الإخوان المسلمون أصالة الفكرة واستمرارية المشروع

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون
أصالة الفكرة واستمرارية المشروع
صادر عن المؤتمر الفكري لجماعة الإخوان المسلمون
اسطنبول
15 – 16 محـرم 1441 هـ
14 – 15 سبتمبر 2019 م

محتويات

إهداء

  • إلى روح الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي وكل أبناء الأمة الذين قضوا ظلما وعدواناً
  • إلى كل شعوب الأمة الإسلامية التي تعاني ظلم الطغاة وتجبر المجرمين
  • إلى كل أبناء الأمة الذين يعانون غربة المهجر ومرارة الحصار وضيق السجون
  • إلى كل أبناء الأمة المستضعفين الصابرين المحتسبين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا
  • إلى كل أبناء الأمة المرابطين الذين يسطرون أنبل البطولات ويقدمون أعز التضحيات في ساحات الجهاد والإصلاح لصد عدوان وتحرير أرض وإصلاح شأن من شئون الأمة
  • إلى كل شعوب الأمة الإسلامية التي تتطلع إلى غد مشرق
  • إلى كل هؤلاء يتقدم الإخوان المسلمون يرجون به رحمة الله وتأييده وأن تكون خطوة تتلوها خطوات تقترب بالأمة من موعود الله بالنصر المؤزر
  • "ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين" سورة الروم

مقدمة الكتاب

يظن كثير من الناس أن دعوة الإخوان المسلمين التي استطاعت أن تجتاز كافة المعوقات وتصمد أمام كل التحديات وتنتصر في ساحات المواجهة الفكرية والدعوية والتنظيمية على مدار تسعين سنة، قد آن الأوان أن تغرب شمسها ويأفل نجمها في حرب شرسة تحالفت فيها قوى عالمية وإقليمية وتداعى عليها الأعداء من حدب وصوب، وأحاطت المخاطر بها من كل جانب، في وقت عز فيه النصير وقل فيه الزاد واستوحش الطريق وضاقت بها السبل، حتى أصبح يراود كثير من مؤيديها ومحبيها الشك في قدرتها على استرجاع قوتها، والعودة إلى مكانتها فضلا عن الاستمرار في السير نحو غايتها.

ويظن أعداء الأمة أنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الفوز بجائزتهم الكبرى ونيل مبتغاهم الأسمى بتمزيق ما تبقى من الأمة الإسلامية وسلب إرادتها وكافة مواردها وإمكاناتها، والقضاء على دعوة الإخوان المسلمين التي طالما أزعجت مسامعهم بصوت الحق، وتصدت لمكرهم وأفشلت مخططاتهم، وأحيت الأمة بالإسلام.

يؤمن الإخوان المسلمون إن ما تمر به دعوتهم اليوم لا يعدو عن كونه سنة إلهية متكررة في كل الدعوات الربانية، تأذن بنصر عزيز وفتح مبين قريب، (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) القمر، بعد أن أحاطت المحن بدعوة نوح عليه السلام من كل جانب، وظن أعداؤها أنهم قادرون عليها، جاء النصر الإلهي، والتأييد الرباني، الذي انتقل بالدعوة من حالة الاستضعاف إلى الاستخلاف في الأرض، (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الذينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) (73 يونس).

(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) الأعراف، ظن فرعون وملأه أنهم قد أحكموا الخناق على الدعوة، وأن معالم القضاء عليه وإسكات صوتها للأبد بدأت تظهر في الأفق، ولم يدر هؤلاء الطغاة أنه كلما أحكموا قبضتهم على الدعوة الربانية كان ذلك إيذانا بنصرها والتمكين لها في الأرض وهلاكهم، (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي إلىمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الذينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) الأعراف.

(يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (11) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (12) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالذينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) الأحزاب، ظن مشركي الجزيرة العربية واليهود ومن شايعهم من منافقين بأن استئصال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم والقضاء عليها قضاء مبرما أصبح مسألة وقت لا يتجاوز الساعات والأيام، ولم يدر بخلدهم أن تحالفهم هذا كان مفصلا في مسيرة دعوة الله تعالى تتحول به من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، وسيكون نصرا ربانيا مؤزرا سيمهد الطريق لفتح مكة، الفتح الإلهي المبين والنصر الإلهي العزيز، لتنطلق الدعوة بعد ذلك نحو التمكين لدين الله في الأرض بفتح فارس والروم كما أنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته في غزوة الأحزاب. في خضم هذا التدافع الذي كثرت فيه مخاوف الأصدقاء على الدعوة، وازدادت فيه ظنون الأعداء بالجماعة والأمة، وتزاحمت فيه التساؤلات عن الإخوان المسلمين، ينبري نجم هذا المؤتمر المبارك بإذن الله تعالى، ليعلن للناس عامة وللأصدقاء منهم والأعداء خاصة، أن دعوة الإخوان المسلمون أرسخ في ثباتها على أصولها من الشم الرواسي، وأعمق ثقة في صحة منهجها الإصلاحي من أن تتزحزح عنه أو تساوم عليه، وأنها أعمق يقينا ببلوغ غايتها وتحقيق أهدافها وانتصارها على أعدائها، ويزيل ما علق بأصولها من شوائب وما أثير حولها من شبهات واستعدادا للانتقال المرتقب القادم بإذن الله تعالى.

يعرض المؤتمر ورقة (الرؤية والرسالة)، ليكشف عن غاية الإخوان المسلمين ومهمتهم في الحياة، ويبين منهجهم لتحقيق الأهداف وبلوغ الغاية من خلال ورقة (الإصلاح والتغيير)، ويعرض من خلال ورقة (البناء التربوي) منهجية الدعوة في إيجاد الفرد النموذج كما يريده الإسلام، (إن الإسلام يريد في الفرد وجداناً شاعراً يتذوق الجمال والقبح، وإدراكاً صحيحاً يتصور الصواب والخطأ، وإدارة حازمة لا تضعف ولا تلين أمام الحق، وجسماً سليماً يقوم بأعباء الواجبات الإنسانية حق القيام ويصبح أداة صالحة لتحقيق الإرادة الصالحة وينصر الحق والخير.) رسالة دعوتنا في طور جديد، ومقوماتها التربوية القادرة على صناعة رجال قادرن على تحقيق الأهداف دون انحراف أو تبديل، وتجاوز كل العقبات دون ضعف أو وهن، والثبات على الأصول دون أدنى مهادنة أو مساومة، والحفاظ على وحدة الجماعة ومتانة التنظيم دون أدنى مطمع أو حظ نفس، كم أشار الإمام البنا إلى أبرز خصائصهم، أنهم يمتلكون قوة نفسية عظيمة، (تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره. على هذه الأركان الأولية التي هي من خصائص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة، تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمناً طويلاً) رسالة إلى أي شيء ندعو الناس.

كما يعرض المؤتمر (العمل الجماعي) كونه أحد الأصول التي يتعبد لله تعالى بالتزامها، فتتجسد في الأخوة والثقة والطاعة كركائز تضمن قوة التنظيم وتماسكه، وفي الشورى كضامن للوصول إلى أصوب القرارات وأبركها، ويكشف عن (السنن الربانية) كأصل من الأصول التي لا يمكن إغفالها في فهم الواقع وقراءة الأحداث، وهو ما جعل أغلب مواقف الدعوة وقراراتها تتسم بالصواب في أحلك الظروف وأن تتجنب العثرات والانحراف بالرغم من شدة العوائق وكثرة الصوارف وشدة الأزمات.

من خلال ورقة (الوسطية والاعتدال)، يعرض المؤتمر فكر جماعة الإخوان المسلمين، وعرض لما تميز به من وسطية في الفهم واعتدال في السلوك، ونبذ كل أنواع التطرف والعنف، وأنه الإسلام الصحيح كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وفهمه صحابته الكرام.

وفي إطار التعريف بمقومات الدعوة في تفاعلها مع الواقع الإنساني، واستجابتها لمستجداته المحلية والإقليمية والدولية دون الإخلال بأصول الإسلام، يعرض المؤتمر أصول الأداء السياسي والإنساني للجماعة، من خلال مجموعة من الورقات جاءت على النحو التإلى: (الفكر السياسي عند الإخوان المسلمين)، التي تعرض لأصول الدعوة في تناول القضايا السياسية ومستجداتها وإلىات التعاطي معها، ثم ورقة (الأمة والدولة)، التي تكشف عن رؤية الجماعة لبناء الدولة المسلمة والمبادئ التي تقوم عليها لحفظ الحريات وتداول السلطة وضمان الحقوق وأداء الواجبات، أما ورقة (القضايا العادلة)، فهي تبين مبادئ الجماعة وأصولها في التعاطي مع القضايا الإنسانية العادلة بمناصرتها والدفاع عنها ما أوتوا إلى ذلك سبيلا.

لعلنا نكون بهذا اللقاء الطيب المبارك وبهذه الورقات قد أجبنا عما يطرح من تساؤلات وأزحنا ما يثار من شبهات، وليعلم الناس جميعا أن جماعة الإخوان المسلمين ما هي إلا جماعة من المسلمين آمنوا بأن الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله وعليه هو إسلام شامل يستهدف كل الحياة الإنسانية بالتوجيه والإصلاح، وأدركوا من خلال معايشتهم لواقع الأمة الإسلامية، أنها في أمس الحاجة للاستنهاض لاسترداد حقها المغصوب ومجدها المسلوب ولتأخذ على عاتقها مهمة الإصلاح للمجتمع الإنساني التي كلفها رب العالمين، فجعلوا (أول واجباتهم أن يبينوا للناس حدود الإسلام واضحة كاملة بينة لا زيادة فيها ولا نقص بها ولا لبس معها، وذلك هو الجزء النظري من فكرتهم، وأن يطالبوهم بتحقيقها ويحملونهم على إنفاذها ويأخذونهم بالعمل بها، وذلك هو الجزء العملي من فكرتهم.

وعمادهم في ذلك كله كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسيرة المطهرة لسلف هذه الأمة، لا يبتغون من وراء ذلك إلا إرضاء الله وأداء الواجب وهداية البشر وإرشاد الناس.

وسيجاهدون في سبيل تحقيق فكرتهم، وسيكافحون لها ما أحياهم الله، وسيدعون الناس جميعا إليها، وسيبذلون كل شيء في سبيلها، فيحيون بها كراما أو يموتون كراما، وشعارهم الدائم: الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.) رسالة الى الشباب مع شيء التحوير لموافقة السياق.

وفقنا الله تعالى وإياكم إلى كل خير.

المؤتمر الفكري الأول 14 – 15 أغسطس 2019

مركز المنظور للدراسات السياسية
المؤتمر الفكري الأول 14 – 15 أغسطس 2019
الإخوان المسلمون: الرسالة والرؤية
  • بحث من إعداد د. عماد الحوت

مقدمة

يشهد العالم والأمة في قلبه تحولاتٍ وأزماتٍ تعصف بمساحاتٍ واسعةٍ منه بصورةٍ قد لا تكون مسبوقة، تدخله في حالة اضطرابٍ وتعقيد شديدتين، تفتح الأبواب على جملة من التحديات.

والأمة إذ تمر بحالةٍ مضطربة تتعرض فيها هويتها للخطر، فهي أحوج ما تكون لوضوح الرؤية ووعيٍ بالواقع وأبعاده، وتضافر الجهود للخروج من هذه المرحلة الى بر الأمان وقد ثبتت الأمة على صحيح دينها وتمسّكها بقيمها وحقوقها في القضايا الاساسية.

وجماعة الإخوان المسلمين، وهي في قلب حالة إحياء الأمة، تشعر بأن صورتها، ورؤيتها الشاملة، ومنهجيتها في التعامل مع القضايا المختلفة قد التبست على كثيرٍ من الناس، مما يمنع عن الكثيرين إمكانية الوصول للحكم الموضوعي على الجماعة ومشروعها، وذلك نتيجة عوامل كثيرة على رأسها حملات التشويه الإعلامي وفساد المناخ الثقافي والفكري الذي أوجده المتضررون من نهوض الأمة بدورها، وبعض الساسة المعبّأين بالكراهية لأسبابٍ مصلحية وتنافسية، وانشغال الجماعة بالعمل عن التعريف بنفسها ومنطلقاتها وتصوراتها.

انطلاقاً من ذلك كله، سنحاول في هذه الورقة أن نتعرّف على منطلقات الجماعة ورسالتها ورؤيتها الشاملة انطلاقاً من الوثائق الصادرة عنها وحولها، في محاولةٍ لتقديم الصورة الحقيقية للجماعة؛ مبادئً ومنهاجاً ومنطلقاتٍ فكرية وأهداف، وهي تسير في طريقها كجماعةٍ وسطيةٍ تشارك في عملية الإصلاح وتأمين مقومات النهوض.

الرسالة

إن الرسالة التي وضعتها الجماعة لنفسها هي "ريادة الأمة لتقوم بمهمتها في هداية البشرية وإرشاد الإنسانية الى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس".

ولكي نفهم هذه الرسالة في شكل واضح، سنحاول فيما يلي الإجابة على مجموعة أسئلة تفصيلية متعلّقة بها.

أولاً: من هي الجماعة وما هي أسباب وجودها؟

1. الجماعة جزءٌ من جماعة المسلمين وليست جماعة المسلمين . (1)

إن هذا التعريف يعني أن الجماعة تنطلق في جميع منطلقاتها الفكرية والعملية من قواعد الشريعة المستخرجة من الكتاب والسنة، ومنهجيتهم الفكرية والفقهية يحكمها ويوجهها الإسلام بمفهومه الشامل، وتعمل من أجل أن تقوم في الناس حكومةٌ مسلمةٌ، تؤيدها أمةٌ مسلمةٌ، وتنظم حياتها شريعةٌ أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال: (ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية 18].

وهي بهذا التعريف أيضاً تعبّر عن أنها لا تعتبر نفسها جماعة المسلمين المقصودة بالحديث الشريف (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) [أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححه الأخيران]، فالجماعة في الحديث هي الدولة التي يحكمها أمير توجبت طاعته. والإخوان المسلمين في هذا يعتبرون أنفسهم جزءً من جماعة المسلمين، يعملون بالتعاون مع كل مخلص على إقامة جماعة المسلمين الواردة في الأحاديث، وهم بذلك لا يدّعون احتكار الحق، ولا يتهمون من خالفهم أنه على باطل بمخالفتهم، وإنما يسعون خلف الحق من أي مصدرٍ أتى ويعملون في ذلك قاعدة "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" . (2) وهي تسعى لريادة المسلمين على طريق هداية البشرية والإنسانية الى نظم الإسلام وتعاليمه

2. الجماعة تسعى لتحقيق معنى العبادة الشاملة

وذلك انطلاقاً من قول الله عز وجل (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات 57]، فالشريعة الإسلامية شريعةٌ شاملة تنظّم أصول العلاقة بين الإنسان وربه وبينه وبين نفسه وأسرته ومجتمعه والبشرية جمعاء . (3)

3. الجماعة تقوم بدعوة الناس وإرشادهم للخير والإصلاح (4)

(ولتكن منكم أمةٌ يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) [آل عمران 104].

4. الجماعة تدعو الى الإصلاح وتنظيم المجتمع

وذلك انطلاقاً من قول الله عز وجل (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزانا الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس) [الحديد 25]، بالكتاب أو قواعد الشريعة، والميزان الذي تقوم به الحقوق، والحديد أي امتلاك القوة والاقتصاد.

5. الجماعة تسعى لإرشاد الإنسانية لتعإلىم الإسلام

وهي في هذا تسعى لتكون رائدةً للأمة في لعب هذا الدور، تقوم بواجبها فيه وتدفع الأمة للقيام بهذا الدور الحضاري وصولاً الى موقع الشهادة على الناس (وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة 143].

ثانياً: ما هي أدوار الجماعة؟

تنطلق الجماعة في أداء رسالتها بمحاور متكاملة واضحة الخطوات : (5)

1. بناء منظومة القيم وعلى رأسها

 قيمة العبادة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات 57]،

 قيمة البناء (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) [هود 71]،

 قيمة الإصلاح (كنتم خير أمةٍ أخرجتم للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) [آل عمران 110]،

 قيمة الرسإلىة (لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة الله (الحرية)، ومن ضيق الدنيا الى سعتها (التنمية) ومن جور الأديان الى عدل الإسلام (العدل)).

2. بناء الإنسان والأسرة (6)

الإنسان الملتزم بالضوابط الشرعية، الحريص على النفع العام، القادر على التعايش مع الآخرين، المساهم في بناء مجتمعه. وينتج عن بناء الإنسان تكوين البيت المسلم، المحافظ على آداب وأخلاق إسلامه في كافة مظاهر الحياة.

3. بناء المجتمع (7)

المؤمن بقيم الأديان، يحارب الرذائل ويشجع الفضائل، يمارس الحرية والعدالة والمساواة، يحقق الأمانة والتكافل والعطاء، يرعى الأسرة، ويقوم على العمل والإنتاج . (8)

4. بناء الدولة (9) القوية بتمثيلها للناس وقيمهم ومصالحهم.

• الشعب فيها مصدر السلطات فهو يختار الحاكم ويختار الممثلين عنه ويقوم بالمحاسبة والمساءلة وفق القواعد الدستورية المقرّة . (10)

• وهي دولية مدنية لا دولة دينية فهي لا تحكم باسم الحق الإلهي وقراراتها لا تمثّل إرادة الخالق وإنما اجتهادات البشر، ولا يحكمها رجال الدين وإنما يشاركون كغيرهم من أصحاب الاختصاص في بنائها والحفاظ عليها . (11)

• وهي دولة ليس فيها فصلٌ قصري بين الدين والدولة بل تعايش وتكامل.

• وهي دولة ذات مرجعية (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) [النساء 58].

• وهي دولة رسالة تقوم على أساس الدعوة، لا تشكيل إدارة، ولا حكومة مادة جامدة صمّاء لا روح فيها . (12)

• وهي دولةٌ تقوم على نظام من ثلاثة أركان:

o الركن الأول: القيم الحاكمة للدولة وأهمها:

 الكرامة لجميع مواطنيها (ولقد كرّمنا بني آدم) [الإسراء 70].

والحرية (لا إكراه في الدين) [البقرة 256].

 والعدالة (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات لأهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) [النساء 58].

 والشورى (وأمرهم شورى بينهم) [الشورى 38].

 والتعايش (ميثاق المدينة). (13)

o الركن الثاني: وظائف الدولة وأهمها  : (14)

 العدالة الاجتماعية وتأمين حق التعلّم والصحة والعمل...

 وتنمية الثروة وحراسة المال العام.

 صيانة الأمن وإنفاذ القانون.

 إعداد القوة وحفظ السيادة.

o الركن الثالث: عناصر الدولة:

 مواطنة تقوم على وحدة مجتمعية أو المواطنة الصالحة، وتحترم تنوع الأعراق وحرية المعتقد وممارسة الشعائر وتتقبل التنوّع السياسي، وتدفع للعمل بحماس وإخلاص للارتقاء بالوطن والدفاع عنه. (15)

 الحاكم وهو موظّفٌ لدى الشعب ويعمل لصالحه وفق الدستور، يمارس صلاحياته وسلطاته ضمن القانون، ولا قداسة أو عصمة له . (16)

 قواعد الحكم: من خلال الدستور الذي يضمن الحرية الشخصية، المحافظة على الشورى المؤسسية الملزمة، بيان حدود كل سلطة من السلطات، مسؤولية الحاكم أمام الشعب وطريقة محاسبته وعزله إذا لزم الأمر، سيادة القانون والتساوي أمامه واحترام استقلال القضاء، وقواعد الانتخاب الحر التعددي . (17)

5. توحيد العالم الإسلامي:

لا بد من تعاونٍ تامٍ ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها، يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد، ثم يلي ذلك تكوين عصبة الأمم الإسلامية، حتى إذا تم ذلك للمسلمين نتج عنه الاجتماع على [الإمام] الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة . (18)

6. التعريف بالإسلام ونشر الدعوة في ربوع الإنسانية جمعاء

والجماعة في ذلك كله حددت لنفسها نوعان من المهام أو الأهداف : (19)

 أهداف قريبة وهي العبادة وفعل الخير وإصلاح الفرد وبناء الأسرة وإرشاد المجتمع.

 أهداف بعيدة وهي تحرير الأوطان وإصلاح الحكومة وبناء الدولة المسلمة والشهود الحضاري ونشر الدعوة في ربوع العالم.

ثالثاً: الى من تتوجه الجماعة في دعوتها؟

تتوجه جماعة الإخوان المسلمون في دعوتها الى جميع الناس انطلاقاً من توجه الإسلام نفسه للناس أجمعين وذلك وفق دوائر أربعة. (20)

1. الدائرة الوطنية: (21)

فالإسلام فرض على كل انسان أن يعمل لخير بلده وأن يتفانى في خدمته، وأن يقدم أكبر ما يستطيع من الخير لمجتمعه، وأن يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب رحماً وجواراً، والعمل على إصلاح الدولة في الوطن واحترام دستورها وقوانينها.

والوطنية التي نقبل: حب الأرض والحنين إليها، واجب تحرير الأرض من الغاصبين والدفاع عنها، تقوية الروابط بين أبناء البلد الواحد.

أما الوطنية التي نرفض: تقسيم الشعب الى طوائف ومجموعات تتناحر، الانحياز الى عصبيات ناتجة عن أهواء وغايات خاصة.

2. الدائرة العربية.

فالعرب هم أمة الإسلام الأولى.

3. الدائرة الإسلامية

وتعزيز هوية الأمة الفكرية والحضارية ورفض الانحراف الفكري والممارسات الخاطئة باسم الدين.

4. الدائرة الإنسانية

فرسالة الإخوان هي رسالة غير محدودة بعصر أو جيل أو مكان، فهي تخاطب كل الأمم وكل الأجناس وكل الشعوب وكل الطبقات وذلك انطلاقاً من رابطة وحدة الأصل (وهو الذي أنشأكم من نفسٍ واحدة فمستقر ومستودع قد فصّلنا الآيات لقومٍ يفقهون) [الأنعام 98]، ودور الشهادة على الناس (وكذلك جعلناكم أمةً وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة 143].

ولقد كان من نتائج التوجّه لهذا الطيف الواسع من الجمهور:

  1. استشعار عظم المسؤولية تجاه الأمة والعالم بأسره.
  2. حمل هم الدعوة لجميع البشر (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) [متفق عليه].
  3. التضامن مع قضايا العالم الإسلامي (مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) [متفق عليه].
  4. التعريف بالجماعة ومبادئها وأفكارها في كل موضع من العالم.

إن هذه النظرة والبعد العالميين للجماعة هي صورةٌ عن عالمية الإسلام الذي يخاطب الناس جميعاً (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدىً ورحمةً للمؤمنين) [يونس 57]، وكذلك دعوة الخير التي تنهض بها جماعة الإخوان المسلمين تتوجه لجميع الناس لتنشر قيم الإسلام وعلى رأسها العدل والمساواة والحرية. (22)

‌===رابعاً: ما هو منهج الجماعة في تحقيق أهدافها؟===

إن منهج جماعة الإخوان المسلمون في تحقيق أهدافها يقوم على : (23)

  1. الدعوة والبيان للوعظ وإرشاد الناس ومحاربة الرذائل وتشجيع الفضائل وكسب الرأي العام.
  2. التربية لإعداد الإنسان. وجماعة الإخوان المسلمين تعطي أهمية كبيرة للتربية، فهي السبيل لتأصيل الفهم، وتصحيح وضبط العمل، وبيان الحلال والحرام، والواجبات وضرورة النهوض بها. وتقاس التربية الصحيحة المثمرة باستنارة عقل الإنسان وقلبه بالعلم والذكر والعمل والعطاء، ومن علامات ذلك الحرص على العبادات والذكر، والتحلي بالخلق الرفيع، والتجرد للمصلحة العامة بإنكار الذات، والتفوق العلمي والمعرفي، وأداء دور اجتماعي فعال.
  3. النضال الدستوري لإصلاح الحكومة وبناء الدولة والمشاركة السياسية وطرح البرامج الواقعية الواضحة، وإنشاء التحالفات والمساهمة في صنع القرار.
  4. الجهاد لتحرير الأوطان ومن ذلك دعم الشعب الفلسطيني في جهاده لتحرير أرضه من العدو الصهيوني.

والجماعة تعتمد في الوصول الى أهدافها على الإصلاح المتدرّج الذي يقوم على فردٍ صالحٍ مصلح، وتنظيمٍ قادرٍ على الإشراف والتوجيه، وجماهير مرتبطة بالمشروع والفكرة.

والتنظيم في جماعة الإخوان المسلمين وسيلة وليس غاية بحد ذاته، ولكنه وسيلة مهمة وأساسية لتحقيق الرسالة والوصول الى الرؤية، وذلك انطلاقاً من قول الله عز وجل (ولتكن منكم أمةٌ يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) [آل عمران 104]، وقوله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إلىك وما وصّينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) [الشورى 133]، ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كنتم ثلاثةً فأمّروا أحدكم) [رواه الطبراني بإسنادٍ حسن]، ومن الواقع بأن مختلف المجموعات الصديقة والعدوة تنتظم في مجموعات لتحقيق أهدافها.

والتنظيم المعلن هو وسيلة أساسية ومشروعة للعمل للإسلام وفق رؤية الإخوان المسلمين، وأما التنظيمات السرية فلا تتفق ومنهج الإخوان، فهم يعملون في وضح النهار، وهم موجودون في وسط الميدان، يعيشون مع الناس ويمتزجون بهم ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم.

وأصبح التنظيم يمثل المؤسسة التي تحمل الفكرة وتقوم بتنفيذها وتحمل مسؤولية الوصول الى الأهداف النهائية، بتحقيق الوحدة السياسية الاسلامية، وتحقيق النهوض الإسلامي، وتحرير كامل أراضي الأمة من أي عدوان خارجي . (24)

منطلقات وركائز الرؤية والمشروع

1. الإسلام

الإسلام هو المرجعية العليا، نفهمه فهماً نقياً يواكب العصور ويفي بحاجات المجتمعات والأمم. والأمة تهتدي في ظل مرجعيتها وهويتها ورسالتها بمنهج رباني يرشدها في خطواتها وأهدافها ووسائل وصولها

والإسلام في مفهوم الإخوان المسلمين نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادةٌ وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما أنه عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواءٌ بسواء. ومصدر تلقي الإسلام وفهمه هو الكتاب والسنة، والشريعة الإسلامية نصوص ومقاصد وقواعد وبناء كلي يضع الأسس لحياة انسانية رشيدة، من غير حرج ولا إصر، تستهدف بناء مجتمع العدل والإحسان في جميع الميادين وجلب المصالح ودرء المفاسد. ومصادر قواعد الشريعة هي الكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد.

2. العدل

العدل سنة كونية أقام الله السماوات والأرض عليها، لا تبنى الحضارات ولا ينهض العمران إلا في ظلها، ولا تستقر الدول إلا بها. والعدل جوهر الشريعة الاسلامية، وبالعدل يتحقق التوازن بين مصالح الأفراد والجماعات.

3. الحرية (25)

خلق الله الإنسان حر الإرادة وأقدره على اختيار ما يريد من الآراء والافعال، وهي بذلك قيمة عليا وأصل عام يشمل كل جوانب الإنسان. إن احترام الحريات ضرورة حياتية وشرط لازم لإطلاق طاقات الأفراد وإبداعاتهم ودفعهم إلى المزيد من العطاء والإنتاج.

إن قضية الحرية وأهميتها تبرز حين ندرك ارتباط قضايا كثيرة في حياة الإنسان بها، فهي ترتبط بمعنى العدالة وبممارستها، وترتبط بمعنى المساواة وحدودها، وترتبط بالأمن معنى وتطبيقاً، وترتبط بالمسؤولية والمحاسبة، من هنا أهمية رعاية حقوق الإنسان والدعوة إلى تأمينها للجميع وتيسير سبل ممارسة الحرية في إطار القانون.

4. المساواة

يتأسس مبدأ المساواة على وحدة الاصل الإنساني فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وجوهره مساواة قانونية بين أفراد المجتمع دون فرقٍ بين غني وفقير أو قوي وضعيف أو حاكم ومحكوم، ولا تمايز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين.

5. الشراكة (26)

فالجميع شريك ومواطن في المجتمع، وأيّ عمل يقوم به البعض قد يؤثّر على الجميع، لأنّ الفساد يرجع ضرره على الجميع، والإصلاح عندما يقوم يعود خيره على الجميع.

6. الربانية (27)

لأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا أن يتعرف الناس الى ربهم.

7. المنطلقات المجتمعية

 إعلاء الأخوة بين الناس والقضاء على روح التعصّب والكراهية، والتعامل على قاعدة "دعاة لا قضاة".

 تشجيع التدين في المجتمع والحفاظ على الآداب العامة ومكافحة الفساد.

 رعاية الأسرة والمحافظة عليها والاهتمام بالمرأة والشباب والأطفال.

 تشجيع التكافل وروح التطوّع، وتقديم التيسير على التعسير على الناس.

 إقامة العدل الاجتماعي من توفير العمل، وحق الملكية وتوزيع الثروة بعدالة، وإصلاح التربية والتعليم، والعناية بالصحة، وتوجيه الإعلام والفن للمساهمة في تعميق القيم الإيجابية ومحاربة القيم الإباحية.

8. المنطلقات الاقتصادية

 وجوب العمل والكسب على كل قادر، وتحريم الاكتناز والاحتكار والتشجيع على استثمار المال.

 تحقيق الاستقلال الاقتصادي للبلاد، وتحريم موارد الكسب الخبيث كالربا.

 تشجيع القطاع الخاص من خلال تقسيم عادل للمشروعات، والشفافية الكاملة وحفظ حقوق العمال.

 التقريب بين الطبقات للتخفيف من الثراء الفاحش والفقر المدقع.

 حرمة المال العام واحترام الملكيات الخاصة.

 حظر استغلال السلطة والنفوذ وتقرير مبدأ من أين لك هذا؟

9. المنطلقات السياسية

 منظومة الحكم ركن من أركان الإسلام، والحكم عقد بين المجتمع والحاكم لرعاية مصالحه.

 الحاكم يعمل لدى الأمة ضمن حقوق وواجبات ينظمها الدستور والقانون، والأصل في العلاقة مع الحاكم النصح والإرشاد، فإن لم ينفع فالخلع والإبعاد بالوسائل الدستورية.

 نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام.

 النضال الدستوري هو الوسيلة الأفضل للتداول السلمي للسلطة والانتخابات هي وسيلة الوصول الى الحكم.

 التعددية السياسية والنظام الحزبي ضمانة ضد الاستبداد الفردي والحزبي.

 عدم جواز قعود المصلحين عن المطالبة بالحكم الإسلامي.

 لا نؤمن بالانقلابات التي تستبدل حاكماً بغيره، والبديل يكون بتكوين قاعدة صلبة تطالب بالحكم الصحيح، أما الثورات الشعبية، فالظلم سيؤدي الى الثورة الشعبية، والإخوان لن يكونوا متفرجين وإنما منحازين للشعوب.

10. المنطلقات في الدفاع والأمن:

الجهاد فريضة ماضية الى يوم القيامة، وهو يحتاج الى قرار الأمير فيما عدا الدفاع المباشر عن النفس.

الجهاد ليس أداة للعدوان ولكن ضماناً للسلم.

 الإسلام يؤثر السلم على الحرب (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها).

الجهاد لا يكون داخل المجتمع وإنما في وجه عدو الوطن.

 إدانة العنف في الأداء السياسي وداخل المجتمعات . (28)

11. المنطلقات في العلاقة مع الأقليات ومع غير المسلمين:

لقد كفل الإسلام حقوق الأقليات بنص قرآني: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إلىهم إن الله يحب المقسطين) [الممتحنة 8] . (29)

 المواطنة حلّت محل مفهوم أهل الذمة وهي أساس المشاركة والمساواة في الحقوق والواجبات، والتكافؤ في فرص الحياة والعمل والخدمات والوظائف، والمساواة الكاملة أمام القانون . (30)

 لا إكراه في الدين ولكل فرد الحق في ممارسة شعائره الدينية.

 الأحوال الشخصية للأقليات تحكمها شرائعهم إلا إذا رغبوا أن يتحاكموا فيها الى شريعة الإسلام.

 قواعد العيش المشترك والتعامل بين المسلم وغير المسلم: احترام الآخر والإعتراف به والتعامل معه، الأخلاق، العدالة، والتعاون . (31)

12. المنطلقات في العلاقات الخارجية:

 الوحدة الوطنية والعربية والإسلامية واحترام العلاقات الدولية والوحدة العالمية شرط أساس للنهوض.

 المحافظة على استقلال وسيادة الدولة، وكل دولة تعتدي على السيادة دولة ظالمة لا بد من إيقافها.

 تقوية الروابط العربية والإسلامية.

 إقامة العلاقات الدولية على أسس التعاون وتبادل المنافع وعدم الاعتداء على الغير.

 الإيفاء بالعهود والمواثيق الدولية والمساهمة في إقامة نظام عالمي قائم على سلام وأسس عادلة.

13. منطلقات عامة

 الأمة صاحبة رسالة ومهمة حضارية لإسعاد البشرية جمعاء، وإنقاذها من المادية المفرطة، وتقديم نموذج حضاري يرشد الإنسانية ويحقق لها التوازن والأمان.

 البعد عن مواطن الخلاف وعدم الانجرار الى معارك جانبية.

 التعاون فيما اتُفق عليه والإعذار فيما اختلف فيه لأن الإجماع على الأمور الفرعية متعذّر.

 البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان، وعدم تجريح الهيئات والأشخاص والبعد عن الهجوم الشخصي.

 الشورى أساس عند اتخاذ القرارات في كل الأمور.

 التدرّج في الخطوات واعتماد المرحلية وتوفير الجهود للعمل النافع والإيجابي.

 التغيير عميق لا سطحي، متدرج لا فوري، مستقر لا وقتي، نقود الأمة إلىه ولا ننوب عنها فيه.

 الموازنة بين المصالح والمقاصد والنتائج والمصالح والمفاسد، مع مراعاة الظروف الزمانية والمكانية.

 رفض أسإلىب العنف وجميع صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة المجتمع، وتأثيم سفك الدم الحرام.

 العلنية أصل في أعمال الدعوة.

 ضوابط القرار ثلاثة، موافقة شرعية، وملاءمة واقعية ومواءمة سياسية.

14. هل الإخوان طلاب سلطة؟

لقد رفع الإخوان شعاراً التزموا به من خلال فهمهم للإسلام وعملهم له، هو أنهم ليسوا طلاب حكم بل طلاب عدل واستقامة أياً كان من يحكمهم، فالحكم عندهم ليس غايةً، ولكنه وسيلة وأمانة وعبء ثقيل، غير أنه إذا جاءهم عن طريق صناديق الاقتراع الحر النزيه فإنهم لا يرفضونه من منطلق أنهم أصحاب برنامج إصلاحي، ويعتبرون ذلك مسؤولية كلفوا بها من قبل الشعب، والمسؤولية في فهمهم أمانة وتكليف وليست وجاهةً وتشريف.  

الرؤية والمشروع

أولاً: تحليل الواقع

‌أ. ‌التحديات:

  1. مخططات التجزئة والتقسيم والسعي لتفتيت المفتت وتقسيم الكيانات الموجودة من خلال الصراعات الطائفية والعرقية... التي تستهدف إحداث التدمير وإسالة الدماء وتعميق العداوات الداخلية حتى يتعب الجميع ويستسلم لهذه المخططات.
  2. تسلل الاستعمار الحديث على شكل تبعية اقتصادية وتحويل مجتمعاتنا إلى مجتمعات استهلاكية، وتغريب ثقافي في العادات والسلوك والنظرة للدين، وتخلف علمي.
  3. محاولات استئصال جماعة الإخوان المسلمين وكوادرها وعناصرها وهيئاتها، سواء على مستوى بعض الأنظمة أو على مستوى بعض المواقف الدولية التي ترى في الجماعة خطراً على مصالحها.
  4. التصدعات التنظيمية التي حدثت نتيجة التحديات التي واجهتها الجماعة في أعقاب موجات الثورات العربية من بداية 2011 وحتى اليوم.
  5. المشروع الصهيوني الذي يشكل الخطر الأكبر الذي يهدد الأمة والأوطان، فهو قد لعب دوراً وظيفياً في تفتيت الوطن العربي، وهو يسعى لاستثمار الظروف للتوسع الاستيطاني، ومحاولة القضاء على المقاومة، وجعل القدس عاصمة له، والتطبيع مع الدول العربية والإسلامية.

‌ب. ‌الفرص:

  1. وعي الشعوب: فالأمة شهدت بعد الربيع العربي ولادة إنسانٍ جديد يتوق للحرية والتعبير عن نفسه، واستعداد للتضحية في سبيل الكرامة والحرية من خلال الإرادة الشعبية السلمية.
  2. استمرار التدافع بين قوى التغيير والإصلاح وقوى الثورة المضادة التي عجزت عن تجاوز الحراك الشعبي والسيطرة على الأوضاع على المدى المتوسط والبعيد.
  3. انكشاف حقيقة المعسكر المضاد للدعوة بكل أطيافه.
  4. الفرز الواضح للصف الداخلي للدعوة.
  5. ثبات الدعوة أمام كل ممارسات القمع وتعاطف رأي عام محلي ودولي مع هذا الثبات . (32)

ثانياً: دعائم المشروع:-

إن مشروع جماعة الإخوان المسلمين يقوم على دعامتين أساسيتين : (33)

‌أ. دعامة إيمانية فكرية أساسها الفهم الإسلامي الوسطي الصحيح للعقيدة الموافقة للفطرة، والعبادة الدافعة للبناء، والإيمان المقترن بالعمل، والأخلاق التي ترتقي بالإنسان، والعقل الذي يهتدي بوحي السماء وسنن الله في الكون، والتشريع المحقق بالمصالح، والعدل المؤيّد بالإحسان.

‌ب. التطبيق الواقعي للمبادئ الإسلامية على واقع الحياة لجماهير الناس في المجتمع والدولة، وعلى المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقضايا الوطنية الداخلية، وبرامج الإصلاح لكل ما تعانيه الأمة من مظاهر استبداد وفساد، وانهيار أخلاقي وسلوكي في كل مظاهر حياتها السياسية والإدارية والاجتماعية، وصولاً إلى فرد مرتبط بأسرة ومجتمع، مجتمع لا يطغى على الفرد، دولة مقيمة للدين ملتزمة بالشورى، وأمة منفتحة على العالم

ثالثاً: رؤية الجماعة:-

مشروعٌ إسلامي رائد للأمة، لتتخلّص من كل سلطانٍ أجنبي، وتتحرر إرادة شعوبها، وتتحقق نهضتها الشاملة، بالعودة الى تطبيق مبادئ الإسلام القويمة ونظامه الاجتماعي، وتبليغ دعوة الإسلام الحكيمة للناس، وصولاً للشهود الحضاري على المستوى الإنساني.

رابعاً: الاستراتيجيات العامّة للمشروع:

  1. تعزيز هوية الأمة الحضارية الوسطية.
  2. إعادة الفاعلية الإيجابية للشعوب.
  3. التغيير دون الانجرار للعنف.
  4. تحصين الأمة من مشاريع التدخل، والتمزيق، والتطرّف.
  5. البناء المؤسسي والفكري المناسب للمرحلة.
  6. كسر العزلة عن المشروع الحضاري الإسلامي.

خامساً: توصيف حالة النجاح:

1. تعميق العمل المؤسسي، وتنمية الطاقات البشرية وتوظيفها، وابتكار مسارات وإلىات تطويرية للعمل ومنظومات متابعة وتقويم دوري للأداء.

الاستراتيجيات:

 تقوية الجماعة لقدراتها التربوية والتنظيمية والحركية والإعلامية والحرص على وحدتها.

 امتلاك الجماعة القوة بالمفهوم الشامل الذي عبّر عنه الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس: قوة العقيدة – قوة الرابطة – وقوة العدد وما يحتويه من كفاءات وعلم ومهارات بما يكافئ الواقع.

 مواكبة المستجدات والمتغيّرات وتطوير الإلىات لاستثمار الفرص.

2. حشد الجهود والطاقات حتى تحقق الشعوب أهدافها في إحداث التغيير والإصلاح السياسي وتحقيق قيم الحرية والعدالة والمساواة والتنمية في أوطانها.

الاستراتيجيات:

 تبني التغيير السلمي وتجنب الانجرار للعنف.

 التصدي لإجراءات تصدير الإحباط ومشاعر إلىأس، وتعزيز الثقة بإمكانية نجاح عملية التغيير والتحول الديمقراطي من جديد.

 تقديم خطاب فكري جمعي يستثمر التنوع ويواجه الانقسامات الدينية والطائفية والعرقية.

 إيجاد فضاء تنسيق وتكامل بين القوى الساعية لاستعادة إرادة الشعوب.

 تنفيذ حملات إعلامية لتوضيح الصورة وصناعة رأي عام مؤيد.

3. العمل مع المجتمع لكي يسود الفهم الصحيح للإسلام، وأن تتحقق القيم والسلوكيات الإسلامية فيه، وأن يستنفر طاقاته في مواجهة الانحدار القيمي والحضاري.

الاستراتيجيات:

 تعزيز هوية الأمة الفكرية والحضارية ورفض الانحراف الفكري والممارسات الخاطئة باسم الدين.

 الخروج من حالة الحصار والعزلة التي تسعى بعض القوى لفرضها على المشروع الإسلامي، وبناء الشراكات والتحالفات.

 حماية الشباب من الشبهات مثل التكفير والإلحاد والعنف وغيرها.

4. التعريف بالإسلام بمنهجيته الوسطية، والانفتاح على غير المسلمين.

الاستراتيجيات:

 صياغة خطاب يعبر عن توجهات المشروع الإسلامي إزاء القضايا المهمة، مما يعزز الصورة الإيجابية.

 التواصل مع النخب والسعي للوصول للرأي العام في المجتمع الدولي.

5. تعبئة الأمة لمواجهة محاولات الهيمنة على مقدراتها، وإثارة الفتن الداخلية فيها، وتقيسمها. الاستراتيجيات:

 توعية الأمة بحقيقة الصراع وتفاصيله وأثره.

 تفعيل دور الأمة في دعم القضية الفلسطينية ورفض التطبيع.

 إدارة علاقات إقليمية ودولية متوازنة والحفاظ على الأمن القومي للأمة.

أختم بحثي بوصية الإمام البنا لإخوانه (أيها الإخوان، أوصيكم كذلك بأن تثبتوا على هذه الدعوة، وتذكروها دائماً، وتؤدوا حقها من وقتكم بالاجتماع الدائم، ومن مالكم بالاشتراك المناسب، ومن جهودكم بالعمل المتواصل، ومن عواطفكم بالحب المتبادل، وألا يصرفكم عنها صارفٌ من كسلٍ أو قعودٍ أو ريبٍ أو شكوك أو يأسٍ أو توجّسٍ أو وعيد، فهي دعوة الله ظاهرةٌ بتأييده، مرعيةٌ بتوفيقه، واصلةٌ الى أهدافها بنصره (ويأبى اللهُ إلا أن يتمَ نورَهُ) التوبة 32. (34)

وبقوله (لا تيأسوا فليس إلىأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، ولا زال في الوقت متسع، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد) . (35)

منهج الإخوان المسلمين في الإصلاح والتغيير

مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. آمين.

يقول الإمام البنا يرحمه الله: "إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إلىه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلوُّن ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره".

على هذه الأركان الأولية التي هي من خصائص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تُبنى المبادئ، وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمَن حُرموا الحياة زمناً طويلاً.

وكل شعبٍ فقد هذه الصفات الأربعة أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه فهو شعبٌ لا يصل إلى خيرٍ ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جوٍّ من الأحلام والظنون والأوهام.. {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئاً} [يونس: 36] (36).

ومن أجل ذلك قذف رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في قلوب صحابته مشاعر ثلاثة:

  1. أنَّ ما به هو الحق فآمنوا بعظمةِ رسالته.
  2. أنهم ما داموا على الحق فهم أساتذة العالم فلا بد أن يعتزوا بهذا الحق "كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام فمن ابتغى العزةَ في غير الإسلام أذله الله".
  3. أنهم ما داموا كذلك مؤمنين بهذا الحق، معتزين به، وبالانتساب إلىه، فإنَّ الله معهم ويرشدهم إذا تخلَّى الناس عنهم، فهو سبحانه معهم أينما كانوا.. إنها الثقة في نصر الله.

المجتمع الرباني:

إن المجتمعَ الذي يريده الإسلامُ هو مجتمعٌ رباني يستمد كل مقوماته من أوامر الله وتوجيهاته وحكمه، ويتجه إلى الله بكل شعوره ووجدانه وعمله، مجتمعٌ.. العقيدة أساسه، والشعائر مظهره، والأخلاق ضمانه، والشريعة ترجمته العملية، والواجبات فيه كلها مطلوبة، وهذا ما أوضحه ربعي بن عامر لقائد الفرس حين قال له: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الحكام إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة (37).ابن كثير البداية والنهاية.

معنى الإصلاح والتغيير وغايته عند الإخوان المسلمين

معنى الإصلاح اصطلاحاً:

تعددت آراء العلماء في وضع تعريف للإصلاح، ومن خلال هذه التعريفات يمكننا القول بأن الإصلاح: هو السير على الطريق المستقيم بما يقتضيه الدين والعقل والحكمة، للوصول إلى حالة من الاستقامة والصلاح في كل جوانب الحياة بما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع في المعاش والمعاد.

التغيير اصطلاحاً:

هو التحول من صفة إلى صفة ومن حال إلى حال، والتغيير في الإسلام يكون كالآتي:

التغيير الشامل القائم على مسح العادات السيئة، وإبدالها بالمنهج الربانى، والقيم الإسلامية المثلى، على صعيد الفرد والمجتمع (38).

العلاقة بين الإصلاح والتغيير:

هناك علاقة ترادف وترابط بين الإصلاح والتغيير، حيث يسعى كل منهما إلى الانتقال إلى الحال الأفضل، وقد تحدث القرآن عن الإصلاح والمصلحين بمعنى التغيير وبمعنى الإصلاح الذي هو إزالة الفساد، سواء كان الفساد في الفرع أو في الأصل؛ لأن المجتمع يحتاج إلى التغيير والإصلاح معاً،قال تعإلى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الاعراف:56) وقال علي لسان شعيب عليه السلام: ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلىهِ أُنِيبُ) هود(88)، وهذا ما احدثه النبي صلي الله عليه وسلم من تغير شامل لجيل الصحابه فأبي بكر وعمر وعلي وعثمان وسعد وخالد وغيرهم - رضي الله عنهم – بعد الإسلام كانهم ليسو هم قبل الإسلام بل ومجتمع الصحابه كأنه مجتمع جديد مختلف كل الاختلاف عن أهل مكه والمدينه قبل الاسلام ليس في التصرفات فقط وإنما في التوجه والعقيدة والطموح والامال والنظرة للدنيا وما فيها والاخرة وما فيها فالرسول صلى الله عليه وسلم، عمل على تغيير وإزالة الواقع في المدينة المنورة من فساد في المجتمع، ثم أنزل الأحكام على الواقع، بعد أن أقام الدولة، ثم انطلق الخلفاء من بعده على أساس صحيح. (39)

غاية الإخوان تحقيق رسالة الإسلام

جماعة "الإخوان المسلمون" هي جماعة إصلاحية بالأساس، فقد وضَّح الإمام البنا الفكرة التي قامت من أجلها جماعة الإخوان فقال: "إن فكرة الإخوان وهدفهم يمكن أن يوضح في جملةٍ واحدة، إننا نريد أن نُحقق رسالةَ الإسلام؛ لأن الإسلامَ رسالةٌ هي أكمل وأوسع وأتم الرسالات الكبرى، لم ترَ الدنيا في تاريخ الرسالات أحسن ولا أتم بالخير والعدل والرحمة منها، ونحن نريد أن ينتفع الناس من هذه الرسالة الكاملة التي تسوق إلىهم الخير سوقاً، وقد تلمس ما في هذا الخير من الطمأنينة والرضا، وما يشعر به الإنسان شعوراً يريح نفسه"(حديث الثلاثاء) (40). ولكي نضع ذلك موضع التنفيذ لا بد من:

وضوح الرؤية والتدرج في الخطوات، واستخدام الوسائل المتاحة دون اعتماد على الإثارة العاطفية، والحماس المندفع، وبذلك تتحقق الأهداف الكبار، فلا تمنِّيَ دون عمل، ولا حماس دون تخطيط، فالارتجال لا يفيد، والعنف يضر.

ويقول الإمام البنا يرحمه الله: رأيت القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم:

  1. منهاج محدد عليه يجتمعون.
  2. وهدف محدد إلىه يقصدون.
  3. وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه.
  4. خلفهم من قومهم غيرهم:

أ- يعملون على منهاجهم.

ب- ويبدأون من حيث انتهى أولئك.

ج- لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا.

د- ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا.

هـ- فإما زادوا عمل أسلافهم تحسيناً.

و- أو مكنوا نتائجه تمكيناً.

ز- وإما تبعوهم على آثارهم.

ح- فزادوا البناء طبقةً، وساروا بالأمة شوطاً إلى الغاية.

خصائص الإصلاح والتغيير وفق القرآن والسنة

  1. تغيير شامل عميق للفرد والمجتمع: فسيادة قيم الإسلام وشريعته ينبغي أن تكون حقيقة وجوهراً وليست فقط مظهراً أو شعاراً. وحراسة ذلك لن تكون فقط مهمة أفراد من المجتمع ولا حتى مؤسسة حاكمة من مؤسساته لكنها تحتاج لجهود المؤسسات الخاصة والعامة الموجودة فيه (41).
  2. إن هذا التغيير أمر «ديني» لذلك فلا ينبغي أن يتم جبراً ولا قسراً، بل يجب أن يكون عن إرادة واختيار وإيمان. فلا يعتبر مجرد تبديل حكومة بأخرى ترفع شعارات أو توقّع قرارات تغييراً ولا تمكيناً، ولكن يكون ذلك مستنداً إلى قناعة وإيمان الناس ومطالبتهم به.
  3. تغيير جذري: وهذا أمر يفرض الجذرية على منهج التغيير المختار، والتغيير الجذري يختلف عن التغيير الفوقي؛ لأنه يحدث عن طريق إيجاد قناعة لدى وحدات المجتمع بالتمسك بشرائع الإسلام. وهو جذري لا فوقي؛ لأنه يبدأ من أفراد المجتمع ومؤسساته فينطلق من داخل مؤسسات المجتمع وبها وليس على أنقاضها، وهو يبدأ بالأفراد للنفاذ إلى المؤسسات، ولا يبدأ بامتلاك السلطة لفرض التغيير. يقول الإمام الهضيبي: «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم» (42).

إنه تغيير جذري ذو مدخل شعبي وآخر مؤسسي. قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

  1. تغيير متدرج: فإن المُنْبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، فهو يعتمد التدرج في التطور والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومن دورٍ إلى دور، على أساس النضج والتكامل والقدرة على الضبط في مواجهة الأمور والأحداث والأزمات (43).
  2. تغيير عالمي: تحددت ملامحه منذ فجر هذه الدعوة.. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28].

فالدعوة عالمية منذ نشأتها لا تحدها الأقطار ولا تحاصرها التخوم؛ لهذا نريد «أن نضم إلىنا كل جزء من وطننا الإسلامي الذي فرَّقته السياسة الغربية وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية؛ ولهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية، ولا نسلم بهذه الاتفاقات الدولية التي تجعل من الوطن الإسلامي دويلات ضعيفة ممزقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين (44).

  1. تغيير مستقر ومستمر، لا مجتزأً ولا وقتياً؛ لذلك يجب علينا تربية وقيادة وتوظيف قوى التغيير كلها وتنسيق تعاونها ليتحقق لها الاقتناع وقبول أعباء التغيير (45).
  2. فللتغيير طلائع رائدة قائدة، وله قواه الأساسية الفاعلة وهي شعبنا، وله قواه المساندة الداعمة وهي مؤسسات المجتمع، وله قواه المؤيدة المناصرة وهم الإسلاميون في العالم كله، «فهو تغيير: عميق لا سطحي، جذري لا فوقي، متدرج لا فوري، عالمي لا قُطْري، مستقر لا وقتي، نقود الأمة إلىه ولا ننوب عنها فيه (46).

الإصلاح والتغيير بالنموذج:

ليحذر الداعية أن يراه المدعو على خلاف ما يدعو، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان عمر رضي الله عنه إذا نهى الناس عن أمر دعا أهله فقال لهم: «قد نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنما ينظر الناس إلىكم نظر الطير إلى اللحم، فإن هبتم هاب الناس، وإن وقعتم وقع الناس، وإنه، والله، لا يقع أحد منكم في أمر قد نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العذاب؛ لمكانكم مني» (47).

وقد كتب إحسان عبد القدوس قبل سبعة عقود يقول في مقال له: تحت عنوان (الرجل الذي يتبعه نصف مليون) وصف فيه التربية التي غرسها الإخوان في المجتمع فيقول:

«وستمر في طريقك داخل الدار بمخازن الذخيرة التي يمتلكها الإخوان: وهي الشباب، شباب امتلأت بهم حجرات الدار على سعتها، ترى على وجوههم نور التقوى والإيمان، وفي عيونهم حماسة الجهاد، وبين شفاههم ابتسامة تدعو إلى المحبة والإخاء، وفي يد كل منهم مسبحة انحنى عليها بروحه يذكر اسم الله، وهم مع كل ذلك شبان (مودرن)، لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم، ولا تسمع في أحاديثهم التعاويذ الجوفاء التي اعتدنا أن نسخر منها، بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم على الأرض، يسعون بها بين مرافقها، ويناقشون مشاكلها، ويحسون بأفراحها وأحزانها، وقد تسمع فيهم من «ينكِّت»، ومن يحدثك في الاقتصاد والقانون، والهندسة، والطب» (48).

التغيير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

التغيير المطلوب هو التغيير الإيجابي، وله مراتب، من حيث الوسائل المتبعة في إحداثه، تتضح من خلال حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (49).

أولاً- مرتبة التغيير بإلىد:

وهي أعلى مراتب التغيير، كإرغام العاصي على ترك معصيته بالدفع، أو الإخراج، أو نحو ذلك، ولو باستعمال القوة والسلاح، والاستعانة بالغير لدفع المنكر، ويدخل في نطاق تغيير المنكر بإلىد سجنه ودفعه لتغييره و لمنعه عن مباشرة المنكر (50).

ثانياً- مرتبة التغيير باللسان:

واللسان وسيلة التعريف والتعليم والمناصحة، والدعوة وبيان الأحكام، وطرق الوقاية من المنكرات، وعلاج ما وقع منها.

كما أنه وسيلة التخويف من سوء العقبى في الدارين لمن ارتكبها، أو أعان عليها، أو علمها ورضي بها (51).

لا يتحقق ذلك إلا بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتربية الفرد تربية إسلامية تشترك فيها جميع أجهزة الدولة والمجتمع ليصاغ الفرد صياغةً إسلاميةً باعتباره أداة التغيير.

كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].

ثالثاً: مرتبة التغيير بالقلب:

والتغيير بالقلب لا يكون إلا في حالة العجز عن المرتبتين السابقتين، أو إذا خاف الضرر، أو عدم القبول، أو زيادة المنكر، بالرد الشنيع والسخرية (52).

وتعني هذه المرتبة اعتزال الباطل الذي عجزت عن تغييره، وعدم مشايعة أصحابه بقول أو عمل (53).

ومما سبق يمكننا القول بأن تغيير المنكر بإلىد هو من اختصاص ولي الأمر، وتغيير المنكر باللسان من اختصاص العلماء، وأما تغيير المنكر بالقلب فيشترك فيه الأمراء والعلماء والعوام.

مفهوم الإخوان في الإصلاح والتغيير

الإصلاح والتغيير.. تصحيح مفاهيم:

يقول الدكتور صلاح عبد الحق في محاضرة له بعنوان: منهج الإمام البنا في الإصلاح والتغيير: الرؤية الواضحة تقوم على تصحيح الفكرة؛ لأنه كثيراً ما كان يقول: إن الفكر المغلوط يحدث في النفس تشوشاً روحياً يفقدها الحماسة للعمل، ولذلك قدّم الرجل لأمته فكراً ناضجاً يسع احتياجات الأمة جميعاً من مرحلة ما قبل النصر إلى مرحلة النصر إلى ما بعد النصر بأزمان بعيدة.

ودليل ذلك: يروي السيد محمد حامد أبو النصر (المرشد الرابع) في مذكراته أنه كان مع الإمام البنا -رحمه الله- في مكتبه في المركز العام، فدخل عليه مجموعة من شباب الإخوان رفعوا في وجهه السلاح، وهم يطالبونه بأن يغير من عمله السلمي الهادئ المعتدل إلى الارتطام والصراع، أو أن يقدم استقالته.

يقول السيد محمد حامد أبو النصر: ففتح سترته وأبان عن صدره وهو يقول لهم: «ما كنت لأدع يقيني لشكوككم؛ لأن هذا الفكر الذي أنا عليه استقرأته من كتاب الله ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو ما أورثني الاطمئنان وإلىقين والرضا والارتياح حتى لعذابات النتائج».

مراحل التغيير ومعالمه {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}:

منهج التغيير لدى الإخوان واضحة معالمه، محددة مراحله.

يقول الإمام البنا: "إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إلىه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة، تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلوُّن ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره".

ولهذا كان منهج الإخوان محدداً وواضحاً، يعتمد على الفرد المسلم الصالح أساس النهضة والتغيير عن طريق:

  1. إصلاح نفسه حتى يكون: قويَّ الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادراً على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهداً لنفسه، حريصاً على وقته، منظماً في شؤونه، نافعاً لغيره. وذلك واجب كل أخ على حدة
  2. وتكوين بيت مسلم: بأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام في كل مظاهر الحياة المنزلية، وحسن اختيار الزوجة، وتوقيفها على حقها وواجبها، وحسن تربية الأولاد والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام. وذلك واجب كل أخ على حدة كذلك.
  3. وإرشاد المجتمع: بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائما. وذلك واجب كل أخ على حدة، وواجب الجماعة كهيئة عاملة.
  4. تحرير الوطن: بتخليصه من كل سلطان أجنبي -غير إسلامي- سياسي أو اقتصادي أو روحي.
  5. وإصلاح الحكومة: حتى تكون إسلامية بحق، وبذلك تؤدي مهمتها كخادم للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها.

والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير مجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه.

  1. وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية: بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافاتها وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة.
  2. وأستاذية العالم: بنشر دعوة الإسلام في ربوعه.

وهذه المراتب الأربعة الأخيرة تجب على الجماعة متحدة وعلى كل أخ باعتباره عضواً في الجماعة، وما أثقلها تبعات وما أعظمها مهمات، يراها الناس خيالاً ويراها الأخ المسلم حقيقة، ولن نيأس أبداً، ولنا في الله أعظم الأمل (54).

اقتفاء أثر النبي صلي الله عليه وسلم

وهذه الخطوات هي التي قام بها النبي صلي الله عليه وسلم، إذ بدأ بدعوة من يظن قبوله للدعوة كأفراد ثم جمعهم في دار الارقم ليعلمهم دينهم ويجعل منهم نسيج جماعيا رغم ما كان يحمل هذا من تهديد لتربص قريش بهم ولكن الغاية كانت أعظم ولان التربية الجماعية لا يمكن ان تكون نظريا ثم جمع بينهم وبين الانصار ليكون منهم مجتمعاَ مسلماَ ثم دولة ثم خلافة على منهاج النبي بعد وفاته مما حقق للمسلمين أستاذية العالم.

الإقناع ونشر الدعوة والنضال الدستوري.. الوسيلة الأسلم للمجتمع:

ويحدد الأستاذ البنا لتحقيق هذه الغاية القيام بنشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ومن خلال الاشتراك الفاعل في الحياة السياسية، فيقول: أما وسائلنا العامة فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر، ثم النضال الدستوري، حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية (55).

وهذه الوسائل السلمية جذرية في الإصلاح وثورية في مواجهة الظلم والفساد، يقول الإمام: «أما كيف نتخلص من ذلك؟ فبالجهاد والكفاح، ولا حياة مع إلىأس ولا يأس مع الحياة، فنخلص من ذلك كله بتحطيم هذا الوضع الفاسد وأن نستبدل به نظاماً اجتماعياً خيراً منه، تقوم عليه وتحرسه حكومة حازمة، تهب نفسها لوطنها، وتعمل جاهدة لإنقاذ شعبها، يؤيدها شعب متَّحد الكلمة متوقِّد العزيمة قوي الإيمان" (56).

موقف الإخوان من الثورة والتغيير العنيف

موقف الإمام البنا من الثورة:

رفض الإمام البنا الثورة مثلما حدث في الثورة البلشفية والثورة الفرنسية، فقال واصفاً تلك الثورة التي يرفضها: "والثورة الهوجاء التي لا غاية لها، ولا ضابط ولا نظام ولا حدود، ولا تعقيب إلا الهلاك والدمار والخسارة البالغة" (57)... "وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها" (58).

إن الخطوة التنفيذية للوصول لسدّة الحكم تكون كما أوضح الإمام البنا: "بعد عموم الدعاية وكثرة الأنصار ومتانة التكوين" (59). وقد اختار الإخوان طريق التغيير السلمي طريقاً لهم عن طريق الوعظ والإرشاد في كل ميادين الحياة واختاروا لتغيير شكل الحكم إيقاظ وعي الأمة لاختيار ممثليها عن طريق انتخابات حرة نزيهة تفرز الصالحين الحريصين على بلدهم، ويمكن من خلالهم تعديل كل القوانين السيئة، وتعديل ما يحقق صالح الأمة من مواد الدستور بما يكفل الحريات وحقوق الإنسان.

والإخوان لديهم القدرة والاستعداد للمشاركة مع كل القوى الفاعلة في المجتمع بما يحقق صالح المواطن.

إن المشروع الإسلامي الذي أحياه وجدده الإمام الشهيد، ما زال مستمراً، وسيظل بإذن الله؛ ليحقق أمل الأمة الإسلامية، ويواجه التحدي العالمي، بقدم ثابتة ورؤية متكاملة (60).

الإمام البنا واستخدام القوة:

قوة الساعد في منهج التغيير:

يقول الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي: وقد وضح ذلك بصورة كاملة في رسالتي المؤتمر الخامس والمؤتمر السادس. والمقصود هنا في قوة الساعد، قوة السلاح. وأن مبدأ القوة وحيازتها لا يأباه الإسلام، لكنه حدد شروطاً وضوابطاً لاستخدامها.

وإذا كان الأصل في منهج التغيير والإصلاح هو الوسائل السلمية، إلا أن الإمام البنا جعل استخدام القوة آخر الوسائل إذا فرضت الظروف ذلك ووفق شروط وضوابط (61).

يقول الإمام البنا: "أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف» (62)، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء.. فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قوياً في كل شيء، شعاره القوة في كل شيء؟ "فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء، ولابد أن يعملوا في قوة..." (63)

"أما سوى ذلك من الوسائل فلن نلجأ إلىه إلا مكرهين، ولن نستخدمه إلا مضطرين، وسنكون حينئذ صرحاء شرفاء، لا نُحجم عن إعلان موقفنا واضحاً لا لبس فيه ولا غموض معه" (64).

قاعدة عامة في تحديد مدي جواز التغير بإلىد

وقد وضع الإمام ابن القيم قاعدة عامة في تحديد مدى جواز التغيير بإلىد، فقال في كتابه "إعلام الموقعين": "فإنكار المنكر أربع درجات:

الأولى: أن يزول ويخلفه ضده.

والثانية: أن يقلّ وإن لم يزل بجملته.

والثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.

والرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضوع اجتهاد، والرابعة محرمة" (65).

منهج التغيير السلمي ورفض استخدام العنف أو الاحتراب الأهلي:

ويقول الإمام البنا: "إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعإلىم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138]، وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعإلىم؛ حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها" (66).

"أما وسائلنا العامة فالإقناع ونشر الدعوة بكلِّ وسائل النشر؛ حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان، ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح، ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية، وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية" (67).

والتاريخ يشهد بهذا السلوك السلمي للإخوان في دعوتهم، فعندما شنَّت الحكومة السعدية حملة الاعتقالات والتعذيب لأفراد الجماعة، وكان الإخوان من العدد والإمكانيات ما يؤهلهم لإيقاف هذا الأمر ومنعه، رفض الإمام الشهيد اللجوء للقوة وقال لهم: «سلِّموا أكتافكم للسعديين»؛ حرصاً على تجنب الصراع الداخلي، وإراقة دماء أبناء الوطن، وفضل أسلوب الصبر وتحمل الإيذاء (68).

وبعد أن تم اغتيال الإمام الشهيد، وسقطت حكومة حزب السعديين كان الإخوان يعرفون جيداً جميع من قام بمؤامرة الاغتيال، وبالرغم من تطور الأحداث السياسية وقيام الثورة ضد النظام الملكي، كان الإخوان يستطيعون الانتقام من قتلة الإمام دون الانتظار لأي محاكمة، لكنهم كما ربَّاهم الإمام الشهيد رفضوا ذلك ولم يفكروا فيه لحظة واحدة، وكذلك بعد انقضاء العهد الناصري وخروج الإخوان من السجون كانوا يلتقون بالأفراد الذين مارسوا أشد أنواع التعذيب ضدهم بل وقتلوا العشرات منهم، كانوا يلتقون بهم في الشارع والمجتمع، وقد زال عنهم سلطانهم والحماية السياسية لهم، ولم يفكر أي من الإخوان في إيذاء أحد منهم حتى بالقول أو التشفي (69).

مما يؤكد أن المنهج السلمي من ثوابت دعوة الإخوان، وفيه الرفض بوضوح لاستخدام العنف والقوة ضد أبناء الوطن أو إحداث صراع دموي أو فوضي وتخريب في الوطن،، فقد أصدرت الجماعة بيانات عديدة تدين العنف وتعبر فيها عن رأيها في هذا الخصوص. ومن أبرز هذه البيانات، ذلك البيان الجامع الصادر في 30 من ذي القعدة 1415 هـ /30 من أبريل 1995مـ، والذى جاء فيه:

"لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية والأسإلىب السلمية وحدها، مسلحين بالكلمة الحرة الصادقة، والبذل السخي في جميع ميادين العمل الاجتماعي...مؤمنين بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية التي تتنافس تنافسا شريفا في ظل الدستور والقانون، وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم لأسإلىب العنف والقسر لجميع صور العمل الانقلابي الذى يمزق وحدة الأمة، والذى قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية، ولكنه لا يتيح لهم أبداً فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة... كما أنه يمثل شرخا هائلا في جدار الاستقرار السياسي، وانقضاضا غير مقبول على الشرعية الحقيقية في المجتمع.

وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب الذى يسيطر على الأمة قد ورط فريقا من أبنائها في ممارسة إرهابية روعت الأبرياء وهزت أمن البلاد، وهددت مسيرتها الاقتصادية والسلمية، فإن الإخوان المسلمين يعلنون - في غير تردد ولا مداراة - أنهم برءاء من شتى أشكال ومصادر العنف، مستنكرين لشتى أشكال ومصادر الإرهاب، وأن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء في الإثم، واقعون في المعصية، وأنهم مطالبون في غير حزم وبغير إبطاء أن يفيئوا إلى الحق، فإن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، وليذكروا - وهم في غمرة ما هم فيه - وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة وداعه " أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا في عامكم هذا في بلدكم هذا".

أما الذين يخلطون الأوراق عامدين، ويتهمون الإخوان ظالمين، بالمشاركة في هذا العنف والتورط في ذلك الإرهاب، متعللين في ذلك، بإصرار الإخوان على مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف، وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء، وأن تستوعب دراستها ومعالجتها لظاهرة العنف جميع الأسباب والملابسات ولا تكتفي بالمواجهة الأمنية - فإن ادعاءاتهم مردودة عليهم بسجل الإخوان الناصع كرابعة النهار على امتداد سنين طويلة شارك الإخوان خلال بعضها في المجالس النيابية والانتخابات التشريعية، واستبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة، ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون، حريصين على أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذى لا سلاح غيره، يجاهدون به في سبيل الله ( لا يخافون لومة لائم. والأمر في ذلك كله ليس أمر سياسة أو مناورة، ولكنه أمر دين وعقيدة، يلقى الإخوان المسلمون عليهما ربهم ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ).

منهجية الإخوان في إصلاح الفرد والمجتمع والدولة والأمة

{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ}

أولاً: إصلاح الفرد:

حرص الإمام البنا -يرحمه الله- على إيجاد عناصر صالحة في المجتمع، تكون مثل الرواحل تقود الأمة، بالأسوة والقدوة، وليس بالأوامر والنواهي، وقد سئل رحمه الله يوماً: ماذا قدمت لوطنك ولبلدان العروبة وأوطان الإسلام؟

فقال: «قدمت فكراً جديداً، وقدمت جيلاً جديداً، فكراً جديداً هو الإسلام الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- مصحفاً وسيفاً، عبادة وقيادة، ديناً ودولة، بعد أن كادت هذه المعاني أن تنطوي في زوايا النسيان، لقد كان شباب مصر يكره الغربة وينفر من الهجرة، ويخشى الموت ويخاف من تكإلىف الجهاد، لا لسوء في طبعه؛ فهو أعلى الطباع، ولا لنقص في نفسه؛ فهي أكمل النفوس، ولكن لسوء في وسائل التربية وضعف في أسإلىب التوجيه وخلود الأهداف الآمال» (70).

