الإخوان المسلمون والشيعة.. بين الرؤية الشرعية والممارسة السياسية "الجزء الرابع"

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون والشيعة.. بين الرؤية الشرعية والممارسة السياسية "الجزء الرابع"

موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)

الإخوان المسلمون و الشيعة .. الرؤية الشرعية

تنطلق نظرة جماعة الإخوان المسلمين للشيعة وعموم المذاهب والفرق والجماعات الإسلامية من مبدأ التجميع لا التفريق بعيداً عن الخلافات في الأمور الشرعية والفقهية والتي قد تتفاوت فيها الفتاوى والرؤى من فقيه إلى آخر طبقاً لمجالات الاجتهاد،وطبيعة الفهم للنص القرآنى، فكان لقيادات الإخوان وعلمائهم والمنتمين لفكر الإخوان الوسطى لهم بٌعد هام في فتاويهم، وكما ذكرنا سابقاً رؤية مؤسس الجماعة لمبدأ الخلاف والاختلاف بين المذاهب والفرق والجماعات الإسلامية.

إلا أنه من الثابت أن قيادات الجماعة ومفكريها قد تباينت مواقفهم ورؤاهم الفكرية تجاه الشيعة وهذا أمر وارد وطبيعى فى ظل اختلاف الرؤى الشرعية لعلماء الفقه تجاه الشيعة وخاصة فرقة الاثناعشرية، والملاحظ ان العامل المكانى والاحتكاك بفرق الشيعة كان له دور كبير فى تكوين الخلفيات الفكرية والمواقف السياسية تجاه الشيعة.

فإخوان مصر على سبيل المثال كان فكر التقريب بين الشيعة والسنة غالباً على الرؤى والمواقف ، بينما نجد فى سوريا مثلا وقد اكتووا بنيران حكم الطائفة العلوية موقف ممايز ومختلف تماماً وسنحاول من خلال هذا الفصل تناول مواقف مفكرى وقيادات الإخوان من الشيعة ومدى تأثير البعد المكانى فى تحديد تلك المواقف.

المبحث الأول: الشيعة فى فكر الإمام البنا

كان الإمام البنا رحمة الله عليه من دعاة التقريب دائماً والتعاون وعدم الخوض فى النزاعات المذهبية ويبدو هذا جلياً من خلال رؤاه الفكرية المحتلفة أو ممارسته العملية، فنجد تأسيس الإمام البنا لاحترام الخلافات الفقهية والشرعية من خلال الأصول العشرين.

وهي الأصول التي وضعها الإمام حسن البنا لفهم الإخوان المسلمين للإسلام ضمن القران الكريم والسنة وذكرها ضمن أركان البيعة في ركن الفهم في رسالة التعاليم، والتي تعتبر الرؤية والأرضية الفكرية والفقهية التي تقوم عليها الجماعة، فقد خصص الإمام البنا ستة اصول من الأصول العشرين وهى (الأصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والعشرين)، والتى تتناول بعض القضايا الخلافية

فيقول:

الأصل السادس: وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالإتباع، ولكنا لا نعرض للأشخاص فيما اختلف فيه ـ بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا.

الأصل السابع: ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الإتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلته، وان يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر.

الأصل الثامن: والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.

الأصل التاسع: وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأول مندوحة.

الأصل العاشر: ومعرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق بذلك من التشابه، نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (آل عمران:7).

الأصل العشرين: ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو بمعصية إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر.

وبقراءة بسيطة فى تلك الأصول نلاحظ وجود روح التقارب والتعاون تطغى على تلك الأصول الفقيهة التى انطلقت منها جماعة الإخوان المسلمين، ولم يكن الإمام البنا يؤسس لتلك الأصول من منطلق ترف فكرى أو ثقافى، بل كانت له خطوات عملية وجاده لتطبيق تلك الرؤى، فكان للامام البنا دور هام ورئيسى فى المشاركة فى تأسيس فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية والتى انطلقت عام 1948.

فترجع نشأة العلاقات بين الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية الشيعية قبل انتصار الثورة إلى حدود عام 1948 وذلك إثر تبني الأزهر لفكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية في نفس العام , وتشكيل " دار التقريب بين المذاهب الإسلامية " والتي ضمت عددا كبيرا من كبار العلماء المصريين الإيرانيين وكذلك من المشتغلين بالعمل الإسلامي ومن ضمنهم الإمام حسن البنا ومحمد تقي القمي حيث كانت مشاركة الإمام البنا والإمام القمي مدخلا للعلاقات المستقبلية بين الطرفين.

