الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (الحلقة التاسعة عشر)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (19)


(حسن البنا .. الرجل القرآني)


زياد أبو غنيمة

كتاب لصحفي أمريكي ينصف الإمام البنا

في شهر شباط من عام 1946م زار القاهرة موفدا من صحيفة (نيويورك كرونيكل) الصحفي الأمريكي روبير جاكسون وقابل العديد من رجالات المرحلة ومنهم الإمام حسن البنا ، وجاء في أول تقرير بعث به إلى صحيفته:

وقد رأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص، وكتب في نيويورك كرونيكل بالنص:

زرت هذا الأسبوع الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص والذي قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر، أو ربما يختفي إسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه ، ذلك هو الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان المسلمين .

وبعد اغتيال الإمام البنا أصدر جاكسون في بدايات عام 1952م كتابه (حسن البنا الرجل القرآني) قال في مقدمته:

لقد صدَّقتني الأحداث فيما ذهبت إليه قبل خمس سنوات ، فقد ذهب الرجل الذي كان أمل الشرق في صراعه مع المستعمر مُبكـِّـراً ، هكذا هو الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلا بالكنز الذي يقع في يده ، وإنني على ثقة من أن حسن البنا رجل لا ضريب له في هذا العصر ، وأنه قد مرَّ في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرَّر ، كان لابد أن يموت هذا الرجل الذي صنع التاريخ وحوَّل مجري الطريق شهيداً ، مات في عمر الزهر النضير ، وقضى وهو يسطع ويتألق
عاش الرجل كل لحظة في حياته ، بعد أن عجزت كل وسائل الإغراء في تحويله عن (نقاء) الفكرة وسلامة الهدف ، لم يُحن رأسه ، ولم يتراجع ولم يتردد أمام المثبطات ولا المهددات ، إن الحديث عن (الرجل القرآني) حديث طويل ، عندما زرته في بيته المتواضع في القاهرة في عام 1946 م لفت نظري في هذا الرجل مظهره الخلاب ، وسمْتـُه البسيط ، وثقته التي لا حد لها بنفسه ، وإيمانه العجيب بفكرته ، وكان في عقله مرونة ، وفي تفكيره تحرُّر ، وفي روحه إشراق ، وفي أعماقه إيمان قوي جارف
كان متواضعاً تواضع من يعرف قدره ، متفائلا ، عف اللسان عف القلم ، وكان واضحا أن الرجل أفلت من غوائل المرأة والمال والجاه وهي المغريات التي سلطها المستعمر علي المجاهدين ، وقد فشلت كل المحاولات التي بذلت لإغرائه ، وقد أعانه على ذلك صوفيته الصادقة وزهده الطبيعي ، لقد تزوج مبكرا وعاش فقيرا وجعل جاهه في ثقة أولئك الذين التفوا حوله ، وأمضى حياته القصيرة العريضة مجانبا لميادين الشهرة الكاذبة
وأسباب الترف الرخيص بعد خروجي من بيت حسن البنا توقعت أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية لا في مصر وحدها ، بل في الشرق كله ، كان الرجل عجيبا في معاملة خصومه ، لا يصارعهم بقدر ما يحاول إقناعهم وكسبهم إلى صفه ، وكان يؤمن بالخصومة الفكرية ولا يحوِّلها إلى خصومة شخصية ، ولكنه مع ذلك لم يسلم من إيذاء معاصريه ومنافسيه ، فقد أعلنت عليه الأحزاب حرباً عنيفة ، وذلك أمر طبيعي تجاه هذا الرجل الذي استطاع أن يجمع حوله هذا الحشد الضخم من الناس بسحر حديثه وجمال منطقه