ثانياً إصلاح المجتمع:

أدرك الإمام البنا أن رسوخ الدول يحتاج إلى قوة ومنعة، فما بعث نبي إلا في منعة من قومه، وكان يؤمن أنه ما من دعوة قامت إلا وتوافر لها عنصران: أمة تتولى أمرها -أي لا ترى في غير شواغلها- وتصورها حقيقة نافعة للناس؛ تيسِّر حياتهم وتهذِّب نفوسهم.

وكان يقول يرحمه الله: إن نفوس الأمة لا تصلح لعمل جدي، فلذلك أقبل على المجتمع يكون منه أسراً من أهله، يقوي من روابطهم ويرفع من درجة أخوتهم من الأفكار والنظريات إلى الأفعال والأعمال، بالتعارف والتآلف ليكتشف كوامن العظمة في نفوس أهله، وبالتفاهم والتقارب؛ لأنه كان يؤمن أن سيراً بدايته ما هو فيه ونهايته العالم أجمع يحتاج إلى أمرين: أن نعلن حسن استعدادنا لإصلاح العيوب، وأن نكلف أنفسنا غاية ما نستطيع؛ فقد يأتي من بعدنا فيستطيع فوق ما استطعنا، وكان يقول: إنه مقام في الإيمان، ليس وراءه مقام يسع الناس في هذا العالم الواسع.

وأيضاً بالتكافل والتساند؛ لأنه كان يعلم أن الفقر المحض يجعل النهوض الروحي أمراً غير ميسور، وكثيراً ما كان يقول: كيف يستشعر معنى العزة من جاع بطنه وعرى جسده. وكان يثني على طلعت حرب باشا الاقتصادي المصري المعروف (71).

ثالثاً: إصلاح الأمة:

وكما اهتم الإمام البنا - رحمه الله - بإصلاح الفرد والمجتمع، اهتم أيضاً بإصلاح الأمة، وكان يقول:" إن الأمم مسؤولة عن حكامها، لا تعتذر بضعف لأنها تلقى جزاءه، ولا تعتذر بجهل لأنها تعاقب عليه، فكل أمة تستحق الحكم الذى تصبر عليه، وإن العبرة بأخلاق الأمم وليس بشكل الحكومات، ولذلك كان حريصا على إصلاح الأمم قبل إصلاح الدول، فإصلاح الأمم مقدم على قيام الدول" (72)

الإصلاح والتغيير على مستوى الفرد والمجتمع:

لقد كان الإمام الشهيد حسن البنا أول من تنبه إلى حقيقة حال الأمة، وأبعاد الخلل القائم، ومدى التراجع الذي وصلت إلىه، فلم يكن الخلل مقتصرا على إلغاء الخلافة أو فقدان وحدة الأمة، ولم يقف عند مجرد احتلال عسكري أجنبي لبلاد الإسلام أو تخلف تكنولوجي في كل المجالات، إنما لأول مرة وصل التراجع في حال الأمة إلى درجة خطيرة، أصبحت فيها الأمة بمقوماتها الإسلامية خارج دائرة التمكين والسلطة، وامتد الأمر إلى الركائز والأسس التي يقوم عليها المجتمع والدولة.

ولم يكن يجدى مجرد إصلاح جزئي، أو تعديل في بعض النواحي، أو إصلاح بعض المجالات والأخذ بالتقنيات المتطورة؛ فالخلل أعمق من هذا بكثير... لقد وصل الحال بالأمة إلى الخندق الأول في البناء والدفاع عن مقوماتها، وأصبح بنيان الدولة الإسلامية مفتقدا، وسلطانها الحقيقي غائبا لأول مرة منذ قيام دولة الإسلام في المدينة، ولهذا أصبح مشروع النهضة والإحياء يبدأ من نفس الخطوات التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يبدأ من بناء الفرد والأسرة والجماعة والمجتمع.. حتى يصل إلى مرحلة التمكين وإقامة الدولة، ثم يستمر حتى يحقق أستاذية العالم (73)

تنمية الأفراد والمجتمعات كأحد أهم وسائل الإصلاح والتغيير:

لقد حافظت الجماعة على أدبيات «البنا» التي تؤمن بأهمية التغيير الاجتماعي، وبأن وجود قاعدة اجتماعية واسعة تؤمن بأفكاره هو السبيل الوحيد لتغيير النظام السياسي القائم وبناء نظام سياسي يطبق هذه الأفكار (74).

ومن بين عناصر رؤيته للتغيير، وضع الإمام البنا عنصرين رئيسين:

- التربية للفرد: لأن الأمم تتربى بالأسوة والقدوة (وبالأمر والشدة).

- التكوين للجماعة: لأن رسوخ الدول يحتاج من أجل إزاحتها إلى المطالبة القوية بالعصبة والمنعة (75).

لذلك فإن من مهام الدعوة أيضا إرشاد المجتمع وتقوية إيمانه وتربيته في خطوات متدرجة، تبدأ بـ: إيقاظ الإيمان في قلوب الناس على كتاب الله، وإحياء العادات الإسلامية وإماتة العادات الأعجمية في كل مظاهر الحياة وتحري السنة المطهرة في ذلك، وإرشاد المجتمع بتشجيع الفضائل، ونشر دعوة الخير فيه، وتقوية الأخلاق، والأمر بالمعروف ومحاربة الرذائل والمنكرات مع الفقه في ذلك، واستخدام الحكمة، وبهذا يمكن صبغ مظاهر الحياة بالصبغة الإسلامية العامة (76).

كما يسعون لرفع مستوى وعي أفراد الشعب، وبث مشاعر الولاء والانتماء فيهم، والإحساس بالمسئولية الفردية والجماعية، وفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة؛ من أجل التصدي للفساد والاستبداد، في إطار القانون والحض على الخير بإتقان العمل، ورفع مستوى التعليم والصحة، والإبداع والابتكار وزيادة الإنتاج وتقليل الاستهلاك حتى تتبوأ مصر مكانتها التي تليق بها، هذا باختصار منهج الإخوان للتغيير والإصلاح (77).

وحتى يتحقق الأمر، فإن التهيئة والتربية المطلوبة للمجتمع، لابد أن تشمل - بحسب البنا - ما يلي:

  1. تربيته وتعليمه بحقوقه، وكيف يطالب بها وينالها ويحافظ عليها.
  2. أن يستطيع التمييز بين: الرموز والكوادر المخلصة، وبين رموز الفساد وأصحاب المطامع الشخصية، فلا تخدعه العبارات والشعارات المزيفة.
  3. أن يصبغ في عمومه بصبغة الإسلام في أخلاقه وعباداته وقيمه ومعاملاته وأن يزداد ارتباطا بالقرآن والمسجد.
  4. أن ينحاز رأيه العام لشريعة الإسلام والمطالبة بها.
  5. أن يتعلم كيف يضحي ويصبر في سبيل مبادئه التي يؤمن بها.
  6. أن يلتف حول الجماعة ورموزها، ويناصرها عن فهم واقتناع وحب، ويتجاوب مع أهدافها، ويتعاون معها في كل مجالات الإصلاح بالمجتمع.
  7. أن يستشعر أنه جزء من أمة الإسلام فيعيش قضاياها ويناصرها (78).

فالإخوان المسلمون يتحركون للعمل في الحقل الطلابي، الرياضي، الاجتماعي، الدعوي...، الذي يترجم عمليا بأعداد جديدة من المنتسبين للجماعة، وبنظرة سريعة يمكن اعتبار ميدان العمل الدعوي (المسجدي أو غيره)، الطلابي (المدرسي أو الجامعي)، الرياضي، هي الميادين الثلاثة الرئيسة في استقطاب العناصر الجديدة للجماعة، أما العمل الإعلامي-السياسي-الاجتماعي فإنه يستهلك اهتمامات هذه العناصر الجديدة، وبالتالي فإن نجاح العمل الاجتماعي أو السياسي لا بد من أن يردف بعمل في المجال الدعوي والطلابي والرياضي لتحصيل عائد هذا النجاح (79).

عوامل زيادة الإنتاجية البشرية:

قد تكتفي الجماهير بتبني طرح الجماعة دون أن تفرز من بينها من يتجشّم عناء العمل التنظيمي، على اعتبار أن هذا العمل سوف يعني تضحية بالوقت والمال، وربما بالنفس في ظل الأنظمة القمعية أو تحت ظلال العمل الجهادي تجاه أعداء الأمة، والناس بطبيعتهم ميالون إلى الدعة، وهم بذلك لن يشعروا أنهم يخالفون واجبا شرعيا ما أقاموا تعإلىم دينهم، ولكن الحقيقة غير ذلك لأن واجب إعادة الأمة إلى جذورها فرض كفاية على مجموع الأمة إذا لم تقم به الثلة الكافية أثمت كل الأمة، من أجل ذلك كان لا بد للجماعة من أن تضع حوافز للأفراد لكي يرغبوا بالانتساب أكثر إليها (80).

صناعة الرموز للتأثير:

إن العناصر البارزة والواجهات والرموز الاجتماعية والسياسية من أفراد الجماعة تحتاج إلى عناية تربوية مضاعفة ومتابعة مستمرة دقيقة، حيث إن طبيعة حركتهم ونشاطهم والمراكز التي يعملون فيها تستنزف جهدا كبيرا من أوقاتهم، فيؤثر ذلك على الزاد الروحي والتربوي لهم.

لهذا لابد من التأكيد على أهمية الإعداد التربوي الجيد والعميق لهذه العناصر البارزة والواجهات النشيطة قبل الدفع بها في هذه المجالات، وتحصينها ضد هذه الفتن والانحرافات، ومواصلة هذه العناية التربوية بعد ذلك على الدوام واللجوء إلى المصارحة والمواجهة التربوية، والاهتمام الشديد بسرعة علاج مظاهر الخلل في بداياتها حتى وإن بدأت بسيطة أو صغيرة، وأن تكون الجماعة حاسمة وحازمة في ذلك (81).

ويلاحظ هنا أن السلطة التي تحارب الدعوة، تحرص على تغييب اسم الجماعة ورموزها الاجتماعية والسياسية، لارتباط هذا الاسم وهذه الرموز بالبذل والعطاء والخدمة العامة والطهارة والنقاء والمبادرة إلى الخير والاعتدال والرفق بالناس ونبذ العنف.. وبهذه الشرعية الواقعية والمعايشة الفعالة مع الجماهير الرد على حملات التشويه الإعلامية المنظمة، ومحاولات تلفيق التهم لأفراد الجماعة، وإثارة الشبهات حولهم (82).

وعندما سئل الإمام البنا عن عزوفه عن تإلىف الكتب قال رحمه الله: أنا مشغول بتإلىف الرجال عن تإلىف الكتب..فالإمام شُغل بتإلىف الرجال وتخريج العلماء، وتكوين الرموز، إما بتوجيهاته، أو بتعهده للأشخاص، أو بتلمس عناصر القوة في الشخصية التي أمامه فيدلها على مكامن قوتها العلمية لتفيد، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، الدكتور توفيق الشاوي الذي وجهه الأستاذ البنا لدراسة الدكتوراه في القانون في فرنسا بدلا من أمريكا (83).

توظيف الإعلام في خدمة الدعوة للإصلاح والتغيير

مع ثورة الاتصالات الهائلة التي حدثت في العقود الثلاثة الأخيرة والتي ساعدت على سرعة وسهولة الاتصالات بكافة مستوياتها كان من الضروري أن تستفيد الجماعة من هذه التقنيات الحديثة للإصلاح والتغيير الذى تسعي إلىه، وعلى سبيل المثال لا الحصر: الاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة، وكذلك خدمات الشبكة العنكبوتية ومواقع الاتصال الاجتماعي، خاصة في ظل التضييق الأمني واعتبارها الإعلام البديل.

وإذا كان الإعلام هو بث المعلومة، فإن التحكم الإعلامي يعني كيفية استعمال هذه المعلومة وتوظيفها في تغيير مجرى التفكير ودفع الاتجاهات النفسية إلى أهداف مقصودة ومحددة مسبقا، وعملية التحكم هذه هي الأهم إذ تكمن وراءها مجموعة علوم وخبرات وتخصصات تساهم في صناعة الاتجاهات الفكرية والنفسية، فيما يعرف بالرأي العام (84).

وكان الإخوان المسلمون من أوائل القوى المجتمعية التي استخدمت التكنولوجيا في خدمة الدعوة للإصلاح والتغيير، على مستوى المواد السمعية والبصرية والإنتاج المطبوع وغير ذلك من الأنشطة الدعوية التي تدخل التكنولوجيا في وسائطها ومنتجاتها.

بناء النموذج القدوة

تقوم الجماعة بتربية أبنائها وفق برامج تربوية وعملية ليكون كل منهم نموذجا عمليا يعبر عن الإسلام في أخلاقه وسلوكه وعبادته...الخ، فالأمة اليوم في أمسّ الحاجة إلى القدوة الصالحة والمثل الأعلى بسبب الضعف الذي أصاب حياة المسلمين من خلال غلبة الأهواء وإيثار المصالح الخاصة وقلة القادة المخلصين والعلماء العاملين والدعاة الصادقين، لذلك فإن حاجة المسلمين في مختلف بلدانهم تتطلب وجود القيادات والقدوات التي تكون نموذجًا حيًا بحيث يرى الناس فيهم كل معاني الخير والصلاح قولًا وفعلًا، فينجذبون إلىهم ويتأثرون بهم.

وتشتد الحاجة إلى الأسوة الحسنة في هذه الفترة العصيبة ليتحقق في النفوس النموذج التطبيقي الصحيح لمنهج رب العالمين، حتي يحقق الله النصر والتمكين من أعداء الأمة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)، فإذا أردنا أن يحفظ الله لنا ديننا الذي ارتضاه لنا ويستتبَ الأمن والسلام في مجتمعنا ونكسر شوكة أعدائنا فَلْنُقِم هذا الدين في حياتنا وسلوكنا علمًا وعملًا

وكان إدراك الإمام الشهيد لهذه الحقيقة وذلك الحال عميقا واضحا ومحددا، وقد حوله - بفضل الله - إلى برنامج عملي، متعدد المراحل، ومتصل الأهداف، مستهديا بنفس خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بدأ دعوة الإسلام الأولى وأسس الدولة القدوة والنموذج.

كان على رأس هؤلاء القائد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. الذي نما الحب بينه وبين من يدعوه.. لدرجة أن الرسول صلي الله عليه وسلم أصبح أحب إلىه من نفسه وأهله والناس أجمعين.. ومن نتائج هذا الحب أبو بكر الصديق، و عمر الفاروق، وأبو عبيدة أمين الأمة، وخالد بن الوليد سيف الله المسلول.

ولقد سار الإمام البنا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم فحرك الجسد الهامد وأشعل الشوق فيه، وأخذ بأيدي الفتيان من أمثال حامد ربيع وتوفيق الشاوي وسيد سابق ومحمد الغزإلى والبهي الخولي ويوسف القرضاوي وكامل الشريف وعمر التلمساني ومحمد فريد عبد الخالق، فأصبحوا دعاة عظماء: بكلمة أو بموقف عملي اتخذه معهم الإمام الشهيد.

أهمية القدوة الصالحة:

تكمن أهمية القدوة الصالحة من خلال ما يلي:

1-القدوة الصالحة تثير في نفوس الآخرين الإعجاب والمحبة التي تتحفز معها دوافع التنافس المحمود فتتولد لديهم حوافز قوية لأن يتمثلوا أخلاق وأفعال قدوتهم.

2- غياب القدوة الصالحة من المجتمع عامل رئيس في انتشار المنكرات واستفحالها وتفشي الجهل بين الناس، ومن هنا تكمن أهمية القدوة الصالحة، فكلما ازدادت القدوات انتشر العلم واختفت المنكرات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصَّف: 2-3).

3- القدوة الصالحة أعظم من المناهج الدراسية أو الأبنية الفخمة لأن للأستاذ أثرًا كبيرًا على طلابه في علمه وأدبه وعمله ومهارته التدريسية وسائر أخلاقه وتصرفاته.

ولم تصل التربية الحديثة إلى أبدع من اتخاذ القدوة الصالحة وسيلة لبناء الجيل الطلابي، فالمعلم القدوة هو الذي يرتقي بالأمة إلى أسمى درجات الحضارة والمدنية، وبالمدرسين المخلصين تنهض الأمة من كبوتها وتنتصر على أعدائها55.

استعادة رسالة المسجد كمحضن للتوعية والتثقيف والتزكية والتعبئة الفكرية

بناء الرجال وصناعة المجتمعات، وتحميس الأفراد، وتنقية قلوبهم وأفكارهم وعقد ألوية الجهاد في سبيل الله، كل هذه الأمور كانت من عمل المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق الله تعالى إذ يقول:

" فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " (النور 36- 38)

والمسجد من هذا المنظور لم يقف عند وظيفة الصلاة وصلاة الجمعة وإنما امتد دوره ليشمل كل الجوانب.

ومن هنا فإن هذه المهمة تشمل إعداد الإنسان وتعليمه من جميع الجوانب، كما تشمل تعليم المجتمع وتطويره والعمل على تقدمه ونموه وتحقيق سعادته في شتى مناحي الحياة، وهذا هو ما كان يسعى لتحقيقه المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه، إذ كان هو المعلم في المسجد، وكان الصحابة رضوان الله عليهم هم تلاميذه الأفذاذ، بين يديه في رحاب المسجد تعلموا كل أنواع المعرفة والعلم الذي بنوا به شخصيتهم فتخرجوا متكاملين حقا مصداقا لقوله عز وجل: "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ" (سورة آل عمران: 164).

ولذلك سعى الإمام البنا رحمه الله لتأسيس المسجد كأول عمل يقوم به في مدينة الإسماعلية، يقول الأستاذ جمعة أمين عبدالعزيز- رحمه الله -: وبعد إتمام المسجد قام الإخوان باستكمال البناء فأنشأوا فوق بناية المسجد معهدًا سُمي بـ "معهد حراء الإسلامي" وكان الشيخ محمد سعيد العرفي قد اقترح على الإمام أن يسمي إخوانه وأصحابه بأسماء السابقين الصالحين، وأن يسمي المنشآت بأسماء الأماكن الإسلامية، فذلك أبعث للقدوة الحسنة والأسوة الصالحة ولذلك سميت تلك المدرسة بمعهد حراء الإسلامي ومن بعدها أقام الإخوان مدرسة أمهات المؤمنين للبنات. (85)

ويقول الدكتور القرضاوي: «فكان المسجد النبوي مدرسة الدعوة الإسلامية الأولى، ودار الدولة الإسلامية الكبرى، تلك المدرسة التي فتحت أبوابها لمختلفي الأجناس من عرب وعجم، ومختلف الألوان من بيض وسود، ومختلف الطبقات من أغنياء وفقراء، ومختلف الأسنان من شيوخ وشباب وغلمان» (86)

ولكي تؤتي رسالة المسجد ثمارها المرجوة فيجب إعداد الأئمة للقيام بواجب الدعوة إلى الله والتوجيه والتعليم، ممن زُوِّدوا بعلوم القرآن والسنَّة واللغة العربية وآدابها، وممن درسوا المذاهب الفكرية والتيارات السياسية الموجهة للإسلام، وأن يكون الإمام قدوة طيبة، يعيش عصره بعلومه ومعارفه، ويفقه دينه بشرائعه وأحكامه، ويخشى ربه ويتقيه، ولكي يوفر هذا النموذج فلا بد من إعداده إعدادًا خاصًّا، وتوفير سبل الحياة الكريمة له.

وقد وضع الإمام البنا ضمن مراتب العمل وأهداف الجماعة: «الحكومة المسلمة التي تقود هذا الشعب إلى المسجد».

دور منظمات المجتمع المدني في الإصلاح والتغيير

الإصلاح والتغيير أصبحا مطلباً مهماً في السنوات الأخيرة، لذلك يحتاج الإصلاح أو التغيير إلى مشاركة مؤسسات المجتمع المختلفة، لأن دور منظمات المجتمع المدني، كان- ولايزال- له مشاركة فعالة، في ظل تراجع دور الدول.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين سباقة في إنشاء المؤسسات الخدمية بأنواعها المختلفة، لتقديم المساعدات في المجالات المختلفة فقد قال الإمام البنا - رحمه الله -: "ليس غرضنا إلا إصلاح النفوس، وتهذيب الأرواح، فلتكن الدعوة إلى مدارس الأنصار، ومعاهد حراء وأندية التعارف ثم تتكون جماعات" (87).

تاريخ العطاء [[الإخواني

وربما يظن البعض أن العمل الخيري والتطوعي في جماعة الإخوان بدأ مع نشأة قسم البر والخدمة الاجتماعية، لكن هذا غير صحيح فالعمل الخدمي والتطوعي سواء داخل الصف أو خارجه بدأ مع نشأة الجماعة؛ ولهذا حرص الإمام البنا على غرس المعاني التربوية في نفوس أتباعه من أجل أن يخرج العمل ويحقق أهدافه فيقول: «يا أخي، لا تقل ما لا تفعل، ولا يغرنك أن يحسبك الناس عاملًا، ولكن همك أن يعلم الله منك صدق ذلك، فإن الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا. يا أخي، اعتقد أنك تعمل لغايتين؛ أن تنتج، وأن تقوم بالواجب، فإن فاتتك الأولى فلن تفوتك الثانية: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164] (88)

كما أن الإخوان يباشرون من خلال الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني تقديم الخدمات للناس بمختلف أنواعها التعليمية والصحية والمعيشية وغيرها، باعتبار ذلك واجبًا شرعيًا "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، إضافة إلى الأنشطة النِقابية لمصلحة أصحاب المهن المختلفة؛ لأن الإخوان يعتبرون أنفسهم خدمًا لهذا الشعب (89).

التصدي للغزو الفكري والثقافي كأحد مستلزمات الإصلاح والتغيير

ضمن منظومة التآمر الداخلي والخارجي على الدعوة وعلى الأمة، جاء الغزو الفكري والثقافي، ليشكل تهديدا مباشرا للهُوية الإسلامية، ويضع تحديا كبيرا أمام الإصلاحيين في هذه الأمة.

ويقصد بالغزو الفكري الغزو غير المسلح، فهو غزو للأفكار والعقول، بعد أن أدرك الأعـداء أن الغزو المسلح لا يكفي لإضعاف الثقافة الإسلامية، فعمـدوا إلـى غـزو العقول والأفكار لتحقيق هدف عام وهو إضعاف الإسلام والمسلمين.

لذلك نبه الإمام الشهيد حسن البنا الى خطورة الغزو الثقافي والفكري، فقال -رحمه الله-: "الحضارة الغربية قد غزتنا غزوا قويا عنيفا بالعلم والمال وبالسياسة والترف والمتعة واللهو وضروب الحياة الناعمة العابثة المغرية التي لم نكن نعرفها من قبل، فأعجبنا بها وركنا إليها، وأثّر هذا الغزو فينا أبلغ الأثر، وانحسر ظل الفكرة الإسلامية عن الحياة الاجتماعية المصرية في كثير من شؤونها الهامة، واندفعنا نغير أوضاعنا الحيوية ونصبغ معظمها بالصبغة الأوروبية، وحصرنا سلطان الإسلام في حياتنا على القلوب والمحاريب، وفصلنا عنه شؤون الحياة العملية، وباعدنا بينه وبينها مباعدة شديدة، وبهذا أصبحنا نحيا حياة ثنائية متذبذبة أو متناقضة" (90).

ويقول – رحمه الله: « ونستطيع بعد ذلك أن نقول: إن الحضارة الغربية بمبادئها المادية قد انتصرت في هذا الصراع الاجتماعي على الحضارة الإسلامية بمبادئها القويمة الجامعة للروح والمادة معا في أرض الإسلام نفسه، وفي حرب ضروس ميدانها نفوس المسلمين وأرواحهم وعقائدهم وعقولهم، كما انتصرت في الميدان السياسي والعسكري" (91).

الإصلاح والتغيير على مستوى الدولة والأمة

الانخراط الفاعل في العمل السياسي على المستوى القطري:

وكما يهتم الإخوان المسلمون بإصلاح الأخلاق، فإنهم يولون اهتمامًا فائقًا بالإصلاح السياسي والدستوري والقانوني، وكفالة الحريات العامة وحقوق الإنسان، كل الإنسان في الحياة والكرامة الإنسانية وحرمة مسكنه، وحرية العقيدة والعبادة والرأي وحقه في العلم وحقه في إدارة شئون الدولة والانتخاب والترشيح وتولي الوظائف العامة، وحقه في التجمع وتكوين الأحزاب وتداول السلطة والتظاهر السلمي" (92) .

وقد سعى الإمام «حسن البنا» لتغيير سياسي كبير، وليس مجرد الاكتفاء بالوعظ الديني ومحاربة الانحرافات الأخلاقية. لكنّ تغيير الأوضاع السياسية من وجهة نظره لم يكن ممكنا دون البدء بتغيير أوضاع المجتمع نفسه، باعتبار أن النظام السياسي (الحكم) هو نتيجة طبيعية لأوضاع المجتمع (93).

وقد اهتم الإمام الشهيد ببناء الوعى القومي والنضج السياسي للأمة، وأن يصل بها إلى درجة من القوة وإلىقظة، فيقول: «وهو ما يعبرون عنه في الاصطلاح الحديث بـ: (الوعي القومي) أو (النضج السياسي) أو (التربية الوطنية) أو نحو هذه الألفاظ، ومردها جميعا إلى حقيقة واحدة، هي: اعتقاد صلاحية النظام والشعور بفائدة المحافظة عليه»

وحول الدور السياسي للإخوان ورؤيتهم لهذا الدور يقول: « لسنا حزباً سياسياً، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولسنا فرقاً رياضية وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا، لسنا شيئاً من هذه التشكيلات، فإنها جميعا تبررها غاية موضعية محدودة لمدة معدودة ولكننا أيها الناس فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج لا يحدده موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين».

"هذه منزلتكم فلا تصغروا في أنفسكم فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلاً غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله، بغيرها من الدعوات التي تبررها الضرورات وتذهب بها الحوادث والأيام" (94).

حزب مدني

ومن وسائل الإخوان المعتمدة في النضال الدستوري والحراك السياسي، إنشاء حزب سياسي مدني، يستمد برنامجه من الشريعة الإسلامية، ولا يخرج على القوانين والضوابط التي وضعها المجتمع، وهذا الحزب أبعد ما يكون عن فكرة الحزب الديني بالمصطلح السياسي الذي يتكلمون به، ولا ينسحب على ما يريده الإخوان ويعملون به.

وقد سبقت الإشارة إلى أن الجماعة لا يمكن أن تنحصر في حزب أو في هيئة أو في واجهة محدودة، فهي أوسع وأشمل شمول الإسلام واتساعه. وأن الجماعة تعمل بالمفهوم الشامل للإسلام، والعمل السياسي جزء من رسالة الدعوة في الجماعة، لا يمكن أن ينفصل عنها، وأن الحزب السياسي وسيلة من وسائل العمل السياسي وليس قاصراً عليه.

وهذا الحزب يحمل جزءاً من رسالة الدعوة يسعى لتحقيقه ويستفيد من الوسائل المتاحة له في ذلك، و لا بد له من الصبغة والمرجعية الإسلامية لهذا الجزء الذي يحمله.

والإخوان المسلمون لا يقصرون الحكم على ذواتهم ولا يحتكرونه لأنفسهم، وهم يؤسسون ويسعون لإقامة الحكم الإسلامي وفق المواصفات والشروط التي جاء بها الشرع، وهم والشعب معهم حارس على ذلك ناصح لأولى الأمر، وللشعب أن يختار بحريته الكاملة من يرضاه لقيادته وفق المنهج الإسلامي وشريعة الإسلام ولتحقيق دور الأمة الإسلامية، وليس وفق الهوى ولا الخروج على شرع الله.

وعلى ضوء قواعد الشرع الإسلامي وضوابطه، يعتمد الإخوان " قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية وذلك عن طريق انتخابات دورية»، ما دامت هذه الأحزاب منضبطة بأحكام الإسلام وشريعته، ولم تخرج عن مبادئه وأهدافه (95).

وينظر الإخوان بإيجابية إلى مساحات التعاون والاتفاق بين التيارات المختلفة - بغض النظر عن الاختلافات الأخرى - وأن يكون ذلك لصالح البلد والأمة ومطالبها، وليس لصالح فصيل معين، مما يوضح مدى سَعة صدر الإخوان للآخرين وحرصهم على الوحدة وائتلاف الكلمة.

كما يعتبرون احترام إرادة الأمة والنزول عليها من أركان النظام السياسي الإسلامي، حتى لو خالف ذلك رأيها أو ترشيحاتها، ولا تدعى لنفسها وصاية على الأمة، أو تحتكر لنفسها الحرية والدعاية في المجتمع، وعلاقتها مع الشعب والمجتمع ومع من يخالفها الرأي تقوم أساسا على الحب والإقناع والتفاهم وتوضيح المفاهيم والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

ويقول الإمام الشهيد: «وأما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشؤون أمتنا ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعإلىم الإسلام، وتدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية،... ونحن لا نعلم دعوتنا ولا نتصور معنى لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف، ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام» (96).

تجنب العقبات

وقد رد الإمام الشهيد في مؤتمر رؤساء المناطق على الدعوى التي ترى أن ترك العمل السياسي واقتصارها على الجانب الاجتماعي الأخلاقي سيجنبها العقبات والتضييق، فيقول الإمام بذلك: « كل ذلك يا أخي جعلنا وقد قضينا سبعةَ عشرَ عاماً في الإعداد والاستعداد وأفهمنا الناس فيها الأمر على حقيقته من أن السياسة والحرية والعزة من أوامر القرآن وأن حب الأوطان من الإيمان، ولم يتبق بعد هيئة من الهيئات على وحدتها وثقة الناس بها وأملهم فيها، إلا الإخوان، كل ذلك يا أخي جعلني أشعر شعوراً قد ارتقى إلى مرتبة الاعتقاد أننا لم يعد لنا الخيار، وإن من واجبنا الآن أن نقود هذه النفوس الحائرة، ونرشد هذه المشاعر الثائرة، ونخطو هذه الخطوة، والله المستعان » (97).

منطلقات وثوابت

وخطاب الإخوان المسلمون الدعوي والسياسي له منطلقاته وثوابته، وهو الإسلام وتطبيق شريعة الله، وكل هدف إصلاحي فإنه ينبع من ذلك المنطلق ويصطبغ بصبغته، ولا يجوز أن تأتى مطالب الإصلاح الجزئي السياسي أو الاجتماعي كبديل لهذا الهدف الأساسي، أو تجعل البعض يرى تأجيل هذا الملف «الشريعة» والدعوة إلىه، وتقديم ملف إصلاح جزئي عليه، إنما يكون ذلك جزءا منه ومصاحبا له وليس بديلا عنه.

يقول الإمام: «إذا قيل لكم: إلام تدعون ؟ فقولوا: ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه ».

فالدعوة للإصلاح السياسي أو الاجتماعي هي جزء من دعوتنا للإسلام، وليس بديلا عنه أو لها الأولوية عليه.

يقول الإمام: « وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب إلى الأمة" (98)

ضوابط شرعية

والجماعة في ساحة العمل السياسي تحدد مواقفها بناء على الرؤية الإسلامية والضوابط الشرعية، وقد أشار إليها الإمام الشهيد في رسائله، ومنها:

أ - تميز الدعوة، وعدم التنازل عن مبادئها وأهدافها، أو تمييع مواقفها الأساسية.

ب - أنها لا تعمل لحساب أحد أو لهوى تيار معين أو لتنصر فريقاً على آخر كأسلوب حزبي.

جـ - أن تكون هذه المواقف وفق الضوابط الشرعية ومن خلال الفقه الكامل بالواقع ومصلحة الدعوة والوطن.

د - أن تتميز الدعوة بالمصداقية في كلمتها ومواقفها.

هـ - إلىقظة والحذر، فلا تُخدع أو تنساق، بل هي تُوجه وتُؤثر.

و - أن تتوكل على الله عز وجل معتمدة عليه في كل خطواتها (99).

بناء القدرة على التأثير في كل جوانب المجتمع

إن دعوة الإخوان ليست دعوة سرية أو دعوة انغلاقية أو دعوة محدودة التأثير والمكان أو محدودة المقاصد والأهداف، وإنما هي تحمل مشروعاً إسلامياً متكاملاً على منهج النبوة لنهضة الأمة الإسلامية في العالم أجمع.

ومن أهم العقبات والتحديات التي تواجه الدعوة محاولات إخراج الإخوان المسلمين من ساحة التأثير في المجتمع وإقصائهم عن كافة الواجهات العامة إقليمياً ومحلياً.

ولإدراكه هذه الحقيقة، جعل الإمام البنا من أهدافه انتشار الدعوة في كل مكان وكل مؤسسة وكل شريحة من المجتمع، يقول الإمام في تأكيده على هذا الهدف لتحقيقه: « ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت وأن يُسمع صوتنا في كل مكان »، مما يتطلب: التطوير والتنويع في وسائل الدعوة العامة، والانفتاح على المجتمع، والتواجد والحوار مع الآخرين، وإعلان الدعوة وأفكارها وموقفها في كل نشاط ومؤتمر وكل حدث أو أزمة.

وتستخدم الجماعة كل وسائل الدعوة العامة بالإضافة إلى التأثير الإيجابي لأفراد الجماعة في المجتمع، ولا تنحصر الدعوة في وسيلة واحدة بل تشكل الهيئات والمؤسسات والواجهات التي تعبر عن أوجه الدعوة المختلفة وتتفاعل مع المجتمع في كل جوانبه، وتعمل على إيقاظ الأمة وحشدها وراء الإسلام (100).

مراجعة مستمرة

ومع اتساع ساحة الأعمال التنفيذية وتصاعدها حتى تصل إلى المواجهات الجزئية قد تكشف الأحداث عن بعض الضعف أو القصور التربوي في بعض الأفراد أو بعض المسؤولين مما لم يكن ظاهراً قبل ذلك، فهذا أمر طبيعي؛ إذ أن الحركة بضغوطها المختلفة هي ميدان التمحيص والإظهار والفرز.. وهذا يقتضي المراجعة المستمرة لحال الأفراد والمزيد من التركيز التربوي والإعداد والتكوين وعدم الاستعجال في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أو تسرع بدخول ميدان المواجهة.. يراعى ذلك مع استمرار التوازن بينهم وبين مساحة الحركة والنشاط وعدم إخراج الجماعة من ساحة التأثير وميدان العمل (101).

ولهذا فإن التركيز علي الأفراد يجب أن يكون متوازيا مع بناء الجماعة وحركتها في المجتمع.

صفات واجبة

ولهذا كان التركيز على الأفراد يسير متوازياً مع بناء الجماعة وحركتها في المجتمع، ووجودها في ساحة التأثير والإصلاح والتغيير حتى تؤول لها الريادة وتقترب من تحقيق أهدافها الشاملة التي أشار لها ركن العمل في رسالة التعإلىم.

وفيما يلي إشارة بشكل مختصر، إلى توجيهات الإمام الشهيد - في رسائله ومقالاته - للمعاني والصفات التي يجب أن يتصف بها الإخوان (102):

دور الأسرة

وكما أن على الفرد واجب في التأثير، فإن الأسرة منوط بها أيضا إحداث تأثير في المجتمع، وهو دور ليس مقصورا على بيوت الإخوان فقط وإنما استهدف البيوت في المجتمع كله.

والبيت المسلم ليس معزولا في قوقعة عن مشاكل المجتمع وقضاياه، فالتأثير بينه وبين المجتمع متبادل، والرجل والمرأة يتشاركان في هذا ولهذا كان إعدادهما مهما يقول الإمام الشهيد: «نريد النهوض بالرجل والمرأة جميعاً وإعلان التكامل والمساواة بينهما وتحديد مهمة كل منهما تحديداً دقيقاً» (103)

وسائل التأثير

والجماعة لا تستمد انطلاقها الاجتماعي ووجودها من قوانين أو إذن حكومي أو منحة من الآخرين، وإنما تستمد هذا الانطلاق من دعوتها ووجودها العملي الواقعي داخل المجتمع ومعايشتها له، فلا يمكن أن يوقف هذا التأثير الاجتماعي قانون أو تضييق، وإنما الدعوة تواجه هذه العقبات بالثبات والمثابرة والحكمة.

وهذا المسار في العمل الاجتماعي أو النضال الدستوري (كما سماه الإمام الشهيد)، يشمل ثلاثة مستويات أو مجالات في المجتمع:

أ - المستوى الفردي، بتحرك أفراد الجماعة بالدعوة واحتكاكهم بأفراد المجتمع ومعايشتهم له في مسار حياتهم وأحوالهم..فأينما وجد الفرد المسلم وجدت الدعوة وتحركت معه، فالدعوة تُربيه على الذاتية في الحركة الاجتماعية، وعلى التأثير القولي والعملي، وأن يكون قدوة ونموذجاً للدعوة.

ب- وكذلك بتكوين التجمعات والجمعيات والنوادي والأوعية الاجتماعية التي تؤدى جانبا من جوانب الخير والإصلاح، وتنشر مفاهيم الإسلام وسلوكياته داخل المجتمع، وهذه الأوعية تمثل واجهات متعددة تحقق للجماعة بعض جوانب النشاط والإصلاح المختلفة.

وقد أشار الإمام الشهيد لذلك فقال: «ليس بلازم في الدعوة أن تكون باسم: (جمعية الإخوان المسلمين)، فليس غرضنا إلا إصلاح النفوس وتهذيب الأرواح، فلتكن الدعوة إلى: مدارس الأنصار، ومعاهد حراء، وأندية التعارف» (104)

ج- العمل على المؤسسات القائمة بالمجتمع سواء كانت: اقتصادية، أو اجتماعية، أو تعليمية، أو سياسية، أو مهنية، أو تنفيذية... إلخ. فنعمل على إيصال الدعوة لكل المؤسسات والتقدم بمناهج الإصلاح، وكسب الأنصار.

مستهدفات التأثير

وإذا كان من أهداف الإخوان إقامة دولة الإسلام وتحقيق هدف الحكومة المسلمة فهذا يحتاج إلى تمهيد وإعداد طويل وتهيئة وتربية للشعب المسلم. وبدون هذا الطريق وتلك الخطوات والدقة في إتمامها لا يمكن الوصول إلى الهدف المنشود، وأى بديل أو مسار آخر لن يؤدى إلىه، وسيصبح مجرد شعارات ولافتات دون بناء حقيقي يتحمل مسار الدعوة في تحقيق باقي الأهداف العليا.

ومع تكتل الدول الإسلامية واتحادها أشار الإمام الشهيد إلى دائرة أوسع من التجمع تشمل الأمم الشرقية في مواجهة دول الاستعمار الغربي، وبذلك تنشأ دائرة أوسع من التأثير والتعاون والتنسيق والتجمع من بلدان العالم المختلفة، جوهر هذا التكتل وقيادته للأمة الإسلامية، ترسي فيه دعائم الحق والمساواة وتعمل قيم الإنسانية والتعارف والتعاون، وتواجه أطماع الدول الاستعمارية (105).

العمل لترسيخ مناخ الوحدة المجتمعية

- العمل لترسيخ مناخ الوحدة المجتمعية في الفكر والممارسة والسعي لتجميع القوى الحية في المجتمع على القواسم المشتركة (حلف الفضول)

لما كان العمل على أن تكون كلمة الله هي العليا، بأن تسود قيم وأحكام الإسلام وشرائعه في ربوع العالم، هو الرسالة التي تسعى الجماعة لتحقيقها، فإنه يدخل في الأهداف الموصلة الى هذه الرسالة "إعادة الكيان الدولي العالمي للأمة الإسلامية بتحرير أوطانها، وتحقيق الوحدة المنشودة، وإقامة الخلافة المفقودة، واسترداد الديار السليبة".

يقول الإمام البنا: "« إن الإخوان يعتقدون الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها، والاهتمام بشأنها »."، ويقول: "وبهذه الطريقة من النبذ والجهاد، والوحدة والتجمع، نستطيع أن نتخلص وأن نحفظ التوازن العالمي بين الأمم الطامعة والدول المتنافسة على المغانم" (106).

وهذا ليس دور القيادة وحدها وإنما من واجبات كل فرد، أن يدعم الوحدة العربية والإسلامية، وأن يسعى لإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية ورقيها وتقدمها ويدعم ذلك، إذ أن الصف [[الإخواني جزء من المجتمع، ويؤثر في محيطه الاجتماعي سواء على مستوى الفرد أو البيت أو الجماعة ككل، وتعتبر توعية الأمة وأفراد المجتمع بواجبها ودورها، وتبني قضايا الأمة الإسلامية، وإشاعة روح الوحدة والتعاون بينها وبين أمم العروبة وشعوب الإسلام، ومقاومة الفرقة والتناحر، من أبرز مهام هذا الصف.

وفي هذا يقول الإمام البنا: " لابد أن نلجأ من جديد إلى ما فرضه الإسلام على أبنائه منذ أول يوم حين جعل الوحدة معنى من معانى الإيمان.. يجب أن نتكتل ونتوحد". ويقول:" « فدعوة الإخوان دعوة بيضاء نقية غير ملونة بلون وهى مع الحق أينما كان تحب الإجماع وتكره الشذوذ، وإن أعظم ما مُنَي به المسلمون الفرقة والخلاف وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة » (107).

والجماعة لا تقصر حركتها على الأغلبية المسلمة، وإنما تمتد آثارها ودعوتها لكل فئات المجتمع وأقلياته، وذلك لتحقيق السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية التي هي من مبادئ الإسلام وقيمه.

وينظر الإخوان بإيجابية إلى مساحات التعاون والاتفاق بين التيارات المختلفة - بغض النظر عن الاختلافات الأخرى - وأن يكون ذلك لصالح البلد والأمة ومطالبها.

والإخوان في هذا السعي، نحو اجتماع الكلمة وترسيخ مناخ الوحدة المجتمعية في الفكر والممارسة والسعي لتجميع القوى الحية في المجتمع على القواسم المشتركة، يتمثلون "حلف الفضول"، وهو أحد أحلاف الجاهلية الأربعة التي شهدتها قريش، وقد شهد النبي محمد هذا الحلف قبل بعثته، وقال عنه لاحقا: «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حُمُرُ النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» (108) التصدي للنزعات العنصرية والطائفية والانقسامية في المجتمع والدولة

يحدد الإمام الشهيد العلاقات بين مكونات المجتمع بوضوح، مرتكزاً على شريعة الإسلام ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء المواطنون من غير المسلمين هم شركاء لنا في الوطن لهم ما لنا وعليهم ما علينا.. وهذه الوحدة الوطنية يرفعها الإسلام إلى مرتبة القداسة الدينية، فهي عبادة يحاسب الله عز وجل عليها، يقول الإمام في ذلك: «... وأن الإسلام الذي قدس الوحدة الإنسانية العامة في قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" (الحجرات: 13)

ثم قدس الوحدة الدينية العامة كذلك، فقضى على التعصب وفرض على أبنائه الإيمان بالرسالات السماوية جميعاً، ثم قدس بعد ذلك الوحدة الدينية الخاصة في غير صلف ولا عدوان فقال تبارك وتعالى: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون" (الحجرات: 10).

هذا الإسلام الذي بني على هذا المزاج المعتدل والإنصاف البالغ لا يمكن أن يكون أتباعه سبباً في تمزيق وحدة متصلة، بل بالعكس إنه أكسب هذه الوحدة صفة القداسة الدينية بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط.

ويقول الشهيد حسن البنا: « يظن الناس أن التمسك بالإسلام وجعله أساساً لنظام الحياة ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة المسلمة وينافي الوحدة بين عناصر الأمة، ولكن الحق غير ذلك تماماً...إن الإسلام الذي وضعه الحكيم الخبير..لم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الواضح الذي لا يحتمل لبساً ولا غموضاً في حماية الأقليات. وهل يريد الناس أصرح من هذا النص: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إلىهم إن الله يحب المقسطين"(الممتحنة: 8) فهذا نص لم يشتمل على الحماية فقط بل أوصى بالبر والإحسان إلىهم"...« فإن الإسلام، وهو دين الوحدة والمساواة كفل هذه الروابط بين الجميع ما داموا متعاونين على الخير»

ويقول أيضاً: « ويخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين دعاة تفريق عنصري بين طبقات الأمة، فنحن نعلم أن الإسلام عني أدق العناية باحترام الرابطة الإنسانية العامة بين بني الإنسان" (109).

لكن يوضح الإمام الشهيد ويحذر أن تُتخذ هذه الدعوة الوحدة الوطنية، ذريعة لغير حقيقتها ووسيلة لمنع دعوة الإسلام ونشر مبادئه وإقامة المجتمع المسلم.. فهذا هو الانحراف والاعتداء على الإسلام.

ويشير الأستاذ مصطفي مشهور إلى أن هذه الوحدة الوطنية تشملها وتؤصلها الهوية الإسلامية، فيقول: «اندمجت مصر بكليتها في الإسلام: عقيدته ولغته وحضارته، ودافعت عنه، وذادت عن حياضه، وردت عنه عادية المعتدين، وجاهدت في سبيله ما وسعها الجهاد بمالها ودم أبنائها...

هذه الهوية الإسلامية لا تقف عند حدود المتدينين بالإسلام في العالم الإسلامي، وإنما تشمل كذلك الأقليات غير المسلمة التي انصهرت قوميا وحضاريا ووطنيا مع الأغلبيات المسلمة» (110)

الدعوات العنصرية وسيلة لتفتيت الأمة

ونبذا للعنصرية على مستوى الأمة الإسلامية رفض الإمام الشهيد أن تتخذ الدعوات العنصرية وسيلة لتفتيت الأمة، أو لإضعاف الرابطة الإسلامية بينها، وإبعادها عن منهج الإسلام، فيقول: «فإذا أراد أقوام أن يتخذوا من المناداة بالقومية الخاصة سلاحاً يميت الشعور بما عداها، فالإخوان المسلمون ليسوا معهم، ولعل هذا هو الفارق بيننا وبين كثير من الناس»

« أن يراد بالقومية إحياء عادات جاهلية، والتحلل من عقدة الإسلام ورباطه بدعوى القومية، فهذا نرفضه».
«أو يراد بالقومية الاعتزاز بالجنس إلى درجة تؤدي إلى انتقاص الأجناس الأخرى والعدوان عليها، فهذا لا حقيقة له ولا خير فيه».
« والإخوان المسلمون لا يؤمنون بالقومية بهذه المعاني وبأشباهها ولا يقولون: فرعونية، وعربية، وفينيقية، وسورية، ولا شيئاً من هذه الألقاب والأسماء التي يتنابز بها الناس»

ويقول أيضاً: «أما إن كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمة الإسلامية والعربية إلى طوائف تتناحر وتتضاغن أو الوقوف بها عند حدود جغرافية ضيقة فهذا نرفضه».

ويرد الإمام الشهيد على من يتخذون الوطنية والقومية كمبرر لتحويل الأمة عن دينها: «ومن المبررات التي اتخذها بعض الذين سلكوا سبيل الغربيين: أنهم أخذوا يشهرون بمسلك رجال الدين المسلمين من حيث موقفهم المناوئ للنهضة الوطنية، وتجنيهم على الوطنيين، وممالأتهم للغاصبين، وإيثارهم المنافع الخاصة والمطامع الدنيوية على مصلحة البلد والأمة" (111).

وحول موقف الإمام الشهيد من الحركات الانفصإلىة لبعض القوميات الإسلامية بحجة أنها تتعرض لظلم حكومي وتُعامل كدرجة ثانية في الدولة الواحدة، وقد تلجأ هذه الحركات للسلاح أو تتعرض للقمع الشديد من هذه الحكومات، فإن الإمام الشهيد كان له رؤية سياسية عميقة، فهو يدعو إلى وحدة العالم الإسلامي والحرص عليها، ولكن في نفس الوقت لابد من إعطاء الحقوق وردها لأصحابها، ويرفض أن يتم ذلك عبر السلاح والقمع، أو يؤدي إلى إراقة الدم المسلم.

إنه مع اعتبار أهمية القوميات الخاصة، والتطلعات للتجمعات النوعية، والحرص على ذاتيتها وهويتها، إنما يتم ذلك في إطار الوحدة الإسلامية والإخاء الإسلامي، وموازين العدل والمساواة ليصب في مصلحة الأعداء ويؤثر على دورها العالمي (112).

التدرج في خطوات الإصلاح

دعوة الإخوان المسلمين، كما أسسها الإمام الشهيد حسن البنا، ليست مجرد جماعة إصلاحية تدعو إلى الإصلاح الجزئي، ولكنها دعوة ثورية في جوهرها وتدعو إلى الإصلاح الشامل، لكنها تجمع مع هذه المنهجية الإصلاح المتدرج أيضاً لتأخذ بالأثر الإيجابي لكليهما.

وهى ترفض الثورة المدمرة المخربة – مثلما حدث في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية –، يقول الإمام البنا عن هذا النوع من الثورات: ” والثورة الهوجاء التي لا غاية لها ولا ضابط ولا نظام ولا حدود ولا تعقيب إلا الهلاك والدمار والخسارة البالغة.. ( رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي) (113)

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنْ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا" (رواه البخاري)، ويقول: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ" (رواه البخاري)، ويقول: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق" (رواه الإمام أحمد وحسّنه الألباني)

فالتدرج في الخطوات من سمات دعوة الإخوان المسلمين، وهي تلتزم بالضوابط والالتزامات الشرعية في عملية التغيير والإصلاح، إذ تؤمن بالتغيير المتدرج، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، ومن دور إلى دور، على أساس النضج والتكامل والقدرة على الضبط في مواجهة الأمور والأحداث والأزمات.

يقول الإمام الشهيد: « فمن أراد أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقطف زهرة قبل أوانها فخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها..». «.. لذلك نحن نلجم نزوات العواطف بنظرات العقول، ونلزم الخيال صدق الحقيقة والواقع ». « ولا نصادم نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن نغالبها ونستخدمها ونحول تيارها ونستعين ببعضها على بعض » (رسالة المؤتمر الخامس).

وحول أسلوب عمل الجماعة وإسهامها في التغيير على المستوى العالمي، قال الإمام البنا: "فمن دعوتكم أيها الأخوة الأحبة، أن تساهموا في السلام العالمي وفي بناء الحياة الجديدة للناس، بإظهارهم على محاسن دينكم وتجلية مبادئه وتعاليمه لهم وتقديمها".

«وحسبنا أن نتخذ منها هدفاً وأن نضعها نصب أعيننا مثلاً، وأن نقيم في هذا البناء الإنساني لبنة وليس علينا أن يتم البناء فلكل أجل كتاب ». « ومن هنا كانت ذات مراحل، نرجو أن تتحقق تباعاً وأن نقطعها جميعاً وأن نصل بعدها إلى الغاية».

كذلك السعي إلى إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية والعمل على رقيها وتقدمها، يحتاج إلى سنوات طويلة ومراحل كثيرة، والتدرج بهذه الصور إلى مستويات أعلى من الترابط والتناصر تمهيدا لترسيخ هذا المبدأ داخل الشعوب، وتمهيدا لوحدة الأمة في كل مظاهرها، وقيام دولة الخلافة (114).

ولقد انتهج الإخوان المسلمون التدرج في الإصلاح والتغيير، متأسين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ظل ثلاثة عشر عامًا في مكة، يربي الرجال، ويؤسس العُمد، ويغير النفوس، ويُعنى بالجوهر قبل المظهر حتى إذا اكتمل له جيل فريد يعتمد عليه هاجر إلى المدينة وأقام الدولة وباشر كل مظاهر السياسة.

وهذا المنهج تلخصه السيدة عائشة رضي الله عنها في قولها: "إن أول ما نزل من القرآن آي من المفصل- أي السور القصيرة- فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى إيمان نزل أمره تعالى، لا تشربوا الخمر، ولا تقربوا الزنا، ولو كان أول ما نُزل لا تشربوا الخمر ولا تقربوا الزنا؛ لقالوا والله لا ندعهما أبدًا" (115)

القيام بدور طليعي في تحشيد القوى السياسية والشعبية لأجل الإصلاح والتغيير

دعوة الإخوان لا تحتكر ساحة الدعوة والتربية في المجتمع، أو تقصره عليها، فالميدان مفتوح لكل القوى والأحزاب، سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، دون ضغط أو إكراه، ولها نفس الحقوق، طالما أنها لم تخرج عن مبادئ المجتمع وقواعد وأصول الإسلام، ولا يحكم بهذا الخروج إلا قضاء عادل مستقل لا يخضع لهوى السلطة التنفيذية.

لكن الإخوان في الوقت ذاته، وبحكم طبيعتهم وتكوينهم وحضورهم الجماهيري، لا بد أن يكون لهم دور طليعي في تحشيد القوى السياسية والشعبية لمضاعفة الضغط على السلطة لأجل الإصلاح والتغيير، وهو ما يتسق مع دورهم التاريخي، وما تنتظره منهم كافة القوى الأخرى، حتى المختلفة معهم.

ولا بد هنا من الأخذ في الاعتبار أن الجماعة في منهجها الإصلاحي ليست بديلاً عن المجتمع، فهي تتعاون مع كل القوى والتيارات التي تسعى للإصلاح: « نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه...».

يقول الإمام: « وسنربي شعبنا ليكون منه الشعب المسلم، وسنكون من بين هذا الشعب المسلم ».«الذى يريده الإخوان إصلاحا شاملا تتعاون عليه قوى الأمة جميعاً، وتتجه نحوه الأمة جميعا» (116).

التعاون على الخير

ولهذا يأتي هذا الدعم، من باب الإصلاح والتعاون على الخير، مع عدم تنازل الجماعة عن دعوتها أو طريقها أو أهدافها العليا.

وهي أيضاً مع حرصها على الإصلاح ومساعدة كل من يعمل له، لا تخدعها الشعارات أو المواقف الكاذبة والدعايات المغرضة والأحداث المفتعلة، بل تغوص وراء حقيقة الأمور وتزنها بميزان الشرع وتنظر للأمر من جميع جوانبه، والتاريخ القريب مليء بنماذج مختلفة تدل على ذلك.

كما أن الجماعة لا تدخل في صراعات جانبية أو صدامات مع القوى الأخرى. يقول الإمام في ذلك: « نحن لا نهاجمهم ؛ لأننا في حاجة إلى الجهد الذي يبذل في الخصومة..». «فهم لهذا أوسع الناس صدراً مع مخالفيهم ». «الإخوان يجيزون الخلاف، ويكرهون التعصب للرأي، ويحاولون الوصول إلـى الحـق، ويحملون الناس علـى ذلك بألطف وسائل اللين والحب» (117).

وفي هذا تراعي الجماعة المحافظة على مقومات القوة والصلاح في المجتمع ومقاومة التسيب والإهمال والفساد، والتعاون في ذلك مع كل القوى المخلصة، ودعم المسؤولين في أي موقع للقيام بذلك، وأن نعمل على: «.. أن تنشأ في قطاعات المجتمع مجموعات للصلاح، تلتزم بالإسلام كمنهج حياة وتعمل على نشره».

وكذلك دعم أي فئة من الأمة تستهدف الإصلاح والتعاون معها في ذلك، سواء من المسلمين أو من غيرهم من أبناء الوطن، أو حتى ممن لا يتبنون الشعار الإسلامي، وتاريخ الإمام الشهيد في دعوته مليء بالكثير من تلك المواقف التي تؤكد ذلك.

ولهذا تتقدم الجماعة بالنصيحة الخالصة، وببرامج ومناهج الإصلاح في شتى المجالات، وبالتعاون مع كل القوى على ما يصلح الأمة، ويحقق تقدمها واستقلالها (118).

تعاون...ولكن لا تنازل عن المشروع الإسلامي

لكن لا يظن أحد أن هذا التعاون مع الأحزاب والقوى السياسية والوطنية يجب أن يصاحبه تنازل عن أجزاء من المشروع الإسلامي وأهدافه ليرضى الآخرون بهذا التعاون، فهذا التصور أبعد ما يكون عن الفهم الصحيح لدعوة الإخوان، لأن في منهجهم ومشروعهم مجالات ومساحات مشتركة مع الآخرين حتى وإن كان هذا الاشتراك في الإلىات والوسائل وليس في البواعث والأولويات، وهذه المساحة المشتركة للتعاون فيها مع القوى الأخرى لصالح الوطن ولإصلاح حاله، مع احتفاظ كل طرف بمشروعه الخاص.

عدم الانفراد بقضايا الأمة الكبرى

ومن منهاج الإخوان: الحرص على عدم انفرادهم بشأن قضايا الأمة الكبرى ومصالحها الوطنية، بل يحرصون على مشاركة الآخرين من أبناء الأمة، فيدعون ويسعون إلى قيام التحالف بين القوى الوطنية والتيارات المختلفة لتحقيق هذه المطالب والعمل بها، مثلما حدث في عام 1948م حيث دعا الإخوان إلى إقامة تحالف وطني لمواجهة الاحتلال البريطاني لمصر، وأيضا في دعم القضية الفلسطينية ومواجهة استيلاء اليهود عليها، وتكرر هذا في العصر الحديث أكثر من مرة، فهم أمام هذا الضجيج والصخب يتميزون بمنهاجهم ويتقدمون بمشروعهم الإصلاحي، ويدعون كل القوى إلى العمل الحقيقي والتنسيق والتعاون في ذلك.

وكثيرا ما كان يقول الإمام البنا: " لسنا وحدنا قادرين.. أريد أن أتحدث إلى الجميع.. وأن اتصل بالجميع.. وأن ألم شتات الجميع.. ولأن في الناس صنف قليل نادر لكنه مبارك ميمون.. إياه أعني وأقصد.. " (119)

الاستخدام التدريجي والسلمي لوسائل الضغط الشعبي وصولا للتغيير المنشود

ترفض حركة الإخوان طوال تاريخها أسلوب العنف والإرهاب أو الجبر والإرغام، سواء مع السلطات التنفيذية أو مع الخصوم والهيئات الأخرى واحتمال الأذى واحتساب الأمر عند الله عز وجل والدفع بالوسائل السلمية.

وقد رفض الإمام الشهيد استخدام القوة وأعمال العنف بالشارع تحت مسمى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث حدث في عهده تحطيم البعض للحانات، ورأى أن هذا الأسلوب لا يقوم على فقه شرعي أو بصيرة بالواقع، و يؤدي إلى ضرر أكبر من الفائدة، ويرى أن يتبع في ذلك أسلوب الحكمة والظرف المناسب ووسائل الضغط القانونية والشعبية، مع تحليل البواعث والأسباب لوجود هذا الخلل، والسعي لعلاجها.

قال الإمام في تلك المناسبة: « ومعلوم أنه ما من غيور في مصر يتمنى أن يرى فوق أرضها حانة واحدة، وقد ألقى الإخوان تبعة هذا التحطيم على الحكومات قبل الذين فعلوه ؛ لأنها هي التي أحرجت شعبها المسلم هذا الإحراج» (120)

وسائل فعالة للضغط الشعبي:

وقد جُربت وسائل عديدة للضغط الشعبي السلمي على السلطة وآتت أكلها، منها:

1- الإضراب السياسي المعلن

الإضراب السياسي وسيلة من وسائل المقاومة السلمية لتشكيل ضغط شعبي من أجل إنجاز أهداف التغيير الذي تواثقت عليه جماهير شعبنا الأبي.

فعندما تتوقف مؤسسات الدولة والمؤسسات العامة والخاصة والهيئات الخدمية والتي تدرُ موارد للدولة، فلن تجد الجهة القائمة على السلطة أية سلطة لتمارسها، وستصبح هذه الجهة بلا سلطات، إلا إذا اختارت السلاح والقوة، مما يفقدها كل الشرعية الممكنة؛ فما من سلطة تستخدم السلاح لفرض هيبتها على الشعب المنادي بحقوقه إلا السلطة الغاشمة، ومثل هذه الأسإلىب السلطوية يمكن إبطالها بالسلمية وبوحدة الأهداف وتناغم الحراك.

أو الإضراب السياسي لا يكون مُهَدداً إلا إذا انتكست بعض الجهات وقبلت الاستمرار في العمل بتغريد منفرد (121).

2- الحركة الشعبية السلمية

وتعنى ممارسة أكبر قدر من الضغوط على السلطة الحاكمة وكشف نقائصها حتى ترضخ لمطالب التغيير، وقد كانت هذه الحركة سببا رئيسا في هزيمة الجنرال أوجستو بينوشيه الذي حكم دولة تشيلي ما يقرب من عقدين من الزمان بالحديد والنار، حيث كان تنامي الحركة الشعبية «اللاعنفية»، سببا في الهزيمة الساحقة التي لحقت به في انتخابات ديسمبر 1989، وبعد هروبه إلى بريطانيا جرى اعتقاله عقب توصيات دولية عام 1998 وتقديمه إلى المحكمة العليا في تشيلي، بتهمةِ ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

3- إيجاد نظام ديموقراطي

يقول جين شارب في كتابه "المقاومة اللاعنفية": "علينا أن نتذكر أن هدف الاستراتيجية الرئيسية في مواجهة أنظمة الحكم الديكتاتورية لا يتوقف ببساطة عند القضاء على الديكتاتورية، بل يستمر حتى يتم وضع نظام ديموقراطي، ويجعل من نشوء ديكتاتورية جديدة أمرًا مستحيلاً. يجب أن تكون أسإلىب النضال المختارة قادرة على المساهمة في تغيير توزيع قوى المجتمع المؤثرة من أجل تحقيق الأهداف المذكورة أعلاه: القضاء على الديكتاتورية، وخلق نظام ديموقراطي، مع استحالة ظهور ديكتاتورية جديدة. من المعروف أن الشعوب ومؤسسات المجتمع المدني تكون ضعيفة في ظل وجود أنظمة الحكم الديكتاتورية، وتكون الحكومة في المقابل قوية جدًا. فإذا لم يحدث تغيير في موازين القوى هذه فإنَّ الحكام الجدد يستطيعون، إنْ أرادوا، أن يكونوا حكامًا ديكتاتوريين كأسلافهم، بالتإلى يجب أن نرفض أي "ثورة داخل القصر" أو أي انقلاب ضد الحكم" (122)

4- إيجاد تعاطف خارجي

يعتبر تقييم الأدوار النسبية للمقاومة الداخلية والضغوط الخارجية من أجل تفكيك نظام الحكم الديكتاتوري جزءًا من تحضير الاستراتيجية الرئيسية. و القوة الرئيسة في النضال، يجب أن تأتي من داخل الدولة نفسها، بحيث تصبح المساعدة الدولية حاصلاً لما يحققه النضال الداخلي.

ويمكن بذل الجهود لتسخير الرأي العام العالمي، كتتمة متواضعة، ضد أنظمة الحكم الديكتاتورية بناء على أسس إنسانية وأخلاقية ودينية. ويمكن أيضًا بذل الجهود من أجل الحصول على عقوبات ديبلوماسية وسياسية واقتصادية تفرضها الحكومات والمنظمات الدولية على أنظمة الحكم الديكتاتورية. فقد تأخذ هذه العقوبات شكل فرض حصار اقتصادي، وفرض حظر على بيع الأسلحة، وخفض مستويات الاعتراف الديبلوماسي أو قطع العلاقات الديبلوماسية، ومنع المساعدات الاقتصادية، ومنع الاستثمار في الدولة التي تحكمها أنظمة حكم ديكتاتورية، بالإضافة إلى طرد ممثلي الحكومة الديكتاتورية من مختلف المنظمات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة (123).

5- وضع استراتيجية رئيسية

يعمل مخططو الاستراتيجية الرئيسية على وضع أفضل خطوط عريضة لسير النضال بعد إجراء تقييم للوضع، حيث تغطي هذه الخطوط الحاضر، وتمتد إلى التحرر في المستقبل، وإلى مؤسسات النظام الديموقراطي. وعلى هؤلاء المخططين أن يسألوا أنفسهم عددًا من الأسئلة أثناء وضع الاستراتيجية الرئيسية، حيث تشكِّل هذه الاسئلة (بشكل محدد) أنواع الاعتبارات المطلوبة لوضع استراتيجية رئيسية لنضال يستخدم أسلوب التحدي السياسي. ومن هذه الأسئلة ما يلي:

- ما هي أفضل طريقة للبدء بنضال طويل الأمد؟

- كيفية حشد الثقة الكافية بالنفس والقوة لكي يتحدى نظام الحكم الديكتاتوري ولو بشكل محدود في البداية؟

- ما هي مؤسسات المجتمع التي يمكن استعادتها من سيطرة الحكام الديكتاتوريين، أو ما هي المؤسسات التي يجب انشاؤها لتلبية احتياجات الديموقراطيين، وخلق أجواء من الديموقراطية حتى في ظل استمرار نظام الحكم الديكتاتوري؟

- كيفية تطوير القوة التنظيمية للمقاومة؟

- ما هي أنواع العمل التي تزيد في إضعاف مصادر قوة الحاكم الديكتاتوري وقطعها، وفي أية مراحل تستخدم؟

- كيفية الاستمرار في التحدي مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانضباط اللاعنفي الضروري؟

ولا بد من ملاحظة أنه لا توجد خطة استراتيجية موحدة لكل حركات التحرر ضد أنظمة الحكم الديكتاتورية، وعلى مخططي الاستراتيجية الرئيسية للنضال وفق أسلوب التحدي السياسي أن يكون لديهم فهم عميق، ليس فقط بوضع الصراع المحدد الخاص بهم، بل أيضًا بأسإلىب النضال المختارة (124).

'المصادر والمراجع:'نص غليظ

  1. "المواقع الإلكترونية للإخوان المسلمين"، موقع "معرفة، بدون تاريخ. https://cutt.us/pkCzY
  2. ابن أبى شيبة، تاريخ المدينة، باب تأديب عمر الرعية في أمر.
  3. ابن تيمية، "الفتاوى الكبرى"، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1987.
  4. أبو البقاء، أيوب بن موسى، الحسينى الكفوى، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصرى، الكليات معجم في الفروق والمصطلحات، مؤسسة الرسالة بيروت1998.
  5. أبوالحسن أحمد بن فارس بن زكريا، تحقيق عبدالسلام محمد هارون، معجم مقاييس اللغة 4/404، نشر دار الفكر، 1979.
  6. إحسان عبد القدوس، مقال في روزإلىوسف، 13 سبتمبر 1945م.
  7. أحمد بن محمد بن عماد الدين بن علي، أبو العباس، شهاب الدين، ابن الهائم، تحقيق: أحمد بن محمد بن عماد الدين بن علي، "التبيان في تفسير غريب # القرآن"، نشر دار الغرب الإسلامي – بيروت، الطبعة الأولى، 1423.
  8. أحمد عبدالرحيم السايح، منهج الإسلام في تغيير المنكر، مركز الكتاب للنشر القاهرة.
  9. الإخوان المسلمون وإحياء العمل الإغاثى – منشورات المنتدى الإسلامى العالمى للتربية..
  10. إسماعيل علي محمد، "العولمة الثقافية وموقف الإسلام منها"، دار الكلمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1421هـ.
  11. إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد عبدالسلام هارون.
  12. بحث "القوانين واللوائح الإدارية لجماعة الإخوان المسلمين (عام 1944)"، موقع "إخوان مصدر"، بدون تاريخ.
  13. برنارد لويس، العرب والتاريخ، دار العلم للملايين، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1954م.
  14. جار الله أبى القاسم محمود بن عمر الزمخشرى، "الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل"، و"عيون الأقاويل في وجوه التأويل"، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود، والشيخ على محمد معوض، نشر مكتبة العبيكان بالرياض، الطبعة الأولى، 1998.
  15. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، السنة الأولى، العدد الأول، الخميس 22 صفر 1352هـ - 15يونيو 1933م..
  16. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (34)، السنة الرابعة، 17رمضان 1355ه- 1 ديسمبر 1936م
  17. جمعة أمين، مقال "كلمات في الدعوة"، منشور على موقع "ارتقاء" عام 2016.
  18. جين شارب، من الدكتاتورية الى الديمقراطية إطار تصوري للتحرر"، مؤسسة ألبرت أينشتاين، الطبعة الثانية، 2003.
  19. جمعة أمين، موجز لدعوتنا في الإصلاح والتغيير.
  20. حسن البنا والقضية الفلسطينية، ويكيبديا الإخوان المسلمين.
  21. حسن البنا، "مذكرات الدعوة والداعية"، عرض "ويكيبديا" الإخوان المسلمين.
  22. حسن البنا، رسالة التعإلىم.
  23. حسن البنا، رسالة المؤتمر الخامس.
  24. حسن البنا، رسالة المؤتمر السادس.
  25. حسن البنا، رسالة إلى أي شيء ندعو الناس.
  26. حسن البنا، رسالة بين الأمس واليوم
  27. حسن البنا، رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.
  28. حول الإضراب السياسي المعلن، موقع تجمع المهنيين السودانيين، 25 مايو 2019. https://cutt.us/ZDsLh
  29. خالد بن عبـدالله القاسم، "العقيدة الإسلامية في دائرة المعارف الإسلامية"، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة أم القـرى.
  30. رسالة المسجد، مقال منشور على موقع "تيار الإصلاح" بتاريخ 20 ديسمبر2017
  31. السيد الحراني، "مذكرات جمال البنا"، ط 2013.
  32. صبرة أحمد نصير، "منهجيات الإصلاح والتغيير في سورة المائدة"، بحث مقدم لنيل درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية، غزة، 2015.
  33. صلاح عبد الحق، مقال "منهج الإمام البنا في التغيير والإصلاح"، موقع "المنتدى الإسلامي العالمي للتربية، 14 فبراير 2018م. http://montdatarbawy.com/show/122702
  34. عبد الرؤوف المنـاوي،"فيض القدير شرح الجامع الصغير"، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1391هـ.
  35. عبدالرحمن الميداني، غزو في الصميم، دار القلم، دمشـق، الطبعة الثانية، 1405هـ
  36. عبدالعزيز بغداد، مقال "إحياء رسالة المسجد"، مجلة دعوة الحق، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، العدد 238.
  37. عبدالكريم بكار، تجديد الوعى، رحلة إلى الذات 2، دار القلم- دمشق، والدرر الشامية- بيروت
  38. عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين، "حاجة البشر إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، الرياض دار الوطن، الطبعة الأولى، 1998.
  39. عزه مختار، مقال: "معالم منهجية التغيير عند الإمام البنا"، موقع "بصائر الفكر"، 16 أبريل 2017. https://cutt.us/A6QSX
  40. على بن نايف الشحود، "موسوعة الغزو الفكرى والثقافي وأثره على المسلمين".
  41. عمار فايد، مقال "الثوابت والمتغيرات.. حول منهج التغيير عند جماعة الإخوان المسلمين"، موقع "الإسلاميون"، 19 فبراير 2016م. https://cutt.us/LIVJM
  42. عمر سليمان الأشقر، "نحو ثقافة إسلامية أصيلة"، الطبعة الرابعة 1994.
  43. عمر عبيد حسنة، "مراجعات في الفكر والدعوة والحركة"، المكتب الإسلامي، بيروت.
  44. عمرو دراج، مقال "الإخوان المسلمون والخدمات الاجتماعية: سياسة أم تدين؟"، موقع "عربي 21"، 22 مايو 2016م. https://cutt.us/5WDcv
  45. العمل الخيري عند الإخوان وآثاره التربوية في المجتمع.- منشورات المنتدى العالمى الإسلامى للتربية.
  46. فادى شامية، "سبيل القاصد للحكم الراشد"، عرض شبكة الشفاء الإسلامية.
  47. فاروق عبدالمجيد، "مناهج العلماء في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، جدة، مكتبة دار الوفاء،1407هـ.
  48. قانون جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية, 1349هـ- 1930م, مطبعة التضامن الأخوى.
  49. القدوة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع.- منشورات المنتدى العالمى الإسلامى للتربية.
  50. كيف نحيي رسالة المسجد؟، مجلة البيان (العدد:232).
  51. مجلة العيون، السنة الثانية عشر، العدد 32، 17 رجب 1360هـ - 10 أغسطس 1941م.
  52. مجلة اللواء الجديد – العدد 46 – 12 ديسمبر 1945م
  53. مجلة النذير الأسبوعية، السنة الثانية، العدد 25، 21 جمادى الآخرة 1358هـ- 8 أغسطس 1939م.
  54. مجلة الوفد المصرى، 21 شعبان 1360هـ - 13 سبتمبر 1941م
  55. محجوب عباس، مشكلات الشباب، الحلول المطروحة والحل الإِسلامي"، مكتبة الأمير سلمان المركزية، طبعة 1406هـ.
  56. محمد بن محمد عبدالرزاق الحسينى، الملقب بمرتضى الزبيدى، تحقيق الدكتور حسين نصار، تاج العروس من جواهر القاموس،، دار الهداية عام 1969.
  57. محمد صلاح الصاوى، "منهجية التغيير بين النظرية والتطبيق"، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة 1998.
  58. محمد عبد الرحمن المرسي، ضوابط استخدام القوة عند الإمام البنا.
  59. محمد عبدالرحمن المرسي، " منهج الإصلاح.. دراسة في رسائل الإمام البنا"، ط2، 1430هـ - 2009م
  60. محمود غزلان، مقال "منهج الإخوان المسلمين في التغيير والإصلاح"، موقع "أخبارك"، نقلا عن "إخوان أونلاين"، 2011م. https://cutt.us/ZsCAu
  61. مراد هوفمان، الإسلام كبديل، مؤسسة بافاريا للنشر ومجلـة النـور الكويتية، الطبعة الأولى 1413هـ - 1993م.
  62. منهج التغيير لدى الإخوان، رابطة أدباء الشام.
  63. الموسوعة الفقهية الكويتية، الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت، 5/62، مطابع دار الصفوة القاهرة، الطبعة الأولى، بدون تاريخ.
  64. همام سعيد، "قواعد الدعوة إلى الله".
  65. يوسف القرضاوي، العبادة في الإسلام، مؤسسة الرسالة، ومنشور على موقع "تراث القرضاوي".

