الإخوان المسلمون والسياسة الحزبية (6)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٠٨، ١٠ فبراير ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والسياسة الحزبية (6)


كما ذكرنا من قبل أن دعوة الإخوان لم تفرِّق بين جوانب الحياة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، كما أنها لم تفرِّق بين الوطن الصغير وهو مصر، والوطن الكبير وهو العالم الإسلامي كله، لقد كانت دعوةً شاملةً لكل معاني الحياة، حاملةً لكل المعاني والمبادئ التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا كان لا بد لها أن تتعرَّض للمحن والابتلاءات، شأنها في ذلك شأن الأنبياء، وكل من دعا إلى ما جاء به الإسلام منذ آدم؛ حتى يَرِثَ الله الأرض ومن عليها.


الإخوان المسلمون وحزب الوفد

بعض قادة حزب الوفد

الوفد حزب سياسي شعبي ليبرالي، تشكَّل في مصر سنة 1918م، وكان حزبَ الأغلبية قبل ثورة 23 يوليو المصرية، وتشكَّل الوفد المصري الذي ضمَّ سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وأحمد لطفي السيد وآخرين، وظلَّ الوفد هو حزب الأغلبية، يتولَّى الوزارة معظم الوقت في مصر منذ عام 1924م وحتى عام 1952م.


لهذا كان حزب الوفد هو الأقوى، وهو زعيم الأغلبية، وغيره من الأحزاب تعدُّ أحزابًا ضعيفةً، ومن ثم لم يقبل حزب الوفد بأن يظهر حزبٌ أو هيئةٌ أو جماعةٌ تنافسه على أهم شيء؛ ألا وهو الشعب، ولهذا كان أكثر الأحزاب اصطدامًا مع الإخوان في أوقات كثيرة.


يقول الإمام البنا في خطابه للإخوان: "إننا لا زلنا نجهل الدافع إلى خصومة الوفد للإخوان، فماذا جنى الإخوان؟ أخلطوا الدين بالسياسة، كما يقال، وما ضرر هذا على الوفد أو على الوطن؟ وهل لم يعلم الوفد أننا خلطنا الدين بالسياسة إلا الآن فقط؟ ونحن الذين قدمنا لهم في الحكم العرائضَ والمذكراتِ السياسيةَ في كل مناسبة؟ فلِمَ لَمْ نتَّهَم بهذه التهمة الكريمة إلا الآن؟!".


ويضيف: "ليس من دافعٍ لهذه الخصومة فيما نعتقد إلا التنافس الحزبي، وهو ما نأسف له ونحزن، فنحن لسنا حزبًا ينافس الأحزاب، ولكنها دعوة حقٍّ وخيرٍ تُوجَّهُ إليهم جميعًا، ويزيدنا أسفًا وألمًا أن نُحارَب بهذه الأسلحة العجيبة.. سلاح الكذب والافتراء بالإشاعة الكاذبة والكتابة المفتراة، وسلاح التشويه بارتكاب الجرائم والأعمال التي لا تتفق مع آداب المجتمع ولا تعاليم الإخوان، والهتاف بهتافاتهم لينتسب بعد ذلك إليهم بالزور والبهتان، وسلاح استعداء الحكومة على حريات الإخوان في كل مكان، ولا نتيجة لكل هذا إلا تفريق كلمة الأمة في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى الوحدة والاجتماع".

بهذه الكلمات وضح الإمام البنا طبيعة المرحلة والعلاقة بين الإخوان وحزب الوفد.


غير أنه كان هناك لحظات تعاون بين الإخوان والوفد فيما يعود بالمصلحة العامة على الوطن ومحاولة طرد المحتل، ولذا كان موقف الإخوان مع الوفد واضحًا وصريحًا عام 1951م عندما انتخب الإخوان الوفد؛ لشعورهم أنهم الأقدرُ على إدارة البلاد في هذه اللحظات.


