الإخوان المسلمون والحركة العمالية المصرية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٦:١٠، ٣٠ سبتمبر ٢٠١٨ للمستخدم Taha55 (نقاش | مساهمات) (حمى "الإخوان المسلمون والحركة العمالية المصرية" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد) [النقل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والحركة العمالية المصرية


مقدمة

55شعار-الاخوان.jpg

الإخوان المسلمون والحركة العمالية المصرية عنوان مظلوم من قبل الجميع فدور الإخوان فى الوسط العمالى مجهول فبالرغم من دور العمال فى تأسيس جماعة الإخوان فقد كان لستة من العمال بالإسماعيلية دور واضح ومؤثر فى تأسيس جماعة الإخوان واهتمام الإخوان الواضح بالعمال والتواجد الفعال فى وسط تلك الطبقة إلا أن الأزمات التى عاشتها الجماعة فيما بعد ثورة 23 يوليو 1952 أبعدت الإخوان عن التواجد فى الساحات العمالية المختلفة وأفسح المجال أمام التيار الاشتراكى واليسارى للانتشار فى الوسط العمالى، وبالرغم من قصور الأداء الإخوانى فى الوسط العمالى لإعتبارات عديدة إلا أنه لايستطيع أحد أن ينكر دور الإخوان فى دعم العمال على مدار تاريخهم، فكان لقسم العمال الذى أنشاته الجماعة فى مرحلة مبكرة من تاريخ الجماعة 1939م دور واضح ومؤثر فى دعم العمال، وإن انتاب هذا الدور الضعف أحياناً كثيرة بسبب الضغط الأمنى الذى مارسته الأنظمة المتعاقبة.

وبالرغم من الاتهامات العديدة التى ساقها البعض ضد جماعة الإخوان بأنهم غير معنيين بالعمال وأن الجماعة تتبنى الفكر الليبرالى المنحاز لأصحاب الأعمال وهو مايكذبه التاريخ وتنفيه الحقائق وهو ماسنحاول اثباته من خلال هذا الكتاب.

فوقائع التاريخ تثبت أن للعمال كان النصيب الأوفر فى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين فما أن تخرج الإمام الشهيد حسن البنا حتى انتقل للعمل في الإسماعيلية، وبدأ يجوب المقاهي ليبلغ دعوة الله ونتج عن ذلك أن ذهب له ستة نفر وهم:-

حافظ عبد الحميد "نجار بالحي الإفرنجي"، أحمد الحصري "حلاق بشارع الجامع بالإسماعيلية"، فؤاد إبراهيم "مكوجي بالحي الإفرنجي"، عبد الرحمن حسب الله "سائق بشركة القنال"، إسماعيل عز "جنايني بشركة القنال"، زكي المغربي "عجلاتي بشارع السوق بالإسماعيلية"، وهم من الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كان يلقيها، وجلسوا يتحدثون إلي الإمام البنا وعلى وجوههم سنا الإيمان والعزم، وقالوا: لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا ولا ندري ما الطريقة العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين، ولقد سئمنا هذه الحياة: حياة الذلة والقيود، وها أنت ترى أن العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظ لهم من منزلة أو كرامة، ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجري حارة بالعزة في عروقنا، وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا، وهذه الدراهم القليلة، من قوت أبنائنا، ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك، أو نتعرف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف، وكل الذي نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله، وتكون أنت المسئول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل، وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه، وتموت في سبيله، لا تبتغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر، وإن قل عددها وضعفت عدتها".

كانت هذه الكلمات الصادقة هى التي شكلت أول هيئة لجماعة الإخوان المسلمين.