الوسطية والاعتدال في مدرسة الإخوان المسلمين

  • إعداد الدكتور عبد المجيد عبد الله دية أستاذ مشارك في الفقه وأصوله

المقدمة

الإخوان المسلمون جماعة إسلامية أسسها الإمام الشهيد حسن البنا وثلة من إخوانه بعد سقوط الخلافة الإسلامية لتحرير العالم الإسلامي من الاستعمار الأجنبي وإقامة دولة إسلامية، وقامت الجماعة بنشر الفكر الإسلامي المستمد من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتربية الناس عليه، ودعوتهم إلىه.

وأبرز المراجع لفكر الجماعة ومنهجها رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، حيث تضمنت أهم مفردات منهج الإخوان وعمدة نظامها الأساسي، وآراء فكرية وتنظيمية وسياسية واقتصادية ونحوها، وتزيد عن عشرين رسالة.

هذه الجماعة لها فكر وفهم وتعإلىم ونظام وقيادة وشورى وأهداف ووسائل وخصائص وغيرها، فهي بحق مدرسة. ويغلب على هذه المدرسة الوسطية والاعتدال في جوانب كثيرة، ومجالات متعددة...وسأبحث موضوع الوسطية والاعتدال في هذه المدرسة في المطالب الآتية:

المطلب الأول: معنى الوسطية والاعتدال لغة واصطلاحا وشروط استعمالها

المطلب الثاني: مجالات الوسطية والاعتدال.


المطلب الأول: معنى الوسطية والاعتدال لغة واصطلاحا

الوسطية لغة: تدور على عدة معان منها:

العدل والفضل والخيرية والنصف والتوسط بين طرفين. (لسان العرب ج15ص209_211)

الاعتدال لغة: يدور حول عدة معان منها: التوسط بين حإلىن في كم أو كيف أو تناسب، والاستقامة، والاستواء، وعدم مغالاة، والعدل وإقامة العدل، والحكم بالحق. (لسان العرب ج10ص63-64)

الوسطية اصطلاحا: العدالة والخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط، قال تعالى:

" وكذلك جعلناكم أمة وسطا" (البقرة 143)

العدل اصطلاحا: التوسط والخيرية.

فنلاحظ من هذه التعريفات اللغوية والاصطلاحية أن الوسطية والاعتدال بينهما تقاطع في المعاني كالخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط.

ولا تعني الوسطية الترخص والتنازل عن المبادئ والثوابت، بل تعني اختيار الأنسب والأحكم في الأقوال والأفعال في الزمان والمكان المناسبين.

والوسطية صفة رئيسة للأمة الإسلامية، وهي إرادة الله لهذه الأمة وقدرها، لقوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" البقرة (143).

ويذكر سيد قطب في تفسيره لهذه الآية (أمة وسطا) في التصور والاعتقاد لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس الماديّ، إنما تتبع الفطرة، الممثلة في روح متلبس بجسد، أو جسد به روح، وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد، وتعمل على ترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها، (أمة وسطا) في التفكير والشعور لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة، إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحقيقة ضالة المؤمن أنَّى وجدها أخذها في تثبت ويقين" في ظلال القرآن، ج1، ص131

ويرى المفكر الإسلامي د محمد عمارة أن هذه الوسطية لا تعني انعدام الموقف الواضح والمحدد أمام المشكلات والقضايا المشكلة، أو أن تكون وسطا بين رذيلتين، مثل: (الفضيلة إلىونانية)، ولكنها في التصور الإسلامي: موقف ثالث حقا، ولكن توسطه بين النقيضين المتقابلين لا يعني أنه منبت الصلة، بسماتهما وقسماتهما ومكوناتهما، إنه مخالف لهما ليس في كل شيء وإنما خلافه لهما، منحصر في رفضه الانحصار والانغلاق على سمات كل قطب من الأقطاب، وحدها دون غيرها.. منحصر في رفضه الإبصار لا يرى إلا قطباً واحداً، منحصراٌ في رفضه الانحياز المغإلى.

ولذلك فإن الوسطية كموقف ثالث وجديد، إنما يتمثل تميزها وتتمثل جدتها في أنها تَجْمع وتؤلف ما يمكن جمعه وتإلىفه- كنسق غير متناثر ولا مغلق- من السمات والقسمات والمكونات الموجودة في القطبين النقيضين كليهما، وهي لذلك وسطية جامعة. (مئوية الإمام البنا ص343).

والوسطية ملازمة للتيسير، وفقه الإخوان وفكرهم وسط بين التزمت والتنطع من ناحية والتسيب والتحلل من ناحية أخرى. وبعدهم عن الجمود نوع من الوسطية، فحسن البنا لم يكن جامداً، بل كان دائم التجديد والتطوير للوسائل والأسإلىب في أبنية الحركة وأنظمتها ومؤسساتها. ( أولويات الحركة الإسلامية).

المطلب الثاني: مجالات الوسطية والاعتدال

هناك مجالات متعددة للوسطية والاعتدال في مدرسة الإخوان المسلمين، منها: الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي وغيرها، وسأركز في هذه الورقة على الجانب الفكري، وسأبحثه في الفروع الآتية:

الفرع الأول: الفهم

الفهم: ركن من أركان البيعة عند جماعة الإخوان المسلمين، وجعله الإمام البنا الركن الأول، لأهمية الفهم، حيث إن مشكلة الخوارج كانت في فهمهم للإسلام، وكذلك مشكلة بعض التيارات الإسلامية اليوم.

والمقصود بالفهم هو أن يوقن المرء بأن فكرة الإخوان " إسلامية صميمة" وأن يفهم الإسلام كما يفهمه الإخوان في حدود أصول عشرين وضعها الإمام البنا. ( رسالة التعإلىم ص 356)

وبدراسة معمقة لهذه الأصول يرى الباحث أنها تمثل الوسطية في الفكر الإسلامي، ومن هذه القضايا الكبرى التي تتمثل فيها الوسطية والاعتدال؛ شمول الدين الإسلامي، والموقف من الخواطر والرؤى، والموقف من البدعة، والموقف من تحديد هوية الأمة والتكفير وغيرها.

إن فكر البنا وفهمه للإسلام وما أضيف إلىه من اجتهادات تجديدية من علماء الدعوة وقادتها يمثل الوسطية الحقيقية البعيدة عن الغلو. حيث تخرجت في هذه المدرسة وعلى أيدي دعاتها أجيالاً فهمت الإسلام الفهم الصحيح كما فهمه سلفنا الصالح من لدن صحابة رسول الله رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا. إن هذا الفهم هو ما اتفق عليه الإخوان في أدبياتهم ومناهجهم الفكرية وكتبهم المعتمدة وفي مقدمتها رسائل الشهيد حسن البنا، وهذا الفهم واضح كالشمس في كبد النهار، وهو ما تعلمناه وتحركنا به في الناس منذ عشرات السنين.

وبهذا الفهم فإن منهج الخطاب لهذه المدرسة يقوم على محورين:

ثابت: هو ما يتعلق بالجانب العقدي والفهم الصحيح للإسلام.

ومتغير: ما يناسب العصر والمستجدات من وسائل وأسإلىب.

إن هذا الفهم الصحيح بأصوله حفظ للدعوة ومدرستها حضورَها واستمرارَها ونموها بالرغم مما تعرضت له من ظلم واضطهاد، وكثرة السهام التي وجهت لها.

ورحم الله الشافعي حيث قال: " إذا أردت أن تعرف أهل الحق فانظر إلى سهام أهل الباطل".

الفرع الثاني: الخلافات الدينية والآراء المذهبية

وقف الإخوان من الاختلاف في الاجتهاد والآراء الفقهية موقفا عادلا وسطيا لا غلو فيه، ينسجم مع مبادئ الإسلام العامة، ومقاصد الشريعة، ومنطق الأشياء وواقع الحال عند الناس جميعا.

وعدَّ الإمام البنا – رضي الله عنه – في رسالة بين الأمس واليوم، الخلافات الدينية والمذهبية من عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية. فالخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى ألفاظ ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة، وإهمال كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والجمود والتعصب للآراء والأقوال، والولع بالجدل والمناظرات والمراء، كل ذلك مما حذر منه الإسلام، ونهى عنه أشد النهي.

وأكد الإخوان المبادئ الآتية في التعامل مع الخلاف:

  1. الوحدة لا الفرقة.
  2. الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه، وضرورة؛ لاختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه، وسعة العلم وضيقه، واختلاف البيئات والروايات وتقدير الدلالات (رسالة دعوتنا) ص 32.
  3. الإجماع على أمر من فروع الدين مستحيل، مما جعل الدين ميسراً هيناً لا جمود فيه ولا تشديد، ويؤكد الإمام الشهيد هنا على خاصية التعددية الفكرية، والتي تستند في جوهرها إلى النص القرآني الذي يبرز لها أصولا متعددة في وجه القائلين بالأحادية الفكرية التي نهى عنها الكتاب الكريم ونفاها باعتبارها (أي الواحدية) تخص الله وحده ولا تخص أيا من مخلوقاته، والإمام بذلك يسهم في إرساء أصول إسلامية للتعددية الفكرية في المجتمع الإسلامي، والتي هي الوجه الحقيقي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، ومنهج الإمام في ذلك يعتمد في جوهره على الأصول القرآنية، التي تؤصل لمفهوم التعددية بوجه عام. ومن هذه الأصول: أصل التنوع والاختلاف، وأصل الحرية، وأصل الحوار. (بحوث مؤتمر مئوية الإمام البنا، الإمام الشهيد والتقريب بين المذاهب الإسلامية، ص 245-247).
  4. هذا الخلاف لا يكون حائلاً دون ارتباط القلوب والتعاون على الخير.
  5. الإخوان يكرهون التعصب للرأي، ويحاولون الوصول إلى الحق، ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب. ( رسالة دعوتنا ص25-27).

وإن الاختلاف ما دام يعتمد على أسس معرفية، ومنهجيات قائمة عند العلماء، وأصول مستقرة عند فقهاء السلف، ولا تؤدي إلى العنف والاقتتال، هو خلاف سنني لم يخل التاريخ منه حتى في عصر صحابة الرسول- عليه السلام- وهو بين أظهرهم. وهذا الموقف من الخلاف في الفروع الفقهية، وكذلك الاجتهاد في فروع العقيدة يؤكد أن الإخوان ليسوا مذهبا فقهيا ولا مدرسة عقدية.

الفرع الثالث: الشمول

إن دعوة الإخوان ترى أن مهمة المسلم في هذه الحياة هي عبادة الله وفعل الخير والجهاد في سبيل الله. فمهمته هي العبادة بمعناها الشامل لكل ما يحبه الله ويرضى من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ومنها: إصلاح القلوب والأفراد والمجتمعات وتحصيل القوة الروحية والمادية، وإصلاح القانون، ومظاهر الاجتماع والتعليم ونحوه (إلى أي شيء ندعو الناس ص (41-50).

فبعض المسلمين والجماعات يركزون على العبادة والذكر فقط، وبعضهم على العلم والفكر فقط، وبعضهم على العمل الخيري فقط، وبعضهم على العمل السياسي فقط، وبعضهم على العمل الدعوي فقط.

ولكن مدرسة الإخوان تشمل ذلك كله، وهذا الشمول هو ما يوجهنا إلىه الإسلام ذاته، حيث إن هذا الدين يشمل كل ما يحتاجه الإنسان عن الحياة والنفس والكون. وهذا ما يحقق الخير للبشرية بعيدا عن الغلو في جانب واحد على حساب الجوانب الأخرى، فتضخيم جانب على جوانب أخرى تطرف وغلو.

ولذلك جاء في رسالة بين الأمس واليوم ما يوضح هذه الأفكار وهذا الشمول وهذه الوسطية. حيث يقول الإمام: " أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزبا سياسيا، ولا هيئة موضعية الأغراض محدودة المقاصد. ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة، فيحييه بالقرآن، إذا قيل لكم إلام تدعون، فقولوا ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم هذه سياسة! فقولوا هذا هو الإسلام، ونحن لا نعرف هذه الأقسام. (رسالة بين الأمس واليوم، ص 110)

وقد مارس الإخوان هذا الشمول عمليا، حيث يقوم الإخوان بعمل الخير في كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية ونحوه. فهم يبنون دار العبادة والمعهد التعليمي، ودار الصناعة ولجان المصالحة والصدقات والوعظ، والعمل التطوعي والوسيلة الإعلامية والمستشفيات والجامعات والمدارس ونحوها. (رسالة هل نحن قوم عمليون؟ ص 64-66).

وهذا العمل والشمول واضح جلي في مدرسة الإخوان المسلمين على وجه هذه الأرض.

فالإسلام – في مدرسة الإخوان المسلمين – عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف. والقرآن الكريم ينطق بذلك كله ويعتبره من لب الإسلام ومن صميمه ويوصي بالإحسان في جميعه، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا" (القصص: 77 ). ( رسالة المؤتمر الخامس ص 119).

الفرع الرابع: المنهج الإصلاحي

كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكرَ الإصلاحية، وتستطيع القول: إن الإخوان المسلمين:

  1. دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.
  2. وهو طريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
  3. وحقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس ونقاء القلب.
  4. وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل، وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية، بغيرها من الأمم في الخارج.
  5. وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بجسومهم ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
  6. ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة، على كل مسلم ومسلمة، ولأن أندية الإخوان هي في الواقع مدارس للتعليم والتثقيف، ومعاهد لتربية الجسم والعقل والروح.
  7. وشركة اقتصادية، لأن الإسلام يعني بتدبير المال وكسبه من وجهه.
  8. وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها، وشفاء الأمة منها. (رسالة المؤتمر الخامس ص121-123).

هذا الشمول في المعاني الإصلاحية هو أحد معاني الوسطية والاعتدال؛ لأن التركيز على جانب من جوانب الإصلاح في الإسلام وإهمال الجوانب الأخرى غلو وتطرف وتشوه، ولأن الشمول والتكامل في المعاني الإصلاحية هو ما يحقق مصالح العباد الضرورية والحاجية والتحسينية. وإلا فإن التركيز على جانب دون الجوانب الأخرى، أو إهمال بعض الجوانب يؤدي إلى إلحاق الحرج والمشقة بالناس وهذا أمر مرفوض في الشريعة...

الفرع الخامس: الوسطية في العقيدة

وقف الإمام حسن البنا موقفا وسطا معتدلا من قضية آيات وأحاديث الصفات، حيث انقسم الناس في هذه المسألة على أربع فرق:

  1. فرقة أخذت بظواهرها كما هي، فنسبت إلى الله وجها كوجوه الخلق وهؤلاء هم المجسمة والمشبهة، وليسوا من الإسلام في شيء.
  2. فرقة عطلت معاني هذه الألفاظ على أي وجه، فالله تبارك وتعالى عندهم لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر، وهؤلاء هم المعطلة، ويطلق عليهم بعض العلماء (الجهمية)، ويرى الإمام البنا أن هذين رأيين باطلين، وهناك رأيان، هما محل أنظار العلماء في العقائد، وهما رأي السلف ورأي الخلف.
  3. أما السلف فقالوا: نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت، ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى، مع اعتقادهم بتنزيه الله تبارك وتعالى عن المشابهة لخلقه.
  4. أما الخلف، فقد قالوا: إننا نقطع بأن معاني ألفاظ هذه الآيات وهذه الأحاديث لا يراد بها ظواهرُها، وعلى ذلك فهي مجازات لا مانع من تأويلها، فأخذوا يؤولون الوجه بالذات، وإلىد بالقدرة وما إلى ذلك؛ هربا من شبهة التشبيه.

وقد رجح الإمام مذهب السلف في قوله:(ونحن نعتقد أن رأي السلف من السكوت، وتفويض علم هذه المعاني إلى الله سبحانه وتعالى، أسلم وأولى بالاتباع، حسما لمادة التأويل والتعطيل، ونعتقد إلى جانب هذا أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق، ولا تستدعي هذا النزاع بينهم وبين غيرهم قديما وحديثا، وصدر الإسلام أوسع من هذا كله.

وخلاصة البحث في هذه المسألة، أن السلف والخلف قد اتفقا على أن المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق، هو تأويل في الجملة، واتفقا كذلك على أن كل تأويل يصطدم بالأصول الشرعية غير جائز، فانحصر الخلاف في تأويل الألفاظ بما يجوز في الشرع، وهو هين كما ترى، وأمر لجأ إلىه بعض السلف أنفسهم. ( رسالة العقائد ص 411-418)

وقد وقف الإمام موقفا معتدلا من الأولياء فقال في الأصل الثالث عشر:" ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى، والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى:" الذين آمنوا وكانوا يتقون"، والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية، مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم.

وكان – رحمه الله – حريصا على تحقيق التوحيد ومحاربة الشرك بكل أنواعه، حيث قال في الأصل الرابع عشر: " وزيارة القبور أيا كانت، سنة مشروعة بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بالمقبورين أيا كانوا ونداءهم بذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد، والنذر لهم، وتشييد القبور، وسترها وإضاءتها، والتمسح بها، والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذريعة"، وكذلك حارب إتيان الكهنة والعرافين وتصديقهم، حيث قال في الأصل الرابع: " والتمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب وكل ما كان من هذا الباب، منكر تجب محاربته إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة".(رسالة التعإلىم ص 358)

ونلاحظ أن الإمام قد اهتمّ ببيان الحق قبل فضح الباطل، وهذا أدعى لقبول الناس للمعروف الذي يقدمه.

الفرع السادس: النظرة إلى المجتمع وتحديد هويته

من دلائل الاعتدال والتوازن في تربية الإخوان، كما فهمها حسن البنا ونفذها، نظرته إلى المجتمع وعلاقة الإخوان به، فهي نظرة وسطية معتدلة، فليس مجتمعا خالص الإسلام كامل الإيمان كما يتوهم السطحيون من الناس. فلا شك أن المجتمع في كافة بلاد المسلمين يعاني أمراضا خطيرة عقدية وفكرية وخلقية واجتماعية، ويعاني أيضا من الفساد في كل شيء ومن الاستبداد، ورغم هذا الانحراف والفساد، الشائع في المجتمع، ورغم هذا الاستبداد لم يذهب حسن البنا يوما إلى القول أنه مجتمع كافر، فما زالت شعائر الإسلام تقام في هذا المجتمع، وما زال جمهور الناس مؤمنين بربهم ونبيهم وقرآنهم.

وقد كان حسن البنا يربي أفراده على الاحتراز من خطيئة التكفير للمسلمين، والوقوع فيما وقع فيه الخوارج من قبل، حيث كفروا من عداهم من المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم، حتى كان من سماتهم البارزة: أنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان.

والأصل الأخير من أصوله العشرين يقول في صراحة ووضوح" لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما، وأدى الفرائض- برأي أو معصية- إلا أن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أسإلىب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر". ( رسالة التعإلىم ص359).

الفرع السابع: فكر الإخوان واستخدام القوة والعنف

غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل من المؤمنين بتعإلىم الإسلام الصحيح يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) (البقرة: 138).

ووسيلتهم في ذلك تربية أنصار للدعوة على هذه التعإلىم ويبدأون بالفرد المسلم الذي هو أداة التغيير عندهم، ثم الأسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم، وهذا كله لا يتحقق بسيف ولا برمح ولا بقنبلة، ولكن يتحقق بتربية طويلة المدى عميقة الأثر، وهذا هو نهج الرسول _صلى الله عليه وسلم _ في الدعوة الى الله، فلا مكان للعنف عندهم في مجال الدعوة. (منهج التغيير عند الإمام البنا) (ص195).

فالإخوان لا يكرهون أحدا على الإسلام، ولا يجوز لهم ذلك، استجابة لأمر الله _عز وجل _ الذي يقول:(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة 256)

والإخوان يرون أن الإسلام يفتح القلوب والعقول، ويدعو الناس بالإقناع، وأكثر الأمم التي دانت للإسلام لم يحدث فيها قتال.

وأما موقفهم من استخدام القوة، فقد أجاب البنا عن ذلك في وضوح وجلاء، فبين: أن القوة شعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" رواه مسلم في كتاب القدر(2664). وأن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والإرتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح.

هذه نظرة، ونظرة أخرى: هل أوصى الإسلام ـ والقوة شعاره ـ باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال؟ أم حدد لذلك حدودا، واشترط شروطا، ووجه القوة توجيها محددا؟

ونظرة ثالثة: هل تكون القوة أول العلاج أم إن آخر الدواء الكي؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج القوة النافعة ونتائجها الضارة؟ ثم بعد ذلك يقول البنا: إن الإخوان سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها. ( رسالة المؤتمر الخامس ص 134ـ 136).

ويعلق القرضاوي على ذلك بقوله:" هذه القوة التي أشار إليها الإمام الشهيد، ليست هي الإغتيال السياسي، ولا قتل المدنيين، ولا تدمير المنشآت، ولعل المقصود هنا أن تقوم القوات المسلحة بذلك، حين يقتنع رجالها بالفكرة الإسلامية ". ( الإخوان المسلمون سبعون عاما في الدعوة والتربية والجهاد ص121).

فالحركة لا تفكر باستخدام القوة إلا في ظروف استثنائية، وأماكن محدودة لا يكون أمامها خيار، مثل ما حدث في فلسطين لمقاومة المحتل، والقناة لمقاومة المستعمر، وهذا لون من الجهاد مطلوب،وأما شعار "الجهاد سبيلنا" فليس جهادا من غير ضوابط في كل اتجاه، فالجهاد أولاً المقصود منه ضد الاستعمار الأجنبي، او ضد المعتدي الذي يريد استنصال الإسلام، أو حين يحال بين المسلمين وبين دينهم، ويحكم ذلك قواعد شرعية، وضوابط فقهية.

هذا هو منهج الإخوان وموقفهم من العنف والقوة، وأدلتهم على ذلك كثيرة منها:

1. الإسلام واجه الغلو في كتاب الله وسنة رسوله.

2. يعتقد الإخوان أنهم جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين.

3. موقف الإخوان من قضية التكفير كما ذكرت سابقا. وقد ذكر عمر التلمساني أن سيد قطب في ظلال القرآن ومعالم في الطريق كان شديد النقمة على الظلم والظالمين ووصفه للمجتمع بأنه جاهلي، لم يقصد بذلك تكفير المجتمع أو الناس. (ذكريات لا مذكرات ص28)

وقد ذكر الأستاذ مصطفي مشهور لي بأنه التقى مع سيد قطب في السجن واستوضح عن موضوع التكفير فدعا سيد شخصا في السجن قد ارتكب كثيرا من الجرائم والكبائر فقال سيد: هذا شخص لا نكفره وقد ارتكب هذه الجرائم كلها فكيف نكفر المسلمين؟!.

4. موقف الإخوان من التيارات الإسلامية حيث يدعون إلى الالتقاء والتقارب والعمل المشترك والتعاون فيما اتفقوا عليه، وأن يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه.


5. يعمل الإخوان على التعاون مع الأحزاب غير الإسلامية، من قومية ويسارية وعَلمانية لما فيه مصلحة الأمة والوطن. وحصل هذا كثيراً وآخرها في الأردن حيث ترشح على قوائمهم في التحالف الوطني للإصلاح قوميون ومستقلون وحتى غير المسلمين وكذلك في النقابات المهنية.

6. نظرتهم الوسطية في تعاملهم مع الحكومات والأنظمة، والتزامهم بدساتير البلاد التي يعيشون فيها، ويسعون لإصلاحها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. حيث يعتقد الإخوان أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظاما آخر. (رسالة المؤتمر الخامس ص138).

وكان البنا يتواصل مع الرؤساء والحكام للحوار والتناصح، ويرسل الرسائل التي يبين لهم فيها أن تطبيقهم لشرع الله يضمن تبادل الثقة بينهم وبين شعوبهم. (الملهم الموهوب ص46).

7. موقف الإخوان من إخوانهم المسيحيين غير المحاربين يقوم على البر والقسط، لقوله تعالى:" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إلىهم إن الله يحب المقسطين" (الممتحنة: 8 ).

وأما ما حصل من بعض التجارب_ مما له علاقة بالعنف_ كالتجربة السورية مثلا، فقد استخدمت القوة لوجود مبررات منها الدفاع عن أنفسهم وأطفالهم وأعراضهم، ووجود إطار شامل، ووجود إجماع وطني، وبعد بيان زمان استخدامها، والجهة التي توجه إليها القوة، فالقوة تستخدم في ظرف ما ومكان ما وبشروط وضوابط محددة، والدراسة والموازنة بين المنافع والمضار.

وفي الختام، فهذا هو فهم الإخوان للإسلام وفقههم وفكرهم ومنهاجهم الإصلاحي الوسطي... حيث لقي هذا الفكر الوسطي قبولا في الأرض عند المسلمين وغيرهم، وقد أثنى كثير من مشايخ السلفية على هذه الجماعة وعلى بعض كتبها التي هي من مناهج الإخوان، حيث قال عبد العزيز بن باز: " الإخوان المسلمون وأنصار السنة كلاهما من الدعاة إلى الله، وكلاهما نرجو لهما الخير. (برنامج نور على الدرب).

وقد ذكر الشيخ الألباني ذلك: " الإخوان المسلمون ليسوا من الفرق الضالة". ومن أشهر كتب العقيدة عند الإخوان، كتاب (الإيمان) لمحمد نعيم ياسين و(العقيدة في الله) لعمر سليمان الأشقر، وفي الفقه (فقه السنة) للشيخ سيد سابق، وقد قدم الشيخ أحمد عبدالرحمن البنا خدمة جليلة لمسند الإمام أحمد أكبر دواوين السنة في كتابه: ( الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني)، حيث أثنى كثير من مشايخ السلف على هذه الكتب، وغيرها من مناهج الإخوان المسلمين، ولابد أن أؤكد أن مناهج العقيدة وأن العناية بالسنة النبوية وقبل ذلك دراسة القرآن الكريم، وتفاسيره، من كتب السلف، كل ذلك جزء لا يتجزأ من منهاج الإخوان المسلمين

المراجع

  1. القرآن الكريم
  2. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق
  3. صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري
  4. مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، حسن البنا، ط 3، 1404ه، 1984م
  5. بحوث مؤتمر مئوية الإمام البنا / المشروع الإصلاحي للإمام حسن البنا، مجموعة مشاركين، مركز الإعلام العربي، الهرم، الجيزة، مصر، ط2، 1429ه _ 2008 م
  6. ذكريات لا مذكرات، عمر التلمساني، دار الطباعة والنشر الإسلامية، السيدة زينب، القاهرة
  7. الدعوة قواعد وأصول، جمعة أمين عبد العزيز، دار الدعوة، الإسكندرية، ط2، 1409ه / 1989م
  8. الملهم الموهوب حسن البنا، عمر التلمساني، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة
  9. أولويات الحركة الإسلامية، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة بيروت، ط 12، 1411ه / 1991م
  10. الإخوان المسلمون، 70 عاما في الدعوة والتربية والجهاد، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة – القاهرة، ط1، 1430ه/ 1999م
  11. منهاج التغيير عند الإمام حسن البنا، جمعة أمين عبد العزيز، دار الدعوة، ط2، 1423ه/ 2002م
  12. مع العقيدة والحركة والمنهج، علي عبدالحليم محمود، دار الوفاء للطباعة والنشر المنصورة، ط2
  13. برنامج نور على الدرب، عبد العزيز بن باز
  14. لسان العرب، جمال الدين محمد بن مكرم ( ابن منظور)، دار صادر، سنة 2003م

أهمية العمل الجماعي ومشروعيته

ملخص البحث

سنتطرق في هذا المبحث بإيجاز شديد إلى بعض المفاصل والمعاني التأصيلية الدالة على أهمية وأصالة العمل الجماعي في الدعوة إلى الله تعالى، مركزين في ذلك على بيان مفهومه ومشروعيته، ومظهرين لضوابطه وبعض تحدياته المهددة لبقائه واستمرار عطائه، كما سنتطرق إلى بعض مواقف العلماء من دعوة جماعة الإخوان المسلمين، وما تميزت به باعتبارها أكبر أنموذج حديث للعمل الجماعي المنظم الذي حاول أن يترسّم في مساره خطوات النبي صلى الله عليه وسلم في العمل الدعوي.

فكما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته بتإلىف الأصحاب على الفكرة والرسالة، وطلب الأنصار والأعوان من القبائل، حتى شكل منهم جماعة متآخية، تحت قيادة واحدة، لتحقيق غاية كبرى، فكذلك حاولت هذه الجماعة جمع الأنصار حول فكرة الدعوة ومشروع نهضة الأمة، فأنشأت تنظيما سعت من خلاله إلى تحريك شعوب الأمة الإسلامية نحو التحرر والوحدة.

وقد جعل الإمام البنا مؤسس هذه الجماعة ركن العمل من الأركان الأساسية في ميثاق جماعته، حتى أصبح الجمع بين فكرة الدعوة وفكرة العمل الجماعي من أهم ما يميز جماعة الإخوان المسلمين عن غيرها من الدعوات، وقد أفادها ذلك إقبالا وانتشارا في أرجاء المعمورة، حتى لا يكاد يوجد اليوم عمل في بلد من البلدان إلا ولجماعة الإخوان المسلمين فيه نصيب وسهم.

ولعل هذه الميزة هي سبب مناصبة خصوم الجماعة العداء لها، فقد انتبهوا أن فكرة العمل الجماعي قد ساهمت في استمرار هذه الجماعة وانتشارها بين الناس في العالم الإسلامي وبين أقليات المسلمين خارجه، فلذلك راهنوا على فك الارتباط بين فكرة مشروعها وبين فكرة التنظيم الذي هو ميثاق العمل الجماعي فيها.

أولا: مفهوم العمل الجماعي وحقيقته

مقصودنا من العمل الجماعي في هذا البحث هو العمل المنظم، الذي يشتمل على أهداف ووسائل وأسإلىب وبرامج، لا تتحقق إلا من خلال أمة من الناس تتكاتف جهودهم وخبراتهم وكفاءاتهم وقدراتهم.

فالعمل الجماعي لن يحُوزَ وصفَ الجماعية إلا إذا تحددت له الغاية الواضحة والمنهج المسلوك، وتوافرت بين أعضائه علاقة الأخوة والترابط الذي يجعل منهم الصف الواحد المتماسك.

والعمل الجماعي المنظم وهو ثمرة للفهم الصحيح لهذا الدين، والإخلاص له، ولا بد لكل عمل مثمر من تنظيم، فلا يكفي أن يكون جماعيًّا حتى يكون مُنظمًا، بل لا يكون جماعيًّا حقيقة إلا بتنظيم؛ والتنظيم يعني وجود قيادة مسئولة، وجندية مطيعة، ونظام يضبط العلاقات، ويحدد المسئوليات والواجبات، ويبين الأهداف والوسائل.

ولقد نشأ العمل الجماعي لجماعة الإخوان المسلمين وفق أهداف محددة ووسائل وأسإلىب محددة، غايتها نصرة الإسلام والدعوة إلىه، والعمل على استئناف الحياة الإسلامية من جديد.

يقول الإمام البنا رحمه الله: «والوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة: الإيمان العميق، التكوين الدقيق، العمل المتواصل. وتلك هي وسائلكم العامة أيها الإخوان فآمنوا بفكرتكم وتجمعوا حولها واعملوا لها واثبتوا عليها». (125)

فالدعوة إلى الله بحاجة ماسة إلى هذا النوع من الأعمال الجماعية المنظمة التي ترسم أهداف الدعوة البعيدة والقريبة، وتحدد وسائلها وأسإلىبها وتنظم جهود دعاتها وتوزع أدوارهم أحسن توزيع بحسب الكفاءات والقدرات، ووفق تخطيط دقيق، ووعي عميق، وأفق بعيد شامل، تتكاتف فيه الجهود والخبرات، فتحصل النتائج والثمرات.

فإن قال قائل أنا أدعو إلى الله بمفردي وطاقتي الخاصة، فهو كمن يقول على لسان المعلم أنا أعلم وحدي، وعلى لسان الطبيب أنا أطبب وحدي، وعلى لسان المهندس أنا أهندس وحدي، وكذا سائر المهن، فإنها جميعا في الدول تنتظمها وزارات ونقابات وتكتلات، تنظم شأنها، وتضع لها القوانين، وتسن لها الأنظمة، وتوجهها وتشرف عليها، كي تحقق أهدافها، وتؤتي أكلها.

ثانيا: أصالة العمل الجماعي المنظم ومشروعيته

ولما كانت مقاصد الإسلام تهدف إلى تحقيق العبودية لله وحده، وتحكيم شرعه، والتمكين للمؤمنين في الأرض، ونشر الخير بين الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صار من أهم لوازم تحقيق ذلك أن يكون في الأمة عمل جماعي تلتقي فيه الكفاءات والجهود والخبرات المختلفة، لتحقيق هذه الأهداف الكبرى، فالإنسان وحده ضعيف، وهو قوي بأخيه الإنسان، وهذه سنة من سنن التسخير التي أجراها الله في خلقه.

ومن نافلة القول هنا أن نقول: إن الله تعالى قد فطر الخلائق كلها على العمل في جماعات لقضاء حوائجها، وجعلها في مجتمعات متكاتفة، كمجتمعات النمل والنحل وسائر المخلوقات، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: 38]. وكذا البشرية منذ بدء الخليقة، مؤمنها وكافرها، يجتمع بعضهم مع بعض لتحقيق غايات يتفقون عليها، وما إنشاء المؤسسات في هذا العصر، وكذا الشركات والجمعيات، وغيرها من التجمعات إلا مثالا واضحا لهذه الحقيقة، فكذلك العمل الجماعي للدعوة إلى الله فليس هو بدعا من هذه التجمعات.

وقد نبهنا القرآن الكريم أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض في مواجهة ولاية الكافرين بعضهم لبعض. فهذه الولاية لا يخلو شيء منها من العمل الجماعي، فالهجرة والنصرة والجهاد في سبيل الله كلها أعمال جماعية منظمة، بل الصلاة والزكاة والحج هي أيضا أعمال جماعية، وقد انصبغت حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أول بعثته إلى يوم وفاته بالعمل الجماعي، بل لقد شدد الوصية عليه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وهو ما انتهجه الخلفاء الراشدون من بعده في تنظيم شؤون الدولة في شتى مرافقها. فكل ذلك من دلائل أصالة العمل الجماعي، وانطلاقا من هذه الأصالة قامت جميع حركات الإصلاح عبر التاريخ الإسلامي. ويمكننا أيضا أن نتلمس أصالة العمل الجماعي المنظم من تعليقات أمثال الحافظ ابن حجر على حديث«لا يَزالُ طائفةٌ من أُمَّتي ظاهرِين، حتَّى يأتيَهم أمرُ الله وهم ظاهِرونَ» (126).

فقد قال فيه: (يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض منه دون بعض) (127)

ومثله قول شيخ الاسلام ابن تيمية (.. وأما "رأس الحزب" فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزبا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق والباطل: فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان) (128).

ثالثا: حكم العمل الجماعي وأدلته

ومن خلال ما سبق ذكره ولتضافر الأدلة التي سنذكر بعضها، نقول: إن العمل الجماعي لاستئناف الحياة الإسلامية واجب شرعي على المسلمين في شتى بقاع الأرض. وعلى كل مسلم أن يختار بصدق وتحرٍّ من بين الجماعات العاملة للإسلام جماعة يقتنع برسالتها وأهدافها، فينخرط في صفوفها للعمل للإسلام، ونحن لا نقول ولا ندعي أن جماعة الإخوان المسلمين هي وحدها على الساحة، ففي العالم الإسلامي جماعات كثيرة على خير.

يقول العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في معرض رده على الذين يشككون في وجوب العمل الجماعي:

(( بل الصـواب أن تكـوين هذه الجماعات مما توجـبه نصـوص الشرع العامـة، وقواعـده الكلية. فالله تعالى يقول: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2)، ويقول: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا). (آل عمران: 103).)) (129)

والقاعدة الفقهية تنص على أن: "ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب" ومن المؤكد أن خدمة الإسلام في هذا العصر، والمحافظة على كيان أمته، والعمل لإقامة دولته، لا يمكن أن يتم بجهود فردية متناثرة هنا وهناك، بل لابد من عمل جماعي يضم القوى المتشتتة، والجهود المبعثرة والطاقات المعطلة، ويجند الجميع في صف منتظم، يعرف هدفه، ويحدد طريقه.

ويدعم هذا المعنى أيضا كون القوى المعادية للإسلام لا تعمل متفرقة، بل تتحرك بتخطيط وكيد مؤسسي، وتمتلك أضخم أنواع القوة المادية والبشرية ولسان حالهم يقول ﴿ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: 64]، قال الرازي (( والمعنى ثم ائتوا مصطفين مجتمعين لكي يكون أنظم لأمركم وأشد لهيبتكم وهذا قول عامة المفسرين)) (130).

فكيف يتأتى لنا اليوم مواجهتها ونحن فـرادى متفرقون، فالمعركـة تقتضي رص الصفوف كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الذينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ (الصف:4) قال الشيخ الطاهر بن عاشور «فالصف هنا: كناية عن الانتظام..» (131).ومن هذا المنطلق تخرج نصيحة أبي بكر الصديق لخالد بن الوليد رضي الله عنهما حين قال له: (حاربهم بمثل ما يُحاربونك به؛ السيف بالسيف، والرمح بالرمح، والنَّبْل بالنبل) (132).

إن العمل الجماعي لنصرة الإسلام، وتحرير أرضه، وتوحيد أمته، وإعلاء كلمته فريضة وضرورة؛ فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع، والعمل الجماعي يقتضي اليوم تكوين الجماعات والأحزاب التي تقوم بهذا الواجب.

وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجوب مقتضيات العمل الجماعي في السفر حين قال: «‏إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ » (133) فكيف لا يكون ذلك في الدعوة إلى الله وهي أهم وأعظم ؟ وقد علق شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الحديث فقال ((فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة.. فالواجب اتخاذ الإمارة دينا وقربة إلى الله، فإن التقرب إلىه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات)) (134).

والنصوص الشرعية التي تُوجب لزوم الجماعة كثيرة منها قوله النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) (135)، وقوله: ((يد الله مع الجماعة)) (136)،وقوله: ((من خلع يدًا من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له)) (137).وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بطاعة)) (138)، فهذه النصوص وغيرها توجب علينا تجميع الجهود الفردية في تجمع واحد منظم، وتجنيد المسلمين لحماية الإسلام.

إن جذور تأصيل العمل الجماعي في الإسلام لا تحتاج إلى إطالة النَفَس في إقامة الدليل فقد تكاثرت أقوال العلماء القدامى والمحدثين بما يدل على شرعيته فسوغوا لأجل ذلك إنشاء الجماعات بنظام خاص لغرض صالح صحيح وتسامحوا في اصطلاحاتها التي يعتقد البعض أنها محدثة.

رابعا: موقف العلماء من العمل الجماعي الذي أقامه الإخوان المسلمون

يقول العلامة محمد عبد الله الخطيب أحد علماء الأزهر الشريف:

(( يوجد على الساحةِ الإسلامية الواسعة مئات الجماعات الإسلامية، بعضها يهتم بجانب من جوانبِ العمل الإسلامي في قطرٍ من الأقطار، وبعضها يهتم بقضية إسلامية محددة، وبعضها عالمي يهتم بالقضايا الإسلامية في كل مكانٍ مثل جماعة الإخوان المسلمين التي نشأت في مصر أواخر العشرينيات، والجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية في أوائل الأربعينيات، شعارها: "جنسية المسلم عقيدته،و كل أرض المسلمين وطنه"، ولقد جاء قيام جماعة الإخوان المسلمين قدرًا مقدورًا، وكانت الاستجابة المقدرة للتحدي الصهيوني والصليبي والمادي والإلحادي، الذي ينذر بدمار العالم، ليس العالم الإسلامي وحده، ولكن العالم أجمع، ولم يكن سقوط دولة الخلافة الإسلامية - على يد كمال أتاتورك- هو بداية التحدي، لكنه كان نقطة تحول فاصلة، في ميزان القوى بين الإسلام وبين أعدائه، لصالح أعداء الإسلام، ولم يكن ممكنًا التخلي عن الاستجابة لمواجهة التحدي، الذي فرض على الأمة الإسلامية، ويوشك أن يدمِّرَها ويدمرَ العالمَ كله معها، فكان إلهام الحق سبحانه للإمام البنا- رحمه الله- أن يؤسِّس جماعة الإخوان، التي حملت الرسالة بشمولها وكمالها، ووقفت للاستعمار في كل مكان، وجاهدت بالنفس والمال.)) (139)

يقول الأستاذ محمد أحمد الراشد:

(( وعلى هذا ينبغي على المسلم الذي يريد خدمة الإسلام خدمةً مؤثرةً ويعمل على إقامة أحكام الله وتنفيذِها، أن ينضمَّ إلى جماعة الإخوان المسلمين، فتزيد قوتُهم ويكثُر عدُدهم ويَقرُب يوم النصر القادم بإذن الله.

أما القعود والانفراد بمعزل عنهم فتأخيرٌ ليوم النصر وتقصيرٌ لا نجد له مبررا، وتركٌ للعاملين وحدهم في الميدان وإيثارٌ للكسل والراحة مع تفويتٍ للأجر وتقصيرٍ في أداء واجب الجهاد بمعناه العام، فإن رأى المسلم العمل مع غير الإخوان جاز له ذلك، بشرط أن يسالمهم ولا يؤذيهم بقول أو فعل.

أمّا الصدُّ عن الإخوان وتنفيرُ الناس عنهم فهو صدٌ عن سبيل الله وإثمٌ كبيرٌ جدا قد يسوّدُ صحيفة المسلم وقد يكون هذا منه قرينة على اسوداد قلبه وانتكاسه، نعوذ بالله من الخذلان.

إن تنفير الناس عن الإخوان بأي أسلوب كان، سواء كان بذمهم أو الافتراء عليهم أو بنهش أعراضهم، أو برميهم بالنعوت الباطلة أو بإلقاء الشُبه عليهم، أمارةٌ لا تُخطئ بأن مرتكب ذلك من الصّادين عن سبيل الله، ذلك أن الذي يرى الإخوان المسلمين – كجماعة إسلامية كبرى- ولا يراها أهلا للتأييد، لا يمكن أن يبصر أنوار الحق ولا يميز بين أولياء الله وأولياء الشيطان، ونحن في هذا القول لا ندعى العصمة لجماعة الإخوان ولا نزكيهم على الله، ولكن نُصرُّ على أنها جماعة تستحق التأييد والنصرة من المسلمين ولا يباح لأحد محاربتها أو تنفير الناس عنها، وهذا الاستحقاق الذي ندعيه لها يكفي فيه حال الجماعة ونهجها الإسلامي ولا تشترط له العصمة من الأخطاء)) (140)

خامسا: ضوابط العمل الجماعي

  1. أولا: الالتزام بالكتاب والسنة، ومنهج الإسلام القويم في الدعوة إلى الله.
  2. ثانياً: اتخاذ الوسائل والأسإلىب المعاصرة المشروعة في الدعوة إلى الله.
  3. ثالثاً: اجتناب الشبهات والبدع وما أحدثته بعض الجماعات من مخالفات شرعية.
  4. رابعاً: التزام سنة التدرج في التغيير.
  5. خامساً: التعاون مع الخيرين من أبناء الأمة.
  6. سادسا: التدرج في الخطوات.
  7. سابعا: الاستفادة من تجارب الآخرين.

سادسا: العوائق والعقبات

أما العقبات فقد أجملها الإمام البنا في قوله:

((أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات. أما الآن فلا زلتم مجهولين، ولا زلتم تمهدون للدعوة، وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد.

سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم. وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إلىهم بالسؤال وإلىكم بالإساءة والعدوان.

وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَالله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].

وستدخلون بذلك -ولا شك- في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾[العنكبوت: 2]، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ إلىمٍ... فَأَيَّدْنَا الذينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾[الصف: 10-14].فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟)) (141).

أما المعوقات المعاصرة في طريق الدعوة وطريق العمل الجماعي للإسلام فيمكن إجمالها فيما يلي:

  1. أولا: المؤامرات العالمية على الإسلام والمسلمين.
  2. ثانيا: التشويه المتعمد للعلماء والدعاة العاملين للإسلام.
  3. ثالثا: تشويه الجماعات الإسلامية وإلصاق تهم الإرهاب بها.
  4. رابعا: جهل العامة بحقيقة الجماعات الإسلامية وحكم العمل معها.
  5. خامساً: خوف العامة من الملاحقات الأمنية جراء العمل مع الجماعات الإسلامية.
  6. سادسا: الفتاوى الخاطئة والمنحرفة الصادرة عن بعض العلماء الذين سلكوا طريق السلاطين وطريق مصالحهم الخاصة.
  7. سابعاً: ضعف بعض الأفراد المنتمين لهذه الجماعات علميا وتربوياً.
  8. ثامناً: الخلافات الداخلية الكبيرة التي تؤدي إلى الانشقاقات والفرقة البغيضة.
  9. تاسعاً: الفرقة بين الجماعات الإسلامية.
  10. عاشراً: ضعف الموارد المادية في سبيل تحقيق الأهداف المرجوة.
  11. حادي عشر: (العولمة) وانفتاح الدول بعضها على بعض، وانعكاساتها السلبية على الأمة الإسلامية.

مقاربات حول الفكر التنظيمي في منهج الإخوان المسلمين

ملخص البحث

تحاول هذه الورقة الموجزة، تقديم بعض المقاربات الفكرية حول فكرة التنظيم في منهج الإخوان المسلمين، ومناقشة بعض إشكإلىاتها المثارة من داخل هذا التنظيم أو من خارجه؛ كطلب التأصيل الشرعي لفكرته التنظيمية، أو طلب أصالتها التاريخية، وكمحاولة اكتشاف مستوى علاقتها بفكرة المشروع التي يسعى التنظيم لإنجازها، وكعلاقاتها بأفكار أخرى كفكرة التيار، والحزبية، والتربية الخاصة، وهل هذا التنظيم نخبوي أم هو تنظيم جماهيري؟، وهل هو منفتح أم هو منغلق؟، وهل قواعده التنظيمية منسجمة مع قواعد الفكر التنظيمي الحديث أو لا؟

سنثير كل ذلك بإيجاز شديد فرضه علينا التزامنا بالشروط المنهجية والبحثية التي أوصت بها اللجنة التحضيرية للمؤتمر، رغم أن قناعتنا أن هذا الموضوع يتطلّب قدْرا من إطالة النَفَس في دراسته، لأن هذا التنظيم أصبح محل اهتمام عالمي، وهو اليوم يشهد هجمة شرسة من خصومه بعد انتشاره في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وانتشاره بين الأقليات المسلمة خارج العالم الإسلامي، ولا نعرف أحدا اليوم من أبناء التيار الإسلامي يرتاب في أهمية هذا التنظيم خاصة، والتنظيم الدعوي بعامة، سوى نفر قليل اشتبهت عليهم الحقائق لأسباب مختلفة، وهؤلاء رغم سلامة نية بعضهم، إلا أنهم لم يدركوا أن الإنجازات الدعوية التي يشاهدونها في أنحاء العالم، ويفرحون بها، إنما أنجزها العمل الجماعي المنظم بشتى صوره، ولم تنجزها عفوية جماهير المصلين، كما يحسبون ويظنون. وربما شكك أيضا في أهمية استمرار تنظيم الإخوان الذي يقف اليوم على أعتاب قرن جديد بعض الكاتبين المتسرعين الذين أصبحوا يرون حتمية زواله وضموره تحت قانون التجديد، الذي يطرأ في هذه الأمة عند رأس كل مئة سنة، كما ورد في الحديث النبوي الشريف.

أولا:مقاربة لطلب التأصيل الشرعي لفكرة التنظيم

نكتفي هنا بإيراد هذا النص الثمين للشيخ رشيد رضا، الذي لا نستبعد أن الإمام البنا رحمه الله قد وقف عنده طويلا:

((..وأما الأمر بالتعاون على البر والتقوى فهو من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن لأنه يوجب على الناس إيجابا دينيا أن يعين بعضُهم بعضا على كل عمل من أعمال البر التي تنفع الناس أفرادا وأقواما في دينهم ودنياهم...كان المسلمون في الصدر الأول جماعةً واحدة يتعاونون على البر والتقوى عن غير ارتباط بعهد ونظام بشري كما هو شأن الجمعيات اليوم، فإن عهد الله وميثاقَه كان مغنيا لهم عن غيره، وقد شهد الله تعالى لهم بقوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ولما انتثر بأيدي الخلف ذلك العِقْدُ، ونُكِث ذلك العهد، صرنا محتاجين إلى تإلىف جمعيات خاصة بنظام خاص لأجل جمع طوائف من المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب (التعاون على البر والتقوى) في أي ركن من أركانه أو عمل من أعماله، وقلما ترى أحدا في هذا العصر، يُعينك على عمل من البر، ما لم يكن مرتبطا معك في جمعية ألفت لعمل معين، بل لا يفي لك بهذا كل من يعاهدك على الوفاء!! فهل ترجو أن يعينك على غير ما عاهدك عليه؟ فالذي يظهر أن تإلىف الجمعيات في هذا العصر، مما يتوقف عليه امتثال هذا الأمر وإقامة هذا الواجب، وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب كما قال العلماء، فلا بد لنا من تإلىف الجمعيات الدينية والخيرية والعلمية، وإذا كنا نريد أن نحيا حياة عزيزة، فعلى أهل الغيرة والنجدة من المسلمين أن يُعْنَوُا بهذا كلّ العناية، وإن رأوا كتب التفسير لم تُعنَ بتفسير هذه الآية))

ثانيا: مقاربة لطلب الأصالة التاريخية لفكرة التنظيم [[الإخواني

يقول الأستاذ راشد الغنوشي في مقال قديم:

((..ومن عناصر التجديد الأساسية في الحركة الإسلامية المعاصرة، وخاصة في العالم الإسلامي السني، عنصر التنظيم، فلقد ظلَّ المسلمون(السُّنة) منذ قيام الخلافة الإسلامية يعيشون مطمئنين، فلم يشعروا بالحاجة لتنظيم أنفسهم وهم يستظلون بظل دولة إسلامية، ولذلك كانت الحركات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي السني أعمالاً فرديةً ترتبط بشخص العالم المصلح، انطلاقا من شرعية الأنظمة القائمة، وأنّه حتى إذا حصلتْ مظالم وألوان من الفساد فليس في ذلك طعنٌ في الأصل (شرعية الدولة) وإنّما هو خللٌ جزئيٌّ في البنيان يمكن إصلاحه.

ولم ينتبه رجال الإصلاح في العالم السني إلى ضرورة التنظيم إلاّ بعد أن زال الوهم وسقطت الخلافة فسقطت الشرعية، وعندئذ فالموقف الإصلاحي لم يعد كافيا إذ البيت قد سقط ويحتاج إلى تأسيس جديد، ولعل أول من تنبه لفكرة التنظيم وربطها بفكرة تأسيس الدولة الإسلامية هو الإمام البنا، نعم كانت هناك في العالم السني تجمعات صوفية، ولكنّها بعيدة عن المجال الذي نتحدث عنه وهو تأسيس الدولة.

بينما كان مبدأ التنظيم سائدا لدى الخوارج والشيعة من المسلمين الذين طوروا فكرة التنظيم والعمل الجماعي حتى دخلت هذه الفكرة في المكونات الأساسية لعقلية الشعب، وذلك راجع إلى أن الشيعة والخوارج من المسلمين كانوا في أغلب فترات تاريخهم أحزاب معارضة، تعمل على الإطاحة بالسلطة التي تعتبر عندهم غير شرعية، وذلك حتَّمَ عليهم أن ينظموا صفوفهم وأن يتخلصوا من العقلية الفردية التي سادت العالم السني والعربي منه خاصة.

ولعل "البنا" هو أول مصلح سني يُدخل فكرة التنظيم ضمن مفهوم الإسلام الشامل كوسيلة لتحقيق هذا المفهوم في الواقع، ويبدو أن فكرة التنظيم عنده هي تطوير لمؤسسة تقليدية هي "الطريقة" غير أنه طوّرها لتصبح أداةً سياسيةً وحضاريةً عامة تحكمها لوائح وقوانين أساسية ولها درجات ومقاييس مضبوطة للانتقال من درجة إلى أخرى، ولكل درجة مصطلح خاص يعبر عنها، ولها أيضا أسإلىب معينة في اتخاذ القرارات)) .

ثالثا: مقاربة لقواعد نظرية البناء التنظيمي عند الإخوان

إن الدارس لتنظيم الإخوان المسلمين والمتفحص في لوائحهم سيكتشف أن هذا التنظيم بني من أول يوم على قواعد التنظيمات الراسخة التي انتهى إليها الفكر الإنساني، وهو كائن متطور بحسب البيئة والمراحل، فنجد فيه القيادة المسئولة، والجندية المطيعة، والنظام الأساسي الناظم للعلاقات، المحدد للمسئوليات والواجبات، المبين للأهداف والوسائل، وكل ما تحتاجه التنظيمات لإدارة أجهزتها، كما نجد في أدبياته مواصفات النخب التنظيمية، وفنون تربيتها وتأهيلها، وأسإلىب التصعيد والترميز، وطرق الإعداد والتدريب، وخطط التعبئة والاستقطاب.. وغير ذلك.

وقد أشار الأستاذ محمد أحمد الراشد إلى وجود نظرية متكاملة لهذا التنظيم فقال:

((إن ممارسة العمل الدعوي تدعو إلى إنشاء تنظيم يكون هو الأداة التنفيذية للممارسة، والذي نعنيه بالتنظيم ليس هو مجرد وجود مجموعة من الدعاة يدعون قولا وكتابة، فذلك يمكن أن نطلق عليه اسم "التوجه" أو "التيار" وإنما نعني وجود مجموعة بين أفرادها علاقة التزام وتعاهد وإمرة وطاعة، فإذا وجد ذلك، قام التنظيم في صورته الدنيا البسيطة، ثم يظل الشكل التنظيمي يتعقد أكثر بمقدار تعقّد الحياة والظروف المحيطة، ويبقى حجم الالتزام ونوعه يتوسع ويتعدد بمقدار الحاجة الواقعية)) (3).

ثم أضاف: ((ونحن في مجتمع متحضر ومعقد، ولذلك يلزمنا علاقات واضحة وأعمال جماعية متقنة، ولسنا قبيلة من زنوج أفريقيا في عمق الأدغال يسمعون الطبل فيحمل كل منهم حربته ويلتحق. وكان ابن سبأ قد أوجد له تنظيما يتبعه، وكذا القرامطة، وكل المبتدعة، وكانت الشيوعية تمثلها أحزاب منظمة، وكذا أنواع العلمانية، ونظّم اليهود أمرهم وأقاموا دولتهم بعد نصف قرن من مؤتمرهم في بازل، فلماذا أنا المسلم فقط يحرم علي أن أبني تنظيما؟؟)) (4).

ثم وضع القواعد التي يبنى عليها التنظيم الراسخ فقال:

((وعندي أن الهيكل النموذجي للتنظيم الإسلامي الدعوي يجب أن يتضمن ما يأتي:
  1. أمير أعلى يقود التنظيم، وقد يسمى مراقبا عاما أو غير ذلك.
  2. مجموعة من الأعضاء تتحقق بهم صفة الجماعية، يتوزعون إلى مجاميع وزمر لهم عرفاء ونقباء ومسؤولون إداريون، سواء كان التوزيع جغرافيا حسب المناطق والمدن، أو كان التوزيع موضوعيا حسب المهن والتخصصات، كما أن العضوية تشمل الرجال والنساء.
  3. طاعة تامة يقدمها الأعضاء، سواء كانت عن بيعة أو عرف ملزم.
  4. قيادة عدد أعضائها دون العشرة تتخذ قرارات المواقف الدعوية.
  5. مجلس شورى عدد أعضائه بين العشرين إلى الخمسين بحسب سعة الجماعة والظروف، وهذا المجلس منتخب من قبل أعضاء الجماعة أو طبقة منهم، وهو بدوره ينتخب أعضاء القيادة والقائد.
  6. لجان دعوية متخصصة عديدة أو أقسام تضبط الأداء الموضوعي في الجماعة.
  7. فكر إسلامي مخصص مدون ولو في رسالة واحدة، بحيث لا يبقى انتساب الجماعة إلى الإسلام عاما مطلقا، إذ الاجتهادات كثيرة والمفاهيم عديدة، ولكن تبين الجماعة مفهومها الفكري المحدد وعقيدتها.
  8. نظام داخلي أو دستور يضبط أوصاف هذه الهيكلة التنظيمية وطرق تحقيقها وشروط وحقوق القيادة والدعاة، والواجبات، ويكون هذا النظام مشتقا من الفكر الذي تتبناه الجماعة ومنسجم معه.
  9. خطة عمل استراتيجية بعيدة المدى، وأخرى مرحلية تتجدد، بحيث يعرف الأعضاء ما يعملون.
  10. محكمة دعوية تفصل في قضايا الخلاف بين القيادة والأعضاء، ويتظلم لها الأعضاء.

وهذه الأركان العشرة يجب وجودها وتكاملها من أجل أن يكون التنظيم مستوفيا لوصفه القياسي السليم. فإن غاب ركن من هذه كان التنظيم ناقصا))(5).

رابعا: مقاربة للعلاقة بين فكرة التنظيم وفكرة المشروع (6)

لقد ارتبطت فكرة التنظيم في منهج الإخوان المسلمين منذ اليوم الأول ارتباطا وثيقا بفكرة مشروعه، وترى الجماعة أن فكرة المشروع مهما كانت قويةً ومنتشرةً، فلا يمكنها أن تتجسد إلا إذا توفر لها جهاز منظم يعمل على نشرها نظريا، وتنفيذها واقعيا.

ورغم رسوخ القناعة عند الإمام البنا بأن الجولة الحاسمة من التدافع الحضاري ستقودها جهود الأمة وليس على قدرات التنظيم، إلا أنه كان يرى أهمية وجود الفئة المنظمة القادرة على دفع ثمن الإصلاح والتغيير، فالتنظيم عنده يمثل النواة الصلبة التي يرتكز عليها المشروع لمواجهة التحديات والعقبات، فهو الأداة الرئيسة لاحتضان بيضة المشروع، فأي خلل يلحقه قد يصيب المشروع أو يهدده بالتراجع على أرض الواقع، حتى وإن لم تمت فكرته.

ومن هنا قد برزت الحاجة الملحة عند الإخوان إلى حماية التنظيم وتحصينه، وليس هذا لأن التنظيم أصبح أهم من الفكرة، بل هو من باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم إن تهلك هذه العصابة...) وليس صحيحا أيضا أن فكرة التنظيم في منهج الإخوان قد انصهرت مع فكرة المشروع، بل الصحيح أن التنظيم عندهم هو الوسيلة الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها لتحقيق أهداف المشروع، لأن الاستغناء عنها أو التضحية بها يعني عمليا التضحية بالهدف أو بالأداة الوحيدة لإنجازه.

ولقد حاولت بعض الدوائر الفكرية والسياسية إثارة الكثير من الأسئلة أمام أفراد الجماعة إضعاف القناعة بأهمية التنظيم والدعوة إلى حله والتخفف من ثقل التزاماته تحت مبرر إزالة المعيقات عن المشروع، أو دعاوى التجديد والمرونة مما أنشأ الخلافات التنظيمية الكثيرة.

ويرى بعض منظري الإخوان أن بقاء التنظيم مهم حتى بعد إنجاز المشروع واسترجاع الأمة لوحدتها ونهضتها، لأن التنظيم في تلك المرحلة سينقلب إلى مؤسسة اجتماعية كبيرة، تكون هي الحارسة للفكرة والضمانة لتجديدها ونقلها عبر الأجيال.

ونظرا للعلاقة العضوية بين فكرتي التنظيم والمشروع أصبح تنظيم الإخوان في نظر خصوم مشروعه يمثلون أكبر خطر حضاري ينبغي تجريمه والحد من قدرته على البقاء والاستمرار، وقد أدرك الإمام البنا هذا فصارح الإخوان بقوله: ((أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات. أما الآن فلا زلتم مجهولين))(7).

خامسا: مقاربة للعلاقة بين فكرة التنظيم وفكرة التيارالشعبي (14)

هناك علاقة جدلية بين فكرتي التنظيم والتيار الشعبي في منهج الإخوان، فالتيار عندهم هو القوة الحقيقية الحاضنة والمؤيدة للمشروع، ولكن الجماهير الواسعة بغير تنظيم قائد لا يمكنها أن تحقق غايات المشروع، فالعمل المنظم هو وحده الذي يمكن الشعوب من تراكم إنجازات أعمالها ومن تفعيل قوة صمودها أمام التحديات والعقبات، فالتنظيم هو الأداة والوسيلة المركزية للتفعيل والتوجيه. وقد أسس الإمام حسن البنا رحمه الله تنظيمه ليكون وعاءً لكل أبناء الأمة، وفتح العضوية فيها لجميع من اقتنع منهم بذلك، فالتنظيم عنده ليس بديلا عن الأمة بل هو تمثيل نسبي لقاعدة واسعة منها، وإطار جامع لقطاع عريض من جماهيرها.

فقوة الأمة تتجلى في قوة شعوبها، وقوة الشعوب تنبع من قوة الجماهير المنظمة فيها الملتفة حول المشروع، وهذه الطبقة من الجماهير المنظمة القادرة على دفع ضريبة الإصلاح هي التنظيم في المنهج [[الإخواني، فالتنظيم بهذا المعنى ليس مفصولا عن التيار الشعبي، بل أعضاء التنظيم يتفاعلون بشكل يومي مع الجماهير لتوسيع قاعدة المحبين والمناصرين، وقد خفيت هذه العلاقة عن كثير من الناقدين الذين لم يدركوا كنهها، فاتهموا الجماعة بأنها تُعطي أولويةً كبرى لمصلحة التنظيم على أولوية ومصلحة الأمة، أو تعطي أهمية للولاء للتنظيم بدل الانتماء للفكرة.

صحيح إن الجماعة تركز أحيانا على العضوية بسبب الحصار الأمني والخوف من محاولات الاختراق، فقد أشار الإمام البنا في مذكراته إلى مراتب هذه العضوية، حيث تبدأ من الانضمام العام المتاح أمام كل مسلم يعلن استعداده إلى الانضمام الأخوي، ثم العملي، والجهادي. وقد كان للإخوان تنظيم سري خاص هدفه مقاومة الاحتلال مثل ما كان لأغلب التنظيمات التي نشأت في تلك الفترة الاستعمارية، كالمنظمة السرية لحزب الشعب الجزائري، وقد نجحت الجماعة في استيعاب أعضاء هذا التنظيم الخاص، رغم تكوينهم الجهادي الصلب إلاّ أن تغير البيئة بعد حرب فلسطين فجر الخلافات بين قيادته وقيادة التنظيم العام.

سادسا: مقاربة للعلاقة بين فكرة التنظيم وفكرة التربية الخاصة

إن العلاقة العضوية بين فكرة التنظيم وفكرة التربية يعكسها مفهوم الربانية ومفهوم الشمول في المنهج [[الإخواني الجامع في عملية الإصلاح بين غايات التربية وغايات التنظيم، ويمكن في هذا السياق أن نقسم أركان البيعة، أو ميثاق العمل الجماعي عند الإخوان إلى حزمتين من الأركان؛ حزمة خماسية متعلقة بغايات التربية وهي (الفهم، الإخلاص، الثبات، الجهاد، التضحية) وحزمة خماسية أخرى متعلقة بغايات التنظيم وهي (العمل، والطاعة، التجرد، الأخوة، الثقة).

ويكاد عنوان رسالة ((نظام الأسر)) يكشف لوحده هذه العلاقة العضوية بين فكرتي التنظيم والتربية، وذلك من خلال جمعه بين مصطلح (نظام) الذي يشير إلى معاني القيادة والجندية والتخطيط، ومصطلح (الأسر) الذي يشير إلى معاني التعارف والتفاهم والتكافل، وهذا الجمع هو الذي يحقق معنى (الشمول) أو معنى (الربانية)كما انتبه إلىه قديما الإمام الطبري عند تفسيره لقوله تعالى (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) فقرر أنّ الرّبّاني هو (الجامع إلى الفقه والعلم البصرَ بالسياسة والتدبير) (15)، فكأنه هنا قد لمح أن لفظ (الرّبّاني) راجع إلى معنى الانتساب إلى الرّب والتربية بما فيهما من الانقياد والاستسلام، وإما أن يكون راجعا إلى أوصاف الزعماء والقادة والرّبّان، ففي المعنى الأول يكون الرّبّاني هو المهتم بتربية الخلق والمتأسي بالرّبّ سبحانه في مسالمتهم والشفقة عليهم، وفي المعنى الثاني يكون الرّبّاني هو المتشبه برّبّان السفينة في القيادة والانضباط. يقول الإمام البنا رحمه الله في الجمع بين هاتين الوظيفتين: ((يحرص الإسلام على تكوين أسر من أهله يوجههم إلى المثل العليا ويقوي روابطهم، ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام و النظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات)) (16) ثم قال: ((فإذا أديتم هذه الواجبات الفردية والاجتماعية والمالية، فإن هذا النظام سيتحقق ولا شك، وإذا قصرتم فيها فسيتضاءل حتى يموت، وفي موته أكبر خسارة لهذه الدعوة، وهي اليوم أمل الإسلام والمسلمين ))(17).

