الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (الحلقة الثانية عشر)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (12)


شهادة الدكتور يواقيم رزق مرقص


زياد أبو غنيمة

مقدمة

يذكر كتاب (المفاوضات البريطانية ـ المصرية 1951 ـ 1954 م) الذي شارك في تأليفه بدعم من مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتورعلاء الحديدي والدكتور سامي أبو النور والدكتور يواقيم رزق مرقص الذي قام بتحرير الكتاب أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة التي أحس الضباط الأحرار بأنها الأقرب إليهم ويمكن التفاهم معها

ففي الساعات الأخيرة قبل قيام الضباط الأحرار بحركتهم في ليلة 23 يوليو 1952 م أرسلوا الضابط علي صبري ضابط مخابرات الطيران المصري في ذلك الوقت إلى السفارة الأمريكية ليبلغهم بقيام الثورة المصرية ويوضـِّـح لهم نوايا الحركة واتجاهاتها بما في ذلك تمسكها بالتزامات مصر الدولية وأنها لا تستهدف التعرض للأجانب ، فكان موقف الأمريكان منذ البداية الترحيب بحركة 23 يوليو .

وفي الفصل المُخصَّـص للحديث عن الخلافات داخل مجلس قيادة الثورة بين محمد نجيب وخالد محي الدين ويوسف صديق وأحمد شوقي وبين جمال عبد الناصر وتيَّـاره ، يذكر الكتاب أن تيَّـار عبد الناصر تمكـَّـن من إبعاد يوسف صديق وأحمد شوقي عن المجلس ، ثمَّ انتهز محاولة اغتياله عبد الناصر في حادثة المنشية بالإسكندرية في 26 تشرين الأول ـ أكتوبر 1954

فاقحم محمد نجيب في الحادثة واتهمه بالإتفاق مع جماعة الإخوان التي كان قد أصدر المجلس قرارا بحلها في 14 كانون الأول ـ يناير 1954 م (ثبت لاحقا وباعترافات رجال عبد الناصر أن حادثة المنشية كانت مفبركة) فقام عبد الناصر بالتخلص من محمد نجيب نهائيا ، ثمَّ تخلص من خالد محي الدين باضطراره للإستقالة من مجلس قيادة الثورة .

ويذكر كتاب (المفاوضات البريطانية المصرية 1951 ـ 1954 م) أنه بعد أن استقرَّت الأمور داخل مجلس قيادة الثورة لصالح عبد الناصر بعثت السفارة الأمريكية في القاهرة تقريراً إلى وزارة الخارجية الأمريكية تعلمها فيه أن موقف النظام تحسن خلال الأسابيع الماضية بعد أن تمَّ القضاء على المعارضة (الإخوان ، نجيب ، محي الدين)، ويتوقف محررو الكتاب عند هذا التقرير الذي يُبشـِّر الإدارة الأمريكية باستقرار الأمور لصالح عبد الناصر فيطرحون السؤال التالي : هل كان التخلـُّـص من الإخوان ونجيب وخالد محي الدين هو الثمن الذي دفعه عبد الناصر لكسب تأييد الأمريكان .؟) .

شهادة صحيفة النيويورك تايمز

كتبت صحيفة (النيويورك تايمز) الأمريكية مقالا في عددها الصادر نهار الخميس 28 نيسان 1966 م قالت فيه:

يتوجب توجيه الشكر لجمال عبد الناصر لأن علاقته بوكالة المخابرات المركزية (سي ـ آي ـ ايه) قبل أن يستولي على السلطة في مصر مكَّـنت الوكالة من أن يكون لها صفقات وثيقة مع حكومة ناصر ، وكان القضاء على جماعة الإخوان المسلمين واحداً من تلك الصفقات حيث تطابقت مصلحته مع مصلحتها في ضرب جماعة الإخوان المسلمين
بل أكثر من ذلك فإن الوكالة هي التي فكرت له وخطـَّـطت له لإيجاد المُبرر الذي يتخذه أمام الشعب المصري لضرب الإخوان المسلمين وكان هذا المبرِّر هو (حادثة المنشية) التي تعتبر نقطة التحوُّل الخطيرة في تاريخ عبد الناصر وتاريخ مصر بل وتاريخ العرب .

