الإخوان المسلمون وأحداث السبت الأسود (حريق القاهرة)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون وأحداث السبت الأسود (حريق القاهرة)


مقدمة

كانت البلاد تعيش حالة فوضوية في هذه الفترة، فالمحتل منشغل بالضربات التي يوجهها له الشباب الفدائي على أرض القنال.. والملك في صدام دائم مع حزب الوفد .. والأحزاب مشتتة ليس لها مرسى تقف عليه في انتظار أوامر مولانا في تكليف أحدهم بوزارة.. وشعب يحترق من الأوضاع الاقتصادية والسياسية بعدما تضاعفت معاناتهم بعد ضياع كثير من اولادهم وقتما ضاعت فلسطين بخيانة حكامنا وصفقات السلاح الفاسدة..

وضباط في الجيش تحترق من الهزيمة التي نالوها أثناء التصدي لبعض عصابات الصهيونية بل ووقوعهم أسرى في أيدي هذه العصابات وحصارهم في الفالوجا لما يزيد عن ثلاثة أشهر، غير فساد الأسلحة التي كانت ترسل لهم.

كانت البلاد بحق تعيش على حمر من نار في كل ركن من أركانها، وأصبح الجميع ينام ويستيقظ ولا يدري ما الذي سيحدث، حتى تنامت لهم المذبحة التي قام بها المحتل البريطاني يوم 25 يناير 1952م ضد بعض رجال الشرطة المصرية القائمين على حراسة مبنى محافظة الإسماعيلية بعدما رفضوا تسليم مبني المحافظة للقوة البريطانية في معركة غير متكافأة والتي كانت صدمة لجموع أفراد الشعب.

نام الشعب مقهورا متحسرا على وطنه الضائع إلا أنه استيقظ على مصيبة عظمي .. القاهرة تحترق. ففي يوم السبت (سمى بالسبت الأسود) الموافق 26 يناير 1952م - 29 ربيع الأخر 1371هـ تفاجأ الجميع باندلاع النيران في الكثير من مناطق القاهرة، وخروج مظاهرة ضخمة لعساكر بلوكات النظام وهم يهتفون "نريد السلاح.. نريد السلاح.. أين السلاح يا نحاس" .. ومضت المظاهرة تجوب الشوارع والميادين، تتضاعف وتزداد كثافتها من وقت إلى آخر، بعدما التحمت الجماهير الغاضبة معها منددة بوحشية الاستعمار.

تحركت المظاهرات الغاضبة وأفراد بلوكات النظام "الأمن المركزى الآن" في عدة مواقع بالعاصمة، والتحم معها طلاب الجامعة في الجيزة، لتتحرك إلى مبنى مجلس الوزراء.. وأمام مجلس الوزراء تصاعدت الهتافات لتطال رئيس الحكومة، مصطفى النحاس "باشا"، منددة بما حدث في الإسماعيلية، فخرج عبدالفتاح حسن، وزير الشؤون الاجتماعية، إلى المتظاهرين وحاول تهدئتهم، فقاطعوه في البداية، ثم استمعوا له عندما أكد "أن الحكومة ستقطع علاقاتها مع بريطانيا نهائياً".

ففي الفترة ما بين الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرًا والساعة الحادية عشرة مساءً التهمت النار نحو 300 محل بينها أكبر وأشهر المحلات التجارية في مصر مثل شيكوريل وعمر أفندي وصالون فيردي، و30 مكتبًا لشركات كبرى، و 117 مكتب أعمال وشققا سكنية، و 13 فندقًا كبيرًا

منها: شبرد ومتروبوليتان وفيكتوريا، و40 دار سينما بينها ريفولي وراديو ومترو وديانا وميامي، و 8 محلات ومعارض كبرى للسيارات، و 10 متاجر للسلاح، و73 مقهى ومطعمًا وصالة منها جروبي والأمريكين، و 92 حانة، و 16 ناديًا. وقد أسفرت حوادث ذلك اليوم عن مقتل 26 شخصًا، وبلغ عدد المصابين بالحروق والكسور 552 شخصًا، وقد ذكر محمد نجيب في مذكراته أن القتلى كانوا 46 مصريًا و 9 أجانب.