وأرى أن هذا الجمع بين وظيفة التربية ووظيفة التنظيم ربما استفاده الإمام المؤسس من رشيد رضا حين قال:

((..فإذا كانت الدعوة في الصدر الأول قد تيسرت بغير تعليم صناعي ولا تإلىف جمعية معينة كما كان فهم الدين متيسرا بغير تعلم صناعي، ففي هذا الزمان يتوقف فهم الدين على التعليم الصناعي، وتتوقف الدعوة إلىه والأمر بما جاء به من المعروف وما حظره من المنكر على تعليم خاص وتإلىف جمعيات خاصة تقوم بهذا العمل، ولا ينتشر الدين ولا يحفظ على وجهه إلا بهذا كما تقدم التنويه به )) (18).

ونخلص من هذا إلى القول إن التنظيم التربوي هو الذي يحول فكرة المشروع إلى واقع عملي في حياة أفراد التنظيم، وهكذا تنتقل الفكرة منهم إلى الأعضاء الجدد، ثم إلى الأجيال المختلفة التي تنتمي للجماعة، وبه تتحول الجماعة إلى أنموذج واقعي للفكرة؛ ومن هنا تظهر جوانب من الهشاشة في الأطروحات الداعية اليوم إلى الفصل بين العمل السياسي، والعمل التربوي.

البناء التربوي لجماعة الإخوان المسلمون

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

إن جماعة الإخوان المسلمين في عقدها العاشر، وقد امتدت دعوتها في مشارق الأرض ومغاربها وباتت مدرسة فكرية ذات جذور راسخة، يستلهم أفكارها جماعات وجمعيات وهيئات ومؤسسات وأحزاب ومعاهد ومراكز علمية وثقافية وسياسية واقتصادية وفنية، وقد تركت جماعة الإخوان المسلمين بصمات واضحة لا تخطئها عين منصفة ولا يمكن أن تتجاوزها رؤية ناقدة في مجال بناء الشخصية المسلمة الراشدة والبيت المسلم والمجتمع المسلم ومسيرة تحرير الأوطان من كل أشكال الهيمنة والاحتلال، والمساهمة الفعالة في مسيرة الإصلاح والتغيير والتواصل الفعال مع العالم؛ تحقيقًا لقول الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

وقد صار لزامًا على جماعة الإخوان المسلمين بعد هذه المسيرة الطويلة، وما مر بالجماعة من أحداث عظام، ومحن جسام في نهايات القرن الأول لتأسيسها، أن تعيد تقديم فكرها التربوي بما يلقي الضوء على منهاجها في التربية والتكوين.

وفي هذا المبحث الخاص بالبناء التربوي في جماعة الإخوان المسلمين نعرض للعناصر التالية:

  1. تعريف التربية
  2. الفرق بين التربية والتعليم والتثقيف والتدريب.
  3. أهداف التربية الإسلامية.
  4. أهداف التربية في جماعة الإخوان المسلمون.
  5. خصائص التربية في جماعة الإخوان المسلمين.
  6. محاور العملية التربوية متمثلة في: المربي والمتربي والمنهاج والبيئة التربوية.
  7. الأدوار المنوطة بالمربي.
  8. الإعداد التربوي للفرد على مستوى الذات، والعائلة، والجماعة، والأمة، المجتمع والدولة والأمة، وغير المسلمين، ومحور أعداء الأمة.
  9. القيم في المنهاج التربوي.
  10. الوسائل التربوية المتبعة في تنفيذ المنهاج.

تعريف التربية

التربية لغةً: «لأصل معنى التربية ثلاثُ معانٍ:

الأول: رَبا يرْبو؛ بمعنى: زاد ونَمَا.

الثاني: رَبى يَرْبى، على وزن: خفي، يخفي، ومعناها: نشأ وترعرع.

الثالث: رَبَّ يَرُبُّ، على وزن مدّ يَمُدّ، بمعنى: أصلح وتولى الأمر، وقال البيضاوي في تفسيره: الرّبّ في الأصل، بمعنى التربية، وهي: تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا؛ ثم وُصف به تعلى للمبالغة. أما الراغب الأصفهاني فقال في كتابه «المفردات»: الرّبّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام».

والتربية اصطلاحًا هي: «الأسلوب الأمثل في التعامل مع الفطرة البشرية توجيهًا مباشرًا بالكلمة، وغير مباشر بالقدوة، وفق منهج خاص، ووسائل خاصة، لإحداث تغيير في الإنسان نحو الأحسن».

وهي: «خبرة تؤثر في السلوك، والعلم رافدها المعرفي، والتدريب رافدها المهاري، والإثارة أو الانفعال رافدها القلبي والوجداني، وهي أساس التثقيف، والسلوك هو كل ما يصدر عن الفرد بصورة منتظمة».

وهي: «عملية هادفة وفن مرن متطور تحكمه قواعد وقوانين، ترمي إلى تكوين العادات الحسنة بالاستفادة من الغرائز والميول في تحقيق هذا الهدف عن طريق الإرشاد والتدريب».

وهي: «تغيير مقصود هادف في بعض أو كل جوانب الشخصية الإنسانية عن طريق إكسابها خبرات متنوعة ذات معنى من خلال منهج».

التربية وعلاقتها بالتعليم والتدريب والتثقيف

التـعليــــم:

هو كل معرفة مستندة إلى دليل ويبقى في دائرة المعرفة ولا يؤثر في السلوك. وطالما بقي العلم في دائرة المعرفة والمعلومة ولم يتجاوزها إلى دائرة التأثير في السلوك والتصرف، فمن الخطأ أن نسمي مجرد التعلم والتدارس تربية.

التــدريب:

هو تمثيل الأدوار واستخراج كامن الكفاءات والطاقات الشخصية والوصول إلى أفضل مستوى من الإتقان بحيث يتم العمل في أقل وقت وبأقل جهد، وفي أحسن صورة؛ لذلك فالتدريب هو أحد روافد التربية ويعد أحد المسارات الهامة لإكساب الخبرة المهارية.

التثقيــف:

هو إكساب خصائص لا إكساب معارف فحسب، وعملية تثقيف الإنسان المسلم هي إعداده للدخول في المجتمعات المحيطة به فيؤثر فيها التأثير المحمود ولا يتأثر بها التأثير المذموم. وهذا لا يتم إلا عن طريق التربية.

هدف التـربية

أهداف التربية الإسلامية:

يقول الدكتور على عبد الحليم: «إن أهداف التربية الإسلامية، أو غاياتها التي تحاول أن تصل إليها هي على وجه الإجمال: كل ما يمكن الإنسان من حياة دنيوية راشدة صالحة، وحياة أخروية ترضي الله سبحانه، وتؤدي إلى ثوابه ورضوانه. وتتمثل في هذه النقاط:

أولًا: عبادة الله وحده وفق ما شرع: فلقد قال سبحانه: {وما خلقت الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56).

ثانيًا: خلافة الله في الأرض: فقد قال سبحانه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة: 30)، وما ترتب على هذا الاستخلاف من ضرورة استعمار الأرض والاستفادة مما أودع الله فيها للإنسان من خيرات، قال سبحانه: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود: 61).

ثالثًا: التعارف بين الناس: فقد قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13).

رابعًا: سيادة الأرض والتمكن فيها: قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الذينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} (النور: 55).

خامسًا: الحكم بالشريعة: قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} (الجاثية: 18). وقال: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلىكَ} (المائدة: 94)».

التربية عند الإخوان

يقول الإمام البنا: «فاعلم أن الغرض الأول الذي ترمى إلىه جمعيات الإخوان المسلمين: تربية الأمة على النفس الفاضلة والخلق النبيل السامي، وإيقاظ ذلك الشعور الحي الذي يسوق الأمم إلى الذود على كرامتها والجد في استرداد مجدها وتحمل كل عنت ومشقة في سبيل الوصول إلى الغاية».

ويؤكد على ذلك فيقول:

«إن غايةَ الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعإلىم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها: {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} (البقرة: من الآية 138)، وإن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام، وتربية أنصار الدعوة على هذه التعإلىم؛ حتى يكونوا قدوةً لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها».

ويتحدث الإمام البنا بشكل محدد فيقول:

نريد أولًا الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه. فهذا هو تكويننا الفردي.

ونريد بعد ذلك البيت المسلم في تفكيره وعقيدته وفي خلقه وعاطفته وفي عمله وتصرفه، ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب. وهذا هو تكويننا الأسري.

ونريد بعد ذلك الشعب المسلم في ذلك كله أيضًا، ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت، وأن يسمع صوتنا في كل مكان، وأن تتيسر فكرتنا وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن والمراكز والحواضر والأمصار، ولا نألو في ذلك جهدًا ولا نترك وسيلة.

وعلى وجه الإجمال فإن التربية الإخوانية تستهدف:

أولًا: تحقيق أهداف التربية الإسلامية وجعلها في مجال التنفيذ والتطبيق.

ثانيًا: مواجهة المتغيرات، مواجهة علمية جادة، تستهدي الدين الإسلامي، وتصوغ منه كل أسلوب من أسإلىب مواجهة هذه المتغيرات، ومن أمثلتها:

المتغيرات في الفكر والثقافة والنظريات والنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

خصائص التربية الإخوانية

1- ربانية:

يقول الإمام البنا: «أما إنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعًا أن يتعرف الناس إلى ربهم وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها، ونحن الإخوان المسلمون نهتف من كل قلوبنا: الله غايتنا. فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى».

2- شاملة متكاملة متوازنة:

فهي نابعة من تكامل منهج الإسلام في إمداد الإنسان المسلم بكل الجوانب اللازمة لصلاح الدنيا والآخرة، وكذلك نابعة من إيماننا بشمول المنهج الإسلامي وتكامله وتوازنه، فنحن لا نرضى بالإسلام إلا بشموله وعمومه. كذلك تناسق التكوين واتزانه معرفةً وتصورًا عقليًا وروحًا ووجدانًا قلبيًا وتصرفًا وسلوكًا حركيًا تأخذ الأمور بوسطية واعتدال وتوازن، فلا إفراط ولا تفريط فيها، لا تميل إلى جانب على حساب جانب، ولا تبالغ في أمر دون أمر.

3- متدرجة:

وهذا ينبع من إيماننا بأن التدرج سنة من سنن الله في الكون فإن «المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى» [رواه البزار]، فتنتقل في خطواتها ومراحلها التغييرية وفق معايير متدرجة، ووفق خطوات مدروسة ومرسومة وواضحة المعالم، لا تتعجل النتائج، ولا تستبق الأحداث، ولا تتجاوز درجات السلم التربوي للتغيير المنشود، فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

4- جماعية منظمة:

ففي بيعة العقبة الثانية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار: «أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبًا يكونوا على قومهم كفلاء ككفالة حواري عيسي بن مريم لقومهم»، إنه النظام في العملية التربوية: «مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إِلا قَدْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكُمْ بِالجماعة فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ».

5- حركية:

فهي دعوة للأمل والفاعلية، ترتكز على البحث عن إيجابيات النفس والبدء بها والتركيز عليها ومحاولة تنميتها، وإضفاء روح الإيجابية البناءة، والتفاعل المثمر، وبث روح الأمل في النفوس.

6- مستمرة:

تبدأ من الميلاد الحقيقي للنفس البشرية ثم تمتد بهذه النفس في مسيرة منتظمة مستمرة حتى الوفاة، فهي عملية تربوية لا تتوقف: {واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ إلىقِينُ}.

7- مثإلىة واقعية:

تأخذ في سيرها بالسنن الإلهية في التعامل مع النفس البشرية، وأن هذه النفس لها مقومات وخصائص ومشاعر وأحاسيس يجب أن تراعى، فهي تتعامل مع الكينونة الإنسانية كلها وتعترف بالتفاوت الطبيعي بين الأفراد.

محاور العملية التربية

ومحاور العملية التربوية أربعة:

أولًا: المربي:

وهو المسئول الأول عن نجاح العملية التربوية وتحقيق أهدافها، وعن رعاية مَن معه في الصف، وهو منهم بمنزلة الوالد بعاطفته وعنايته بشئونهم الحياتية والشخصية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّما أنا لكم بمنزِلةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكم...».

وهو منهم بمنزلة الشيخ الذي يُعنَى بأحوالهم الإيمانية والسلوكية، وهو منهم بمنزلة الأستاذ الذي يُعنى بمستواهم الفكري والعلمي، وهو القائد القدوة الذي يقدم القدوة من نفسه.

فالمربي هو حجر الزاوية في العملية التربوية، يربِّي من معه وفق منهج الله، وهذه في الأصل مهمة الأنبياء: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيْكُمْ رَسُوْلًا مِّنْكُمْ يَتْلُوْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيْكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُوْنُوا تَعْلَمُوْنَ}. ثانيًا: الفرد:

هو اللبنة الأولى في المجتمع، وإذا صلحت هذه اللبنة صلح بناء المجتمع كله، والناظر في تاريخ الدعوات يجدها تبدأ دائمًا بفرد، فالرسول أو النبي كان يبدأ بنفسه كفرد ثم بعد ذلك يدعو أفرادًا يربيهم على عينه، فكان يحوِّل الفكرة المجردة إلى رجال يتحركون بها ويعيشون لها، ويجاهدون في سبيلها ويموتون من أجلها. ومهمة المسلم مهمة تغييرية، وهي مهمة صعبة وشاقة؛ لذلك يجب أن يكون إعداد الفرد المسلم متكافئًا مع ثقل المسئولية التي سيحملها، ولهذا حدَّد الأستاذ حسن البنا- رحمه الله- مواصفاتِ وعلاماتِ هذا الفرد في ركن العمل، وهي: «إصلاح نفسه حتى يكون قويَّ الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا في شئونه، نافعًا لغيره».

وتتوزع برامج إعداد الفرد داخل جماعة الإخوان المسلمون بين خمس مراحل تربوية، تشمل: المحب، والمؤيد، والمنتسب، والمنتظم، والعامل.

فمرحلة المحب: هي فاتحة الاتصال بالدعوة، وتهدف إلى جذب الأفراد الجدد للدعوة وتهيئتهم لها.

ومرحلة المؤيد: هي المرحلة التي تسبق الانتظام وتهيئ له.

ومرحلة المنتسب: تمثل أول مراحل التنظيم الملتزم.

ومرحلة المنتظم: هي مرحلة إعداد الأخ ليكون أخا عاملًا، وفق المنهاج التربوي للجماعة.

ومرحلة الأخ العامل: هي مرحلة إعداد الأخ الداعية المجاهد القدوة.

ثانيًا: البيئة التربوية:

البيئة التربوية هي المناخ الذي تحرص العملية التربوية على توفيره متمثلًا في مجموعة القيم والأفكار والمفاهيم والمشاعر والاتجاهات لتؤتي العملية التربوية ثمارها المرجوة، ويتسم المناخ التربوي بالصفات والأجواء التالية:

1- الربانية:

إن الخصيصة الأولى من الخصائص العامة للإسلام هي: الربانية.

والربانية كما يقول علماء العربية: مصدر صناعي منسوب إلى (الرب)، زيدت فيه الألف والنون، على غير قياس، ومعناه: الانتساب إلى الرب، أي: الله، سبحانه وتعالى، ويطلق على الإنسان أنه (رباني) إذا كان وثيق الصلة بالله، عالًما بدينه وكتابه، معلمًا له. وفي القرآن الكريم: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}.

والمراد من الربانية هنا أمران: ربانية الغاية والوجهة، وربانية المصدر والمنهج.

فالربانية وردت في كتاب الله في أربعة مواضع:

في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}.

وقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

وقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الذينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}.

وقوله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.

فالربانية تعليم وتعلم ومدارسة وتدريس، وجهاد وصبر ومصابرة وتضرع وإخبات، واعتراف بالذنب وطلب الغفران والتضرع إلى الله بالافتقار، وطلب النصرة والثبات، وتحكيم شرع الله والنزول على حكمه، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.

2- القدوة:

القدوة من المصطلحات التي وردت في القرآن الكريم، وقد ساق الله تعالى الكثير من سير الأنبياء والصالحين وأمر بالاقتداء بهم، كما قال تعالى: {أُولَئِكَ الذينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}؛ لأن للقدوة أثرًا عظيمًا في بناء المقتدي، وصياغة شخصيته، وتنمية قدراته ؛ ولهذا فإن الله- عز وجل- بعث الرسل إلى أُممهم لتبليغ دعوته.

والقدوة الحسنة هي المثال الواقعي للسلوك الخلقي الأمثل، وهذا المثال الواقعي قد يكون مثالًا حسيًّا مشاهدًا ملموسًا يقتدي به، وقد يكون مثالًا حاضرًا في الذهن بأخباره، وسيره، وصورة مرتسمة في النفس بما أثر عنه من سير، وقصص، وأنباء من أقوال أو أفعال.

والقدوة الحسنة تكون للأفراد على صفة أفراد مثإلىين ممتازين، وتكون للجماعات على صفة جماعات مثإلىة ممتازة... ووجه القرآن الكريم بصراحة تامة إلى القدوة الحسنة، فقال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَاليوم الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}، وتحرص البيئة التربوية على إشاعة القدوة الحسنة قولًا وعملًا

٣ ـ الحب:

إن حب الله ورسوله والمؤمنين والحب في الله والعاطفة الصادقة من أهم سمات البيئة التربوية الناجحة والفعالة في تحقيق الأهداف التربوية.

عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ بهِنَّ حَلاوَةَ الإيمانِ: مَن كانَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلىهِ ممَّا سِواهُما، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ بَعْدَ أنْ أنْقَذَهُ اللَّهُ منه، كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ».

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه- خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: إني سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: قال اللهُ تعالى: «وَجَبَتْ محبتي للمُتَحابِّينَ فِيَّ، والمتجالسين فِيَّ، والمتزاورين فِيَّ، والمتباذِلين فِيَّ. وفي روايةٍ قال: يقولُ اللهُ- تعالى-: المتحابُّونَ في جلإلى؛ لهم مَنابِرُ من نورٍ يَغْبِطُهم النبيونَ والشهداءُ».

وقد روى عمر بن الخطاب فيما رواه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ مِن عِبادِ اللهِ لَأُناسًا ما هم بأنبياءَ، ولا شُهداءَ، يَغبِطُهمُ الأنبياءُ والشُّهداءُ يَومَ القيامةِ لِمَكانِهم مِنَ اللهِ. قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ تُخبِرُنا مَن هم. قال: هم قَومٌ تَحابُّوا برُوحِ اللهِ على غَيرِ أرحامٍ بَينَهم، ولا أموالٍ يَتعاطَوْنها، فواللهِ إنَّ وُجوهَهم لَنورٌ، وإنَّهم لَعَلى نُورٍ: لا يَخافونَ إذا خافَ الناسُ، ولا يَحزَنونَ إذا حَزِنَ الناسُ، وقَرَأ هذه الآيةَ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]».

٤- المعايشة:

يقول الأستاذ أحمد سالم البطاطي: «إن التربية المنتجة عملية صعبة ومستمرة تحتاج إلى معايشة مع المتربين، والتربية التي تعتمد على لقاء عابر أو جلسة أسبوعية أو مناسبة عامة فقط تربية فيها نقص وخلل، ومن ثَمَّ لا يكون البناء متكاملًا، فلا نستغرب بعد ذلك من تلك المخرجات المتذبذبة والمتهلهلة التي من أبرز سماتها الالتزام الأجوف. والناظر في سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم يجد أن قضية المعايشة قضية بارزة في حياته صلى الله عليه وسلم، يؤكد هذا المعنى عبد الله بن شقيق- رضي الله عنه- عندما سأل عائشة- رضي الله عنها-: «هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم! بعدما حَطَمَهُ الناس». فقد كان صلى الله عليه وسلم يتصدى للناس، ويعايشهم، ويخالطهم، يستقبلهم ويودعهم، ويتحمل أخطاءهم؛ لذلك حطمه الناس، وأثَّروا في بدنه صلى الله عليه وسلم حتى أصبح يصلي جالسًا، وأسرع إلىه الشيب بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. ويؤكد هذا المعنى أيضًا حديث أنس- رضي الله عنه- حيث قال: «إن كان رسول الله ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟».

إن مفهوم المعايشة هو: أن يُظهِر المربي استعداده لمعايشة المتربين واستقبالهم والجلوس معهم، وأن يُشعِرَهم بتوفر الوقت والمكان لديه لمعالجة قضاياهم وحل مشكلاتهم، وتتمثل أيضًا في إظهار أوقات الاستقبال وتحديدها؛ كالساعات المكتبية، والساعات المنزلية، والأيام، والأوقات المتوفرة للخروج مع المتربين في نشاطاتهم ورحلاتهم، وزياراتهم، وتيسير سبل الاتصال به؛ كالاتصال الشخصي، والكتابي، والهاتفي، ومدى الاستعداد لتذليل وسيلة النقل؛ كالسيارة ونحوها عند الحاجة. والخلاصة: أن كل ما يُظهِرُه المربي من استعداد ليكون قريبًا من إخوانه، والعناية بحاجاتهم، وحل مشكلاتهم فهو من خاصية المعايشة.

5- التكافل:

فعن النعمان بن بشير-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى».

فالمعايشة الفعالة والأخوة الواعية تثمر تكافلًا راقيًا بين الإخوان بعضهم بعضًا فيحمل بعضهم عبء بعض ماديًا ومعنويًا.

6- الاحترام:

فالبيئة التربوية تعمل على احترام الذات والآخرين صغارًا وكبارًا، احترام الآخرين في أفكارهم وممتلكاتهم وحقوقهم والامتناع عن إيذائهم، وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمُ من سلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمِنَهُ النَّاسُ على دمائهِمْ وأموالِهم، والمهاجرُ من هجرَ السَّيِّئاتِ، والمجاهدُ من جاهد نفسَهُ للهِ».

وسُئل أي المسلمين أفضل قال: «من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ».

7- الشفافية:

وتعني في البيئة التربوية التزام الصدق وسيادة المصداقية وتبيان الحقائق ووضوح الرؤية وبيانها بيانًا لا لبس فيه ولا غموض، فلا مكان للتناجي ولا للالتفاف وما أجمل ما قال كعب بن مالك في حديث توبته للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي وَاللَّهِ لو جَلَسْتُ عِنْدَ غيرِكَ مِن أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِن سَخَطِهِ بعُذْرٍ، وَلقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليوم حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى به عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ على وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ على فِيهِ، إنِّي لأَرْجُو فيه عُقْبَى اللهِ، وَاللَّهِ ما كانَ لي عُذْرٌ، وَاللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَمَّا هذا، فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ فَقُمْتُ».

8- الشورى:

فإن الله خاطب رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.

ووصف الله المؤمنين فقال في كتابه العزيز: {وَالذينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. ورسولنا هو القائل: «أشيروا على أيها الناس». فإشاعة مناخ الشورى من أهم معالم البيئة التربوية الناجحة.

9- الخلق الحسن:

روى الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ». وروى الإمام أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «ألا أخبرُكم بأحبِّكم إلى وأقربِكم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ، فأعادها مرَّتَيْن أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ، قال: أحسنُكم خُلقًا».

وقد روى أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». وروى أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْفُحْشَ، وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».

وفي رواية عند البخاري ومسلم: «أنَّ يَهُودَ أتَوُا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالوا: السَّامُ علَيْكُم، فَقالَتْ عَائِشَةُ: علَيْكُم، ولَعَنَكُمُ اللَّهُ، وغَضِبَ اللَّهُ علَيْكُم. قالَ: مَهْلًا يا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بالرِّفْقِ، وإيَّاكِ والعُنْفَ والفُحْشَ قالَتْ: أوَلَمْ تَسْمَعْ ما قالوا؟ قالَ: أوَلَمْ تَسْمَعِي ما قُلتُ؟ رَدَدْتُ عليهم، فيُسْتَجَابُ لي فيهم، ولَا يُسْتَجَابُ لهمْ فِيَّ ».

• وأخرج الإمام أحمد وابن حبان والطبراني عن أبي جري جابر بن سليم رضي الله عنه قال: انتهَيْتُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو مُحتَبٍ في بُردةٍ له وإنَّ هُدْبَها لعلى قدمَيْه فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ أوصِني قال: «عليك باتِّقاءِ اللهِ ولا تحقِرَنَّ مِن المعروفِ شيئًا ولو أنْ تُفرِغَ مِن دَلوِك في إناءِ المُستقي، وتُكلِّمَ أخاك ووجهُك إلىه منبسِطٌ، وإيَّاك وإسبالَ الإزارِ فإنَّها مِن المَخِيلةِ، ولا يُحِبُّها اللهُ، وإنِ امرؤٌ عيَّرك بشيءٍ يعلَمُه فيك فلا تُعيِّرْه بشيءٍ تعلَمُه منه، دَعْه يكونُ وبالُه عليه وأجرُه لك ولا تسُبَّنَّ شيئًا»، قال: فما سبَبْتُ بعدَه دابَّةً ولا إنسانًا».

١٠- دوام الارتقاء:

تعمل البيئة التربوية الفعالة على مداومة الارتقاء النفسي والروحي والسلوكي، وأن تقيم من الشخص قيمًا على نفسه، يجاهدوا ويشاركها ويحاسبها فهو يعلم أن الموعد الله، وأن الموت آت لا ريب فيه.

١١- إرشاد المجتمع:

تحرص البيئة التربوية على قيام الأفراد بدورهم في إرشاد المجتمع كما أوضح ذلك الإمام البنا في رسالة التعإلىم في ركن العمل حيث قال: «وإرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائمًا...».

١٢ ـ مراعاة واجب الوقت ومقتضى الحال:

تعمل البيئة التربوية على إقدار الأفراد على القيام بواجب الوقت والالتزام بفقه الأولويات، ومراعاة مقتضى الحال من حيث طلب العمل، أو بذل المجهود في تحصيل الرزق وكفاية الأهل والأولاد، أو القيام بواجب الدعوة تجاه النفس أو الأهل أو المجتمع.

رابعًا: المنهاج:

وفي هذا يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: «رأيت القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدد عليه يعملون، وهدف محدد إلىه يقصدون، وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه خلفهم من قومهم، غيرهم يعملون على منهاجهم، ويبدأون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينًا أو مكَّنوا نتائجه تمكينًا، وإما تبعوهم على آثارهم فزادوا البناء طبقةً وساروا بالأمة شوطًا إلى الغاية».

مفهوم المنهاج

المنهاج في اللغة: الطريق الواضح. قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}.

وأما في الاصطلاح: فهو منظومة المعارف والحقائق والمبادئ والمفاهيم والقيم والاتجاهات والمهارات التي تحقق الأهداف الكبرى للجماعة، وما تحصله من ذلك داخل المؤسسة أو خارجها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بما في ذلك الأنشطة والرحلات والزيارات والمحاضرات والندوات والمؤتمرات والدورات والمعارض ووسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة.

والمنهاج عند جماعة الإخوان المسلمين لا يخرج عن هذا المفهوم مع خصوصية منهاج الجماعة بما تسعى إلىه من الغايات والأهداف، وما تختص به من الوسائل والأسإلىب.

ومر المنهاج بمراحل عديدة حتى انتهى إلى المنهاج الجديد

المنهاج الجديد:

انطلقت خطة بناء وثيقة مشروع تطوير المناهج التربوية من المسوغات التالية:

دخول الجماعة في مراحل جديدة من العمل السياسي والدعوي، مما استدعى إحداث التطوير في المنهاج التربوي ليواكب المستجدات.

حدوث تغيرات جديدة على الخبرات التربوية وعلى البيئة والمجتمع.

تلبية احتياجات الفرد والمجتمع المستقبلية.

مواكبة النظم التعليمية المتطورة.

مرتكزات بناء المنهاج الجديد:

بناء المنهاج وفق منظومة المعايير التربوية الواضحة، ووضع المؤشرات السلوكية الدالة عليها.

التركيز على ما يناسب تطور الجماعة والمجتمع والدولة والعالم، ويحقق المستويات المطلوبة من المسلم المعاصر.

تهيئة أفراد الإخوان للمساهمة الفاعلة في بناء أوطانهم والبلدان التي يعيشون فيها.

مراعاة اختلاف البلدان والبيئات التي يقطنها الإخوان وخصوصياتها.

الحرص على تربية الأخ المسلم تربية متكاملة وشاملة ومتوازنة.

إدخال مهارات الإبداع والتخطيط في صلب المنهاج من خلال المعايير والمؤشرات.

الاهتمام بواقع الأمة وقضاياها المعاصرة.

العمل من أجل فلسطين وبيت المقدس كقضية مركزية في حياة الأمة المسلمة.

الاهتمام بالتصدي للمشاريع الفكرية والأخلاقية الهدامة والمنحرفة في العالم الإسلامي

إبراز فكر جماعة الإخوان المسلمين في جميع المراحل التربوية.

إبراز الصفات العشر للفرد المسلم كما وردت في ركن العمل.

الاهتمام بالبيت المسلم وتربيته التربية الإسلامية.

الاهتمام بالعلوم الشرعية في مختلف مراحل المنهاج.

أسس بناء المنهاج الحإلى

الأساس الفلسفي:

ينطلق المنهاج من الاعتقاد بأن الله إله واحد لا إله إلا هو، وأن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نبيه ورسوله، وأن القرآن والسنة هما المصدر الأول للمعرفة. ويعتمد المنهاج على التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة، وواجب المسلم أن يتناول هذا التصور بالبحث والدراسة والتدبر والتفكر، وأداتُه في ذلك العقل، في ضوء الوحي قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.

الأساس النفسي: يعد الأساس النفسي من أهم الأسس عند بناء المنهاج، ويتضمن هذا الأساس جانبين: أحدهما يدور حول طبيعة الإنسان، من حيث مكانته بين المخلوقات، وعلاقته بالكون، ووظيفته في الحياة؛ والجانب الآخر يدور حول خصائص المتعلمين في المستويات التربوية والعمرية المختلفة. والمنهاج الحإلى يقدر قيمة الإنسان ومكانته، ويراعي حاجات الدارسين وميولهم في مستوياتهم التربوية المختلفة، ويأخذ في الاعتبار الفروق الفردية بينهم.

الأساس الاجتماعي: يلتفت المنهاج بالاهتمام إلى اللبنة الأولى من لبنات المجتمع، وهي الأسرة فيحرص منذ اللحظة الأولى لتكوينها على رعايتها والاهتمام بها، ويحرص على تماسكها، كما يهتم بخصائص المجتمعات الإسلامية وثقافتها، وطبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة، كما يسعى الى تنمية قدرات الدارسين ليكونوا فاعلين في هذه المجتمعات، عاملين على نهضتها ورقيها، من خلال المشاركة الإيجابية الفاعلة مع أبناء هذه المجتمعات، ومن خلال مؤسساته، كما يعمل المنهاج على غرس القيم الإسلامية النبيلة الداعمة للبناء الاجتماعي، كالعدل والحرية والوحدة واحترام قوانين الدولة المتفقة مع الإسلام والمحافظة على المال العام.

الأساس التربوي: يكون التركيز في هذا المنهاج على الخبرات التربوية التي تغني الشخصية الإسلامية، والتي تنتظم حولها المواقف التربوية المهذبة للسلوك والمنمية للقيم والأخلاق الكريمة، والساعية إلى زرع كل خصال البر والخير.

وتشتق أهداف هذا المنهاج من عدة مصادر:

أهداف الإسلام وغاياته الكبرى (القرآن والسنة).

وأهداف الجماعة وغاياتها من خلال فكرتها الإسلامية.

ومن المتربي من حيث (خصائصه ومرحلة نموه واحتياجاته).

والمادة المتعلمة وطبيعتها، أي المادة الدراسية من حيث (أهدافها وبنيتها وخصائصها).

والمجتمع الإسلامي من حيث (أهدافه وخصائصه وعقائده وقيمه وفلسفته وثقافته).

وتندرج الأهداف التربوية تحت ثلاثة مجالات هي:

المجال المعرفي- ويتمثل في المعلومات والمعارف- ويتضمن عددًا من المستويات: (التذكر والفهم والتطبيق والتحليل والتقويم والتركيب).

والمجال المهاري- ويتمثل في السلوك والأداء المرتبط بالجوارح- ويتضمن عددا من المستويات: (الملاحظة والتقليد والتجريب والممارسة والإتقان والإبداع).

والمجال الوجداني – ويتمثل في الجوانب الإيمانية والقيم والاتجاهات- ويتضمن عددا من المستويات: (الاستجابة والتقبل والاهتمام وتكوين الاتجاه وتكوين النظام القيمي وتكوين السلوك القيمي).

يتم الإعداد التربوي للفرد من خلال عدة مستويات وهي:

مستوى الذات، والعائلة، والجماعة، والأمة، والمجتمع والدولة والأمة، إضافة إلى محور غير المسلمين، ومحور أعداء الأمة؛ وذلك لتحقيق التربية والإعداد الشامل المتكامل للفرد، بما يجعل منه داعية قدوة في جميع المجالات. وفيما يأتي تفصيل لذلك:

الإعداد التربوي للفرد على مستوى الذات لتحقيق الأهداف الآتية:

  1. تعميق أركان الإيمان.
  2. ترسيخ عقيدة الولاء والبراء.
  3. تقوية الارتباط بكتاب الله تعالى تلاوةً، وفهمًا، وحفظًا، وتدبرًا، وتأثرًا، وسلوكًا.
  4. تقوية الارتباط بالسنة النبوية فهمًا وحفظًا وعملًا، واقتداء.
  5. التعرف على منهاج الإسلام في تنظيم علاقة الإنسان بالكون والإنسان والحياة.
  6. التفقه في الدين، وإتقان أداء العبادات والمعاملات حسب مقتضى الشرع.
  7. الاعتقاد بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.
  8. الالتزام بأحكام الإسلام وتوجيهاته الناظمة لشؤون الحياة.
  9. تزكية النفس وسلامة الصدر.
  10. تقويم السلوك والتحلي بالأخلاق الإسلامية.
  11. تعميق الأخوة الإسلامية في نفوس الإخوان.
  12. تعميق الفهم بأهمية دعوة الناس للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.
  13. ترسيخ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  14. توظيف التقنيات المعاصرة في الدعوة.
  15. ترسيخ أركان البيعة عند الإخوان.
  16. تنمية مهارات البحث العلمي والتفكير المنهجي بما يوافق أسس الإسلام وهديه، والاستفادة من التراث البشري.
  17. تعزيز مبادئ التعلم الذاتي.
  18. توضيح أهمية التربية البدنية وضرورة ممارستها.
  19. إتقان مهارات اللغة العربية قراءةً واستماعًا وكتابةً ومشافهةً.
  20. التعريف بالتاريخ الإسلامي وجغرافيته من المصادر الموثوقة.
  21. تنمية مهارات القيادة والإدارة والتخطيط.

الإعداد التربوي للفرد على مستوى البيت/العائلة لتحقيق الأهداف الآتية:

  1. تكوين البيت المسلم على منظومة القيم والأخلاق الإسلامية.
  2. قيام الزّوجين بواجباتهما نحو البيت وتحقيق الخيرية للأهل.
  3. تحقيق البيت المسلم القدوة.
  4. التّعاون بين أفراد العائلة، بما يُحقّق غاية الأسرة.
  5. تحصين العائلة من الأخطار والأفكار المنحرفة.

الإعداد التربوي للفرد على مستوى الدعوة لتحقيق الأهداف الآتية:

  1. تأصيل وجوب العمل الجماعي المنظم وفق ثوابت الجماعة ونظمها.
  2. ترسيخ مبدأ الطاعة في المنشط والمكره في حدود الضوابط الشرعية.
  3. تنمية القدرة على مواجهة التحديات والشبهات التي تثار ضد الجماعة.
  4. التزود بالقدرات والمهارات المتعلقة بالقيادة والإدارة والتخطيط.
  5. ترسيخ الممارسة الشورية.
  6. تنمية قدرات الإخوان على التعامل مع الواقع.
  7. توضيح تاريخ الجماعة على المستويين المحلي والعالمي.
  8. تعميق الفهم لفكر الجماعة ومنهجيتها في التغيير.
  9. تحليل تجارب العاملين في مجال الدعوة والعمل الإسلامي والاستفادة منها.
  10. القدرة على كسب أفراد جدد للدعوة.
  11. المساهمة في البناء الداخلي للدعوة (الهيكل–الكوادر–الدعم المالي).

الإعداد التربوي للفرد على مستوى المجتمع والدولة لتحقيق الأهداف الآتية:

  1. التعاون في حماية الوطن.
  2. المبادرة في مشاريع بناء الوطن وتنميته.
  3. مشاركة أبناء الوطن في العمل والبناء.
  4. العمل على إصلاح الحكومة والدولة.
  5. المساهمة في إصلاح المنظومة التربوية والعلمية وفق القيم السليمة.
  6. التوعية بحرمة الاعتداء على المال العام والخاص.

الإعداد التربوي للفرد على مستوى الأمة لتحقيق الأهداف الآتية:

  1. تعميق إلىقين بالحل الإسلامي.
  2. توضيح واقع حاضر العالم الإسلامي على المستويين المحلي والعالمي.
  3. توضيح مقومات وحدة الأمة والعمل على توظيفها.
  4. بيان واقع الحركات والجماعات الإسلامية.
  5. حشد طاقات الأمة الإسلامية تجاه قضاياها الكبرى وخاصة فلسطين.
  6. بيان دور الجماعة في مناصرة القضايا الإسلامية ودعمه.
  7. التعاون مع الآخرين في المشاريع المشتركة والعمل بروح الفريق.
  8. بيان أصول النظام السياسي في الإسلام.
  9. تأكيد دور الإعلام في خدمة قضايا الأمة.
  10. توحيد جهود العاملين للإسلام.

الإعداد التربوي للفرد وتأهيله للعمل على محور غير المسلمين لتحقيق الأهداف الآتية:

  1. التعريف بالعقائد الأخرى المنتشرة وخاصة في بلده، دراسةً ونقدًا.
  2. تصنيف غير المسلمين من حيث علاقتهم مع المسلمين.
  3. إحسان التعامل مع غير المسلمين ومجادلتهم بالتي هي أحسن.
  4. الشعور بالمسؤولية وتحمل تبعة البلاغ المبين.
  5. مراعاة العدل في التعامل بين الناس جميعًا.
  6. تعميق مفاهيم حقوق الإنسان في التعامل مع غير المسلمين.
  7. تقديم القدوة في السلوك الأخلاقي وبخاصة مع غير المسلمين.

الإعداد التربوي للفرد وتأهيله للعمل على محور أعداء الأمة لتحقيق الأهداف الآتية:

  1. التوعية بالقوى العالمية المعادية للإسلام.
  2. التعريف بوسائل وطرائق التعامل مع القوى العالمية المعادية للإسلام.
  3. التأكيد على فهم المشروع الصهيوني العالمي ووسائل مواجهته.
  4. التعريف بالفرق والمنظمات الهدامة داخل العالم الإسلامي وخارجه وطرق التعامل معها ومواجهتها.

القيم في المنهاج

للقيم أهمية في حياة الفرد والجماعة حيث إنها توجه اهتمام الفرد والجماعة نحو الأشخاص والموضوعات، واتخاذ القرار، وجوانب الحياة المختلفة، وهي تمثل الإطار المرجعيّ لتقويمات الأشياء. فتقي من الانحراف والخطأ، وتساعد على التكيّف مع مبادئ الإسلام لمواجهة ضغوط الحياة، وهي جزءٌ من البناء المعرفي للفرد، فلا شيء يفعله الفرد إلا وهو متصل بقيمه.

وبالرغم من اختلاف وزن القيمة وأهميتها من فرد لآخر، بمعنى أن ترتيب القيم حسب أهميتها يختلف من فرد الى آخر، بل ويختلف عند الفرد الواحد من مرحلة إلى أخرى، إلا أننا نسعى في تربيتنا إلى أن نصل بالفرد إلى أعلى مستوى قِيميّ.

من الناحية السلوكية: تعرف القيم بأنها مجموعة العوامل والمعايير المحددة لسلوك الفرد.

وتعرف من ناحية أخرى: بأنها اتجاهات واهتمامات (إيجابية أو سلبية) حيال الأفراد والأشياء، أو المواقف، أو المبادئ والأفكار.

وتتكون القيم من ثلاثة مكونات رئيسة هي: (المكون المعرفي، والمكون الوجداني، والمكون السلوكي).

والمنظومة القيمية للأفراد: عبارة عن مجموعة القيم والأخلاقيات التي تنظم في مصفوفة متكاملة تحكم سلوكيات الأفراد، وتنطلق من معايير الدين ومعايير المجتمع المتوافقة مع الدين، وتهدف إلى تربية الأفراد عليها.

القيم الفكرية (المبادئ)

المرجعية:

الإسلام هو المرجعية العليا وهو نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا.

أركان البيعة.

الرسإلىة:

الأمة صاحبة رسالة ومهمة حضارية لإسعاد البشرية وتقديم نموذج حضاري.

الوسطية:

  1. إيثار الوسطية والاعتدال على الغلو والتفريط.
  2. إيثار التيسير والتبشير على التعسير والتنفير.
  3. تقديم التسامح والانفتاح على التعصب والانغلاق.
  4. البعد عن مواطن الخلاف الفقهي وعدم الانجرار إلى معارك شرعية جانبية.
  5. إيثار التضامن والتعاون على التفرق والتشاحن.

الواقعية:

  1. الإسلام دين يتفاعل مع واقع الحياة من خلال مقاصد الشريعة وفقه الأولويات وفقه الموازنات.
  2. العقيدة والعبادة تؤخذ جملة إما الشريعة فبالتدرج.
  3. الاعتدال والواقعية في معالجة قضايا المسلمين.

الحرية والعدالة والمساواة:

  1. حقوق الإنسان للجميع وممارسة الحرية في إطار القانون.
  2. التعددية السياسية ضمانة ضد الاستبداد.
  3. العدل والتوازن بين مصالح الافراد والجماعات.
  4. غير المسلمين شركاء في الوطن لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
  5. المساواة القانونية بين أفراد المجتمع.

التغيير:

  1. النضال الدستوري هو الوسيلة الأفضل للتداول على السلطة.
  2. عدم جواز قعود المصلحين عن المطالبة بالحكم الإسلامي.
  3. الأصل في العلاقة مع الحكم النصح والإرشاد، فإن لم ينفع فالخلع والإبعاد بالوسائل الدستورية.

الانتماء:

  1. إعلاء الوحدة الدينية والوحدة الإنسانية.
  2. انتماء متوازن وطني وقومي وإنساني.
  3. حب الوطن والدفاع عنه من الدين والإيمان.

القيم الوجدانية (أخلاق)

قيم مع الله:

  1. الله غايتنا.
  2. الإخلاص.
  3. الإيمان والتقوى.
  4. الإيمان بعظمة الرسالة والاعتزاز باعتناقها.
  5. قيم مع النفس:
  6. الدنيا مزرعة الآخرة.
  7. التوازن بين طلب الدنيا وطلب الآخرة.
  8. الطمأنينة.
  9. الإرادة.
  10. التفاؤل.
  11. التزكية.
  12. الاستقامة على أمر الله.
  13. الرقابة الذاتية.
  14. قيم مع الآخر:
  15. الإنصاف.
  16. البر.
  17. وفاء.
  18. الكرم.
  19. الأمانة.
  20. الأخوة.

قيم مع الجماعة:

  1. الثبات.
  2. تضحية وكفاح في سبيل مناصرة الحق.
  3. إيمان بالله وتأييده.. والمنهاج وصلاحيته.. والإخاء وحقوقه.. والجزاء وجزالته.. وبالنفس.

قيم مع المجتمع:

  1. إحياء الربانية بنشر وتثبيت القيم الإسلامية.
  2. إحياء الربانية بمداومة العبادة بمفهومها الشامل.
  3. الإنسان الصالح الذي يعمل لخير الإنسانية.

القيم السلوكية (الأداء)

العمل:

  1. ربط العلم بالعمل وإيثار العمل على الجدال.
  2. الإتقان.
  3. الفعإلىة.
  4. إيثار الناحية العملية على الدعاية الإعلانية.
  5. تقديم العلمية والتخطيط على العاطفية والارتجال.

الشراكة والتواصل:

  1. التعاون.
  2. الجماعية.
  3. الانفتاح على المجتمع والتعاون مع مكوناته.
  4. رعاية الصالح العام للناس كافة.
  5. الشراكة المجتمعية الإيجابية أفراد ومؤسسات.
  6. التعاون فيما اتفق عليه والإعذار فيما اختلف فيه.
  7. الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة.
  8. التميّز
  9. الإبداع.
  10. الإعداد والقوة بدرجاتها.
  11. الاستقلإلىة عن هيمنة الكبراء والأعيان.
  12. الواقعية.
  13. التدرج في الخطوات واعتماد المرحلية.
  14. التدرج في مراتب الجهاد.
  15. الموازنة بين المقاصد والنتائج والمصالح والمفاسد.
  16. أولوية التوحد بين أبناء الأمة وترك الاختلاف من أجل الصالح العام.

التأثير:

  1. المعايشة – القدوة.
  2. التعريف برسالة الإسلام السامية.

الأخلاق:

  1. التجرد.
  2. حسن الخلق.
  3. عدم تجريح الهيئات والأشخاص.
  4. التعامل مع الناس على قاعدة (دعاة لا قضاة).
  5. استنكار وتأثيم سفك الدم الحرام.

الوسائل والمناشط التربوية

الوسيلة: هي أداة وضعت لتيسير عملية التعليم والتعلم، وتعد الوسائل التعليمية أحد عناصر المنهاج، وترجع أهميتها لما تحققه من تعميق المفاهيم، وإكساب بعض المهارات، وتكوين الاتجاهات، ومراعاة الفروق الفردية بين الأفراد، كما أنها من الممكن أن تتخطى الزمان والمكان. والتقنيات الحديثة توفر قدرًا هائلًا من تخزين المعلومات والبيانات.

ومن الوسائل التربوية المعتمدة عند الجماعة: الأسرة، والليلة الإيمانية (المبيت)، والرحلة، والندوة، والمخيم، والمؤتمر والدورة.

أما المناشط التربوية فيقصد بها كل ما يقوم به المتربي بهدف التعلم، سواء كان قبل اللقاء أو أثناءه أو بعده، وسواء كان داخل اللقاء، أو خارجه، وتتكامل الأنشطة التربوية مع باقي عناصر العملية التربوية لتحقيق الأهداف، لذا يجب أن تتعدد الأنشطة، لتراعي احتياجات الأفراد من ناحية، ولتحقق أكبر قدر ممكن من الأهداف من ناحية أخرى.

ومن الأمثلة على المناشط: قراءة كتاب، أو زيارة القبور، أو كتابة بحث، أو زيارة عالم، أو كتابة مقال.

الوسائل التربوية في المنهاج التربوي ولقد أخذت جماعة الإخوان المسلمين بوسائل متعددة لبناء وتكوين الأفراد، والتي كان لها عظيمُ الأثر في إعداد وتربية الأجيال المتعاقبة من حمَلة هذه الدعوة المباركة والعاملين المجاهدين من أجل نصرة هذا الدين الحق، ولقد أثبتت الممارساتُ العملية لهذه الوسائل على مرِّ الزمن أنه لا بديلَ ولا غنى عنها، وأنها ما زالت صالحةً لتحقيق التربية السليمة والمتوازنة لأفرادها، ولقد حدَّدت الجماعة لكل وسيلة دورَها في البناء والتكوين، نذكر منها:

أولًا: الأسرة:

التعريف: لغةً: لكلمة الأسرة في اللغة معانٍ عديدة منها:

- الدرع الحصينة.

- وأهل الرجل وعشيرته.

- والجماعة يربطها أمر مشترك.

- وهم رهطي وأسرتي وتقول: «مَالَكَ أسرة إذا نزلت بك عسرة».

- وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم.

- والأسرة يتقوى بها كل عضو من أعضائها.

أهمية الأسرة كمحضن تربوي

يقوم الإمام البنا مبينًا أهمية هذا المحضن التربوي: «يحرص الإسلام على تكوين أسر من أهله يوجههم إلى المثل العليا، ويقوي رابطتهم، ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات، وأركان هذا الرباط ثلاثة؛ فاحفظها واهتم بتحقيقها حتى لا يكون هذا تكليفًا لا روح فيه:

1- التعارف:

هو أول هذه الأركان؛ فتعارفوا وتحابوا بروح الله، واستشعروا معنى الأخوة الصحيحة الكاملة فيما بينكم، واجتهدوا ألا يعكر صفو علاقتكم شيء: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.

ولقد ظلت هذه الأوامر الربانية والتوجيهات المحمدية بعد الصدر الأول كلامًا على ألسنة المسلمين لا في نفوسهم، حتى جئتم معشر الإخوان المتعارفين تحاولون تطبيقها في مجتمعكم، وتريدون تإلىف الأمة المتآخية بروح الله.

2- التفاهم:

هو الركن الثاني من أركان هذا النظام التربوي، وفيه تتم محاسبة النفس، ثم ينصح الأخ أخاه متى رأى فيه عيبًا، وليقبل الأخ نصح أخيه بسرور وفرح، ولا يخبر أحدًا بالعيب إلا أخاه مسئول الأسرة، إذا عجز عن الإصلاح، ثم لا يزال بعد ذلك على حبه لأخيه، وتقديره له ومودته له، وليحذر المنصوح من العناد والتصلب، وتغيير القلب على أخيه الناصح.

3- التكافل:

هو الركن الثالث، فتكافلوا وليحمل بعضكم بعضًا، وذلك صريح الإيمان، ولب الأخوة، وليتعهد بعضكم بعضًا بالسؤال والبر، وليبادر إلى مساعدته ما وجد إلى ذلك سبيلًا، وتصوروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عنه ابن عباس: «من مشى في حاجة أخيه كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين»، والله يؤلف بين قلوبكم بروحه، إنه نعم المولى ونعم النصير.

ألا ترى أن هذا النظام التربوي يحقق الواجبات الفردية والاجتماعية والمالية؟ ويحقق المعايشة والمؤانسة والأخوة، إن مثالًا واحدًا مما تشغل به الأسرة اجتماعها ليوضح الآثار التربوية العظيمة في حياة أفرادها، فهي تشتمل على:

1- عرض كل أخ لمشاكله ويشاركه إخوانه في دراسة حلولها في جو من صدق الأخوة، وإخلاص التوجه إلى الله، وفي ذلك توطيد للثقة، وتوثيق الرابطة: «المؤمن مرآة أخيه»، حتى يتحقق فينا شيء من مأثور قوله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى».

2- مدارسة ومذاكرة حول شؤون المسلمين والتوجهات الواردة من القيادة، ولا محل للأسرة للجدل أو الحدة ورفع الصوت فذلك حرام في فقه الأسرة، ولكنه بيان واستيضاح في حدود الأدب الكامل والتقدير المتبادل بين الجميع.

3- مدارسة نافعة من كتاب من الكتب القيمة وغير ذلك مما يعود بالنفع على أفراد الأسرة ليتحقق بها الشخصية الإسلامية الأخلاقية بعقد إيمانها وعقد أخوتها لتصبح أداة للتغيير.

ثانيًا: الكتائب

التعريف لغةً: مأخوذة من مادة: كتب، والكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، ومن ذلك الكتاب والكَتَبَة.

والكتيبة: ما جُمِعَ فلم ينتشر.

وهى: جمع وضم الأفراد مع أفراد، وأسر مع أسر، تعد نفسها وفق برنامج نظر فيه إلى المجاهدة والمصابرة والمثابرة، ومما قيل يوم السقيفة: نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام.

أهداف الكتيبة:

أولًا: العناية بالجانب الروحي في الأفراد، وتقوية الصلة بالله سبحانه عن طريق التنفل وقيام الليل، وتنمية هذا الجانب وتربيته بالعبادة والذكر والدعاء، وكل ما من شأنه أن ينقى هذه الروح من الشوائب والأوضار، ويعيد إليها الصفاء والنقاء اللازم لها في هذا الطريق.

ثانيًا: عقد مزيد من الروابط والصلات بين الإخوان، لدعم معنى الأخوة في الله والحب فيه، عن طريق المشابهة في جهاد النفس والإقبال على التعبد والذكر.

ثالثًا: إحياء معني المجاهدة في نفوس الإخوان.

رابعًا: المساهمة في التربية الجماعية للأخ.

خامسًا: تزويد الإخوان بالعلم والمعرفة وحفزهم على القراءة والاطلاع.

سادسًا: تعويد الإخوان على محاسبة أنفسهم بأنفسهم قبل أن يحاسبهم ربهم على أعمالهم.

ثالثًا: الرحلة

هي وسيلة تربوية كذلك متممة للوسائل التي اتخذتها الجماعة في تربية الأفراد، وتغلب عليها التربية الجماعية. والرحلة ضرورية لإيجاد الجو الاجتماعي [[الإخواني الذي تسوده القيم الإسلامية، والتحلي بأخلاق الإسلام طيلة يوم كامل، يحيا فيه المشاركون في الرحلة حياة إسلامية عملية.

رابعًا: المخيم

للمخيم أهداف تربوية لا تتيحها الأسرة ولا الكتيبة ولا الرحلة، فالمخيم أكثر سعة في الزمان والمكان من الأسرة والكتيبة والرحلة.

ومن ثم فإن الأهداف التربوية للمخيم يمكن أن نشير إلى بعضها فيما يلى:

1- صبغ حياة الفرد بصبغة إسلامية خإلىة من الشوائب على مدى اليوم كله ليله ونهاره، لفترة تشتمل على عدد من الأيام أو الأسابيع، ليتشرب السلوكيات الإسلامية والآداب القرآنية، وفق منهج خاص تعده إدارة المخيم وتتابع تنفيذه بدقة متناهية. 2- تعويد المشاركين في المخيم على تغيير عاداتهم، مجاهدة للنفس، وما يتطلبه ذلك من استعداد وإعداد في البدن والنفس والعقل والدين. 3- تبصير الأفراد والقيادات بواجباتهم التربوية إزاء إخوانهم بصورة عملية ولفترة طولية ولعدد أكبر من المشاركين. 4- تعويد المشابهة في المخيم على أساسيات العمل الإسلامي، مثل:

أ- النظام الدقيق في الزمن الطويل. ب- الصبر على المتاعب والمشقات أطول فترة. جـ- الالتزام بكل صغيرة وكبيرة من الأمور التي ترى إدارة المخيم ضرورة التمسك بها. د- التعاون والإيجابية بالمشاركة في أعمال المخيم كلها والتنقل بين أنواع هذه الأعمال لإجادتها جميعًا. 5- المدارسة الهادفة والمحاضرات الجامعة. 6- تعرف المشاركين في المخيم على قيادات الجماعة وأهل الفكر والعلم والسابقة ليحدث التواصل بين الأجيال، وليتم التوريث على وجهه.

خامسًا: الدورات

والدورات- كوسيلة تربوية- تعمل على إكساب وتدريب الأفراد على المهارات الأساسية واللازمة في كافة مجالات وأنشطة الدعوة، كما تعمل على إكساب الخبرات والتجارب العملية بالتواصل الفعَّال مع أهل الاختصاص والخبرة.

سميت بذلك لأنها عمل دوري، أي له في كل فترة معينة.

وتتميز بخصائص لا توجد في غيرها من وسائل التربية، ومن هذه الخصائص ما يلي:

أنها دراسة مكثفة حول موضوع بعينه علمي أو تدريبي، بقصد أن يصل الدارس فيه إلى أعمق ما يمكن أن يصل إلىه على أيدى علماء من أهل الاختصاص. تعد الدورة أسلوبًا تربويًا جيدًا لتكوين الآراء العلمية الموضوعية، وهذا من شأنه أن يحفز المشاركين فيهما على تصور النظرة العلمية الموضوعية لما يحيط بهم من مسائل وقضايا تهم العاملين في الحقل الإسلامي.

تعد الدورة فرصة لزيادة الوعى بالقضايا والمسائل الهامة التي تحتاج إلى دراسة متعمقة، ولا يتسع لها وقت الأسرة أو الكتيبة أو الرحلة أو المخيم، لأن لكل واحدة من هذه الوسائل برنامجها الذي قد لا تتاح فيه فرصة لطرح هذه القضايا المسائل من حيث الظروف ومن حيث الزمن، أما الدورة فهي مخصصة لهذا بالذات وبذلك تتميز عن سواها من وسائل التربية.

سابعًا: الندوة

الندوة: النادي والندى، وهو المجلس يندو القوم حوإلىه.

والندوة: الجماعة من الناس.

والندوة: الجماعة يلتقون في نادٍ أو نحوه؛ للبحث والتشاور في أمر معين.

ودار الندوة بمكة: مجتمع القوم للتشاور في مهام أمورهم كالحرب والصلح والتجارة ودفع الخطر.

والندوة: في عصرنا هذا هي: اجتماع يتكون من عدد محدود من الخبراء والمختصين للإسهام في دراسة موضوع أو مشكلة، بحيث يعطى كل واحد منهمل رأيه داعمًا إياه بما يستطيع من أدلة وبراهين.

و الجماعة تستضيف لهذه الندوات العلماء والخبراء والمتخصصين ليدرسوا قضية بعينها.

ولقد طرحت في هذه الندوات للمدارسة قضايا ومسائل لها أهمية خاصة لدى المسلمين أو المشتغلين بالعمل الإسلامي، وكانت تلك القضايا والمشكلات متنوعة على النحو التإلى:

  1. قضايا دينية.
  2. قضايا اجتماعية.
  3. قضايا سياسية.
  4. قضايا اقتصادية.
  5. قضايا فكرية مذهبية.
  6. قضايا ثقافية توجيهية.
  7. قضايا أخلاقية.

وغير ذلك من القضايا والمشكلات التي كانت تشغل المجتمعات الإسلامية في مصر وفي العالمين العربي والإسلامي.

ثامنًا: المؤتمر

1- مفهومه ومكانته بين وسائل التربية

أ- مفهومه:

المؤتمر: في اللغة مكان الائتمار- أي المشاورة. وقد عرفه مجمع اللغة العربية بأنه: مجتمع للتشاور والبحث في أمر ما.

وقد عرفه معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية بأنه مؤتمر رسمي ومؤتمر عام، فعرف المؤتمر الرسمي بقوله: يخصص هذا المصطلح للدلالة على الاجتماعات الرسمية ذات الأهمية من حيث أهدافها ونتائجها المحتملة، كإبرام مواثيق أو معاهدات.

وعرف المؤتمر العام بقوله: يضم عددا كبيرًا من المشتركين قد يصل إلى مئات، والاشتراك فيه مباح لجميع المنظمات والأفراد المختصين. ويعقد لمدة محددة لتبادل الرأي في الموضوعات المعروضة عليه وإصدار توصيات تنشر على نطاق واسع.

وتعقد المؤتمرات العامة عادة في فترات دورية بين كل فترة وأخرى سنة أو أكثر.

وبكل واحد من هذه المفاهيم: اللغوية أو المعاصرة عقدت الجماعة عددا كبيرًا من المؤتمرات، بل إن عقد المؤتمرات قد واكب تاريخ الجماعة في خطواته الأولى منذ كانت الجماعة في منطقة الإسماعيلية، واستمرت الجماعة تمارس عقد المؤتمرات على المستوى العام للجماعة وعلى المستوى الإقليمي لمناطق الجماعة، وما تخلت عن المؤتمر في وسائلها التي تربى بها الأفراد والجماعات. وإنما جنت الجماعة من هذه المؤتمرات أطيب الثمار.

ب- مكانة المؤتمر بين وسائل التربية:

قد يتوهم بعض الناس أن المؤتمر ليس وسيلة جيدة للتربية. بمعنى أن الوسائل الأخرى تربي بشكل مباشر ومقصود، في حين أن المؤتمر قد لا يحقق ذلك، وهذا الوهم يزول عند التأمل في الموضوعات التي تطرح في المؤتمر، إذ الغالب في هذه الموضوعات أن تضيف إلى الحاضرين في المؤتمر بعدًا ثقافيًا ومعرفيًا قد لا يتاح بنفس المستوى في الوسائل الأخرى، فهي المعرفة المغربلة التي جاءت نتيجة للبحوث، والدراسات المتعمقة، والحوار والمناقشة والاستقرار فيها على الحصيلة لكل هذا.

ولكن ما يميز المؤتمر عن سائر وسائل التربية لا بد أن نشير إلى نماذج منه فيما يلى

أنه يضم حشدًا كبيرًا من المشاركين في الدراسة، غالبًا ما يكون كل واحد منهم قد أعد نفسه للمشاركة في المؤتمر ببحث أو دراسة جيدة في الموضوع المعروض في المؤتمر، وهذا لا يتاح في وسيلة أخرى سواه.

أنه يضم حشدا كبيرا من الحاضرين المدعوين للاستماع والاستفادة، ويتيح لهم فرصة جيدة للاشتراك في المناقشة والحوار، كما يعطيهم الفرصة الجيدة للتعرف على الآراء الأخرى من جانب، وعلى آراء الباحثين والدارسين وشخصياتهم من جانب آخر.

أن مدة انعقاده قد تطول في بعض الأحيان، مما يتيح للدارسين.. والباحثين فرصة عرض بحوثهم ودراساتهم على اللجان المختصة للتداول فيها والانتهاء إلى رأى منخول فيها، وهو أمر يزيد البحث والدراسة عمقًا وقدرة على مواكبة المتطلبات.

كما أن طول مدة انعقاده تعلى نفس الفرصة لكل الحاضرين من أعضائه، لكى يستمعوا إلى أنضج الآراء حول الموضوع وإلى أعمق الدراسات والبحوث.

أن الموضوع المختار للدراسة والبحث يحشد له من الطاقات والكفاءات العلمية ما لا تتاح فرصة حشده في وسيلة أخرى من وسائل التربية.

وغالبًا ما يكون هذا الموضوع بحاجة ماسة إلى ما يلى:

أ- تبادل وجهات نظر متعددة حوله.

ب- تعميق بحثه، ودراسته بوساطة المختصين.

جـ- أخذ الموافقة عليه من أكبر عدد من الناس، لأهمية ما يترتب عليه عندما يصبح قرارًا من قرارات الجماعة.

أن المؤتمر يركز بعمق ودقة على الجانب الثقافي في تربية الأفراد، ويعطي لهذا الجانب عمقًا واتساعًا لا يتاح بنفس القدر والفاعلية مع الوسائل الأخرى من وسائل التربية، وواضح ما للجانب الثقافي من أهمية في شخصية من يتصدى للعمل الإسلامي في هذا العصر المستمر في التغير.

المؤتمر فرصة جيدة لتنشيط الفكر وتلقيحه بأفكار أخرى، والوصول من وراء ذلك إلى تحليل مقبول للموضوع المطروح للمناقشة، فضلا عما فيه من مشاركة حية وإيجابية من الحاضرين للباحثين والخبراء، وكل ذلك يعطي دربة لا تتوفر بنفس المستوى في وسيلة أخرى من وسائل التربية. المؤتمر يجدد الروابط بين الأعضاء المدعوين من أماكن متباعدة، ويزيد التعارف عمقا ويوثق فيهم معانى الأخوة، ويوضح لهم بعض المعالم في طريق العمل الإسلامي.

المؤتمر يعطى الجماعة ثقة كبيرة في إصدار قرار ما بعد أن يكون المؤتمر قد أصدر توصية في موضوع هذا القرار، كما يساعد في القضاء على الاختلاف بين وجهات النظر حول موضوع بعينه، وتلك أهداف للجماعة في كل ما تصدره من قرارات، فضلًا عما يتيحه المؤتمر لمبدأ الشورى من ممارسة جيدة على أعلى المستويات من جانب، وعلى أوسع القواعد من جانب ثانٍ، وعلى أدق التفاصيل من جانب ثالث.

كان المؤتمر في تاريخ الجماعة دائمًا يعطى الجماعة فرصة لطرح سياسة معينة في أي مجال من مجالات العمل في الجماعة، لأخذ الرأي عليها والوصول فيها إلى قرار، بدلًا من استطلاع رأى أفراد الجماعة في أماكن تجمعهم، لما في ذلك من استهلاك كبير للوقت والجهد والمال.

كانت المؤتمرات فرصة للجماعة ليجدد أعضاؤها بيعتهم لقيادة الجماعة، وما يستهدفه ذلك من تجديد الثقة بين الجند والقادة، مما ييسر على الجماعة عملها والسير بسياستها إلى مداها.

2- أهداف المؤتمر

المؤتمر مجتمع للتشاور والبحث في أمر ما. وتكون المشاركة فيه للهيئات والأفراد المختصين لتبادل الرأي والمشورة حول قضية بعينها وإصدار التوصيات أو القرارات اللازمة.

والمؤتمر يتميز عن غيره من وسائل التربية بأنه يضم حشدًا كبيرًا من المشاركين بالبحث والدراسة- المعدة مسبقا- كما يضم حشدا كبيرا كذلك من المشاركين بالمناقشة والمداولة.

إن هذه الوسائل التربوية بتكاملها وشمولها تعبر بصدق عن خصائص منهج التربية عند الإخوان المسلمين، وتدل على عبقرية البناء والتكوين عند الإمام الشهيد حسن البنا، الذي استطاع أن يؤلف ويربِّي الرجال أصحاب الهمم العإلىة والعزائم الصادقة، والذي سار على نهجه الأتباع والدعاة على مرِّ الأزمنة وفي سائر الاقطار.

التقويم

يقصد بالتقويم، العملية التي يقوم بها الفرد، أو تقوم بها الجماعة لمعرفة مدى النجاح، أو القصور في تحقيق الأهداف، وللوقوف على جوانب القوة لتعزيزها، ومواطن الضعف لعلاجها، لذا يعد التقويم وسيلة للتشخيص والوقاية والعلاج. ومن هنا توجب أن يكون التقويم عملية مستمرة مع بداية العملية التربوية وأثنائها وفي نهايتها، وكذلك أن يكون شاملًا ومتنوعًا، بحيث يشمل جميع جوانب شخصية الدارس، ويكشف عنها.

وتتعدد أسإلىب التقويم وأدواته، فمنها: (الاختبارات التحريرية، والشفهية، والعملية، والملاحظة، واستطلاع الرأي، ومقاييس التقدير، وملف الإنجاز، والمهام الأدائية)

وختامًا.. بعد ما تحدثنا عن أن التربية هي طريق النهضة من خلال تناولنا لـــ:

- طبيعة الصراع وحقيقة المعركة وأهمية التربية كطريق للنهضة.

- مقومات البناء بشقَّيه النفسي (العقائدي والسلوكي) والتنظيمي.

- خصائص ومكونات العملية التربوية.

- وسائل التربية المتنوعة والمتكاملة.

ونستطيع أن نخلص إلى عدة نقاط مهمة:

أن للتربية عند الإخوان المسلمين أهميةً قصوى لا تدانيها أهميةٌ، ولقد أدرك الإخوان منذ خطواتهم الأولى أن أمثَل الطرق للإصلاح هي طريقة تربية الأفراد وفق منهج الإسلام ونظامه للوصول بهم إلى الغاية والأهداف المنشودة.

أن منهج الإخوان في التربية اتباعٌ وليس ابتداعًا، فالتربية الإخوانية تنبع من كتاب الله وسنة رسوله، وتستعين بسِيَر الصحابة والتابعين وسِيَر الصالحين المجدِّدين من أئمة الهدى على مرِّ التاريخ الإسلامي كله.

تعدد وسائل التربية لدى جماعة الإخوان المسلمين تعددًا يؤكد التكامل في تربية الفرد المسلم، وينبئ عن إدراكٍ عميقٍ للمنهج الصحيح الذي يجب أن تقوم عليه التربية الإسلامية.

أن تربية الأمم وتكوين الشعوب ومناصرة المبادئ وتحقيق الآمال- كما قال الإمام الشهيد حسن البنا- تحتاج إلى القوة النفسية العظيمة التي تتمثل في:

- إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف.

- وفاء لا يعدو عليه تلوُّن أو غدر.

- تضحية عزيزة لا يحُول دونها طمعٌ أو بخلٌ.

- إيمانٌ بالمبدأ ومعرفةٌ به.

إن سيادة الأرض والتمكين فيها يكون كما قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الذي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}. نسأل الله العلي القدير أن يمكِّن لهذه الأمة ولحَمَلة هذه الدعوة حتى تسعد البشرية جمعاء.

السنن الربانية من الإدراك إلى الحراك

السنن الربانية من الإدراك إلى الحراك قراءة في تراث الإمام المجدد حسن البنا

بقلم الدكتور رمضان خميس الغريب

أستاذ التفسير وعلوم القرآن المشارك في كلية الشريعة جامعة قطر

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الشيخ المجدد حسن عبد الرحمن البنا واحد من الذين ظهروا في الحياة فملأوا الدنيا وشغلوا الناس، ووقفتنا معه هنا وقفة علمية مجردة لا يعليها مدح المادحين ولا يقف أمامها شنآن المبغضين؛ لأنها وقفة تقوم-حسب ظني وادعائي – على العلم المجرد لغاية العلم خدمة للبحث العلمي ورغبة في كسر أسوار ضربت على قمم من قمم أمتنا حالت بينها وبين أن تفيد منها الأمة بالقدر الذي يتناسب مع جهدهمً وعطائهم.

والزاوية التي نطل منها على هذه الشخصية اللافتة للنظر زاوية تخصصية بحتة بعيدا عن التصنيف والتوصيف الذي يفرض على الناس هالات من القداسة حينا أو غماماتٍ سوداءَ تحجب الناس عن رؤيتهم حينا أو تتحكم فيهم مواقع سياسية الثالثة الأخرى.

