الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (الحلقة الحادية عشر)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون: ثمانون عاماً من الصُـمودِ والتحدِّي (حقبة عبد الناصر) (11)


هل كان الأمريكان وراء صدام عبد الناصر بالإخوان


زياد أبو غنيمة

مقدمة

نأتي إلى السؤال: هل كانت جهات أجنبية وراء الصدام بين حركة 23 يوليو وبين الإخوان المسلمين واستغلته هذه الجهات لتنفيذ أجندتها المعادية لجماعة الإخوان التي يأتي في مقدمتها هدف (منع الإخوان من الوصول إلى حكم مصر) .؟ ، أو لنسأل السؤال بصيغة أكثر وضوحاً وصراحة ، هل جاءت الضربة القاسية التي وجهها البكباشي جمال عبد الناصر لجماعة الإخوان المسلمين على مدى 15 عاما متواصلة (1954 ـ 1970 م) في سياق نفس المُخطط الأمريكي الأوروبي اليهودي الذي يهدف إلى القضاء على الإخوان المسلمين لمنع وصولهم إلى حكم مصر أو على الأقل لتأخير وصولهم لأبعد مدَّة ممكنة .؟

في الإجابة على هكذا سؤالٍ لا تنفع العنتريات التي تعتمد على قوَّة أوتار الحنجرة في إيذاء الآذان بالصراخ والصخب ، وإنما نحتاج إلى قوَّة الحُجـَّـة وصدقية الأدلَّة التي تخاطب العقل والضمير ، فلنحاول الإجابة على السؤال بموضوعية وأمانة علمية .

لم يعد خافيا على مُنصفٍ يحترم عقله أن صُـنـَّـاع حركة 23 يوليو 1952 م كانوا على الصعيد العسكري هم:

تنظيم الضباط الأحرار بأجنحته الأربعة:
جناح الضبَّـاط المُستقلين وعلى رأسهم قائد الحركة اللواء أركان حرب محمد نجيب ، وجناح ضبَّـاط الإخوان المسلمين الذين كان يُمثلهم في اللجنة التأسيسية للتنظيم اليوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف ، وجناح الضباط المتأثرين بالبكباشي جمال عبد الناصر من الضبَّـاط المستقلين كصلاح سالم وجمال سالم وعبد الحكيم عامر وأنور السادات
وجناح الضبَّـاط اليساريين والشيوعيين كخالد محي الدين ويوسف صديق وأحمد حمروش ، أما على الصعيد السياسي والشعبي فقد انحصرت المشاركة في صنع حركة 23 يوليو بالجناح المدني لجماعة الإخوان المسلمين وأنصارهم ، بينما كانت جميع الأحزاب السياسية تدور في فلك الملك فاروق وفي فلك السفارة البريطانية في القاهرة حتى آخر ساعة قبل نجاح حركة 23 يوليو .

لنطرح هذا السؤال : هل كان هؤلاء الأطراف الذين صنعوا ثورة 23 يوليو ، مجتمعين أو متفرِّقين ، على اتفاق وتنسيق مُسبقين مع الأمريكان لإنجاح حركة 23 يوليو .؟ .

أما جماعة الإخوان المسلمين بجناحيها العسكري والمدني فلا أظن عاقلا يمكن أن يُصدِّق أن الجماعة نسَّـقت مسبقا لإنجاح حركة 23 يوليو مع الأمريكان وهي تعرف أن الأمريكان يلتقون مع اليهود والإنجليز والفرنسيين على تصنيفها عدواً لهم وخطراً على مخططاتهم ومصالحهم في المنطقة العربية ، مثلما كانوا يشتركون جميعهم في الكيد للإخوان لتحقيق هدفهم الإستراتيجي وهو هدف منع الإخوان من الوصول إلى حكم مصر ؟

أما اللواء محمد نجيب فيكفي لتبرئته من وجود علاقة له بالأمريكان أنه لو كانت له فعلا علاقة بالأمريكان فلماذا وقف الأمريكان مع خصمه عبد الناصر ، ولو كانت لمحمد نجيب علاقة بالأمريكان لوجدها البكباشي جمال عبد الناصر فرصة ذهبية ليتهمه بالعمالة للأمريكان ليسهل عليه تبرير غدره به وخلعه من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الثورة لاحقا .

