الإخوان المسلمون والدبلوماسية الدولية – الحلقة الرابعة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:٠٢، ٢٧ مايو ٢٠١٨ للمستخدم Man89 (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والدبلوماسية الدولية (الحلقة الرابعة)

إخوان ويكي

ثانيا: دبلوماسية الوفود

كانت الصفة المميزة لجماعة الإخوان المسلمين هى الفهم الشامل لمعاني الإسلام فلم يختزلوه في المسجد والعبادات فحسب لكنهم فهموه في كل مناحي الحياة. وكانت القضايا الإسلامية تشغل حيز كبير من تفكير الإخوان المسلمين الذين طبقوا مفهوم من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم فعملوا على مساعدة هذه الشعوب المكلومة الواقعة تحت نير الاحتلال، فاستخدموا الدبلوماسية في التعامل مع هذه القضايا وشكلوا وفودا لمناصرتها، وعلى رأسها القضية المصرية.

وفد الإخوان إلى مجلس الأمن

يشكل مجلس الأمن والأمم المتحدة أعلى هيئة تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية لمناصرة الشعوب ولوقف سعير الحروب المستعرة بين الأمم ولتحقيق الحرية للمحرمين منها، لكنها في حقيقة أمرها كانت أداه في يد المستعمر يطوعها كيفما شاء ولمصلحة من شاء، وكانت وما زالت ضد إرادة الشعوب إلا لأصحاب المصالح الكبرى، - ومع إدراك الإخوان لذلك - لكنها كانت المؤسسة الرسمية العالمية وكانت في بدايتها لها بارقة أمل خاصة بعدما أصدرت قرارا بتحرير سوريا ولبنان وإندونيسيا.

تأخرت مصر في قطع المفاوضات مع المحتل – الذي ظل يماطل - وكان أخرها مفاوضات صدقي بيفن والتي انتظر الجميع أن تسفر عن شيء حقيقي لكن مرت الشهور والأيام ولم تسفر عن شيء إلا التمعن في الغطرسة واستهلاك الوقت، ورغم زيادة الاحتجاجات التي نادت بقطع هذه المفاوضات واللجوء لمجلس الأمن، إلا أن الملك قام بتغيير الوزارة بأخرى غير أنها لم تقم بفعل شيء إلا المماطلة هي الأخرى، ومرت الأيام والشهور حتى أعلنت وزارة النقراشي قطع المفاوضات والاستعداد لعرض القضية على الأمم المتحدة.

أرسل الأستاذ البنا برسالة للنقراشي يقول فيها:

حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا ... رئيس الحكومة المصرية.

فقد وصل الموقف فى الداخل والخارج إلى الحال التى تعلمونها دولتكم من الضيق والحرج، وأصبح من الحتم اللازم على كل غيور على مصلحة هذا البلد أن ينسى نفسه وحزبه ويذكر شيئا واحدا هو خير هذا الوطن والعمل السريع الحازم لعلاج هذا الحال.

أعلن يا دولة الباشا - فشل المفاوضات، واقطعها فى عزة وكرامة، صارح البريطانيين بأنهم أحوج إلى صداقتنا منا إلى صداقتهم، وأننا نعرف الوسائل التى ننال بها حقوقنا كاملة غير منقوصة. ثم اطلب إلى الإنجليز جلاء قواتهم عن أرض الوادى فلا يليق بدولة عضو فى هيئة الأمم المتحدة، أن تحتل قواتها أرض دولة أخرى هى عضو فى الهيئة كذلك

لكن مرت الأيام ثقيلة بين صراع حول من يمثل مصر في مجلس الأمن وبين متى نتقدم بالأوراق، وتكونت لجنة انبثقت منها أخرى وظل الحال حتى شهر سبتمبر من عام 1947م حينما سافر النقراشي لعرض القضية المصرية – وفيما يبدوا أنه سافر تحت الضغوط - فلم تكن لديه الحجة الكافية ولا القناعة الكافية للاستمرار في هذا الأمر، ومما يدل على ذلك حينما وقف الأستاذ أحمد كامل قطب المحامي ورئيس حزب الفلاح، بمجلس الأمن وأعلن دعمه للنقراشي والقضية المصرية، وذلك بعد موقف مصطفى مؤمن، فاتجه إليه النقراشي