وتلك الزاوية هي زاوية العناية بالسنن الربانية من ناحية التوصيف والتكييف والتنزيل والتطبيق، ولا أكتم القارئ الكريم شعوراْ أنني بهرت من تتبعي لهذه الشخصية الفذة؛ فقد عنيت بالسنن حينا من الدهر ولا أزال وأرى أنها ميدان فارغ من الفرسان وحلبة خاوية من الأبطال ( إلا من رحم الله )، ووجدت الأستاذ البنا قد قطع شوطا مباركا في هذه الزاوية وتجاوز مرحلة الرصد والسرد والجرد إلى مرحلة التطبيق العملي والإفادة الحقة؛ فانتقل بالسنن من مرحلة الوعي إلى مرحلة السعي، بل إلى مرحلة تكوين جيل من الدعاة تربوا على هذه المعاني السننية القرآنية الثابتة، ولعل هذا أحد أسباب استمرار المشروع الإسلامي للشيخ البنا واستقراره على كثرة ما تعرض له من هجمات منظمة وممولة عبر السنين والأقطار.

ولقد تتبعت كتابات الشيخ واستقرأت ما كتب عبر كتبه: مجموعة الرسائل، ومذكرات الدعوة والداعية، وتفسيره الذي جمع أخيرا وكتاباتٍ متعددةً عنه وعن فكره، وأرى أن يأتي البحث في هذه العناصر المركزة غاية التركيز.

  1. المقدمة، وفيها أسباب اختيار الموضوع ومنهجية كتابة هذه الدراسة
  2. المبحث الأول: روافد التكوين السنني لدى الشيخ البنا.
  3. المبحث الثاني: السنن الربانية بين المسطور والمنظور وموقف الإمام البنا من هذا التزاوج.
  4. المبحث الثالث: عناية الإمام البنا بعلم السنن ومنهجية التعامل معها في نظره.
  5. المبحث الرابع: نماذج تطبيقية من علم السنن لدى الإمام المجدد.
  6. الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.
  7. فهرس المصادر والمراجع.

المبحث الأول روافد التكوين السنني لدى الإمام المجدد

توفر للأستاذ البنا رحمه الله عدد من روافد التكوين التي ساعدته على الوعي بالسنن والسعي بها في ميادين الأنفس والآفاق، سواء كانت تلك الروافد روافد تتعلق بشخصه، أو بتكوينه العلمي، أو بتنوع ثقافته، أو بسعة اطلاعه على علوم ومعارف كان لها فيما بعد أبعد الأثر في عنايته بالسنن وتطبيقه لها، وفي هذه الصفحات سنلمس لمسا رفيقا رقيقا أهم هذه الروافد لا من باب جردها وسردها ورصدها بل من باب الوعي بها علَّها تتكون لدينا بعض هذه الروافد فنسير كما ساروا وننسج على ما نسجوا فنزيد في البناء طبقة ونقطع بالأمة شوطا إلى الأمام، ومن أهم هذه الروافد ما يأتي:

المطلب الأول

والده وبيئته

توفر للشيخ البنا بيئة مصغرة عاش فيها كانت عنايتها بالدين عامة وبعلم الحديث خاصة عناية بالغة فوالده الشيخ عبد الرحمن البنا أو عبد الرحمن الساعاتي كما كان يلقب – كانت له عناية خاصة بالعلم الشرعي وبعلم الحديث بصفة أخص، ووالد الشيخ عالم رباني من علماء السنة المعروفين وفر حياته على تصنيف مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وأخرجه في حلة بهية وسماه الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني، وأصحاب الصنعة يثنون على هذا العمل بصورة كبيرة، ولا شك أن من ينشأ في مثل هذه البيئة يتأثر بها ويتغذى بغذائها، وقد كان، ومن يطالع خطابات البنا إلى والده وخطابات والده إلىه والتي نشرها فيما بعد الأستاذ جمال البنا يدرك كيف كانت هذه الأسرة أسرة علمية من طراز عالٍ.

المطلب الثاني

شيوخه وأساتذته

أما الرافد الثاني من روافد تكوين الأستاذ البنا رحمه الله والذي ساعده على الوعي بالسنن والعمل بها والإفادة منها فهو شيوخه، شيوخه بالمعنى العلمي وشيوخه بالمعنى السلوكي فقد تربى الرجل على يدي قمم العلم في زمانه، فهو خريج درا العلوم، تلك المدرسة العريقة التي قال عنها سعد زغلول: تموت اللغة العربية في كل مكان وتحيا في دار العلوم.

ومن أهم شيوخه الذين أثَّروا فيه وأثْروا حياته:

الشيخ محمد زهران

والشيخ زهران كان ممن جمعوا بين العلم والعمل وبين الصفات الخلقية السلوكية وبين الذكاء الفطري، وقد كان من أهم شيوخه: إذ يقول عنه: (رحم الله أستاذنا الشيخ محمد زهران صاحب مدرسة الرشاد الدينية، الرجل الذكي الألمعي، العالم التقي، الفطن اللقن الظريف، الذي كان بين الناس سراجا مشرقا بنور العلم والفضل يضئ في كل مكان، وهو وإن كانت دراسته النظامية لم تصل به إلى مرتبة العلماء الرسميين، فإن ذكاءه واستعداده وأدبه وجهاده قد جعله يسبق سبقاً بعيداً في المعارف وفي الإنتاج العام. كان يدرس للعامة في المسجد ويفقه السيدات في البيوت. وأنشأ مع ذلك مدرسة الرشاد الدينية في سنة 1915 م. تقريبا لتعليم النشء على صورة كتاتيب الإعانة الأهلية المنتشرة في ذلك العهد في القرى والريف، ولكنها في نهج المعاهد الرائعة التي تعتبر دار علم وعمل! تربية على السواء ممتازة في مادتها وطريقتها، وتشتمل مواد الدراسة فيها - زيادة على المواد المعروفة في أمثالها حينذاك - على الأحاديث النبوية حفظا وفهما) (142).

الشيخ عبد الوهاب الحصافي:

ومن شيوخه العظام كذلك الشيخ عبد الوهاب الحصافي شيخ الطريقة الحصافية في وقته، وقد تربى الشيخ على يديه، وتأثر به كثيرا، وبدا هذا في مذكراته التي سماها مذكرات الدعوة والداعية إذ يقول:(ومنذ ذلك الحين أخذ اسم الشيخ الحصافي يتردد على الأذن، فيكون له أجل وقع في أعماق القلب، وأخذ الشوق والحنين إلى رؤية الشيخ والجلوس إلىه والأخذ عنه يتجدد حينا بعد حين، وأخذت أواظب على الوظيفة الروحية صباحا ومساء، وزادني بها إعجابا أن الوالد قد وضع عليها تعليقا لطيفا جاء فيه بأدلة صيغها جميعا تقريبا من الأحاديث الصحيحة وسمى هذه الرسالة تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الزروقية، ولم تكن هذه الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم، وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التي وردت في كتب السنة تقريبا، ليس فيها شيء من الألفاظ الأعجمية أو التراكيب الفلسفية أو العبارات التي هي إلى الشطحات أقرب منها إلى الدعوات.) (143)

واضح أثر الشيخ الحصافي على الشيخ البنا بصورة واضحة خاصة في الجانب الروحي ومن يقرأ رسالة المأثورات يدرك هذا.

أضف إلى هذا عددا من العلماء الكبار الذين عاصرهم الشيخ رحمه الله تعالى: مثل الشيخ طنطاوي جوهري والشيخ رشيد رضا والشيخ محمد فريد وجدي وغيرهم من أعلام الفكر، ولا شك أن لهؤلاء الأعلام أبعد الأثر في تكوين الشيخ وتفكيره وربط نفسه بعلم الشريعة عامة وعل السنن خاصة، فقد تنوع شيوخه من مدارس إصلاحية واجتماعية وتراثية.

المطلب الثالث

اتصاله الوثيق بالوحي قرآنا وسنة

ومن أهم روافد التكوين السنني لدى الشيخ نظره الثاقب في الكتاب والسنة واتصاله الحي المعيش بمصادر الوحي فالرجل كما سماه الصحفي الأمريكي والذي أدار معه حوارا مطولا ترجمه الأستاذ أنور الجندي رحمه الله- سماه الرجل القرآني.

ومن يطالع سيرة الرجل يجد القرآن الكريم يتمشى في لحمته وسداه وهو سر ترنمه مصبحه وممساه، وتعامله مع الآيات واختيارها في كتبه وخطبه وصلاته يدل على عمق صلته بها، وفقه التنزيل للآيات عنده واضح لا تكاد تخطئه العين الباصرة فضلا عن المتأملة الراصدة.

إنك تسمع تلاوته للآيات واختياره لها في الصلوات كما يذكر تلاميذه تجد عمق الاختيار وروعة التعايش حتى تود أنه لا ينتهي، واستدلاله بالآيات على أفكاره آسر، إن دل هذا على شيء فإنما يدل على تضلعه بالقرآن الكريم وتشبعه به.

المطلب الرابع

علمه بالتاريخ وأحوال البشر

ومن أهم الروافد التي شكلت الفكر السنني لدى الأستاذ المجدد حسن البنا: وعيه بالتاريخ وأحوال البشر وخصائص الأمم، وهذا الرافد من أهم الروافد في التكوين السنني عامة والوعي بفهم القرآن ومضامينه خاصة، وفيه يقول حكيم الإسلام الأستاذ الإمام محمد عبده رحمه الله وهو يتحدث عن الأمور التي يتم بها الوصول إلى المرتبة العليا في التفسير:(ثالثها): علم أحوال البشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب، وبين فيه ما لم يبينه في غيره. بين فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعهم والسنن الإلهية في البشر، قص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها. فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم أدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم، من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير علويه وسفليه، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه.

قال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) (2: 213) الآية - وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرقوا؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أم ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم.

أجمل القرآن الكلام عن الأمم، وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السماوات والأرض، وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علما، وأمرنا بالنظر والتفكر، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمة. ) (144)

والأستاذ البنا رحمه الله يتحدث عن خصائص الشعوب ومزايا الأمم حديث الخبير بها العارف بمزاياها وعيوبها والمطلع على صفاتها وتشريحها بما أهَّله لأن يعمل السنن ويفيد منها إفادة واضحة، يقول وهو يتحدث عن خصائص العروبة والعرب: (ولسنا مع هذا ننكر خواص الأمم ومميزاتها الخلقية، فنحن نعلم أن لكل شعب مميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق، ونعلم أن الشعوب في هذا تتفاوت وتتفاضل، ونعتقد أن العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر، ولكن ليس معنى هذا أن تتخذ الشعوب هذه المزايا ذريعة إلى العدوان، بل عليها أن تتخذ ذلك وسيلة إلى تحقيق المهمة السابقة التي كلفها كل شعب، تلك هي النهوض بالإنسانية، ولعلك لست واجدا في التاريخ من أدرك هذا المعنى من شعوب الأرض كما أدركته تلك الكتيبة العربية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.) (145)

وعند تشريحه لأدواء الأمة العربية والإسلامية يتحدث عنها حديث واعٍ بها فعلا مستوعبٍ لأمراضها حقا، بل يصف لها الدواء فيذكر أن داءنا ليس في قلة المال ولا غياب المقدرات بل في أمور أخرى: (والتاريخ منذ عرف إلى الآن يحدثنا أن الدعوات لا تقوم أول أمرها بالمال ولا تنهض به بحال، فهي تحتاج إلى مال في بعض مراحل طريقها ولكن محالٌ أن يكون قوامها ودعامتها، فرجال الدعوات وأنصارها هم دائما المقلون من هذا المال وسل التاريخ ينبئك، وليست الوسيلة القوة كذلك فالدعوة الحقة إنما تخاطب الأرواح أولا وتناجى القلوب وتطرق مغإلىق النفوس، ومحال أن تثبت بالعصا أو أن تصل إليها على شبا الأسنة والسهام، ولكن الوسيلة في تركيز كل دعوة وثباتها معروفة معلومة مقروءة لكل من له إلمام بتاريخ الجماعات...

وخلاصة ذلك جملتان: إيمان وعمل ومحبة وإخاء. ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركيز دعوته في نفوس الرعيل الأول من أصحابه أكثر من أنه دعاهم إلى الإيمان، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لابد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها وإن ناوأها أهل الأرض جميعا، وماذا فعل الدعاة من قبل ومن بعد أكثر من هذا؟ ينادون بالفكرة ويوضحونها ويدعون الناس إليها فيؤمنون بها ويعملون لتحقيقها ويجتمعون عليها ويزدادون عددا فتزداد الفكرة بهم ظهورا حتى تبلغ مداها وتبتلع ما سواها، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.) (146)

الوعي بالواقع الذي يعيشه ومن حوله

ومن روافد التكوين السنني لدى الشيخ رحمه الله وعيه بالواقع الذي يحياه سواء كان واقعا يخص البيئة المصرية التي ربى فيها الشيخ أو البيئة العالمية والنظام العالمي الذي يحرك العالم ويتحكم فيه؛ فالشيخ رحمه الله يتناول الحديث عن أدواء الأمة وأمراضها فيشرحها تشريح الخبير المستوعب لها والواعي بمكامن الداء فيها فيقول: (و قد علمتنا التجارب و عرفتنا الحوادث أن داء هذه الأمم الشرقية متشعب المناحي كثير الأعراض قد نال من كل مظاهر حياتها، فهي مصابه في ناحيتها السياسية بالاستعمار من جانب أعدائها، و الحزبية و الخصومة و الفرقة و الشتات من جانب أبنائها، و في ناحيتها الاقتصادية بانتشار الربا بين كل طبقاتها و استيلاء الشركات الأجنبية على مواردها و خيراتها، و هي مصابة من الناحية الفكرية بالفوضى و المروق و الإلحاد يهدم عقائدها، و يحطم المثل العليا في نفوس أبنائها، و في ناحيتها الاجتماعية بالإباحية في عاداتها و أخلاقها، و التحلل من عقدة الفضائل ورثتها عن الغر الميامين من أسلافها، و بالتقليد الغربي يسري في مناحي حياتها سريان لعاب الأفاعي، فيسمم دماءها و يعكر صفو هنائها، و بالقوانين الوضعية التي لا تزجر مجرماً و لا تؤدب معتدياً، و لا ترد ظالما، و لا تغني يوما من الأيام غناء القوانين السماوية، التي وضعها خالق الخلق و مالك الملك و رب النفوس و بارئها، و بفوضى في سياسة التعليم و التربية، تحول دون التوجيه الصحيح لنشئها و رجال مستقبلها و حملة أمانة النهوض بها، و في ناحيتها النفسية بيأس قاتل و خمول مميت و جبن فاضح و ذلة حقيرة و خنوثة فاشية و شح و أنانية تكف الأيدي عن البذل و تقف حجابا دون التضحية، و تخرج الأمة من صفوف المجاهدين إلى اللاهين اللاعبين.) (147)

ثم يتحدث عن أهم عناصر يحتاجها المسلمون اليوم وهي التي رسخها في نفوسهم المربي الأول صلى الله عليه وسلم فيرى أنه (بهذه المشاعر الثلاثة: الإيمان بعظمة الرسالة والاعتزاز باعتناقها والأمل في تأييد الله إياها، أحياها الراعي الأول في قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله، وحدد لهم أهدافهم في هذه الحياة، فاندفعوا يحملون رسالتهم محفوظة في صدورهم أو مصاحفهم، بادية في أخلاقهم وأعمالهم معتدين بتكريم الله إياهم واثقين بنصره وتأييده، فدانت لهم الأرض وفرضوا علي الدنيا مدنية المبادئ الفاضلة وحضارة الأخلاق الرحيمة العادلة، وبدلوا فيها سيئات المادية الجامدة إلى حسنات الربانية الخالدة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره) (148)

ويرى أن أكثر الأسباب في إفساد الشعوب هو التدخل الأجنبي في حياة تلك الشعوب فيقول: (على أن هناك نظرة أخري ليست بأقل مما تقدم أهمية. ألست ترى يا أخي أن أهم عوامل الفساد والإفساد لحياة هذا الشعب المصري وغيره من الشعوب العربية والإسلامية، هذا التدخل والتحكم الأجنبي الذي أفقدنا عزتنا ووجهنا غير وجهتنا، وبدل أوضاع حياتنا، وضحك علينا بالقشور وصرفنا عن اللباب، ثم هذا الضعف المتناهي من هذه الحكومات التي جعلت من نفسها أداة طيعة إن لم تكن مسرعة في يد الأجنبي، يتحكم بها في رقاب الناس كما يشاء، وينفذ بها مطالبه وخططه كما يريد سافراً أو مستتراً. (149)

ومن وعيه بالتاريخ و أحوال الشعوب تتبعه لواقع الأمم كيف كانت وكيف أصبحت(لقد كانت قيادة الدنيا في وقت ما شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور إلىونان والرومان غربية، ثم نقلتها النبوات الموسوية والعيسوية والمحمدية إلى الشرق مرة ثانية، ثم غفا الشرق غفوته الكبرى، ونهض الغرب نهضته الحديثة، فكانت سنة الله التي لا تتخلف، وورث الغرب القيادة العالمية، وها هو ذا الغرب يظلم ويجور ويطغى ويحار ويتخبط، فلم تبق إلا أن تمتد يد "شرقية" قوية، يظللها لواء الله، وتخفق على رأسها راية القرآن، ويمدها جند الإيمان القوي المتين، فإذا بالدنيا مسلمة هانئة، وإذا بالعوالم كلها هاتفة: (الْحَمْدُ للهِ الذي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ) (لأعراف:43).

ليس ذلك من الخيال في شيء، بل هو حكم التاريخِ الصادقُ، إن لم يتحقق بنا، (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (المائدة:54).

بيد أننا نحرص على أن تكون مما يحوزون هذه الفضيلة، ويكتبون في ديوان هذا الشرف، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص:68)) (150).

المبحث الثاني السنن الربانية بين المسطور والمنظور وموقف الإمام البنا من هذا التزاوج

إن الناظر في الكون وما فيه وأطرافه وخوافيه يدرك أنه آية تدل على الخالق وعلاقة ترشد إلى الملك الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وقد ورد في القرآن الكريم آيات وعبارات تغري بالتفكر في الكون والانتقال من خلاله إلى المكون، حتى لا يكون المرء كعامل الحي ينتقل من مكان إلى مكان والذي انتقل منه هو الذي انتقل إلىه.

والكون أحد الجناحين اللذين يسير بهما إلى مظاهر قدرة الله عز وجل؛ أما الجناح الثاني فهو القرآن الكريم، والقرآن والكون يتلاقيان تلاقي أثرين لمؤثر واحد، وعنصرين يخرجان من مشكاة واحدة؛ فإن خالق الأول وصاحب الثاني واحد وهو الله سبحانه وتعالى.

(والعلم بسنن الله تعالى الكونية العامة طريق إلى العلم بسنن الله الخاصة في المجتمع البشري، ومعرفة تقلبات الحياة به، ومعرفة تطوره ومعرفة عوامل هذا التطور، ومعرفة مدى سلطان هذه السنن الإلهية على المجتمع؛ لأن العلم بهذه السنن عامة وخاصة هو القيم على توجيه الحياة وتعرفها بما وضع الله في خصائصه من طاقات لتصوير الظواهر الكونية ودوافعها القريبة أو البعيدة، وهذا العلم بالسنن الإلهية هو الذي وضع المجتمع الإسلامي في مكان الصدارة من الحياة يوم أن كان العلم بأوسع معانيه هو القائد لهذا المجتمع، فطاف آفاق السماوات والأرض نظارًا باحثًا ليستشف الحقائق الكونية من وراء السجف، يكشفها له القرآن ويهديه إلى أصولها.

والقرآن العظيم إذا تحدث عن سنن الله في المجتمع الإنساني فإنه يتحدث عنها كحلقة في سلسلة النظام الكوني القائم على التناسق بين عناصر الكائنات الوجودية تناسقًا تؤدي به عملها الذي تقتضيه طبيعة وجودها في مكانها من الحياة، فهو يتحدث عن نشأة هذا المجتمع نشأة استقلإلىة النوع ولكنه مرتبط أشد الارتباط بهذه الأرض يعيش عليها؛ لأنه بمادتها خلق وإليها بهذه المادة يعود ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: 55] وبهذا الارتباط يحقق التوازن بين عناصر بنائه بناء اجتماعيا ينبع منه تفكيره وأخلاقه وطرائق عيشه ومراحل أطواره الاجتماعية صعودًا وإعزازًا في منازل الوجود المقدر له) (151).

والذي يتابع رصد الآيات القرآنية يرى لأول وهلة هذا الترابط بين سنن الله في الكون وسنته في النظام البشري، وهذا التمهيد من الأول للثاني، حتى لا يكاد يوجد حديث عن السنن الربانية أو نظام الله تعالى الذي يحكم سلوك البشر إلا ويسبقه أو يعقبه حديث عن نظام الله في الكون.

ومن هنا كان الأمر بعد الأمر في القرآن الكريم للإنسان مطلق الإنسان، بأن يسير ويتفكر وينظر ويعتبر ويتأمل الأحداث الماضية والوقائع الجارية، حتى يأخذ من أمسه ليومه ومن يومه لغده، وينتفع بتجارب السابقين.

وطريقة عرض القرآن الكريم لهذه الفكرة تلونت وتنوعت بأكثر من نوع، وظهرت في أكثر من صورة؛ فمرة يتحدث القرآن الكريم عن حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، ويأمر رسوله والأمة - في شخصه الكريم - باستخلاص العظة واستلهام العبرة؛ كقوله تعالى بعد أن قص طبيعة الصراع في قصة نوح عليه السلام: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إلىكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ هود: 49. ومرة يضرب للناس مثلا لعلهم يتفكرون، وثالثة يغري الناس بالتأمل في القوانين الماضية والسنن الصارمة.

من هنا يمكننا أن نقول: إن هذا الترابط بين سنن الله في الكون وسنته في المجتمع الأولى تمهيد للثانية، والثانية تصديق للأولى، فهما يخرجان جميعًا من مشكاة واحدة، والذي يعلم سنة الله في الكون بقوانينه الصارمة ينبغي أن يدله ذلك إلى سنن الله في المجتمع، فإذا كانت بذرة لا تخرج بغير مقومات الحياة ولا تثمر من فراغ، فإن نصرًا لا يتحقق بدون أسبابه وصاحب الأمر والنهي في كل ذلك الله رب العالمين. فالعلم بالسنن الكونية طريق إلى العلم بالسنن الربانية.

الربط بين المسطور والمنظور

ومن روافد هذا التكوين المحكم جمعه بين الوعي بالمسطور والمنظور فيتعامل مع القرآن الكريم بأدوات فهم القرآن الكريم، ويتعامل مع العلوم الكونية بأدوات فهمها، ومطالعة عجلى فضلا عن المتأنية الباصرة تبرز عناية الشيخ بهذا الجانب، ويمكننا أن نراجع بعض صفحات من الرسائل لنتحقق من هذا؛ خوف طول النقل والإثقال على القارئ الكريم.

ومن وعيه بالتناسق بين المسطور والمنظور رده كل هذا إلى القوة القاهرة والإرادة الربانية الواحدة، ف(كل ما في الكون ينبئك بوجود حكمة عإلىة، و إرادة سامية، و سيطرة قوية، و نواميس في غاية الدقة و الإحكام يسير عليها هذا الوجود، و رب هذه الحكمة، و صاحب هذه العظمة، و واضع هذه النواميس هو: الله) (152)

ويتناول الشيخ رحمه الله الحدو الفاصلة بين المسطور والمنظور، وبين النظر الشرعي الذي يمثل المسطور والنظر العقلي الذي يمثل المنظور فيقول: ( وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لن يختلفا في القطعي، فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالإتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار.) (153)

ثم يعطي أمثلة واقعية من هذا التناسق الكوني بصنع الخبير سبحانه، ويربط هذا بالقادر المقتدر فيقول: (أنت إذا نظرت إلى الكون وما فيه من بدائع الحكم، وغرائب المخلوق، و دقيق الصنع، و كبير الإحكام، مع العظمة و الاتساع، و التناسق والإبداع، والتجدد و الاختراع، و رأيت هذه السماء الصافية، بكواكبها و أفلاكها، و شموسها و أقمارها و مداراتها، و رأيت هذه الأرض بنباتها و خيراتها، و معادنها و كنوزها و عناصرها و موادّها، و رأيت عالم الحيوان و ما فيه من غريب الهداية و الإلهام، بل لو رأيت تركيب الإنسان و ما احتواه من أجهزة كثيرة، كل يقوم بعمله، و يؤدي وظيفته، و رأيت عالم البحار و ما فيه من عجائب و غرائب، و عرفت القوى الكونية و ما فيها من حكم و أسرار، من كهرباء و أثير و مغناطيس و راديوم، ثم انتقلت إلى ذوات العالم و أوصافها، إلى الروابط و الصلات فيما بينها، و كيف أن كلا منها يتصل بالآخر اتصالا محكما وثيقا، بحيث يتألف من مجموعها وحدة كونية كل جزء منها يخدم الأجزاء الأخرى، كما يخدم العضو في الجسم الواحد بقية الأعضاء، لخرجت من كل ذلك، بغير أن يأتيك دليل أو برهان، أو وحي أو قرآن، بهذه العقيدة النظرية السهلة و هي: أن لهذا الكون خالقا صانعا موجدا، و أن هذا الصانع لا بد أن يكون عظيما فوق ما يتصور العقل البشري الضعيف من العظمة، و قادرا فوق ما يفهم الإنسان من معاني القدرة، و حيا بأكمل معاني الحياة، و أنه مستغن ٍ عن كل هذه المخلوقات، لأنه كان قبل أن تكون، و عليما بأوسع حدود العلم، و أنه فوق نواميس هذا الكون لأنه واضعها، و أنه قبل هذه المخلوقات لأنه خالقها، و بعدها لأنه هو الذي يحكم عليها بالعدم، و إجمالا سترى نفسك مملوءاً بالعقيدة بان صانع هذا الكون و مدبره متصف بكل صفات الكمال فوق ما يتصورها العقل البشري الصغير، و منزه عن صفات النقص، و سترى هذه العقيدة وحي وجدانك لوجدانك، و شعور نفسك لنفسك: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم:30)......و أقوال علماء الكون في ذلك لا تقع تحت حصر، و فيما ذكرناه الكفاية، وإنما استشهدنا بذلك حتى يعلم شبابنا أن دينهم مؤيد من عند الله تبارك و تعالى، لا يزيده العلم إلا قوة و ثباتا و تأييدا، مصداقا لقول الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53). (154)

وسيبين له من تلك المطالعة تضلع الشيخ رحمه الله من علمي المسطور والمنظور فيمر على كتب الشريعة وكتب العلوم الكونية وبهذه الروافد تكون الشيخ تكوينا علميا راسخا أهله لتفهم سنن الله في الكون والإنسان.

وهذا ما سنرى آثاره ظاهرة عند تناولنا للجانب التطبيقي لدى الشيخ في السنن في الصفحات القادمة بعون الله تعالى.

المبحث الثالث عناية البنا بعلم السنن ومنهجية التعامل معها في نظره

حفل تاريخنا الإسلامي والإصلاحي عبر مئات السنين بنخب فكرية وعلمية واعية واعبة، استطاعت أن تحمل آمال أمتا وآلامها وأفراحها وأتراحها، لا تقول:

نفسي ومن أحنو عليـ

ـه وبعدي الطوفان

بل تقول:

سأحمل روحي على راحتي

وأمضي بها في طريق الردى

فإما حياة تسر الصديق

وإما ممات يغيظ العدا

ومن هؤلاء الذين وَعَوْا علم السنن درسا وتطبيقا، وفهما وتوظيفا، الإمام الشهيد حسن البنا – رحمه الله – الذي بدا من خلال مشروعه الفكري والإصلاحي، وعيه بالسنن الربانية وعيا حمله على الإفادة منها وإخبار تلامذته بها، تربيتهم عليها، وحديثه الصريح الفصيح عن ملامحها وسماتها، التي ندر من تحدث عنها بطريقة عملية، فربى هو جماعته عليها ونصحهم على ضوء من سناها، والمتتبع لكتاباته وأحاديثه _ رحمه الله_ يجد ذلك بين لا لبس فيه ولا غموض، واضحا لا إبهام فيه ولا تعقيد، ومن هنا نلح على أننا في حاجة ماسة إلى العودة إلى تراث الإمام الشهيد لخدمته خدمة تتناسب مع ما قدمه وبذله، كما تتناسب مع حاجة الظرف الراهن للإفادة منه، إن فهم السنن الربانية خطوة من خطوات الانتفاع بها والإفادة منها، وإذا كنا نقول في مجال الحكم على الأشياء: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فيمكننا أن نقول كذلك في ميدان السنن: إن فهمها طريق إلى تسخيرها وإدراكها سبب إلى توظيفها، وإلا فأنَّى لإنسان كائنًا من كان أن ينتفع بشيء لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره، ولا يعرفه على حقيقته، من هنا فإن أوجب ما يجب على المسلمين أن يفهموا أولا سنن الله في الحياة والأحياء، وأن يتعاملوا معها بعد ذلك على هذا الأساس، فإن أكثر المسلمين اليوم لا ينقصهم إخلاص ولا ينقصهم إيمان بقدر ما ينقصهم من فهم واع لقضايا الدين، وتصور معطياته حتى في المفاهيم العامة للكلمات: الدين– العبادة– الحرية– التجديد– الإصلاح... إلخ. هذه المصطلحات ينقص المسلمين فيها الضوابط التي تتيح لهم فرصة الانتفاع بحقيقة هذه المفاهيم، ونعود فنقول: إن العلم بالسنن والتعرف عليها أول درجة من درجات حسن التعامل معها، وهذا ما يسميه فقهاء الدعوة وروادها (فقه السنن الإلهية)، فأول شرط من شروط التعامل المنهجي السليم مع السنن الإلهية والقوانين الكونية في الأفراد والمجتمعات والأمم هو( أن نفهم أو نفقه فقهًا شاملا رشيدًا هذه السنن وكيف تعمل ضمن الناموس الإلهي، أو ما نعبر عنه بـ (فقه السنن)، ونستنبط منها على ضوء فقهنا لها القوانين الاجتماعية والمعادلات الحضارية) (155).

ومن هنا يقول الإمام البنا -رحمه الله- فيما يشبه الاختزالات العميقة للتجارب البشرية: (لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد). (156)

ولقد رصد الأستاذ الشيخ البنا -رحمه الله- في هذه السطور القليلة حشدًا هائلا من القيم العإلىة والتوجيهات الرائعة التي هي بحق معالم وملامح لفقه السنن الربانية، ويمكن أن تستخرج من كلامه في فقه التعامل مع السنن الربانية هذه الخطوات:

أولا: عدم المصادمة.
ثانيًا: المغالبة.
ثالثًا: الاستخدام.
رابعًا: التحويل.
خامسًا: الاستعانة ببعض السنن على بعض.
سادسًا: ترقب ساعة النصر.

وهذه الخلاصات وغيرها أعقبها الشيخ - رحمه الله- بقوله:

(فعلى هذه الدعائم القوية أسسوا نهضتكم، وأصلحوا نفوسكم، وركزوا دعوتكم، وقودوا الأمة إلى الخير، والله معكم ولن يتركم أعمالكم) (157).

وإذا أردنا أن نفصل هذه الخطوات وجدناها على النحو التإلى:

1- عدم المصادمة: ذلك أن الإدراك الحقيقي للسنن الربانية يجعل الإنسان بعيدًا عن مصادمتها، وكيف يصادمها وهو يدرك طبيعتها ويعلم سيرها وعدم تخلفها أو تبدلها وتحولها، من هنا فهو يتعامل معها على هذا الأساس تعامل الكيميائي مع المواد التي يعرف خصائصها ويدرك كنهها، والطبيب الذي يعرف خصائص المرض وأنواعه فيشخص الداء ويصف الدواء بكل مهارة واقتدار.

2- المغالبة: والمغالبة تعني المفاعلة، ويراد بها هنا أن المسلم إذا كان لا ينبغي له أن يصادم السنن والنواميس ولا يقف أمامها فإنه مأمور بأن يغالبها ويوظفها لصالحه، ويجعل تيارها معه لا عليه.

3- الاستخدام: وهو المقصود بالتوظيف بعد الإدراك والتسخير بعد الفهم، وهذا هو بيت القصيد؛ من فهم السنن الربانية أن يصل بها في النهاية إلى درجة توظيفها له وانتفاعه بها؛ بل حسن التوظيف وحسن الانتفاع.

4- تحويل تيارها: والمقصود من تحويل تيار السنن والنواميس الربانية أن يجعلها الإنسان تخدمه لا تستخدمه، وأن يغتنم قوتها وشدتها، وأن يجعل تيارها يجري في المسار الذي يخدمه ويعود عليه بالنفع والغنم.

5- واستعينوا ببعضها على بعض على: وهذا دور الإنسان المدرك لطبيعة السنن والمدرك لأنه أهل لاستخلاف الله تعالى له، وجعله سيدًا في هذا الكون؛ فهو بهذا الاستخلاف وتلك السيادة يملك بعقله الذي وهبه الله تعالى له توظيف بعض السنن ببعض، والاستعانة بها عليها حتى يكون مسخرًا لها ولا تكون هي مسخرة له، وساعتها سيكون من أهل النصر القريب والفتح المبين.

والأمة اليوم في أمس الحاجة إلى هذا الفكر الواعي الذي يقوم على التدبر في سنن الله تعالى وفقه التعامل معها، فإن كثيرًا من أمراض أمتنا نشأت وترعرعت في ظل غياب الفهم الكامل لمضامين القرآن الكريم، والغيبوبة التي طالت عن مراد الله تعالى ونحن بتقصيرنا في هذا الجانب -جانب السنن الربانية وفقهها- نشارك في رسم صورة سيئة عن الإسلام عند أعدائنا، فإنهم يربطون بين تخلفنا العلمي والحضاري والثقافي والمعيشي وبين ديننا، فيظلم هذا الدين الجريح بهذه النظرة إلىه، ولنا في صنع هذا الظلم له نصيب أي نصيب.

إن من فهموا قوانين الله تعالى وسننه في خلقه استطاعوا أن يحققوا سبقًا ويحرزوا نصرًا، ويصلوا إلى أهدافهم؛ فمؤمن آل فرعون استطاع أن يصل إلى ما يريد من خلال إرشاد قومه إلى سنن الله تعالى في الأنفس والآفاق، وأتت عبارته بهذه الدقة البالغة والبيان المعجز " كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ" غافر: 34. مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ" غافر: 40.

" فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد" غافر: 44.، وجنود طالوت فهموا أيضًا سنن الله تعالى فقالوا: " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" البقرة: 249-251.

وإذا كان هؤلاء الفاهمون لسنن الله في الكون والنفس صدعوا برأيهم وأظهروا فهمهم، فإن أمة تريد النصر وتسعى إلىه لا بد أن تفهم هذه السنن وتنادي بفهمها حتى يعم النصر المؤمنين " وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ" الروم:4، 5.

المبحث الرابع نماذج تطبيقية من علم السنن لدى الإمام المجدد

وفي هذه الصفحات العجلى يمكننا أن نتناول عددا من السنن التي عني بها الأستاذ المجدد رحمه الله لنرى من خلال هذا الرصد مدى وعيه بالسنن ومدى سعيه بها حتى خلف للبشرية جماعة ملأت الدنيا وشغلت الناس، ولقد تناول الأستاذ البنا -رحمه الله - عددا من سنن في الله في الأنفس والآفاق دارت حول سنن الله تعالى في الأمم وسننه تعالى في اختلاف الناس وسنن الله في الدعوات وسننه تعالى في الإصلاح وسننه في هلاك الأمم وسننه في النصر والتمكين والبقاء والفناء وسننه تعالى في الاجتماع وسننه في النهضات وسننه في الحضارة وسننه تعالى في العلاقة بين المسطور والمنظور وغيرها وأقتصر على تناول بعض السنن ومنها:

أولا: سنة الله في الاختلاف بين البشر

من سنن الله تعالى الجارية سنته في الاختلاف بين البشر، وقد عني القرآن الكريم برصد تلك السنة وتبيينها للرسل والأنبياء والدعاة من بينهم؛ حتى يفيدوا منها ويحسنوا التعامل مع الناس على ضوء من سناها، ومن الآيات التي تناولت سنة الله تعالى في الاختلاف قوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119))، هود 118، 119.

وفي الآية الكريمة بيان أن اختلاف الناس مقصود منذ الخلق، وأن الله تعالى خلقهم للاختلاف وهذا الاختلاف المحمود تنشأ عنه الرحمة إذا كان اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.

وقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلىهِ أُنِيبُ (10))الشورى: 10.

وفي الآية الكريمة تبيان أن مصدر الحكم فيما يختلف فيه الناس ومرده إلى الله تعالى.

وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، يونس: (19)

وفي الآية الكريمة تبيان أن الناس في أصل خلقهم كانوا أمة واحدة ثم عرض لهم الاختلاف ولو شاءت إرادة الله تعالى لرفع هذا الخلاف.

فاختلاف الناس سنة من سنن الله تعالى، وقد وعى الأستاذ البنا رحمه الله هذه السنة وأفاد منها في دعوته بصورة لافتة، تجد هذا واضحا وهو يقسم الناس إلى أصناف ويبين نظرة كل صنف منهم إلى دعوته بل يبين كيف يتعامل مع كل صنف على حدة فيقول: (و كل الذي نريده من الناس أن يكونوا أمامنا واحدا من أربعة:

مؤمـن: إما شخص آمن بدعوتنا و صدق بقولنا و أعجب بمبادئنا، و رأى فيها خيرا اطمأنت إلىه نفسه، و سكن له فؤاده، فهذا ندعوه أن يبادر بالانضمام إلىنا و العمل معنا حتى يكثر به عدد المجاهدين، و يعلو بصوته صوت الداعين، و لا معنى لإيمان لا يتبعه عمل، و لا فائدة في عقيدة لا تدفع صاحبها إلى تحقيقها و التضحية في سبيلها، و كذلك كان السابقون الأولون ممن شرح الله صدورهم لهدايته فاتبعوا أنبياءه و آمنوا برسالاته و جاهدوا فيه حق جهاده، و لهؤلاء من الله أجزل الأجر و أن يكون لهم مثل ثواب من اتبعوهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.

متـردد: وإما شخص لم يستبن وجه الحق، ولم يتعرف في قولنا معنى الإخلاص والفائدة، فهذا نتركه لتردده ونوصيه بأن يتصل بنا عن كثب، ويقرأ عنا من قريب أو بعيد، ويطالع كتاباتنا ويزور أنديتنا ويتعرف إلى إخواننا، فسيطمئن بعد ذلك لنا إن شاء الله، وكذلك كان شأن المترددين من أتباع الرسل من قبل.

نفـعي: وإما شخص لا يريد أن يبذل معونته إلا إذا عرف ما يعود عليه من فائدة و ما يجره هذا البذل له من مغنم فنقول له: حنانيك ليس عندنا من جزاء إلا ثواب الله إن أخلصت، و الجنة إن علم فيك خيرا، أما نحن فمغمورون جاها فقراء مالا، شأننا التضحية بما معنا و بذل ما في أيدينا، و رجاؤنا رضوان الله سبحانه و تعالى و هو نعم المولى و نعم النصير، فإن كشف الله الغشاوة عن قلبه و أزاح كابوس الطمع عن فؤاده فسيعلم أن ما عند الله خير و أبقى، و سينضم إلى كتيبة الله ليجود بما معه من عرض الحياة الدنيا لينال ثواب الله في العقبى، و ما عندكم ينفد و ما عند الله باق، و إن كانت الأخرى فالله غني عمن لا يرى لله الحق الأول في نفسه و ماله و دنياه و آخرته و موته و حياته، و كذلك كان شأن قوم من أشباهه حين أبوا مبايعة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أن يجعل لهم الأمر من بعده، فما كان جوابه صلى الله عليه و سلم إلا أن أعلمهم أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، و العاقبة للمتقين.

متحامـل: و إما شخص أساء فينا ظنه و أحاطت بنا شكوكه، فهو لا يرانا إلا بالمنظار الأسود القاتم، و لا يتحدث عنا إلا بلسان المتحرج المتشكك، و يأبى إلا أن يلج في غروره و يسدر في شكوكه و يظل مع أوهامه، فهذا ندعو الله لنا و له أن يرينا الحق حقا و يرزقنا اتباعه و الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه، و أن يلهمنا و إياه الرشد، ندعوه إن قبل الدعاء و نناديه إن أجاب النداء و ندعو الله فيه و هو أهل الرجاء، و لقد أنزل الله على نبيه الكريم في صنف من الناس: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (القصص:56).

وهذا سنظل نحبه و نرجو فيئه إلىنا و اقتناعه بدعوتنا، و إنما شعارنا معه ما أرشدنا إلىه المصطفي صلى الله عليه و سلم من قبل: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).) (158)

ويتضح من هذا التصنيف والتقسيم للناس ونظرتهم إلى دعوة الأستاذ البنا رحمه الله وعيه بسنة الله في الاختلاف بين البشر وقدرته على الإفادة من كل صنف بل يضع لكل صنف من هؤلاء المختلفين ما يناسبه من أسس التعامل وسبل التعاون وهذا في حد ذاته توظيف حي وإحسان مميز للتعامل مع سنن الله تعالى.

ومن وعيه بسنة الله تعالى في الاختلاف توصيفه لإيمان أصحاب الدعوات وإيمان غيرهم من عموم المسلمين وأن الفرق بينهما أن إيمان أصحاب الدعوات إيمان حي يقظ يدفع إلى البذل والتضحية والصبر والثبات وإيمان غيرهم مركوز في النفوس مخدر في القلوب يحتاج إلى من يهز غفوته ويحرك وسنانه لينطلق في فضاء الأرض الواسعة، فيرى أن (الفرق بيننا وبين قومنا... أنه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم لا يريدون أن ينزلوا على حكمه ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين. ظاهرة نفسية عجيبة نلمسها ويلمسها غيرنا في نفوسنا نحن الشرقيين أن نؤمن بالفكرة إيمانا يخيل للناس حين نتحدث إلىهم عنها أنها ستحملنا على نسف الجبال وبذل النفس والمال واحتمال المصاعب ومقارعة الخطوب حتى ننتصر بها أو تنتصر بنا، حتى إذا هدأت ثائرة الكلام وانفض نظام الجمع نسي كل إيمانه وغفل عن فكرته، فهو لا يفكر في العمل لها ولا بحدث نفسه بأن يجاهد أضعف الجهاد في سبيلها، بل إنه قد يبالغ في هذه الغفلة وهذا النسيان حتى يعمل على ضدها وهو يشعر أو لا يشعر؟ أولست تضحك عجباً حين تري رجلاً من رجال الفكر والعمل والثقافة في ساعتين اثنتين متجاورتين من ساعات النهار ملحداً مع الملحدين وعابداً مع العابدين!

هذا الخور أو النسيان أو الغفلة أو النوم أو قل ما شئت هو الذي جعلنا نحاول أن نوقظ (مبدأنا) وهو هو المبدأ المسلم به من قومنا في نفوس هؤلاء القوم المحبوبين ) (159).

ويتعامل الشيخ مع الدعوات المختلفة على أساس التعاون والتكامل سعيا إلى توظيف سنة الله في الاختلاف والمختلفين ويضع الجميع على ميزان الشريعة فما وافقها قبل وما خالفها رفض، ويبين أن (موقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر، ففرقت القلوب و بلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا فما وافقها فمرحبا به، و ما خالفها فنحن براء منه، و نحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطة لا تغادر جزءا صالحا من أية دعوة إلا ألمت به و أشارت إلىه ) (160)

وفي هذا النص بيان لوقوع الاختلاف ومنهجية التعامل معه بصورة عملية منطقية.

ومن وعيه بالاختلاف والتفاوت بين أصناف الناس وأن هذا سنة من سنن الله تعالى كان يكتب لكل شريحة من حركته الإسلامية التي رباها ووضع لها منهاجها ودستورها - يكتب لها ما يناسبها ويطلب من كل منها ما هي مؤهلة له، فيكتب لهم قائلا: (هذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم، وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها، أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجه هذه الكلمات، وهي ليست دروساً تحفظ، ولكنها تعليمات تنفذ، فإلى العمل أيها الإخوان الصادقون: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة:105)، (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153).

أما غير هؤلاء.. فلهم دروس ومحاضرات، وكتب ومقالات، ومظاهر وإداريات، ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، وكلا وعد الله الحسنى.) (161) وهنا نراه يقسم الإخوان إلى إخوان عاملين وإلى عموم الإخوان فهؤلاء لهم تكإلىف خاصة وهؤلاء يسعهم ما يسع غيرهم.

وعلى هذا الأساس من إدراكه لاختلاف الناس وطبائعهم ونظرتهم إلى الدعوات والأفكار صنف الناس لأتباعه هكذا (والناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف: مسلم مجاهد، أو مسلم قاعد، أو مسلم آثم، أو ذمي معاهد، أو محايد، أو محارب، و لكل حكمه في ميزان الإسلام، وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص و الهيئات، ويكون الولاء أو العداء.) (162) وهو - رحمه الله- ينظر إلى أن الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.) (163)

ثانيا: سنن الله في الأمم

والمتتبع لتراث الأستاذ البنا رحمه الله يدرك تماما وعيه بالسنن وتنزيله لها بصورة لافتة للنظر كأنه يقرأ من كتاب، كما يبدو فقه التنزيل للآيات لديه واضحا كأن الآية تتمكن من المعنى تمكنا وتتركب عليه تركيبا، فهو يشرح لأتباعه في كتاب الرسائل أن خفوق الأمة الذي تعيشه ليس إلى دوام بل إلى زوال، وتغير فالقوي لا يبقى قويا ابد الدهر والضعيف لا يظل ضعيفا أبد الآبدين، فتتغير القوى وتتبدل الإمكانات حسب سنن الله في الأنفس والآفاق، (لهذا لسنا يائسين أبدا، و آيات الله تبارك و تعالى و أحاديث رسوله صلى اله عليه و سلم وسنته تعالى في تربية الأمم وإنهاض الشعوب بعد أن تشرف على الفناء، و ما قصه علينا في كتابه، كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع، و يرشدنا إلى طريق النهوض و لقد علم المسلون – لو يتعلمون -.و إنك لتقرأ الآية الكريمة في أول سورة القصص: (طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:1-6).

تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل في صولته و يعتز بقوته، و يطمئن إلى جبروته و يغفل عن عين الحق التي ترقبه، حتى إذا فرح بما أوتي أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، و أبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين و تأخذ بناصر المهضومين المستضعفين فإذا الباطل منهار من أساسه و إذا الحق قائم البنيان متين الأركان وإذا أهله هم الغالبون، وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات كتاب الله عذر في إلىأس والقنوط لأمة من أمم الإسلام تؤمن بالله ورسوله وكتابه. فمتى يتفقه المسلمون في كتاب الله ؟ (164)

ثم يتابع الأستاذ المجدد وضع التوصيف الحق والأدوات التي يقوم عليها النهوض والتقدم ويصوغها في ثلاث نقاط: المنهاج الصحيح والعاملين المؤمنين والقيادة الحازمة الموثوق بها فيذكر أن هذه الأركان الثلاثة هي التي يقوم عليها البنيان وتتأسس عليها الحضارة والشهود، أما (أولها_ فالمنهاج الصحيح: وقد وجده الإخوان في كتاب الله و سنة رسوله و أحكام الإسلام حين يفهمها المسلمون على وجهها غضة نقية بعيدة عن الدخائل و المفتريات فعكفوا على دراسة الإسلام على هذا الأساس دراسة سهلة واسعة مستوعبة.

و ثانيها_ العاملون المؤمنون: و لهذا أخذ الإخوان أنفسهم بتطبيق ما فهموه من دين الله تطبيقا لا هوادة فيه و لا لين، و هم بحمد الله مؤمنون بفكرتهم مطمئنون لغايتهم واثقون بتأييد الله إياهم ما داموا له يعملون و على هدي رسوله يسيرون.

و ثالثها_ القيادة الحازمة الموثوق بها: و قد وجدها الإخوان المسلمون كذلك، فهم لها مطيعون و تحت لوائها يعملون.) (165)

وتكاد هذه الأركان الثلاثة أن تكون الأركان الرئيسة في بناء أي أمة، ولذا كثر في القرآن الكريم الحديث عن المنهاج وأثره في نفوس الناس، والحديث عن العناية بالفرد، والحديث عن نماذج القادة الرواد ممثلين في الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين، الذين يذكر القرآن نتفا من تاريخهم للعبرة والعظة وليس للقص والسرد.

ويمضي الشيخ رحمه الله في ذكر الزاد الذي تحتاجه الشريحة البشرية الراغبة في الإصلاح والريادة، فيرى أن (تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ: تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو الفئة التي تدعو إلىه على الأقل، إلى "قوة نفسية عظيمة" تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره. على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة، تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمناً طويلاً.

وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة، أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير، ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام: (إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) (يونس:36) (166).

ثالثا: سنة الله في التغيير

وتحت هذا العنوان يتناول أيضا سنة الله في التغيير ويسميه قانونا فيقول: ( هذا هو قانون الله تبارك وتعالى وسنته في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً:

(إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

و هو أيضا القانون الذي عبر عنه النبي في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ اللّه في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول اللّه وما الوهن ؟ قال: حبُّ الدنيا وكراهية الموت) (167)

رابعا: سنة الله في إهلاك الأمم

وهذه السنة ذكرها القرآن الكريم مرات عديدة وبين أن لهلاك الأمم أسبابا إذا اجتمعت في أمة كانت سببا لهلاكها، وقد تتبع الشيخ البنا بعض هذه الأسباب مثل وهن النفوس وغياب الأخلاق والرفاهية المقعدة والترف المطغي والافتتان بزهرة الحياة الدنيا (أولست تراه قد بين أن سبب ضعف الأمم وذلة الشعوب وهن نفوسها وضعف قلوبها وخلاء أفئدتها من الأخلاق الفاضلة وصفات الرجولة الصحيحة، وإن كثر عددها وزادت خيراتها وثمراتها و إن الأمة إذا رتعت في النعيم و أنست بالترف و غرقت في أعراض المادة و افتتنت بزهرة الحياة الدنيا، و نسيت احتمال الشدائد و مقارعة الخطوب و المجاهدة في سبيل الحق، فقل على عزتها و آمالها العفاء.) (168)

ويبين رحمه الله أسباب هلاك الأمم فيرصدها رصد الخبير المجرب ويتناولها تناول العارف بالمرض وأسبابه

أسباب هلاك الأمم

ومن أهم هذه العوامل:

أ ـ الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه، مع التحذير الشديد الذي جاء به الإسلام في ذلك، و التزهيد في الإمارة و لفت النظر إلى هذه الناحية التي هي سوس الأمم، و محطمة الشعوب و الدول: ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال:46) و مع هذه الوصية البالغة بالإخلاص لله وحده في القول و العمل و التنفير من حب الشهرة و المحمدة.

ب ـ الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى ألفاظ ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة، وإهمال كتاب الله و سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، و الجمود و التعصب للآراء و الأقوال، والولع بالجدل والمناظرات و المراء، وكل ذلك مما حذر منه الإسلام ونهى عنه أشد النهي، حتى قال الرسول: (ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل).

ج ـ الانغماس في ألوان الترف والنعيم، والإقبال على المتعة والشهوات، حتى أثر عن حكام المسلمين في كثير من العصور ما لم يؤثر عن غيرهم، مع أنهم يقرءون قول الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء:16).

د ـ انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب، من الفرس تارة، والديلم تارة أخرى، والمماليك والأتراك وغيرهم ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه، مع أنهم يقرءون قول الله تبارك و تعالى: (يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران:118).

هـ ـ إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية، وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيإلىة سقيمة، مع أن الإسلام يحثهم على النظر في الكون واكتناه أسرار الخلق والسير في الأرض، ويأمرهم أن يتفكروا في ملكوت الله: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (يونس:101).

و. غرور الحكام بسلطانهم، والانخداع بقوتهم، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم، حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة، وأخذتهم على غرة، وقد أمرهم القرآن بإلىقظة وحذرهم من مغبة الغفلة واعتبر الغافلين كالأنعام بل هم أضل:

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف:179).

ز ـ الانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم، والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع، مع النهي الشديد عن التشبه بهم والأمر الصريح بمخالفتهم، والمحافظة على مقومات الأمة الإسلامية، والتحذير من مغبة هذا التقليد حتى قال القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) (آل عمران:100).

وقال في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الذينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ) (آل عمران:149). (169)

ثم يتناول نموذجا من نماذج هلاك أمم في المعاصرين كالعالم الغربي وأسباب اقترابه من الهلاك فيرى أن من أهم أسباب هلاك الأمم ما يأتي:

  1. الإلحاد والشك في الله وإنكار الروح ونسيان الجزاء الأخروي والوقوف عند حدود الكون المادي المحسوس: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7)
  2. الإباحية والتهافت على اللذة والتفنن في الاستمتاع وإطلاق الغرائز الدنيا من عقالها، وإشباع شهوتي البطن والفرج، وتجهيز المرأة بكل صنوف المفاتن والمغريات، والإغراق في الموبقات إغراقا يحطم الأجسام والعقول ويقضي على نظام الأسر ويهدم سعادة البيوت: (وَالذينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) (محمد:12).
  3. الأثرة في الأفراد، فكل إنسان لا يريد إلا خير نفسه، وفي الطبقات، فكل طبقة تتعالى على من سواها وتود أن تحظى بالمغانم دونها، وفي الشعوب، فكل أمة تتعصب لجنسها وتنتقص غيرها وتحاول أن تلتهم من هي أضعف منها.
  4. الربا والاعتراف بشرعيته واعتباره قاعدة التعامل، والتفنن في صوره وضروبه وتعميمه بين الدول والأفراد.

وقد أنتجت هذه المظاهر المادية البحتة في المجتمع الأوروبي فساد النفوس، وضعف الأخلاق، والتراخي في محاربة الجرائم، فكثرت المشكلات، وظهرت المبادئ الهدامة، واشتعلت الثورات المخربة المدمرة، واضطربت النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فلم تستقر على حال، وتمزقت الدول بالطوائف والأحزاب، وتناحرت الشعوب على المطامع والأحقاد، وأثبتت هذه المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين المجتمع الإنساني، وإقرار الطمأنينة والسلام فيه، وفشلت في إسعاد الناس، رغم ما فتحت عليهم من حقائق العلم والمعرفة، وما وفرت لهم من أسباب الغنى والثراء، وما مكنت لدولها في الأرض من قوة وسلطان و لما يمض عليها قرن كامل من الزمان. (170)

خامسا: سنة الله في نهضات الأمم

ومن السنن التي تناولها الشيخ رحمه الله: سنة الله في نهضات الأمم، وهي سنة ثابتة عبر الأجيال وتأخذ أطوارا أشبه بأطوار الإنسان الفرد من ضعف إلى قوة ومن قوة على ضعف، وتتبع هذه السنة يعطي الأمل للأمم المغلوبة المقهورة على أمرها؛ فالقوي لا يظل قويا أبد الدهر ولا الضعيف يستمر ضعيفا أبد الآبدين، (وإن نهضات الأمم جميعاً، إنما بدأت على حال من الضعف يخيَّل للناظر إليها، أن وصولها إلى ما تبتغي ضرب من المحال.

ومع هذا الخيال، فقد حدثنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة، القليلة الوسائل، إلى ذروة ما يرجوه القائمون بها، من توفيق ونجاح، ومن ذا الذي كان يصدِّق أن الجزيرة العربية وهي تلك الصحراء الجافة المجدبة تنبت النور والعرفان، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحي والسياسي على أعظم دول العالم؟ ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر صاحب القلب الرقيق الليِّن، وقد انتقض الناس عليه، وحار أنصاره في أمرهم، يستطيع أن يخرج في يوم واحد أحد عشر جيشاً، تقمع العصاة وتقوِّم المعوج، وتؤدب الطاغي وتنتقم من المرتدين، وتستخلص حق الله في الزكاة من المانعين؟. ومن ذا الذي كان يصدق أن هذه الشيعة الضئيلة المستترة من بني علي و العباس تستطيع أن تقلب ذلك الملك القوي الواسع الأكناف ما بين عشية وضحاها، و هي ما كانت في يوم من الأيام إلا عرضة للقتل و التشريد و النفي و التهديد ؟. ومن ذا الذي كان يظن أن صلاح الدين الأيوبي يقف الأعوام الطوال، فيردّ ملوك أوروبا على أعقابهم مدحورين، مع توافر عددهم وتظاهر جيوشهم، حتى اجتمع عليه خمسة وعشرون ملكاً من ملوكهم الأكابر؟) (171)

وهذا هو الواقع الذي سجله التاريخ فنهضت الأمة الإسلامية بعد ضعف طال قرونا حتى أخذت بأسباب البقاء وعوامل النهوض فنهضت.

والأمة إذا أرادت اليوم أن تسير سيرتها الأولى وتعودكما كانوا وتسود كما سادوا فلابد من أن تربي أفرادها تربية متينة مكينة تستعلي بها على المحن وتتقوى بها على الزمن( 20 (فالأمم المجاهدة التي تواجه نهضة جديدة وتجتاز دور انتقال خطير، وتريد أن تبني حياتها المستقبلة على أساس متين يضمن للجيل الناشئ الرفاهة والهناءة، وتطالب بحق مسلوب وعز مغصوب، في حاجة إلى بناء آخر غير هذه الأبنية...

إنها في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة، حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات ويتغلبوا علي ما يعترضهم من مصاعب.) (172)

ثم يركز الشيخ رحمه الله على أهمية دور الرجل في الأمة وأنه سر نهضتها وشهودها أو انتكاستها وخنوعها وأنه بإمكانه أن يقيمها من وهدتها أو يوردها المهالك ف(الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضاتها وإن تاريخ الأمم جميعاً إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادات. وإن قوة الأمم أو ضعفها إنما تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة. وإني أعتقد ـ والتاريخ يؤيدني ـ أن الرجل الواحد في وسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته، وفي وسعه أن يهدمها كذلك إذا توجهت هذه الرجولة إلى ناحية الهدم لا ناحية البناء..) (173)

ونهضات الأمم لا تبدأ طفرة ولا تتم في حقبة واحدة بل تنمو عبر الأجيال والأقيال، وتمتد عبر الأعصار والأمصار كل جيل يمهد للاحقه وكل آتي يؤكد على سابقه حتى يتمم البناء ويسير بالأمة شوطا، فأنت (إذا رجعت تاريخ النهضات في الأمم المختلفة شرقية وغربية قديما وحديثا، رأيت أن القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدود عليه يعملون وهدف محدود إلىه يقصدون.. وضعه الداعون إلى النهوض وعملوا على تحقيقه ما امتد بهم الأجل وأمكنهم العمل، حتى إذا حيل بينهم وبينه وانتهت بهم تلك الفترة القصيرة فتره الحياة في هذه الدنيا، خلفهم من قومهم غيرهم يعملون على منهاجهم، ويبدءون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصل، ولا يهدمون ما بنو، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا. فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينا، أو مكنوا نتائجه تمكيناً، وإما تبعوهم على آثارهم فزادوا البناء طبقة وساروا بالأمة شوطاً إلى الغاية حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، أو ينصرفون راشدين ويخلفهم غيرهم. وهكذا دوإلىك حتى تحقق الآمال وتصدق الأحلام ويتم النهوض ويثمر الجهاد وتصل الأمة إلى ما إلىه قصدت وله عملت، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة:7).) (174)

ونلحظ هنا أن الإمام رحمه الله ركز على عناصر محددة في النهضة منها أن التوإلى على الهدف الواحد والتواتر عليه سبب من أسباب النهوض والشهود، كما أن هذا النهوض لابد له من دعوة تبصره ورسالة تضيء له الطريق، وأن من سنن الله تعالى في هذا النهوض والشهود أن جيلا واحدا لا يكفي لإتمام المهمة ففرق شاسع وبون واسع بين أعمار الأمم وما تحتاجه في نهضاتها وأعمار الأفراد التي لا تكفي لإتمام النهضة وإقامة الشهود.

ولذا يتحدث عن سبب أصيل من أسباب النكث في التقدم والحور بعد الكور وهو (أن الصلة منقطعة تماماً بين السابق اللاحق.. يصل السابق إلى نصف الطريق فإذا جاء اللاحق لم يتبعه لانقطاع الصلة بينهم، فيبدأ طريقاً جديداً قد يصل فيه إلى مقدار ما وصل سابقه وقد يقصر عنه وقد يسبق قليلاً، ولكنه على كل حال لا يصل بالأمانة إلى النهاية لأن أعمار الأفراد قصيرة بالنسبة لأعمار النهضات والشعوب.

ونحن نتصور أن الواحد يستطيع أن يحقق للأمة كل ما تبتغي، وهى فكرة خيإلىة وخدعة نفسية عاطفية يجب أن تزول من نفس كل عامل حتى ينتفع بها عمل سلفه.) (175)

ونهضة الأمم لا تتوقف على الأسباب المادية فحسب، بل تحتاج أيضا إلى أخلاق قويمة تعين على ديمومة النصر، وتمد أصحابها بالثبات والتضحية وقد بين الأستاذ المجدد رحمه الله في توصيته أن (الأمة الناهضة أحوج ما تكون إلى الخلق.. الخلق الفاضل القوي المتين والنفس الكبيرة العإلىة الطموحة، إذ إنها ستواجه من مطالب العصر الجديد مالا تستطيع الوصول إلىه إلا بالأخلاق القوية الصادقة، النابعة من الإيمان العميق والثبات الراسخ والتضحية الكثيرة والاحتمال البالغ، وإنما يصوغ هذه النفس الكاملة الإسلام وحده، هو الذي جعل صلاح النفس و تزكيتها أساس الفلاح، فقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9-10)

وجعل تغيير شئون الأمم وقفا على تغير أخلاقها وصلاح نفوسها فقال:(إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

وبهذه الأسس تنهض الأمم وتنتصر الدعوات، وكانت هذه مجموعة من السنن التي تناولها الشيخ رحمه الله تعالى فيما يخص الأمم بصفة خاصة.

سادسا: سنن الله في الدعوات

ومن أهم السنن التي تناولها الأستاذ البنا رحمه الله تعالى سنن الله عز وجل في الدعوات، وهي سنن جارية مضت على دعوات الأنبياء والمرسلين وتمضي على كل الدعوات فيبين أن القائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قيادة، وسواء كان هذا القائد رسولا نبيا أو كان قائدا من عموم الناس، وكم أوصى الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بإخوانه حتى عاتبه فيهم، ومن سنن الله في الدعوات أن يكون لها قادة لا تقوم الدعوة إلا بهم فهم القائمون على أمرها والمرشدون لها في طريقهم إلى الله تعالى وقد جرت سنة الله تعالى أنه كلما قويت العلاقة بين القائد والمقود واشتدت الثقة بين القيادة والجندية كلما كان ذلك أعلى للدعوة وأرشد لها، اضبط وأحكم( والقائد جزء من الدعوة، ولا دعوة بغير قيادة، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات (فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) (محمد:20-21).) (176)

وسبب هذا الترابط المتين والعلاقة الوثقى بين القيادة الحقة والجندية الحقة أن الرابطة بينهما متنوعة (فللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، و الأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعا، والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات.) (177)

ويبين الأستاذ المجدد رحمه الله أن التقدم والتأخر في الدعوات لا يغني عن المرء شيئا ما لم يكن له من الوعي بدعوته والصدق في نيته الحظ الأوفر، فهو مقدم ما عمل بمنهاج الإسلام ومؤخر ما تراخت يده عنه، وإن تصدر المجالس واعتلى المنابر؛ لذا ينصح البنا صاحب الدعوة بقوله(أعتقد أنك إن عملت بها وجعلتها أمل حياتك وغاية غايتك، كان جزاؤك العزة في الدنيا والخير والرضوان في الآخرة، وأنت منا ونحن منك، وإن انصرفت عنها وقعدت عن العمل لها فلا صلة بيننا وبينك، وإن تصدرت فينا المجالس وحملت أفخم الألقاب وظهرت بيننا بأكبر المظاهر، وسيحاسبك الله على قعودك أشد الحساب، فاختر لنفسك ونسأل الله لنا ولك الهداية و التوفيق.) (178)

والشيخ الإمام رحمه الله يدرك أن اختلاف الناس سنة، وأن تفاوت العقول والإدراكات أيضا سنة من سنن الله تعالى؛ ولذا أوصى تلاميذه بأن يتفهم بعضهم بعضا ويحنو بعضهم على بعض، ودعا هذه الدعوة التي تنم عن وعي بسنن الله تعالى في الدعوات فقال:(والله يعصمكم من بعض، ويعزكم بطاعته، ويصرف عنا وعنكم كيد الشيطان.) (179)

وبهذا الدعاء أن يعصمهم الله من بعض ويصرف عنهم كيد الشيطان يبدو وعي الشيخ بما يحدث من النفوس البشرية من الفرقة والاختلاف ونزغات الشيطان بين أصحاب الرسالة الواحدة والدعوة الواحدة.

ومن سنن الله في الدعوات والتي نبه إليها الأستاذ المجدد رحمه الله أن الدعوات لا تكون إلا خالصة دون شوب صافية دون كدر أو عكر وأنها إذا شيبت بشيء كدر رواءها وغبر صفاءها، فهذه (الدعوة لا تقبل الشركة إذ إن طبيعتها الوحدة فمن استعد لذلك فقد عاش بها و عاشت به، و من ضعف عن هذا العبء فسيحرم ثواب المجاهدين و يكون مع المخلفين و يقعد مع القاعدين، و يستبدل الله لدعوته به قوما آخرين (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (المائدة:54). (180)

سابعا: سنة الله في القلة

لله في القلة والكثرة سنن جارية، وقد تناولت هذه السنة مفصلة في بحث مفرد في ضوء القرآن الكريم، وقد وعى الأستاذ المجدد -رحمه الله – هذه السنة وحاول أن يفيد منها في بناء جماعته وتكوين الجيل الذي يتغياه، ويتناول الأستاذ المجدد عن أن هذه القلة هي التي تقود وترود من خلفها، (إن ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ.

يسهل على كثير ين أن يتخيلوا، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوالا باللسان، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا ولكن قليلاً من هذا الكثير يثبت عند العمل، وكثير من هذا القليل يستطيع أن يعمل، ولكن قليلا منهم يقدر علي حمل أعباء الجهاد الشاق والعمل المضني. وهؤلاء المجاهدون وهم الصفوة القلائل من الأنصار قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله، وفي قصة طالوت بيان لما أقول، فأعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختبار الدقيق وامتحنوها بالعمل، العمل القوي البغيض لديها الشاق عليها، وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها.

وفي الوقت الذي يكون فيه منكم ـ معشر الإخوان المسلمين ـ ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسيا روحياً بالإيمان والعقيدة، وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لحج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء. وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله، وصدق رسول الله القائل: (ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة). (181) إني أقدر لذلك وقتاً ليس طويلاً بعد توفيق الله واستمداد معونته وتقديم إذنه ومشيئته، وقد تستطيعون أنتم معشر نواب الإخوان ومندوبهم أن تقصروا هذا الآجل إذا بذلتم همتكم وضاعفتم جهودكم، وقد تهملون فيخطئ هذا الحساب، وتختلف النتائج المترتبة عليه، فأشعروا أنفسكم العبء وألقوا الكتائب وكونوا الفرق، وأقبلوا علي الدروس، وسارعوا إلى التدريب وانشروا دعوتكم في الجهات التي لم تصل إليها بعد، ولا تضيعوا دقيقة بغير عمل.) (182)

والأستاذ البنا رحمه الله يخاطب هذه القلة التي تربت وتأهلت يخاطبها بعدم إلىأس ويذكر لها صورا من صور الاستضعاف وكيف تحول أصحابها من الضعف إلى القوة بقوم موسى وفرعون، (لا تيأسوا فليس إلىأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد. ولا زال في الوقت متسع، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد. والضعيف لا يظل ضعيفاً طول حياته، والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5).

إن الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام، وإن الفرص ستسنح للأعمال العظيمة، وإن العالم ينتظر دعوتكم دعوة الهداية والفوز والسلام لتخلصه مما هو فيه من آلام، وإن الدور عليكم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب، وتلك الأيام نداولها بين الناس وترجون من الله ما لا يرجون، فاستعدوا واعملوا اليوم، فقد تعجزون عن العمل غداً.) (183)

والأستاذ البنا رحمه الله يرى أن الشباب يمثلون القلة التي يمكن أن تكون رائدة وأنها تملك من خصائص النهضة والشهود ما لم تملكه غيرها من الشرائح، ودعا هؤلاء الشباب إلى القيام بدورهم والاضطلاع بمهمتهم ف(إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها. وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة: الإيمان، والإخلاص، والحماسة، والعمل من خصائص الشباب.

لان أساس الإيمان القلب الذكي، وأساس الإخلاص الفؤاد النقي، وأساس الحماسة الشعور القوي، وأساس العمل العزم الفتي، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب.

ومن هنا كان الشباب قديما و حديثا في كل أمة عماد نهضتها، وفي كل نهضة سر قوتها، وفي كل فكرة حامل رايتها: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً) (الكهف:13).