يقول الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام الثالث لجماعة الإخوان المسلمين

" في الأربعينات زار الإمام محمد تقي القمي وهو من أئمة المسلمين دار المركز العام للإخوان المسلمين ودارت بينه وبين الإمام الشهيد حسن البنا أحاديث طويلة لعدة مرات حول مبدأ التقريب بين المذاهب الإسلامية الستة ( الشافعية, المالكية, الحنفية , الحنابلة , الزيدية, الإمامية)..

وفي ذات الاتجاه يقول الأستاذ سالم البهنساوي وهو أحد قيادات الإخوان المصريين أيضا ومن الذين عاصروا الإمام البنا:

" منذ أن تكونت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي ساهم فيها الإمام البنا والإمام القمي والتعاون قائم بين الإخوان المسلمين والشيعة وقد أدي ذلك إلى زيارة نواب صفوي سنة 1954 للقاهرة.

وفي ذات السياق يذكر أن الإمام البنا التقي المرجع الشيعي آية الله كاشاني حينما حج إلى بيت الله الحرام عام 1948, حيث تباحثا في مختلف الأمور , وكانت وجهات النظر متفقة بينهما كما يذكر البعض وهذا الشيخ عبد المتعال الجبري (رحمه الله) -وهو واحد من الشخصيات البارزة في جماعة الإخوان المسلمين ممن عاصروا الإمام البنا وتتلمذوا على يديه- ينقل في كتابه " لماذا اغتيل حسن البنا ؟ " عن الكاتب الأمريكي روبير جاكسون قوله :

"..... ولو طال عمر هذا الرجل (يقصد الإمام حسن البنا) لكان يمكن أن يتحقق الكثير لهذا البلد, وخاصة لو اتفق حسن البنا وآية الله الكاشاني الزعيم الإيراني على أن يزيلا الخلاف بين الشيعة والسنة وقد التقي الرجلان في الحجاز عام 1948 , ويبدو أنهما تفاهما ووصلا إلى نقطة رئيسية لولا أن عوجل حسن البنا بالاغتيال"....

ويعلق الشيخ الجبري على ذلك قائلا :

" لقد صدق روبير وشم بحاسته السياسية جهد الإمام في التقريب بين المذاهب الإسلامية فما باله لو أدرك عن قرب دوره الضخم في هذا المجال . مما لا يتسع المقام لذكره " .

ويقول الأستاذ عمر التلمسانى:

كان الإمام الشهيد رضوان الله عليه ،شديد الحرص على قيام الوحدة الإسلامية، ولا يزال الإخوان المسلمون وسيظلون يعملون لقيام هذه الوحدة مهما لاقوا في سبيل هذا المطلب الجليل لأن المسلمين أمة واحدة بنص القرآن: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة".

وفي الأربعينيات على ما أذكر كان السيد القمى وهو شيعي المذهب ينزل ضيفاً على الإخوان في المركز العام، ووقتها كان الإمام الشهيد يعمل جاداً على التقريب بين المذاهب، حتى لا يتخذ أعداء الإسلام الفرقة بين المذاهب منفذاً يعملون خلاله على تمزيق الوحدة الإسلامية.

وسألناه يوماً – والكلام للتلمسانى- عن مدى الخلاف بين أهل السنة والشيعة، فنهانا عن الدخول في مثل هذه المسائل الشائكة، التي لا يليق بالمسلمين أن يشغلوا أنفسهم بها، والمسلمون على ما نرى من تنابذ يعمل أعداء الإسلام على إشعال ناره.

قلنا لفضيلته:

نحن لا نسأل عن هذا للتعصب أو توسعة لهواة الخلاف بين المسلمين، ولكننا نسأل للعلم، لأن مابين السنة والشيعة مذكور في مؤلفات لا حصر لها ، وليس لدينا من سعة الوقت مايمكننا من البحث في تلك المراجع.

فقال رضوان الله عليه:

اعلموا أن أهل السنة والشيعة مسلمون تجمعهم كلمة لإاله إلا الله وان محمدا رسول الله، وهذا اصل العقيدة، والسنة والشيعة فيه سواء، وعلى التقاء، أما الخلاف بينهما فهو في أمور من الممكن التقريب فيها بينهما.