كتاب (العلاقات المصرية البريطانية 1951-1954 م)

يذكر الكاتب المصري رؤوف عباس حامد في كتابه ( العلاقات المصرية البريطانية 1951-1954 م) أن الضباط الأحرار حرصوا قبل تنفيذ حركة 23 يوليو على السير في اتجاهين

الأول: الحصول على تأييد السفارة الأمريكية للحركة
والثاني: تحذير الجانب البريطاني من مغبة التدخل لصالح الملك فاروق والتلويح باستخدام القوة في مواجهته ، وفيما يتعلق بالاتجاه الأول يذكر التقرير أن علي صبري أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار قام بالاتصال بالسفير الأمريكي ليوضح له بواعث الحركة وأهدافها وقد نجح في الحصول على تأييده

وفيما يتعلق بالاتجاه الثاني يذكر التقرير أن الوساطة الأمريكية لعبت دورها حيث نقل أحد أعضاء السفارة الأمريكية رسالة للسفير البريطاني مؤداها أن حركة الجيش تهدف أساسا للقضاء على الفساد الداخلي ولن تتعرض للسياسة الخارجية ، وأن الجيش المصري سوف يبدي مقاومة مسلحة ضدَّ أي تدخل بريطاني لإفشال الحركة ، وقد آتى تدخل السفير الأمريكي أكله حيث لم يكتف الإنجليز بعدم الإستجابة لمطالب فاروق بتدخل قواتهم المعسكرة حول القناة لإنقاذ نظامه

بل قام مستر كريزويل القائم بأعمال السفير البريطاني بإرسال أحد أعضاء السفارة برفقة مساعد الملحق الحربي لمقابلة محمد نجيب لتوضيح الموقف البريطاني من حركة الجيش وإظهار الترحيب بأي حركة في مصر تقوم على محاربة الفساد وتحسين مستوى المعيشة للشعب المصري ، وطلب المبعوثان البريطانيان ضمانات بأن الجيش سوف يحمي أرواح الأجانب وممتلكاتهم .

ويذكر الكتاب أنه بعد إذاعة البيان رقم واحد لحركة 23 يوليو ، وتحديدا في الساعة السابعة إلا خمس دقائق من صباح يوم 23 يوليو أرسل مستر كرزويل القائم بأعمال السفارة البريطانية في القاهرة برقية إلى وزارة الخارجية البريطانية تعلمها بأن قوات متمردة في الجيش المصري سيطرت على القاهرة

وفي مساء نفس اليوم في الساعة الخامسة إلا عشر دقائق أرسلت السفارة البريطانية برقية إلى لندن جاء فيها : (نحن نرحب بحركة الجيش في مصر ولو اضطررنا إلى التضحية بالملك فاروق ، لأن هذه الحركة أظهرت حسن نواياها عن طريق إظهار أن لها صلة بالأمريكان).

عبد اللطيف البغدادي: عبد الناصر أبلغ الأمريكان بساعة الصفر لحركة 23 يوليو

في كتابه (مذكرات عبد اللطيف البغدادي) يُعزِّز عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة الثورة الرواية التي تؤكـِّـد أن عبد الناصر أبلغ الأمريكان بساعة الصفر لحركة 23 يوليو ، ويذكر البغدادي أنه بعد أن أبلغوا قيادة الإخوان المسلمين بساعة الصفر لحركة 23 يوليو لتقوم بالإستعداد لمواجهة أي تدخل من قبل القوات البريطانية المرابطة حول قناة السويس للدفاع عن نظام الملك فاروق ، قرَّروا إبلاغ السفير الأمريكي بساعة الصفر ليتصلَّ بالسفارة البريطانية للطلب من الإنجليز عدم التدخل عسكريا ضدَّ الحركة

وفي هذا السياق يقول البغدادي إنه عندما أخذوا في البحث عمن يقوم بالمهمة تذكر علاقة الصداقة التي تربط قائد السرب علي صبري الذي كان عضوا في تنظيم الضباط الأحرار بالملحق الجوي في السفارة الأمريكية الضابط إيفانز ، فاقترح على زملائه تكليفه بالمهمة فوافقوا وطلب منه عبد الناصر إستدعاءه لتكليفه بنقل رسالة شفوية منه إلى السفير جيفرسون عبر صديقه إيفانز