وقال له أمام الجميع :

اخرج يا مجرم. وقد عز علي الأستاذ أحمد كامل قطب أن يرميه رئيس وزراء مصر بالإجرام واعتقد أنها مجرد زلة لسان، فقابله في اليوم التالي أمام وفد مصر وعتب عليه فيما صدر منه إليه، وقال له: يا دولة الباشا إن العمل الذي قمت به هو جهاد شريف لتأييدك وتأييد قضية البلاد وما كان ينبغي أن ترميني من أجله بالإجرام. فرد النقراشي باشا قائلا : إنك بالعمل الذي قمت به أمس فأنت مجرم. فما كان من الشاب المجاهد إلا أن قال للنقراشي : إذا كان أحد مجرمًا إذن فالمجرم أنت. وتركه وانصرف.

كان الإنجليز يأملون أن لا يساند النقراشي في موقفه قوة شعبية حتى يضعف موقفه، ولا ندري موقف النحاس باشا الذي قام به حينما أرسل برسالة لرئيس مجلس الأمن يطعن فيها في شرعية وفد النقراشي، كان متفق عليه مع الإنجليز أم لا؟ أو كونه انطلق من الصراع بين الأحزاب؟ ولا نستطيع أن نشكك في وطنية أحد لكن القارئ بين يديه العديد من المواقف التي يستطيع أن يحكم بها.

لم تكد الرسالة تصل لرئيس مجلس الأمن من النقراشي إلا وقد هب الإخوان بالرد عليها برسالة لرئيس مجلس الأمن يطلعوه أن النقراشي ممثلا عن الأمة في عرض القضية – كما أوضحنا ذلك من قبل - بل قاموا بتحريك المظاهرات في الشوارع دعما لعرض القضية، كما أوفدوا مصطفى مؤمن لنيويورك لمساندة النقراشي باشا.

انزعج الانجليز من دعم الإخوان فحركوا بعض صنائعهم فهاجموا بعض الكنائس والمعابد، وقد ظهر أثر ذلك في مقال نشرته جريدة فيلادلفيا تربيبون في 25-5-47 تعرضت فيه الإخوان المسلمين بقولها :

" إن عدم الاستقرار في مصر لا يرجع كله إلي الحمية الوطنية بين المصريين أنفسهم ، فهناك علي سبيل المثال ما يسمونه جمعية الإخوان المسلمين وهي التي غدت مسئولة عن عدد من الحوادث التي وقعت في مصر أخيرًا. أدرك الإخوان أن حكومة أضعف من أن تقوم بأعباء مواجهة الانجليز لأن رئيسها النقراشي يؤيد المفاوضات القديمة واشتراكه واشتراك حزبه وخطابه المشهور الذي تحدي فيه طوائف الشعب كله بتأييده بكل قوة مشروع صدقي – بيفن في الجلسة السرية لمجلس النواب فعمل الإخوان علي تكوين جبهة من جميع الهيئات المصرية المحايدة ضمت الشبان المسلمين ومصر الفتاة والحزب الوطني والكتلة وحزب الفلاح وحزب العمال وانضم إليها السعديون الأحرار كما ضمت الشخصيات المستقلة".

العمل علي وحدة الصفوف في مواجهة الانجليز

وكانت مهمة هذه الجبهة هي العمل علي وحدة الصفوف في مواجهة الانجليز، غير أن النقراشي أصر علي تمسكه بأن يواجه الانجليز وحده، حتى أن محمود حسن باشا سفير مصر في الولايات المتحدة نصحه بأن تكون الهيئة التي تتولي تقديم القضية ممثلة للرأي العام المصري أجمعه، لكن لم يستجب. كان الإخوان بين خيارين كلاهما مر، إما أن يعملوا على إسقاط النقراشي - وفي هذا إضاعة للوقت الثمين- أو يدعموه، ولم يكن هناك بد من دعمه من أجل القضية.

