للحفاظ على صداقته وعدم الاصطدام، فإذا كان القائد يصارح أتباعه بما فيهم ولا يجامل على حساب الدعوة، فإن على الأفراد عدم تصور وجود التكامل التربوي والبشري في قائدهم، فهو بشر يصيب ويخطئ.

الاستفادة من الماضي

فإذا تمت المراجعة المطلوبة في الدعوة والعمل، ورفض مبدأ ليس في الإمكان أبدع مما كان، وإغلاق صفحة الماضي وعدم تقبيحه والحديث عنه لتقدمنا إلى الأمام نحو تحقيق الأهداف.. إن القيادة المخلصة تراجع خطواتها ووسائلها، ولا تتهرّب أو تسوِّف أو تقدِّم المعاذير والمسوغات، ولا تعترف بخطأ الوسائل والخطوات؛ حتى لا يؤدي هذا إلى الخلط بين الوسائل المخطئة والأهداف المحقة، فتدافع عن الخطأ في اختيار الوسائل بالحديث عن صواب المبادئ والقيم، وبذلك تضع نفسها موضع الذي لا يخطئ.

ومن هنا كان من دلائل إخلاص القيادة هو القدرة على تقويم التجارب السابقة، وتحديد مواطن التقصير وأسباب القصور، والتفريق بين خطأ الوسائل (لأنها معرضة للصواب والخطأ) والأهداف الحقّة التي لا تتبدل ولا تتغير؛ لأنها ثابتة دون تهوين ولا تهويل؛ حتى لا تتكرر الحال بنفس الأخطاء.

ضرورة معرفة الخلل

وقد يقول قائل: كيف نكشف الخلل، ونتصارح فيما بيننا، مُظهِرِين- ونحن نحلل الأخطاء لأعدائنا- النقاط القاتلة فينا إن كانت خافية عليهم، وهذا الكلام ظاهره فيه الرحمة، والحقيقة المرة أن أعداءنا يقومون بدراسات نفسية واجتماعية للشعوب، جعلتهم قادرين على استغلالها وتعويق نموِّها باستغلال عيوبها؛ ولذا فإن من أكبر المآسي التي نعيشها في هذا العصر أننا نحن الذين نجهل عيوبَنا وأمراضَنا وليس عدونا.. إن القرآن يكشف أخطاء حصلت في مجتمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- ومجتمع الصحابة الكرام، فتناولها بالتحليل والتسديد، وأنزل فيها آياتٍ تُتلى إلى يوم الدين.

الاعتراف بالخطأ

إن الإنسان كلما ازداد نموًّا ونضجًا كلما استطاع أن يواجه أخطاءَه، بينما يتنصَّل الصغير من المسئولية ويُلقي التبعة على غيره، وإن العالم اليوم أصبح يدرك قيمة النقد الذاتي، فلا يجب على المسلم- وهو أولى الناس بذلك- أن يبقى متقوقعًا على ذاته في ركن مظلم يرفض الخروج إلى النور حتى لا تنكشف أخطاؤه، بل يجب عليه أن يعترف بخطئه ويصحح مساره، ومَن لا يقدر على الاعتراف بخطئه لا يقدر على التوبة والعودة إلى الطريق السليم. فإذا كان هذا يجب على الفرد فأولى بالجماعة وقيادتها أن تسلك هذا السبيل، سبيل المراجعة والاعتراف بالخطأ، الذي محله الوسائل والخطط، ولا يجوز إغلاق صفحة الماضي وعدم مناقشته وتحديد مواطن الخطأ فيه، بل لا بد من معرفة أسباب التقصير لنبدأ النهوض ونرقى نحو الهدف المرتقَب.


7- النصيحة للجند والأمراء والحكام

إن النصيحة الخالصة كما تكون من الجند للقيادة، فإنها من باب أولى تصدر من القادة للجنود، بل وللأمراء والحكام؛ بغيةَ الإصلاح ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فلقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يعظون ويوعظون، وكانوا يصرفون النظر عن ظواهر الدنيا ولذَّاتها إلى نعيم الآخرة وآلائها، ولقد اقتدَى برسول الله صلى الله عليه وسلم كلُّ مخلص لدينه؛ ابتداءً من أصحابه الكرام إلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين: متحرِّين الصدق، والقصد، والأسلوب، والموضوعية، ولم يقتصر الأمر منهم على النصح، تل تعدَّى إلى تصحيح المسار إذا انحرف به البعض، وتصحيح الأخطاء إذا صدرت من الجند دون مجاملة، بل بمصارحة ليس فيها إحراج، وبتربية ليس فيها سكوت لاستصغار الخطأ.

خاتمة للإخلاص

من أهم الشوائب والآفات المكدرة للإخلاص:

1- حسن الظن والاغترار بالعمل.

2- الرياء.. صغيره وكبيره.

3- التعصُّب للأشخاص والمذاهب والطوائف.