فاقت الخسائر كل التوقعات ولهذا كان من المنطقي أن يطلب الملك من حكومة الوفد إعلان الأحكام العرفية، ولم تمض إلا ساعات على إعلانها حتى أقال الملك وزارة الوفد ، وكأنما أراد الملك أن يتحمل الوفد وزر إعلانها ولكن لتكون في خدمة وزارة أخرى.

كان واضحا أن المظاهرات خرجت عن إطارها السلمي وتحولت من مظاهرات عفوية إلى مظاهرات منظمة ومخربة

حريق في ظروف غامضة

كانت البلاد تعيش في هذا الوقت ظروف عصيبة حيث اشتعلت جبهة القتال بين الشباب الفدائي من طلاب الإخوان وغيرهم وبين القوات البريطانية على طول خط القنال.

ففي 16 يناير 1950، وعلى لسان "مصطفى النحاس" رئيس الوزراء آنذاك أن معاهدة 1936 "قد فقدت صلاحيتها كأساس للعلاقات المصرية البريطانية، وأنه لا مناص من تقرير إلغائها". وفي 18 أكتوبر 1951، وقف "مصطفى النحاس" ليعلن إلغاء المعاهدة وملحقاتها، وسط تأييد حافل من نواب الحكومة والمعارضة.

أدى إلغاء المعاهدة إلى إلغاء الامتيازات والإعفاءات التي كانت تتمتع بها القوات البريطانية الموجودة في مصر، مثل: إلغاء جميع الإعفاءات المالية التي تشمل الرسوم الجمركية على المهمات العسكرية والأسلحة والعتاد والمؤن، وكذلك الرسوم المستحقة على السفن التي تمر بالمياه المصرية لخدمة القوات البريطانية.

كما امتنعت السكك الحديدية المصرية عن أداء أية خدمات للقوات البريطانية، أو نقل أي مهمات أو عتاد لها، ومنعت الحكومة المصرية دخول الرعايا البريطانيين إلى البلاد، ما لم يكونوا حاصلين على تأشيرات دخول من السلطات القنصلية المصرية في البلاد التي قدموا منها، وأنهت تصاريح إقامة البريطانيين الذين يخدمون في القوات البريطانية.

وفي 21 أكتوبر 1951، اتخذ مجلس الوزراء بجلسته السرية مجموعة من القرارات تعبر عن جدية الحكومة في قرار إلغاء المعاهدة، فقررت اتخاذ جميع السبل المؤدية إلى عدم تعاون العمال المصريين مع القوات البريطانية، وصرف أجور هؤلاء العمال، وتوفير الأعمال البديلة لهم. أدى انسحاب العمال المصريين من العمل في معسكرات الإنجليز أدى إلى وضع القوات البريطانية في منطقة القناة في حرج شديد.

وحينما أعلنت الحكومة عن فتح مكاتب لتسجيل أسماء عمال المعسكرات الراغبين في ترك عملهم مساهمة في الكفاح الوطني سجل "91.572" عاملاً أسماءهم في الفترة من 16 أكتوبر 1951 وحتى 30 نوفمبر 1951. كما توقف المتعهدون عن توريد الخضراوات واللحوم والمستلزمات الأخرى الضرورية لإعاشة 80 ألف جندي وضابط بريطاني.

سعت بريطانيا إلى لبث الفرقة بين صفوف المصريين، فقام عدد من عملائها بإشعال النار في كنيسة بمدينة "السويس" أثناء غارة بريطانية على المدينة في 4 يناير 1952، وقد حاولت بريطانيا إلصاق التهمة بالفدائيين لزرع الفتنة الطائفية بين المصريين (وهي الأحداث التي يسوقها بعض الكتاب التابعين للسلطة بالصاقها بجماعة الإخوان المسلمين)، واستعداء الرأي العام العالمي على الحكومة الوفدية والفدائيين، ولكن ما لبثت التحقيقات أن كشفت عن مسؤولية جماعة "إخوان الحرية" التي تمولها المخابرات البريطانية عن الحادث. (1)

الغريب أنه في نفس التوقيت كانت هناك حفلة ملكية واتصل فؤاد سراج الدين وزير الداخلية آنذاك بالملك يطلب منه الاستعانة بالجيش للسيطرة على الحريق لأن الأمر أصبح فوق طاقة الحكومة وفوق طاقة البوليس والأغرب أن حيدر باشا وزير الحربية آنذاك تلكأ في التدخل سواء بسبب الرغبة في إحراج الحكومة وترك الموقف يتفاقم أكثر من سيطرتها أو لأنه كان مشغولا في الاحتفال. كان واضحا أن الحريق استهدف أصحاب الطبقة العليا والموالين للانجليز، ورغم مهارة كثير ممن أحرق القاهرة إلا أن بعضهم كان دافعه انتقاميا ووطنيا ردا على ما حدث للضباط والعساكر في الإسماعيلية.