لقد تعاملت جماعة الإخوان المسلمين مع حزب الوفد في المرحلة الأولى، وهي مرحلة التعارف، على أساس النصح والإرشاد، ففي أثناء تولي الوفد الحكومة في الفترة من ١٦/٣/١٩٢٨م حتى ٣٠/١٢/١٩٣٧م كانت العلاقة قائمةً على هذا النصح، غير أنها تغيَّرت بعد تولِّي الوفد الوزارة في 4 فبراير 1942م الموافق 17محرم 1361هـ.. لقد قوِيَ الإخوان، وأصبح لهم حضورٌ في الشارع المصري، ليس ذلك فحسب، بل أصبحوا لهم حضورهم في الجامعات المصرية بعد أن كانت مقتصرةً على حزب الوفد فحسب، حتى وصل الحال إلى أن استطاع الإخوان أن يحصدوا الاتحادات الطلابية، سواءٌ في المدارس أو الجامعات، وهذا ما جعل حزب الوفد يستشعر الخطر.. أضف لذلك أن الوفد فقد كثيرًا من ثقة الشعب بعد حادث 4 فبراير ومجيئه على أسنة المدافع الإنجليزية، هذا ناهيك عما اعترى الحزب من فساد.


الإمام الشهيد حسن البنا

لقد بدأ النحاس باشا وزارته التي تولاَّها بعد 4 فبراير بالصدام مع الإخوان بناءً على أوامر الإنجليز، فقد كان من قرارات المؤتمر السادس للإخوان المسلمين في عام 1941م السماح لمكتب الإرشاد العام بالتقدم بالأكفاء من الإخوان إلى الهيئات النيابية المختلفة حتى يستطيعوا التصدي للفساد ويوصلوا الدعوة من خلال المنبر الشرعي، ومن ثمَّ بعد أن حلَّ النحاس باشا البرلمان؛ قرَّر الإمام البنا الدخول في الانتخابات عن دائرة الإسماعيلية، وما أن علم أهل الإسماعيلية بهذا الترشيح حتى سارع الجميع في سداد التأمين والاشتراك حبًّ للإمام البنا، وقد أيقن الجميع أن حسن البنا سينجح بنسبة كبيرة جدًّا، غير أن هذا الأمل تبدَّد بعد أن أمر الإنجليز النحاس باشا بأن يضغط على الإمام البنا بسحب ترشيحه أن يصدر قرارٌ بحلِّ الإخوان المسلمين، وإلا سيحدث ما لا يحمد عقباه.


يقول الأستاذ جمعة أمين: "دفع هذا الاهتمام النحاس باشا بأن يقابل الإمام البنا في فندق مينا هاوس، وصارح النحاسُ الأستاذ المرشد بحرج الموقف، وطلب منه التنازل عن الترشيح لمصلحته ومصلحة البلاد، لكنَّ الإمام البنا رفض ذلك، وأعلن أن هذا حقٌّ دستوريٌّ يكفله له القانون، وأن هذا هو قرار الإخوان، ولا يستطيع هو بقرار فردي أن يعدل عن ذلك، لكنَّ النحاس أكد للإمام البنا أن هذا الأمر خارج عن إرادته، وأن الإنجليز جادُّون في تهديداتهم؛ فهم يستطيعون أن يدمِّروا البلد في ساعتين، كما سيقومون بحل الجماعة ونفي زعمائها خارج القطر إذا لم يتم التنازل، وترك للإمام البنا التفكير في هذا الأمر على أن تتم مقابلة أخرى في هذا الشأن، وأن يتعهَّد النحاس باشا بتنفيذ ما يريده الإخوان في مقابل ذلك التنازل.


عرض الإمام البنا الأمر على مكتب الإرشاد وتدارسوا الأمر جيدًا، ورفض الأغلبية انسحاب الإمام البنا، إلا أن الإمام البنا كان ينظر لمغبَّة الأمور جيدًا، وخشي أن ينفِّذ الإنجليز تهديدهم فقبل الانسحاب من الانتخاب؛ على شرط أن يسمح النحاس باشا للدعوة أن تعمل ولا يُضيِّقَ عليها، وأن تُفتح شُعَبُ الإخوان المغلقة، وأن يصدر قرارٌ بمنع تداول الخمر، وإلغاء البغاء في كافة أنحاء البلاد، فوافق النحاس باشا وتمَّ تنفيذ ذلك بأن أُلغي البغاء في القرى وحَرُم شرب الخمر في المناسبات الإسلامية.


لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب؛ ففي نهاية فبراير 1943م أصدر النحاس باشا قرارًا بإغلاق جميع شعب الإخوان إلا المركز العام فإنه استمر مفتوحًا، لكنه أصبح مراقبًا، إلا أن الشُّعَب فتِحت مرةً أخرى بعد انسحاب الإمام البنا من الترشيح في الانتخابات.


