الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصـمود والتحدي ( حقبة عبد الناصر ) (الحلقة التاسعة)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصـمود والتحدي ( حقبة عبد الناصر ) (الحلقة التاسعة)


  • زياد أبو غنيمة
55شعار-الاخوان.jpg


الأمريكان تبنـَّـوا مُبكِـراً خيار التحالف مع العسكر لإقصاء الإخوان

في سياق بحثهم عن خـُـطة لمنع الإخوان من الوصول إلى حكم مصر في حال تغيير نظام الملك فاروق درس الأمريكان تجارب الإنجليز في التعامل مع الإخوان المسلمين ، وتوقفوا عند الخلاصة التي انتهت إليها المخابرات البريطانية كما لخـَّـصها المُستشرق البريطانى جيمس هيوارث دَّن James Heyworth-Dunne الذي كان أحد أركان المخابرات البريطانية في مصر في كتابه باللغة الإنجليزية ( الإتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة ) مُعترفاً بفشل المخابرات البريطانية في احتواء جماعة الإخوان المسلمين ومؤسِّـسهم ومرشدهم الأول الإمام حسن البنا حيث يقول دَّن بالحرف الواحد : ( كنت أخرج بعد لقاءاتي برفقة الجنرال كلايتون المسؤول الأول عن المخابرات البريطانية في المنطقة العربية مع حسن البنا أو مساعديه بقناعة مفادها أنه لم تكن لدى حسن البنا أيَّة نيَّة في قبول مال الكفار ـ يقصد الإنجليز ـ وقد خلصنا إلى نتيجة مفادها أن حسن البنا وجماعته هم رأس الاتجاه الإسلامي المعادي للبريطانيين ) .

أدرك الأمريكان مُبكرا أنه من العبث اجترار تجربة الإنجليز لاحتواء الإخوان وتدجينهم بأسلوب الإغراء والإغواء ، فقرَّروا أن أنجع الطرق لتحقيق هدفهم في قطع الطريق على الإخوان ومنعهم من الوصول إلى حكم مصر هو مساندة بعض الضبَّـاط في الجيش المصري للقيام بانقلاب عسكري بدل أن تندلع ثورة شعبية يقودها الإخوان ، وفي هذا السياق يعترف الكاتب الأمريكي هيو ويلفورد المُتخصِّص في شؤون المخابرات الأمريكية في كتابه ( لعبة أمريكا الكبرى ـ America's Great Game ) أن وكالة الإستخبارات الأمريكية المركزية التي تأسست في عام 1947 م قرَّرت في وقت مبكر سياسة استخدام الانقلابات لإحداث تغيير في الأنظمة الحاكمة وبدأت بانقلاب حسني الزعيم في سوريا في عام 1949 م ، وكان من الضروري البحث عن ضابط مخلص للغرب في مصر ، واعتقدوا أنهم يمكنهم الاعتماد على جمال عبد الناصر ، ويحكي الكتاب كيف دعم كيم ( كيرميت روزفلت ) رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية في القاهرة الضباط الأحرارالذين أطاحوا بالملك فاروق في العام 1952 م وخصوصاً زعيمهم الشاب جمال عبدالناصر ، ويشير ويلفورد أن خلية القاهرة أوعزت لأحد العملاءالمحليين ( الأرجح أنه محمد حسنين هيكل ) كتابة سلسلة من الأوراق عن النظرية السياسية الغربية والعمل على ترجمتها إلى اللغة العربية وتوزيعها على مجلس قيادة ثورة عبد الناصر ، ويشير ويلفورد إلى أن مايلز كوبلاند أحد أركان خلية القاهرة إستضاف عبد الناصر في فيلته في ضاحية المعادي القاهرية الراقية