قلنا وما مثال ذلك؟قال الشيعة فرق، تشبه على التقريب مابين المذاهب الأربعة عند أهل السنة. فالشيعة الإمامية مثلا، يقولون إن الإمامية أصل لازم في الإسلام ولابد من تحققه، وهم لايقاتلون إلا مع إمامهم المنتظر، لأن الإمام هو الذى يحافظ على الشريعة، وقوله فصل في أحكامها، وطاعته ملزمه على الإطلاق.

وهناك بعض فوارق من الممكن إزالتها كنكاح المتعة، وعدد الزوجات للمسلم وذلك عند بعض فرقهم ، وما أشبه ذلك مما لايجب ان نجعله سبباً للقطيعة بين أهل السنة والشيعة، ولقد قام المذهبان جنباً إلى جنب مئات السنين دون أن يحصل احتكاك بينهما إلا في المؤلفات مع العلم بأن أئمتهم قد أثروا التأليف الإسلامى ثروة لاتزال المكتبات تعج بها، "انتهى رأى الإمام الشهيد".

وفي كتابه ( الملهم الموهوب – حسن البنا ) يقول الأستاذ عمر التلمساني:

" وبلغ من حرصه ( حسن البنا ) على توحيد كلمة المسلمين أنه كان يرمي إلى مؤتمر يجمع الفرق الإسلامية لعل الله يهديهم إلى الإجماع على أمر يحول بينهم وبين تكفير بعضهم خاصة وأن قرآننا واحد وديننا واحد ورسولنا صلى الله عليه وسلم واحد وإلهنا واحد ولقد استضاف لهذا الغرض فضيلة الشيخ محمد القمي أحد كبار علماء الشيعة وزعمائهم في المركز العام فترة ليست بالقصيرة.

المبحث الثانى:الشيخ محمد الغزالي

يٌمثل الشيخ محمد الغزالي أحد رموز الفكر الإسلامى الوسطى فى العالم الإسلامى فللغزالى "رحمة الله" رؤية تقاربية، فقد أدرك الشيخ الغزالي -رحمه الله- خطورة الشقاق بين السنة والشيعة وأعطي تصوره في كتابه (دستور الوحدة الثقافية) الذي يعرض للمبادئ الأساسية المشتركة بين السنة والشيعة, بل حذر من التفريق والخلاف وذرع بذور الفتنة بين الطرفين.

يقول الشيخ محمد الغزالي:

قبل أن نذكر الأسباب العادية لوجود المذاهب الفقهية، نحب أن نقرر أموراً ذات بال فى مجال الثقافة الإسلامية:

  1. إن المتفق عليه كثير جداً، وإن التشبث به وحده كاف فى النجاة. فالإيمان بالله ولقائه والسمع والطاعة لما جاء عنه، وأداء الأركان المجمع عليها فى ميدان العبادات وترك المعاصى المجمع عليها فى ميدان المحظورات، وبناء النفوس على مكارم الأخلاق وأشرف التقاليد ... إن هذا كله يقيم أمة لها مكانتها فى الدنيا والآخرة. ولكن جماهير من الدهماء، والأذكياء شغلتها للأسف الخلافات العارضة، ولم تحسن استثمار ما انعقد الإجماع عليه، وكادت تٌضيع الإسلام ذاته بهذا العوج الفكرى.
  2. المذاهب الإسلامية الكبرى اختلفت فى الفروع، لافى الأصل ، وكان من الممكن أن يتعاون الأتباع فيما اتفقوا فيه، وأن يعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا عليه،وهذا ما آثره أولو الألباب، ولكن المرضى بالشقاق عكروا الصفو ومزقوا الشمل.
  3. عند التأمل فى التركة الثقيلة من الخلافات التى ورثناها نجد أن بعضها أملاه الترف العقلى، وأن بعضاً آخر لفظى لامحصل له، وأن منها ما أشعل ناره الإستبداد السياسى، واستبقاه عمداً إلى يومنا هذا... وأن منها مايصح أن يكون مسرحاً لنفر من الخاصة ويُعد شغل الجماهير به جرماًم وأن منها ماجمده المقلدون المذهبيون لقصور شائن فى معرفتهم!.

ويقول:

(إنني لا أستطيع خلال سطور, أن أحل مشكلة تراخت عليها العصور, لكنني ألفت النظر إلي أن أوهامًا وأهواءً تملأ الجو بين الشيعة وجماعة المسلمين لا يسيغ العقلاء بقاءها, ولو وُضع كل شيء في حجمه الطبيعي, وأغلقت الأفواه التي تستمرئ الوقيعة والإفك لتلاشت أنواع من الفرقة لا مساغ لوجودها.