بعدها حاول النحاس باشا استيعاب الإخوان فأرسل بعض وزراء على رأسهم فؤاد سراج الدين لزيارة المركز العام وكان ذلك في 16مايو 1943م، وقد خطب فؤاد سراج الدين بقوله: "إن دعوة الإخوان سيكون لها شأن عظيم في المستقبل، حيث سيلتقي عندها الجميع، وتكون الوسيلة الوحيدة لإنقاذ المجتمع المصري".


كما أكد الإمام البنا أثناء زيارتهم أن دعوة الإخوان لم تنزلق في مزالق السياسة، ولم تتلوَّن يومًا بألوان الحزبية، كما أنها لم تتورَّط في المنافع الشخصية، ولم تخضع لحكومة ولا لسلطان أي من الحكام أو الوجهاء، ولم تعمل ولن تعمل لحساب هيئة من الهيئات ولا شخص من الأشخاص، فهي دعوة الإسلام تعمل لله وزعيمها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يلتمس الإخوان العون إلا من الله.


لم تقتصر العلاقة على ذلك فحسب، لكن عندما أعلن النحاس باشا إعجابه بمصطفى كمال أتاتورك وإعجابه بتركيا العلمانية؛ ردَّ عليه الإمام البنا بقوله: "فدولتكم أكبر زعيم شرقي، عرف الجميع فيه سلامة الدين وصدق اليقين، وموقف الحكومة التركية الحديثة من الإسلام وأحكامه وتعاليمه وشرائعه معروفٌ في العالم كله لا لبْسَ فيه، فالحكومة التركية قلبت نظام الخلافة إلى الجمهورية، وحذفت القانون الإسلامي وحكمت بالقانون السويسري".


لقد أقال الملك وزارة الوفد في ٨/١٠/١٩٤٤م، وجاء بوزارة أحمد ماهر باشا غير أن الوفد ظل على عداوته للإخوان؛ بسبب أن كثيرًا من العناصر الشيوعية استطاعت أن تخترق الوفد وتسيطر على أماكن مؤثرة فيه، كما استطاعت أن توجه الوفد لكراهية الإخوان والصدام معهم، حتى إن الحركة المصرية للتحرير الوطني (حمتو) سعت للاندماج في الطليعة الوفدية، ولقد برز نشاط الشباب اليساري في الوفد من خلال جريدة (الوفد المصري)، والتي كانوا يعملون من خلالها ويتخذونها منبرًا لتوصيل أفكارهم ومهاجمة خصوصهم.


وكما احتضن الوفد الشيوعيين؛ احتضن كلَّ المخالفين للإخوان، وفتح صحفه أمام هؤلاء ليسبُّوا الإخوان ويتهمونهم بأبشع الاتهامات مثلما حدث مع الأستاذ عبد الحكيم عابدين صهر الإمام البنا، كما كتبت صحيفة (صوت الأمة) عدة مقالات تحت عنوان "الإخوان المسلمون جماعة تهوى".


119648 1185547929.jpg

فكتب الإمام البنا للنحاس باشا يقول له: "لقد فكرت طويلاً في الدافع إلى هذه الخصومة بين الوفد والإخوان فلم أهتدِ إلا إلى أحد سببين، أو هما معًا: فإما أن رجال الوفد لا زالوا يفكرون بعقلية عام 1920 فيقولون: إن الأمة هي الوفد، والوفد هو الأمة، وأن الشعب قد منحه توكيلاً لا نقض فيه ولا إبرام، ويسقطون من حسابهم ربع قرن في حياة هذا الوطن، تبدَّلت فيه الأرض غير الأرض، وتغيرت النفوس والعقول والأوضاع، وأُعلن الدستور، ونشأت الأحزاب، وقامت المجالس النيابية، وانتقل إلى الدار الآخرة أكثر الوكلاء والموكلين على السواء، وظهرت أفكار ودعوات، وشبَّ عن الطوق هيئات وجماعات، وهذا التفكير تخلَّف عن ركب الحياة، ومغالبة لسنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، وعلى هذا الأساس يحارب الوفد الإخوان، كما حارب الشبَّان بالأمس، وكما حارب جمعية القرش من قبل، وكما حارب كثيرًا من الجماعات والهيئات، ولكن النتيجة اليوم لن تكون كما كانت حين ذاك والعاقبة للمتقين..