كانت انتخابات نادي الضبَّاط في 1 / كانون الثاني ـ يناير / 1952 م أول الخيط الذي التقطته خلية مخابرات السفارة الأمريكية في القاهرة للتدخل في الشأن المصري بشكل مباشر ، فقد أثار فوز اللواء أركان حرب محمد نجيب قائد سلاح المُشاة على مرشح الملك فاروق الفريق حسين سرِّي عامر قائد سلاح الحدود برئاسة نادي الضبَّاط انتباه الخلية ، فأخذت تتحرَّى عن سبب فوز نجيب على مرشح الملك ، وتوصَّـلت إلى وجود حركة في الجيش معارضة للملك فاروق كانت وراء فوز نجيب ، وأخذت الخلية في التحرِّي عن ماهية الحركة ، وتوصلت إلى وجود تنظيم يحمل إسم ( الضباط الأحرار ) ، وبمزيد من التحريات عرفت الخلية أن جمال عبد الناصر هو الرجل القوي في التنظيم وليس محمد نجيب .

إفترض الأمريكان أن تنظيم الضباط الأحرار يُعدُّ لحركة عسكرية تطيح بالملك فاروق المدعوم من الإنجليز ، وكان الأمريكان على قناعة بأنَّ أية محاولة انقلابية أو ثورة شعبية سيتصدَّى لها الجيش البريطاني المعسكر حول قناة السويس وفي أماكن أخرى دفاعا عن الملك فاروق الذي يدور في فلك البريطانيين ، فقرَّر الأمريكان البحث عن مفاتيح توصلهم بجمال عبد الناصر لاستطلاع إمكانية احتوائه أو على الأقل إمكانية قبوله التعاون معهم ، وفي كتابه ( صفحات من تاريخ مصر .. أسرار ثورة يوليو والإخوان المسلمون ) يقول حسين محمد أحمد حمُّوده أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار : ( بعد أن يئس الأمريكان من الملك فاروق حاولوا الاتصال بالجيش عن طريق الملحق العسكري الأمريكي بالسفارة الأمريكية بالقاهرة والذي كان بحكم وظيفته على اتصال بوزارة الدفاع ، وعُقدت عدة اجتماعات في منزل الملحق العسكري الأمريكي بالزمالك مع جمال عبد الناصر في الفترة من عام 1950 – 1952 م ، وفي شهر مارس / آذار 1952 م ( قبل حركة 23 يوليو بأربعة أشهر ) عرض رجل المخابرات الأمريكي كيرمت روزفلت على جمال عبد الناصر مساعدة أمريكا للضبَّـاط الأحرار بتحييد الجيش البريطاني ومنعهم من القيام بأي تدخل لصالح الملك فاروق شريطة تعهدهم بالموافقة على ثلاثة شروط ، الأول ) ـ ضرب الإخوان المسلمين ، والثاني ) ـ عدم المساس بأمن اسرائيل ، والثالث ) ـ إنهاء دور الأزهر ، وبعد موافقة عبد الناصر على الشروط الأمريكية رجع كيرمت روزفلت في شهر مايو / أيار إلى أمريكا ليبلغ المخابرات الأمريكية بموافقة عبد الناصر على الشروط الثلاثة ، فقامت بدورها بإقناع الإدارة الأمريكية بالتضحية بالملك فاروق ونظامه لصالح جناح عبد الناصر في حركة الضباط الأحرار ، ويُعزِّز أحد قادة تنظيم الضباط الأحرار عبد اللطيف البغدادي في الجزء الأول من مذكراته رواية لقاء عبد الناصر بكيرميت روزفلت ، كما عزَّز هذه الرواية الصحفي المصري محمد حسنين هيكل حيث ذكر في صفحة 56 من كتابه الصادر باللغة الإنجليزية ( قطع ذيل الأسد ـ Cutting The Lion's Tail ) أن لقاء جمال عبد الناصر مع كيرميت روزفلت تمَّ في بيته المطل على النيل ، ويُكرِّر هيكل رواية لقاء عبد الناصر بروزفلت في بيته في كتابه ( حرب الثلاثين سنة .. ملفات السويس ) ولكنه يُغيِّر تاريخ اللقاء فيزعم أنه تمَّ بعد نجاح حركة 23 يوليو وليس في شهر آذار ـ مارس ، وفي ذات السياق ذكر قائد حركة 23 يوليو اللواء أركان حرب محمد نجيب في تصريح أدلى به لمجلة ( المصور ) بعد ثلاثة أيام من نجاح حركة 23 يوليو أن بعض الضباط ( لم يُسمِّـهم ) كانوا على صلة بالسفير الأمركي منذ شهر آذار ـ مارس من نفس العام 1952 م ، وفي كتابه (قصة ثورة 23 يوليو ) يذكر الكاتب اليساري أحمد حمروش الذي كان عضوا في تنظيم الضباط الأحرار أن علاقة جمال عبد الناصر بالأمريكان بدأت مُبكـِّـرة قبل حركة 23 يوليو ، يقول حمروش : ( إن انتشار منشورات الضباط الأحرار بين ضبَّـاط الجيش المصري ، وانتصار مرشحهم اللواء محمد نجيب في انتخابات نادي الضباط في مواجهة مرشح الملك فاروق استثارت رجال المخابرات المركزية الأمريكية في القاهرة فبذلوا غاية جهدهم للتعرف عليهم واكتشاف آرائهم ومحاولة اجتذابهم ، وكان حلقة الاتصال ضابط في المخابرات المصرية ( لم يذكر حمروش إسمه ) تسمح طبيعة عمله بالاتصال بالملحقين العسكريين الأجانب وهو مرتبط بالضباط الأحرار وبجمال عبد الناصر شخصيا ، وفي كتابه ( والآن أتكلم ) يذكر خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة أن السفير الأمريكي في القاهرة جيفرسون كافري كان يتباهى أمام زملائه السفراء الأوروبيين بثقته بعبد الناصر ورفاقه في مجلس قيادة الثورة ويشير إليهم في أحاديثه بعبارة my boys) ـ أولادي ) ، وفي كتابه ( أسرار حريق القاهرة في الوثائق البريطانية ) يذكر الكاتب المصري اليساري جمال الشرقاوي أنه سأل عضو مجلس قيادة الثورة خالد محي الدين ( رئيس حزب التجمُّـع اليساري لاحقا ) عن ما يُشاع عن وجود صلة بين الضباط الأحرار والأمريكان ، فأجابه خالد محي الدين أن الصلة بين الضباط الأحرار وبين الأمريكان بدأت في مارس أي قبل حركة 23 يوليو بأربعة أشهر .