وفي شهادة أكثر دلالة بسبب اسم صاحبها، يحكى مؤرخنا الراحل العظيم صلاح عيسى عن يوم الحريق قائلًا إنه شاهد شخصيًا عيانًا بيانًا ملابسات حرق كازينو بديعة الشهير في ميدان الأوبرا، وكيف تحولت المظاهرة الشعبية في الميدان إلى تراشق كلامي بين المتظاهرين وبين رواد الكازينو، أفضى إلى استعمال العنف من جانب المتظاهرين، وإضرامهم النيران في الكازينو والمبنى كله. (2)

الإخوان بين الاتهام والبراءة

ما يقرب من 70 عاما لم يستطيع أحد اكتشاف من أحرق القاهرة، وانحسرت اتهامات المؤرخين حول الانجليز للتخلص من المقاومة في القنال، والملك للتخلص من الوفد واتهام الاسلحة الفاسدة.

لكن بعدما وقع الانقلاب العسكري في مصر يوم 3 يوليو 2013م انبرت كثير من الأقلام لتجامل سلطة الانقلاب بكيل الاتهامات لجماعة الإخوان المسلمين – والتي لم يكن من شرف الخصومة مهاجمتها وهي لا تملك حق الرد – لكننا رأينا أذناب السلطة وأبواقها أطلقوا العنان لتشويه الإخوان ومحاولة النيل من تاريخها، فاتهمها البعض بأنهم كانوا وراء حرق القاهرة.. دون دليل واحد ساقه هؤلاء الكتاب المرتزقة أو أي شيء يعضد اتهامهم، وإن كان هذا ليس بالجديد على هذه الأبواق الناعقة.

فما بين الناعق الدائم ثروت الخرباوي، ومنافسه أحمد موسى وغيرهم وغيرهم ظلوا كلما اقترب يناير أن يخرجوا ليتهموا الإخوان بأنهم هم وراء حريق القاهرة، والغريب أنهم جميعا بنوا على تخميناتهم وتحليلاتهم. (3)

والأعجب أن يقيم أحدهم جميع أدلته على وثائق البوليس السياسي على الرغم أن حزبه اكتوى من هذا الجهاز الظالم الذي أنشأه الانجليز لضرب الحركة الوطنية في مصر وفي القلب حزب الوفد، حيث ألف كاتب وصحفي يدعى شريف عارف كتاب بعنوان "الإخوان في ملفات البوليس السياسي" اعتمد على ما ذكره البوليس السياسي حول بعض الأحداث والتي انتقى منها ما يخص الإخوان فحسب من وجهة نظر البوليس السياسي وبنى عليها خيالاته.

الأعجب من ذلك أن ترد عليهم في نفس الشهر الصحف الإماراتية – دون تنسيق بينهم – أن حريق القاهرة ما زال لغزا، حيث كتب صحيفة العين الإخبارية تحت عنوان ("حريق القاهرة".. 68 عاما والحادث لا يزال لغزا) (4)

و يختلف المؤرخون عمن يكون وراء حريق القاهرة في ذلك اليوم ، فهناك من يقول أن الملك فاروق كان وراءها ليتخلص من وزارة النحاس باشا ، وبالطبع هذا كلام لايعقل ، و هناك من يقول الإنجليز و ذلك للتخلص من وزارة النحاس التي ساءت علاقتها بها بعد إلغاء معاهدة 1936م ، وهناك من يقول حزب مصر الفتاة و الإخوان المسلمين ، و لكن لم تظهر حتي الآن أدلة مادية تدين أي طرف في إشعال هذه الحرائق ، لذلك سيبقي حريق القاهرة لغزاً ينتظر الحل.