ومن هنا كثرت واجباتكم، ومن هنا عظمت تبعاتكم، ومن هنا تضاعفت حقوق أمتكم عليكم، ومن هنا ثقلت الأمانة في أعناقكم. ومن هنا وجب عليكم أن تفكروا طويلا، وأن تعملوا كثيرا، وأن تحددوا موقفكم، وأن تتقدموا للإنقاذ، وأن تعطوا الأمة حقها كاملا من هذا الشباب.) (184)

كما يوضح للشباب أن ظرفهم التاريخي والحياتي يختلف عن ظرف غيرهم وأن هذا الظرف يحتم عليهم أن يكون لا كغيرهم راحة وأمانا بل ينبغي لهم أن يكونوا على مستوى الحدث وعلى قدر التوقع(فقد ينشأ الشاب في أمة وادعة هادئة، قوي سلطانها واستبحر عمرانها، فينصرف إلى نفسه اكثر مما ينصرف إلى أمته، ويلهو ويعبث وهو هادئ النفس مرتاح الضمير. وقد ينشأ في أمة جاهدة عاملة قد استولى عليها غيرها، واستبد بشؤونها خصمها فهي تجاهد ما استطاعت في سبيل استرداد الحق المسلوب، والتراث المغصوب، والحرية الضائعة والأمجاد الرفيعة، والمثل العإلىة. وحينئذ يكون من أوجب الواجبات على هذا الشباب أن ينصرف إلى أمته أكثر مما ينصرف إلى نفسه. وهو إذ يفعل ذلك يفوز بالخير العاجل في ميدان النصر، و الخير الآجل من مثوبة الله. ولعل من حسن حظنا أن كنت من الفريق الثاني فتفتحت أعيننا على أمة دائبة الجهاد مستمرة الكفاح في سبيل الحق والحرية. واستعدوا يا رجال فما أقرب النصر للمؤمنين وما أعظم النجاح للعاملين الدائبين) (185)

ويبشر كما رأينا بنصر قريب ونجاح عظيم ما أخذنا بأسباب النجاح.

الخاتمة؛ أسأل الله حسنها

وبعد فهذه رحلة ماتعة قضيناها مع علم من أعلام السنن جمعوا بين التوصيف والتوظيف، وقرنوا بين الوعي بالسنن والسعي بها وطبقوها في جيل كامل من البشر امتد واستطال عبر معظم دول العالم، وكان لفكره السنني ووعيه بها أثر بارز في بقائها واستمرارها.

كما وقفنا على عدد من الروافد التي أعانت على تشكيل فكر الأستاذ البنا وصقله بصورة نافعة من تربيته في بيت علم وعلى يد أب عالم تخصص في السنة وعلومها، كما شكل فكره أيضا ثلة من الشيوخ والعلماء سواء من الناحية العلمية والتكوينية أو من الناحية الروحية والتربوية مما كان له في نفسه بالغ الأثر بعد.

كما وقفنا على منهجية الشيخ في التعامل مع السنن الربانية من المغالبة وعدم المصادمة ومن التحويل والاستعمال وترقب ساعة النصر.

والشيخ رحمه الله غني تراثه بعدد من السنن الربانية، وسعى في تفعيلها وتطبيقها في واقع الناس عبر حركته التي أسسها فانتشرت في ربوع العالم انتشار الماء في العروق.

ومن السنن التي تناولها في كتبه سنة الله في الأمم وسنة الله في الاختلاف وسنة الله في القلة وسنة الله في الدعوات، وغيرها

والشيخ رحمه الله كان مستوعبا لهذه السنن على مستوى الوعي والإدراك، وعلى مستوى التعامل والتوظيف وهذا سبب من أسباب إمامته وتقدمه.

فهرس المراجع والمصادر

أولا: القرآن الكريم

ثانيا:

  1. تفسير المنار، محمد رشيد بن علي رضا (المتوفي: 1354هـ)، الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة النشر: 1990 م
  2. حول أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة.. قراءة في فكر الإمام الشهيد حسن البنا، د. عبد الحميد الغزإلى، ط دار التوزيع والنشر الإسلامية، بدون تاريخ.
  3. سنن الله في المجتمع، الدار السعودية للتوزيع ط 3/ 1430/ 1984م
  4. سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفي: 275هـ)، المحقق: شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي، الناشر: دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 هـ - 2009 م
  5. سنن الترمذي، المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفي: 279هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3)وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفي البابي الحلبي – مصر، الطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م
  6. مجموعة الرسائل، ط دار الدعوة، الإمام المجدد حسن البنا.
  7. مذكرات الدعوة والداعية، ط كنوز، الإمام حسن البنا.

الفكر السياسي عند جماعة الإخوان المسلمين

الفكر السياسي عند جماعة الإخوان المسلمين رؤية ومضامين.. ثوابت ومتغيرات

ازدواجية الدين والسياسة ليست ابنة العصر

وإذا كانت العلوم قد نشأت منذ القدم في أحضان السلطة بأنواعها، فإن علم السياسة الرسمي كان يقدم نفسه منذ أقدم العصور على أنه علم: الاحتفاظ بالسلطة، أو فن السيطرة على الشعوب.

ولن نعجب كثيرا حين نسمع إماما مثل ابن تيمية حين يؤلف كتابه في السياسة الشرعية ينعى على أقوام زعموا أن العمل بالشريعة وحدها لا يمكن أن يعين على الحفاظ على الدولة، وأن كلمة العمل بالسياسة وضعت كمقابل للعمل بالشريعة، وأنه أي ابن تيمية قد وضع كتابه ليبين أن السياسة الشرعية المشتقة من القواعد العامة للشريعة يمكن أن تلبي كل احتياجات " الراعي والرعية " الأول في الضبط والأخرى في العدل.

ومع عصر النهضة الأوربي دخل العالم في مرحلة أخرى من تكريس الفصل بين الدين والدولة أو بين السياسة والأخلاق، الحالة التي كان لها معطياتها في عالم الغرب من خلفيات دينية واجتماعية واقتصادية وساسية.

وإذا كانت الازدواجية التي أشار إليها الإمام ابن تيمية رحمه الله في ظل حضارة المسلمين تعلقت بالوسائل والأسإلىب؛ فإن ما طرح في عالم الغرب أولا وما آل إلىه الأمر آخرا راح يتعلق بالمرجعيات ليس فقط الدينية بل الفطرية والأخلاقية مما اصطلح على تسميته بالقانون الطبيعي.

وحسب قانون الضغط الفيزيائي في صورته الحضارية كان لا بد للأقوياء أن يلعبوا دور المؤثر في حياة الضعفاء وفي اختياراتهم وهكذا انتقلت فكرة فصل الدين عن الدولة أو عن السياسة إلى عالم الضعفاء ومنها عالمنا الإسلامي الذي صحا مذعورا على موجات من الغزو الأوربي وتراكمات من الهزائم على أكثر من صعيد.

الأقوياء يتماسكون:.

وإذا كان من سنن القوة والضعف أن الضعفاء ينهارون أمام الصدمات فإن من هذه السنن أيضا أن الأقوياء يتماسكون، وكان من سنة الله في هذه الأمة أن يكون مناط القوة في الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، هذا الموقف الذي مثله جيل من علماء الإسلام وقادتهم الفكريين وكان في مقدمة هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا ومن حف به من جيل المؤسسين في " جماعة الإخوان المسلمين ".

حين يؤرخ البعض لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928 يربطها مباشرة بإلغاء الخلافة الإسلامية على يد أتاتورك سنة 1924، وهو ربط حقيق لا يخلو من وجاهة تلقائية مباشرة في التحليل والتفسير.

ولكن الفهم السياسي الأعمق للحدث يقتضينا أن نبحر أعمق في الواقع الديني والاجتماعي والسياسي للمسلمين، وما آل إليه أمرهم تحت تأثير عاملين سلبيين:

الأول: تراكمات من الفهوم المحلية القاصرة أو المختزلة للإسلام مثلتها بشكل عام مدارس العزلة، والتسليم القدري، والانكفاء على الذات، والرضا عنها، ونبذ الآخر، والتعلق بصغائر الأمور، وسفاسفها..

والثاني: انبهار بالقيم والتعاليم والتقاليد الوافدة من بلاد القوي المتغلب الذي جعل البعض يعتقد أن الخلل في العقيدة وفي المنهج وفي الشريعة وليس في الإنسان.

ولقد كان عمر هذا المخاض حين تحرك الإمام الشهيد بدعوته قد تجاوز عقودا من الزمان. بل لن نبعد إذا أرخناه بدخول نابليون الغازي أرض مصر 1798، والذي تكرس مرة ثانية باحتلال الإنكليز مصر 1882.

لم يأت النداء الذي وجهه الإمام البنا إلى جماعة الإخوان المسلمين من فراغ، ولم تضع صرخته ولله الحمد في واد.

ولو أردنا أن نبحث عن أسباب ثقافية مباشرة تعكس حال الأمة الذي اقتضى نداءه فقد نجد فيما كتبه " علي عبد الرزاق " عن " الإسلام وأصول الحكم " 1925 سببا لصيقا، أو فيما كتبه طه حسين " في الشعر الجاهلي " 1927 سببا متمما ثم فيما تجرأ عليه طه حسين نفسه في كتابه " مستقبل الثقافة في مصر " 1937 سببا تابعا مكملا لرؤية تيار ومسيرته.

صياغة جديدة لحقائق خالدة:

قلنا إن الإمام البنا لم ينطلق من فراغ، ولكنه عمل على سد ثغرات الواقع الإسلامي المترنح تحت متراكمات من الإفراط والتفريط في حياة المجتمع الذي هو مهما قلنا فيه الوراث الأخير لعنوان الإسلام وعقائده وشعائره وشرائعه.

كما عمل من جهة أخرى على التصدي للعاصفة الخارجية التي كان من أهدافها أن تقتلع من حياة المسلمين العقيدة والشريعة والثقافة وكل ما يمثل هويتهم العامة كما نصطلح عليه في هذه الأيام.

فكر جماعة الإخوان المسلمين. أو الفكر السياسي لجماعة الإخوان المسلمين كما جاء به الإمام الشهيد حسن البنا أو كما مارسه في حياته الدعوية القصيرة هو نفسه الفكر الإسلامي الأول المتداول بين ثقاة المسلمين منذ العصر الأول.

وحين نرى الإمام البنا يركز أو يؤكد على بعض المعاني في شعائر الإسلام، فهو دون أن ينسى كليات الإسلام، وشموله، إنما يركز على ما هو مفتقد أو مضيع أو ملتبس على الناس في حياة المسلمين.

حين يصبح الإسلام بلا دولة..

وحين يحاول البعض أن يشرعن هذا الوضع في مثل ما كتبه علي عبد الرازق منكرا الظل الواقعي الإسلامي في أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية لا شك أن نسمع البنا يؤكد أن الإسلام مصحف وسيف، ودين ودولة.

لقد قدم الإمام الشهيد رحمه الله تعالى للمسلمين أجمع، وليس فقط لجماعة الإخوان المسلمين، الصياغة الجامعة لكليات الإسلام في صياغة عصرية منهجية تعتمد القواعد العامة على صعد الحياة الفردية والجماعية والمجتمعية.

منهجية تمتاز بالشمول والاستيعاب والتيسير والتعاون والتجاوز والإعذار وحسن المقاربة وجميل الموازنة والريث والبعد عن الغلو والإفراط والتفريط والوقوف عند الصغائر..

وطرح الإمام البنا رحمه الله انطلاقا من واقع اجتماعي كان هو أدرى به مقاربات عملية للتقدم بحياة المسلمين نحو إسلامهم على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع والدولة.

وأرسى قواعد التعامل الشفاف وفق الرؤية المبصرة مع الموافقين والمخالفين على السواء.

قعّد رحمه الله القواعد، وفتح الآفاق، ونهج السبل، واستفاد مما احتاج إلىه من وسائل وأدوات مشروعة وسار في طريقه على خطا مبصرة حتى كان من أمره ما كان الثابت والمتغير في الفكر السياسي لدى دعوة الإخوان المسلمين:

يبقى الإسلام بعقائده ومبادئه وشعائره وشرائعه هو الثابت المطلق في فقه جماعة الإخوان المسلمين.

وحين نتحدث عن ثابت مطلق أول في فضاء العقل والقلب فإن هذا لا يلغي مقاربات فقه الواقع في عالم تتزاحم وتتدافع فيه الأضداد، ويتكاثر فيه الحلفاء على الإسلام والمسلمين.

لقد مثلت الفترة الأولى من عمر الدعوة 19281948 مرحلة من حياة الدعوة في ظل مؤسسها، كانت لها خصوصياتها الدعوية والثقافية والسياسية ببعديها الخارجي والداخلي، ولقد اقتضت هذه المرحلة أولوياتها المتعددة التي ما لبثت أن تجاوزت بعضها تقدم الحركة والتطور الاجتماعي العام.

إن استشعار المتغيرات، والاحساس بها، وسرعة التكيف معها هو بعض عناصر النصر الذي يعين صاحبه على تجاوز الملمات.

إن أخطر ما يواجه الأفراد والحركات هو أن يظل البعض يعتقد أنه ما زال في مربعه الأول يردد بعض الأفكار والشعارات.

انتصارات كثيرة حققتها جماعة الإخوان المسلمون خلال عمرها المديد. فمثلا كتاب علي عبد الرزاق لم يعد يذكر إلا كتاريخ. ومستقبل الثقافة في مصر لم يعد يذكر عند السواد العام إلا للاستهجان. وطوى التاريخ لويس عوض وسلامة موسى وجمال عبد الناصر ودعوات الفرعونية والفينيقية والآشورية والكتابة بالعامية وغيرها من الدعوات الهدامة كثير.

إن أقسى ما تواجهه " الدعوة الإسلامية " في إطارها العام اليوم هو انشقاقها على نفسها تحت عناوين وأسماء وبين تنظيمات وممارسات. ومبعث كل ذلك أو معظمه هو فقدان المنهجية العلمية في تقديم الإسلام وفي فهم الإسلام وفي تحديد الأولويات وفي إعادة رسم الخطوات.

الضرورة الأولى اليوم في إعادة فقه المقاربات في فهم أجيال الحركة الإسلامية، الفهم المتمسك بالنص في إطاره الواقعي وليس في فراغه التاريخي، النص كما تعاملت معه مدرسة راسخة من الفهم الشرعي على مر العصور.

ولعل من أهم هذه المنطلقات إعادة الاعتبار للفقه الإسلامي وللممارسة التاريخية الإسلامية، إعادة الاعتبار لنهج الفهم وليس للخضوع للأحكام. تحديات كبيرة أمام مدرسة البنا بين يدي مرور قرن على تأسيسها. تعتبر هي أول من يسأل عنها لأنها ما تزال الأكبر في ساحة العمل الإسلامي ونسأل الله أن تظل.

وأن يعينها على وأن ييسرنا جميعا لليسرى.

تقدير الموقف السياسي على ضوء السياسة الشرعية والفقه المقاصدي

د. محمد حكمت وليد

يعاني العالم العربي و الإسلامي من أزمة حقيقية على صعيد اختيار نوعية النظام السياسي الذي يلبي احتياجات المسلم المعاصر على صعيد الحرية و الكرامة و العدالة و الاستقرار مع الانسجام مع عقيدته و المباديء الكبرى التي يؤمن بها، لذلك كان لابد من تطوير نموذج إسلامي يتناسب مع الحياة الحديثة يتجاوز إعادة توليد النموذج السياسي التاريخي و يرمي إلى فهم حركة تطور الفقه السياسي الإسلامي و دراسته دراسة نقدية ترمي إلى تمييز الخاص من العام و الكلي من الجزئي و البناء على الكلي والعام في تلك التجربة مع الاستفادة من التجارب الانسانية السياسية المعاصرة . (186)

يعرّف الفقهاء السياسة الشرعية بأنها ما يصدر عن الحاكم من قرارات تحقق مصلحة الخلق جميعا في حفظ الدين و رعاية الدنيا بحسن تطبيق ما فيه نص شرعي و بما يحقق للأمة مصلحتها في ما لا نص فيه، و يقول ابن عقيل: "السياسة ما كان فعلا يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح و أبعد من الفساد وإن لم يضعه الرسول و لا نزل به وحي، فإذا أردت بقولك: (إلا ما وافق الشرع) أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح و إن أردت أن لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط و تغليط للصحابة" . (187)

و في هذا السياق العام من مفهوم المصالح و المفاسد نقول إن تقدير الموقف السياسي هو فعل يصطفي من بين الخيارات المتاحة ما فيه أصلح المصلحتين أو أهون الضررين، ولابد عند اتخاذ هذا الموقف من استعراض كل الإجراءات الممكن اتخاذها و تقليب وجهات النظر من مختلف جوانبها فالظاهرة السياسية ظاهرة معقدة تشتبك فيها الأصالة و المعاصرة و ثوابت الشرع مع متغيرات العصر و مصلحة الأمة مع النفوذ الإقليمي و الدولي و لابد من أسس فعالة واضحة تبين أسإلىب التعامل مع الوقائع و تيسر عملية اتخاذ القرار و لابد من تفعيل مختلف ضروب الفقه الضرورية في هذا المقام.

النوع الأول من الفقه الضروري هنا هو فقه الواقع، فمن المهم جدا معرفة الواقع على ما هو عليه بعيدا عن التهوين أو التهويل تجنبا للنظرات الجزئية و التبريرية و لابد من معرفة القوى المؤثرة المحلية و الاقليمية و الدولية من خلال الدراسات و البحوث الميدانية التي تعطي تصورا حقيقيا للصديق و العدو، وعندما يجتمع فهم النص مع فهم الواقع يمكن للمجتهد تنزيل الحكم الشرعي الصحيح لكل حالة بحسبها.

لم تحدد الشريعة الاسلامية شكلا معينا للدولة بل قدمت مباديء عامة كوجوب العدل و الشورى و تركت التفاصيل للاجتهاد حسب كل عصر و نحن اليوم في نازلة الدولة الحديثة التي تأسست على المواطنة و انتظمت بواقع قطري معين و امتلكت صلاحيات و سلطات واسعة و ترعاها نظم دولية تحت طائلة الميثاق الدولي للأمم المتحدة بينما تتحدث كتب السياسة الشرعية عن دار الحرب و دار الإسلام و جهاد الدفع و جهاد الطلب و الجزية و الذمة في الدولة السلطانية و كلها مفاهيم تشكلت في وقت كانت حدود الامبراطوريات تتوقف عند الحدود التي تتوقف عندها جيوشها، إذن نحن بحاجة إلى اجتهاد جديد يجدد أمر هذا الدين في هذا الواقع غير المسبوق فتقسيم العالم اليوم إلى دار إسلام و دار حرب لم يعد قائما و اعتبار أن الأصل في علاقة المسلين بغيرهم هو الحرب لم يعد صحيحا و لا يوجد في نصوص الإسلام المحكمة ما يؤيد ذلك بل هناك في هذه النصوص ما يناقضه و لا عائق اليوم أمام الدعوة في البلاد التي تقبل التعددية و يستطيع المسلمون أن يبلغوا دعوتهم بالكلمة المقروءة و المسموعة و المشاهدة و يستطيعون تبليغ العالم كله بلغاته المختلفة . (188)

و النوع الثاني من الفقه اللازم هو فقه الموازنات و يضم مجموعة الأسس و المعايير التي تضبط اختيار الأولويات و الموازنة في تقدير الموقف السياسي بين المصالح و المفاسد، ففي المصالح المتعارضة نُحصّلُ الأصلح فالأصلح و في المفاسد المتعارضة ندرأ الأفسد فالأفسد بينما في اجتماع المصالح و المفاسد نطبق قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح و نراعي تقديم الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينيات و نراعي كذلك المصلحة الأساسية على الشكلية و درء أكبر المفسدتين مع الأخذ بعين الاعتبار صعوبة الترجيح أحيانا عند تزاحم المصالح و المفاسد، ففي المشاركة السياسية مثلا في دولة لا تدين بأحكام الله تعالى مصلحة للجإلىات المسلمة و دفاع عن حقوقها في هذه البلاد و إن كان الزج بأبناء المسلمين في معترك كهذا دون قاعدة إيمانية واسعة قد يؤدي لفتنتهم و انحرافهم، و الاجتهاد الصحيح هنا يتطلب دراسة عميقة حسب ظروف كل بلد و ظروف الجإلىات الاسلامية فيها و لابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذه ألأمور ليست ثابتة بل تتغير من واقع إلى واقع فما يصلح في بلد معين قد لا يكون بالضرورة صالحا في بلد آخر و ما يصلح اليوم ليس بالضرورة أن يكون صالحا بعد سنوات.

و النوع الثالث من الفقه اللازم هنا هو فقه المقاصد و هو الفقه الذي يسعى لفهم جزئيات الشريعة و مفرداتها من خلال كلياتها و أهدافها في كل جوانب الحياة (189) إذ من حسن الفقه في دين الله أن ندرك مقصود الشرع من التكليف حتى نعمل على تحقيقه و حتى لا نشدد على أنفسنا و على الناس في ما لا يتصل بمقاصد الشرع و أهدافه.

و المقاصد الشرعية هي الحكم و الغايات التي شرع الله من أجلها شرائعه و تقتضي عدم الجمود عند ظاهر النص و لفظه كي لا تؤدي إلى تعسير ما يسر الشرع و تجميد ما من شأنه أن يتطور و تقييد ما من شأنه أن يتجدد، و تتمثل مقاصد الشريعة في حفظ الضروريات الخمس: الدين و النفس و المال و العقل و النسل و غيرها مما لم تستوعبها هذه الضروريات الخمس مثل الحرية و المساواة و الإخاء و التكافل و حقوق الانسان.

و النوع الرابع من أنواع الفقه اللازم هو فقه المآلات و هو فقه ما تؤول إلىه نتائج الحكم و عواقبه من خلال حسن النظر إلى الواقع استشرافا للمستقبل و عدم الوقوع في الإفراط و التفريط، و مثاله فداء أسرى المسلمين من العدو ببذل المال له (المفسدة هنا تقوية العدو بالمال و المصلحة المقدمة هنا استنقاذ الأسرى من القتل)، و المثال الآخر هو اعتبار رفع شعار تطبيق الإسلام أمرا غير ذي أولوية و لا ينبغي اتخاذه منهجا لأنه باعتبار المآلات سيؤدي إلى إجهاض مساعي الإصلاح من بدايتها، و يتبين لنا في هذا الخصوص أنه لا يسلم من الوسائل إلا ما رجحت مصلحته على مفسدته و أي وسيلة و لو كانت مباحة أدت إلى نتائج غير محمودة في الحال أو المآل يجب العمل على سدها. و المثال الأوضح في هذا السبيل يتمثل في السؤال الهام هل يفرض الحكم الإسلامي قوانينه على جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن ديانتهم و توجهاتهم الفكرية و السياسية؟ و الجواب أنه لا يجوز ذلك للتوجيه القرآني بعدم الإكراه في الدين أولا و كذلك باعتبار المآلات و موازنات القوى الدولية ثانيا و لأن ذلك سيؤدي إلى إثارة المجتمع الدولي كما سيؤدي إلى إثارة حفيظة هؤلاء اللذين يشعرون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية و يجعلهم ينادون بإلغاء النظام كلية أو بالتدخل الأجنبي و هذا أيضا مفسدة كبيرة. و من التطبيقات المعاصرة التي يمكن الاستفادة منها في التعامل مع اختلاف الديانات ما انتهجته الدولة الماليزية إذ سمحت ببناء المساجد و الكنائس و المعابد، و وضعت قوانين عامة لجميع المواطنين تسمى بالنظام القانوني المدني أو الفيدرإلى تصدر من برلمان الدولة و قوانين خاصة بالمسلمين تسمى النظام القانوني الإسلامي تصدر من قبل برلمان الولاية كما توجد محاكم خاصة بالمسلمين و محاكم للديانات الأخرى (190)

و النوع الخامس اللازم في هذا السبيل هو فقه التنزيل و هو حسن تطبيق النصوص على الواقع المعاش لتحقيق المصلحة و درء المفسدة و فيه يتجلى حسن فهم النصوص و الحكمة في تطبيقها على واقع البشر، و لابد هنا من فقه الأولويات الذي يقدر الوقت المناسب لتقديم ما يحسن تقديمه من الأعمال و ما يحسن تأخيره منها بناء على أهميتها و الواقع الذي يضبطها، و في كل الأحوال لابد في فقه التنزيل و الأولويات من مراعاة الضوابط التالية:

• أولا مراعاة فقه التوقع و الاستشراف: و يدخل فيه كل ما يخص التخطيط و علم المستقبليات و الاستفادة من التاريخ و سنن الله في المجتمعات، وهو فقه مفيد للخروج من تيه الحاضر إلى أنوار المستقبل و التعامل مع كل جديد حادث و و ضع الحلول للمشاكل المتوقعة قبل حدوثها.

و انطلاقا من ضابط الاستشراف و الاستفادة من التاريخ لابد من الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة فالحكمة ضالة المؤمن و هي ليست حكرا على أمة دون أمة و لا على جيل دون جيل، و لا صحة لما هو شائع بين دعاة الإسلام من استخفاف بتجارب الأمم و الشعوب في مجال النظم السياسية و الاقتصادية بدعوى أن المسلم لا يحتاج إليها و أن الله تعالى لم يفرط في الكتاب من شيء إذ لا يجوز الرفض المطلق و لا القبول المطلق لأي مذهب أو نظرية من نظريات الإصلاح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي لأن الأمر مرهون بمصالح الأمة المنضبطة بميزان الشرع (191)

• ثانيا التدرج: من حكمة التشريع أن الأمر يرد فيه بحسب قدرة المكلف و من هنا كان نزول القرآن منجما في عشرين سنة و وردت الأحكام التكليفية فيه شيئا فشيئا و لم تنزل دفعة واحدة (تحريم الخمر) و هذه الأحكام تنطبق على كل زمان و مكان لأنها تتعلق بالنفس الانسانية و خصائصها التي جبلها الله عليها.

• ثالثا مراعاة الثابت و المتغير: الأحكام الشرعية إما أن تكون ثابتة بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة و ألا يتخلف مقصدها عنها مهما تغيرت الظروف مثل وجوب الشورى، أو تكون الأحكام متغيرة بنصوص ظنية الثبوت أو الدلالة أو كليهما أو أن يتخلف عنها مقصدها و هي الأحكام القابلة للتأويل على أكثر من وجه مثل (قيام المجالس البرلمانية المعاصرة بمهمة الشورى).

• رابعا مراعاة السنن الربانية: وهي منارات هادية للأفراد و المؤسسات و الدول في تعقيدات الحياة المعاصرة لفهم سنن الله الحاكمة و نواميسه المضطردة ربطا بعللها و أسبابها و تجنبا للاصطدام بها و الهلاك في الدنيا و الآخرة.

• خامسا اعتبار عامل التربص الداخلي و الخارجي: لم يعد القرار السياسي في البلاد الإسلامية خاصة و الدول الضعيفة عامة خاضعا فقط لاعتبارات داخلية و توازنات محلية (مثال دول الربيع العربي) و هو ما أدى إلى الحد من استقلإلىة القرار السياسي الداخلي و رهنه برغبات و مصالح الدول الكبرى، و هناك من يخطط للإيقاع بين الحركة الاسلامية و بين الأنظمة السياسية في بلدانها بإشغال الحركة في صراعها مع الحكام و دفع الأنظمة إلى التربص بها و ضربها، و لذا يجب على الحركات الإسلامية أن تأخذ هذا العامل في خطة الإصلاح السياسي حتى تتمكن من المساهمة في الإصلاح دون الإجهاز على المكتسبات و المواقع . (192)

الإخوان والفهم السياسي

ا.محمود الإبياري

تعريف السياسة:

فالسياسة عند فلاسفة اليونان -أرسطو خاصة - هي كل ما من شأنه أن يحقق الحياة الخيّرة في المجتمع، فهي تستوعب كافة الشؤون السائدة في المجتمع، وهذا التحديد يعتبر السياسة فرعا عن الأخلاق،

ولعل المعني اللغوي عند العرب لهذا المصطلح يتشابه مع التحديد الأرسطي له من حيث الاتصال بالأخلاق، ومن حيث الشمول، فأصل كلمة “سياسة” جاء من السوس، وهي تعني الرئاسة، وعندما نقول: ساس الأمر، نعني: أنه قام به، وشرط السياسة أن يقوم بالأمر “بما يصلحه “ أي أمر الجماعة أو مجموع الناس.

أما السياسة عند الإسلاميين فقد عبر عنها ابن عقيل الحنبلي حيث قال: السياسة هي ما يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح والفلاح وأبعد عن الفساد في أمورهم الدنيوية، وان لم يضعه رسول أو نزل به وحي.

وقد عرف رفاعة الطهطاوي السياسة بقوله: “هي فن الإدارة أو تدبير المملكة ونحو ذلك “، ثم قال والبحث في هذا العلم ودوران الألسن فيه والتحدث به والمنادمة عليه في المجالس والمحافل والخوض فيه كل ذلك يسمى “سياسة”

وعرفها مالك بن نبي بقوله: “هي العمل المنظم الفعال الذي تقوم به الأمة ككل - الدولة والجماعات - المتفق مع عقيدة جمهورها لتحقيق التجانس والتعاون بين الدولة والفرد على الصعيد الاجتماعي والثقافي لتكون السياسة مؤثرا حقيقيا في واقع الوطن”

فالسياسة الشرعية كما يقول الفقهاء هي: تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار بما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية لي وإن لم يسبق إلى القول به الأئمة المجتهدون.

مفهوم السياسة عند الإخوان المسلمين

يقول الإمام المؤسس حسن البنا رحمه الله- المرشد الأول للجماعة - لمفهوم السياسة عند حديثة عن علاقة الإسلام بالسياسة، وموقف المسلم منها: “السياسة هي: النظر في شئون الأمة الداخلية والخارجية ولها جانبان:

الداخلي، وتعني السياسة - عندئذ -: (تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها، وتفصيل واجباتها وحقوقها، ومراقبة الحاكمين، والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا، وينقدوا إذا أساءوا)

والجانب الخارجي وتعني السياسة حينئذ (المحافظة على استقلال الأمة وحريتها، والسير بها إلى الأهداف التي تحتل بها مكانتها بين الأمم، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شئونها)..الخ،

ويربط البنا بوضوح بين العقيدة والعمل السياسي بقوله: (إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا: بعيد النظر في شؤون أمته، مهتما بها، فالمسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته،

ويقول: (إننا سياسيون بمعني أننا نهتم بشئون أمتنا وأننا نعمل لاستكمال الحرية.. الخ ).

فالسياسة عند الإخوان هي التفكير في شئون الأمة الداخلية والخارجية، والاهتمام بها والعمل على إصلاح كافة جوانبها، وهي ترتبط بالعقيدة والأخلاق، وتهدف إلى التغيير،

والمقابلة بين تعريف ابن نبي وتعريف زكي نجيب محمود وتعريف الإخوان تظهر تقاربا بينها جميعا، فهي عند الأول العمل المغير للإطار الثقافي، وعند الثاني العمل المغير للأوضاع الاجتماعية نحو الأفضل والخير، وعند الإخوان التفكير، والاهتمام والعمل المصلح لشئون ا لأمة كلها داخلها وخارجها، والإصلاح تغيير بالضرورة

وعلى الرغم من أن مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا -رحمه الله - قد وضح ذلك كما قدمنا بأسلوب لا لبس فيه إلا أن البعض ما زال لا يريد أن يقرأ، أن الإسلام ما جاء بقرآنه وسنته وسيرة سلفه الصالح إلا ليصلح حياة الناس وأعمالهم ويقود الأمة ويحكمها مصداقاً لقوله تعإلى: “ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم “ (المائدة: 49)، ولهذا فقد أكد الإمام البنا -رحمه الله - على أن مرجعية الجماعة هي الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح في الدعوة إلى إصلاح حال الناس والأمة بتعإلىم وأحكام وهدي الإسلام دون النظر إلى الألفاظ والمسميات وهو بهذا يبين جهل أصحاب هذه الشبهات.

الدين والسياسة وشمولية الإسلام بقلم الإمام حسن البنا

قلما تجد إنسانًا يتحدث إلىك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلاً، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومن هنا سُميت هذه جمعية إسلامية لا سياسية، وذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، ورأيت في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومناهجها (لا تتعرض الجمعية للشؤون السياسية).

وقبل أن أعرض إلى هذه النظرة بتزكية أو تخطئة أحب أن ألفت النظر إلى أمرين مهمين:

أولهما: أن الفارق بعيد بين الحرية والسياسة، وقد يجتمعان وقد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسيًا بكل ما في الكلمة من معانٍ، وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إلىه، وقد يكون حزبيًا، ولا يدري من أمر السياسة شيئًا، وأنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة، وهي النظر في شؤون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة الحزبية بحال.. هذا أمر.

والثاني: أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الأمر، أو حينما أعياهم أمره وثباته في نفوس أتباعه، ورسوخه في قلوب المؤمنين به، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال، ولم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره وشكلياته، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية، وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشورًا من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغني من جوع...

فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به، وأن الإسلام شيء والثقافة العامة سواه، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيداً عن السياسة. فحدثوني بربكم أيها الإخوان، إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة وغير الاجتماع، وغير الاقتصاد، وغير الثقافة، فما هو إذن؟..

أهو هذه الركعات الخإلىة من القلب الحاضر، أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية استغفار يحتاج إلى استغفار، ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مُفصلاً ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾ سورة النحل: الآية 89.

هذا المعنى المتضائل لفكرة الإسلام، وهذه الحدود الضيقة التي حدد بها معنى الإسلام، هي التي حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين، وأن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم لقد تركنا لكم حرية الدين، وأن الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.

الإسلام الشامل

أنا أعلن أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة ووضوح وقوة، أن الإسلام شيء غير هذا المعنى الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به، وأن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون، وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

وأعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معنى غير هذا، فبه كانوا يحكمون، وله كانوا يجاهدون، وعلى قواعده كانوا يتعاملون، وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا العملية قبل شؤون الآخرة الروحية، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول: “لو ضاع مني عِقال بعير لوجدته في كتاب الله”.

بعد هذا التحديد العام لمعنى الإسلام الشامل، ولمعنى السياسة المجردة عن الحزبية، أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسياً، بعيد النظر في شؤون أمته، مهتمًا بها غيورًا عليها، وأستطيع كذلك أن أقول إن هذا التحديد والتجريد أمر لا يقره الإسلام، وأن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام.

دعوني أيها الأخوة أسترسل معكم قليلاً في تقرير هذا المعنى الذي قد يبدوا مفاجأة غريبة على قوم تعودوا أن يسمعوا دائمًا نغمة التفريق بين الإسلام والسياسة والذي قد يدع بعض الناس يقولون بعد انصرافنا من هذا الحفل، إن (جماعة الإخوان المسلمين) قد تركت مبادئها، وخرجت على صفتها، وصارت جماعة سياسية بعد أن كانت جمعية دينية،

ثم يذهب كل مُتأول في ناحية من نواحي التأويل متلمسًا أسباب هذا الانقلاب في نظره،

وعلم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يومًا من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يومًا من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يومًا من الأيام غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم أبدًا بين السياسة والدين، ولن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِين﴾ سورة القصص: الآية 55.

ومُحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوى فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون﴾ سورة البقرة: آية 138.

السياسة الداخلية

دعوني أيها الأخوة استرسل معكم في تقرير هذا المعنى، فأقول إن كان يُراد بالسياسة معناها الداخلي من حيث تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها وتفصيل حقوقها وواجباتها ومراقبة الحاكمين والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا وينقدوا إذا أساؤوا...

فالإسلام قد عُنى بهذه الناحية، ووضع لها القواعد والأصول وفصلّ حقوق الحاكم والمحكوم، وبين مواقف الظالم والمظلوم، ووضع لكلٍ حداً لا يعدوه ولا يتجاوزه.

فالدساتير والقوانين المدنية والجنائية بفروعها المختلفة عرض لها الإسلام، ووضع نفسه منها بالموضع الذي يجعله أول مصادرها وأقدس منابعها، وهو حين فعل هذا إنما وضع الأصول الكلية، والقواعد العامة، والمقاعد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل والمقاصد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل يطبقونها بحسب ظروفهم وعصورهم، ويجتهدون في ذلك ما وسعتهم المصلحة، وواتاهم الاجتهاد.

وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها، وأوصى بأن يكون كل مسلم مشرفًا تمام الإشراف على تصرفات حكومته، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب، وهو كما فرض على الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فرض على المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ما كان كذلك، فإذا انحرف فقد وجب عليهم أن يقومّوه على الحق ويلزموه حدود القانون ويعيدوه إلى نصاب العدالة، هذه تعاليم كلها من كتاب الله تبارك وتعالى ومن أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم نتقولها ولم نخترعها، وإلى حضراتكم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إليكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إلىكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ سورة المائدة: الآية 48-50، إلى عشرات من الآيات الكريمة التي تناولت كل ما ذكرنا بالبيان والتفصيل. ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في تقرير سلطة الأمة وتقرير الرأي العام فيها: “الدين النصيحة.

قالوا: لمن يا رسول الله؟

قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” رواه مسلم:

ويقول أيضاً: “إن من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” رواه الترمذي وابن ماجه،

ويقول كذلك: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله” مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني في المعجم الأوسط. وإلى مئات الأحاديث التي تفصّل هذا المعنى وتوضحه، وتوجب على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، وأن يراقبوا حكامهم ويشرفوا على مبلغ احترامهم للحق وإنقاذهم لأحكام الله.

فهل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يأمر بهذا التدخل، أو الإشراف أو التناصح، أو سَمْةِ ما شئت، وحين يحض عليه، ويبين أنه الدين وأنه الجهاد الأكبر، وأن جزاءه الشهادة العظمى.. يخالف تعاليم الإسلام فيخلط السياسة بالدين،

أم أن هذه هي طبيعة الإسلام الذي بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأننا في الوقت الذي نَعِدلُ فيه بالإسلام عن هذا المعنى نصور لأنفسنا إسلاماً خاصاً غير الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه.

لقد تقرر هذا المعنى الفسيح للإسلام الصحيح في نفوس السلف الصالح لهذه الأمة، وخالط أرواحهم وعقولهم، وظهر في كل أدوار حياتهم الاستقلالية قبل ظهور هذا الإسلام الاستعماري الخانع الذليل.

ومن هنا أيها الإخوان كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتكلمون في نُظُمِ الحكم، ويجاهدون في مناصرة الحق، ويحتملون عبء سياسة الأمة، ويظهرون على الصفة التي وصفوا أنفسهم بها “رهبان بالليل فرسان بالنهار” حتى كانت أم المؤمنين عائشة - رضي الله - عنها الصديقة تخطب الناس في دقائق السياسة، وتصور لهم مواقف الحكومات في بيان رائع وحجة قوية، ومن هنا كانت الكتيبة التي شقت عصا الطاعة على الحجاج وحاربته وأنكرت عليه بقيادة ابن الأشعث تسمى كتيبة الفقهاء إذا كان فيها سعيد بن جبير وعامر الشعبي وأضرابهما من فقهاء التابعين وجلة علمائهم.

ومن هنا رأينا من مواقف الأئمة رضوان الله عليهم في مناصحة الملوك ومواجهة الأمراء والحكام بالحق ما يضيق بذكر بعضه – فضلاً عن كله – المقام. ومن هنا كذلك كانت كتب الفقه الإسلامي قديماً وحديثاً فياضة بأحكام الإمارة والقضاء والشهادة الدعاوى والبيوع والمعاملات والحدود والتعزيرات، ذلك إلى أن الإسلام أحكام عملية وروحية، إن قررتها السلطة التشريعية فإنما تقوم على حراستها وإنقاذها السلطة التنفيذية والقضائية، ولا قيمة لقول الخطيب كل جمعة على المنبر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ سورة المائدة: الآية 90)، في الوقت الذي يجيز فيه القانون السُكْرَ وتحمي الشرطة وتقود السكارى إلى بيوتهم أمنين مطمئنين،

ولهذا كانت تعاليم القرآن لا تنفك عن سطوة السلطان، ولهذا كانت السياسة الحكومية جزءاً من الدين، وكان من واجبات المسلم أن يُعْنيَ بعلاج الناحية الحكومية كما يُعْنيَ بعلاج الناحية الروحية. وذلك مواقف الإسلام من السياسة الداخلية.

السياسة الخارجية

فإن أُرِيدَ بالسياسة معناها الخارجي، وهو المحافظة على استقلال الأمة وحريتها وإشعارها كرامتها وعزتها، والسير بها إلى الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدًا يفصل حقوقها جميعاً، ويوجه الدولة كلَها إلى السلام العالمي العام وهو ما يسمونه (القانون الدولي).. فإن الإسلام قد عنى بذلك كل العناية وأفنى فيه بوضوح وجلاء، وألزم المسلمين أن يأخذوا بهذه الأحكام في السلم والحرب على السواء، ومن قصّر في ذلك وأهمله فقد جهل الإسلام أو خرج عليه. قرر الإسلام سيادة الأمة الإسلامية وأستاذيتها للأمم في آيات كثيرة من القرآن منها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ سورة آل عمران الآية: 110،

وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: آية 143).

وقوله تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون﴾ (سورة المنافقون آية 8) وأكد قوامتها وأرشدها إلى طريق صيانتها وإلى ضررِ تدخلِ غيرِها في شؤونها بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتِّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ (سورة آل عمران: آية 118)،

وأشار إلى مَضَارّ الاستعمار وسوء أثره في الشعوب فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ (سورة النمل: آية 27).

ثم أوجب على الأمة المحافظة على هذه السيادة، وأمرها بإعداد العُدة واستكمال القوة، حتى يسير الحق محفوفاً بجلال السلطة كما هو مُشْرقٌ بأنوار الهداية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة﴾ (سورة الأنفال: آية 6)،

ولم يغفل التحذير من سورة النصر ونشوة الاعتزاز وما تجلبه من مُجانبة للعدالة وهضم للحقوق، فحذّر المسلمين العدوان على أية حال في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة: آية 8)، مع قوله تعالى: ﴿الذينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُو﴾ (سورة الحج: آية 41).

ومن هنا أيها الإخوة رأينا أخّلاء المسجد، وأنْضَاء العبادة، وحفظة الكتاب الكريم، بل وأبناء الربط والزوايا من السلف رضوان الله عليهم، لا يقنعون باستقلال بلادهم، ولا بعزة قومهم، ولا بتحرير شعوبهم، ولكنهم ينسابون في الأرض، ويسيحون في آفاق البلاد فاتحين معلمين، يحررون الأمم كما تحرروا، ويهدونها بنور الله الذي اهتدوا به، ويرشدونها إلى سعادة الدنيا والآخرة، لا يغلون ولا يظلمون ولا يعتدون، ولا يستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.

ومن هنا رأينا عقبة بن نافع يخوض الأطلسي بلبة جواده قائلاً: اللهم لو علمت وراء هذا البحر أرضاً لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، في الوقت الذي يكون فيه أبناء العباس الأشقاء قد دفن أحدهم بالطائف إلى جوار مكة، والثاني بأرض الترك من أقصى الشرق، والثالث بأفريقيا من أقصى المغرب، جهاداً في سبيل الله وابتغاء لمرضاته.

وهكذا فهم الصحابة والتابعون بهم بإحسان أن السياسة الخارجية من صميم الإسلام.

الحقوق الدولية

وأحب قبل أن أختم هذا الاسترسال أن أؤكد لحضراتكم تأكيداً قاطعاً أن سياسة الإسلام داخلية أو خارجية تكفل تمام الكفالة حقوق غير المسلمين، سواء أكانت حقوقاً دولية أم كانت حقوقاً وطنية للأقليات غير المسلمة،

وذلك لأن شرف الإسلام الدولي أقدس شرف عرفه التاريخ، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إليهم عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِين﴾ (سورة الأنفال: آية 58).

ويقول: ﴿إِلاَّ الذينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إليهم عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين﴾ (سورة التوبة: آية4)

ويقول تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (سورة الأنفال: آية 61).

ولئن كانت إيطاليا المتمدنة قد غزت الحبشة حتى استولت عليها ولم تعلن عليها حرباً ولم تسبق إلى ذلك بإنذار، وحذت حذوها اليابان الراقية فهي تحارب الصين، ولم تخطرها ولم تعلنها، فإن التاريخ لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن صحابته أنهم قاتلوا قوماً أو غزوا قبيلاً دون أن يوجهوا الدعوة ويتقدموا بالإنذار وينبذوا إليهم على سواء.

وقد كفل الإسلام حقوق الأقليات بنص قرآن هو قول الله تبارك وتعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الذينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إليهم إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ (سورة الممتحنة: آية8).

كما أن هذه السياسة الإسلامية نفسها لا تنافي أبداً الحكم الدستوري الشوري، وهي واضعة أصله ومرشدة الناس إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ (سورة الشورى: آية: 42) وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ (سورة آل عمران: آية 153).

وقد كان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه وينزل على رأي الفرد منهم متى وضح له صوابه كما فعل ذلك مع الحباب بن المنذر في غزوة بدر، ويقول لأبي بكر وعمر: “لو اجتمعتما ما خالفتكما”،

وكذلك ترك عمر الأمر شورى بين المسلمين، وما زال المسلمون بخير ما كان أمرهم شورى بينهم.

سعة التشريع الإسلامي:

كما أن تعاليم الإسلام وسياسته ليس فيها معنى رجعي أبداً، بل هي على أدق قواعد التشريع الصالح، وقد اعترف التشريع لكثير منها، وسيكشف الزمن للناس على جلاله ما لم يعرفوا – بأنها قد سبقته في دقة الأحكام وتصوير الأمور وسعة النظر، وشهد بذلك كثير من غير المسلمين كما ورد كثيراً في كلام المسيو لامبير وأضرابه، وأكدت ذلك مؤتمرات التشريع الدولية على أن الإسلام قد وضع من القواعد الكلية ما يترك للمسلم باباً واسعاً في الانتفاع بكل تشريع نافع مفيد لا يتعارض مع أصول الإسلام ومقاصده، وأثاب على الاجتهاد بشروطه، وقرر قاعدة المصالح المرسلة، واعتبر العُرف، واحترم رأي الإمام، كل هذه القواعد تجعل التشريع الإسلامي في الذروة السامية بين الشرائع والقوانين والأحكام.

هذه معان أحب أيها السادة أنَ تذَيعَ بيننا وأن نذيعها في الناس، فإن كثيرين لازالوا يفهمون من معنى النظام الإسلامي ما لا يتفق بحال مع الحقيقة، وهم لهذا ينفرون منه ويحاربون الدعوة إليه، ولو فقهوه على وجه لرجعوا به ولكانوا من أوائل أنصاره وأشدهم تحمساً له وأعلاهم صوتاً في الدعوة إليه.

الإخوان بين السياسة والدين

يقول الإمام حسن البنا -رحمه الله-:

لا يريد كثير من الناس أن ينظروا إلى الحقائق إلا بمنظار مطموس بالغايات ملوث بالأهواء سوّدته الحزازات الحزبية، وتكاثفت على زجاجه الضغائن الشخصية،

وما دام ذلك كذلك فلن يصل هذا إلى الحق وإن كان أوضح من النهار وأضوأ من الشمس المشرقة، فالهوى والحق لا يجتمعان، والغاية والإنصاف خصمان لدودان ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾.. ( المؤمنون: 71).

ولا يريد هذا الصنف من الناس أن يفهم أن الإسلام قد أفتى في شئون الحياة جميعا، وتناول أمور الدنيا والآخرة بالبيان والإيضاح، ورسم للناس فيها حدودا إن اتبعوها فهم مسلمون صادقون وإن خرجوا عليها فهم آثمون مخالفون يقولون ما لا يفعلون، وما دام الإسلام قد بين للناس نظام الحكم وقواعده ووضح لهم حقوق الحاكم والمحكوم في بيان شامل فاصل، فإن الإسلام بهذا قد ضرب في صميم السياسة، وتناول أخص خصائص رجالها، وزجّ بأحكامه في تيارها، وألزم الناس النزول على هذه الأحكام.

وهل أوضح في هذا من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إليكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.. [المائدة: 49-50]؟ وما دام الإسلام قد فرض على الناس أن يجهروا بالحق، وأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، وألا يقروا ظالما على ظلمه، وألا يستسلموا لجائر في جوره، وأن يجاهدوا أمراءهم وحكامهم وأولى الرأي منهم في سبيل إقامة موازين العدل حتى تقوم، وإعلاء كلمة الله حتى ترتفع على الرءوس، وإظهار شعائر الإسلام حتى تسمو فوق كل منار، فهو بذلك قد فرض على المسلمين جميعا اليقظة السياسية، والتدخل في شئون السياسة، وأعطى الأمة حق مراقبة قوادها وزعمائها وحكامها وأمرائها وملوكها ووزرائها وأهل النفوذ والرأى فيها، فما من كبير إلا والحق أكبر منه، وما من ضعيف إلا وهو أقوى الناس بحقه، وهل أوضح في ذلك من قول الله تعالى: ﴿لُعِنَ الذينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79]، ومن قول الرسول صلى الله عليه وسلم “سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله” (أخرجه الحاكم)؟

وفي أحاديث وآيات أكثر من أن يتسع لها كتاب ما دام الإسلام يقول هذا-أيها الناس- فليس هناك شيء اسمه دين وآخر اسمه سياسة، وهي بدعة أوربية أراد خصومكم بها أن تفتر حماستكم للإسلام، وأن يصرفوكم عن نُظُمِه إلى نُظُمِهُم الفاسدة،

وليس هناك في حقيقة الأمر إلا شيء واحد –هو شريعة الله التي صلح عليها أمر الدنيا والآخرة، ووضعت للناس أفضل النظم في سياسة معاشهم، ومعادهم، وحكمهم، وقضائهم، وحربهم، وسلمهم، وأخذهم، وعطائهم: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلام دِينًا فَمَنِ..﴾ (المائدة: 3).

أيها الناس: ضعوا عن أبصاركم هذه المناظير الملونة التي قدمتها إليكم أوربا وروجها عليكم ساسة هذا العصر، وانظروا إلى الإسلام بنور الله الذي هداكم إليه فحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ترون ذلك جليا وتبصرونه واضحا، وتعلمون أن الحق في جانب الإخوان المسلمين وأن الخطأ كل الخطأ في نظرات الزعماء السياسيين الذين يفرقون بين السياسة والدين.

'وبعد:'نص غليظ أيها الناس، فقد اختلفت أحكامكم على الإخوان وكتابات الإخوان في هذه الصحيفة، وذهبتم فيها كل مذهب، وجافيتم الصواب كثيرا، وحكمتم بأهوائكم لا بحقيقة الأمر، والمسألة أبسط من ذلك وأهون مما تظنون.

كتب الإخوان ينتقدون رجال الحكومة الحاضرة نقدا مُراّ لاذعا أليما فيه صراحة وفيه وضوح وفيه حساب عسير وفيه مؤاخذة شديدة، نقدوا وزير الخارجية في حفل البعثة الإيرانية، وما كان فيه من خمر ورقص وعبث ولهو بأموال الفلاحين بما يخالف أوامر الدين، ونقدوا وزير الداخلية السابق في سفره ظهر الجمعة وتركه أداء فريضتها مع منشوره للمديرين والمحافظين ورجال الإدارة بوجوب مشاركة المسلمين في أداء هذه الفريضة المقدسة، ونقدوا وزير المالية الحالي، والنائب العام في حضور ميادين السباق والمراهنة على الخيل، وهى بوضعها الحاضر قمار صريح لاشك فيه، ونقدوا رئيس الوزراء في تصريحه الخاص بقضية فلسطين وفي إعجابه بفرسان المغاربة يزينون ميادين فرنسا وهم سلالة الأشاوس الفاتحين من أبطال الموحدين.

كتبوا في كل هذا وسوف لا تقف هذه الأقلام عن هذا النقد أو هذا النصح إن شئت ما وجدت إليه سبيلا، ولن تقف في سبيلها عقوبة أو محاكمة فنحن نرتل دائما قول الرسول: “إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”

فإذا تأولتم أنتم -أيها الناس- كلماتنا هذه، ونظرتم إليها خلال غايتكم وغفلتم تماما عن الدافع الحقيقي لها، فأما الحكوميون منكم فقالوا في أنفسهم وفي مجتمعاتهم: وفديون نحاسيون مهرجون مأجورون لا يرضيهم شيء ولا يعترفون بمحمدة كل همهم خصومة الحكومة وعداوة الحكومة والنيل من الحكومة ورجال الحكومة، وقال الوفديون وأنصارهم: إن الحكومة لم تغدق على هؤلاء القوم من الإعانات المادية، ولم تعطهم من المصروفات السرية، ولم تحقق لهم مطالب شخصية فهم لهذا يحملون عليها وينتقدون رجالها ويشهرون بأعمالها وهو انتصار للوفد مبين.

وكتب الإخوان مع الكلمات السابقة وفي أعداد واحدة ينقدون رفعة النحاس باشا في تصريحه عن الحدود الإسلامية، وينددون بموقفه من التشريع الإسلامي، ويعيبون على المؤتمر الوفدي إضاعته لصلاة المغرب، ويطالبون الوفد ورجال الوفد بالحرص على شعائر الإسلام ومظاهر الإسلام، فانعكست الآية وانقلبت التهمة وفرح الحكوميون واغتاظ الوفديون، وأصدر كل منهما على العدد الواحد من أعداد النذير حكمين متناقضين فهو العدد بعينه ومن يكتب فيه وفدى وحكومي وماهري ونحاسي ومؤيد ومعارض كل ذلك في وقت واحد.

هذه الأحكام المتناقضة كلها خاطئة، وإنما جر الناس إليها أمر واحد هو أنهم لا ينظرون إلى الأمور إلا من وراء الأفكار الحزبية، والحق -أيها الناس- أننا حين ننقد الحكومة أو الوفد لا نكره واحد منهما، ولا نعتبر هذا النقد معارضة إلا في هذا العمل الذي نقدناه، وحين نؤيد واحدا منهما ونثنى على عمل حميد صدر منه فليس معنى هذا أننا معه أو مؤيدوه إلا في هذا العمل وحده، ونحن على استعداد لأن نؤيد اليوم من نقدناه بالأمس إذا أحسن وأجاد، وأن ننقد اليوم من أيدناه بالأمس إذا اعوج والتوى، وليس ذلك بتلون منا ولا نفاق، ولكنه نزول على حكم الحق أينما كان، وليس هذا -أيها الناس- تدخل حزبي أو كيد سياسي، ولكنه أداء واجب ديني فرضه الله، هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل آن أن نتفهم معا هذه الحقيقة فنتعاون جميعا على أن نرى الحق حقا ونتبعه والباطل باطلا فنجتنبه ونحاربه، ذلك ما نريد أن يفهمه الناس عنا، ويحملوا عليه كتاباتنا، ولنا عود إلى هذا الموضوع.

الفرق بين السياسة والحزبية

يفرق الإمام البنا بين السياسة والحزبية فيقول:

(الفارق بعيد بين الحزبية والسياسة قد يجتمعان وقد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسياً بكل ما في الكلمة من معان وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إلىه، وقد يكون حزبياً ولا يدري من أمر السياسة شيئا، وقد يجمع بينهما فيكون سياسياً حزبياً أو حزبياً سياسياً على حد سواء).

وقد يقول قائل: هل نحن حزبيون متعصبون ؟، أقول لهذا القائل في صراحة ووضوح:

أما أننا سياسيون حزبيون نناصر حزبا ونناهض آخر فلسنا كذلك ولن نكونه، ولم لا يستطيع أحد أن يأتي على هذا بدليل أو شبه دليل.

وأما إننا سياسيون بمعني أننا نهتم بشؤون أمتنا، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك، ونعتقد أننا لم نأت فيه بشيء جديد، فهذا هو المعروف عند كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة، ونحن لا نعلم دعوتنا ولا نتصور معني لوجودنا إلاّ تحقيق هذه الأهداف.

ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام، والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد، ولكنه يحدوه دائما إلى الكفاح والجهاد: " والذين جاهدوا فينا لنهد ينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ".. العنكبوت: 69.

وعلم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يوما من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يوما من الأيام غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة والدين، ولن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين متعصبين مهاترين، “ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين “ (القصص:55)، ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوي فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف “ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون “... البقرة: 138.

بعد هذا التحديد العام لمعني الإسلام الشامل ولمعني السياسة المجردة عن الحزبية أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا، بعيد النظر في شؤون أمته، مهتما بها غيورا عليها.

وأستطيع كذلك أن أقول أن هذا التحديد والتجريد للإسلام أمر لا يقره الإسلام، وأن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية، وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معني الإسلام.

وبعد كل هذا البيان الشافي نحب أن نقول للجاهلين بالإسلام والذين يلقون الشبه بغير علم ولا فهم، يجب أن تتلمذوا على العباقرة ومجددي القرون قبل أن يخيم الران على قلوبكم فتندمون وتتخلفون، والكتيبة سائرة بحمد الله وعونه، ولكنا نريدكم في الصف حتى لا تكون فتنة، وتكون الدعوة قوية بالأمة والعاملين في الحقل الإسلامي جميعا ويتحقق للإسلام المنعة والقوة ويفرح المؤمنون بنصر الله.

وقد أشار د/القرضاوي إلى هذا الموضوع فقال: من التهم القديمة الجديدة التي وجهت إلى الإخوان: (سيسوا الدين) أو خلطوا الدين بالسياسة، أو أدخلوا الدين في السياسة والسياسة في الدين.

وقد قال أحد الحكام يوما: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين!!

وشاعت على الألسنة والأقلام في السنوات الأخيرة هذه العبارة (الإسلام السياسي) يريدون به: الإسلام الذي يدعو إلى الحكم بما أنزل الله، وإلى تحكيم شرعه فيمن آمن به، وإلى تحرير أرض الإسلام ومقاومة كل معتدٍ عليها، والعمل على توحيد الأمة العربية والإسلامية – أو على الأقل – التقريب بينها بدل أن يجافي بعضُها بعضاَ أو يضرب بعضها وجوه بعض.

وحين يشرح هؤلاء – من خصوم الإخوان – مضمون (الإسلام السياسي) لا يكتفون بما ذكرنا، بل يضمنونه معنى العنف والقتل العشوائي، وإرهاب الآمنين، والتعصب ضد الآخرين والانغلاق على الماضي والانقطاع عن الحاضر وإغفال المستقبل.

فإذا اعترفت بأن السياسة جزء من الإسلام إذا استمدت منه وسارت في ضوئه:

ألزموك بما لم تلتزم به، وحكموا عليك بأنك من أنصار العنف والإرهاب والدموية.

وأحب أن أقول هنا: إن الإخوان ليسوا هم الذين (سيسوا الدين) بل شَاِرعُ هذا الدين – وهو الله جل جلاله – هو الذي (سيسه) حين شرع فيه من الأحكام ما يتعلق بالسياسة.

وأخبرني بربك في أي باب نحسب هاتين الآيتين من كتاب الله إذا لم نحسبهما في السياسة (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نِعمّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر).

إن الإمام ابن تيمية جعل هاتين الآيتين محورا لكتابه ( السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية).

وبعدها جاءت جملة آيات توجب الاحتكام إلى الله تعالى: ورسوله خُتِمَتْ بقوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).

ومثلها في سورة النور، حيث يقول تعالى ( ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين....) إلى أن يقول (إنما كان قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) أوليست هذه الآيات وأمثالها في صميم السياسة بل أصول السياسة لأنها تتعلق بتحديد (المرجعية) العليا للأمة والدولة.

وماذا يقول هؤلاء الذين (يلتون ويعجنون) عن تسيس الدين في هذه الآيات من سور المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون...ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)..

سيقولون: إنها نزلت في أهل الكتاب في شأن تحكيم التوراة والإنجيل ونقول لهم: نعم هي كذلك ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثم هل ما أنزل الله على المسلمين دون ما أنزل على أهل الكتاب حتى إذا تركوا الحكم بما أنزل الله كانوا كافرين أو ظالمين أو فاسقين، وإذا ترك المسلمون الحكم بما أُنزلَ عليهم من القرآن، لم يوصفوا بكفر ولا ظلم ولا فسوق؟

أو: هل يكيل الله سبحانه بكيلين فإذا ترك أهل التوراة والإنجيل كتابهم حكم عليهم بما ذكر، وإذا ترك المسلمون قرآنهم لم يحكم عليهم بما حكم على من قبلهم فأين عدل الله على الناس؟!

وقد رددنا على ذلك في كتبنا الأخرى بما يقطع كل شك؟

من قرأ القرآن وجد فيها كثيرا من الآيات التي تتعلق بالسياسة الداخلية والسياسة الخارجية، والعلاقة بالآخرين في حالة الحرب، وفي حالة السلم وهذا لا يخفي على من له أدنى إلمام بالقرآن الكريم،

وقد رأينا القرآن المكي يربط المسلمين – وهم قلة مستضعفة في مكة – بالصراع السياسي والعسكري العالمي من حولهم، وصراع الدولتين الكبريين اللتين تتنازعان السيادة على العالم: دولة الفرس في الشرق ودولة الروم البيزنطية في الغرب، ويتدخل في الجدل الذي دار بين المشركين والمسلمين حول المستقبل ولمن يكون النصر في النهاية فقد كان المسلمون ينتصرون للروم، ويؤمنون بأن الغلبة لهم باعتبارهم نصارى أهل كتاب فهم أقرب إلىهم وكان المشركون ينتصرون للفرس لأنهم مجوس يعبدون النار فهم أقرب إلى عبدة الأوثان.

ونزل القرآن يؤيد المسلمين في الآيات الأولى من سورة الروم ( الم ﴿١﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿٢﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿٣﴾ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿٤﴾ بِنَصْرِ اللَّـهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

ومن قرأ السنة النبوية وجد فيها ذلك بتفصيل أكثر كما وُجِدَ ذلك واضحا في سيرة الرسول (عليه الصلاة والسلام) العملية فقد كان هو الإمام الأعظم كما كان القاضي الحكم والمفتي الأعلم على حد تعبير الإمام القرافي رحمه الله.

و(الإمام الأعظم) يعنى الرئيس الأعلى للدولة وقد كان هو ذلك بلا نزاع فلم يكن بجواره ملك أو أمير يدير أمور السياسة على حين يتفرغ هو لشؤون الدين والدعوة بل كانت الدعوة والدولة في يديه كان هو الذي يَؤمُّ الناس في الصلاة ويقودهم في الحرب وفي السلم، ويعقد المعاهدات ويلقى الوفود ويعين الولاة والقضاء والمعلمين ويبعثهم إلى البلاد التي دخلت في الإسلام.

ومن المعروف في فقه السياسة الشرعية: أن هناك نوعا من التصرفات النبوية يطلق عليها الفقهاء أنها (تصرف بمقتضى الإمامة) أى بمقتضى الرئاسة العليا للدولة.

وهذه ليست مثل التصرفات التي تكون بمقتضى التبليغ عن الله تعالى وهذه كما قالوا في حديث “ من أحيا أرضا ميتة فهي له” إذ قال أبو حنيفة ومن وافقه. هذا قاله بمقتضى إمامته، فلا يملك أحد أرضا أحياها إلا بإذن الإمام.

وقرر الفقهاء من جميع المذاهب أن الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين لا يخرج فعل منها – في أي مجال كان – عن دائرة الشريعة إذ لابد أن تعطيه حكما من الأحكام الشرعية الخمسة المعروفة.

والقرآن يؤكد هذه الشمولية حين يقول خطابا للرسول ( ونزلنا عليك الكتاب تبانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)

ويقول في ختام سورة يوسف ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).

حتى قال ابن عباس ترجمان القرآن: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله!

فإذا كان الإنجيل يقول:” دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فإن القرآن يجعل قيصرا وما لقيصر لله الواحد الأحد (قل إنّ الأمر كله لله) فلله ما في السموات وما في الأرض ومن في السماوات ومن في الأرض وهو الحاكم عليهم ومن واجبهم أن يطيعوه طاعة مطلقة تمثل عبوديتهم له وانقيادهم لأمره.

ولقد قرر الأصوليون: أن (الدين) هو إحدى الضروريات الخمس أو الست التي قام عليها بنيان التكإلىف الشرعية وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال.. وزاد بعضهم: العرض.

فالذين يريدون أن يحصروا الإسلام في (الدين) وحده ينسون هذه الحقيقة التي أجمع عليها الأصوليون.

إن (شمولية الإسلام) ليست من ابتداع الإخوان بل هي ما قرره القرآن والسنة وأجمعت عليه الأمة، وتأسست عليها ثقافة وحضارة وامتد به تاريخ وتراث. وكل المصلحين الكبار الذين سطعت نجومهم في آفاق الأمة، حاولوا النهوض بها في العصر الحديث، كلهم أدخلوا السياسة في الدين والدين في السياسة: محمد عبد الوهاب، والسنوسي والمهدي والأمير عبد القادر والأفغاني، والكواكبي، ومحمد عبده، ورشيد رضا وابن باديس، وغيرهم كلهم نظروا إلى الإسلام تلك النظرة الشاملة التي لا تفرق بين دين وسياسة فهم جميعا مشتركون في (تسييس الدين).

فليس حسن البنا بدعا في المصلحين، ولا دعوته في دعوات الإصلاح والتجديد.

والحاكم الذي أعلن أن لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، كثيرا رأيناه وسمعناه، يتحدث باسم الدين، تأييدا لسياسته، ويطلب من علماء الدين إصدار الفتاوى تبريرا لموقفه.

والملتزمون بالإسلام شأنهم شأن سائر المواطنين، من حقهم أن يمارسوا السياسة وفق معتقداتهم ومفاهيمهم، ولا يحوز أن يحرموا منها لمجرد أنهم متدينون.

إن المسلم يستطيع أن يدخل في أعماق السياسة وهو مستغرق في عبادته لربه، وهذا ما نشاهده فيما يسمى (قنوت النوازل) فيجوز للمسلم أن يدعو في صلاته على الصهاينة المعتدين على فلسطين، وعلى الصرب المعتدين على البوسنة والهرسك وكوسوفا أو على غيرهم ممن يعتدى على حرمات المسلمين.

كما أن المسلم يمكنه أن يقرأ من القرآن ما يشتمل على آيات في ميادين الحياة المختلفة كالجهاد وإقامة العدل، والحكم بما أنزل الله وغيرها ولا يستطيع أحد أن يعترض عليه في قليل أو كثير.

وبهذا تسقط تهمة (تسييس الدين) عن الإخوان كما تسقط غيرها من التهم (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) ولقد كان لسيد قطب رأى في هذا الموضوع فيقول:

إنّ قضية (العلمانية) جدل قديم يتجدد دائمًا، لا يسأم مروِّجوها من ربطها بالتقدم والحداثة، وأن الأمم لا تتقدم إلا بحلِّ هذه المعضلة (فصل الدين عن الدولة)، ويتغافلون دائمًا عن الظرف التاريخي الذي نشأت فيه، والسياق الذي لازم معاركها بين الدول الحديثة والمؤسسات الدينية في بلاد المنشأ، ويحاولون زرعها في بيئة مغايرة تمامًا؛ ما أدَّى إلى تعثر خطوات النهضة في بلادنا وتنكُّبها عن السير السليم..

كل هذه القضايا لم يغفل عنها أستاذنا الشهيد (سيد قطب)، وهو في الغرب الأمريكي، يتابع ما يجري على أرض الوطن من صراعات فكرية، فبعث على التوِّ هذه الرسالة إلى “منبر الشرق”، موضحًا ومبينًا ظروف نشأة مصطلح (العلمانية)، وجذوره في الثقافة المسيحية، ووجه الاختلاف بينها وبين الثقافة الإسلامية.

مقال الأستاذ سيد قطب خطاب مفتوح إلى معالي وزير الخارجية:

فصل الدين عن الدولة (في عدد من أعداد (منبر الشرق)) وصل إلى متأخرًا، قرأت للأستاذ الكبير علي الغاياتي حديثًا لمعاليكم، جاء فيه على لسانكم: " إنني أرى بحق فصل الدين عن الدولة، وأخالف في ذلك رأي الإخوان المسلمين”.

وأحب أن أتحدث إلى معاليكم قليلاً عن هذه المسألة؛ أن هذا التعبير: “فصل الدين عن الدولة” ذو مدلول في الحياة الأوروبية المسيحية، ولكن لا مدلول له على الإطلاق في البلاد الإسلامية، وأغلب الظن أنه تسرَّب إليكم- كما تسرَّب إلى كثير من رجالنا المثقَّفين والمتعلمين- خلال قراءاتهم للتاريخ الأوروبي، ثم صار يتردَّد على الألسنة دون تفكير في مدلوله ودون نظر إلى أنه يحوي معنى أو لا يحوي بالنسبة للبلاد الإسلامية.

وتفصيل ذلك: أن المسيحية كدين تجعل للكنيسة وظيفةً معينةً في صلب الديانة المسيحية، وهي ما يعرف “بالخدمة الدينية”، وقد حدث في التاريخ الأوروبي أن أصبحت الكنيسة سلطةً لا روحيةً فحسب، ولكن مدنية كذلك، تتولى تتويج الأباطرة، وتسيطر على أملاك ضخمة معفاة من الضريبة، وتُصدِرُ قرارات الحرمان وصكوك الغفران.. إلخ ما يعرفه دارسو التاريخ الأوروبي.

وحين أرادت الحكومات أن تتخلَّص من سلطة الكنيسة نادت بفصل الدين عن الدولة؛ أي فصل الإدارة الحكومية عن الإدارة الكنيسية، وكان لهذا التعبير مدلوله الواقعي؛ لأن الكنيسة منظمة دينية وجزء من صلب المسيحية كديانة.

في الإسلام لا توجد كنيسة، أعني لا يوجد (أكليروس)، ولا وساطة هنالك بين الله والناس، لا توجد هيئة معينة تتولَّى الطقوس الدينية، وبدونها لا تقام هذه الطقوس.

حينئذٍ لا توجد سلطة دينية؛ بمعنى أن هناك هيئةً تتولى مباشرة هذه السلطة، لها كيان معين في صلب الإسلام كديانة.