الفصل الأول

ظروف المجتمع مع نشأة الإخوان

لقد نشأت جماعة الإخوان المسلمين في مصر محاطة بهالة من الغموض والصخب ما دفع الكثيرين للتأكيد على أنها تتبنى العنف باسم الإسلام ويتم الخلط بينها وبين جماعات اسلامية اخرى ظهرت على الساحة منها من يستخدم العنف ومنها من كان يقاطع السياسة وينأى عنها ومنها من يختلف في أسلوبه وتعاطيه مع الواقع عن الإخوان. وفي عام 1948، أصبحت الجماعة تتزعم الحركات والجماعات الموجودة في منطقة الشرق الأوسط إلى جانب فاعليتها الشعبية غير المسبوقة ما رفع أسهمها الشعبية لتعلو فوق هامة كافة الفصائل والمجموعات الموجودة.

العوامل التي أدت الى قيام الجماعة

برزت على سطح الحياة الاجتماعية في مصر أوائل القرن العشرين عدة ظواهر ومؤثرات هامة أثرت إلى حد كبير في مكونات الحياة الاجتماعية، وإذا كانت الطبقية الصارخة في المجتمع قد أنشأت نوعا من الظلم الاجتماعي والإحساس بالقهر والذل فإن موجة من الانحلال الأخلاقي هبت على شرائح المجتمع المصري فأصابت الكثيرين منهم وأثمرت جيلا متغربا في وطنه، ووصل الأمر - في بعض الأحيان - إلى طمس معالم الشخصية الأخلاقية للإنسان المصري. ويمكن رصد هذا العوامل فيما يلي:

1- التفاوت الطبقي الصارخ

إن أهم ما ظهر في المجتمع المصري في تلك الفترة، وجود الطبقية الصارخة بين أفراده، ونستطيع أن نميز بين ثلاث طبقات في تركيبة المجتمع، وهي: الطبقة العليا: وتضم كبار ملاك الأراضي الزراعية، وأصحاب وسائل الإنتاج من شركات تجارية وصناعية، وبنوك ومؤسسات مالية، وأصحاب هذه الطبقة يعيشون حياة اجتماعية متقاربة، ملؤها السرف والبذخ، بينهم شبكة قوية من المصاهرة والنسب، وسادت بينهم الثقافة الليبرالية التي حصلوا عليها نتيجة اتصالهم بالمجتمع الأوروبي، سواء من خلال البعثات التي أرسلتها الدولة إلى أوروبا، أو من خلال انتشار مناهج التعليم في المدارس التي كانت تتمثل أنماط الحياة الثقافية والفكرية في أوروبا. وقد ضمت هذه الطبقة عدة فئات هي: كبار الملاك والرأسمالية التجارية والصناعية والأجانب.

الطبقة المتوسطة: تكونت من أصحاب الملكيات المتوسطة، ومتوسطي التجار، وقطاع كبير من المثقفين والعاملين بالحكومة، ويطلق الاشتراكيون على هذه الطبقة (البرجوازية الصغيرة) وقد لعبت تلك الطبقة الدور القيادي في الحركة الوطنية وحركة النهوض السياسي والاجتماعي. وقد اهتم أبناء تلك الطبقة من الطلاب بالمسائل السياسية نظرا لوضعهم الاجتماعي، حيث إنهم كانوا يمثلون الطبقة المثقفة القليلة العدد بالنسبة للسواد الأعظم من السكان الذين يسودهم الجهل، هذا بالإضافة إلى أن معظمهم كان من عائلات فقيرة تعاني صعوبات مالية في سبيل إكمال دراستهم، وحتى بعد الانتهاء من الدراسة، لم يكن هناك ثمة ضمان بأنهم سوف يلتحقون بعمل ملائم، وذلك بسبب مزاحمة الأجنبي لهم على الوظائف.