يقول الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل

(أنا مش معتقد لغاية هذه اللحظة إن عملية حريق القاهرة بدأت بتدبير مقصود على هذا النحو لكن أنا باعتقد إنه كان ركام وعود كبريت قرّب من الركام والدنيا ولعت ، لكنه أظن إنه العفوي فيه ابتدأ ثم دخل الجزء المنظم) (5)

وعلى مستوى أكثر دولية وإثارة، يقول نورمان جيتزنجر ظابط الاتصال بالمخابرات الأمريكية الملحق على سفارة الولايات المتحدة في القاهرة بين عامي 1951 و 1953، في شهادة متأخرة عن الأحداث أوردها في مقابلة مع الهيئة الدبلوماسية للدراسات والتدريب الأمريكية عام 2000.

"احترق فندق شبرد تمامًا وتدمر تمامًا، كنت ظابط الأمن الوحيد في السفارة لحظتها وكان بقية الظباط بعيدين ميدانيًا عن الأحداث. اتصل بي مدير الأمن المصري للتحذير من احتمال حدوث أعمال شغب واسعة، فأخرجنا جميع موظفي السفارة، وكان ذلك في اليوم الذي خرج فيه عوام المصريين في تظاهرات وعلى ظهر شاحنات تحمل بنزين
وكان في اليوم السابق من مروا على المدينة ووضعوا علامة X على بعض الأبنية وعلى أبواب أماكن احترقت لاحقًا، وكان معظمها أندية يرتادها البريطانيون والأجانب، وكان هناك بعض البريطانيين الذين أحرقوا احياء. تصادف أن هذا اليوم كان يوم زفافي أيضًا، والذي أجبرته الأحداث على نقل مكان الزفاف من كنيسة كاثوليكية في وسط البلد إلى كنيسة أخرى في حى الزمالك".

ويضيف جيتزنجر أن مدير الأمن المصري أبلغه أن الملك لن يطلب من الجيش النزول لاحتواء الأمر، في حين أن الشرطة غير قادرة على احتواء الأعداد الموجودة في الشارع، فطلب منه الاتصال بالملك فاروق، وقرر السفير كافري الذهاب إلى قصر عابدين مستقلا سيارة ليموزين، بعد رفع الأعلام الأمريكية عنها مخترقًا العامة والدهماء المنتشرين في وسط المدينة المحترق، لإقناعه باتخاذ قرار بنزول الجيش قبل أن تحترق المدينة كلها.

وما أن قابل كافري فاروق حتى أبلغه بحتمية نزول الجيش وإلا زال حكمه، فرد عليه الملك بأنه يحتاج إلى ضمانات أمريكية بألا ينقلب عليه الجيش حال نزوله وانتشاره في الشوارع، فأعطاه كافري ضمانات بذلك، مصرحًا نصًا بأن الولايات المتحدة بكلمتها وجبروتها تضمن له عودة الجيش إلى ثكناته، وهو ما دفع الملك لاستخدام تليفونه "الذهبي" لإجراء مكالمة مع وزير الحربية الفريق محمد حيدر وإبلاغه بالقرار.

ويختتم جيتزنجر قائلا

"بدأنا في حرق مواد سرية على سطح السفارة. لقد تم إحراقها في مكان مخصص لإحراق الأشياء السرية للغاية، لأن بعض من عناصر الغوغاء كانت تنزل، عبر الزقاق الفاصل بين السفارة البريطانية والسفارة الأمريكية. وبدأوا بالفعل في تسلق جدران السفارة. وكان هناك ستة من مشاة البحرية في وضع التأهب لإطلاق النار، لولا أن جاءت عناصر من الجيش المصري احتوت الأمر وتم إنقاذنا".

ويضيف:

يرى الفدائي الوطني الراحل سعد زغلول فؤاد أن ضلوع المخابرات البريطانية في الحريق أمر لا يمكن الشك فيه، وأن تنظيم من البلطجية المدربين تابع لمكتب المخابرات البريطانية في قناة السويس هو من أشعل النيران في المدينة، ووافقه نسبيًا في الرأي المفكر الشيوعي الراحل سعد زهران، مبررًا ذلك في حوار خاص، بأن كثير من المواقع التي تم إحراقها كانت حصرية وخاصة جدًا للأجانب، وغير معروفة بالمرة لعوام الأحياء الفقيرة الذي شاركوا في الأحداث. والغريب أن كليهما استبعد تمامًا فرضية تسهيل الشرطة الغاضبة الأمر للعوام، أو فرضية أن حراس وخدم القصور هم من أحرقوها. (6)