والإسلام عقيدة وقانون، وكلاهما متصلٌ بالآخر وقائمٌ عليه، ولا يمكن أن توجد العقيدة ثم يهمَل القانون، والنصوص صريحة في هذا ولا تحتمل تأويلاً، فإما أننا مسلمون فيجب تنفيذ هذا القانون، والدولة هي التي تنفِّذه، لا هيئة دينية معينة، وأما أننا لسنا مسلمين، فنهمل إذًا تنفيذ القانون الإسلامي. في القرآن: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)﴾ (المائدة)، وهو نصٌّ صريحٌ كما ترون، فيه شرط وجواب، فلا عقيدة إسلامية لمن يحكم بغير القانون الإسلامي، ولا معنى لنص الدستور الذي يقول: إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام إذا كانت قوانين الدولة لا تُستمد من التشريع الإسلامي، فالإسلام لا يَعتبر مسلمًا من يحكم بغير قانونه، ولا مفرَّ من مواجهة هذا النص الصريح!.

في المسيحية يمكن أن يكون الإنسان مسيحيًّا ثم يحكم بالقانون الروماني؛ لأن المسيحية عقيدة فحسب، ولم تتضمن تشريعات لتنظيم المجتمع، والعقيدة تباشرها الكنيسة كهيئة نظامية داخلة في صلب المسيحية كديانة، والقانون تباشره الدولة بوصفها هيئةً مدنيةً غير خاضعة لسلطان الكنيسة.

فأما في الإسلام فلا.. فالإسلام قد تولَّى تنظيم المجتمع بتشريعات وقوانين معينة ، ثم وضع مبادئ عامة لتُصاغ في ظلها القوانين والتشريعات التي لم يتضمَّنها نصها؛ لأن المجتمع لم يكن في حاجة إليها حينذاك، وهذه المبادئ العامة- كهذه القوانين والتشريعات- هي قوام العقيدة الإسلامية، ولا توجد عقيدة بدونها، كما أن هذه المبادئ العامة هي الضمانة لتلبية حاجة المجتمع المتجددة إلى تشريعات جديدة في ظل العقيدة الإسلامية، حتى يظل المجتمع ناميًا متجددًا، وهي في الوقت ذاته مجتمع مسلم محكوم بقوانين إسلامية.

فليس هو إذن “رأي” الإخوان المسلمين، أو رأي سواهم.. المسألة هنا ليست مسألة آراء هيئات وتشكيلات معينة، المسألة مسألة الإسلام ذاته، موجودًا أو غير موجود.. الدولة مسلمة أو غير مسلمة..

الدولة مسلمة؛ إذن لا محيص لها من تنفيذ الشريعة الإسلامية بمبادئها العامة مصدرًا لكل تشريع جديد يحتاج إليه المجتمع المتجدد، لا في الأحوال الشخصية، “ولكن في العقوبات والمدنيات سواء”..

الدولة لا تنفِّذ القانون الإسلامي؛ إذن فهي داخلة في النص القرآني الصريح: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)﴾ (المائدة)، ولا وسط بين الطرفين!.

ليست هناك- يا معالي الوزير- سلطة دينية وسلطة مدنية في الإسلام، أو كما يسمونها سلطة روحية وسلطة زمنية، وإنما هناك قانون، والدولة مطالبة بتنفيذ هذا القانون، وهي لا تتلقَّى سلطتها في هذا من هيئة أو من شخص، وإنما تتلقَّاها من ذات القانون، وإذن فلا خطر هنالك من قيام الدولة على الدين؛ لأن الخطر الذي كان في أوروبا كان مصدره تدخل الهيئة الدينية الرسمية في أمور الحكم المدنية، وهنا في البلاد الإسلامية لا يعترف الإسلام بوجود هذه الهيئة، ولا يمنحها سلطة ما لا روحية ولا زمنية!.

بقى أن يقال: هل تفي التشريعات الإسلامية بحاجة المجتمع؟

وهذه مسألة أخرى لا مجال للحديث فيها هنا؛ لأنها لم تكن موضوع الحديث، ولكن أحيلكم فيها إلى كتابي “العدالة الاجتماعية في الإسلام”، وقد كلَّفت أخي في مصر أن يقدم نسخةً منه إلى معإلىكم.

الإخوان المسلمين والتعددية السياسية

تعـريـف

التعددية السياسية معناها أن يسمح بتعدد الأحزاب في البلد، حيث يتقدم مجموعة من المواطنين بطلب إلى وزارة الداخليـة، يطلبون السـماح لهم بتشكيل حزب سياسي، يذكرون اسمه وأهدافه ونظامه الداخلي.

ينظر بعض الناس العاديـين إلى الإخوان المسلمين على أنهم لا يقبلون التعددية السياسية، ويدعون خصومهم إلى محاربـة الحركة الإسلامية والحيلولة دون وصولها إلى الحكم ؛ لأنها سـوف تفرض نظاماً أُحاديـاً يمنع قيام أحزاب سياسية، ويمنع المعارضة، ويكمم الأفواه، ويصادر حرية الكلمة.

وقد سـاعد هؤلاء بعض الدعاة ـ عن طيب قلب ـ عندما أفتـوا أنه لا أحزاب في الدولة المسلمة، وأن التحزب لم يذكر في كتاب الله إلا في معرض الذم، وأن المسلمـين جماعة واحدة، يقودهم إمام (حاكم ) واحد، وطاعته واجبة عليهم بنص القرآن الكريم.

موقف الإخوان المسلمين من التـعدديـة

يطرح الإخوان المسلمين شعار التعددية السياسية، ولا يصح أن تطالب الحركة الإسلامية بحرية العمل السياسي لها دون غيرها.

يقول الإمام حسن البنا يرحمه الله: ( … وعماد الدعوة تبليغ واضح دائم يُقْرعُ بها أسماع الناس، ويصل بها إلى قلوبهم وألبابـهم، وتلك مرحلة يظن الإخوان أنهم وصلوا بها في المحيط الشعبي إلى حد من النجاح ملموس، وبقي عليهم بعد ذلك أن يصلوا بهذه الدعوة الكريمة إلى المحيط الرسـمي وأقرب طريـق إليه منبر البرلمان، ولهذا قرر مكتب الإرشاد أن يشترك الإخوان المسلمون في انتخابات مجلـس النواب..).

وقد حددت الجماعة موقفها الثابت في هذه القضية في رسالة رسمية صادرة عنها تحت عنوان " الشورى في الإسلام وتعدد الأحزاب في المجتمع المسلم " قالت في ختامها:

"إن هذه الجماعة قامت تجاهد ما وسعها الجهاد لتعود بحكم الله إلى شعوب الإسلام ومن ثم فهي تقرر بكل تأكيد أن الأمة هي مصدر السلطان (ومفهوم ذلك أن الأمة هي مصدر السلطات، فهي التي تُوليّ من تثق في دينه وأمانته وخبرته وعلمه ومواهبه وكفاءته ما تحدده له من أمورها ليقوم عليها بالعدل والإحسان والإنصاف).

وأن الشعب هو الذي له الحق أن يُوليّ باختياره الصحيح من يرتضي دينه وأمانته وعلمه وكفاءته ليقوم علي ما يحدده له من أمور الدولة ونحن نري - مع التسليم بأن القرآن الكريم والسنة المطهرة هما الدستور الأسمى لحكم المسلمين الذي لا يعتد بغيرهما ولا يقبل ما خالف أيهما - فإن الأمة لابد أن يكون لها دستور مكتوب تضعه وتتفق عليه نأخذه من نصوص الشريعة الغراء، ثم من مراميها وغاياتها وقواعدها الكلية فيتضمن ما يحقق توازنا بين اختصاص مختلف المؤسسات التي تدير الدولة حتى لا يطغي بعضها علي الآخر أو يستبد بالأمر دون الباقين "إن الإنسان ليطغي أن رآه استغني". سورة العلق.

كما يتضمن من القواعد والأحكام ما يصون ويحفظ الحريات العامة والخاصة لكل الناس من مسلمين وغير مسلمين ويجعل الحكم شورى استمدادا من سلطة الأمة ويحدد مسئولية الحكام أمام الشعب وكيفية محاسبتهم وتصويبهم وتقويم اعوجاجهم بطريقة سلمية ناجحة إذا ما قصروا وإبدالهم إذا لزم الأمر، وهذا يقتضي وجود مجلس نيابي له سلطات تشريعية ورقابية ذات فعالية تتمثل فيه الإرادة الشعبية الحقيقية نتيجة انتخابات حرة ونزيهة وتكون قراراته ملزمة.

كما أننا نرى - باعتبار أن رئيس الدولة ما هو إلا وكيل عن الشعب - أنه يجب أن تكون رئاسة الدولة لمدة محدده ولا يجوز تجديدها إلا لأمد محدد وذلك ضمانا لعدم الطغيان.

ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات التي نصت عليها شريعة الإسلام.

ولما كان تقويم الحكام ومواجهتهم ومعارضة نزواتهم وانحرافاتهم لم يعد مما يقوي عليه فرد من الأفراد بل بات من الضروري أن يجتمع عليه جمهور من الأمة.

ولما كان الاختلاف واقع فيما هو محل اجتهاد من النصوص الشرعية.

ولما كان تنظيم المباح يشمل غالب معايش الناس، ولابد أن تختلف فيه مناهج الإصلاح والتدبير، إذ أن الخلاف والتعدد طبيعة من طبائع البشر وواقع ملموس في الحياة لا يجوز إنكاره وقد حدث الاختلاف في الرأي في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم في العديد من الأمور فلم ينكره، وإنما المنهي عنه هو التنازع الذي يؤدي إلى الفشل والضعف والهوان –

أما اختلاف الآراء فهو تكامل وتنوع للنظر لابد منه لاستجلاء الحق والوصول إلى الأصلح والأرجى في المنفعة خصوصا إذا اقترن بالتسامح وسعة الأفق والبعد عن التعصب وضيق النظرة.

لذا فإننا نؤمن بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودا من جانبها علي تكوين ونشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية وإنما يترك لكل فئة أن تعلن ما تدعو إليه وتوضح منهجها وما دامت الشريعة الإسلامية هي الدستور الأسمى وهي القانون الذي يطبقه قضاء مستقل محصن بعيدا عن أي سلطة أو جهة ومؤهل فكريا وعلميا وفقهيا وثقافيا - فإن في ذلك ما يكفي لضمان سلامة المجتمع واستقامته علي الطريق السوي، واتخاذ الإجراء الشرعي المناسب تجاه من يخرج على المبادئ الأساسية التي لا خلاف فيها بين علماء وفقهاء المسلمين والتي تعتبر المقومات الأساسية للمجتمع.

كما أننا نرى أن قبول تعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي على النحو الذي أسلفناه يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية وذلك عن طريق انتخابات دورية.

المعارضة خصيصة إسلامية.. إنسانية

ولا يحسبن أحد أن السماح بالمعارضة السياسية في التجربة الإسلامية هي خصيصة راشدة، ترجع إلى تقوى وورع الخلفاء الراشدين، الباحثين عن النصح لدى الرعية كي لا يتمادوا في الخطأ فتزداد ذنوبهم في الحساب يوم الدين!..

ففضلا عن هذا العامل- التقوى والورع- الذي يجب ألا يكون خصيصة راشدية.. وإنما خصيصة إسلامية.. بل وإنسانية..

وفضلا عما تحققه المعارضة من ترشيد للحكم يسهم في نجاح الحاكم والمحكوم كليهما..

فإن المعارضة- في النظرة الإسلامية- مؤسسة على عدد من الأصول والمنطلقات، التي تمثل أسسا وثوابت في النظرية السياسية الإسلامية.. وذلك من مثل:

1- حرية الإنسان:

إن الإسلام يعتبر الحرية فطرة فطر الله الإنسان عليها.. وكلمة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا “ تعبير دقيق عن فلسفة الحرية في الإسلام، كفطرة إنسانية، تفسدها قيود الاستبداد والاستعباد.. بل إن القرآن الكريم يعتبر أن تحرير الإنسان من القيود والأغلال هو من جماع رسالة محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي بعثه الله للناس كي يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم؟!.. “الأعراف: 157”.

ولقد وضع أئمة الإسلام “الحرية” في مقام “الحياة”، وجعلوا “الرِقّ” بمثابة “الموت”؟!.. حتى وجدنا الإمام النسفي [710 ه 1310م]، وهو يعلل كون كفارة القتل الخطأ هي تحرير رقيق من رقه، يقول: “إنه -[أي القاتل]- لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكما أومَن كان ميتا فأحييناه..”الأنعام: 122”

وعندما يكون الإنسان حرا في “تأييد” صواب ولاة الأمر.. فمن الطبيعي أن يكون حرا كذلك في “معارضة” ما يراه غير صواب!..

2- فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وهي - كأصل من أعظم أصول الفكر السياسي الإسلامي- لا تجعل “المعارضة” للأخطاء في السياسات مجرد “حق” من حقوق الإنسان، وإنما تجعلها فريضة إلهية وتكليفا دينيا..

فالمعارضة السياسية، في جوهرها، ليست سوى إنكار المنكر السياسي؟!..

وهو فريضة من الله على كل مسلم ومسلمة، كأفراد، وكهيئات وجماعات منظمة ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. “آل عمران: 104”

وهو معيار لخيرية الأمة كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر “آل عمران: 110”، وبتخلفه تحل على الأمة كلها لعنة الله، كما حدث لبني إسرائيل ( لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) “المائدة: 78، 79”

والسنة والحديث النبوي أيضا ولهذا البلاغ القرآني فَصَّل وطَبَّق البيانُ النبوي.. عندما حض على إنكار المنكر ومعارضته، بل وتغييره- تأكيدا على أن المعارضة ليست مجرد تسجيل مواقف، وإنما هي تغيير يقدم البدائل!.. من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان!..

وأهمية تنوع وتدرج أساليب المعارضة ودرجاتها، هي دعوة كل الأمة المؤمنة إلى المشاركة في العمل العام، دون عذر لمتخلف وسلبي بحجة قلة أو ضعف أو انعدام الإمكانات.. فلا أقل من الرفض بالقلب، إذا لم يستطع الإنسان المعارضة والتغيير وتقديم البديل، بالقول والكتابة، أو بالفعل والتطبيق!.. فليس وراء هذه الحدود مكان أو أثر لإيمان في قلوب السلبيين!..

بل إن السنة النبوية تعلمنا أن التفريط في إقامة هذه “الفريضة الاجتماعية” لا يفسد “دنيانا” فقط، وإنما هو “محبط” لأعمالنا، يحول بينها وبين أن تفتح أبواب السماء لدعائنا؟!..

فالله أقرب إلينا من حبل الوريد، لكنه لا يسمع للذين لا يعترضون على المنكر في اجتماعهم البشري: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأْطُرُنَّه- [تجبرونه] - على الحق أَطْرًا، أو ليضربن الله بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم!..

وإذا رأيتم الظالم فلم تأخذوا على يديه يوشك الله أن يعمكم بعذاب من عنده!

ولمشقة هذا الطريق.. ولما يكلفه لأصحابه من مشقات، وخاصة في عصور الجور والاستبداد.. رغب الإسلام فيه، ونبه على أنه هو المنقذ من الخسران.. فالذين لا يتواصون ويتفقون وينتظمون في الأمم والجماعات والمؤسسات القائمة على نصرة الحق، والآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الصبر على تبعات هذا الطريق، إنما يرتدون بإنسانيتهم من مرتبة “أحسن تقويم” إلى “ الخسران” في أسفل السافلين!

"والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتوصوا بالصبر ".. العصر 1: 3”..

ولذلك كان “أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر” !..

فمعارضة ما يستحق المعارضة.. فريضة.. وجهاد.. بل إنها أفضل الجهاد.. كما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم!..

تعدد الاجتهادات أمر طبيعي

ورغم هذا الموقف الإسلامي الواضح والحاسم- في مشروعية المعارضة السياسية- عندما توجد دواعيها- وهي دائما موجودة للقيام بفريضة المراقبة والمحاسبة لولاة الأمور.. أي أن المعارضة وظيفة سياسية دائمة في المجتمع، للرقابة والمحاسبة..

أما رفع الصوت المعارض بإنكار المنكر فهو رهن بوقوع وقيام المنكر.. وهي وظيفة لا تكفي فيها التكاليف الفردية، لتعقد الحياة السياسية والاجتماعية على النحو الذي تحتاج المعارضة والمراقبة والمحاسبة فيه إلى مؤسسات وتنظيمات، كي تتحقق من “المعروف” ومن “المنكر”، وكي تقدم “البدائل” في “التغيير”.. وهذا النهج المؤسسي المنظم، هو الذي زكاه القران عندما دعا إلى أن تتولى ذلك “أمة” أي جماعة... وعندما تكون المعارضة سياسية.. أي في العمران السياسي والاجتماعي والاقتصادي وشئون الدولة- وكلها من الفروع الإسلامية- التي يجوز فيها الاجتهاد.. وتعدد لاجتهادات- فإن تعددية جماعات المراقبة والمحاسبة والمعارضة يكون أمرا طبيعياً..

الإسلام والاجتهاد المشروع

موقف الإسلام من الاختلاف في الرأي.. فلابد لفهمه من التمييز بين:

(أ) الاختلاف في الأصول- أصول العقيدة والشريعة -.. وهذا هو الاختلاف المذموم.. لأنه، ” فُرقة في الدين”..

(ب) والاختلاف في الفروع - فروع الدين والدنيا - مما لم يرد فيه نص محكم قطعي الدلالة والثبوت.. وهذا هو المجال الطبيعي لتعددية الاجتهادات والمذاهب والمدارس الفكرية - سياسية وغير سياسية -.. وهو اختلاف غير مذموم..

أما رأي الإسلام في موضوع “الأغلبية” و “الأقلية” في الأصوات والآراء.. فلقد اعتمد الإسلام سبيل الاقتراع والتحكيم في المشكلات.. وهذا نهج يعتمد رأي الكثرة من أصحاب الرأي...

وفي الفقه الإسلامي- سواء منه السياسي - في بيعة الأئمة والخلفاء - أو في مطلق الاجتهاد الفقهي- نجد الترجيح لرأي “الجمهور” - أي الأغلبية -..

ويجب أن نتنبه إلى الأمر الذي يخلط فيه البعض، عندما يستدلون بآيات من القرآن الكريم على أن أكثر الناس لا يعلمون “يوسف: 21” وأكثر الناس لا يشكرون “يوسف: 38”... وأكثر الناس لا يؤمنون “الرعد: ا”.. فهذه كثرة جاحدة للوحي الإلهي.. وأمام الوحي وأصول الإيمان، لا مجال للاقتراع وأخذ الأصوات، ولا للكثرة العددية...

أما في ميادين الحكمة، والرأي، والاجتهاد الإنساني، فإن رأي الكثرة يرجح رأي القلة.. ورأي “الجمهور” مقدم على رأي “البعض”.. ولهذا شرعت “الشورى”.. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم، لأبي بكر وعمر: لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما نزولا على رأي الأغلبية.

بل إن الإسلام ليبلغ في احترام رأي الأغلبية والجمهور، إلى الحد الذي يجعل “العصمة” للأمة إذا اجتمعت على أمر من الأمور..

وفي هذا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: إن أمتي لا تجتمع على ضلالة.

دَورُ الإخوان المسلمين في مُواجَهةِ المَشرُوعِ الصُّهيُونِي

دَورُ الإخوان المسلمين في مُواجَهةِ المَشرُوعِ الصُّهيُونِي بحث مقدم لمؤتمر (الفكري والتربوي للإخوان المسلمين)

الدكتور نواف تكروري

رئيس هيئة علماء فلسطين في الخارج 9/2019 إسطنبول/تركيا


المقـــــــــــــدمــــــــــــة

أحمد الله تعالى أن قيض للأمة في وقت محنتها وبعد سقوط الخلافة رجالاً أفذاذاً ودعاة مخلصين حملوا الراية ولم يدعوها تسقط بسقوط الخلافة ريثما يُلم الشعث وتعود الأمة إلى مكانتها وموقعها.

فيسر الله سبحانه وتعالى ثلة من الدعاة المخلصين والعلماء العاملين أخذوا على عاتقهم رد الأمة إلى مشاربها، وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد والجهاد لصون شبابها وأجيالها الذين بهم يُصان حماها.

وكان في مقدمة هؤلاء الرجال والدعاة والعلماء الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى، فكانت دعوته وجماعته حصناً من الحصون التي عملت على حفظ شباب الأمة وتشكيل وعيهم من جديد في مواجهة الحملة التي ما زالت مستمرة، ولولا هذه الجماعة وغيرها من الجماعات العاملة للإسلام لكانت الكارثة أكبر مما نرى اليوم.

وامتازت مدرسة الإمام حسن البنا رحمه الله عن غيرها بميزات ذكرها الدكتور محسن صالح في بحثه (الإمام حسن البنا وقضية فلسطين) حيث قال:

لقد حقّق الشيخ البنا ومدرسته جماعة الإخوان المسلمين ثلاثة نجاحات متميزة قلّما تتحقّق لشخص من ‏الأشخاص أو ‏حركة من الحركات:‏

الأول: نجح البنا في تقديم خطاب إسلامي يتّسم إلى جانب كونه شاملاً وناضجاً بأنه ‏بسيط ‏سهل الفهم؛ وهو ما جعل الخطاب الإسلامي ينطلق من أَسْر الفئات المثقفة ‏والنخبوية التي ميزت ‏خطابات الأفغاني وعبده ورشيد رضا، إلى الفئات الشعبية ‏وإلى جميع طبقات المجتمع، والتي ‏أخذت تتبنّاه وتترجمه في سلوكها وحياتها اليومية ‏وممارساتها الاجتماعية ومواقفها السياسية.‏

الثاني: نجح البنا وحركته في تجاوز الخصوصية الإقليمية التي كانت عادة ما تطبع ‏حركات ‏التجديد والإحياء الإسلامية التي سبقته أو عاصرته، كالوهابية في الجزيرة ‏العربية، والمهدية في ‏السودان، والسنوسية في المغرب العربي، والنورسية في تركيا، ‏وماشومي في إندونيسيا، والجماعة ‏الإسلامية في القارة الهندية. فنجح البنا في بناء حركة ‏تتجاوز الإطار الجغرافي المصري، ويتوزع ‏أفرادها على معظم بلدان العالم الإسلامي، ‏وتجمعات المسلمين في المهجر. بل وحقّقت ‏نجاحات كبرى لتصبح أقوى ‏التيارات الشعبية في عدد من البلدان. وفلسطين هي أحد هذه النماذج. ‏ •الثالث: نجح البنا في تقديم حركة قابلة للحياة والتجدّد والاستمرار عبر الأجيال، ولا ‏تزال هذه ‏الحركة تتمتّع بالقوة والحيوية واتساع الانتشار (بعد نحو ‏‎70 عاماً على ‏استشهاده)، على الرغم ‏من كثرة الصّعاب التي واجهتها وعلى الرغم من محاولات ‏سحقها وإضعافها وحرفها عن مسارها (193).

وفي هذه الورقة سوف أركز على دور الإخوان المسلمين في مواجهة المشروع الصهيوني بصفته مشروعاً جاء عدواناً على الأمة وفي ظرف قاس وصعب، سقطت فيه الخلافة ووقعت فيه كثير من بلاد المسلمين تحت الاحتلال الغربي، حيث كان لهذه الجماعة المباركة ومؤسسها دورٌ متقدمٌ في بعث الأجيال وتحريكها وجمع الجهود والطاقات، وتوجيه المتاح من الإمكانات لمواجهة هذا المشروع الإحلالي الإجرامي، حيث لم يشغل البنا رحمه الله تعالى عن هذه القضية أي أمر مما حاول الطغاة إشغاله به، وحيث أدركت الجماعة حقيقة هذه القضية وجعلتها على رأس الأولويات لا للجماعة في مصر وحدها وإنما حيث وصل تأثير الجماعة وامتدادها، وسوف أجعل هذا البحث في ستة مباحث يتفرع عن كل مبحث مطالب ومسائل، وذلك على النحو التالي:

  1. المبحث الأول: قضية فلسطين احتلال أرض واستهداف أمة.
  2. المبحث الثاني: عوامل اهتمام الإخوان بالقضية الفلسطينية.
  3. المبحث الثالث: دور الإخوان المسلمين في القضية قبل حرب أل 1948.
  4. المبحث الرابع: دور الإخوان المسلمين في حرب أل 1948.
  5. المبحث الخامس: دور الإخوان في المرحلة من تأسيس الكيان إلى 1987/ الانتفاضة.
  6. المبحث السادس: مواقف الإخوان ودورهم من الانتفاضة – إلى الوقت الراهن.
  7. المبحث السابع: معالم في الدور المستقبلي للإخوان في القضية الفلسطينية.

المبحث الأوّل: قضية فلسطين احتلال أرض واستهداف أمة

كانت نظرة الإخوان للعدوان الصهيوني على أنه عدوان على كل الأمة واستهداف أرضها استهدافاً للوطن الإسلامي كله وننظر في هذا المبحث في مطالب. المطلب الأول: مكانة فلسطين عند الإخوان

من الطبيعي أن يكون لفلسطين مكانة خاصة في وفكر الإخوان المسلمين تميزها عن باقي البلاد، ‏وهذه النظرة مستمدة من مكانتها في ‏الإسلام، فهي أرض مباركة مقدسة أٌسِريَ إليها بالرسول ‏صلي الله عليه وسلم، وذكرها الله تبارك وتعالى في القرآن ‏الكريم بقوله: "سُبْحَانَ الذي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (194)

ويري الإخوان المسلمون ‏أن هذه الآية كانت إشارة لدفع المسلمين ‏إلى فتح هذه البقعة وتحويلها إلى مسجد، ولقد أكد الإخوان المسلمون ذلك ‏بقولهم: ‏‏" ولقد فهم المسلمون الأوائل ذلك وحققوه عمليًا في خلافة عمر، وعلى مسلمي اليوم ‏أن يفهموا معني هذه الآية: ‏وأنه يجب عليهم حماية المسجد الأقصى وحراسته حتى ‏يظل مسجدًا إلى يوم القيامة، ولا يعود معبدًا يهودياً في يوم ما ‏‏". (195)

فنظرة الإخوان المسلمون نظرة عقائدية فبيت المقدس هو مقر المسجد الأقصى، والقبلة الأولى ‏للمسلمين، وثالث المساجد ‏التي ضاعف الله ثواب الصلاة فيها، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، الذي أمّ فيه ‏الأنبياء جميعاً، الذين لكثير منهم صلة بهذه الأرض بين مولود فيها ساكن على أرضها أو مدفون في ثراها الطهور، كما جرت ‏على أرضها معارك إسلامية شهيرة، ولا توجد ذرة رمل فيها إلا ‏وَرُوِيَتْ بدماء الصحابة والتابعين، وفي هذا يقول الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى: ‏‏" وفلسطين تحتل في نفوسنا موضعًا روحيا قدسيا فوق المعنى الوطني المجرد، إذ ‏تهبٌّ علينا منها نسمات بيت ‏المقدس المباركة , وبركات النبيين والصديقين ومهد ‏السيد المسيح عليه السلام، وفي كل ذلك ما ينعش النفوس ويغذى ‏الأرواح " (196).

وفلسطين "أرض وقفٍ إسلامي على جميع أجيال المسلمين في ‏ماضيهم ‏‏وحاضرهم ومستقبلهم إلى يوم القيامة، لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يفرّط ‏أو يتنازل ولو عن ‏‏جزء صغير جداً منها ولذلك فهي ليست ملكاً للفلسطينيين أو ‏العرب فحسب، بل هي ملك ‏‏للمسلمين جميعاً، فعلى المسلمين في كلّ مكان أن ‏يساهموا عملياً في تقديم المال والدم للدفاع ‏‏عنها"‏‏ (197).

فلسطين ورابطة الإخوة الإسلامية‏:

وفي إطار رابطة الإخوة الإسلامية التي نادى بها الإخوان، يقول الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى: فلسطين قلب أوطاننا وفلذة كبد أرضنا وخلاصة رأسمالنا، وحجر الزاوية وجامعة وحدتنا وعليها يتوقف عز الإسلام وخذلانه (198)، وقال: (فلسطين قطعة من الجسد الإسلامي العام ولبنة قيمة من بنيان الكيان الإسلامي.

وعدّ الإخوان التخاذل عن نصرة فلسطين تخاذلاً عن نصرة الإسلام، وفي هذا يقول عبد الرحمن الساعاتي شقيق البنا وأحد قيادات الإخوان المبتعثة للجهاد في فلسطين (مالي ولفلسطين في هذه الظروف) معناها مالي وللإسلام، قضية فلسطين ليست قضية وطن جغرافي بعينه وإنما هي قضية الإسلام الذي تذوب به، فما فلسطين إلا قطعة مصابة من الجسد الإسلامي العام، فكل قطعة لا تتألم لألم فلسطين ليس من هذا الجسد وكل لبنة لا تختل لاختلال فلسطين ليست من هذا البنيان (199)، وعبر الإخوان في نشراتهم وتصريحاتهم عن واجب إنقاذ فلسطين ونصرة الشعب الفلسطيني.

حيث جاء فيها: فما الشعب الفلسطيني إلا أخ لنا فمن قعد عن فلسطين فقد قعد عن الله ورسوله وظاهر على الإسلام ومن أعانها وبذل لها وأمدها فقد انتصر لله ورسوله ودافع عن الإسلام. (200)

وقد خاطب البنا الإخوان في كل مكان قائلاً: (أيها الإخوان إخوانكم الفلسطينيون الآن في الميدان يُجوعون ويُهددون، ويخرجون ويسجنون ويقتلون في سبيل الله وفي سبيل الوطن المقدس، يقومون بأمجد الأعمال، فإذا ضعفت هذه الحركة وحركة الجهاد والمقاومة أو وهنت فأنتم المسؤولون عن هذا الضعف وهذا الوهن، وهي جريرة يُؤاخِذ بها الله أشد المؤاخذة، ويحصيها التاريخ في أسْوَدِ صحائفه وقال: " وما دام في فلسطين يهودي واحد (محتل) فإن مهمة الإخوان لا تنتهي " (201).

المطلب الثّاني: خطورة المشروع الصّهيوني على مصر والأمة ونهضتها

بين يدي هذا المطلب يحسن الإشارة إلى أهداف الحركة الصهيونية، هذه الحركة التي تأسست سنة 1860م

وأعلن عنها هرتزل سنة 1897م في مؤتمر بال، وهي حركة فكرية استعمارية، انطلقت بهدف إقامة وطن قومي لليهود في أي مكان ثم استقر بها الأمر أن فلسطين هي الأصلح لذلك لما لها من مكانة في نفوس يهود مما يساعد في تحريكهم تجاهها (202) .وبالتالي فهي تهدف إلى:

  1. إدارة شؤون يهود العالم وربطهم بالمشروع الصهيوني وجعل كل إمكاناتهم تصب في تحقيقه
  2. كان ابتداءً إيجاد أرض تقيم عليها وطناً قومياً لليهود ثم صار بعد ذلك الهدف الحصول على أرض فلسطين لإقامة وطن قومي لليهود عليها وتشريد أهلها لتسهيل المهمة.
  3. إيجاد حاضنة دولية (حلفاء)لتحقيق المشروع الصهيوني وامتلاك التأثير الدولي في المجالات كافة، سياسية، واقتصادية، أمنية، عسكرية، للوصول إلى تحقيق هذه الحاضنة، ولتمكن من التحكم بدول العالم.
  4. تمزيق دولة الخلافة وتفتيت البلاد الإسلامية ليتسنى لهم اقتطاع فلسطين من بينها ولمنع وحدتها بعد ذلك حتى لا تستعيد عافيتها.

وبالتالي فقد وعى حسن البنا والإخوان خطورة المشروع الصهيوني وأهدافه على نهضة مصر والعالم العربي ‏والنهضة ‏الإسلامية بشكل عام، فهو ليس كأي احتلال حيث إن وجود الكيان الصهيوني سيعطل مشروع ‏الوحدة، ويمثل خطراً ‏سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً على المنطقة. ويتحدث ‏الإمام البنا بوضوح حول هذه ‏المسائل فيقول:‏ "نريد أن نؤمّن حدودنا الشرقية بحلّ قضية فلسطين حلاً يحقق وجهة النظر العربية ‏أيضاً ‏ويحول دون تغلب اليهود على مرافق هذه البلاد. إن مصر والعالم العربي ‏والإسلامي كله ‏يفتدي فلسطين، فأما مصر فلأنها حدّها الشرقي المتاخم، وأما بلاد ‏العرب فلأن فلسطين ‏قلبها الخافق وواسطة عقدها، ومركز وحدتها، وهي ضنينة بهذه ‏الوحدة أن تتمزق مهما كانت ‏الظروف، ومهما كلّفها ذلك من تضحيات.

وأما العالم ‏الإسلامي فلأن فلسطين أولى القبلتين ‏وثاني الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم. وهذه الحقيقة يجب أن تضعها الدول ‏المتحدة نصب عينيها فصداقة المسلمين ‏والعرب في كفة، ومطامع اليهود في فلسطين في ‏الكفة الأخرى. (203)

ويقول صالح عشماوي وكيل الجماعة: إن قيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية لتهددنا في كياننا وفي استقلالنا وفي تجارتنا وفي أخلاقنا وفضائلنا (204)

لذلك حذر البنا المصريين منذ سنة ‏‎1938‎‏ بأن عدم مساندة الثورة في فلسطين يعني ‏أنهم ‏‏"سيضطرون إلى أن يدفعوا عن أنفسهم في غائلة الخطر اليهودي الصهيوني بعد أن ‏ترسخ أقدامه ‏قيد خطوات من الحدود المصرية، وحينئذٍ لا تنفع الجهود ويصدق علينا ‏المثل السابق (أُكلتٌ يومَ ‏أُكِلَ الثورُ الأبيضُ)"‏. ولا تخلو أدبيات الإخوان المسلمين ‏المنشورة في الثلاثينيات والأربعينيات ‏‏(والتي هي انعكاس لفكر البنا) من إشارات إلى ‏الأهمية الاستراتيجية لفلسطين واعتبارها نقطة ‏الاتصال بين البلاد العربية وآسيا ‏وأفريقيا، وإلى أن قيام دولة لليهود في فلسطين يعني أن تكون ‏تلك الدولة قاعدة ‏للاستعمار الغربي، وسلاحاً مسموماً لطعن البلاد العربية، كما أنها تنذر البلاد ‏العربية ‏بالتمزق والتفرق، وتهددها من ناحية الوجود والكيان (205)، إضافة أن المشروع الصهيوني مشروع إجلالي، التساوق معه والاقرار به تفريط ببيت المقدس والمسجد الأقصى، وخيانة لقضية فلسطين وموالاة للأعداء، واضاعة لثروات الأمة وتمزيق لوحدة الأمة (206).

مخاطر اقتصاديّة واجتماعيّة

كما تحدث الإمام البنا عن ‏الخطر ‏الاقتصادي الصهيوني وما ينتج عن محاولات اليهود تصريف منتجاتهم في البلاد ‏العربية مما ‏سيؤدي إلى "خراب اقتصادي واضطراب مالي"‏ ‏. وبالإضافة إلى ذلك فقد ‏رأى الإخوان المسلمون أن إقامة الدولة الصهيونية سينتج عنه أيضاً خطر ‏اجتماعي يهدد البلاد العربية بالانحلال ‏لأن الصهيونية ستعمل على نشر الإلحاد ‏والإباحية ‏ (207)، وهو عين ما نراه اليوم وأن هذه التحذيرات نجد صدق حدس هذه القراءات قبل أكثر من 80 عاماً.

المطلب الثّالث: التفريق بين اليهود بوصفهم أهل كتاب وبوصفهم معتدين ومحتلين:

لقد بين البنا الفرق الواضح بين اليهود المعتدين كأتباع شريعة ودين وبين اليهود الصهاينة المحتلين، فاليهود أهل كتاب لهم حقوقهم في التعامل معهم من قبل المسلمين، بينما اليهود المغتصبون تجب محاربتهم لقيامهم باغتصاب أرض المسلمين وحقوقهم، فقتالهم ليس لأنهم يهود وإنما بسبب اعتدائهم على حرمات المسلمين.

ولذلك قال البنا أمام ‏لجنة التحقيق البريطانية – الأمريكية في ‏‏‎5‎‏/‏‎3‎‏/‏‎1946‎‏ "إن خصومتنا لليهود ليست دينية (208)، ‏والإسلام شريعة إنسانية قبل أن ‏يكون شريعة قومية... ونحن حين نعارض بكلّ قوة الهجرة اليهودية إلى فلسطين ‏نعارضها لأنها ‏تنطوي على خطر سياسي اقتصادي، وحقنا في أن تكون فلسطين عربية " (209).‏

ويوضح الشيخ القرضاوي في بيانه لحقيقة المعركة بيننا وبين اليهود الغاصبين، أن حربنا مع كيان الغصب ليس لأنها سامية – فنحن ساميون من أولاد إبراهيم عليه السلام من جهة إسماعيل عليه السلام – وإن المسلمين عالميون لا يعرفون هذا التفريق العرقي، وكذلك أن المسلمين لا يقاتلون يهود في فلسطين لأنهم يهود، لأن الله اختار لليهود والنصارى اسم أهل كتاب وجعل لهم أحكاماً خاصة مع المسلمين، فنحن لا نقاتل اليهود لأنهم يهود كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن سبب الحرب معهم أنهم اغتصبوا أرضنا وشردوا أهلها، وفرضوا وجودهم الدخيل بالحديد والنار، والعنف والدم، وهذا لا ينفي وجود طابع ديني للمعركة (210).

وفي الوقت ذاته رفض البنا الظلم الذي تعرض له اليهود في أوروبا، وبالمقابل رفض أن يكون طريق رفع الظلم عنهم ظلم أهل فلسطين فقال "لا شك أننا نتألم لمحنة اليهود تألماً شديداً ولكن ‏ليس معنى هذا ‏أن يُنصفوا بظلم العربصلى الله عليه وسلم وأن يرفع عنهم بهلاك غيرهم والعدوان عليه. وفي ‏الأرض مندوحة وفي ‏الأوطان مُتسع وكل تفكير أو تصريح أو عمل يتنافى مع إنصاف العرب ولا يحقق آمالهم في فلسطين لا يكون من وراثه إلا الإثارة و الإحراج (211).

المبحث الثاني: عوامل اهتمام الإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية

استكمالاً لما سبق ذكره في المبحث السابق فإن هناك عوامل مؤثرة في فكر الإخوان دفعت إلى اهتمامهم بالقضية الفلسطينية نجملها بالمطالب التالية:

المطلب الأول: عامل "الوطن":

يمثل مفهوم الوطن أو الأمة عند الإخوان ‏أحد ثوابت الجماعة فقد رفض الإخوان ‏المفهوم الضيق للوطنية، والذي يحصرها في نطاق التخوم الأرضية والحدود الوطنية، ‏حيث اعتبر الإخوان أن حدود الوطنية العقيدة وليست الحدود الجغرافية (212)، وقد أكد على ‏هذا المعنى مراراً الإمام حسن البنا في رسائله ومقالاته " أننا نعتبر حدود الوطنية ‏بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول ‏لا اله إلا الله محمد رسول الله وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له ‏والجهاد في سبيل خيره، كل المسلمين عندنا في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا ‏نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم". ‏ وإذا كان الإمام حسن البنا قد رفض فكرة الوطنية بالمفهوم الضيق الذي يحصرها داخل حدود ‏التخوم الجغرافية إلا أنه أكد على المعاني الإيجابية للوطنية كحب الوطن والعمل على ‏تحريره واستقلاله، وتقوية الروابط بين أفراد الوطن (213)، وفي مقدمته فلسطين كبقعة مقدسة ومميزة عقائدياً.

'المطلب الثّاني: عامل "الوحدة العربيّة"'نص غليظ

يعتبر الإخوان المسلمون انتماء الإنسان لوطنه الذي نشأ فيه والإخلاص له الحلقة الأولى في سلسلة ‏النهضة المنشودة، ثم ينتقل للحلقة الثانية وهي الوحدة العربية فيذكر أن الإسلام نشأ ‏عربياً ووصل إلى الأمم عن طريق العرب وإن القرآن نزل بلسان عربيي مبين، وأنه كما ‏جاء في الأثر "إنه إذا ذلّ العرب ذلّ الإسلام"، وأن هذا المعنى قد أكدته أحداث ‏التاريخ وأن العرب هم، "عصبة الإسلام وحرسه".

كما نبه الإمام البنا إلى أن الإخوان يعتبرون العروبة اللسان كما جاء في الحديث "ألاّ ‏إن العربية اللسان ألاّ إن العربية اللسان" ويرى أن وحدة العرب أمر لابد منه لإعادة ‏مجد الإسلام "ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ‏ومناصرتها وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية"‏ (214).

المطلب الثّالث: عامل "الوحدة الإسلاميّة"

ينتقل الإخوان المسلمون إلى الحلقة الثالثة فيؤكدون على أن الإسلام "يعتبر المسلمين جميعاً أمة ‏واحدة، ويعتبر الوطن الإسلامي وطناً واحداً"‏ كما يقول الإمام البنا:

ولا يرى الإمام البنا تعارضًا بين هذه الحلقات، وأنها تكمل بعضها البعض، وتحقق ‏الغاية منها، ومن الواضح أن هذا التصور صحيح في ضوء المعني الذي حددها حسن ‏البنا لمفاهيم القومية والوحدة العربية فهو قد جرد هذه المفاهيم من المعاني السلبية التي ‏كان من الممكن أن توجد تعارضاً بينها، فقد نبذ كل معاني التعصب التي تحملها هذه ‏المفاهيم حسب رؤية الآخرين لها.

بل نجد الإمام حسن البنا لا يقف عند حدود هذه الحلقات الثلاثة بل يذهب إلى أن ‏الإخوان "ينادون بالوحدة العالمية هذا هو مرمى الإسلام وهدفه ومعنى قول الله تبارك ‏وتعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)" (215).

ويمكن القولُ بأن مفهوم الإخوان للأمة الإسلامية كان عاملاً حاسماً وأساسيا في ‏مناصرة الإخوان لقضايا العالم الإسلامي على امتداد هذا العالم، وقد تعددت وسائل ‏الإخوان في مناصرة هذه القضايا.

وإذا طبقنا هذا المفهوم على القضية الفلسطينية لوجدنا الكثير من كتابات الإخوان التي ‏تناولت هذه القضية قد ركزت على هذا المعنى؛ حيث يؤكد الإخوان أن مسالة فلسطين تخص سائر الأمة الإسلامية جميعاً، وليس ‏الفلسطينيون وحدهم كما قد يظن البعض ففلسطين "جرح دامٍ في وطننا الإسلامي ‏الذي كُلفنا من قبل الله بالمحافظة عليه إذ كل شبر من الأرض فيه إنسان يشهد أن لا ‏إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وطن للمسلمين جميعاً " (216).

‏فقد سال وكيل النيابة أحد الإخوان يعمل صياداً "مالك ومال فلسطين دي دولة ‏واحنا دولة؟" فكان الرد أن فلسطين دولة عربية ومسلمون وتربطنا بهم صلة الجوار، ‏وصلة الإسلام والقرآن يقول لنا (إنما المؤمنون إخوة).

وقد أكد عباس السيسي على ذات المعاني عندما سئل عن أسباب قيامهم بالمظاهرة ‏فأكد أنهم قاموا بها تأييداً لكفاح شعب فلسطين المسلم حيث إن عقيدة المسلم تفرض ‏عليه مساعدة أخيه المسلم أينما كان (217).

المطلب الرّابع: مفهوم "الجهاد":

ومن العوامل التي جعلت الإخوان يُوْلُون اهتماماً كبيراً للقضية الفلسطينية مفهوم ‏الجهاد، وقد أولى حسن البنا مفهوم الجهاد اهتماما كبيرا وجعله الركن الرابع من أركان ‏البيعة العشرة "وأريد بالجهاد: الفريضة الماضية إلى يوم القيامة، والمقصود بقول رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم" من مات ولم يغزُ ولم ينوِ الغزو مات ميتة الجاهلية " وأول ‏مراتبه إنكار القلب وأعلاها القتال في سبيل الله"‏.

وقد أفرد حسن البنا رسالة عن الجهاد أوضح فيها فرضيته وثواب المجاهدين والشهداء، وضّح فيها أن الله فرض الجهاد على كل مسلم فريضة لازمة لا مناص منها ولا مفرّ معها، ورغب فيه أعظم ترغيب وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء وقال: لن نجد نظاماً قديماً أو حديثاً دينياً أو مدنياً عُني بشأن الجهاد والجندية واستنفار الأمة وحشدها كلها صفاً واحداً للدفاع عن الحق كما تجد ذلك في دين الإسلام وتعاليمه (218).

وأوضح أن الحرب ضرورة اجتماعية وشر لابد منه، وأن الأصل في الحياة هو ‏السلام والاستقرار وقد حدد خمسة أغراض للحرب في الإسلام: ‏

  1. ‏رد العدوان والدفاع عن النفس والأهل والمال والوطن والدين. ‏
  2. تأمين حرية الدين والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتونهم عن ‏دينهم.

‏# حماية الدعوة حتى تبلغ إلى الناس جميعاً ويتحدد موقفهم منها تحديداً واضحاً لأن ‏الإسلام رسالة اجتماعية إصلاحية شاملة إلى الناس كافة.

  1. تأديب ناكثي العهد من المعاهدين أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين التي تتمرد ‏على أمر الله وتأبى حكم العدل والإصلاح.

‏# إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا والانتصار لهم من الظالمين (219).

وإذا طبقنا رؤية الإخوان للجهاد نجد أن هذه الأغراض الخمسة للجهاد تنطبق على فلسطين وبذلك أصبح الجهاد لتحرير فلسطين "فرض عين على كل ‏مسلم"، وعليه تكون فلسطين بالنسبة للإخوان "السوق والذي تربح فيه الصفقة مع الله ‏وتفوز فيه بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة" وقد أفتى الشيخ السيد سابق أحد ‏فقهاء الإخوان أثناء حرب 48 بتأجيل أداء فريضة الحج وتقديم المال للجهاد في ‏فلسطين

وهكذا جمعت القضية الفلسطينية بين مفهوم الأمة الإسلامية ومفهوم الجهاد لدى ‏الإخوان، لذلك ذكر الإمام حسن البنا بأن حل القضية الفلسطينية سيكون بالوحدة ‏والجهاد.

فالقضية الفلسطينية بالنسبة للإخوان المسلمين قضية وطن ودين في نفس الوقت ومتميزة عن باقي القضايا التي ‏اهتم بها الإخوان المسلمون وبناء على هذا التصور فإن الإخوان المسلمين وجَّهوا أكبر قدر ممكن من اهتمامهم نحو ‏القضية الفلسطينية، ووضعوها في رأس برنامجهم، وساهموا بكل جهودهم ووسائلهم لوضع حل لتلك القضية (220).

المبحث الثالث: دور الإخوان المسلمين في القضيّة الفلسطينية قبل حرب عام 1948م

بدأ دور الإخوان في حلّ قضية فلسطين مبكراً بل سبق الإخوان دولهم وكل الأمة في وعي أبعاد القضية وانبروا إلى حملها وتمثيل ذلك بصور عدة.

المطلب الأوّل: رسالة البنا إلى المؤتمر الإسلامي العام في القدس في ديسمبر ‏‎1931‎م

أرسل البنا رحمه الله رسالة للمؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس في كانون الأول/ ديسمبر ‏‎1931‎‏ وحضره ‏مندوبون من ‏‎22‎‏ بلداً من العالم العربي والإسلامي واشتملت الرسالة على مقترحات عملية حيث دعا البنا المؤتمرين إلى تبنيها وكان منها:

  1. إنشاء صندوق ‏إسلامي أو شركة ‏لشراء الأراضي الفلسطينية لحفظها وقطع الطريق على شرائها من قِبل اليهود.
  2. ‏واقترح أيضاً إنشاء لجان للدفاع عن الأماكن المقدسة في كل بلدان ‏العالم الإسلامي.
  3. ‏توحيد وتحديث الثقافة الإسلامية.
  4. إنشاء جامعة فلسطينية ‏تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم ‏المعاصرة.
  5. إصدار جريدة إسلامية يومية.
  6. إنشاء ‏مركز إعلامي إسلامي.
  7. ‏استعادة السيطرة على خط الحجاز الحديدي ‏واستكماله لِما له من أهمية في ربط المسلمين ‏ببعضهم. وقد أبدى الحاج أمين الحسيني ‏اهتماماً بالرسالة، وفي ردّه على البنا ذكر بأن اللجنة ‏التنفيذية للمؤتمر ستعطي ‏الاقتراحات الاهتمام اللازم،

وبالفعل تبنى المؤتمر من ضمن قراراته مما دعت إليه رسالة البنا:

  1. تأسيس شركة لإنقاذ الأراضي في فلسطين.
  2. المطالبة بتسلم خط السكة الحديدية الحجازية.
  3. إنشاء جامعة باسم جامعة المسجد ‏الأقصى.
  4. التعهد بالدفاع عن إسلامية البراق (221).

المطلب الثّاني: الموقف من الهجرة اليهودية:

وعندما حدثت انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر ‏‎1933‎‏ في فلسطين والتي راح ضحيتُها ‏في ‏القدس ويافا ‏‎35‎‏ شهيداً و‎255‎‏ جريحاً، والتي أُصِيبَ فيها زعيم فلسطين موسى ‏كاظم الحسيني، ‏طالب البنا، في مقال نُشر في جريدة الإخوان المسلمين في ‏‏‎21‎‏/‏‎10‎‏/‏‎1933‎، بإيقاف الهجرة ‏اليهودية وتنفيذ بريطانيا لوعودها للعرب بحكم ‏أنفسهم، ودعا العالم الإسلامي للضغط بكل ما يملك ‏من وسائل وتقديم الدعم ‏والتبرعات لفلسطين، وقد تكررت مطالبات الإخوان بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين وجعل ذلك قيداً من مصر لاستمرار تحالفها مع بريطانيا (222).

المطلب الثّالث: الدعم المبكر الإعلامي والمالي:

فقد عبر الإخوان عن تفاعلهم مع القضية وتبنيهم لها بالدعوة إلى الدعم المالي والتبرع لنصرة فلسطين واستثمر الإخوان كلَ المناسبات للحث على ذلك.

وكذلك نشط الإخوان المسلمون في الدعاية الإعلامية لقضية فلسطين في مصر نشاطاً كبيراً، وسبقت الإشارة إلى رسالة الإمام البنا إلى المؤتمر الإسلامي العام في القدس وكان مما دعا إليه إنشاء صندوق إسلامي لدعم فلسطين وحفظ أرضها وكان ذلك من مخرجات المؤتمر، وطبعوا المنشوراتِ التي ‏تهاجم ‏الإنجليز وسياستهم في فلسطين، وركزوا في مجلتهم "النذير" على خدمة قضية ‏فلسطين وإبرازها ‏إعلامياً، واستفادوا من منابر المساجد للدعوة للقضية، حيث كان شباب الإخوان يتوزعون على المساجد في القاهرة كل أسبوع يخطبون ويشرحون للناس ما يتعرض له إخوانهم في فلسطين (223)، وأرسلوا ‏الطلاب في الصيف إلى أنحاء ‏القطر المصري للدعوة للفكر الإسلامي وإلى مساعدة‏ فلسطين، كما دعوا إلى مقاطعة المحلات ‏اليهودية في مصر، ووزعوا كتاب "النار ‏والدمار في فلسطين" (الذي أصدرته اللجنة العربية العليا) ‏بشكل واسع في مصر فكان ‏له أثر إعلامي عظيم، وقد اُعتُقِلَ البنا لفترة وجيزة بسبب توزيع ‏الكتاب.

ودعا البنا وإخوانه إلى القنوت في الصلاة من أجل فلسطين. وجاء في تعميم لمكتب ‏الإرشاد ‏العام أن نازلة فلسطين من أشد النوازل بالمسلمين جميعاً وأعظمها وقعاً على ‏قلوبهم وأشدها نيلاً من ‏إخوانهم وأوطانهم ونفوسهم.‏

ودعا مكتب الإرشاد أن يقنت المسلمون في الركعة الأخيرة من كل صلاة بعد ‏الركوع قنوتاً ‏يدعون فيه بنصرة أهل فلسطين وخذلان أعدائهم ومناوئيهم، بالصيغة ‏التالية مثلاً: "اللهمّ غياثَ ‏المستغيثين ونصيرَ المستضعفين انصر إخواننا أهلَ فلسطين، ‏اللهم فرّج كُربتَهم وأيدّ قضيتهم واخذل ‏أعداءهم واشدد الوطأة على من ناوأهم ‏واجعلها عليهم سنينَ كسني يوسف وارفع مقتك وغضبك عنا يا ‏رب العالمين، وصلِّ ‏اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم".‏

ونظم "الإخوان" وجمعية الشبان المسلمين مظاهرة كبرى في مصر في حزيران/ يونيو ‏‏‎1938‎‏ ‏‏لنصرة فلسطين، وقد اصطدمت بالشرطة مما أدى إلى اعتقال ‏‎34‎‏ من ‏المتظاهرين، كما نظموا ‏‏مظاهرة كبرى بمناسبة وعد بلفور في تشرين الثاني/ نوفمبر ‏‏‎1938‎، شملت جميع أرجاء مصر، ‏‏فكانت تنبيهاً قوياً للشعب المصري على أهمية ‏قضية فلسطين‏، وتولى بعد ذلك حِراك الإخوان ومظاهراتهم نصرة لفلسطين ودعماً لثورتها وتنظم الإخوان المظاهرات في سوريا أيضاً ولقد جاء عدد من قيادات الإخوان لتتقدم الناس في مظاهرات... بل ويذكر أن ‏‏مركز الإخوان المسلمين صار ملتقى ‏ومزار القيادات الفلسطينية القادمة إلى القاهرة [[#المصادر|(2234

المطلب الرابع: تشكيل اللجنة ‏المركزية العامة إخوانياً والمشاركة بلجان دعم فلسطين

اندلعت الثورة الكبرى في فلسطين في منتصف نيسان/ أبريل ‏‎1936‎‏ واستمرت بمراحلها إلى أواخر سنة ‏‎1939‎‏. فمنذ بدايات هذه الانتفاضة تداعى الإخوان لنصرتها وشكلوا اللجنة المركزية العامة لمساعدة فلسطين، وتشكلت من ‏‎29‎‏ عضواً برئاسة البنا نفسه وبمشاركة ‏سبعة من أعضاء مكتب الإرشاد العشرة في عضويتها. وقد نشطت هذه اللجنة في ‏‏دعم قضية فلسطين بمختلف الوسائل، وبعدها بأيام شاركت اللجنة ‏في تشكيل ‏اللجنة العليا لمساعدة ضحايا فلسطين، حيث دعت جمعية الشبان ‏المسلمين في القاهرة المنظماتِ ‏الإسلامية الأفرادَ لتشكيل هذه اللجنة، وقد مثّل ‏الإخوان في هذه اللجنة كل من حسن البنا وحامد ‏عبد الرحمن (225).

المطلب الخامس: حث رموز الأمة وقياداتها على دعم فلسطين:

وفي هذا السياق فقد أرسل الإخوان المسلمون الرسائل والبرقياتِ إلى المسؤولين في الدولة وأصحابِ النفوذ للتدخل لمساعدة ‏‏فلسطين، والعمل الجاد على حل قضيتها، فعندما انعقد المؤتمر العربي لنصرة قضية فلسطين في "بلودان" في ‏‎10‎‏/‏‎9‎‏/‏‎1937‎‏ أبرق ‏حسن ‏البنا باسم الإخوان المسلمين في مصر إلى المؤتمر برقية يعلن فيها استعداد جماعة ‏الإخوان ‏المسلمين للدفاع عن فلسطين بدماء أبنائها وأموالهم.‏

وعندما انعقد المؤتمر البرلماني للبلاد العربية والإسلامية في ‏‎7‎‏/‏‎10‎‏/‏‎1937‎‏ أولاه ‏الإخوان عناية ‏خاصة، وحرصوا على توفير سُبل نجاحه بالرغم من أنهم لم يشاركوا في ‏أعماله حيث لا يملكون ‏أعضاءَ برلمانيين. وأقام الإخوان حفل استقبال للوفود في ‏مركزهم الرئيسي في القاهرة حيث ألقى ‏البنا كلمة فيهم، وأرسلت فروع الإخوان ‏‎13‎‏ ‏برقية تدعم المؤتمر وتطالب بإصدار قرارات بحلّ ‏القضية الفلسطينية بناءً على مطالب ‏العرب.

وعندما عقد الإخوان مؤتمرهم الخامس في ‏‎2‎‏/‏‎2‎‏/‏‎1939‎‏ قرر المؤتمر إرسال تحياته للحاج ‏أمين ‏الحسيني وللمجاهدين ولأعضاء اللجنة العربية العليا. كما تقرر إرسال برقيات ‏للحاج أمين والوفد ‏المصري إلى مؤتمر لندن، ولوزير الخارجية البريطاني تدعم مطالب ‏العرب في فلسطين (226)، وقم يترك البنا رحمه الله تعالى شخصية مسلمة أو غير مسلمة يقدر أن يكون لها تأثير في دعم القضية إلا راسلها وطلب التدخل والنصرة لقضية فلسطين، وفي مذكرات حسن البنا رحمه الله تعالى خمس رسائل بعنوان من أجل فلسطين، أرسلها لعدة جهات سعياً لتسخير جهود الجميع لنصرة القضية (227)، وكانت هذه الرسائل:

الأولى: للأب يونس بطريك الأقباط الأرثوذوكس في مصر بصفته رئيس لجنة دعم الأحباش

الثانية: عمر طوسون وكان الرئيس الثاني لدعم الأحباش

الثالثة: إلى السفير البريطاني في القاهرة ليرفعها لحكومته بذكرى وعد بلفور يعبر فيها البنا عن رفض الإخوان لسياسة بريطانيا في المنطقة لا سيما شأن فلسطين.

الرابعة: إلى علي ماهر باشا لشكره على ما قرر من معونات لفلسطين وينبه على:

- ضرورة الإشراف على توزيع المعونات.

- ضرورة الدعم السياسي.

وغيرها من المواقف والرسائل للقادة والزعماء لحثهم على أخذ دورهم في القضية.

المطلب السادس: إحياء الدعوة في فلسطين وتأسيس شعب الإخوان المسلمين فيها لتحصين الصف الداخلي وقيادة مشروع الجهاد:

أدرك الإخوان المسلمون حاجة الشعب الفلسطيني للوعي بأبعاد ومرامي المشروع الصهيوني، لأنه سيكون رأس الحربة في مواجهة هذا المشروع، ولذلك عندما قرر مجلس الشورى الجماعة نشر دعوة الإخوان خارج مصر كانت فلسطين من أول البلاد المرشحة لتصدير الدعوة إليها وفتح شعب إخوانية فيها...

وعقب هذا القرار أوفد البنا رحمه الله أخاه عبد الرحمن الساعاتي، ومصطفي مؤمن، وعبد المعز عبد الستار، وسعيد رمضان، ومحمد أسعد الحكيم وغيرهم إلى فلسطين للتبشير بالدعوة، ثم تتابعت زيارات الدعاة من إخوان مصر لبث الوعي وتمهيداً لفتح شعب للإخوان في فلسطين، وبدأ بالفعل أعداد من شباب فلسطين ينضمون للجماعة، ولعل من أبرز الدعاة من إخوان مصر الذين كان لهم دور بارز في فتح شعب في فلسطين وإحياء الدعوة فيها الشيخ سعيد رمضان حيث كان له دور مميز في بث الوعي الديني والدعوي وكذلك بأبعاد المشروع الإنجليزي والصهيوني، وكان للشيخ رحمه الله قبول كبير لدى أبناء فلسطين، وإلى يومنا هذا تتناقل قصصه في فلسطين، وكان أول شعبة افتتحت للإخوان في فلسطين سنة 1940 م في غزة برئاسة الحاج ظافر الشوا، وتبعها شعبة في حيفا، وبعدها في القدس، ثم نابلس، واللد، وقلقيلية، وطولكرم، والمجدل، والخليل، وبلغت عدد شعب الإخوان في فلسطين 57 شعبة، وكان كثير منها بإشراف إخوان مصر مباشرة.

وحرص الإمام البنا على أن يبقى له صلة خاصة بشعب فلسطين، ولم يعامل شعب فلسطين كشعب في قطر مستقل، فكان يعدها من مصر وكانت مهام هذه الشعب إضافة إلى الدعوة كشف الخطر الصهيوني والمؤامرة على فلسطين (228)، وقد كان دور إخوان فلسطين هؤلاء الذين هم ثمار جهود دعاة الإخوان المصريين كبيراً في بث الوعي في أنحاء فلسطين وفي مقاومة الإنجليز والعصابات الصهيونية، ثم في حرب 1948 م.

وعقد الإخوان المسلمون مؤتمرين في حيفا شهر 10\ 1946 م وفي شهر 10\ 1947 م، وفي مؤتمره الأخير قبل الاحتلال عام 1947م أعلن الإخوان في مؤتمرهم تصميمهم الدفاع عن بلادهم واستعدادهم للجهاد، وللتعاون مع جميع الهيئات الوطنية،، وكان كثير منهم في خلايا الجهاد بعد استشهاد القسام. (229)

المطلب السابع: الإعداد المبكر للجهاد لمواجهة المشروع الصهيوني

بدأ الإخوان المسلمون الإعداد المبكر للجهاد، لمواجهة كل من الاحتلال البريطاني لمصر وفلسطين وكذلك لمواجهة المشروع الصهيوني وقد شمل التدريب كل من يصلح للعمل العسكري من أبناء الإخوان، وكذلك من أبناء الشعب الفلسطيني، ولتحقيق ذلك قامت الجماعة بأمور منها:

أولاً: سنة 1935 م أرسل البنا أخاه عبد الرحمن الساعاتي إلى فلسطين للقاء المجاهد عز الدين القسام ليشد من أزره ويعبر عن الاستعداد للدعم والمؤازرة (230) ((وكان رجال الإخوان المسلمين يزورون فلسطين سراً بعيداً عن أعين الإنجليز أعوان اليهود، ويشاركون المجاهدين في التدريب والجهاد، فضلاً عن شراء الأسلحة لهم وتقديم يد العون اللازم)). (231)

ثانياً: منذ عام 1936 م بدأت الجماعة بجمع الأسلحة لدعم أبناء فلسطين بالسلاح والمال وتمكينهم من القيامة بأعمال جهادية ترهق العدو وتعيق مشروعه العدواني، وكانت الجماعة ترسل الأسلحة عن طريق الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين وأحد قادة الجهاد فيها، وكذلك ساعدته الجماعة بالحصول على اللجوء السياسي عندما وصل مصر، وشارك عدد من شباب الإخوان بفعاليات ثورة 1936 م وكانوا يدخلون إلى فلسطين خفية، لأن الدولة المصرية كانت تمنعهم من ذلك.

'ثالثاً'نص غليظ: في سنة 1940م شكلت الجماعة ما يعرف (بالنظام الخاص) وهو تنظيم سري يضم إليه من أبناء الإخوان من عرفوا بإخلاصهم وثباتهم على الدعوة وتميزوا بالقدرة على تحمل التبعات العسكرية، وعندهم لياقة وقدرة على المشاركة في القتال، وكان هدف تشكيل هذا النظام من أجل تدريب الشباب على الأمن والقتال لمواجهة الاحتلال البريطاني في مصر وفلسطين وكذلك لمواجهة العصابات الصهيونية وكلف البنا خمسة من الإخوان بالإشراف على هذا النظام واختبار جنوده وتدريبهم وهم صالح عشماوي وحسين كمال الدين، وحامد شريف وعبد العزيز أحمد، ومحمود عبد الحليم وكان تمويل هذا النظام من جيوب أعضائه وكان من برنامج الملتحقين بهذا النظام

  1. دراسة عميقة مستفيضة للجهاد في الإسلام.
  2. أخذ العضو نفسه بأنواع من نوافل العبادات.
  3. التدريب على الأعمال الشاقة.
  4. توزيع المنشورات.
  5. التدريب على بعض الجوانب الأمنية
  6. التدريب على استعمال الأسلحة.

وقد كان للتدريب في هذا النظام دور بارز بعد ذلك في حرب 1948 م. (232) وكذلك كان للنظام الخاص دوره المميز في حرب القنال 1951م

'رابعاً'نص غليظ: بعد التدريب والإعداد لشباب الإخوان داخل مصر بدأت الجماعة إرسال أعداد من المدربين إلى فلسطين ليتولوا إعداد شباب فلسطين على فنون الجهاد والمقاومة، فقد أرسل البنا الصاغ محمود لبيب وكيل الإخوان المسلمين للشؤون العسكرية إلى فلسطين ليقوم بالتدريب هناك وألقى الإنجليز القبض عليه ثم سفروه، إحساساً منهم بخطورة دوره. (233) وقد تدرب كثير من أبناء فلسطين على أيدي مجاهدي الإخوان المصريين الذين أعدهم النظام الخامس.

المبحث الرابع: دور الإخوان المسلمين في حرب ال 1948م

كما كان للإخوان دورهم الفاعل في حمل القضية الفلسطينية منذ نشأتها كما أوضحنا فقد شارك الإخوان بشكل فاعل ومؤثر في حرب 1948، وقدم الإخوان من كل البلاد التي لهم بها تنظيمات لاسيما البلاد المحيطة بفلسطين للمشاركة في الدفاع عن فلسطين واللافت للنظر أن قياداتِ الإخوان قبل كوادِرهم وعناصرِهم تسابقوا للمشاركة في الجهاد وقاد مجاهدي الإخوان في هذه الحرب المراقبون العامون في الأقطار أي صاحب الموقع الأول في كل تنظيم، فكما تولى الإمام البنا بنفسه رئاسة اللجنة المركزية التي شكلها التنظيم لدعم فلسطين وكان فيها سبعة من أعضاء مكتب الإرشاد العشرة، فكذلك في هذه الحرب خرج الإخوان تتقدمهم للجهاد العسكري قياداتُهم...فجاء الإخوان السوريون بقيادة مراقبهم العام مصطفي السباعي، والسودانيون بقيادة مراقبهم العام محمد صالح عمر، وجاء الإخوان المصريون بقيادة القائد الكبير أحمد عبد العزيز أحد كبار قيادة الإخوان محمد فرغلي، وجاء الإخوان الأردنيون يتقدمهم مراقبهم العام عبد اللطيف أبو قورة، ومحمود الصواف المراقب العام للإخوان في العراق على رأس كتائب الإخوان العراقيين.

وامتازت مشاركات الإخوان بانبثاقها من عقيدة وشعور بالمسؤولية تجاه بلاد المسلمين ومقدساتهم، وإحساس بالخطر الداهم على الأقصى وفلسطين حالاً وكل بلاد المسلمين مآلاً.

وكان كثير من الشباب [[الإخواني المصري الذي سبقت الإشارة إليه الذين خرجوا للجهاد عام 1948م ممن أُعدوا ودُربوا في النظام الخاص، وأرسل البنا قيادات التنظيم إلى فلسطين لمتابعة الأمر وتقوية شوكة الفلسطينيين في جهادهم، ومن الشخصيات الإخوانية التي قَدِمَتْ إلى فلسطين مجاهدةً ومحرضةً ومتابعةً لأعمال الجهاد والمقاومة كبار القيادات مثل حسن البنا الذي خرج إلى غزة متابعاً وموجهاً بداية 1948 والسباعي وأبو قورة ويوسف طلعت وكامل الشريف، ومحمد عبده وسعيد رمضان ومحمد فرغلي ومحمد إبراهيم صالح ومحمود الصواف وغيرهم من قيادات الإخوان (234).

وقد طالب الإمام البنا القيادات العربية بترك حرب عصابات اليهود لعصابات الإخوان وعدم التدخل بها، حتى لا يكتسب اليهود عطف العالم، لتكون حرب بين عصابات من الطرفين، وقال لهم إن هذا لا يصلح في حرب جيش نظامي، لأنها ليس في مواجهة جيش نظامي، ورفض ذلك الحكام العرب (235) ربما لأن ذلك يذهب مفعول المتفق عليه مع من عينوهم زعماء على صدور العرب والمسلمين.

المطلب الأول: مشاركــات إخـــــــوان الأقطــار العربية في الحــــــرب:

جهاد إخوان فلسطين:

وكما هو واضح فقد شاركت كتائب الإخوان من كثير من البلاد، فإخوان فلسطين كانت مشاركتهم فاعلة على الرغم من كون تنظيمهم كان ناشئاً ومحدود الإمكانات، حيث التحق شباب الإخوان بجيش الإنقاذ أو جيش الجهاد المقدس وقاموا بعمليات ناجحة ضد المستوطنات الصهيونية في مناطق الشمال والقدس والخليل

.وأما في الجنوب فالتحق شباب الإخوان بكتائب الإخوان المصريين بقيادة الأستاذ كامل الشريف، الذي ذكر أنه التحق بكتيبة من أهل فلسطين أكثر من 800 مجاهد في مقدمتهم إخوان المنطقة الجنوبية في فلسطين، وكذا غير الإخوان، ويذكر أيضاً أن أنشط شُعَبِ الإخوان كانت في يافا حيث كان لهم تنظيم سري جهادي سابق التشكيل، وإن أعضاء هذا التنظيم انضموا إلى مجموعة كامل الشريف عندما وصل إلىهم، ويقول يوسف عميرة إن هؤلاء الإخوان أي الفلسطينيين تولوا الدفاع عن مناطق البصة وتل الريش، والعجمي والنزهة في يافا وكذا رعاية الأمن داخل المدينة (236).

جهاد الإخوان المصريين:

وأما الإخوان المصريون فقد أرسل الإمام البنا رسالة إلى جامعة الدول العربية يعرض فيها إرسال دفعة من الإخوان تعدادها 10000 مجاهد للدفاع عن فلسطين كدفعة أولى وطبعاً هذا من إخوان مصر وحدهم (237).