ويذكر البغدادي أن جيفرسون تجاوب مع رسالة عبد الناصر وتدخـَّـل لدى السفير البريطاني فلم يتدخلوا عسكريا ضدَّ حركة 23 يوليو ، ولا أخالنا بحاجة لكثير ذكاء لنكتشف أن الأمريكان والبريطانيين ما كانوا ليتجاوبوا مع الطلب الذي حملته رسالة عبد الناصر ، بما يحمل هذا التجاوب من تخلـِّـيهم عن صنيعتهم الملك فاروق ، لو لم يكونوا مطمئنين إلى عبد الناصر ورفاقه في حركة 23 يوليو .

ويورد محمد حسنين هيكل في كتابه (حرب الثلاثين سنة .. ملفات السويس) قصة تكليف البغدادي بنقل رسالة من عبد الناصر إلى السفير جيفرسون كافري على النحو التالي :

ثمة مفارقة مضحكة لكنها تشهد على الأهمية المتزايدة لأمريكا في مصر فى ذلك الحين ، هي أنه في ليلة وقوع الثورة بعث زعيما الجانبين : الرئيس عبد الناصر والملك فاروق بمبعوثين عنهما إلى السفير الأمريكى جيفرسون كافري ، فقد كان هناك احتمال بديهى بأن يتدخل الجيش البريطاني انطلاقاً من قاعدته في منطقة القناة لمصلحة النظام القديم ، وكان السفير البريطاني رالف ستفنسون ضدَّ التدخل لكن الجنرال إرسكن القائد الأعلى البريطاني كان يُحبِّذه
وفى النهاية لم يتدخل البريطانيون ، ففي الساعة الثالثة من صباح الانقلاب قرَّر عبد الناصر أن يبعث برسالة إلى السفير الأمريكى يشرح فيها أهداف الثورة ، ولكن وقفت هناك عقبة فلم يكن بين الضباط الشبان من كان يعرف السفير كافرى ، وأخيرا تمَّ تكليف علي صبري الذي كان على صلة بالملحق الجوى الأمريكى بنقل الرسالة ، وهكذا وضع فى سيارة أسرعت به إلى منزل الملحق
وبعد نصف ساعة كان كافرى قد تسلم رسالة عبد الناصر التى توضح أن الثورة من صميم شؤون مصر الداخلية وتحذر من أى تدخل بريطاني ، وفي الوقت ذاته بعث الملك فاروق وهو في حالة من الذعر البالغ برسالة الى السفير كافري نقلها سكرتيره الخاص الإيطالي أنطونيو بوللي تقول إن الملك يعتقد أن الوضع يتطور تطوراً خطيراً ويطلب الحماية الأمريكية ، وكانت الحماية الوحيدة التي وفـَّـرها السفير كافري للملك أنه ذهب إلى القصر وبقى مع فاروق حتى إطمأن إلى مغادرته إلى منفاه في نابولي بإيطاليا

وينهي هيكل سرده قائلا:

إذن ، كانت هناك صلة واضحة تبين مدى دور أمريكا ونفوذها في ذلك الحين فقد كان ممثلها آخر من يودع بقايا النظام القديم ، وأول من يتصل بالعهد الجديد ويظهر كل نيَّة طيبة حيال مصر ، وراحت الولايات المتحدة تـُركـِّـز فوراً على هذه الصلة فزادت من عدد الديبلوماسيين فى السفارة
وكان بعضهم تابعاً لوكالة المخابرات المركزية C.I.A ، وكان وليم ليكلاند الذي كان يعمل تحت ستار مستشار في السفارة ضابط الإتصال مع عبد الناصر ورفاقه ، وقد ذهب الرئيس عبد الناصر عدة مرات لتناول العشاء في منزل ليكلاند حيث كانا يبحثان العلاقات بين بلديهما ، وكان لدى عبد الناصر انطباع بأن ليكلاند رجل مهم .

بعد كل هذه الشهادات من رفاق جمال عبد الناصر، هل تريدون دليلا أبلغ من هذا االشهادات على ما كان يربط عبد الناصر من علاقة مع الأمريكان .؟