وإني إذ أرسل هذه الكلمات إلي إخواني في كل قطر, أستشعر الخطر الذي يكتنف المسلمين هنا وهناك, وكثافة القوي التي تتجمع في هذه الأيام للإجهاز عليهم واستئصال شأفتهم, لقد اتفقت أحزاب أهل الكتاب وأحزاب الوثنية, وأحزاب الماديين, جميعًا علي استئصال شأفتنا.. فإلي متي تتفرق?).

وهنا يعرض -رحمه الله- المبادئ التي يعتبرها دفعًا لطريق التصالح والإخاء بين السنة والشيعة.

فيقول:

أولاً: يتفق الفريقان في مؤتمر جامع علي أن القرآن الكريم هو كتاب الإسلام المصون الخالد, والمصدر الأول للتشريع, وأن الله حفظه من الزيادة والنقص وكل أنواع التحريف, وأن ما يتلي الآن هو ما كان يتلوه النبي -صلي الله عليه وسلم- علي أصحابه, وأنه ليس هناك في تاريخ الإسلام كله غير هذا المصحف الشريف.

ثانيًا: السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم, والرسول أسوة حسنة لأتباعه إلي قيام الساعة, والاختلاف في ثبوت سنة ما أو عدم ثبوتها مسألة فرعية.

ثالثًا: ما وقع من خلاف بين القرن الأول يدرس في إطار البحث العلمي والعبرة التاريخية, ولا يُسمح بامتداده إلي حاضر المسلمين ومستقبلهم, بل يُجمد من الناحية العملية تجميدًا تامًا, ويترك حسابه إلي الله وفق الآية الكريمة {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (البقرة: 134).

رابعًا: يواجه المسلمون جميعًا مستقبلهم علي أساس من دعم الأصول المشتركة -وهي كثيرة جدًا- وعلي مرونة وتسامح في شتي الفروع الفقهية ووجهات النظر المذهبية الأخري.

أما القول بأن الشيعة أخطر علي المسلمين السنة من اليهود فهو فهم خاطئ لأن خطر اليهود علي المسلمين شديد لا يفوقه خطر) إذ يشمل العقيدة والشريعة والأرض والعرض والثروات, وهذا القول نتيجة تكبير الاختلاف في بعض الجزئيات, وتناسي التوافق في الأمور الأخري, وهذا يفتح طريق الفتنة علي المسلمين ويمزق الأمة, وتكون الفرصة والغنيمة للعدو المتربص والله يوجهنا بقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } (آل عمران: 103).

- أما كونهم سيتفرغون لأهل السنة, فهو كلام خطير جداً علي تواجدهم وبقائهم ووحدتهم التي تحاول اليوم صد العدو الحاقد.. فهل يعقل أن نخلق جو العداء والبغضاء بين طوائف المسلمين?!

إن أفضل هدية نهديها للعدو اليهودي اليوم هي أن نشيع أجواء الخلاف بين السنة والشيعة, وهنا يكون الدمار, بينما الحق يقرر عداوة اليهود بقوله {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليهود وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} (المائدة: 82).

إن ما أصاب المسلمين اليوم من هذه الفتاوي الساذجة التي لا تبصر شيئًا من الواقع.. لهي في حقيقتها حرب علي الجهاد والمقاومة, بل حرب علي الشرفاء الأبطال من هذه الأمة الذين يقومون بواجب الدفاع والنصرة عن الضعفاء المنكوبين من أبناء الأمة الذين خذلهم حكامهم بتواطئهم الحقير وعمالتهم الخسيسة مع الصليبية والصيهونية.

ويضيف الشيخ محمد الغزالي في كتابه ( كيف نفهم الإسلام):

" ولم تنج العقائد من عقبى الاضطراب الذي أصاب سياسة الحكم وذلك أن شهوات الاستعلاء و الاستئثار أقحمت فيها ما ليس منها فإذا المسلمين قسمان كبيران ( شيعة وسنة) مع أن الفريقين يؤمنان بالله وحده وبرسالة محمد; ولا يزيد أحدهما على الآخر في استجماع عناصر الاعتقاد التي تصلح بها الدين وتلتمس النجاة"

وفي ص:143 يقول الغزالي:

" وكان خاتمة المطاف ان جعل الشقاق بين الشيعة و السنة متصلاً بأصول العقيدة!! ليتمزق الدين الواحد مزقتين وتتشعب الأمة الواحدة- إلى شعبتين كلاهما يتربص بالآخر الدوائر بل يتربص به ريب المنون، إن كل امريء يعين على هذه الفرقة بكلمة فهو ممن تتناولهم الآية { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} " ..