ويشهد كثير من الكُتّاب والمتابعين أن إخوان مصر كانوا طلائع الجهاد التي دخلت إلى فلسطين للدفاع عنها ومواجهة اليهود سنة1948م، بل بدأت كتائبهم الدخول إلى فلسطين من الشهر العاشر سنة 1947م

وقبل ذلك سبق الصاغ محمود لبيب وكيل الإخوان للشؤون العسكرية إلى فلسطين لتنظيم المجاهدين وتدريبهم هناك ولما أحست حكومة الاحتلال البريطاني بذلك اعتقلته ثم فرضت عليه العودة إلى مصر (238)

يقول الفريق طيار عبد المنعم عبد الرؤوف في مذكراته: لقد اشتد القتال ضراوة بين أشقائنا الفلسطينيين والعدو الصهيوني قبل يوم 15\5\1948 م فتشكلت الكتيبة الأولى من متطوعي الإخوان المسلمين التي تم تدريبها في معسكر - هايكتسب - في شهري أبريل ومايو 1948 م وعدد أفرادها 280 مجاهداً ودخلت فلسطين وكانت بداية المعارك الشرسة بين الإخوان واليهود (239)، ولما بدأت بوادر الحرب بدأ المركز العام في جميع شعب الإخوان وفروعهم بالقاهرة والأقاليم بالتدريب على القتال وبدأ تسلل أول فوج يعد تدريبه إلى صحراء النقب وكان بقيادة كامل الشريف وكان المرشد التربوي لهذه الكتائب محمد فرغلي الرجل الثاني في الدعوة.

وحاول الإخوان الذين سبق أن تدربوا قبل هذه الفترة في النظام الخاص الذهاب عن طريق عمان فقد توجهوا بالطائرة إلى عمان ليدخلوا فلسطين من هناك ولكن مع الأسف جاءهم أمر بالعودة مباشرة إلى القاهرة... ولم يسمح لهم بالدخول إلى عمان (240). وكذلك ما حاولوا من جهة سيناء يجدون صعوبة لأخذ إذن من أجل رحلة إلى سيناء للتمكن من الدخول وكذلك يطاردون من قبل الإنجليز داخل فلسطين. (241)

وقد كان الإخوان المصريون يتسابقون إلى التسجيل للذهاب إلى فلسطين من أجل الجهاد وكانت نفوسهم متحفزة لتصل إلى أرض المسرى وكان الشباب ينفجرون بالبكاء إذا ردهم المرشد أو لأن الدعوة لم تخترهم لهذه المهمة (242)، وينطبق عليهم قوله تعالى: (وَلَا عَلَى الذينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ) (243).

وكان جهاد إخوان مصر وبذلهم وجهودهم وتضحياتهم في القدس وفي غزة واضحة ثبتت المناطق بثباتهم وكان اليهود يتحاشون الاحتكاك مع الأماكن التي يجاهد فيها رجال الإخوان...حتى شهد عارف العارف أن الإخوان هم من حفظوا غزة من السقوط في اليهود.

وسيطر الإخوان بعد يوم من جلاء الإنكليز على معسكر البريج بقيادة كامل الشريف ومحمد فرغلي...ثم دخله الجيش المصري بعد أن حرره الإخوان وتحرك أحمد عبد العزيز بقواته الإخوانية ومن معها من شباب مصر وفلسطين من خان يونس إلى بئر السبع ثم تحرك إلى الخليل وبيت لحم وبقي محمود عبده في بئر السبع واتخذ أحمد عبد العزيز بيت لحم مقراً له ودارت معاركُ وسُطرت ملاحمُ في طريق تحركه ما بين القدس والخليل منها معركة الظاهرية، سطرها شباب الإخوان واستولى حسين حجازي القائد [[الإخواني على عدد من المستوطنات مثل رامات راحيل، مستعمرة الدجاج واستولى على كل ما فيها وأما تل بيوت فقد نسفها نسفاً، وقد فصل كامل الشريف في كتابه الإخوان المسلمون وفلسطين لا سيما عن معارك الجنوب، غزة وبئر السبع ورفح وخان يونس وكذلك فصل حسين حجازي في كتابه جماعة افتدت أمة، عن معارك القدس والخليل التي تولى هو القيادة فيها كما تولى الشريف القيادة في غزة.. فحديثهم من قلب الميدان والمشاهدة وليس رواية راوٍ.

يقول حسين حجازي (لو لم يحدث ما حدث من حكومة النقراشي التي حلت الجماعة وإبراهيم عبد الهادي الذي قتل البنا لاستطاعت هذه الحفنة من الشباب المؤمن استخلاصَ فلسطين من الغاصبين وذلك كان بما لدى أبناء الجماعة من عزيمة للإخوان من مجاهدة الكيان واستنزافه حتى بعد قيام دولته لا سيما الإخوان لم يعترفوا بالهدنة التي عقدت ولم يرتضوها..

وفي معارك صور باهر من منطقة القدس فقد كان لهم شأنُ عظيم وأرهقت معاركَهم اليهود ولما استولى اليهود على تبة اليمن (وهي منطقة مرتفعة تشرف على الولجة والمالحة وعين كارم شمال غرب بيت لحم، ندبت القوات المصرية الإخوان المسلمين في صور باهر لتطهيرها وخلال ساعة واحدة تم تطهيرها بالفعل وأطلقت عليها قيادة الجيش المصري (تبة الإخوان المسلمين) (244).

ولو أن الإخوان وحدهم تُرِكوا وقضيةَ فلسطين، ولم توضع في طريق جهادهم العراقيلُ، ما كان لليهود أن يحتلوها ولكنّ أزلامَ المحتلين من القيادات والحكام بذلوا قصارى جهدهم بإشغال الإخوان بأنفسهم، وضعوا العوائق والعراقيل في طريق جهادهم ومع ذلك فقد أرسل الإمام حسن البنا رحمه الله لجنوده في فلسطين لما بدأت تصلهم أخبار الاعتقالات والتضييق على الجماعة يقول لهم: (أيها الإخوان لا يهمنكم الأحداث التي تجري فوق أرض مصر، إن مهمتكم تحرير فلسطين من اليهود ولن تنتهي مهمتكم ما دام في فلسطين يهودي واحد) (245).

ويضيق المقام عن الحديث حول المعارك والانتصارات التي حققها الإخوان في قتال اليهود فقد دُوِنَ بعضُها وفُصِل في كتب: كامل الشريف وحسن حجازي وغيرهما، ولم يخل كتاب منصف كتب عن هذه الحرب من حيز واسع للإخوان ودورهم الكبير، فكتب عارف العارف، ومحمد دروزة وغيرهما...وسوف اجعل مطلباً على مواقف الإخوان وجهادهم (246)، ومما يذكر في جهاد الإخوان المصريين تضحياتهم وخروجهم من حظ أنفسهم واستحضارهم للقدس والأقصى الذي يدافعون عنه. يقول الدكتور أحمد الملط رحمه الله وهو يذكر قصة عبد السلام عجلان وكيف ذهب إلى الجهاد في فلسطين: (وكنت مع البنا إذ دخلت علينا امرأتان تصيحان تقولان يا بنا أنت آثم لأنك تأخذ أولادنا وتريدنا نأكل الطوب (التراب )، إذ كان عماد عيشنا فدان من الأرض يجره ثور وحمار فقام ابننا ( عبد السلام عجلان)وباعها وهو الآن في السيارة أمام باب دار الإخوة متوجهة إلى فلسطين، فأرسل إليه البنا وقال له: نحن لا نريدك أن تذهب إلى فلسطين وإذا بعبد السلام يستشيط غضباً ويرد على البنا بقوله: إن كنت تظن أنني ذاهب لفلسطين لإرضائك فأنت واهم، وأنا ذاهب لنيل الشهادة في سبيل الله ودخول الجنة، ثم خرج من دار الإخوان وركب السيارة، فأمر البنا بإنزاله من السيارة فنزل، فركب عبد السلام في المواصلات العامة وكم كانت دهشة الإخوان أن وجدوه ينتظرهم على القنطرة فاضطروا لأخذه (247) وقد استشهد من الإخوان المصريين في حرب 1948 م نحو مائة مجاهد وأصيب نحو ذلك وأُسِرَ عدد منهم (248)، وكان اليهود يخشون بأس الإخوان وقتالهم ويستجدون بالغرب وأمريكا وقال ديان مخاطباً أمريكا (ونحن لا نطلب السلاح لمواجهة الجيوش العربية فأمرها سهل علينا، نحن نطلب السلاح لمواجهة عصابات الإخوان المسلمين المتوحشة ولما سئل ديان عن سبب تجنبهم الحرب مع المتطوعين، قال أنهم يريدون أن يستشهدوا ونحن نريد أن نبني أمة، وقد جربنا قتالهم فكبدونا خسائر فادحة، لذا نحاول تجنب الاشتباك معهم (249))، ولقد يئس اليهود من اقتحام بيت لحم. وصور باهر لوجود مجاهدين من الإخوان فيها وتجمع في المقابل في الهجوم على المجدل وأُسدود لوجود الجيش المصري فيها (250).

وأما إخوان البلاد الأخرى فقد لبو نداء فلسطين وكان المراقبون العامون في الأقطار هم قادة الكتائب المجاهدة للدفاع عن فلسطين كما أشرنا في بداية البحث.

الإخوان السوريون:

وقد تدربت كتيبة الإخوان السوريين في قطنا ثم سافرت إلى منطقة القدس على فوجين الأول بقيادة الملازم عبد الرحمن ملوحي وكان معهم الشهيد عبد القادر عودة والفوج الثاني كان بقيادة السباعي، وجاؤوا بقيادة المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا ‏مصطفي السباعي رحمه الله، وكانت مشاركتهم في معارك القدس وأصيب منهم 35 مجاهداً في معركة باب الخليل في القدس وانتصر فيها المجاهدون وشاركت مجموعة منهم في معركة القسطل، ‏ومعركة الحي القديم في القدس القديمة، ومعركة القدس الكبرى، ‏ومعركة القطمون، ونسف الكنيس اليهودي الذي اتخذه اليهود مقراً ‏حربياً وشاركوا في معارك المثلث وغيرها، وفي حلب قاد الإخوان الشاعر عمر بهاء الدين الأميري، وجاء معه من حلب نحو 120 من الإخوان وانضموا إلى إخوانهم من حمص وحماة ودمشق وبلغ عدد الإخوان القادمين من سورية نحو 400 مجاهد (251).

إخوان الأردن:

‏فيذكر محمد عبد الرحمن خليفة أنه عندما فتح باب التطوع في ‏شعبة السلط سجل أكثر من ثلاثة ‏آلاف شخص أنفسهم‏، وتكونت من إخوان منطقة عمان وما حولها سرية متطوعين تضم نحو ‏‎120‎‏ مجاهداً ‏من ‏الإخوان المسلمين، وسميت بسرية أبي عبيدة وقد تولى قيادتها الحاج ‏عبد اللطيف ‏أبو قورة المراقب العام للإخوان المسلمين في الأردن في تلك الفترة، وقد دخلت فلسطين في ‏‏‎14‎‏/‏‎4‎‏/‏‎1948‎‏ وتمركزت في عين كارم ‏وصور باهر، وقد خاضت هذه السرية عدة ‏معارك واستشهد عدد من أفرادها‏، وفي إربد تولى ‏مسؤول شعبة الإخوان هناك السيد ‏أحمد محمد الخطيب قيادة الإخوان فيها، ‏وبلغ مجموع من شارك معه ‏في الجهاد من إخوان إربد وأهلها المتطوعين حوالي مائة مجاهد أيضاً (252).

إخوان العراق:

فجاؤوا بقيادة الشيخ ‏محمد محمود ‏الصواف المراقب العام للإخوان في العراق وشاركوا بشكل فاعل في تأسيس (جمعية إنقاذ فلسطين) في بغداد، وكانوا ‏من أبرز وأنشط ‏عناصرها. ولقد لبى نداء التطوع ‏‎15‎‏ ألفاً معظمهم ممن تدرب في ‏الجندية أو الشرطة، وكانوا على رأس ‏المظاهرات التي خرجت للتنديد بقرار تقسيم ‏فلسطين، والتي اشترك فيها ‏‎200‎‏ ألف عراقي في ‏بغداد، وتألف من المتطوعين ‏للجهاد كتيبتا الحسين والقادسية (كل واحدة تتكون من ‏‎360‎‏ ‏مقاتلاً) وقد وصلتا إلى ‏فلسطين في مارس ‏‎1948‎‏ (253) ‏.

وشارك كثير من إخوان العراق ‏ضمن قوات ‏جيش الإنقاذ، ورأوا الكثير من تخاذل وضعف وسوء إدارة قيادته وعلى ‏رأسه فوزي القاوقجي، إلا ‏أنهم بذلوا ما استطاعوا في المعارك التي شاركوا فيها خصوصاً ‏في شمال فلسطين، ‏وشارك الإخوان من السودان، وجاء الإخوان من كل أقطار الدنيا تلبية لنداء بيت المقدس وفلسطين.

المطلب الثاني: شهادات عربية وإسلامية حول جهاد الإخوان:

1. شهادة الشيخ أمين الحسيني حيث قال: ‏" لقد كان‎ ‎للشيخ حسن البنا وأتباعه ومريديه في نصرة فلسطين والدفاع عنها جهود مشكورة وأعمال‎ ‎مبرورة كلها مآثر ومفاخر ‏سجلها لهم التاريخ بحروف من نور وقد بذلوا على ثرى فلسطين‎ ‎مع إخوانهم المجاهدين من أبناء الأمة العربية والإسلامية دماء زكية ‏ومهجاً غالية‎ ‎واستشهد منهم عصبة كريمة كانت من الرعيل الأول الذين نفروا خفافا وثقالا لنجدة‎ ‎فلسطين، وسلكوا في الطريق الذي سلكه ‏المجاهد الكبير الشهيد أحمد عبد العزيز وصحبه‎ ‎الأبطال الأحرار، وكان ثباتهم في مقارعة العدو ومقاومته واستماتتهم في صد عاديته‎ ‎مَضْرِب المثل في قوة الشكيمة ومضاء العزيمة‎ ‎‏" (254).

2. شهادة المؤرخ الفلسطيني عارف العارف في كتابه: كان للإخوان المسلمين فضل السبق في نجدة فلسطين، حيث أبرق المرشد العام للإخوان المسلمين الإمام الشهيد حسن البنا، إلى مجلس الجامعة العربية المنعقد في (عاليه) بلبنان في شهر أكتوبر سنة 1947 م، قائلاً: إنه على استعداد ليرسل دفعة أولى عشرة آلاف مجاهد من الإخوان المسلمين، وبالفعل دخل رجال الإخوان المسلمين فلسطين رغم معارضة، الحكومة المصرية، وابتهج عرب فلسطين لهذه الحركة، وانخرط الكثيرون في صفوف حركة الإخوان المسلمين، وكذا الحال بالنسبة للإخوان السوريين، وكان عددهم زهاء الأربع مائة مجاهد بقيادة مصطفي السباعي، وكان الإخوان الأردنيون بقيادة عبد اللطيف أبو قورة، وأما الإخوان المصريون فكانوا بقيادة أحمد عبد العزيز ومحمود عبده، وكامل الشريف (255).

3. شهادة الأستاذ أكرم زعيتر في كتابه (وثائق الحركة الفلسطينية من سنة 1935م –سنة 1939م: وهرعنا إلى دار المركز العام للإخوان المسلمين، وكان غاصاً بأعضائه يتقدمهم المرشد العام الإمام حسن البنا، الذي خطب خطبة رصينة موفقة لائقة، يشعر المرء أنها صادرة عن قلب مؤمن، وعلم واسع، وفكر رزين، وهي تدل على ما تكنه هذه الجماعة من تقديس لقضية فلسطين، ومن فهم لأخطار الصهيونية على المقدسات والأخلاق، كما أبرق حسن البنا لمؤتمر بلودان لنصرة فلسطين يوم 10\9 \ 1937معلناً استعداد الإخوان المسلمين للدفاع عن فلسطين المجاهدة بدمائهم وأموالهم (256).

4. شهادة المؤرخ محمد عزة دروزة في كتابه (القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها): حيث قال: كان الإخوان المسلمون أول من لبى داعي الجهاد في سبيل الله، ثم في سبيل فلسطين بعد قرار التقسيم فذهبت فصائلهم للجهاد من مصر وسوريا والأردن، وبذلوا دماءهم كما بذلوا جهودهم العظيمة في جمع السلاح والتجهيز والتدريب للمجاهدين (257).

5. شهادة اللواء إبراهيم شكيب في كتابه (حرب فلسطين 1948م رؤية مصرية): إن الإخوان المسلمين رغم ضعف قواتهم، وقلة أسلحتهم في حرب 1948م، إلا أنهم كانت لديهم أفكار حربية وجيهة، ومما يجدر ذِكرُه أن قوات المتطوعين من الإخوان المسلمين لم يكن تصرف لها مرتبات، ولا ملابس من الجيش المصري، في حين أن قوات المتطوعين من بلاد أخرى كانت جيوشهم تصرف لهم مرتبات وملابس وتعيينات (258).

6. شهادة صلاح نصر- مدير المخابرات في عهد عبد الناصر – في كتاب (من قتل حسن البنا) لمؤلفه محسن محمد: كنت معجباً بالتضحيات التي قدمها كثير من أفراد جماعة الإخوان المسلمين في ميدان الكفاح المسلح على أرض فلسطين (259).

7. شهادة الخبير الأمريكي بمحاربة الإخوان المسلمين ( ريتشارد ميتشل ) في كتابه الذي ألفّه بتكليف من المخابرات الأمريكية بعنوان (الإخوان المسلمون): كان أول عهد جماعة الإخوان المسلمين بالعمل في قضية فلسطين حينما ذهب عبد الرحمن الساعاتي – شقيق البنا – إلى فلسطين سنة 1935، وزار الحاج أمين الحسيني وقدم الإخوان أولى مساعداتهم إبان الإضراب العام الذي قام به العرب سنة 1936-1937م، وقريباً مما قاله ريتشارد ميتشيل، قال: "ونادى البنا في المؤتمر العام الثالث المنعقد عام 1935م بجمع الأموال لمساندة قضية العرب، كما ألفّ لجنةً لتدعو لها عن طريق البرقيات والرسائل إلى السلطات المختصة، وعن طريق الصحافة والنشرات والخطب، وآزر هذه الوسائل قيام مظاهرات نيابية عن المضربين في فلسطين وإرسال المؤن والعتاد لهم".

ويضيف: "وكان أعظم ما شهر عن كفاح الإخوان هو ما قدموه من عون للمصريين الذين حوصروا في جيب الفالوجا، نتيجة الزحف الإسرائيلي بعد فشل الهدنة الثانية في أكتوبر 1948م؛ إذ ساعد الإخوان على إمداد القوات المحاصرة في الميدان.

8. ويقول اللواء أحمد المواوي أول قائد عام لحملة فلسطين: إن الإخوان سبقوا الجيوش النظامية وأن القوات المسلحة كانت تعتمد على الإخوان كقوة حقيقية وأن روحهم المعنوية كانت عالية.

9. ويقول محسن صالح: "لقد كان للإخوان دور مشرف في حرب فلسطين، اعترف به كل من كتب عن هذه الحرب، وكان لهم دور مشهود في جنوب فلسطين، حيث كانوا يهاجمون المستعمرات ويقطعون مواصلات اليهود، ومن أبرز معاركهم معركة التبة 86 التي يذكر العسكريون أنها هي التي حفظت قطاع غزة عربيًّا، كما أنهم أسهموا بدور كبير في تخفيف الحصار عن القوات المصرية المحاصرة في الفالوجا، ولقد استشهد منهم حوالي مائة.

10. ويقول الكولونيل اليهودي ناتنيال لورك في كتابه "حد السيف": "أول مشاركة مصرية في حرب فلسطين قام بها الإخوان المسلمون، الذين يعتبرون الاستعمار والصهيونية ألدَّ أعداء الإسلام، وكان محاربو الإخوان المسلمين يمتازون بروح قتالية متعصبة، وكانوا على استعداد واضح للتضحية بالحياة.

11. ويقول الكولونيل تريفوزن روبوي: كانت فلسطين الجنوبية قد أُعِدتَ للقتال قبل التقدم العربي الرسمي بوقت طويل، ففي أوائل عام 1948م، أرسل الشيخ حسن البنا- زعيم الإخوان المسلمين- قوتين صغيرتين من المتطوعين التابعين له من مصر، واتخذوا من منطقة غزة- خان يونس- قاعدةً لهم؛ حيث سارعوا إلى الإغارة على مستوطنات النقب اليهودية ناحية الشرق، وقد احتفظ قائدهم باتصالات وثيقة مع المفتي أمين الحسيني".

12. ويقول الأستاذ أحمد حسين رئيس حزب "مصر الفتاة": من برقية له لأسرة المستشار حسن الهضيبي- المرشد العام للإخوان المسلمين بعد الإمام البنا- "لقد سألني صحفي قال إنه سينشر حديثي في مجلة (الجديد) سألني: ما رأيك في دور الإخوان المسلمين في معركة فلسطين؟ فأجبته بأنه كان أعظم الأدوار، حتى لقد كانوا هم الذين أنقذوا الجيش المصري من الوقوع في كارثة عندما حموا مؤخرته، وهو يتراجع" (260)

المطلب الثالث: الصحافة ترصد جهاد الإخوان

1. جريدة الدفاع الفلسطينية قالت في عددها الصادر يوم الإثنين 12\4\1948م: بدأت المعركة (معركة كفار ديروم) صباح السبت 10\من أبريل سنة 1948م، وقام المجاهدون العرب من مراكزهم بجوار قرية دير البلح تتقدمهم فرقة كوماندوس تابعة للإخوان المسلمين بهجوم على مستعمرة كفار ديروم الواقعة شرقي محطة دير البلح وبدأ الهجوم بإطلاق قنابل مدافع الهاون التي كانت تتساقط على مباني المستعمرة ودمرت قسماً كبيراً منها

وفي الوقت نفسه كان فريق من المجاهدين العرب يطلق الرصاص بكثرة على المستعمرة لحماية أفراد فرقة كوماندوس الإخوان المسلمين الذين تسللوا داخل المستعمرة في برهة قصيرة، وأبدوا براعة فائقة في إزالة الألغام التي كانت تحيط بالمستعمرة كما قطعوا الأسلاك الشائكة حوله وبث بعضهم الألغام تحت بعض مبانيها فتهدمت على من فيها من عصابة الهاغانا (261).

2. جريدة أخبار اليوم المصرية نشرت بتاريخ 5/6/1948م، على صفحتها الأولى صورة لمجاهد الإخوان البطل حسين حجازي وتحتها عنوان (هو الآن اسمه بطل تل بيوت)، وقالت: "بعد أن تلقى حسين حجازي التعليمات من أحمد عبد العزيز قائد الفدائيين بنسف مستعمرة تل بيوت زحف حسين حجازي ومعه أربعة من الفدائيين على بطونهم بين الأحجار والأشواك والعقارب مسافة أربعة كيلومترات حتى تمَّ نسف المستعمرة، وبدون خسائر، وعاد ليتلقى تهنئة قائده، ولُقب بـ"بطل تل بيوت" (262)

3. جريدة الناس العراقية قالت في تقريرها العسكري المنشور بتاريخ 7/11/1948 ما نصه: "امتاز اليومان الماضيان ببسالة منقطعة النظير من مجاهدي الإخوان المسلمين في فلسطين؛ فقد استولى اليهود في شمالي غرب بيت لحم- بعد محاولات عديدة- على جبل مرتفع يسمى (تبة إلىمن)، ويشرف على قرى الولجة وعين كارم والمالحة وما جاورها، وبذلك أصبح اليهود يهددون كل المناطق المحيطة بتبة إلىمن، وقد رأت قيادة الجيش المصري ضرورة تطهيرها من اليهود، فجنَّدت لذلك عددًا من مجاهدي الإخوان المسلمين في صور باهر، فتقدمت سرية منهم، ولم تمر ساعة واحدة حتى كانت هذه السرية قد قضت على القوة اليهودية، وغنمت أسلحتها وذخائرها، وحررت قرية الولجة، وأصبحت تسيطر على منطقة واسعة، وقد أصدرت قيادة الجيش المصري أمرًا بتسمية الجبل الذي تم تطهيره باسم "تبة الإخوان المسلمين" (263).

4. مجلة روز اليوسف المصري يقول الصحفي المصري إحسان عبد القدوس مقالاً له بتاريخ 27/11/1951م، قال فيه: "والإخوان المسلمون اليوم- كما كانوا بالأمس- هم الذين يمثلون دعوة الدين إلى الجهاد، وبفضل دعوتهم هذه شهدت ساحات فلسطين أبطالاً منهم، وقفوا وقفة العمالقة، وهتفوا باسم الله، فإذا البطل منهم في صورة عشرة أبطال، ولا يستطيع ضابط ممن اشتركوا في حملة فلسطين، أو مراقب ممن راقبوا معاركها أن ينكر فضل متطوعي الإخوان المسلمين فيها، أو أن ينكر بطولتهم وجسارتهم على الموت، والعبء الكبير الذي تحملوه منها، راضين فخورين مستشهدين في سبيل الله" (264).

5. وكتبت مجلة حائط بالجامعة العبرية تعليقًا تحت صورة الإمام حسن البنا: "إن صاحب الصورة كان أشد أعداء إسرائيل لدرجة أنه أرسل أتباعه عام 1948م من مصر ومن بعض البلاد العربية لمحاربتنا وكان دخولهم مزعجًا لإسرائيل لدرجة مخيفة.

6. وتقول جريدة الكتلة المصرية التي كان يصدرها مكرم عبيد باشا: مئة وأربعون من متطوعي الإخوان المنضمين إلى قوات الجامعة العربية لإنقاذ فلسطين دخلوا أرض الميعاد قبل دخول الجيوش العربية ببضعة أشهر تولوا خلالها حماية كل شبر من قرى العرب وأراضيهم في جبهة تمتد شمالاً من رفح إلى المجدل أي أكثر من سبعين كيلو مترًا حتى إذا وثبت جيوشنا البواسل كانوا هم الفدائيين في المقدمة.

7. وتقول صحيفة (الناس) العراقية يوم 7/11/1948م: امتاز اليومان الماضيان ببسالة منقطعة النظير من مجاهدي الإخوان المسلمون في فلسطين... إلخ.

وفي عام 1965م نشر الكاتب اليهودي "إيرل برغر" كتابًا بعنوان "العهد والسيف"، قال فيه: "إن المبدأ الذي قام عليه وجود إسرائيل منذ البداية هو أن العرب لا بد أن يبادروا ذات يوم إلى التعاون معنا، ولكن هذا التعاون لن يتحقق إلا بعد القضاء على جميع العناصر التي تغذي شعور العداء ضد إسرائيل في العالم العربي وفي مقدمة هذه العناصر رجال الدين المتعصبين من أتباع الإخوان المسلمين.

المطلب الرابع: معوقات في طريق جهاد الإخوان

لم يكن الإخوان في جهادهم يواجهون اليهود فحسب، وإنما كانوا أيضا يواجهون تخاذل الحكام والقادة العرب أو كثير منهم. وتعويقاتهم وربما خيانات بعضهم.

فقد كان البنا يعلم حقيقة المؤامرة على فلسطين ويدرك خطورة قيام دولة لليهود على أرضها الطهور، وكان يعلم في الوقت نفسه حقيقة الحكام المتواطئين مع الأعداء أو الخائرين أمامهم، ولكنه كان يرى ضرورة توحيد الجهود وبوصلة الجهاد في مواجهة اليهود، ولم يكن يرغب ولا يرى الاصطدام مع نظام فاروق إذ يرى هؤلاء ذيلاً، والأصل الاشتغال بالتخلص من رأس الأفعى ولذلك جمع الجهود ووجه الإخوان للجهاد في فلسطين وأرسل إلى مكاتب الجماعة في البلدان: سورية والعراق والأردن والسودان وداخل مصر إلى حشد الطاقات لمواجهة اليهود.

وقدم شباب الإخوان كل طاقاتهم وإمكاناتهم في الجهاد ويوجد قصص فخار يضيق المقام عن ذكرها وقصة عبد السلام عجلان التي سبق ذكرها واحدة من قصص البطولة والفداء.

ويذكر الدكتور الملط كيف أن أطباء الإخوان رفضوا أن يستلموا رواتب عن تفرغهم وجهادهم (265).

ولكن هذا الوعي والحرص من الإخوان لم يوفر لهم أجواء سليمة للقيام بواجب الجهاد والدفاع عن فلسطين، بل كانت الحكومات وخاصة الحكومة المصرية تعمل جاهدة لإشغال الإخوان عن فلسطين وقد مارس النظام المصري الإرهاب لصد وتعطيل مسيرة جهادهم. وقطع عنهم الإمداد في ساحة المعركة وهم على أرض فلسطين وعاش مجاهدو الإخوان، كما يروي كامل الشريف الأيام الطوال على التمر والماء والخبز الذي يشترونه من أموال قليلة يرسلها إليهم أهلوهم، يتأسون في ذلك بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يربطون على بطونهم الأحجار (266)،ولم يقف الأمر إلى هذا الحد بل ألقى فاروق أوامره بتمزيق جموع الشباب المجاهد في فلسطين ولما كانت كتيبة أحمد عبد العزيز أخطرها حيث كانت تحاصر مستعمرات اليهود في القدس، وخشيت الأنظمة وأسيادها أن يسيطر أحمد عبد العزيز على القدس ويطهرها من الغاصب، لذلك أرسل الملك فاروق صلاح سالم وقتل أحمد عبد العزيز، أو أرسلوا له على أن الملك يريد مقابلته وقتلوه، وشتتوا كتيبته من بعده ثم لما رفض حسين حجازي تسليم كتيبته لمن أرسلته الأنظمة، يعلم أن سيسلمه لديان، أخذوه للسجن في الخليل بتهمة جاسوس مصري وأوعز فاروق لجيشه باعتقال كتائب الإخوان في النقب وفي غزة وخرجوا مجاهدين وعادوا إلى السجون بل إن تفتخر به مصر وتعتز بجهادهم

وكان الجيش العراقي يردد (ماكو أوامر) أي: لا يوجد أوامر، وكان قائد جيوش العرب لتحرير فلسطين كلوب باشا وحلت جماعة الإخوان لتفتر الحرب لتمرير الاستسلام 8/ 12/ 1948م، وقتل حسن البنا رحمه الله تعالى في 12/2/1949م والهدف من ذلك إشغال الجماعة بنفسها عن مواجهة الأعداء وفضح العملاء وتلبية نداءات الأسياد. وبعد 5 سنوات 1954م قدم قيادات الجهاد في فلسطين للمحاكمة على يد عبد الناصر وكانوا يسألون عن جهادهم في فلسطين، ونفذ حكم الإعدام في عدد منهم عبد القادر عودة ومحمد فرغلي من مكتب الإرشاد ويوسف طلعت ومحمود عبد اللطيف وكانت جريمتهم الحقيقة جهادهم في فلسطين.

ولا شك أن لهذا أثره في تأخر انطلاقة الجهاد في مواجهة اليهود بعد ذلك حيث أصبح قيادات الإخوان لا سيما في مصر ما بين سجين وشهيد ومحتجز. ومشغول بلملمة الأمور التي يثيرها الطغاة عليهم ظلماً وعدواناً.

ومعلوم أن البنا رحمه الله تعالى دفع فاتورة حبه لفلسطين وجهاده وإخوانه في سبيل الدفاع عنها، ودفعت الجماعة فاتورة جهدها وجهادها فاستشهد البنا وحُلّت قبل استشهاده الجماعة لو كانت هذه الدول فعلاً تعيش حالة حرب مع المعتدين على فلسطين لا يمكن لها الاشتغال بتصفيات داخلية ولكن واضح أن مسيرة هؤلاء الأطهار كانت حملاً وثقلاً على هذه الحكومات المصنوعة وعلى المعتدين على حد سواء (267) .وكانت جماعة الإخوان تشكل إحراجاً لمن مشوا في طريق الخيانة والتفريط، لذا كان العمل على تقويض الجماعة وبأوامر من أمريكا وفرنسا وبريطانيا الذين اجتمعوا وقرروا حل الجماعة وتولى النقراشي التنفيذ.

المبحث الخامس: دور الإخوان المسلمين في المرحلة ما بعد 1948- 1987م

لم يشفع للإخوان بلاؤهم وجهادهم دفاعا عن فلسطين بل كما أوضحنا فتح عليهم أعين الأنظمة وأثارت تضحياتهم ريبة النظام في مصر، يقول كامل الشريف (ولقد قال لي أحد كبار المسؤولين من الميدان وقد حمل إلى أمر تسريح الإخوان من عرب فلسطين الذين ضممناهم إلينا من الميدان أن الحكومة تنظر بعين الريبة إلى حركات الإخوان وتخشى أن يؤلفوا جيشاً في فلسطين يكون بعد ذلك خطراً كبيراً على سلامة الدولة، ولست أدري أية دولة تلك التي تهمهم سلامتها حقاً، لقد كان الإخوان خطراً كبيراً على دولة (إسرائيل) ولذلك تعرض الإخوان في أعقاب الحرب لحملة ظالمة حيث حلت الجماعة واغتيل الإمام حسن البنا ووضع أكثر قيادات بل وكوادر الحركة في السجون. وما لبثوا أن انتقلوا بذرائع مصطنعة من قبل النظام من محنة إلى محنة، ولا شك في أن الإخوان أشغلوا عما كانوا يعدون أنفسهم له بشأن قضية فلسطين إذ كانوا يرون ألاّ عودة لهم من فلسطين إلاّ بإخراج اليهود منها مهزومين، وكما أوضحنا فقد شهد ببلائهم وتضحياتهم العدو والصديق، ولكن ما ابتلوا به أشغلهم.

وكانوا يهيئون أنفسهم لحرب استنزاف مع كيان الغصب الناشئ ينغص عليه معيشته وبنزع استقراره حتى يتحقق جلاؤه عن أرض فلسطين.

وبعد ذلك ب 5 سنوات أعلن عبد الناصر قد أعلن أنه ألقى القبض على سبعةَ عشرَ ألفاً من الإخوان المسلمين وقال لئن عفونا المرة الأولى فلن نعفو المرة الثانية وصب عليهم العذاب صبا، وأعدم من أعدم من القيادات

يقول محمد قطب راجعت تاريخ الاضطهاد في البشرية فلم أرى جماعة اضطهدت وعذبت مثل الإخوان المسلمين في مصر اللهمّ إلا ما كان في محاكم التفتيش (268)، ومع ذلك لم يتوقف دور الإخوان في هذه المرحلة تجاه قضية فلسطين وإن تراجع عن المأمول بسبب انشغال الجماعة بجراحاتها وظروفها الملجئة، وتمثل دور الجماعة فيما يلي:

المطلب الأول: النشاط الإعلامي والتعبوي من قبل التنظيمات الإخوانية في الأقطار:

فعقدوا المؤتمرات وأقاموا المناشط التعبوية والتربوية والمخيمات لإعداد الجيل وتقدم قيادات الإخوان المسيرات بل انتقلوا من بلد إلى بلد من أجل قيادتها والتحريض وتعبئة الشعوب وتفعيل دورها حيث أمكنهم ذلك وقاموا وفي هذا الباب سلسلة من الأعمال الجليلة والمفيدة التي تدلل على تفاعل الجماعة مع القضية على وفق وسعها في كل ظرف.

فقد كان للإخوان في سوريا والأردن والعراق دور مهم في رفع معنويات الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية بعد ‏الإحباط الذي أصابهم إثر نجاح اليهود في إقامة دولتهم في الجزء الذي احتلوه من فلسطين.‏

وتبنت صحافة الإخوان المتاحة حينذاك، القضية الفلسطينية والتعبئة لصالحها فكانت الصحف التابعة للجماعة مثل "الكفاح الإسلامي" في الأردن و"المنار" و "الشهاب" في سوريا، "الأخوة الإسلامية" في ‏العراق، "المسلمون" في مصر، "، وغيرها من الصحف المتعاطفة مع الإخوان، لا تخلوا أعدادها من متابعة القضية بكل شؤونها.

وزار المرشد العام الجديد الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله الأجزاء ‏التي لم تُحْتَل من فلسطين، ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسوريا ولبنان، ولرفع معنويات أبناء الشعب الفلسطيني ومواصلتهم في محنتهم تعهد بالعمل على بقاء قضية فلسطين على رأس أولويات الجماعة (269).

المطلب الثّاني: العمل العسكري والفدائي:

وقد كان العمل العسكري والفدائي الذي قام به الإخوان على مرحلتين وصورتين:

-الأولى: عندما شنَّت بريطانيا وفرنسا ودولة الكيان الصهيوني هجومًا ثلاثيًّا على غزة ومصر، امتشق إخوان غزة سلاحهم وتصدوا لليهود، كما ‏شارك إخوان مصر في قتال اليهود والبريطانيين والفرنسيين في بور سعيد والإسماعيلية، وكانت إذاعة العدوان التي تبث من قبرص ‏تحذر جنود العدوان ممن أسمتهم "شياطين الإخوان المسلمين". وقد قام الإخوان بعدد من العمليات الكبيرة التي أرهقت الإنجليز ومثلت السهم الأكبر في قرار انسحابهم.

وتحرك إخوان سوريا وفد السباعي طلباً لحكومته من أجل السماح للإخوان بالانضمام إلى إخوانهم في مصر وغزة في مواجهة الغزاة فاعتقل السباعي والكثير من أبناء الجماعة لهذا الطلب. (270)

-الثانية: وحين بدأ العمل الفدائي المسلح ضد الكيان الصهيوني من أغوار الأردن حيث شارك الإخوان المسلمون من جميع البلدان العربية، خاصة مصر ‏والأردن والسودان وسوريا والعراق واليمن في العمل الفدائي تحت مظلة "فتح" التي كانت يومذاك قريبة من الإخوان، وقام الإخوان ‏بأنجح العمليات الفدائية، وقدموا عددًا من الشهداء منهم المهندس صلاح حسن "مصري" (271)، والقائد الركن محمد سعيد باعباد "يمني" والشاب ‏عمود برقاوي "فلسطين" والطالب رضوان كريشان "أردني".. وكان الشهيد الدكتور عبد الله عزام والدكتور أحمد نوفل من أبرز قادة الإخوان في العمل ‏الفدائي. ويحدث الدكتور عبد الله عزام عن هذه الفترة فيقول أن الحركة الإسلامية قدمت في هذه الفترة ثلاث سرايا وكان لها أربع قواعد وكانت تحت اسم فتح وكان الناس يطلقون عليها قواعد الشيوخ..... وكان الوزير السوداني (محمد صالح عمر) على رأس إحدى هذه السرايا وكان أعضاؤها من كل التنظيمات الإخوانية من مصر وسوريا والعراق والأردن واليمن، وكانت هذه القواعد على علاقات طيبة مع الجيش الأردني والشعب الأردني، ويقول: أن قائد اللواء الأردني كان إذا لقي أحداً من شباب السرية أوقف له سيارته ليحملهم لشدة احترامهم لكتائب الإخوان، ولحميد صفاتهم وصدق تصرفاتهم، ويتحدث بتفصيل عن العلاقة مع العشائر الأردنية واحتضان الشعب الأردني للشباب المجاهد وحبهم له وكيف كان موقف الشعب عندما وقعت الفتنة بين الجيش والمنظمة... حتى إن العشائر وقفت على مداخل معسكرات الشيوخ لتمنع الجيش الأردني من إيذائهم، وقالوا نحورنا دون المس بهم وصدورنا دون إيذائهم.

وقال: (لقد خاض الإخوة كثيراً من المعارك وكان الجيش الأردني خير متعاون معنا، إذ أننا صدقناه فصدقنا، وعاملناه بالرجولة الإسلامية فعاملنا بالمروءة والنخوة البدوية).

((ونفذ مجاهدو الإخوان كثيراً من المعارك ضد الصهاينة المحتلين منها: معركة المشروع، ومعركة 5 حزيران 1970نفذها ستة من الإخوان وقُتِلَ فيها باعتراف اليهود 12 صهيونياً وكان دايان قد جاء بصحفيين أمريكيين ليثبت لهم أن العمل الفدائي قد انتهى فمثلت هذه العملية خيبةً له وتكذيباً عملياً لدعواه، واستشهد فيها ثلاثة من الأخوة منهم مهدي الإدريسي من قاعدتي – عبد الله عزام – وبلال مقدسي من قاعدة غزة، وكذلك عملية سيد قطب، واستشهد فيها صلاح حسن وهو من رتب لها ومعه أخوان آخران، ويقول عبدالله عزام رحمه الله تعإلى إن الإخوان في معسكرات الشيوخ قرروا اعتزال الفتنة التي دارت بين الجيش الأردني والمنظمة خوفاً من سفك دم حرام وفي هذه المعارك كلها استشهد من أبناء الإخوان ثلاثةَ عشرَ شهيداً)) (272).

المطلب الثالث: مواجهة التسوية المفرطة والتطبيع مع الكيان الصهيوني:

في نهاية السبعينات أو 1977م سار السادات فيما سماه مسيرة السلام والاعتراف بالكيان الصهيوني‏ وصالح اليهود على أن تكون حرب أكتوبر آخر الحروب.‏

وأقدم السادات على زيارة إسرائيل في 19 نوفمبر 1977م وعقد معاهدة كامب ديفيد فأعلن الأستاذ عمر التلمساني- مرشد الإخوان حينها -‎ ‎معارضته ومعارضة الجماعة لهذه الخطوة، ورفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتتابعت‎ ‎مقالاته التي تحذر من هذه السياسة في قوة ‏وشجاعة (273)، وبوضوح لا تردد فيه ومع أن السادات هو الذي أخرج الإخوان من السجون التي أودعهم بها عبد الناصر، وربما في زمنه حصل الإخوان على الأريحية و شيء من الحرية، وتمكنوا من الحراك والعمل. ولكن لم يقبل الإخوان أن يكون ذلك على حساب قضية فلسطين.

وأخذ الإخوان المسلمون عبر صحيفتهم مجلة الدعوة ‏وعبر الطلبة يعلنون تجريم تصرف السادات ومضار هذه المعاهدة وأثارها السلبية على المدى القريب والبعيد على المجتمع المصري ‏والعربي والإسلامي فكان ذلك يمثلُّ تحدياً للنظام حيث يقول الأستاذ التلمساني: «نحن ننظر إلى الأمر من الناحية ‏العقيدية التي تحرم على المسلم أن يرضى باقتطاع جزء من أرضه راضيا مختاراً». وكان للإخوان موقف مبكر من التطبيع مع الكيان الصهيوني حيث رأوا أنه يهدف إلى تطوير المشاريع الصهيونية وإيجاد سوقاً لها ويمكن الكيان من السيطرة والهيمنة والتحكم (274).

ومن هذا المنطلق أيضًا أكدّ المرشد العام للإخوان المسلمين في‎ ‎السبعينات الأستاذ عمر التلمساني على أن إقامة علاقات طبيعية ‏مع الكيان الصهيوني‎ ‎ليس له نتيجة إلا أن نسهل لهذا الكيان ونيسر له تحقيق أطماعه فيما حول فلسطين، ومن‎ ‎ثم أيضًا نتيح له الفرصة ‏للوصول إلى كافة أجزاء الوطن العربي وتحقيق أهدافه‎ ‎فيه.

وقام الإخوان بحملات نوعية ضد التطبيع وإيضاح مخاطره على فلسطين والأمة ورفضوا بشكل قاطع مفاوضات الحكم الذاتي وكامب ديفيد وتصدوا لكل ذلك بجرأة وقوة، وكان لهم تأثير في إفشال كل محاولات التطبيع الشعبي مع اليهود، ولقد نشرت صحيفة "الشرق الأوسط الصادرة في لندن في 5/7/1979م تحليلاً سياسيًّا ‏بعنوان: "الإخوان المسلمون في مصر.. نشاط متزايد ورفض مطلق للمعاهدة مع إسرائيل" (275).

المبحث السادس: الإخوان ما بعد انتفاضة الشعب الفلسطيني1987م

تبنت جماعة الإخوان المسلمين موقف حركة حماس من الاتفاق، حيث ترى حماس أن العملية السياسية التي توصلت إليها مفاوضات أوسلوا وما بدىء على أساسه في مدريد ووادي عربة كلها لا تختلف عن كامب ديفيد وبالتالي لا يمكن القبول بها، و لذلك تعتبر أن المقاومة هي الخيار الوحيد المتاح حالياً لكنس الاحتلال عن ‏فلسطين التاريخية، وأن أرض فلسطين من نهرها إلى بحرها، هي وقف إسلامي لا يجوز التفريط بشبر منه •‏ ‏وأكدت حركة "حماس أن السلام المقبول هو السلام العادل الذي يعيد الحقوق للشعب الفلسطيني ويمكنه من حريته وعودته واستقلاله وتقرير مصيره والعودة إلى أرضه ووطنه دون معوقات، وخروج المحتل وعودته أيضاً من حيث أتى. ولما كانت كل الاتفاقيات التي تمت لا تلبي الحد الأدنى من ذلك فهي مرفوضة.‏

إذ إن هذه الاتفاقيات كلها يقوم على أساس التسليم للعدو الصهيوني بحق الوجود في ‏معظم أرض فلسطين، وما يترتب عليه من حرمان الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني، من حق العودة، وتقرير المصير، وبناء الدولة ‏المستقلة على كامل الأرض، هذا هو موقف حماس بعد أوسلوا وهو موقف الإخوان المسلمين في كل البلاد.

وأما من الناحية العملية فقد تعاظم دور الإخوان المسلمين في هذه المرحلة تعاظماً كبيراً وأصبح من الممكن القول بأنه الدور الأعظم في الدفاع عن فلسطين فحماس هي الجناح العسكري للإخوان المسلمين في فلسطين وقد انطلقت بهذا الاسم منذ 1987م، وإن كانت قد بدأت أعمالها الجهادية قبل ذلك واعتقال الشيخ أحمد ياسين 1982 ومجموعته على خلفية جهادية عسكرية...إضافة إلى أن المرحلة السابقة كانت عند الإخوان في فلسطين مرحلة تربية وإعداد الجيل الذي أوكل إليه حمل القضية، واستعداداً للمساهمة في رفع راية الجهاد والمقاومة في فلسطين، ولم يكن هذا ديدن الإخوان الفلسطينيين في فلسطين وحسب بل إن الإخوان الفلسطينيين خارج فلسطين في الأردن وقد كان التنظيم [[الإخواني في فلسطين يتبع لتنظيم الإخوان في الأردن فكان للتنظيم في الأردن دوره في الإعداد وإقرار تأسيس حماس ورعايتها، وكذلك بدأ الإخوان الفلسطينيون في الكويت يعدون مبكراً للعمل الجهادي في فلسطين، والتقت إرادة الإخوان الفلسطينيين في أماكن وجودهم على التحرك للعمل الجهادي المقاوم في وجه المحتل الغاصب، وبدأت حماس جهادها الميمون، وتطورت أعمال الجهاد والمقاومة الإخوانية والحمساوية في فلسطين سراعاً حتى وصلت إلى الواقع اليوم الذي يمكن معه القول بأن حركة حماس هي أس المقاومة في فلسطين مع عدم نسيان الفضل لمن سبق ما استمر ولا لمن يحمل لواء المقاومة والجهاد من كل الفصائل الفلسطينية... وبالتأكيد أن بحثنا هذا لا يشمل الحديث عن هذه التجربة وبيان تفصيلاتها ومحطاتها وقد كُتبت فيه أبحاث وكتب ولذلك سوف أقتصر القول فيهذه المرحلة عن دور الإخوان المسلمين من خارج فلسطين.

فقد كان موقف الإخوان المسلمين في كل البلاد هو المساندة التامة مادياً ومعنوياً وإعلامياً وسياسياً لحركة حماس وفصائل المقاومة عامة في جهادها ضد المحتلين بل وعسكرياً حيث أمكن ذلك ويمكنني القول إن الإخوان المسلمين وفي كل البلاد قد جعلوا نجاح حماس في جهادها ومقاومتها للمحتل على رأس أولويات أعمالهم.

وربما نقولها صريحة واضحة أنه بعد توفيق الله لولا وقفة الإخوان المسلمين خاصة وأبناء الأمة عامة ودعمهم لحماس في مشروع المقاومة ما كانت لتصل في تطوير المقاومة إلى ما وصلت إليه.

فمثلاً من الناحية المادية فرض الإخوان على أبناء تنظيمهم نوعين من الاشتراك: الأول لفلسطين والآخر هو الاشتراك التنظيمي المعتاد وكعادة أبناء التنظيمات يتهربون من دفع الاشتراكات، هذا بشأن الاشتراك للتنظيم، أما اشتراك المقاومة ودعم فلسطين فما يتخلف عن دفعها واحد من أبناء التنظيمات الإخوانية في شتى البلاد ولقد سمعت من أكثر من مسؤول من أكثر من بلد مثل (اليمن ومصر والأردن ولبنان والعراق وماليزيا وإندونيسيا).

إن الاشتراك المفروض لصالح المقاومة لم يتخلف عنه عنصر واحد بل إنها كانت تتحصل بأكثر من حسبتها الحقيقية، إذ يدفع كثير من أبناء التنظيم أكثر من المطلوب منهم قربة إلى الله تعالى وإحساساً منهم بضرورة المشاركة والمساهمة في الجهاد في فلسطين هذا فضلاً عن أن كثيراً من أبناء التنظيم يتسابقون ومن كل البلاد للمشاركة والعمل في أي إطار يخدم فلسطين والمقاومة إن كان ذلك في بلادهم وإطار تنظيماتهم أو انتداباً مع حركة حماس وفي كل أنواع العمل، وما الشهيد الزواري من تونس إلا واحد من هؤلاء ولقد خبرنا أبناء الإخوان في مصر والعراق وسوريا واليمن وتونس والجزائر ولبنان والأردن ولولا نفس هؤلاء جميعا ًخاصة ونفس الأمة عامة ما وصلت حماس إلى ما وصلت إليه وهي لن تستمر إلا بهم وبالأمة، ومن جهة أخرى وبعد ثورات الربيع العربي وفوز الإسلاميين كان لفلسطين شأن آخر. حيث شهد أهل غزة بل وأهل القدس انتعاشة كبيرة وازداد الأمل بالتحرير ورأى الجميع موقف الحكومة والدولة المصرية التي يتقدمها الإخوان المسلمون على حالة لم تكن عليها من قبل وكانت حرب 2012 من أبرز الدلائل على حياة فلسطين في قلوب أبناء الإخوان وتسخر كل الإمكانات لخدمتها. وكانت مواقف الرئيس محمد مرسي رحمه الله تعالى لا تحتاج إلى شرح، ربما نقول أنه رحمه الله كالسلطان عبد الحميد الثاني دفع موقعه ثمناً لتبنيه قضية فلسطين وعموم قضايا الأمة، ونصرته للمظلومين من أبناء الأمة.

وبعد الانقلاب على الشرعية في مصر ومن داخل القفص في المحكمة أمام قضاة القضاء الانقلابيّ جاءت كلمات المرشد العام محمدّ بديع فك الله أسره، حين قال: "إن قيادات وأعضاء الجماعة معتقلون حتى تتم تصفية القضية الفلسطينية، وتابع: "فلسطين قضيتنا الأبدية، وقضية الأمة العربية والإسلامية، نحن محبوسون لإتمام البعض "صفقة القرن".

وأضاف: "إن كل شيء يهون من أجل فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، وإن الأمة الإسلامية لن تقوم لها قائمة حتى تنصر فلسطين".

ورد "بديع" على اتهام القاضي له بالتحريض بدعوى الدفاع عن فلسطين، بأن طالبه بإخراج المعتقلين من أعضاء الجماعة، حتى يقاتلوا من أجل فلسطين.

وفي سياق الحديث عن فلسطين والقدس، أكد مرشد جماعة الإخوان، أن الجماعة قاتلت في فلسطين، واستشهد العديد منها، وقال إن الأرض التي يقفون عليها "تُباع"، مع أن المرشد بهذا الحال لو شغل بما يجري على أرض مصر وضد جماعته عن ذكر فلسطين لكان معذوراً، ولكن الأمر دلل على أن القضية تعيش في أعماقهم ولا تفارق جهدهم وحساباتهم. ويجري الحرص والغيرة عليها والعمل لها في عروقهم.

المبحث السابع: معالم في مستقبل دور الإخوان في القضية

لم ينته دور الإخوان إلى هذا الحد، والحق أن هذه الجماعة ما زال في جعبتها الكثير لتصدر العمل الإسلامي عامة، وريادة العمل للقضية الفلسطينية خاصة ويمكن أيضاً ذلك في نقاط مختصرة على النحو التالي:

أولًا: الحفاظ على استمرارية وجود حركة حماس. ‏

أن من أهمّ الواجبات التي ينبغي على جماعة الإخوان المسلمين الاضطلاع بها الحفاظ على بقاء حركة حماس قويّة متماسكة كونها رأس الحربة العاملة للقضيّة الفلسطينية في الجماعة والمشروع الأساسي في استنزاف الكيان الصّهيوني ومشاغلته، ولقد خسر الإخوان كثيراً من إنجازاتهم بسبب الطغيان والتآمر العالمي، ولا شك أن حماس هي من أكبر إنجازات الإخوان، وأن المؤامرات تدور على أكثر من صعيد لإفشالها وكسر شوكتها.

وهذا يقتضي من الجماعة اتخاذ القرارات والإجراءات التنظيمية في إطارين:

الأول: دراسة الإجراءات المعادية والمؤامرات التي تستهدف الحركة ووضع الخطط لمواجهتها ومتابعة تنفيذها على مستوى الجماعة كلّها الثاني: وضع الإجراءات اللازمة لدعم صمود الحركة وتطويرها على مستويات الدّعم المادية والسياسيّة والقانونيّة موضع التّنفيذ الحقيقي، واستعادة دور الجماعة في كل البلدان وتحريك أبنائها لتحقيق ذلك.

ثانيًا: مشروع التّحرير

من أوجب الواجبات التنظيميّة على جماعة الإخوان المسلمين الانخراط في مشروع التحرير في مستوياته الثّلاثة:

1.التخطيط: من خلال الاشتراك مع المجاهدين على أرض فلسطين وعموم قوى الأمة في وضع الخطط والآليات لمشروع التّحرير، وتعبئة المرحلة القادمة وتهيئتها للانتقال من حالة المشاغلة والمدافعة إلى حالة التّحرير، مما يقتضي وضع رؤية استشرافيّة لآليات العمل وتقسيم الأدوار على البلدان لمرحلة التحرير، ولما بعد التحرير أيضاً.

2.الإعداد: من خلال الإعداد البشري بتجهيز جيش التّحرير وقوات المقاتلين حيث يمكن ذلك وعدم الخضوع للمسموح الرّسمي بل انتزاع الممكن انتزاعا وعدم الخضوع للخطوط الحمراء مع الأنظمة حيث يمكن دفعها دون دخول في مواجهات غير مجدية مع هذه الأنظمة، وكذلك الإعداد المادّي من خلال إنشاء صندوق التحرير يكون خاصا بمرحلة التحرير ويتم تمويله من الجماعة وعموم أبناء الأمة. وأن يعرف كل صاحب إمكانيات مهمته وشراكته مع مراعات الوسائل التي لا تلحق بأصحاب الأموال أضراراً من جراء تفاعلهم.

3.التنفيذ: لا بدّ من إيجاد قنوات تنسيق حقيقيّة خاصّة بمشروع التحرير قنوات تنسيق بين الجماعة والمجاهدين على أرض فلسطين من جهة وبين الجماعة وعموم قوى الأمة الحيّة من مختلف الجماعات والتيّارات والمدارس الإسلاميّة الغيورة على القضية وهي كثيرة في الأمة، ووضع جدولة زمنية لمسيرة خطوات التحرير.

ثالثًا: العمق الاستراتيجي للمشروع

مطلوب بشدّة من الجماعة التي كانت صاحبة سبق في نقل القضيّة الفلسطينية من بعدها العربي القومي إلى عمقها الإسلامي أن تحافظ على العمق الاستراتيجي للقضيّة من خلال ما يلي:

1.نقل أبناء الامة الإسلاميّة من دائرة التّضامن مع القضيّة الفلسطينية إلى حالة المشاركة الفعليّة في أحداث القضيّة الفلسطينية.

2.العمل على زجّ أبناء الأمّة من أبناء الجماعة وغيرهم في مشروع العمل لأجل القضيّة الفلسطينية وذلك من خلال إبداع وسائل متجدّدة ومنها إحداث أطر عاملة تتجاوز حدود التنظيم لتشمل الأمة ويشعر من خلال أبناء الامّة جميعا بمسؤوليتهم العمليّة تجاه القضيّة الفلسطينية.

رابعًا: ترشيد مسيرة الجهاد والدعوة

إنَّ مفهوم الجهاد لم يتعرّض للتشويه في مرحلة من مراحل تاريخنا الإسلاميّ كما يتعرّض له في هذه المرحلة بسبب نشاط دوائر الفكر المعادي من جهة وتقديم بعض الجماعات المنتسبة إلى الفكر الجهادي صورة مشوهة للإسلام عمومًا وللجهاد على وجه الخصوص.

وهذا يوجب على جماعة الإخوان المسلمين وكل الخط الإسلامي الوسطي ترسيخ نموذج جهادي وسطي من خلال التنظير والتأصيل المكثّف له والتنفيذ العمليّ لتفاصيله وتقديم الصورة الراشدة للجهاد التي تقدّمها حماس مع البقاء على حالة المتابعة والترشيد لهذه الصورة الناصعة، وضبط مسار العملية الجهادية لتحافظ على نصاعة صورتها والحيلولة دون انجرارها إلى أي لون من ألوان الإفراط أو التفريط، أو التبعية لغير الخط الإسلامي المعتدل

خامسًا: لوبيات الضّغط:

إنَّ جماعة الإخوان المسلمين اليوم تشكل لوبيات ضغط وتأثير في مؤسسات السياسة الغربيّة وفي المجتمع الغربي عموما، وهذا يحتاج من الجماعة قرارات تنظيميّة تحمّل مسؤوليّة ذلك لكلّ أبناء الجماعة في الغرب وتشرك كلّ العاملين المخلصين من أبناء التّوجه الإسلامي وغير الإسلامي من خارج الجماعة وعدم إبقائها وقفا على التنظيم الفلسطيني الذي لن يستطيع بمفرده القيام بأعباء هذه المهمة على أكمل وجه بمفرده.

سادسًا: التوازن بين القضية الفلسطينية والقضايا المستجدة في الأمة ‏

بعد انطلاق ثورات الربيع العربي كان من الطبيعي ان تصبح القضايا المحليّة ذات أولويّة عند أصحابها، وهنا ظهرت حالة من التخبط الانفعالية بين كثير من النخب وقادة الرأي العام في مفهوم القضيّة المركزية وهل مطلوب من الشعوب التفاعل والاهتمام بالقضيّة الفلسطينية في ظل ما تعيشه الشعوب العربيّة من بحار الدماء بأيدي طغاتها ؟!!

وهذا يحمّل الجماعة مسؤوليّة كبيرة في ضبط المسار وترشيد الأفكار وتحقيق حالة التوازن دون تطفيف أو إخسار بين وجوب العمل للقضايا المحليّة مع بقاء جذوة العمل للقضيّة الفلسطينية مشتعلة لا تخبو ولا تتراجع أهميتها وأولويتها، وبين مجابهة الاستبداد والطغيان ووجوب مواجهة الاحتلال الصّهيوني.

سابعًا: متانة الصّفّ الدّاخلي

إنَّ أيّ تنازع أو شرخ او انشقاق أو استقطاب داخل جماعة الإخوان المسلمين أو أيّ تنظيم من تنظيماتها العاملة أو حتى التنظيمات الإسلامية الوسطية يؤثّر بشكل سلبيّ على القضيّة الفلسطينية.

وهذا يستدعي أن تهتمّ الجماعة وكل العاملين للإسلام بتمتين جبهتهم الدّاخليّة وتقوية صفّهم التّنظيمي والعمل بكلّ الوسائل على حلّ الخلافات وتداركها قبل أن تتفاقم.

كما أنّه ينبغي على الجهاز التربوي في هذه الأجسام والتنظيمات تضمين مخاطر اختلاف القلوب وتشرذم الصف وتفتت البنية التنظيمية على قضيّة فلسطين، بحيث يستحضر أبناء وقيادات العمل والعاملين فيها أنّهم حين تحتدم الخلافات ولا يقومون بحلّها بما يضمن وحدة الصف وتماسكها فإنّهم بذلك يطعنون القضيّة الفلسطينية فضلاً عما يلحظونه بالأمة الإسلامية من خسائر كبيرة تضعف مشروعها وتعطل مسيرة تقدمها.

خاتمة البحث وخلاصته

خلاصة هذا البحث يمكن إجمالها في النقاط التالية:

1- إن نظرة الإخوان المسلمين لقضية فلسطين كانت نظرة عقائدية إيمانية، انطلقت من نظرتهم لوحدة الأمة وأرضها وبالتالي رأوا أنفسهم شركاء حقيقين للشعب الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني، وإن الواجب الشرعي يحتم هذا الموقف... وكانت نظرتهم إلى الوطن تدور في دوائر ثلاث، دائرة الإقليم والقوم والدين.

2- إن الإخوان كانوا من أول من تنبه للخطر الصهيوني ونبه إليه، وكان دورهم فاعلاً منذ البداية، ولذلك تحرك الإمام البنا رحمه الله مبكراً وحرك جماعته لا في مصر وحدها وإنما حيث امتدت ليبث الوعي للخطر الداهم، وجعل من الإخوان رأس حربة في مواجهة المشروع الصهيوني بل كان دورهم مشهوداً في توعية أبناء الشعب الفلسطيني من خلال تردد دعاة الإخوان وفي مقدمتهم سعيد رمضان

3- إن الطريق لم يكن ممهداً أمام الإخوان للقيام بدورهم كاملاً كما أرادوا حيث طلب الإمام البنا رحمه الله أن يخلى بين الإخوان واليهود ولكن النظام العربي المصنوع على عين الأعداء وبأيديهم وضع العراقيل في طريق جهاد الإخوان بمنع الدخول إلى فلسطين أحياناُ وقطع السلاح والتمويل أحياناً، وحتى اضطروا إلى أخذ إذن الرحلة إلى سيناء وليدخلوا إلى فلسطين، وحل الجماعة ومصادرة السلاح والاعتقال أخيراً أثناء المعركة.

4- إن شهادات الأصدقاء والأعداء على حد سواء دلت بوضوح على عظيم الدور الذي قام به الإخوان المسلمون تجاه قضية فلسطين عامة وفي حرب 1948 خاصة.

5- إن جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين 1948 م وإن لم يمنع احتلالها إلا أنه جعل لدخول الصهاينة ثمناً باهظاً، وقد كبد الإخوان اليهود خسائر فادحة ودحروهم من مواقع عدة، حتى قيل إن الإخوان هم من حفظوا غزة من السقوط أيضاً في أيدي اليهود، فكفار دوريم، وصور باهر، والقدس، وغزة، والخليل، وحيفا، ورامات راحيل، والعسلوج، وغيره كثير كلها مواقع شاهدة على بلاء الإخوان وجهادهم وإنقاذهم الجيوش النظامية في أكثر من واقعة، وكما أوضحنا فقد كان اليهود يتحاشون المواقع التي يسيطر عليها الإخوان ويخافون اقتحامها.

6- خطة الإخوان بعد انتهاء الحرب، واستعداداتهم كانت تقضي باستمرار استنزاف العدو ومقارعته حتى إخراج آخر جندي من أرض فلسطين، ورسالة البنا رحمه الله لإخوانه في ساحة المعركة بعد حل الجماعة بعدم الالتفات لهذا الأمر، وإن مهمتهم لا تنتهي إلا بخروج آخر جندي صهيوني من فلسطين دليل على ذلك.

ولكن ما حصل للإخوان في بلادهم بعد عودتهم بل قبل عودتهم حال دون تحقيق ذلك، فضعف دور الإخوان في فترة ما بعد الحرب، لتكبيلهم بالاتفاقات التي أجرتها الحكومات ولما لحق بهم من إشغال من قبل الحكومات لا سيما مصر.

7- مما أصبح واضحاً أن الدول العربية الخاضعة بالكلية للمستعمر الذي كان وما يزال يتحكم بقرارها، كانت قد وافقت على قرار التقسيم ولكنها لا تستطيع أن تمرر ذلك على الشعوب إلا من خلال حروب صورية تسقط فيها فلسطين، وإن جهاد شعب فلسطين من جهة والإخوان من جهة أخرى كبد اليهود خسائر كانت القرارات الدولية تريد إعفاءهم منها وإعطاءهم فلسطين دون بذل هذه الخسائر، ولذلك عوقب الإخوان، وفي كثير من الأحيان كان منع السلاح عن الإخوان يعلل بأنهم تجاوزوا الحدود المرسومة لهم من قبل قيادتهم وهي مرسومة لقيادة الدول العربية من قبل الأعداء.

8- على الرغم مما حل بالإخوان بعد حرب 1948م إلا أن دورهم لم ينته، وتولت التنظيمات في البلاد الأخرى عدا مصر، سوريا، الأردن، العراق، دوراً مهماً في إعداد الأجيال لخوض حرب التحرير وتثبيت الشعب الفلسطيني.

9- من أبرز آثار جهاد الإخوان ودورهم في فلسطين تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس التي كانت الجناح العسكري للإخوان في فلسطين، ولا شك أن دعم الإخوان لهذه الفكرة في العالم كان له السهم الأكبر في تحقيق هذا الإنجاز بالإضافة إلى فاعلية حراك الإخوان الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها.

10- دور الإخوان المسلمين لم ينته بعد وهو كما قال البنا رحمه الله لا ينتهي ما دام جندي صهيوني على أرض فلسطين.

وبالتالي فإن الدور المستقبلي للإخوان في فلسطين يتمثل بالاجتهاد للحفاظ على العمل المقاوم في فلسطين قوياً، وتجنيد طاقاتها لدعم هذا المشروع، ثم تليه مرحلة ينبغي أن تبدأ مباشرة وهي الإعداد الشامل لمشروع التحرير والمشاركة المباشرة فيه من كل الأقطار، فهي مرحلة انتقال من دعم الفلسطينيين إلى مشاركتهم، وهذا يقتضي تحشيد الأمة، التي تمثل العمق الاستراتيجي لهذا المشروع، وفي هذا الطريق فإنه يجب على الإخوان وغيرهم من الإسلاميين الإطلالة المباشرة على العمل المقاوم والسعي لترشيده وتطويره بكل متاح.

ولا بد للإخوان ومعهم كل الخط الوسطي الإسلامي تحقيق التوازن بين القضية المركزية للأمة وعموم القضايا المستجدة التي لا يجوز نسيانها كما لا يجوز أن تشغل عن قضية فلسطين والأقصى.

أخيراً لا بد من البدء في تأسيس عمل جهادي وإعداد جيش الأقصى في كل بقعة أرض حسب الممكن وليس حسب المسموح به رسمياً، حيث ساعة الحسم أضحت قريبة وتحتاج إلى استعداد وتهيئة، ومن يدخل الحرب بلا استعداد يخرج مهزوماً منها.

ولن يحرر فلسطين ويطهرها من رجس الغاصبين إلا الأيدي المتوضئة من المسلمين الصادقين من إخوان وسلفيين وصوفيين وتبليغ وتحرير وغيرهم من أهل الإيمان والغيرة وأصحاب الخط المعتدل بعيداً عن الإفراط والتفريط، فلا استباحة للدماء واستسهال لسفكها بسبب وبلا سبب، ولا خنوع وقعود يمكن للأعداء ويطيل عمر عدوانهم على أرضنا ومقدساتنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

31/ 8 /2019م

1/ محرم/1441ه

مراجع البحث

1 الإخوان المسلمون في حرب فلسطين 1948-1949 م/ كامل الشريف ط4سنة 1430هـ-2009 م.

2 ماذا قدم الإخوان المسلمون لمصر والإسلام / عامر الشماخ مؤسسة اقرأ ط1 سنة 1432ه-2011م.

3 القدس قضية كل مسلم /أ.د يوسف القرضاوي

كتاب القدس 9/ مركز الإعلام العربي ط1سنة 1423ه -2002م.

4 صفحات من بطولات الإخوان في فلسطين /المستشار عبد العقيل / دار المأمون للنشر والتوزيع ط7 سنة1435ه-2014م.

5 في رحاب الإخوان والدعوة/ د. جابر قمحية تقديم/ المستشار عبد الله العقيل /مركز الإعلام العربي ط 1/ سنة1432ه-2011م.

6 حسن البنا مذكرات الدعوة والداعية / حقيقة الجماعة تعلم مؤسسها تقديم/ المستشار عبدالله العقيل والعلامة أبو الحسن الندوي/ مركز الإعلام العربي ط3 سنة /1432ه-2011م.

7 مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا /للإمام البنا دار التوزيع والنشر الإسلامية سنة 1412ه-1992م.

8 الإمام حسن البنا والقضية الفلسطينية / د. محسن صالح مجموعة من النشرات على النت:

أ‌- جهاد الإخوان في فلسطين شهادات ورؤى.
ب‌- جهاد الإخوان في فلسطين والقناة.
ت‌- تاريخ الإخوان المسلمين في فلسطين إعداد ويكيبيديا الإخوان المسلمون.
ث‌- مجموعة من المراسلات التي قام بها الإمام البنا والمودودي عليها عبر موقع الإخوان على النت.

9 تصور الإخوان المسلمون للقضية الفلسطينية / د. عبد الفتاح العويس-/ على النت.

10 حماس الجذور التاريخية والميثاق / د. عبد الله عزام طبعة خاصة بلجنة شباب فلسطين بالندوة العالمية للشباب الإسلامي وبإذن خاص من ورثة المؤلف د.