هذا سبب والسبب الثاني، ودعني يا رفعة الباشا أتحدث إليك عنه بكل صراحة، فالدين النصيحة، أن الوفد في أيامه الأخيرة قد تخللت صفوفه طوائف وأفواج من ذوي الآراء الخطرة والمبادئ الهدامة الذين لا يدينون بغير الشيوعية مذهبًا، ولا يؤمنون بغير موسكو قيادة وتوجيهًا، وقد رأوا في الوفد- الذي يعوزه الدم الجديد والمنهاج الجديد- خير ستار يعملون خلفه ويمثلون ما يريدون من مهازل على مسرحه، فيلعبون على الحبلين، ويبتزون المال من الجهتين، ويتمرغون فيي أحط الشهوات باسم الأحزاب والدعوات، ونظرة دقيقة واحدة من رفعتك إلى حضرات المحرِّرين في (صوت الأمة) وفي رابطة الشباب أو الطليعة الوفدية وفي هيئة تحرير الحوادث والجماهير، وفي ممثلي الطلاب الوفديين في المدارس والمعاهد تكشف لك عن أن هؤلاء جميعًا ليس فيهم من الوفدية إلا اسمها الذي يتبرمون به في مجالسهم الخاصة".


وفي يوم السبت 6 يوليو 1946م قام الإمام البنا بزيارة شعبة بورسعيد، غير أن الوفديين كان لهم رأي آخر فقد أعدوا العدة لمنع زيارته في بورسعيد أو قتله، فما كاد الإمام البنا يصل للشعبة حتى فوجئ بهجوم الوفديين على الشعبة وقاموا بحرقها على من فيها، ولقد استطاع الإمام البنا النجاة ومن معه من هذا الحريق، بل لم يكتفِ الوفديون بذلك، بل ذهبوا إلى نادي الإخوان على البحر، وقاموا بحرقه ويبدو أن الأمر كان معدًّا له ومخططًا له من قبل الوفديين.


وليس ذلك فقط بل قام أحد الطلاب التابعين للهيئة الوفدية بمدرسة شبين الكوم الثانوية بقتل الطالب صادق مرعي؛ بسبب نشاطه، وأنه كان يعتبر زعيم الطلبة الإخوان في المدرسة، وتم القبض على الطالب الوفدي الذي أكد الشهود أنه تعمَّد قتل صادق مرعي، كما اعترف شريكه أنهم كانوا يعدون العدة لذلك وأنه أمسك صادق لصاحبه حتى يسدد له الطعنة، وكادت أن تنشب فتنة بين طلبة الإخوان والإخوان في شبين وبين الوفديين، لولا أن الإمام البنا أرسل لهم نداءً يقول فيه: "يا طلاب شبين الكوم، فوصيتي لكم خاصة أن تحتسبوا فقيدكم الكريم لله عز وجل, وأن تتركوا للقضاء ما يعين له من الحكم الرادع أن شاء الله, وأن يكون استشهاد فقيدكم العزيز عبرةً تلمُّون بها شعثكم, وتجمعون بها شملكم، تقطعون بها الطريق على فتنة يراد بها التفريق بين صفوفكم, وصرفكم عما أنتم بسبيله من طلب العلم والتفرغ له، هذه وصيتي أزجيها إليكم وكلي فيكم أهل وثقة".


العلاقة بين الإخوان والوفد كبيرة وبها أحداث كثيرة لمن أراد أن يتعرف على الكثير.


للمزيد

1- طارق البشري.. الحركة السياسية في مصر 1945- 1952, الهيئة المصرية العامة للكتاب,1972م.

2- محمود عبد الحليم، الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الجزء الأول، دار الدعوة، 1999م.

3- جمعة أمين عبد العزيز، أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار النشر والتوزيع الإسلامية.

4- جمعة أمين عبد العزيز، من تراث الإمام البنا، دار النشر والتوزيع الإسلامية.

5- عبد الرحمن الرافعي: في أعقاب الثورة المصرية ثورة 1919- الجزء الثالث- الطبعة الثانية- طبعة دار المعارف- القاهرة 1409هـ/ 1989م.