وفي ص: 144-145 يقول الغزالي :

" فإن الفريقين يقيمان صلتهما بالإسلام على الإيمان بكتاب الله وسنة رسوله فإن اشتجرت الآراء بعد ذلك في الفروع الفقهية و التشريعية فإن مذاهب المسلمين كلها سواء في أن للمجتهد أجره أخطأ أم أصاب"، ثم يقول :" إن المدى بين الشيعة و السنة كالمدى بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة و المذهب الفقهي لمالك أو الشافعي" ، ثم يختم الغزالي كلامه بقوله:"ونحن نرى الجميع سواء في نشدان الحقيقة وإن اختلفت الأساليب".

كما يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه ( ظلام من الغرب) ما نصه:

" ولماذا لا توضع أمام الطلاب في الصفوف العليا أو الدنيا صورة صادقة لتفكير الإمامية في الأصول و الفروع و السنن المختلفة "

ويقول الغزالي أيضاً في كتابه ص:253 ما نصه :

" وسمعت في مصر من يرى أن الفرس كفاراً لأنهم يلعنون الشيخين الجليلين: أبا بكر وعمر رضي الله عنهما!! .. ولو ذهبت استقصي قالة السوء التي يتقاذف الناس بها لأعياني العد ".

ويستمر الغزالي في كلامه فيقول في ص:259 ما نصه:

" و الحق أن المسلم يحس باستحياء وهو يرى أهله الذين تجري في عروقهم دماء عقيدة واحدة قد مزقتهم الليالي الكوالح، فإذا هم متناكرون مستوحشون، لا إيلاف بينهم ولا إيناس.. وتبحث عن علة محترمة لهذه الفرقة السحيقة فلا تجد، اللهم إلا ما يرثه الأولاد أحياناً عن آبائهم من أمراض خبيثة يحملون آلامها ولا يعلمون مأتاها".

المبحث الثالث :الدكتور مصطفي السباعي

يٌعد الدكتور مصطفي السباعي مؤسس جماعة الإخوان المسلمين بسوريا وأحد أشهر مفكرى العالم الإسلامى من دعاة التقارب والمهتمين بمسألة التقريب وقد بذل عدة مساع مع بعض علماء الشيعة لتحقيق هذا الأمر، وسعي لعقد مؤتمر إسلامي لدراسة السبل الكفيلة للإرساء دعائم الألفة والمودة والتقارب بين الفريقين .

وبدأ تطبيق بعض ما يراه من وسائل التقريب بنفسه فأخذ يعرض فقه الشيعة في مؤلفاته ودروسه في كلية الشريعة بجامعة دمشق .

وكان يري من أكبر العوامل في التقريب أن يزور علماء الفريقين بعضهم بعضا، وأن تصدر الكتب والمؤلفات التي تدعوا إلي التقارب كما يري عدم إصدار الكتب التي تثير ثائرة أحد الطرفين .

ومن أقواله:

( فأعود فأكرر دعوتي للمخلصين من علماء الشيعة وفيهم الواعون الراغبون في جمع كلمة المسلمين - أن نواجه المشاكل التي يعانيها العالم الإسلامي اليوم في انتشار الدعوات الهدامة ، التي تجتث جذور العقيدة من قلوب شباب السنة وشباب الشيعة على السواء).
( يجب أن تنصب جهود المخلصين من أهل السنة والشيعة، إلى جمع الشتات وتوحيد الكلمة، إزاء الأخطار المحدقة بالعالم الإسلامي وبالعقيدة الإسلامية من أساسها ).

كما قام د. مصطفي السباعي بزيارة أحد مراجع الشيعة الكبار ومن يعتبر عندهم من أكبر دعاة الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب والدعوة إلي توحيد الصف وجمع الكلمة وهو شيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي فألفاه متحمسا لهذه الفكرة ومؤمنا بها وأتفق معه علي عقد مؤتمر إسلامي بين علماء السنة والشيعة لهذا الغرض ، كما قام السباعي بزيارة وجوه الشيعة من سياسيين وتجار وأدباء للغرض نفسه ، وخرج من هذه الاتصالات فرحا جذلا لحصوله علي تلك النتائج .