أما الضبَّـاط خالد محي الدين ويوسف صديق وأحمد حمروش الذين كانوا يمثلون التيار اليساري الماركسي في تنظيم الضباط الأحرار فإن من السذاجة مجرَّد التفكير بإمكانية تعاونهم مع الأمريكان في وقت كانت الحرب الباردة في أوجها بين المعسكر الإشتراكي الشيوعي الذي يناصرونه وبين الأمريكان .

فإذا كان الإخوان المسلمون ، واللواء محمد نجيب ، والضبَّاط من التيار اليساري الماركسي ، بُرءاء من تهمة العلاقة المُسبقة والتنسيق مع الأمريكان لإنجاح حركة 23 يوليو ، فهل كان البكباشي جمال عبد الناصر وتياره في تنظيم الضباط الأحرار بُرءاء من هذه التهمة .؟ .

دعونا لا نترك لعواطفنا ولا لخلفياتنا السياسية والحزبية أن تـُجيب على هذا السؤال ، لنترك للحُـجَّـة وللدليل أن يُجيبا على السؤال ، يقول القانونيون إن الإعتراف هو سيِّـد الأدلة ، وهل من دليل أصدق من شهادة عبد الناصر نفسه وشهادات شهودٍ من تيار عبد الناصر يعترفون فيها بعلاقة عبد الناصر بالأمريكان ، قبلَ ، وفي نفس ليلة تنفيذ حركة 23 يوليو ، وبعدَ تنفيذها .؟ .

فلنراجع إعترافات عبد الناصر ورفاقه في مجلس قيادة الثورة لنحصل على أكثر من دليل على العلاقة الوثيقة بين عبد الناصر وبين الأمريكان .

شهادة عبد الناصر

في عددها رقم 3685 الصادر في 25 كانون الثاني 1999م أعادت مجلة (روز اليوسف) نشر نصَّ حوار قديم كانت قد نشرته مجلة (جون أفريك) الفرنسية أجراه الصحفي الفرنسي جاك بنواستي ميشان مع البكباشي جمال عبد الناصر ، وفي ردِّه على سؤال الصحفي الفرنسي: هل صحيح أنه لم يكن لديك أي تعاطف مع الأمريكان .؟ ، وكان جواب عبد الناصر كما أوردته (روز اليوسف) حرفيا : (عندما وصلت إلى السلطة كنت في خدمتهم ، أتكلم لغتهم ، أقرأ مجلاتهم كنت في حالة إعجاب شديد بتقدمهم الفني ، وفكـَّـرت في أن طريقة الأمريكان هي الأفضل في الحياة) .

شهادة أنور السادات

في كتابه (هذا عمُّـك جمال يا ولدي) يعترف محمد أنور السادات عضو قيادة تنظيم الضباط الأحرار الذي أذاع البيان رقم واحد لحركة 23 يوليو وخليفة عبد الناصر في رئاسة الجمهورية بعد موت عبد الناصر أن السفير الأمريكي جيفرسون كافري حضر أول وثاني اجتماع لمجلس قيادة الثورة .

شهادة خالد محي الدين

في كتابه (أسرار حريق القاهرة في الوثائق البريطانية) يذكر الكاتب المصري اليساري جمال الشرقاوي أنه سأل عضو مجلس قيادة الثورة خالد محي الدين (رئيس حزب التجمُّـع اليساري لاحقا) عن ما يُشاع عن وجود صلة بين الضباط الأحرار والأمريكان ، فأجابه خالد محي الدين أن عبد الناصر طلب منه قبل الحركة بأشهر بالتخفيف في منشورات الضباط الأحرار التي كان يُعدُّها من مهاجمة الأمريكان ، ثمَّ بدأنا نسمع كلاما عن التفاهم مع أمريكا وعن خطر الشيوعية من جمال سالم أحد قادة تنظيم الضباط الأحرار)

وفي نفس السياق يذكر الكاتب اليساري أحمد حمروش الذي كان عضوا في تنظيم الضباط الأحرار في كتابه (قصة ثورة 23 يوليو) أن جمال عبد الناصر طلب من خالد محي الدين قبل الثورة بفترة وجيزة عدم استخدام عبارة (الإستعمار الأنجلو أمريكي) في منشورات الضباط الأحرار والإكتفاء بعبارة الإستعمار البريطاني أو الاكتفاء باستخدام كلمة (الإستعمار) فقط .