كان أمل الإخوان كما كان أمل كل مصري أن ينجز النقراشي وعده فينبذ إلي الانجليز علي سواء وفي أقرب فرصة ولكن الذي حدث أنه ظل يؤجل المواجهة يومًا بعد يوم بحجج مختلفة حتى فوت علي البلاد بهذا التأجيل المصطنع ثمانية أشهر، استطاع الانجليز في خلالها تكوين جبهة من السودانيين مناهضة لمصر برياسة المهدي وتطالب بالاستقلال عن مصر.

كما قام حاكم السودان بطرد قاضي قضاة السودان المصري وأبدله بسوداني، وطرد مدير التعليم المصري أيضًا ، فجعل ذلك مهمتنا في المطالبة بوحدة وادي النيل أمرًا صعبًا؛ ولو أن النقراشي أخذ بالنصيحة فأعلن إلغاء معاهدة سنة 1936 واتفاقية سنة 1899 الخاصة بالسودان لما وجدوا الانجليز الفرصة لفعل ما فعلوا في السودان.

لم تقصر الأمة من جانبها في مساندة هذه الحكومة بالأستاذ أحمد حسين رئيس مصر الفتاة سافر إلي الولايات المتحدة قبل عرض القضية بفترة طويلة وأخذ يشرح جوانبها للشعب الأمريكي – وفي أثناء عرض القضية علي مجلس الأمن قام الأخ الأستاذ مصطفي مؤمن مندوبًات عن شباب الإخوان بعمل جرئ لإثارة العالم بقضية مصر .

ونثبت نص ما جاء بالصحف ووكالات الأنباء عن هذا العمل فيما يلي: نيويورك في 22-8-1947 :

في جلسة مجلس الأمن بعد الظهر افتتحت الجلسة في موعدها ، ولكن حادثًا لم يسبق له مثيل في تاريخ المجلس وقع في مستهلها ؛ فإن الأستاذ مصطفي مؤمن ما كاد يري النقراشي باشا يحتل مكانه المعتاد ليلقي بيانه حتى خرج من مكان المتفرجين إلي مكان الأعضاء والسكرتيرين فحدثت ضجة بين الأعضاء ، فطلب الرئيس منه أن يلزم النظام ثم دعا الحراس لإخراجه من قاعة المجلس .. وكان الأستاذ مؤمن يلبس الطربوش كعادته . وقد علمت أن الأستاذ مؤمن كان يريد أن يخطب في أعضاء المجلس باسم الشعب المصري ،

وجاء في الكلمة التي استطاع إلقاءها ما يلي :

سيدي الرئيس

أتقدم إليكم باسم جميع شعوب الشرق الأوسط وبالنيابة عن الإخوان المسلمين .. نحن نطلب أن تعامل قضيتنا بالعدالة التي أصبحت جديرة بها ، فإذا لم يحدث ذلك فإن ألوفاً من الناس سيبذلون حياتهم رخيصة في الكفاح من أجل حرية بلادهم ..

ثم قال وهو يلوح بأوراق معه:

"ونحن نطلب الحرية" – ولكن حارسين مع نائب رئيس ضباط الأمن أخرجوه . ولكنه ظل يخطب بصوت عال حتى خرج ... فساد الذهول أعضاء المجلس ليذكر أعضاءه بالحقوق المهضومة التي يسكتون علي هضمها.

وبعد أن خرج الأستاذ مؤمن من الجلسة تبعه بعض مندوبي الصحف إلي قاعة الصحافة الواقعة خلف قاعة مجلس الأمن مباشرة – وقد تأثر الأعضاء لقول مؤمن : إن ثورة ستجتاح وادي النيل بدون ريب إذا حدثت مفاوضات ، وإن النذير قد بدأ اليوم في حوادث القاهرة وأنه يريد أن يعلن ذلك علي العالم كله

.. وقال ..