ولكن فوجئ السباعي – كما يقول – بعد فترة بأن هذا الموسوي المتحمس للتقرب قام بإصدار كتاب " في أبي هريرة " مليء بالسباب والشتائم بل أنتهي فيه إلي القول " بأن أبا هريرة رضي الله عنه كان منافقا كاذبا وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه من أهل النار " ثم يقول السباعي " لقد عجبت من موقف عبد الحسين في كلامه وفي كتابه معا ذلك الموقف الذي لا يدل علي رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي".

ويذكر السباعي أن غاية ما قدمه شيوخ الشيعة تجاه فكرة التقريب هي جملة من المجاملة في الندوات والمجالس مع استمرار كثير منهم في سب الصحابة وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يروي في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار ويذكر أنهم وهم ينادون بالتقريب لا يوجد لروح التقريب آثر بين علماء الشيعة في العراق وإيران فلا يزال القوم مصرين علي ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنة إلي مذهب الشيعة.

ويضيف السباعي:

أن كل بحث علمي في تاريخ السنة أو المذاهب الإسلامية لا يتفق مع وجهة نظر الشيعة يقيم بعض علمائهم النكير علي من يبحث في ذلك ويتسترون وراء التقريب ويتهمون صاحب هذا البحث بأنه متعصب معرقل لجهود المصلحين في التقريب ،ولكن كتابا ككتاب " عبد الحسين شرف الدين " في الطعن بأكبر صحابي موثوق في روايته لأحاديث في نظر أهل السنة لا يراه أولئك الغائبون أو الغاضبون عملا معرقلا لجهود الساعين إلي التقريب .

ويقول السباعى:

" ولست أحصر المثال بكتاب "أبي هريرة " المذكور ، فهنالك كتب تطبع في العراق وفي إيران وفيها من التشنيع علي جمهور الصحابة ما لا يتحمل إنسان ذو وجدان وضمير مما يؤجج نيران التفرقة من جديد هذه تجربة الشيخ السباعي رحمه الله ومحاولته أفلست أمام تعصب شيوخ الشيعة وإصرارهم في عدوانهم علي خير جيل وجد في خير القرون .

وأصبح التقريب في مفهوم الشيعة أن يتاح لهم المجال في نشر عقائدهم في ديار السنة، وأن يستمروا في نيلهم من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم، أن يسكت أهل السنة عن بيان الحق، وإن سمع الروافض صوت الحق يعلوا هاجوا وماجوا قائلين إن الوحدة في خطر.

ويختم د السباعى أحد فصوله بقوله" خلاصة القول :

ان السنة الصحيحة لقيت من عنت الشيعة والخوارج عناء كبيراِ، وكان لارائهم الجامحة فى الصحابة أثر كبير فى اختلاف الآراء والأحكام فى الفقه الإسلامى، وفيما أثير حول السنة من شبه ، ستطلع عليها عند الكلام عن شبه المستشرقين وأشياعهم.

المبحث الرابع: الشيخ القرضاوي والشيعة

يعتبر الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي من أهم رموز علماء السنة فى السنوات الأخيرة وأحد الرموز الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين وإن كان غير مرتبط بها تنظيمياً، وكان للدكتور القرضاوي صولات وجولات مع الملف الشيعى سواء بداية بالمشاركة فى مؤتمرات التقريب بين السنة والشيعة، وختاماً بالقضية التى فجرها بتحذيره من التبشير الشيعى.

ويجيب الشيخ القرضاوي في فتوى له على موقعه عن سؤال حول جواز زواج المسلم السني من المسلمة الشيعية

ويجيب الدكتور القرضاوي بقوله:

إن من الأفضل زواجه من سنية مثله لأن الزواج من مذهب مختلف يسبب خلافات كثيرة بينهما، ومن ناحية الجواز يجوز، ولكنه ليس بالزواج المثالي، ومن الأفضل إن رغب بها وكان لابد من زواجه من شيعية أن لا تكون متعصبة للشيعة لا هي ولا أهلها، وأن تكون من الشيعة السهلين الذين يدخلون المساجد ويصلون مع السنيين ويحضرون الخطب ولا تفرقهم عن بعض، فإن كانت كذلك فلا بأس.

وردا على سؤال بشأن مواقفه من إيران وما يثار عن نشرها التشيع، أعاد د. القرضاوي التأكيد على هذه المواقف قائلا: "نحن لسنا ضد إيران كدولة".