الطبقة الدنيا: تكونت تلك الطبقة من الفلاحين، وصغار العمال، وكانت حياة تلك الطبقة على قدر كبير من السوء بسبب لجوء كبار الملاك إلى انتزاع أراضيهم لكي يعملوا كأجراء عندهم، وكانت المشكلة الرئيسية لهذه الطبقة تنحصر في أنهم لا يشتغلون إلا في مواسم الزراعة فقط، ثم يتعطلون خلال فترة طويلة من العام. وكان هناك قطاع كبير من هذه الطبقة لا يمتلك الفرد منهم أكثر من نصف فدان، وهي مساحة من الأرض لا تكفي أن تعيش عليها أسرة طوال العام، لذا كان معظمهم يعمل لدى كبار الملاك وإذا أضفنا إلى ذلك أن حوالي 1.5 مليون أسرة من الفلاحين لم تكن لهم أي ملكيات زراعية على الإطلاق، أدركنا مدى سوء مستوى معيشة الفلاحين المصريين في النصف الأول من القرن العشرين، وكان لهذه الأوضاع نتائج خطيرة، فقد أدى فقر وجهل الفلاحين إلى إجهاد الأرض والحيوانات، وإلى عدم تطوير وسائل وطرق الإنتاج في الزراعة فظل القطاع الزراعي المصري متخلفا يستخدم أساليب إنتاجية يرجع تاريخها إلى العهد القديم، وقد انتشر المرض بين هذه الطبقة نتيجة الفقر وسوء الرعاية الصحية، هذا بالإضافة إلى تفشي الأمية بين أبناء هذه الطبقة.

وقد أثرت التركيبة الطبقية للمجتمع المصري، على نشأة وتطور جماعة الإخوان المسلمين، حيث نشأت الجماعة بين عمال الإسماعيلية، وكان لشعورهم بالظلم والبؤس دور دافع لستة من العمال بالتوجه إلى الشيخ حسن البنا لمفاتحته في تكوين جماعة تعمل للتخلص من ذلك الوضع. وبالطبع كان لهذه الأوضاع الاجتماعية تأثير مباشر في أهداف وفكر وحركة حسن البنا وجماعة الإخوان فجعلوا من أهدافهم تحقيق العدالة الاجتماعية والتأمين الاجتماعي لكل مواطن، ومكافحة الجهل والمرض والفقر، وتناول الإخوان قضية العدالة الاجتماعية والصراع الطبقي بالتنظير الفكري والتوعية، كما اهتموا عمليا بقضايا العمال والفلاحين، فأنشأوا قسم العمال والفلاحين بالمركز العام.

المبحث الثانى: ما قبل "الإخوان المسلمين"الظروف الاقتصادية

تعرضت "مصر" لأزمة اقتصادية قبل الاحتلال، بل وكانت الأزمة الاقتصادية عنصرًا مهمًا من العناصر التي أدت إلى الاحتلال نفسه، وقد ازدادت هذه الأزمة خلال "الحرب العالمية الأولى"، وبسبب من خضوع "مصر" للرأسمالية العالمية ارتبط اقتصادها بالتطور الاقتصادي العالمي في بلاد أوروبا، وأمريكا، بحيث كان يتأثر باستمرار بعوامل الانتعاش الاقتصادي، وأزماته، وبلغ هذا الارتباط أشده في فترة الاحتلال؛ نتيجة تشجيعه لعدد من المستثمرين الأجانب الذين أقاموا المشروعات الكبرى، والبيوتات المالية الضخمة التي كان همها تزويد الأسواق الأوروبية بالخامات المصرية، وتوجيه إنتاج البلاد؛ تبعًا لهذه الأسواق (1).

من ثم، كانت خطة الاحتلال بالنسبة للاقتصاد المصري قائمة أساسًا على تحطيم الصناعات القائمة، والقضاء على إمكانية التقدم في هذا المجال بشتى الطرق، وجعل "مصر" مزرعة للقطن، والقضاء على إمكانية الاكتفاء الذاتي، وكان الهدف الأساسي لسلطة الاحتلال هو استمرار هيمنتها على مقدرات "مصر" وكافة شؤونها الاقتصادية والسياسية (2).

وبالرغم من تطور الصناعة في "مصر" منذ ثورة 1919م إلا أنها انحصرت في قطاعات استهلاكية لم تكن تشكل تهديدًا للرأسمال الأجنبي.

واتسمت الأوضاع والظروف الاقتصادية قبل نشأة، وتكوين الإخوان المسلمين بما يلي:

1- استمرار سيطرة الشركات الاحتكارية الأجنبية على الاقتصاد المصري.

