الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (الحلقة الثالثة عشر)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (13)


علي صبري: حملتُ رسالة من عبد الناصر للسفير الأمريكي ليلة الحركة


زياد أبو غنيمة

مقدمة

ينقل الكاتب المصري عادل حموده في كتابه (هيكل ، الحياة ، الحرب ، الحب) عن أندرو توللي ضابط المخابرات المركزية الأمريكية أنً المعلومات التي كانت تصل إلى خلية المخابرات المركزية في القاهرة عن تنظيم الضباط الأحرار كانت تشير إلى أن اللواء أركان حرب محمد نجيب هو زعيم تنظيم الضباط الأحرار ، لكن الأمريكان سرعان ما اكتشفوا أن الرجل القوي في التنظيم هو البكباشي جمال عبد الناصر ، فراحوا ينصبون شباكهم حوله متجاهلين اللواء محمد نجيب

وفي إشارة إلى أن محاولات المخابرات الأمريكية نجحت في محاولتها ، ينقل عادل حموده عن أندرو توللي قوله : (قبل قيام الثورة بقليل كان علي صبري يوقظ صديقه المُلحق الجوي الأمريكي من نومه ويبلغه بما وقع) ، وبهذه الشهادة يُعزِّز عميل المخابرات المركزي أندرو توللي الرواية المتواترة التي تقول إن عبد الناصر أوكل إلى عضو تنظيم الضباط الأحرار الضابط الطيَّـار قائد السرب علي صبري إيصال رسالة في ليلة تنفيذ حركة 23 يوليو إلى السفير الأمريكي جيفرسون كافري من خلال صديقه الملحق الجوي في السفارة الأمريكية .

وفي كتابه (علي صبري يتذكر) الذي حرَّره الصحفي المصري عبد الله إمام يروي علي صبري الذي أصبح بعد حركة 23 يوليو مديرا لمكتب عبد الناصر ثمَّ مديرا للمخابرات العامة ثمَّ نائبا لرئيس الجمهورية تفاصيل المهمة التي أوكلها إليه عبد الناصر بقوله: (إتصلَّ بي زميلي في تنظيم الضباط الأحرار عبد اللطيف البغدادي في ليلة 23 يوليو 1952 م واستدعاني لمقابلة البكباشي جمال عبد الناصر الذي كلفني بإيصال رسالة منه إلى السفير الأمريكي جيفرسون كافري عبر صديقي الملحق الجوي في السفارة الأمريكية)

ويتحدَّث علي صبري عن تلك المهمة قائلا :

"كانت هذه أول مقابلة لي مع عبد الناصر ، وأبلغني نصَّ رسالة شفوية طلب مني إبلاغها للملحق الجوي الأمريكي الذي تربطني به علاقة صداقة لينقلها بدوره إلى السفير الأمريكي جيفرسون كافري ، وكانت الرسالة أن الجيش قام بحركته لتطهير القوات المسلحة من العناصر الفاسدة وليس للحركة أية أبعاد سياسية والشعب كله سيؤيدها لأنها ستتماشى مع مصالحه
والمطلوب أن تتدخل سفارة الولايات المتحدة لمنع أي تحرك للقوات البريطانية من منطقة القناة ، وقد ذهبتُ إلى الملحق الجوي الأمريكي وأبلغته الرسالة واتصل أمامي بالسفير الأمريكي في الإسكندرية لينقل إليه ما سمعه منى ، وفعلا وصلت الرسالة إلى السفارة البريطانية فيما بعد وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى عدم تدخل عسكري بريطاني في الأيام الأولى" .

