الإخوان المسلمون والسلطة التشريعية (الحلقة الثانية عشر)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٩:٢٦، ٨ يناير ٢٠١٨ للمستخدم Taha55 (نقاش | مساهمات) (حمى "الإخوان المسلمون والسلطة التشريعية (الحلقة الثانية عشر)" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والسلطة التشريعية (الحلقة الثانية عشر)


55شعار-الاخوان.jpg

وقفة حول الدستور

ومما يجدر ذكره أن هذا الدستور الذي كان يحمل أحلام الإخوان فى الحكم قد ظل حبيس الأدراج ولكنه مع ذلك ظل فى فكر جماعة الإخوان إلى الآن كمرجع ثابت وضع أسسه الإمام حسن البنا (1).

بعد ثورة 1923 تشكلت لجنة من خمسين عضوا، استهدفت ترقيع دستور 1923، ووضعت مشروع للدستور تميز بنقطتين أساسيتين، أولهما سد الفراغ في سلطات الملك، والثاني كان متأثرا بالإعلان العالمي في حقوق الإنسان الصادر 1948.

ترأس اللجنة على باشا ماهر، وضمت ممثلي الأحزاب الوفد والأحرار الدستوريين وممثلين عن الإخوان ورجال القضاء والقانون وضمت اللجنة شخصيات عامة منها الروائي طه حسين والمحامى الشهير عبد الرازق السنهوري، وشارك ثلاثة من أعضاء الإخوان بلجنة الدستور هم صالح عشماوي وحسن عشماوي وعبدالقادر عودة.

بدأت اللجنة عملها في 16 يناير 53 واستمرت حتى 15 أغسطس 1954، وعرض على مجلس قيادة الثورة ورأى أنه لا يصلح لظروف البلد حينئذ. لم يلق مشروع الدستور ترحيبًا من مجلس قيادة الثورة، حيث رأى المجلس أن الدستور ديمقراطي بما لا ينبغى في ظل الثورة وأن البلد يحتاج إدارة تنفيذية قوية، فقام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بتشكيل لجنة غير معلنة منها المرحوم محمد سيد يوسف المستشار القانوني له وزوج شقيقة حرم الرئيس عبد الناصر.

اعتمد دستور 1954 على الإعلام من الجمهورية الرئاسية، وتمييز الرئيس بسلطات واسعة واللجوء لنظام الحزب الواحد، وتم إعلانه وجرى الاستفتاء عليه وإقراره واستمر العمل به سنة واحدة، جرى بعدها الانتخابات الرئاسية وتم تعطيله، وقد عرض على الاستفتاء فى 16 يناير 1956 وتم إقراره. يقول صلاح عيسى:

بالنسبة لمشروع دستور 1954، تم تكليف لجنة من خمسين عضوا لوضع الدستور المعروف بدستور 1954، وضمت اللجنة ممثلين لكل ألوان الطيف السياسي والفكري في مصر آنذاك، وضمت هذه اللجنة ثلاثة من العسكريين المتقاعدين، وأحدهما ينتمي للبوليس، وهم اللواء أحمد حمدي واللواء أحمد فؤاد صادق واللواء علي حلمي، وشارك أيضا ثلاثة من أعضاء لجنة الثلاثين الذين شاركوا في وضع دستور 1923 (علي ماهر، محمد علي علوبة، علي المنزلاوي)، وكانت اللجنة برئاسة علي ماهر (2).

ويقول الرئيس محمد نجيب: بعد 17 شهر أنهت اللجنة عملها، وقدمت مشروع الدستور إلى مجلس قيادة الثورة في 15 أغسطس 1954. وهو مشروع يأخذ بمبدأ الجمهورية البرلمانية، ويضمن للبرلمان أن يكون مؤسسة الحكم الرئيسة التي تدور حولها كل سلطات الدولة، ويقف بوجه أية محاولة يقوم بها رئيس الدولة لتجاوز سلطات الأمة ممثلة بمجلس النواب. ربما لهذا السبب وضع مجلس قيادة الثورة، كما يقول الدكتور وحيد رأفت، المشروع في «صندوق القمامة»، إذ كانت الظروف السياسية بين تشكيل لجنة الخمسين وانتهائها من وضع مشروعها قد تغيرت، وحسم الصراع لصالح الذين كانوا يحلمون بمستبد عادل (3).

ونصت المادة 184 على أن يسن قانون خاص بالمجالس العسكرية، ولا يكون لها اختصاص إلا الجرائم العسكرية التي تقع من أفراد القوات المسلحة. وتنشئ المادة 185 مجلس للدفاع الوطني يرأسه رئيس الجمهورية (4).