2- ارتباط الاقتصاد المصري بالاقتصاد البريطاني، حيث لعب الاحتلال البريطاني دورًا كبيرًا في ربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد الإنجليزي ربطًا كليًا قوامه قيام "مصر" بإمداد الصناعة الإنجليزية باحتياجاتها من القطن، وفتح أسواق "مصر" لمنتجات الصناعة البريطانية.

وقد ترتب على تبعية الاقتصاد المصري للاقتصاد الإنجليزي في هذه الفترة التقلب الكبير في قيمة صادرتنا من القطن، وبالتالي في مستوى الدخل القومي؛ تبعًا لتقلبات مستوى النشاط في الاقتصاد الإنجليزي (3).

ومن العوامل التي جعلت الاقتصاد المصري يدور في فلك الاقتصاد البريطاني تحويل غطائنا النقدي من الذهب إبان الحرب العالمية الأولى إلى أذونات على الخزانة البريطانية مما أتاح لبريطانيا الحصول على ما تشاء من العملة؛ لتمويل عملياتها العسكرية (4).

3- اعتماد الاقتصاد المصري على الزراعة، والاعتماد على محصول رئيسي واحد هو القطن، وقد لعب الاحتلال البريطاني دورًا كبيرًا في تحويل السياسة الاقتصادية المصرية إلى سياسة التخصص الزراعي، ومع هذا فإن هذا التخصص لم يتسم بطابع التوازن إذ وجهت العناية إلى محصول القطن على حساب المحاصيل الأخرى، كما أن هذا التخصص جعل الاقتصاد المصري عرضة لأي تذبذبات تصيب أسعار القطن (5).

هذا في الوقت الذي اتجه الوضع في الريف إلى تركيز الملكيات الزراعية في يد فئة قليلة لم تعبأ باستخدام الأساليب الفنية في الزراعة، كما تميزت الزراعة المصرية بعدد من الخصائص منها:

  1. عدم قدرتها على مواجهة النمو السكاني.
  2. سوء توزيع الملكية الزراعية.
  3. ارتفاع قيمة إيجار الأراضي الزراعية (6).

4- وقد أدت هذه الأوضاع إلى الاستعمار الاقتصادي، وتخلف الاقتصاد المصري، وانخفاض مستوى المعيشة إلى درجة عميقة، وتعرض العمال الدائم للتعطل (7).

وما أن تحددت العلاقات المصرية البريطانية في إطار تصريح 28 فبراير 1922م حتى أخذ الاهتمام البريطاني بربط الاقتصاد المصري بالاقتصاد البريطاني يتزايد بصورة كبيرة، وذلك لاعتقادهم أن هذا يدعم وجودهم في "مصر" كما أنه يضعف موقف الحركة الوطنية في مواجهة هذا الوجود (8).

ويقول سامح نجيب عن نشأة الإخوان المسلمين في بحثه الذي أصدره بعنوان "الإخوان المسلمون رؤية اشتراكية "

كانت مصر خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين تتعرض لتطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية مليئة بالتناقضات. وبدون فهم طبيعة تلك التطورات المتناقضة لن نتمكن من فهم كيف ولماذا ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في نهاية العشرينات وكيف أصبحت خلال عقدين أكبر التنظيمات السياسية في البلاد.

كانت هناك قيوداً هائلة تعرقل التطور الرأسمالي في مصر. فخلال تلك الفترة كانت مصر بلداً زراعياً يعتمد اقتصادها أساساً على إنتاج وتصدير القطن ويعيش الغالبية من سكانها في الريف. وتعرض الاقتصاد المصري لظروف كارثية في نهاية العشرينات ومطلع الثلاثينات. فقد انخفضت أسعار القطن المصري في الأسواق العالمية بنسبة 70% بين عامي 1927 و1933. حدث ذلك نتيجة للأزمة الحادة التي واجهتها صناعة النسيج البريطانية والتي كانت في ذلك الوقت المستورد الرئيسي للقطن المصري.