" أيها السادة أريد أن أكرر عليكم ما أبلغته لمجلس الأمن قبل مناقشة المسألة المصرية اليوم ، فإني أعلن أولا أن استئناف المفاوضات سيلقي مقاومة شعب وادي النيل بأسره ، وأعلن ثانيًا أن فسم عري وحدة وادي النيل ستضر السلام العالمي . وأعلن ثالثًا أن سياسة الدول الكبرى التي تسعي إلي مصالحها الاستعمارية دون النظر إلي الأمم المهضومة الحقوق ستدفع هذه الهيئة إلي الصبر نفسه الذي اندفعت إليه هيئة الأمم ؛ أي الموت والاندثار من عالم الوجود ..
وقد تلقيت من القاهرة اليوم وثيقة كتبها شباب مصر بدمهم ، وهو يعربون فيها عن الرأي الذي أبديته لكم الآن تمامًا . وما يجمع شعب وادي النيل عليه هو تطهير جبين البلاد من وصمة الاحتلال البريطاني فورًا ، وإنهاء الحكم التعسفي الذي أقاموه لأغراضهم الخاصة في السودان".

وطيرت وكالات الأنباء العالمية هذه الحادثة، بالإضافة إلى موقف مندوبي الدول في مجلس الأمن الدولي نحو قضية مصر وآمال المصريين، وما ترتب عليه من حدوث موجة استياء عامة بين شتى طبقات الشعب ومختلف هيئاته، وخرجت المظاهرات من جامع الأزهر عقب صلاة الجمعة، واستمرت مستعرة إلى ميدان الملكة فريدة، غير أن البوليس تعامل معه بالشدة، حتى أنه مات فيها ثلاثة من الإخوان وكان أحدهم الشهيد محمد عبد الرحيم الأنصاري من عمال السكة الحديد.

وفي نفس اليوم قامت مظاهرات في طنطا وبورسعيد والإسكندرية ... وكانت هذه المظاهرات من الضخامة بحيث هزت أبناؤها أرجاء العالم حتى إن مراسل جريدة المصري في نيويورك أرسل إلي جريدته يقول : تلقت نيويورك قبل ظهر اليوم أنباء المظاهرات التي وقعت في القاهرة ، وانتشرت هذه الأنباء بسرعة عظيمة هنا في نيويورك ، وكان لها أثر قوي علي الجميع – ولم يشأ أعضاء الوفود المختلفة أن يعلقوا بشيء ..

وقد أعرب كثيرون في ليك سكسس عن أسفهم لإصابة كثيرين في خلال المظاهرات ... وقد علق السير والترسمارت علي هذه الأنباء بقوله : إنه يخشي أن تكون الحالة قد تطورت فأصبحت خطيرة للغاية.

وكتب مراسل (الأسوشيتدبرس) في هيئة الأمم تعليقًا على الحادثة يقول:

"... فعندما وقف الأستاذ مؤمن في الممر المذكور، بعد أن غادر مكانه في الجزء المخصص للمتفرجين، وبدأ يتحدث بأعلى صوته قبل أن يلقى النقراشي باشا خطابه، قاده الحراس بالقوة وأخرجوه من المجلس، وقد كان مصطفي مؤمن يحضر اجتماعات المجلس على الدوام، وكان يحث المندوبين في خارج المجلس على تأييد وحدة وادي النيل.

وقد حاول الأستاذ مصطفى مؤمن أن يقاوم الحراس، وأن يستمر في حديثه، ولكن ضاعت محاولته هباءً، وقد جره الحراس وكانت تبدو على وجهه الملتحي ملامح الجد- إلى غرفة جلوس الصحفيين، حيث أعاد عليهم ما كان يريد أن يقوله. ولكن صرح مصطفى مؤمن لمراسل (الأسوشيتدبرس) بعد وقوع حوادث القاهرة بأنه قرأ في الصحف أنباء الاضطرابات في القاهرة،

وقال مصطفى مؤمن كذلك:

إنه قد أرسل برقية إلى فارس الخوري - رئيس مجلس الأمن- محتجًا فيها على إخراجه من المجلس، مما منعه من عرض وجهة نظره على مجلس الأمن على حد قوله.