عودة الإخوان وضعت خـُـطة الأمريكان في مهب الرياح

لم يعد سرَّا ، بشهادات مقرَّبين من جمال عبد الناصر نفسه كما سأتحدَّث في حلقات قادمة ، أن عبد الناصر في نفس الوقت الذي أعلم قيادة الإخوان بساعة الصفر لحركة 23 يوليو ليضمن مُساندتها ، فقد أعلم في نفس الوقت السفير الأمريكي في القاهرة جيفرسون كافري بساعة الصفر لحركة 23 يوليو ، وأن كافري استجاب لطلب عبد الناصر فتمكَّن من تحييد الجيش البريطاني ولم يتدخـَّـل لصالح الملك فاروق ، وكان كافري ينتظر أن يوفي عبد الناصر بوعده فلا يسمح للإخوان المسلمين بالاستفادة من حركة 23 يوليو ، ولكن سرعان ما فوجىء كافري بعودة الإخوان إلى الساحة كقوة رئيسية في المشهد المصري الذي تشكَّـل بعد نجاح حركة 23 يوليو على عكس اتفاقه مع عبد الناصر ، وكان من الطبيعي أن يشعر كافري بالإحباط من عودة الإخوان ، ولكنه سرعان ما اكتشف أن عودة الإخوان كانت عودة فرضتها مشاركة الإخوان المُسبقة في التخطيط والتنفيذ لحركة 23 يوليو ، ولكنها ستكون مؤقتة وعابرة لن تستغرق وقتا طويلا بانتظار أن يتمكَّن عبد الناصر من التخلـُّـص من التيار المعارض له داخل مجلس قيادة الثورة المكوَّن من الرئيس محمد نجيب وخالد محي الدين وأحمد شوقي ويوسف صدِّيق ، ليتفرَّغ بعد ذلك لضرب الإخوان ، وإنهاء دور الأزهر ، وعدم المساس بأمن ( إسرائيل ؟؟؟ ) ، تنفيذا للإتفاق الذي تمَّ في شهر مارس / آذار 1952 م ( قبل حركة 23 يوليو بأربعة أشهر ) بين رجل المخابرات الأمريكي كيرمت روزفلت وبين جمال عبد الناصر في لقائهما الذي اعترف محمد حسنين هيكل أنه تمَّ في بيته المطل على النيل .