شهادة محمد حسنين هيكل

في كتابه (ملفات السويس) يذكر الصحفي المصري الذي كان موضع ثقة جمال عبد الناصر وكاتم الكثير من أسراره أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تعرف أن جمال عبد الناصر هو الرجل القوي في القيادة الجديدة وليس محمد نجيب ، وكانت تعرف أن عبد الناصر كان يبحث عن دور للولايات المتحدة في دعم الثورة ، فطلب مستشار السفارة الأمريكية لويس جونز من القائم مقام عبد المنعم أمين أحد كبار ضباط سلاح المدفعية في الجيش المصري ترتيب لقاء مع جمال عبد الناصر

وكان القائم مقام عبد المنعم أمين على علاقة بالسفارة الأمريكية ومنغمسا بالنشاطات الاجتماعية التي تقيمها السفارة الأمريكية قبل انضمامه للضبَّـاط الأحرار وسمح له جمال عبد الناصر بعد انضمامه للضبَّـاط الأحرار بالإستمرار في علاقته بالسفارة الأمريكية والمشاركة في أنشطة السفارة الأمريكية الإجتماعية مع عائلته ، ورتـَّـب القائم مقام عبد المنعم أمين بعد قيام الثورة بأسبوعين وتحديدا في 12 آب ـ أغسطس 1952 في بيته لقاءاً على مأدبة عشاء لبعض قادة حركة 23 يوليو بمسؤولين في السفارة الأمريكية كان بعضهم من رجال المخابرات الأمريكية

وحضر اللقاء من الجانب الأمريكي السفير الأمريكي جيفرسون كافري وروبرت ماكلينتوك ووليم ليكلاند، وحضر من رجال حركة 23 يوليو محمد نجيب وجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وعبد اللطيف البغدادي، ويذكر هيكل أن اللقاء أثمر عن وعد بتأييد للثورة من أمريكا ، وسرعان ما عزَّزت أمريكا عناصرها الإستخباراتية في مصر ، واقترحت على جمال عبد الناصر إيفاد عدد من الموثوق بهم إلى أمريكا للتدريب على أسلوب المخابرات ، فتمَّ اختيار كمال رفعت ولطفي واكد وحسن التهامي وصلاح دسوقي

ويذكر هيكل أن رجال المخابرات الأمريكية أخذوا بعد ذلك اللقاء يتردَّدون على مجلس قيادة الثورة وأن محمد نجيب اعترض على تردُّدهم على المجلس وحذَّر جمال عبد الناصر بقوله إن وجود رجال المخابرات الأمريكية في مجلس قيادة الثورة أمر خطير جدا وإن الأمريكيين يريدون تخريب الثورة أو القضاء عليها واحتوائها لتسير في ركاب الولايات المتحدة.

شهادة أحمد مرتضى المراغي

في كتابه (غرائب من عهد فاروق .. وبداية الثورة المصرية) يقول أحمد مرتضى المراغي آخر وزير داخلية في مصر قبل قيام حركة 23 يوليو 1952م :

لا أظن أن المصادفة المحضة وحدها هي التي جاءت بكيرميت روزفلت (كيم) إلى القاهرة خصوصا أنه قد تبين أن كيم هو من كبار رجال المخابرات الأمريكية ، وليست المصادفة هي التي جعلت الحكومة الأمريكية تضاعف عدد رجال السفارة الأمريكية في القاهرة ، كل ذلك في وقت كانت مصر في حالة غليان ضد الحكم القائم وعلى رأسه الملك فاروق
وفي وقت كانت حركة الضباط الأحرار قد اشتدَّ ساعدها إلى أبعد مدى وجابهت الملك في انتخابات نادي الضباط وأعلنت تحديها له بترشيح اللواء محمد نجيب لرئاسة نادي الضباط ضد مرشح الملك اللواء حسين سري عامر ، وإذا كانت منشورات الضباط الأحرار قد وصلت إلى قصر الملك ، وإذا كانت أسماء الضباط الأحرار معروفة أكثرها لدى الحكومة وقائد الجيش حيدر باشا
فكيف لا تكون معروفة لدى المخابرات الأمريكية والبريطانية .؟ ، لقد كان من المنطقي عندما وجد الأمريكان أن نظام فاروق أصبح في مهب الريح أن يتجهوا نحو الضباط الأحرار ، وأجروا اتصالات مع بعضهم عن طريق ضابطين في الجيش هما البكباشي عبد المنعم أمين وقائد الجناح علي صبري ، والتقطت المخابرات الأمريكية من وسط الضباط الأحرار أقوى شخصية في التنظيم جمال عبد الناصر وتمَّ التفاهم بينهم ولعب عبد الناصر دوره بحذاقة .