وهذا هو نص البرقية:

"أحتج بشدة على منعي- على الرغم من حق التعبير- من إتمام شرح وجهة نظري أمام مجلس الأمن، ذلك المجلس الذي يسير على سياسة - أو بالأحرى مؤامرة - عصبة الأمم القديمة، وحدة وادي النيل الحر، أو هزيمة السلام العالمي، سوف يحصل شعبنا على حريته بأيديه".

ولم يكتف الأستاذ مصطفي مؤمن بهذه المحاولة الجريئة لعرض وجهة نظر مصر في مجلس الأمن، ولكن حاول مرة ثانية هو والأستاذ أحمد كامل قطب عندما دخلا إلى حجرة الوفود، وحاول الأستاذ كامل قطب أن يلوم النقراشي باشا على تصرفاته إزاء المظاهرة التي قام بها في قاعة المجلس يوم الجمعة الماضي، وبدأ في توبيخ النقراشي باشا لوصفه إياه بأنه مجرم، ورد الصاع صاعين للنقراشي،

وقال له:

"إن المجرم هو أنت، لا أنا"، ودخل حرس المجلس إلى حجرة الوفود، وأخرجوه، واشتبك معهم، ووقع على الأرض وهو يهتف: "يسقط مجلس الأمن"، وعندئذ تدخل الأستاذ مصطفي مؤمن في الأمر، وهتف هو الآخر: "يسقط مجلس الأمن، إننا نريد أن نحصل على استقلالنا". ثم التفت الأستاذ مصطفي مؤمن إلى الحرس، وقال لهم: "إنكم لا تستطيعون منعي من حضور اجتماع المجلس".
ثم طالبهم أن يمهدوا له مقابلة السيد فارس الخوري - رئيس المجلس- وصاح: "لا يستطيع أحد أن يمنعني من الدخول" ، فأجابه الحراس بأن لديهم تعليمات بمنعه هو وزميله الأستاذ قطب من دخول المجلس، وأخيرًا سمح للأستاذ مؤمن بالدخول، فجلس في مكان الصحفيين، وتمكن الأستاذ قطب هو الآخر من الدخول والجلوس في مكان الصحفيين، فذهب إليه الحراس وتحدثوا إليه، كما تحدثوا إلى الأستاذ مؤمن، ورفض الأستاذ قطب أن يغادر مقعده.
وبعد بذل مجهود عنيف، تمكن الحرس من إخراجهما معًا إلى مقر الهيئة، وكان الأستاذ قطب يهتف: "إننا نريد استقلالنا، يسقط مجلس الأمن" ، وتمكن الأستاذان من العودة إلى قاعة المجلس مرة أخرى بعد إخراجهما بحوالي 20 دقيقة، وعندما طلب إليهما الحراس الخروج مرة ثانية تعالت هتافاتهما: "ليسقط الاستعمار، إننا هنا لنحارب من أجل حرية بلادنا". واصطحبهما الحرس إلى الباب الرئيسي لمقر إقامة الحرس، ولحق بهم المستر ويليم ستونمان - أحد مساعدي المستر تريجفي لي

وقال للأستاذين مؤمن و قطب:

"إنكما تستغلان معاملتنا لكما كرجال متمدينين، بينما تتصرفان تصرفات أطفال، ولن تستطيعا بمثل هذه التصرفات أن تكسبا شيئًا لقضية بلادكما".ثم أجبرهما الحرس على الدخول إلى سيارة، وقالوا: إن التعليمات صدرت إليهم باصطحابهما إلى وسط مدينة نيويورك، وتركهما هناك، وعدم السماح لهما بدخول مقر هيئة الأمم بعد ذلك.