ويجب الانتباه هنا إلى أن القطن كان يشكل العمود الفقري للاقتصاد المصري في ذلك الوقت. كان القطن يمثل حتى بداية الأربعينات ما بين 40 و50% من إجمالي الإنتاج الزراعي وما بين 80 و90% من إجمالي الصادرات.

وقد أدى انهيار أسعار القطن إلى موجة واسعة من الطرد للفلاحين من الأرض من قبل كبار الملاك المصريين والأجانب. وأدى أيضاً إلى تضخم عبء الضرائب والإيجارات والديون للمرابين والتجار.

كانت إحدى النتائج المباشرة لأزمة أسعار القطن أن عشرات الآلاف من الفلاحين لم يعد بمقدورهم تسديد الديون. واستغلت البنوك والشركات الأجنبية الوضع، وقامت بطرد الفلاحين من أراضيهم بسبب الديون التي لم يسددوها. وقد بلغت مساحات الأرض التي تم إخلاؤها بقوة القانون من الفلاحين: 22.600 فدان عام 1929 و21.900 فدان عام 1930 و36.000 فدان عام 1931 و30.000 فدان عام 1932.

وقد وصل تركيز ملكية الأرض في أيدي عدد قليل من الملاك إلى أقصاه خلال فترة الثلاثينات حيث أصبح 96.5% من مالكي الأرض يملكون 46% فقط من الأراضي الزراعية، في حين يملك 3.5% من أصحاب الأرض 54% من الأراضي.

ويجب الانتباه هنا إلى الدور المحوري الذي كان يلعبه رأس المال الأجنبي في الريف المصري، ففي منتصف الثلاثينات كان حوالي ألف مالك أجنبي يملكون نفس مساحة الأرض التي يملكها حوالي مليون ونصف المليون فلاح، الذين كان يملك كل منهم أقل من فدان. أي أن رأس المال الأجنبي لم يكن محصوراً في البنوك والصناعة بل كان أيضاً أحد محاور ملكية الأرض الزراعية. ولذا فبالنسبة لغالبية الفلاحين ارتبطت كراهية كبار ملاك الأرض والمرابين والتجار بكراهية الاحتلال الأجنبي وبكل ما أتى به.

لم يكن الفلاحين الفقراء وحدهم ضحايا تلك التطورات فقد كان لها تأثيراً مدمراً على الطبقة الوسطى الريفية. ففي الأعوام الثلاثون الأولى من القرن العشرين انخفض عدد الملكيات الزراعية المتوسطة (بين 10 و30 فدان) من 891.425 إلى 817.324، في حين زاد عدد الملكيات الزراعية الصغيرة جداً (أقل من فدان) من 780.789 في 1910 إلى 1.428.271 في 1928.

إلى جانب انهيار أسعار القطن والعبء المتنامي للإيجارات، كان عذاب الفلاحين الرئيسي له مصدرين: الضرائب والديون. فالفلاحون كانوا يدفعون ما بين 25 و30% من دخلهم كضرائب، مما شكل عبئاً رهيباً على الغالبية العظمى منهم. أما الديون فصارت لعنة لا تحتمل بسبب فوائدها المرتفعة وعواقب عدم الدفع قاسية. وقد وصل متوسط دين العائلة الفلاحية في منتصف الثلاثينات إلي 40.5% في حين لم يتعدى متوسط دخلها سبعة جنيهات في الموسم. وقد انعكست تلك الأوضاع بالطبع على الصراع الطبقي في الريف في شكل انفجارات عفوية وهجمات فردية. وقد وصل عدد مخازن الغلال التي تعرضت للحرق على يد الفلاحين إلى 5.760 مخزن عام 1928/1929 و7.820 مخزن عام 1931. ووصل عدد العمد الذين تم قتلهم في الفترة من 1931 إلى 1933 لـ 2200 عمدة.

كانت السيطرة الأجنبية على كافة القطاعات الاقتصادية الحديثة إحدى الخصوصيات الأساسية للاقتصاد المصري حتى الأربعينات. فطبقاً لإحدى التقديرات مثلاً كان إجمالي قيمة رأس المال (باستثناء الأرض الزراعية) في عام 1937 ما يوازي 963 مليون جنيه إسترليني منهم 450 مليون جنيه رأس مال أجنبي. أي أن رأس المال الأجنبي كان يملك 47% من إجمالي رأس المال في مصر.