فانصرفوا من حول الأحزاب والجماعات والفرق الصوفية والمقاهي ودور اللهو ، كان حسن البنا الداعية الأول في الشرق الذي قدَّم للناس برنامجا مدروساً كاملاً ، لم يفعل ذلك أحد قبله ، لم يفعله أحد من زعماء الأحزاب والجماعات في مصر ، وكان يبدو حين تلقاه هادئا غاية الهدوء ، ولكن في قلبه مرجلٌ يغلي ، ولهيبٌ يضطرم فقد كان الرجل غيورا على الوطن الإسلامي ، يحترق كلما سمع بأن جزءا منه قد أصابه سوء أو ألمَّ به أذى
ولكنه لم يكن يصرف غضبته كبعض الزعماء في الكلام أو الضجيج أو الصياح وإنما ينصرف إلى العمل والاستعداد لليوم الذي يمكن أن تتحقق فيه آمال الشعوب ، كان مذهبه السياسي أن يرد مادة الأخلاق إلى صميم السياسة بعد أن نـُزعت منها وبعد أن قيل إن السياسة والأخلاق لا يجتمعان ، وكان يعمل علي أن يسمو بالجماهير فوق خداع السياسة وتضليل رجال الأحزاب ، وكان له من صفات الزعماء صوته الذي تتمثل فيه القوة والعاطفة ، وبيانه الذي يصل إلي نفوس الجماهير
وتلك اللباقة والحنكة والمهارة في إدارة الحديث والإقناع حتى استطاع كسب هذه الطائفة الضخمة من الأنصار في وقت قصير من الزمن ، كان فيه من الساسة دهاؤهم ، ومن القادة قوتهم ، ومن الرياضيين حماسهم ، ومن الفلاسفة مقاييسهم ، ومن الخطباء لباقتهم ومن الكتاب رصانتهم ، كان يوم الثلاثاء يوما مشهودا يتجمع فيه بعض مئات من أنحاء القاهرة ليستمعوا إلى هذا الرجل الذي يصعد المنصة في جلبابه الأبيض وعباءته البيضاء وعمامته الجميلة ، فيجيل النظر في الحاضرين لحظة بينما تنطلق الحناجر بالهتاف
ولا تدهشك خطابته بقدر ما تدهشك إجابته عن الأسئلة التي كان بعضها يتصل بشخصيته وحياته وأسرته ، وقد سئل مرة بعد أن ترك عمله في الحكومة ورفض مرتب الجريدة الضخم الذي كان يبلغ مائة جنية ممَّ يأكل فقال في بساطة: كان محمدٌ يأكل من مال خديجة وأنا آكل من مال (أخ خديجة) يقصد صهره ، وكان أعجب ما في الرجل صبره على الرحلات في الصعيد التي لا تبدأ إلا في فصل الصيف حيث تكون بلاد الوجه القبلي في حالة غليان وفي أحشائها ينتقل الرجل بالقطار والسيارة والدَّابة وفي القوارب وعلى الأقدام
وهناك تراه غاية في القوة واعتدال المزاج لا الشمس اللافحة ولا متاعب الرحلة تؤثر فيه ولا هو يضيق بها ، تراه منطلقا كالسهم ، منصوب القامة يتحدث إلي من حوله ، ويستمع ، ويفصل في الأمور ، وقد أمدته هذه الرحلات في خمسة عشر عاما زار خلالها أكثر من ألفي قرية بفيض غزير من العلم والفهم للتاريخ القريب والبعيد وللأسر والعائلات والبيوتات وأحداثها وأمجادها وما ارتفع منها وما انخفض وألوانها السياسية وأثرها في قراها وبلادها
ورضا الناس عنها أو بغضهم لها ، وما بين البلاد أفرادا وأحزاباً وهيئات وطوائف من خلافات أو حزازات ، وكانت هذه الزيارات المتوالية طوال هذه السنوات المتتالية ، قد كوَّنت له رأياً في الناس ، فقلَّ أن تكون قرية في مصر لا يعرف الرجل شبابها وأعيانها ووزراءها ورجال الأحزاب والدين والتصوف فيها ولا يكون قد تحدث إليهم واستمع منهم وعرف آمالهم ورغباتهم
وفي خلال الزيارات كنت ترى الرجل بسيطا غاية البساطة ينام في الأكواخ أحياناً ، ويجلس على (المصاطب) ويأكل ما يقدم له ، كان يدخل بلدا من البلاد أحياناً لا يعرف فيها أحداً فيقصد إلى المسجد فيصلي مع الناس ثمَّ يتحدَّث بعد الصلاة عن الإسلام وأحيانا ينصرف الناس عنه فينام على حصير المسجد وقد وضع حقيبته تحت رأسه والتفَّ بعباءته