لقد كان الإخوان مشغولون بحرب الانجليز على جبهة القنال، كما أصدروا بيان أدانوا فيه ما وقع من حرق وتخريب للقاهرة

حيث جاء تحت عنوان "بيان من الإخوان المسلمين حول حريق القاهرة":

روعت البلاد لما حدث بالقاهرة أول أمس من أعمال الفوضى والعنف والعبث بالممتلكات وإحراقها.. والإخوان المسلمون يستنكرون هذه الأساليب التي لا يمكن أن تكون وسيلة لتحقيق أهداف الوطن بل هي على التحقيق ضارة بقضيته، وتفتح بابًا خطيرًا من أبواب الفتنة يصيب كثيرًا من الأبرياء، وكان الأجدر بمرتكبي هذه الحوادث أن يلجوا باب الجهاد الصادق الذي ولجته الأمة، ورأت أنه السبيل الوحيد لإكراه الإنجليز على مغادرة البلاد.
ويخطئ من يتصور أن إحراق حانة، أو تدمير ملهى فيه قضاء على أسباب الشر والرذيلة ما دامت القوانين القائمة تبيح قيامها وتنظمه، وقد حدث من قبل مثل هذا الاعتداء، فلم تفد الأمة منه شيئًا، وأعلن الإخوان أنهم لا يؤمنون بهذا الأسلوب، وحذروا رجالهم أن يكون لأحدهم به صلة. وطريق الإخوان المسلمين هي الجهاد بالوسائل المشروعة لتغيير هذه القوانين، وهم لم يدخروا وسعًا منذ قامت دعوتهم في توجيه المسئولين هذه الوجهة الصالحة وقد أعلنت ذلك في خطاب لي بمدينة الإسكندرية منذ أسابيع.
ويخطئ من يظن أن محاربة الإنجليز اقتصاديًا، تكون عن طريق تدمير المتاجر والمؤسسات إنما طريق ذلك المقاطعة وحدها وتنظيمها داخليًا، والعمل على منع الاستيراد من الأسواق الإنجليزية، ومما يساعد على القضاء على الفتنة أن تنفذ الحكومة ما وعدت به من مواجهة الموقف تجاه الإنجليز بما يقتضيه من إصرار وتصميم. والله يتولانا جميعًا بالرعاية والهداية والتوفيق، والله أكبر ولله الحمد. (7)

ويقول فيصل جلول:

أنّ الامتناع عن كشف النقاب عن تفاصيل الحريق الدقيقة وتحديد هوية الفاعلين قد يكون ناتجاً عن تعدد الاطراف، وتعذر حصر التهمة في طرف، وعن الخوف من العواقب المالية التي يمكن ان تترتب على حرق ثروة اوروبية مصرية هائلة، ولربما ايضا لوجود مستفيدين كثر من الحدث في السلطة والمعارضة والجيش ما ادى الى اعتقال احمد حسين بوصفه "كبش محرقة" نموذجياً في ظرف من هذا النوع.

ويضيف:

ان القضاء المصري فشل في العهد الملكي في اثبات التهمة على الراديكالي احمد حسين، ولم يحدّد العهد الجمهوري الوليد بعد شهور من الحرائق هوية الفاعلين ولم تبادر وجهات مستقلة الى اجراء تحقيق تتضح من خلاله المسؤوليات. في المقابل يذكر وضاح شرارة ان القضاء الناصري انتهز انصرام سبع سنوات على اقصر حكم اصدره القاضي الملكي في 1952 فأعاد، في 1959، محاكمة الذين دينوا وبرأ ساحتهم من غير أدلة حاسمة جديدة.

فوارى الصمت وتنصل عن احدى الحوادث الاعمق دلالة في التاريخ المصري، وفي التاريخ العربي كذلك. ولم تقتصر اجراءات الحكم على مقاضاة من قاضاهم القضاء المصري ودانهم قبل منتصف آذار. فقد اتخذ قرارات جزئية كثيرة منها تهمة الحزب الاشتراكي وقيادته.

يضيف شرارة لم يبق من حراقي القاهرة، اي اثر جنائي وقضائي محقق او مرجح، على رغم توقيف مئات الفاعلين بالجرم المشهود. ويعتبر شرارة ان القرارات التي اتخذت والخياطين الثلاثة وبائع التمور وساعي البريد والسنكري الذين دينوا بما يعجزون عنه ليسوا الا الخاتمة الضعيفة والتافهة لحادثة لا يقاسون بها ولا تقاس بهم.