رأس المال الأجنبي كان يتحكم بشكل مباشر في كافة مجالات النقل والكهرباء والبنوك والصناعة والرهونات الزراعية. كما أنه كان يتسم بدرجة عالية من التركيز والارتباط المباشر بالمراكز الرأسمالية المتقدمة. أما رأس المال المصري فكان من جانب مجرد شريك صغير أو وكيل لرأس المال الأجنبي المهيمن ومن الجانب الآخر أصبح مرتبط عضوياً بكبار ملاك الأرض.

على جانب آخر كانت الطبقة العاملة تشكل نسبة صغيرة من السكان، رغم نموها السريع منذ بداية القرن. ففي عام 1937 كان في مصر حوالي نصف مليون عامل صناعي مما شكل أقل من 8% من إجمالي القوة العاملة في البلاد. ورغم ذلك الحجم الصغير، ورغم أيضاً حداثة نشأتها إلا أنها لعبت دوراً محورياً في الحياة السياسية في البلاد منذ ثورة 1919.

وقد أدت تلك الطبيعة لتطور الرأسمالية في مصر إلى بطء شديد في عملية التراكم الرأسمالي، وعرقلة للتطور الصناعي. وكان السبيلين الوحيدين لتوسيع وتعميق الصناعة الحديثة في مصر إما توسيع السوق المحلي لاستهلاك المنتجات الصناعية أو توسيع أسواق التصدير لتلك المنتجات. وقد رأينا كيف كان الحل الأول مستحيل بسبب تحكم كبار الملاك المصريين والأجانب في الأرض الزراعية وبالتالي الإفقار الشديد للفلاحين وهم غالبية السكان. أما الحل الثاني فكان الاستعمار، وتحكم رأس المال الأجنبي، وهيمنة الرأسماليات المتقدمة على أسواق الصادرات الصناعية، وفرض تصدير سلعة زراعية وحيدة هي القطن على الاقتصاد المصري، كلها تقف عقبات أمامه.

إذن فقد كان خروج المجتمع المصري من أزمته الطاحنة يستلزم تحقيق عدد من الخطوات الضرورية: أولاً التحرر من الاستعمار وتحقيق الاستقلال الوطني، وثانياً القضاء على سيطرة الملكيات الكبيرة في الريف بتنفيذ إصلاح زراعي يحرر الفلاحين من قيودهم الخانقة، وثالثاً إنهاء السيطرة الاحتكارية لرأس المال الأجنبي على مراكز الاقتصاد المصري (9).

ويقول المستشار طارق البشري عن الأجواء خلال تلك الفترة " عندما رجع النقراشي من مجلس الأمن وأعلن – تغطية للفشل والحيرة- وجوب الانصراف لمشكلات البناء الداخلى، كانت الجماهير مهتمة بهذه المشكلات وزاد اهتمامها بسبب احتدام الصراع الطبقى وتأزم الوضع خاصة بالنسبة لجماهير المدن ذوى الدخول المحدودة، عمالاً وموظفين.

والذى يبين من محاضر وتقارير اللجنة الوزارية العليا المكونة عام 1947 لبحث مطالب العمال، أن أجر العامل العادى بشركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى كان يتراوح من 56-104 مليمات فضلاً عن علاوة الغلاء، وأجر العاملة من 52-77 مليما، وتتراوح العلاوة من 8-20 مليما سنويا حسب الدرجة وبما لايزيد الأجر على الحد الأقصى المشار إليه من قبل. وكان أجر عامل الإنتاج بالشركة من 10-20 قرشا بإعانة الغلاء، وكان عدد عمال شركة الغزل الأهلية بالإسكندرية يبلغ 8113 عاملاً (10).