وتأكيداً لاستمرار علاقة عبد الناصر بالأمريكان بعد حركة 23 يوليو يذكر عادل حمُّوده في كتابه أن عبد الناصر إلتقى مع وليم فوستر مساعد وزير الخارجية الأمريكي في شهر تشرين الثاني ـ نوفمبر 1952 م (بعد حركة 23 يوليو) على مأدبة عشاء في منزل السفير الأمريكي جيفرسون كافري ، وأبدى المسؤولان الأمريكيان حرصهما على التعاون مع حركة يوليو ، وتمَّ الإتفاق على تزويد الولايات المتحدة للجيش المصري بما يحتاجه لتشكيل فرقة مدرعة حديثة

وأبلغ عبد الناصر السفير كافرى أن تزويد الولايات المتحدة للجيش المصري بالسلاح من شأنه أن يُعزِّز هيبة الولايات المتحدة ، وتعهد عبد الناصر له بأن الأسلحة سوف تـُستخدم فى الدفاع عن النفس فقط لطمأنة أمريكا أنها لن تـُستعمل ضدَّ الكيان الصهيوني، وسافرت بعثة عسكرية مصرية برئاسة علي صبري لمتابعة إرسال السلاح إلى مصر

وفي كتابه (حرب الثلاثين سنة .. ملفات السويس) يذكر محمد حسنين هيكل الذي كان قد سبق علي صبري إلى واشنطن بدعوة رسمية لتغطية الانتخابات الرئاسية الأمريكية أنه كان مفهوما للمصريين أن واشنطن لن تعطي مصر السلاح الذي تطلبه إلا إذا دخلت في تسوية مع إسرائيل ودخلت في (حلف بغداد) الذي سيضم تركيا ومصر وباكستان (مثلث أنقرة ـ القاهرة ـ كراتشي)

ويذكر هيكل أن علي صبري وبعثته مكثا فترة طويلة في أمريكا لتأمين شحن السلاح المطلوب الذي كان عبد الناصر حريصا على أن يشارك بنفسه في حفل شحن أول دفعة منها إلى مصر ، وكان كل شئ يسير على ما يرام بالنسبة إلى بعثة الأسلحة ، فقد تباحث على صبرى مع رئيس الأركان الأمريكي الجنرال عمر برادلي فيما تطلبه مصر

وتم تأليف لجان فرعية للبحث في التفصيلات الفنية ، وكان الرئيس عبد الناصر واثقاً من النجاح إلى درجة أنه أبلغ الوحدات العسكرية التى زارها أنها ستتلقى أسلحة جديدة من الولايات المتحدة وأن الشحنات الأولى ستصل قريباً ، ولكن الرياح لم تأت كما يشتهي عبد الناصر فقد تعطـَّـلت الصفقة

ويذكر هيكل أن سبب تعطيلها كانت مكالمة من رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل إلى الرئيس الأمريكي آيزنهاور الذي كان قد نجح في الإنتخابات الرئاسية ، وينقل هيكل نص المكالمة بينهما على النحو التالي : قال تشرشل على التلفون : (يا صديقي العزيز ويا رفيق السلاح القديم هل يعقل أن تعطوا المصريين أسلحة يقتلون بها أولادنا من الجنود البريطانيين في قاعدة قناة السويس .؟)

فأجابه ايزنهاور : (إن ذلك لن يحدث بسهولة ، وإنه كقائد عام سابق لقوات الحلفاء لا يمكن أن يسمح بأي شيء من شأنه إلحاق أذى بجنود ربما كانت فرقتهم وكتائبهم بالذات تحت قيادته في الحرب العالمية الثانية)

ويلاحظ أن هيكل لم يعزُ تعطيل الصفقة إلى رفض حكومة عبد الناصر للشرطين الأمريكيين اللذين أشار إليهما وهما الدخول في تسوية مع إسرائيل والدخول في (حلف بغداد) ، وهما شرطان كان الأمريكان يعرفون أنهما لا يمكن أن يتحققا إلا بإبعاد جماعة الإخوان المسلمين القوة المعارضة الأشد لهما عن الساحة ، وتجدر الإشارة إلى أن هدف القضاء على جماعة الإخوان المسلمين كان مطلبا أمركيا مُتكررا في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة

ففي 16 تشرين الأول 1953 م كلـَّـف الرئيس الأميركي آيزنهاور مستشاره أريك جونستون بمهمة التفاوض كممثل شخصي له مع دول المنطقة لمحاولة إقناعها بالموافقة على مشروعه الذي عُرف باسم (مشروع آيزنهاور لملْ الفراغ في الشرق الأوسط) ، وفي ربيع عام 1954 م ، أي بعد استلام عبد الناصر رئاسة الجمهورية بأقل من شهر تقريبا بعد إبعاده للرئيس محمد نجيب قدمَ جونستون إلى الشرق الأوسط للترويج لمشروع آيزنهاور الذي كان في ظاهره يدعو إلى تحصين المنطقة من المد الشيوعي باعتبار أن الشيوعية هي عدو العرب وليس الكيان الصهيوني المُغتصب لفلسطين

وكان المشروع يهدف في باطنه إلى حل القضية الفلسطينية لصالح اليهود من خلال عقد صلح مع كيانهم المُغتصب (هذا ما فعله لاحقا أنور السادات خليفة عبد الناصر) ، وفي هذا السياق ينبغي الإشارة إلى أن الأمريكان أعادوا من خلال مشروع آيزنهاور تاكيد مطلبهم بالقضاء على جماعة الإخوان المسلمين ، حيث تضمَّـنت ديباجة المشروع إشارة إلى أنه لن يكون هنالك سلام في المنطقة ما دامت جماعة الإخوان المسلمين التي تعد مليونا من البشر داخل مصر وخارجها موجودة وقائمة .

هيكل: عبد الناصر أعْجـِـبَ بما سمع من دالاس وتأثر به

في كتابه (عبد الناصر والعالم) يورد الصحفي المصري محمد حسنين هيكل تفاصيل عن لقاء عبد الناصر بوزير الخارجية الأمريكية جون فوستر دالاس على النحو التالي:

" لم يلتق جمال عبد الناصر وجون فوستر دالاس سوى مرة واحدة ، كان ذلك في مأدبة عشاء فى السفارة الأميريكية بالقاهرة يوم 11 مايو (آيار) 1953م ، وكان عشاء بسيطاً : حساء ، سمك موسى ، وشريحة من اللحم الضأن ومرطبات مثلجة ، على أن المناسبة لم تكن بسيطة ، فقد جاء دالاس إلى القاهرة بهدفين : الأول أن يحاول ترتيب صلح بين العرب والإسرئيليين ، والآخر الإستمرار فى محاولة تطويق الإتحاد السوفييتى زعيم المعسكر الشيوعي بأحلاف عسكرية وسياسية ، وراح دالاس يحاول اكتساب مودة عبد الناصر برواية سلسلة من الحكايات عن السياسات الدولية والمساومات الدائرة بين مختلف الدول
وقد أعجب عبد الناصر بما سمع وتأثر به ، ووجد أن دالاس ليس عنيداً أو متعنتاً فى كرهه للشيوعية فحسب ، بل اكتشف أيضاً أنه يستسيغ النكتة ويتمتع بقدرة على الإصغاء والاستيعاب ، وقد تمَّت زيارة وزير الخارجية الأمريكية للقاهرة قى وقت زادت أمريكا من إقحام نفسها فى الشرق الأوسط ، وكان الكثيرون فى المنطقة يتطلعون إلى ذلك برجاء ، فقد كانت صورة الولايات المتحدة فى ذلك الحين صورة براقة بينما كانت بريطانيا وفرنسا إمبراطوريتين مكروهتين وفى طريقهما إلى الزوال
وكانت روسيا على بعد خمسة آلاف ميل وإيديولوجية الشيوعية تـُعتبر حراماً فى نظر الديانة الإسلامية ، أما أمريكا فإنها كانت قد خرجت من الحرب العالمية الثانية وهى أغنى وأقوى وأكثر جاذبية من أى زمن مضى ، وهكذا كانت الولايات المتحدة تحيط بها كل معاني النجاح والفتنة ، براقة متسامية على الفشل الذريع الذى مُني به الإستعماريون القدامى البريطانيون والفرنسيون ، وكان الناس متجاوبين مع فكرة قيام الأمريكيين بدور رئيسى في الشرق الأوسط ، ومستعدون لقبولها".