ولم يكن الغرب ليقف مكتوف اليدين ، أمام مثل هذا الرجل الذي أعلى كلمة الإسلام على نحو جديد ، وجمع الناس على كلمة الله ، وخفت بدعوته رياح التغريب والجنس ونزعات القومية الضيقة فحاول الانجليز أن يقدِّموا له عروضا سخيَّـة فرفضها الرجل بإباء .

طه حسين يا ليت كل خصومي كحسن البنا

‏في عام 1938م أصدر الدكتور طه حسين الذي كان المُثقفون العلمانيون المتاثرون بالحضارة الغربية يلقبونه (عميد الأدب العربي) كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) الذي أحدث صخبا على الساحة الدينية والثقافية والسياسية في مصر والعالم العربي ، كان الكتاب يتبنـَّـى أفكار الردَّة العلمانية التي قادها مصطفى كمال أتاتورك في تركيا ، فقد تبنـَّـى طه حسين مقولة (أن مصر ثقافيا وحضاريا هى دولة غربية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالة ، وأن على مصر والمصريين الأخذ بالحضارة الغريبة خيرها وشرها ، حلوها ومرها) ، وهي نفس المقولة التي فرضتها الردة العلمانية الأتاتوركية على تركيا وعلى الأتراك .

قوبل كتاب طه حسين بموجة من الصخب المؤيد والرافض ، وتناولته أقلام النقاد ما بين قادح ومادح ، وفي خضمِّ ذلك الصخب اتصل بعض الغيورين من أصدقاء الشيخ حسن البنا به وألحـُّـوا عليه أن يكتب نقداً للكتاب وبيان رأي الإخوان فيما تبناه طه حسين من أفكار علمانية كان مصرا على إيرادها في المناهج المصرية بصفته مستشارا لوزير المعارف آنذاك مما كان سيؤدِّي إلى تغيير جذري في سياسة البلد الثقافية

ووضع المتصلون الإمام البنا أمام الأمر الواقع حيث أخبروه أنهم حدَّدوا موعدًا لمحاضرة يلقيها في دار الشبان المسلمين ووزعوا الدعوات للمحاضرة ، ويذكر الإمام البنا أنه لم يكن يفصله عن يوم المحاضرة سوى خمسة أيام ، ولم يكن يجد وقتاً لقراءة كتاب الدكتور طه حسين إلا فترة ركوبه الترام في الصباح إلى مدرسته التي يُعلم فيها ، وفي فترة رجوعه من المدرسة ، وتمكـَّـن من قراءة الكتاب ووضع ملاحظاته عليه

ويذكر الإمام البنا في مذكراته:

"في الموعد المحدد للمحاضرة ذهبت إلى دار الشبان المسلمين ، فوجدتها على غير عادتها غاصَّـة، والحاضرون هم رجالات العلم والأدب والتربية في مصر، ووقفت على المنصة واستفتحت بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبجانبي الدكتور يحيى الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين ، ورأيت الكتاب كله منطبعًا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص
وبدأت أول ما بدأت فقلت: إنني لن أنقد هذا الكلام من عندي وإنما سأنقدُ بعضـَـه ببعض ، وأخذت أذكر عبارة من الكتاب وأعارضها بعبارة أخرى من نفس الكتاب ، ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول : يقول الدكتور طه في الكتاب في صفحة كذا وأقرأ العبارة بنصها من خاطري ثمَّ أقول : ويناقض الدكتور طه نفسه فيقول في صفحة كذا وأقرأ العبارة بنصها أيضًا من خاطري ، فاستوقفني الدكتور الدرديري وطلب إليَّ أن أمهله حتى يحضر نسخة من الكتاب ليراجعَ معي النصوص والصفحات لأنه قرأ الكتاب ولم يلاحظ فيه هذا التناقض
وجيء له بالكتاب وظل يتابعني ، فيجد العبارات لا تنقص حرفا ولا تزيد حرفا ، ويجد الصفحات كما أحددها تماما ، فساد الحاضرين جوٌ من الدهشة والذهول ، والكل يتجه كلما قرأت من خاطري عبارتين متناقضتين إلى الدكتور الدرديري كأنهم يسألونه : أحقًّا هذه العبارات في الكتاب .؟ ، فيقول الدكتور الدرديري في كل مرة : نعم وبالنصوص والصفحات ، وهكذا حتى انتهى الكتاب وانتهت المحاضرة ، وقام الجميع وفي مقدمتهم الدكتور الدرديري بين معانق ومقبـِّـلٍ
يقول الشيخ حسن البنا: ولما هممت بالانصراف رجاني الدكتور الدرديري أن أنتظر برهة .؟ لأنه يريد أن يُسرَّ لي حديثاً ، واقترب مني وأسرَّ في أذني سراً تعجبت له ، قال لي: لما نشرنا عن موضوع محاضرتك وموعدها اتصل بي الدكتور طه حسين وطلب إلي أن أعدَّ له مكانا في هذه الدار يستطيع فيه أن يسمع كل كلمة تقولها دون أن يراه أو يعلم بوجوده أحد ، فأعددنا له المكان ، وحضر المحاضرة من أولها إلى آخرها ثمَّ خرج دون أن يراه أو يعلم به أحد.
وفي اليوم التالي طلب الدكتور طه حسين من أحد موظفي وزارة المعارف كان على صلة وثيقة بالشيخ حسن البنا أن يرتب له اجتماعا مع الشيخ حسن البنا في أي مكان بحيث لا يكون معهما أحد ، وبحيث لا يعلم بهما أحد ، وليكن هذا المكان في بيته أو بيتي ، أو في مكتبي هنا ، ووافق الشيخ حسن البنا ، ورأى أن يكون الاجتماع في مكتب الدكتور طه حسين بالوزارة
وتمَّ اللقاء وبدأه الدكتور طه حسين بقوله: لعلك يا أستاذ حسن لا تعلم بأنني حضرت محاضرتك ، وبأنني كنت حريصا على حضورها ، وعلى الإستماع إلى كل كلمة تقولها ، لأنني أعرف من هو حسن البنا ، وأقسم لك لو أن أعظم عظيم في مصر كان في مكانك ما أعرته اهتماماً ، يقول الشيخ حسن البنا فشكرته ، ثمَّ سألته عن رأيه في المواضيع التي وجهت النقد إليها في الكتاب ، وهل لديه من ردّ عليها .؟
قال الدكتور طه حسين: ليس لي ردّ على شيء منها ، وهذا نوع من النقد لا يستطيعه غيرك ، وهذا هو ما عناني مشقة الإستماع إليك ، ولقد كنت أستمع إلى نقدك لي وأطرب ، وأقسم يا أستاذ حسن لو كان أعدائي شرفاء مثلك لطأطأت رأسي لهم ، لكن أعدائي أخسَّاء لا يتقيـَّدون بمبدأ ولا بشرف ، ليت أعدائي مثل حسن البنا إذن لمددت لهم يدي لهم كما أمدُّها إليك .