ويضيف البشرى: عرفت الشهور الأولى من عام 1947 حركة إضرابات كبيرة فى صفوف العمال، أضرب عمال شركة نسيج الفيوم بشبرا الخيمة واعتصموا بالمصنع بعد أن رأت الشركة وقف العمل فى مصنعهم والاكتفاء بمصنع آخر أنشأته ببلدة البساتين، فدخلت الشرطة المصنع وأخرجتهم منه عنوة، وأضرب عمال شركة باتا للأحذية، وكان أهم إضراب عمالى حدث فى هذه الفترة هو إضراب عمال شركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى البالغ عددهم 26000 عامل.إذ استوردت الشركة آلات جديدة يؤدى إستعمالها إلى الاستغناء عن جهد عدد كبير منهم ووزع بعض العمال المستغنى عنهم على عدد من الأعمال ذات الأجور الأقل، كما أصدرت الشركة لائحة للجزاءات تجيز فصل العامل بغير مكافأة (11).

وإجمالاً يقول البشرى :

أحدثت هذه الإضرابات هزة سياسية وإجتماعية عنيفة فى المجتمع كانت شعلاً من النيران تتجمع لتأكل النظام كله من بعد، وإذا كانت الدولة – فى الخلاف بين مصالح أصحاب المصانع وملاك الأرض – تميل لصف الأخيرين، فإنها فى الصراع الذى تمثل فى الإضرابات كانت تتخذ موقفاً منحازاً وحاسماً ضد العمال وظهرت الدولة أمام العمال درعاً حديدية واقية للرأسمالية، وقد ورد فى برقية عمال المحلة لصحيفة المصرى تعليقاً على تدخل الجيش ضدهم "إن مكان الجيش لهو الميدان الذى يطارد فيه المستعمر الأجنبى الغاصب وليس المحلة الكبرى حيث يصر 26 ألف عامل من الأبرياء على المطالبة بحقوقهم" (12).

على أن الأزمة الاجتماعية التى بدأت تفجر منذ نهاية الحرب العالمية، قد فرضت نفسها على جميع التنظيمات واقتحمت جميع العقول، وكان صراع العمال وسخط الفلاحين ينمو مع الوقت ويفرض الصراع الطبقى نفسه على سائر التنظيمات والتيارات السياسية، كما كان الفكر الانتشارى يزداد انتشاراً بما يضع من حلول لهذه الأزمة ، وإن جماعة الإخوان برغم موقف قياداتها كانت تضم جماهير شعبية غفيرة تضنيها مشكلات المجتمع وتعانى من إستغلال كبار الملاك، وكانت حكومة السعديين التى ضمت معتقلين من التيارات السياسية المختلفة، كانت مجالاً للتأثير المتبادل بين هذه التيارات ولاحتكاك الأفكار وتصارعها، ثم كان انفراج الأوضاع بمجئ حكومة الوفد منبئاً الجميع بأن المعركة الإجتماعية ميدان أساسى من ميادين الصراع السياسى تقف جنباً إلى جنب مع المعركة الوطنية.

استفز ذلك جميعه بعض كتاب الإخوان إلى السعى لتحديد موقف أكثر وضوحاً بالنسبة للقضايا الإجتماعية المطروحة – كالتأميم وتحديد الملكية والنظام الرأسمالى والاشتراكى وغير ذلك- من خلال الفكر الاسلامى، وذلك محاولة للمزج بين مطالب الثورة الإجتماعية وبين العواطف الدينية التى تزكيها دعوة الإخوان ومحاولة لخوض معترك التنافس مع التيارات الاشتراكية النامية على أسس أكثروضوحاً، وعبر مفكرو الإخوان بهذا عن مجموعة من الأفكار والاتجاهات تباينت فيما بينها تبايناً كثيراً.