وحول نفس اللقاء بين عبد الناصر ووزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس ينقل الكاتب المصري عادل حمُّوده في كتابه (هيكل ، الحياة ، الحرب ، الحب) تفاصيل أخرى عن اللقاء على لسان هيكل حيث يذكر هيكل أن عبد الناصر إستهلَّ اللقاء وتحدَّث عن نظرة النظام الثوري الجديد (حركة 23 يوليو) إلى الولايات المتحدة وإلى ميله لاعتبارها دولة صديقة يمكن التعاون معها على الرغم مما اعترى صفقة السلاح من تعطيل

وخلال الحديث عرض دالاس على عبد الناصر دخول مصر في حلف للدفاع عن الشرق الأوسط ، ولا يشير هيكل إلى أن عبد الناصر رفض العرض ولكنه أجاب على عرض دالاس كما يذكر هيكل قائلاً : (الآن نحن لا نفكر في شيء إلا في جلاء الإنجليز عن مصر وبعد الحصول عليه نستطيع أن نـُفكـِّـر في أية مقترحات تريدون طرحها للمناقشة معنا) .

ولقد استوقفني في سرد هيكل لتفاصيل لقاء عبد الناصر بوزير الخارجية الأمريكي دالاس أمران ، الأمر الأول أن هيكل أشار إلى أن اهتمام الوزير والسفير الأمريكيين كان مُنصبا على عبد الناصر على الرغم من حضور الرئيس محمد نجيب للقاء ، والأمر الثاني أن هيكل أشار إلى أن مأدبة العشاء خلت من الخمور ، ولكنه ذكر أن الوزير والسفير وأركان السفارة تناولوا أقداحا من الخمر قبل قدوم ضيوفهم المصريين ، فكيف عرف هيكل بذلك لولا أنه كان موجودا في السفارة قبل قدوم نجيب وعبد الناصر ورفاقهم .؟ مما يعني أنه من أهل الدار كما يقول المثل العربي .

كيرميت روزفلت: عبد الناصر مؤهل لقيادة المنطقة

ينقل عادل حمُّوده في كتابه (هيكل ، الحياة ، الحرب ، الحب) عن محمد حسنين هيكل أن أحمد حسنين سفير مصر في واشنطن أقام خلال إجازة له في القاهرة مأدبة عشاء في منزله لهنري بايرود الذي خلف جيفرسون كافري كسفير لأمريكا في القاهرة بحضور جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ، ورافق السفير إلى العشاء كيرميت روزفلت الذي كان أحد أركان خلية المخابرات المركزية في القاهرة

وأريك جونسون صاحب المشروع الشهير باسمه (مشروع جونسون) لإيجاد تسوية مع الكيان الصهيوني المُغتصب لفلسطين تحت غطاء مشروع لتوزيع مياه نهر الأردن ويذكر هيكل أن كيرميت روزفلت الذي تمتد صداقته به إلى سنوات أخبره أنه خرج من اللقاء بقناعة مفادها أن : (عبد الناصر يتحلَّى بكفاءات تؤهله لقيادة المنطقة وتجميع شعوبها ودفعها إلى مستقبل أفضل) ، والسؤال الذي يفرض نفسه تعليقا على شهادة روزفلت : هل كان روزفلت ليشهد هذه الشهادة بعبد الناصر لو كان عبد الناصر عدوا للأمريكان كما كانت أبواقه تزعم .؟ .

بعد كل هذه الشهادات من، هل يبقى هناك أدنى شك في أن عبد الناصر وتيَّاره في حركة 23 يوليو لم يكونوا برءاء من التآمر مع الأمريكان لافتعال الصدام ضدَّ جماعة الإخوان المسلمين على مدى 15 عاما عجافا .؟ .