الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصـمود والتحدي ( حقبة عبد الناصر ) (الحلقة العاشرة)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي ( حقبة عبد الناصر ) (الحلقة العاشرة)


  • زياد أبو غنيمة
55شعار-الاخوان.jpg

حقيقة الصدام بين عبد الناصر والإخوان

تفصلنا حوالي ستين عاما عن الصدام الذي حدث بين البكباشي جمال عبد الناصر وبين جماعة الإخوان المسلمين بعد أن أحكم سيطرته على مقاليد الأمور في مصر بعد خلعه للرئيس محمد نجيب في 14 / تشرين الثاني / 1954 م ، وعلى امتداد هذه السنوات الستين ما فتىء الجدال مُحتدماً حول أكثر من سؤال :

هل كان صدام عبد الناصر بالإخوان عارضاً مفاجئا ، أم أنه كان تنفيذا لقرار مُسبق كان عبد الناصر يتحيَّـنُ الفرصة لتنفيذه .؟ .

وإن كان صداماً عارضاً مفاجئاً فمن هو البادىء والمُتسبِّـب بالصدام .؟ .

هل هم الإخوان المسلمون .؟ .

أم هو البكباشي جمال عبد الناصر وتياره في مجلس قيادة الثورة .؟ .

أم أن جهات أجنبية كانت هي وراء الصدام ، أو أنها استغلت الصدام لتنفيذ أجندتها المُعادية لجماعة الإخوان .؟ .

هذه أسئلة ينبغي في البحث عن أجوبتها الإلتزام بالموضوعية وبالأمانة العلمية والإرتكاز إلى الحقائق المدعومة بالدليل ، وبعيدا عن خلفيتي الإخوانية التي أشرف وأعتزُّ بها ، سألتزم في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة بالموضوعية وبالأمانة العلمية ، وأقدِّم الدليل على الحقائق التي أسردها ، وصولا إلى أجوبة ترضي الله عزَّ وجلَّ أولاً ، ثمَّ ترضي الحق والحقيقة .

هل بدأ الإخوان الصدامَ .؟

سأبدأ بالسؤال الأول : هل بدأ الإخوان الصدام .؟ ، وأسارع فأجيب ، كلا ، كلا ، لم يكن الإخوان البادئين بالصدام ، فحتى آخر دقيقة قبل الشروع في تنفيذ حركة 23 يوليو 1952 م كان ضبَّـاط الإخوان في تنظيم الضباط الأحرار ينتظرون ساعة الصفر لبدء حركة 23 يوليو ، وكان شباب النظام الخاص الإخواني المدني ينتشرون بأسلحتهم بلباس مدني في الأماكن الحسَّـاسة لحماية الحركة من أي تدخل محتمل من جانب الملك فاروق أو من جانب المحتلين الإنجليز ، وكان الجناح المدني للجماعة على أهبة الإستعداد لتحشيد التأييد الشعبي لها فور قيامها ، ولكن بعد نجاح الحركة أخذت تتواتر لدى الإخوان معلومات مُحذرة من وجود أجندة عدوانية تجاههم من جمال عبد الناصر وتيَّاره في مجلس قيادة الثورة ، وبدأ الإخوان يتهامسون فيما بينهم بهذه المعلومات ، ما بين مُصدِّقٍ لها ومحذرٍ منها ، وما بين مُشكـِّـك بها ومحسنٍ الظنَّ بعبد الناصر ، وكان المرشد العام المستشار الأستاذ حسن الهضيبي من أوائل المُرتابين بنوايا عبد الناصر تجاه الجماعة ، وفي هذا السياق تقول القيادية الإخوانية الحاجة زينب الغزالي إن المرشد العام بدأ يرتاب في عبد الناصر وجماعته ويصارح الإخوان في جلساتهم المُغلقة بأن ما وقع فى 23 يوليو 1952 كان انقلاباً عسكريا وليس ثورة ، وأن رجال هذا الانقلاب يعملون لإقامة حكم علماني , ويذكر القيادي الإخواني الأستاذ أحمد البس أن بعض الإخوان الذين كانوا يُحسنون الظن بعبد الناصر أرادوا طمأنة المرشد العام إلى مصداقية حركة 23 يوليو في الوفاء بعهدها للإخوان بانها في حال نجاح الحركة ستعمل للإسلام ، فرتـَّـبوا لقاءاً للمرشد العام مع جمال عبد الناصر خرج منه المرشد مقتنعاً أن الحركة ليس لها صلة بالإسلام ولا بأهله ، اللهم إلا صلة التعويق والمحاربة ، وركز حسن الهضيبي بفراسته وحنكته ومعرفته بالرجال على جمال عبد الناصر ويقال إنه قال : ويلٌ لمصر والإسلام من هذا الأصفر , وقد كان .