وتميز عام 1951 بصدور كتابات للإخوان تحاول توضيح الموقف الفكرى للجماعة من خلال الفكر الإسلامى من هذه القضايا منها:" الإسلام والمناهج الاشتراكية"،"الإسلام والأوضاع الاقتصادية" للشيخ محمد الغزالى،" العدالة الاجتماعية فى الإسلام"،"معركة الإسلام والرأسمالية" لسيد قطب،"الإسلام وأوضاعنا القانونية"لعبدالقادر عودة،"الإسلام لاشيوعية ولا رأسمالية" وهو دراسة كتبها البهى الخولى ووجهها إلى قسم العمال بالإخوان المسلمين،"حق مقاومة الحكومات الجائرة" للدكتور محمد طه بدوى وغيرها (13).

ويقول عبدالرحمن الرافعى " كانت البلاد تشكو سوء توزيع ملكية الأراضى الزراعية وإن سوء توزيع هذه الملكية فى مصر ظاهر من إلقاء نظرة على عدد الملاك ومقدار مايملكون ونسبة صغار الملاك إلى كبارهم فى مجموع هذه الأراضى وهذا الإحصاء واضح ممايلى:

إن مساحة الأرض المنزرعة 5،962،662 فدان وكان مجموعها ملاكها 2،760،661 مالكاً.

فإذا نظرنا إلى الملكيات الصغيرة فإننا نجد أن:

  1. 1،459،167 مالكاً يملك كل منهم لغاية نصف فدان مجموع ملكياتهم 413،551 فداناً.
  2. 522،162 مالكاً يملك كل منهم أكثر من نصف فدان إلى فدان ومجموع ملكياتهم 356،695 فداناً.
  3. 327،612 مالكاً يملك كل منهم أكثر من فدان إلى فدانين ومجموع ملكياتهم 449،186 فداناً.
  4. 153،293 مالكاً يملك كل منهم أكثر من 2 لغاية 3 أفدنة ومجموع ملكياتهم 354،855 فداناً.
  5. 81،366 مالكاً يملك كل منهم أكثر من 3 لغاية 4 أفدنة ومجموع ملكياتهم 247،017 فداناً.
  6. 56،589 مالكاً يملك أكثر من 4 لغاية 5 أفدنة ومجموع ملكياتهم 247،017 فداناً.

ومعنى ذلك أن 280 مالكاً يملكون 583،400 فدان ومجموع ملكياتهم 7% من الأراضى المنزرعة.

وأن 2،308،951 لايملك منهم أكثر من فدانين ومجموع ملكياتهم 1،230،063 فداناً أى أن 84% من الملاك يملكون 21% من الأرض وأن 2،600،119 مالكاً لايملك كل منهم أكثر من خمسة أفدنة ومجموع ملكياتهم 2،101،276 أى أن 94% من الملاك يملكون 35% من الأرض (14).

ولقد تناولنا هذا الجانب من الواقع المجتمعى والظروف الاقتصادية التى كانت تمر بها مصر ماقبل وأثناء نشأة جماعة الإخوان لقياس مدى تأثير تلك الأجواء فى مواقف الإخوان ورؤيتهم للعمال والفلاحين

المراجع

  1. أحمد ربيع عبد الحميد خلف الله، الفكر التربوى وتطبيقاته لدى جماعة الإخوان المسلمين ، مكتبة وهبة، 1984 ص 31
  2. إبراهيم البيومي غانم، الفكر السياسي للإمام حسن البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1992م ص 55
  3. أحمد ربيع عبد الحميد خلف الله، مرجع سابق، ص 32
  4. أحمد ربيع عبد الحميد خلف الله، مرجع سابق، ص 33
  5. المرجع السابق، ص 35
  6. المرجع السابق، ص 35
  7. عثمان عبد المعز رسلان، التربية السياسية عند الإخوان المسلمين ص115
  8. أحمد ربيع عبد الحميد خلف الله، مرجع سابق، ص 33
  9. الإخوان المسلمون.. رؤية اشتراكية، سامح نجيب، منشور على موقع الاشتراكيين، http://goo.gl/8ic7W
  10. الحركة السياسية فى مصر 1945-1953، طارق البشرى، دار الشروق، ص286
  11. الحركة السياسية فى مصر 1945-1953، طارق البشرى، دار الشروق، ص290
  12. المرجع السابق، ص292
  13. المرجع السابق، ص463