لكن مؤمن صرح للمصري برسالة قاله فيها:

إن مهمتنا هنا الدعاية، وهي مهمة تستغرق وقت صاحبها على نحو غريب، إن الدعاية سلاح بتار، وخاصة في أمريكا التي يشابه تاريخها تاريخنا إلى حد كبير، فقد ناضل الأمريكيون البريطانيين، ونحن نناضلهم، وعارضوهم في فصل الولايات الجنوبية عن الشمالية، ونحن نعارضهم في فصل جنوب الوادي عن شماله، وكانت صيحة زعيمهم "باتريك هنري" هي صيحتنا الآن: "أعطونا الحرية أو أعطونا الموت". والدعاية سلاح خصمنا، فلا مناص من أن نشهر نحن أيضًا هذا السلاح "فلا يفل الحديد إلا الحديد".
ولا أظن أن مسافرًا قد أسيئت معاملته كما أسيء إليَّ، فقد حرمت من الحصول على مبلغ العشرين جنيهًا المصرح باستبدالها لكل مسافر إلى الخارج، ولم أستطع الحصول على المبلغ المقرر قانونًا، وهو 75 جنيهًا في الشهر لكل مسافر في استشفاء أو راحة، ويعلم وزير ماليتنا أنه قد خوطب في ذلك مرارًا، فكان جوابه مطالبتي بالشكوى لدى رئيس الحكومة، الذي لم يصرف لي حتى الآن إلا خمسين جنيهًا، وذلك بعد مضي أكثر من شهر، ثم قرر الامتناع عن استبدال أي نقد بعد تلك المرة.
إن مصاريف الدعاية هنا قد كلفتنا الكثير، ومنذ جئت إلى نيويورك وأنا صائم، لا لأن عادتي أن أصوم على سفر، وإنما تقتيرًا على النفس وتوفيرًا لما أنفقه في سبيل الدعاية لقضية البلاد. ومن الصعوبات الأخرى التي صادفتنا محاربة العدو والصديق لنا، أما العدو فهم البريطانيون الذين سخروا أموالهم ليشهروا بي، ويصفوني بأنني "محرض سياسي" أو "فوضوي" أو "مشاغب محترف"، حتى إن كبيرهم "كادوجان" قد وصفني في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن بأنني قد أحدثت خرقًا في التقاليد الدولية تطبيقًا لمبدأ احتراف الشغب الذي أدين به.

أما الخطوات التي حققناها في برنامج الدعاية فتتلخص فيما يلي:

  1. مبدأت برنامج الدعاية بالتعرف على الصحفيين، فعقدت مؤتمرًا لهم في هيئة الأمم المتحدة، وألقيت عليهم موضوع قضيتنا بشيء من الإطناب، ووزعت عليهم مطبوعًا كنت قد أعددته لهذا الغرض.
  2. مأذعت خطابًا من محطة هيئة الأمم عن تضحيات مصر في ظروف الحرب، وسُجِّل هذا الخطاب، وأعيدت إذاعته مرةً أخرى.
  3. مالاتصال بالهيئات ذات النفوذ في الرأي العام الأمريكي، مثل هيئة الإخاء الدولي التي عقدت مؤتمرًا عالميًّا بصحراء "ألامو جوردو" بمناسبة الذكرى الثانية لإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما، وانتدبنتي ممثلاً عن الشرق الأوسط العربي، وألقيت فيه خطابًا عن قضية البلاد انتهى باتخاذ قرار بمساعدة مصر في نضالها، وبلغ ذلك للسكرتير العام "تريجف لي".
  4. مكتبت مقالاً في الصحيفة المسماة "أيديتور آندياليليش"، وتعرضت فيه لقضية البلاد بشيء من الإيجاز.
  5. متوزيع مذكرات عن المفاوضات السابقة وسقوط معاهدتي سنة 1899 م سنة 1926 م.
  6. مألقيت عدة محاضرات في الجامعات والحفلات، والحقيقة أن هذه الوسائل لم تحتل المكانة التي كنت أرجوها لها، ولكن ما إن تبين اتجاه مجلس الأمن نحو قضيتنا حتى بدأت أفكر في طرائق أخرى لها طابع العنف والشذوذ، لتحرك هذا الشعب، ولتصور في وقوعها حالة الشعب المصري السوداني الذي يبيت في هذه الأوقات على "حسك السعدان"، كما يقول المثل العربي.