وأوضح:

"أن إيران شيئان الدولة والمذهب، فالدولة ما زلنا نؤيدها ودافعت عنها، وعندما هددتها أمريكا قلت أنا ضد أمريكا، ومن حق إيران أن تمتلك الطاقة النووية السلمية، ولو قاتلتها أمريكا لوقفنا نقاتلها".

وأضاف:

"أما إيران المذهب، وما يحدث من ورائه من محاولات تشييع فنحن نرفضها، فنحن أهل السنة مؤمنون أننا على حق".

واستطرد الدكتور القرضاوي في معرض إجابته:

"لا نريد أن يتم تحويلنا إلى شيعة، كما لا نريد أن نحول الشيعة إلى سنة، وفي هذا المقام نرفض أي تغلغل شيعي في ديار أهل السنة".

وكان د. القرضاوي قد طالب مؤخرا في تصريحات لوسائل الإعلام بالتصدي "للمد الشيعي في المجتمعات السنية"، وبوقف الإساءات الصادرة من جهات شيعية لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

كما يوضح الدكتور القرضاوى موقفه من قضية التقريب بين الشيعة والسنة بمزيد من التوضيح عقب الأزمة التى حدثت بعد تصريحه لجريدة المصري اليوم والذى حذر فيه من التبشير بالمذهب الشيعى وثارت الأزمة لمدة غير قصيرة

وأصدر الدكتور القرضاوي خلالها عدة بيانات للرد والتوضيح كان أهمها هو ما أسماه (بيان للناس حول موقفي من الشيعة وما قالته وكالة أنباء مهر الإيرانية والرد على الشيخين فضل الله والتسخيري).

وفيه وضح موقفه من الأحداث المثارة عامة وموقفه من الشيعة على وجه الخصوص وسنكتفى هنا بطرح موقف الدكتور القرضاوي من الشيعة دونما الخوض فى رده على بعض رموز الشيعة.

ويقول د.القرضاوى:

شنَّت وكالة أنباء (مهر) الإيرانية شبه الرسمية في 13 من رمضان 1429هـ الموافق 13 سبتمبر 2008م، هجوما عنيفا على شخصي، تجاوزت فيه كلَّ حدٍّ، وأسفَّت إسفافا بالغا لا يليق بها، بسبب ما نشرته صحيفة (المصري اليوم) من حوار معي تطرَّق إلى الشيعة ومذهبهم.

قلتُ فيه: أنا لا أكفرهم، كما فعل بعض الغلاة، وأرى أنهم مسلمون، ولكنهم مبتدعون. كما حذَّرت من أمرين خطيرين يقع فيهما كثير من الشيعة،

أولهما: سبُّ الصحابة

والآخر: غزو المجتمع السني بنشر المذهب الشيعي فيه.

ولا سيما أن لديهم ثروة ضخمة يرصدون منها الملايين بل البلايين، وكوادر مدرَّبة على نشر المذهب، وليس لدى السنة أيَّ حصانة ثقافية ضدَّ هذا الغزو. فنحن علماء السنة لم نسلِّحهم بأيِّ ثقافة واقية، لأننا نهرب عادة من الكلام في هذه القضايا، مع وعينا بها، خوفا من إثارة الفتنة، وسعيا إلى وحدة الأمة.

هذا الكلام أثار الوكالة، فجنَّ جنونها، وخرجت عن رشدها، وطفقت تقذفني بحجارتها عن يمين وشمال. وقد علَّق على موقفي العلامة آية الله محمد حسين فضل الله، فقال كلاما غريبا دهشتُ له، واستغربتُ أن يصدر من مثله.

كما علَّق آية الله محمد علي تسخيري، نائبي في رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقال كلاما أعجب من كلام فضل الله.

موقف الشيخ القرضاوي من الشيعة ومذهبهم

يوضح الشيخ القرضاوي موقفه من الشيعة فى بيانه المذكور فيقول:

وأودُّ هنا قبل أن أردَّ على ما قاله هؤلاء جميعا، أن أبيِّن موقفي من قضية الشيعة الإمامية ومذهبهم ومواقفهم، متحرِّيا الحق، ومبتغيا وجه الله، مؤمنا بأن الله أخذ الميثاق على العلماء ليبيِّنن للناس الحقَّ ولا يكتمونه.

وقد بينته من قبل في كتابي (مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية)، وأصله بحث قدمته لمؤتمر التقريب الذي عُقد في (مملكة البحرين). وما أقوله اليوم تأكيد له.