في نفس السياق يذكر القيادي الإخواني الدكتور أحمد الملط أن المرشد الأستاذ الهضيبي كان يخرج من اللقاءات التي كان يلتقي فيها بجمال عبد الناصر بقناعة هي أن جمال عبد الناصر ليس صافيَ النيِّة تجاه الإخوان .

وعلى الرغم من شكوك المرشد العام وغالبية قيادات الإخوان بعبد الناصر ، وهي شكوك أثبتت الأحداث لاحقا صدقيتها ، إلا أن المرشد العام كان يحرص على تحذير الإخوان من إظهار أي شكل من أشكال التشكيك بالحركة ، وفي هذا السياق يذكر القيادي الإخواني الشيخ عبد البديع صقر أن الإخوان كانوا يسمعون من المرشد الهضيبي كلمات تفيد وجوب التحفظ وعدم الاندفاع : ( طولوا بالكم لما نشوف ، نعاونهم فى الخير ، ولكن لا نندفع وراءهم ) .

لم يكتف المرشد العام برفض فكرة الصدام مع عبد الناصر وجناحه في مجلس قيادة الثورة ، بل عندما بدأ عبد الناصر هجمته على الإخوان رفض المرشد اقتراحا من بعض الإخوان المتحمِّسين في النظام الخاص للإنزلاق إلى الصدام مع عبد الناصر من خلال تنظيم مظاهرة مسلحة لأعضاء النظام تقتحم مقر مجلس قيادة الثورة حيث يداوم عبد الناصر ، وفي هذا السياق يذكر الأستاذ أحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة في كتابه ( مذكرات أحمد حسين ) أنه تولى الدفاع أمام محكمة الثورة في قضية ( حادثة المنشية ) عن القيادي الإخواني عبد القادر عوده ، يقول أحمد حسين عن تلك المحاكمة : ( فزعتُ من هول ظلم المحاكمة حيث لا قانون ولا حدود ، وإنما إرادة الحاكم ومطلق مشيئته ، وفزعت من فظاعة أحكامها التي شملت أحكاما بالإعدام كان أحدها بحق موكـِّـلي القيادي الإخواني عبد القادر عودة ، وأدركتُ أننا أصبحنا نعيش في ظل عهد جديد لا أستطيع العيش في ظله ، فقرَّرتُ أن أهاجر من مصر وانتهزت موسم زيارات العُمرة فقررت أن أسافر إلى السعودية طلبًا للعمرة ومنها أختار البلد الذي أتوجه إليه ، وإمعانًا في التمويه والتعمية طلبت مقابلة عبد الناصر لأستأذنه في السفر ، وبالرغم من أنني كنت مقررا أن لا أتحدَّث في غير التحيات والسلامات والمجاملات العادية ، فقد كان عبد الناصر هو الذي دفعني للكلام ، سألني: ما رأيك فى الإخوان المسلمين ؟ ، قلتُ: إنك تعرف رأيي ، ووجدتني أندفع بلا وعي أندِّد بأحكام الإعدام ، قال : أظنك تقصد عبد القادر عوده ، قلت : عبد القادر عودة بريء من الحادث الذي وقع عليك ، كما أنه بريء من أعمال العنف ، ومضيتُ أترافع أمام عبد الناصر بحماسة ، قلت لعبد الناصر : هناك ثلاثة أدلة يكفي كل واحد منها لتبرئة عبد القادر عودة وقد أثبتت صحتها كلها أمام المحكمة ، الأول : أنه كان سجينًا قبل وقوع حادثة إطلاق الرصاص عليك في ميدان المنشية بعدة أسابيع ، والثاني: أنه رفض مع غالبية قيادات الإخوان وعلى رأسهم المرشد العام اقتراح بعض الأعضاء القيام بمظاهرة مسلحة لاقتحام مجلس قيادة الثورة حيث كنت تداوم ، والثالث أنه كان معارضا حتى لتنظيم مظاهرات سلمية ، وأصغى جمال عبد الناصر لمرافعتي ثمَّ قال : والله يا أحمد نحن لم ننظر للأمر من الناحية القانونية ، بل نظرنا إليه من الناحية السياسية ، وينهي أحمد حسين شهادته قائلا : غادرتُ مصر إلى السعودية وأنا لا أكاد أصدق أنني هربت من الجحيم الذي أصبح الأبرياء فيه يُعدمون لأسباب سياسية .