تكونت لجنة مشروع دستور 1954 من ممثلين للقوى التقليدية، فوضعت مشروعها بصورة لا تدع لقادة حركة 23 يولية دورا في أبنية الحكم الدستورية بوصفهم قادة لهذه الحركة، ولم تراع المؤسسة العسكرية التي انحدروا منها وهيمنوا بها على مقاليد الأمور في البلاد. وكان ذلك، برأي المستشار البشري، ممكنا لو راعى المشرّع ربط الجيش برئاسة الجمهورية، لكن المشروع تجاهل ذلك تماما حين أخذ بصيغة الجمهورية البرلمانية، وأناط بهيئات مدنية على رأسها وأقواها المجلس النيابي، سلطة انتخاب الرئيس، ثم جرده من كل سلطة يستخدمها منفردا إلا سلطة تعيين خمس أعضاء الشيوخ وهو المجلس الأدنى من حيث السلطة البرلمانية، وسلطة اختيار ثلث أعضاء المحكمة الدستورية، وفضلا عن ذلك فمشروع دستور 1954 ربط الجيش بالبرلمان لا برئاسة الجمهورية. بل اشترط ألا يقل عمر من المرشح لرئاسة الجمهورية عن45 عاما، بينما لم يكن قائد الثورة الحقيقي (وهو جمال عبد الناصر) تجاوز السابعة والثلاثين من عمره (5).

يقول محمد حماد: كانت لجنة الخمسين مؤلفة من 3 أعضاء من الذين شاركوا في وضع دستور 1923م و4 من الوفد و2 من الحزب الدستوري و2 من الحزب السعدي و3 من الإخوان المسلمين و3 من الحزب الوطني القديم و2 من الحزب الوطني الجديد و3 من رؤساء القضاء ورئيس محكمة النقض ورئيس محكمة القضاء الإداري ورئيس المحكمة الشرعية و3 من الجيش والبوليس المتقاعدين بالإضافة لعدد من المفكرين والسياسيين والكتاب وأعضاء مجلس التواب والوزراء السابقين وترأس اللجنة علي ماهر باشا، وانتخبت لجنة فرعية من 15 عضو سميت لجنة الخطوط الرئيسية لمشروع الدستور إلى جانب عدة لجان كما انتخبت لجنة الخطوط 5 من أعضائها لبحث نظام الحكم أولا وهل يكون ملكيا أم جمهوريا وقدمت اللجنة تقريرها الذي هاجمت فيه الملكية.

في هذا الأثناء صدر إعلان دستوري ثاني في 10فبراير 1953م وألغيت الملكية في 18 يونيو 1953م.

وفي 5مارس 1954م وأثناء الأزمة اجتمع مجلس قيادة الثورة وأصدر قرار بإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تكون مهمتها مناقشة مشروع الدستور والقيام بدور البرلمان وماجت الدنيا وهاجت فعلى أي أساس سيتم انتخاب الجمعية التأسيسية وحدث الصدام بين أفراد الجيش وأضرب عمال النقل، وتعطل الأمر حتى 16 يناير 1956م حينما أعلن عبد الناصر الانتهاء من الدستور وأنه مطروح للاستفتاء في يونيو 1965م (6).

لكن طارق البشري يرى أن لجنة الخمسين انتهت إلى مشروع دستور يستهدف إقصاء رجال 23 يوليه عن أي وجه من وجوه المشاركة في السلطة وإبعاد المؤسسة العسكرية عن أي دور في العملية السياسية. ويرى البشري أيضا أنه كان اختيارا غير واقعي، لأنه غفل عن حقيقة أن المؤسسة العسكرية وجهاز الدولة كانا قد اندمجا مع قيادة الثورة ليكونا معا قوة موحدة، وبناء تنظيميا متماسكا لم يكن يجوز للجنة أن تغفله أو تتوهم إمكان أن يتبنى الضباط نمطا دستوريا يجردهم من السيطرة على مكمن القوة السياسية الرئيس الذي وقع بالفعل في أيديهم، وهو الجهاز الإداري للدولة والجيش الذي انبثقت منه، فضلا عن أن يقوم الدستور على تعدد الأحزاب، وهم لا يملكون حزبا، ولا يعرفون شيئا عن الأحزاب (7).