والعلامة على حرائق القاهرة والغموض الذي اكتنفها هو ما نسب الى عبد الناصر في حديثه عنها، فينقل بعض الكتاب المصريين ان عبد الناصر وجه الاتهامات بحريق القاهرة في عدّة اتجاهات، مرة الى الشيوعيين وأخرى الى الإخوان المسلمين، لكنّ عبد الناصر نفسه قال في حفلة افتتاح مجلس الامة سنة 1960 "لقد كان حريق القاهرة اول بادرة للثورة الاجتماعية على الاوضاع الفاسدة، وحريق القاهرة هو تعبير شعبي عن سخط الشعب المصري، على ما كانت ترزح فيه مصر من اقطاع واحكار واستبداد رأس المال".

وتبدو التهم الناصرية جزءاً من الاستعمال "البراغماتي" في السياسية، فحين يكون الخطاب "شعبويًا" موجهاً الى الجماهير المنارة يعتبر الحريق انتصاراً، وحين كان يبحث عن طرق للحرب على خصومه كالإخوان المسلمين والشيوعيين كان بتبعة الحرائق عليهم. (8)

وقد ذكر ريتشارد ميتشل في رسالته العلمية المعنونة باسم الإخوان المسلمين:

أن كابلتسكي في "الإخوة الإسلامية" ص 384 نجده يتفق مع الفكرة القائلة بأن الإخوان مسئولون عن تنظيم "السبت الأسود" (وهو يسميه خطأ الجمعة السوداء) وهو ما يذهب إليه أيضًا كاكل في كتابة؟ "الأخلاق الغوبية والحضارة الإسلامية" ومعظم المعلقين الآخرين على الحريق.
وليس هناك من أدلة تؤيد هذا الرأي فيما عدا تلك الحقيقة الثانوية والخاصة بالموقف العدائي للإخوان من البارات ودور السينما والبريطانيين. وقد ألقت حكومة القاهرة ثائرا بالرأي الذي شاع في العاصمة، على أحمد حسين زعيم الحزب الاشتراكي ويتجه الرأي الذي أخذ به هاريس "كريستينا فيلبس هاريس" في "القومية والثورة في مصر 1964 "Nationalism and revolution in Egypt" ص 142، 192 إلى اتهام مصر الفتاة والشيوعيين بالتناوب. (9)

ويقول أحمد مرتضى المراغي (أخر وزير داخلية في عهد فاروق):

لقد ظل حريق القاهرة الى الآن سراً مطوياً. وأصبح السؤال: من الذى حرق القاهرة لغزاً محيراً حتى الآن . ولعلى أستطيع فى هذا الفصل من كتابى أن القى الكثير من الضوء على حريق القاهرة يوم 26 يناير (كانون الثانى) 1952.

ويضيف:

لقد قبضنا على ضابط الجيش محمد علي عبد الخالق وجنود السوارى التى عرفت شخصيتهم من الصور الفوتوغرافية .ولكن قيادة الجيش والفريق حيدر تدخلا لدى النيابة وطلبا تسليمهم الى سلطات الجيش لتتولى محاكمتهم عسكرياً .

وسلموا الى الجيش .

وعلمت وتأكدت أن أحداً منهم لم يعاقب . وخرجت بنتيجة واحدة وهى أن القصر كان يتربص بحكومة الوفد للخلاص منها ، وحانت له الفرصة يوم 25 يناير حينما اصطدمت القوات البريطانية بقوات بلوكات النظام ، فدعيت حامية القاهرة بجميع ضباطها الى وليمة القصر يوم 26 يناير .
وانبعث دعاة القصر يحرضون جنود البوليس على الثورة ويرسلون جنوداً وضباطاً من الجيش للاشتراك فى التظاهر . وبذلك اصبحت القاهرة صباح 26 يناير خالية من أية قوة نظامية تحفظ الأمن . ولما انتهت مأساة الحريق خرج الجيش ، وبدأ خروجه فى الساعة الخامسة من مساء اليوم المذكور ولم يطلق النار حتى الساعة الحادية عشرة بعد أن تم الخراب والدمار. (10)

ويقول عبد اللطيف البغدادي في مذكراته:

وكانت هناك شائعات قد ترددت في ذلك الوقت الذي جرت فيه هذه الحوادث على أن الحزب الاشتراكي (مصر الفتاة سابقًا) كان وراء تلك العمليات التخريبية وتلك الأحداث المؤسفة المؤلمة. كما تناولت الشائعات أيضًا بعد المنظمات اليسارية الموجودة بالبلاد.
ولكن تبين بعد إجراء تحقيق حول هذا الحادث بعد قيام الثورة في محكمة الثورة أنه ليس هناك ما يؤكد أو يدعم تلك الشائعات. ولم نتوصل إلى أية أدلة تثبت هذه الادعاءات وكل ما خلصنا إليه هو أنه انفعال الجماهير وغضبها كان هو المحرك لما حدث. وأن عدوى التدمير والتخريب قد سرت في تلك الجموع المتظاهرة نظرًا للحالة النفسية التي كانوا بها وما كان يحيط بهم من أحداث من قبل. (11)

وفي معرض رد حسين الشافعي – نائب رئيس الجمهورية السابق – حول حريق القاهرة فقال:

هذا الأمر يحتاج إلى تحقيق؛إنما أنا أرى أن إصبع الاتهام يوجه أساسًا للسرايا،لأن حريق (القاهرة) لم يكن منه هدف إلا إحراج وزارة الوفد التي كانت في الحكم بأنها لا تستطيع أن تسيطر على البلد،وبالتالي يكون مقدمةً لإقالة وزارة الوفد. (12)

ويقول إبراهيم فرج باشا:

ولقد أجمعت الدراسات والآراء على أن حريق القاهرة دبره الإنجليز مع القصر ولتوضيح ذلك نعتقد أن تلك الكارثة التى دبر لها خصوم الوفد وبالرجوع إلى الملابسات التى سبقت هذا الحريق يمكن لمثلى كقاضى سابق – إبراهيم فرج باشا – ورجل اشتغل بالسياسة أن يقول مطمئنا أن الذى اشترك فى تدبير هذا الحريق جهات ثلاث: المخابرات الأمريكية، والإنجليز، والقصر. (13)

أخيرا

يتجلى بوضوح أن جميع شهود العيان الذين حضروا الواقعة وعاصروها لم يعرفوا من كان وراء هذا الحريق، كما أن السلطة الجديدة المتمثلة في عسكر يوليو 1952 بعدما أجروا تحقيقات موسعة وتم القبض على العديد لم يهتدوا إلى منفذ حريق القاهرة في السبت الأسود.

غير أن ناعقي الانقلاب العسكري عام 2013 وبعد ما يقرب من 70 عاما أستطاعوا أن يكتشفوا بنباهتهم الواسعة أن الإخوان هم من نفذوا ودبروا حريق القاهرة يوم 26 يناير 1952م، فأى خيال يعيشون فيه؟؟؟

المراجع

  1. جمال الشرقاوي: أسرار حريق القاهرة في الوثائق السرية البريطانية، "دار شهدي للنشر – القاهرة 1405هـ=1985م".
  2. محمد نعيم: حريق القاهرة: ما الذي احترق ومن الذي أشعله؟، 1 ديسمبر 2019
  3. ثروت الخرباوي في برنامج نظرة: 31 يناير 2019 - أحمد موسى - إبراهيم عيسى
  4. العين الإخبارية: 26 يناير 2020
  5. فتحي حسين عامر: الإعلام والمظاهرات: مشروعيتها ودوافعها، طـ1 (العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2017) صـ45.
  6. محمد نعيم: حريق القاهرة: مرجع سابق.
  7. الدعوة – العدد (50) – 2 جماد أول 1371هـ - 29 يناير 1952م.
  8. حريق القاهرة بين كتابين حين تكون النيران طريقاً الى العدم الجماهيري: 30 يناير 2008
  9. ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمين ... دراسة أكاديمية، ترجمة عبد السلام رضوان، مراجعة فاروق عفيفي عبد الحي، تقديم - صلاح عيسى، مكتبة مدبولي، 1979.
  10. أحمد مرتضى المراغي: غرائب من عهد فاروق وبداية الثورة المصرية، دار الشروق القاهرة، 2009.
  11. مذكرات عبد اللطيف البغدادي: المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1977.
  12. ثورة الضباط الأحرار كما يراها حسين الشافعي: الحلقة 5
  13. آمال السبكي: التيارات السياسية في مصر 1919 - 1952، دار المعارف القاهرة، 1982.