أعود إلى السؤال : هل كان الإخوان هم الذين بدأوا في الصدام .؟ ، وأكمل الإجابة عليه بسؤال : هل يمكن لجماعة يحرص مرشدها وغالبية قادتها على عدم الإنجرار وراء العنف في الردِّ على الهجمة الإستئصالية التي ارتكبها جمال عبد الناصر ضدَّهم أن تكون هي البادئة في الصدام .؟ .

هل كان عبد الناصر هو البادىء في الصدام .؟

أكذب على الله عزَّ وجلَّ ، وعلى الناس ، وعلى نفسي ، إذا قلت إنني أتشكـَّـك قيد أنملة في أن جمال عبد الناصر كان هو البادىء بالصدام مع الإخوان ، بل إنني أجزم أن عبد الناصر كان يُبيِّـت في نفسه ويُخطـِّـط عن سبق إصرار للصدام مع الإخوان ، أما سبب قناعتي فمردُّه إلى ما تواتر من معلومات تحدَّثت عن نوايا عبد الناصر المُبيتة للتخلـُّـص من جماعة الإخوان المسلمين بسبب خشيته من أن تقف بقوتها التنظيمية وبامتدادها الشعبي بينه وبين طموحه في ركوب موجة حركة 23تموز ـ يوليو للاستفراد بحكم مصر .

ليس من حقي أن أفرض قناعتي على أحد ، ولكنني سأحاول تسويق قناعتي بالحجة وبالدليل ، وهل من دليل أقوى من اعتراف عبد الناصر نفسه بنواياه المُبيتة للصدام مع الإخوان .؟ ، ففي كتابه ( والآن أتكلم ) يكشف رفيق عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار الذي تحوَّل من فكر الإخوان إلى الفكر اليساري الماركسي خالد محي الدين خبيئة ما في صدرعبد الناصر تجاه الإخوان حيث يقول : ( قبل التحرك لتنفيذ حركة 23 يوليو أبلغني عبد الناصر أنه أبلغ الإخوان باستعدادنا للتحرك ، فسألته : هل كان ردُّهم إيجابياً ؟ ، فهزَّ رأسه بالموافقة ، ولكنه أضاف : إنهم مُتعـِـبون جداً ، وعلينا أن نعيد الحسابات بالنسبة لهم ، ولكن الظروف الحرجة تملي علينا عدم مجابهتهم الآن ) ، أرايتم إلى عبارات عبد الناصر : ( الإخوان مُتْعِـبون ) ، (علينا أن نعيد الحسابات بالنسبة لهم ) ، (مجابهتهم ) ، ألا تكشف هذه العبارات عن سوء نوايا عبد الناصر تجاه الإخوان .؟ ، ودليل آخر أورده الكاتب الصحفي سامي جوهر في كتابه ( الصامتون يتكلمون ) ، حيث ينقل عن القيادي الإخواني الأستاذ صالح أبو رقيق قوله : ( إستدعى عبد الناصر القيادي الإخواني الشيخ محمد فرغلي وحاول أن يقنعه بأن مصير الثورة والإخوان واحد وأنه يجب أن يقف الإخوان إلى جوار الثورة ، ولكن كان واضحا أن عقدة عبد الناصر كانت هي المرشد العام حسن الهضيبي ، فقد قال عبد الناصر للشيخ فرغلي إن حسن الهضيبي يريد أن يفرض رأيه على الثورة وإن التعاون معه أصبح مستحيلا ، ولمَّح عبد الناصر لفرغلي إلى أن تعاونه مع الإخوان مشروط بإبعاد الهضيبي عن قيادة الجماعة : ( طب المرشد ليه ميستقلش ) ، هل هناك من معنى لكلام عبد الناصر إلا أنه يخفي وراء هذا التلميح وعيدا للإخوان بأن صدامه معهم قادم .

وفي برنامج الإعلامي المصري أحمد منصور ( شاهد على العصر ـ الجزيرة 15 / 2 / 2004 م ) إعترف القيادي الإخواني فريد عبد الخالق عضو الهيئة التأسيسة للإخوان أن عبد الناصر كان يَحذق في إخفاء ما عنده ويتعامل مع الإخوان بظاهر غير الباطن الذي يُخفيه ، فيعلق أحمد منصور : هذا دهاء سياسي ، فيرُّد عبد الخالق : لا ، بل هو مكرٌ سيئ ، كان يتفق معنا على أمور ثمَّ يمكرُ بنا ليأخذنا في طريق آخر ، الواقع الرجل ( عبد الناصر ) كان على بينة من أمره والأمور واضحة أمامه ، كان يُبيِّت بليل مؤامرة يشترك فيها الغرب للقضاء على الإخوان المسلمين .