غير أن صلاح عيسى لا يرى أن لجنة الخمسين أخطأت بوضع مشروع دستور ينظر لثورة يوليه باعتبارها ثورة الشعب، برغم أن الضباط هم الذين خططوا لها ونفذوها. فالمؤكد أن انقلاب 23 يوليه ما كان لينجح أو يتحول إلى ثورة لولا حركة المقاومة الباسلة التي خاضتها القوى السياسية المصرية باختلاف توجهاتها، بما في ذلك القوى التقليدية قبل ثورة يوليه، مما خلخل قوائم النظام القديم، ولما أمكن للضباط الأحرار هدمه بلا جهد يذكر، بدون المشاعر الشعبية الجارفة التي أحاطت بها منذ اللحظة الأولى لإعلان البلاغ رقم واحد. لم يتجاهل مشروع دستور 1954 إذن أن في مصر ثورة، لكنه تعامل معها باعتبارها «ثورة الشعب» وليست «ثورة الجيش» أو ثورة مجلس قيادة الثورة، وحرص أن يحتفظ للشعب بمكاسبها، وأن يجنب الثوار مزالق مباشرة الحكم بأنفسهم خشية أن يقودهم ذلك إلى البطش بالشعب أو القضاء على الثورة ذاتها، وهو ما حدث بالفعل لاحقا.

بعد سنة من انتهاء أزمة مارس 1954، أعلن عبد الناصر في خطاب ألقاه في 19 مايو 1955عن انتهاء فترة الانتقال بموعدها المحدد من قبل وهو 10 فبراير 1956، وعودة الحياة النيابية، وكان الخطاب مفاجأة للجميع بما في ذلك رفاقه بمجلس قيادة الثورة الذين تصوروا أن فترة الانتقال ستجدد ثلاث أو خمس سنوات أخرى.

المرجح أن عبد الناصر اتخذ هذا القرار في ضوء عوامل متشابكة على رأسها أن الصراع على السلطة بين أعضاء المجلس أنفسهم انتهت به إلى حالة تفكك، من أهم أسبابها أن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر شكلا محورا لتقاسم السلطة بينهما عبر سيطرة الأول على الحكم وسيطرة الثاني على القوات المسلحة (8).

ويقول محمد نجيب: أصبحت كلمة الدستور لبعض أعضاء مجلس (قيادة الثورة) شكة الدبوس، تثير غضبهم وثورتهم، وتصور الأمور لهم كأنها نهاية حكمهم، بينما كنت أرى في الدستور والانتخابات طوق النجاة من الصراع والتناقضات التي بدأت تشكل نقطة في جدول أعمالنا كل يوم.

يقول صلاح عيسى: إن أفضل دستور هو مشروع دستور 54 لأنه انطلق من منزع ليبرالى خالص وسعى لاعتماد دولة اجتماعية حقيقية وفيه ضمانات كثيرة (9).

وتعود أهمية مشروع دستور 1954 إلى أنه الوحيد بين دساتير عهد ثورة يوليه الذي وضع بطريقة أقل بيروقراطية من طريقة وضع بقية الدساتير، والتي كانت تصوغها في الغالب لجنة خاصة بمكتب محمد فهمي السيد، زوج ابنة شقيقة زوجة الرئيس جمال عبد الناصر ومستشاره القانوني، بمعاونة قانونيين عرفوا بعد ذلك بـ«ترزية القوانين»، وتركزت مهمتهم على تفصيل الدساتير والقوانين بناء على طلبات الجالس على العرش الجمهوري (10).

الهامش

(1) محمد شعبان، موقع الشباب، 18 ديسمبر 2012م، نقلا عن دستور الإخوان ، موقع إخوان ويكي نسخة وثائقية.

(2) صلاح عيسى، دستور في صندوق القمامة، القاهرة، مكتبة الأهرام، 2011ص 123- 124

(3) محمد نجيب، كلمتي للتاريخ، المكتب المصري الحديث، 1981م، صـ 205.

(4) صلاح عيسى، مرجع سابق، ص103.

(5) صلاح عيسى، مرجع سابق، ص184.

(6) محمد حماد، قصة الدستور المصري، مكتبة جزيرة الورد.

(7) طارق البشري، النظام الدستوري لثورة 23 يولية، بحث منشور في كتاب: تطور الدساتير المصرية، تحرير أحمد زكريا الشلق، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، ص149.

(8) صلاح عيسى، مرجع سابق، ص186

(9) المرجع سابق

(10) مركز تاريخ مصر المعاصر، الدساتير المصرية نصوص ووثائق 1866 – 2011، تقديم أحمد زكريا الشلق، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، 2012، ص237 – 273