وكان أن اقترن هذا التفكير بوصول مذكرة أو وثيقة قد كتبها بعض شباب الوادي بدمائهم، واتفق أن كان وصولها وقت حدوث مظاهرات القاهرة، فما كان لي من حيلة إلا أن أضع أمام هذا المجلس أو العصابة صورة لحالة الشعب الثائر، واعتبر الحادث لأنه الأول من نوعه مادة صحافية كبرى، فأخذت تكتب عنها الصحف في أولى صفحاتها، وتنشر صورًا عدة،

الصحف الأمريكية تكتب عن مصر

وكان حقًّا ما قاله سعادة سفير مصر للصحافيين:

"هذه أول مرة تكتب الصحف الأمريكية عن مصر في صفحاتها الأولى، وبهذه العناوين الكبرى"، شتان بين هذا القول الوطني الحر وما قاله وزير تجارتنا "الممدوح" لمندوب الوكالة الفرنسية: "إنه تظاهر في غير محله، إنه لن يعدو أن يكون عمل فردين يسعيان وراء الإعلان عن نفسيهما".
بعدما طرد مصطفي مؤمن من مجلس الأمن - بعد خطبته التي ألقاها بالإنجليزية – حرك مظاهرة كبيرة أمام مبني الأمم المتحدة شارك فيها كثير من الصحفيين، وعرض فيها مصطفي مؤمن وثيقة كتبت بالدم تطالب بحرية وطنه، مما دفع بالسلطات لإخراجه من أمريكا كلها، فسافر إلى بريطانيا وعرض قضية بلاده هناك قبل أن يعود لمصر.
أصدر مجلس الأمن قرارًا بتأجيل قضية مصر إلي أجل غير مسمي ، ورجع النقراشي إلي مصر وكان الجميع ينتظرون منه حين يرجع أحد موقفين إما أن يقود الشعب المهيأ تمام التهيئة للنضال ضد الانجليز وإما أن يقدم استقالته .. ولكنه رجع واتخذ موقفًا آخر غير هذين هو موقف السكوت المطبق . وقد طال سكوته حتى أسأم أهل مصر جميعًا وأهل وادي النيل وكاد يبعث في نفوسهم اليأس، وقد عبر الزعماء والقادة عن هذا الإحباط من موقف النقراشي

فيقول وهيب دوس بك عضو مجلس الشيوخ في جلسته المنعقدة يوم 13 يناير 1948م:

إن الذي تشعر به البلاد ويشعر به الناس جميعًا هو أن رئيس الوزراء يلوذ بالصمت دائمًا في كل أمر يطلب إليه بيانه ، وهذا ما يجب أن يوضع له حد ثم قال : أما وقد ذهب وفد مصر إلي مجلس الأمن وعاد فقد كان مفروضًا أن الحكومة قد أعدت عدتها لمواجهة حالتي النجاح والفشل ، وبقاء القضية معلقة في المجلس ليس هو النجاح الذي ذهب وفد مصر إلي ذلك المجلس من أجله.
في الوقت الذي طالبت فيه كل الهيئات والأحزاب الممثلة للشعب بتخلي هذه الحكومة عن مركزها بعد فشلها التام نري جريدة التيمس تعبر عن وجهة النظر الرسمية في لندن فتثني علي النقراشي وتقول: إن الواجب يحتم عليه البقاء في الحكم فجماعة الإخوان المسلمين يضعون أمام النقراشي مشكلة أخري ،وإن هذه الجماعة قد برهنت علي منفعتها كجبهة معارضة لخصمها وهو الوفد، ولكن زعامة الإخوان المسلمين لا تتحمل المسئولية، وتشددها يجعل تأييدها ميزة ليست لها قيمة مؤكدة.