سحابة الانفراجة الإخوانية تنقشع سريعاً لتعقبها (15) عاما عجافاً

أرأيتم إلى قومٍ انحبس عنهم المطر فقاسوا من سنوات عجاف ذاقوا فيها شظف العيش .؟ ، أرأيتم لو استفاقوا ذات صباح على سحابة تـُغطي كبد السماء . ؟ ، ألا يستبشر القومُ بزخـَّـاتٍ من المطر تـُغنيهم عن سنواتهم العجاف اليابسات بسنواتٍ خـُضر يانعاتٍ تـُنسيهم شظف العيش الذي كابدوه في تلك السنوات العجاف .؟ ، كذلك كانت حركة 23 يوليو بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين ، فقد رأى الإخوان المسلمون في حركة 23 يوليو التي شاركوا في إنجاحها السحابةَ التي ستنهمرُ عليهم عدلا وإنصافا وحرية افتقدوها في السنوات الأخيرات من عهد الملك المخلوع فاروق التي أذاقتهم فيها حكومة حزب السعديين الأحرار برئاسة عدوَّيهم اللدودين محمود فهمي باشا النقراشي وخليفته إبراهيم باشا عبد الهادي أبشع أشكال العذاب والظلم .

ولكن شاءت إرادة الله أن لا تطول فرحة الإخوان بالانفراجة التي أعقبت حركة 23 يوليو ، لم تأتِ الرياحُ كما تشتهي سفن الإخوان ، فما كان لليهود والأمريكان والإنجليز وصنائعهم في مصر أن يذروا الإخوان يتمتعون بتلك الانفراجة ، فطفقوا يمكُرون مكرَ الليل والنهار لسلب فرحة الإخوان وإعادتهم إلى السنوات العجاف ، وسرعان ما بدأت النـُـذر تتوالى مؤشرة على قرب انقشاع سحابة الانفراجة من سماء الإخوان ، ويُسجَّل للمرشد العام المستشار حسن الهضيبي أنه كان من أوائل الذين استشرفوا مُبكرا تلك النـُـذر ، وفي هذا السياق يُذكر أن أحد الإخوان سأل المرشد العام : ألا تكون حركة الضباط بمثابة تقدم للدعوة مائة عام إلى الأمام .؟ ، فأجابه : ولم لا تقول إنها قد تؤخـِّـر الدعوة مائة عام إلى الخلف .؟ ، وعندما رأى المرشد العام الأستاذ الهضيبي فرحة الإخوان بعد صدور الأحكام على إبراهيم عبد الهادي باشا ومعاونيه من قتلة الإمام الشهيد بإذن الله حسن البنا قال لهؤلاء الإخوان : لا تفرحوا كثيرا فإني أخشى أن يأتي الدور عليكم قريبا ، وقد حصل ذلك فعلا ، ودخل الإخوان محنة إمتدَّت 15 عاما عجافا ذاق فيها الإخوان والأخوات ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت من أبشع أشكال الظلم ، من حلٍ جديدٍ للجماعة ، وحرقٍ لمركزها العام في الحلمية الجديدة ، ومصادرة لمقرَّاتها وشركاتها ومؤسَّساتها ومدارسها ، وإعدام لقادتها ، وقتل المئات من الإخوان إعداما أو بالرصاص في الزنازين أو تحت التعذيب ودفنهم سرَّا في الصحراء ، ناهيك عن تعرُّض الآلاف من الإخوان والأخوات لأبشع أشكال التعذيب في سجون عبد الناصر ( سأتناول ذلك بالتفصيل في حلقات قادمة ) .