أولا: أنا أؤمن أولا بوحدة الأمة الإسلامية بكلِّ فِرَقها وطوائفها ومذاهبها، فهي تؤمن بكتاب واحد، وبرسول واحد، وتتَّجه إلى قِبلة واحدة. وما بين فِرَقها من خلاف لا يُخرِج فرقة منها عن كونها جزءا من الأمة، والحديث الذي يُعتمد عليه في تقسيم الفرق يجعل الجميع من الأمة، "ستفترق أمتي ...". إلا مَن انشقَّ من هذه الفرق عن الإسلام تماما، وبصورة قطعية.

ثانيا:هناك فرقة واحدة من الفرق الثلاث والسبعين التي جاء بها الحديث هي وحدها (الناجية)، وكلُّ الفرق هالكة أو ضالة، وكلُّ فرقة تعتقد في نفسها أنها هي الناجية، والباقي على ضلال.

ونحن أهل السنة نوقن بأننا وحدنا الفرقة الناجية، وكلُّ الفرق الأخرى وقعت في البدع والضلالات، وعلى هذا الأساس قلتُ عن الشيعة: إنهم مبتدعون لا كفار، وهذا مُجمَع عليه بين أهل السنة، ولو لم أقل هذا لكنتُ متناقضا، لأن الحقَّ لا يتعدَّد، والحمد لله، فحوالي تسعة أعشار الأمة الإسلامية من أهل السنة، ومن حقهم أن يقولوا عنا ما يعتقدون فينا.

ثالثا:إن موقفي هذا والكلام للقرضاوى هو موقف كلِّ عالم سنيٍّ معتدل بالنسبة إلى الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، أما غير المعتدلين فهم يصرِّحون بتكفيرهم؛ لموقفهم من القرآن، ومن السنة، ومن الصحابة، ومن تقديس الأئمة، والقول بعصمتهم، وأنهم يعلمون من الغيب ما لا يعلمه الأنبياء. وقد رددت على الذين كفروهم، في كتابي (مبادئ في الحوار والتقريب).

ولكني أخالفهم في أصل مذهبهم وأرى أنه غير صحيح.

وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي بالخلافة من بعده، وأن الصحابة كتموا هذا، وخانوا رسولهم، وجحدوا عليا حقَّه، وأنهم تآمروا جميعا على ذلك.

والعجب أن عليًّا لم يعلن ذلك على الملأ ويقاتل عن حقِّه. بل بايع أبا بكر وعمر وعثمان، وكان لهم معينا ومشيرا. فكيف لم يواجههم بالحقيقة؟ وكيف لم يجاهر بحقه؟ وكيف تنازل ابنه الحسن عن خلافته المنصوص عليها لمعاوية؟ وكيف يمدحه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ذلك، وأن الله أصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين؟

وللشيعة بدع عملية مثل:

تجديد مأساة الحسين كل عام بلطم الوجوه، وضرب الصدور إلى حدِّ سفك الدم، وقد مضى على المصيبة أكثر من ثلاثة عشر قرنا؟ ولماذا لم يعمل ذلك في قتل والده، وهو أفضل منه؟ ومن ذلك الشركيات عند المزارات والمقابر التي دُفن فيها آل البيت، والاستعانة بهم ودعاؤهم من دون الله. وهو ما قد يوجد لدى بعض أهل السنة، ولكن علماءهم ينكرون عليهم ويشددون النكير.

من أجل ذلك نصفهم بالابتداع، ولا نحكم عليهم بالكفر البواح، أو الكفر الأكبر، المُخرِج من الملَّة. وأنا من الذين يقاومون موجة التكفير من قديم، وقد نشرتُ رسالتي (ظاهرة الغلو في التكفير)، مشدِّدا النكير على هذا الغلو، ونؤكِّد أن كلَّ مَن نطق بالشهادتين والتزم بمقتضاهما: دخل في الإسلام بيقين، ولا يخرج منه إلا بيقين. أي بما يقطع بأنه كفر لا شك فيه.

رابعا:أن الاختلاف في فروع الدين، ومسائل العمل، وأحكام العبادات والمعاملات، لا حرج فيه، وأصول الدين هنا تسع الجميع، وما بيننا وبين الشيعة من الخلاف هنا ليس أكبر مما بين المذاهب السنية بعضها وبعض.

ولهذا نقلوا عن شيخنا الشيخ شلتوت شيخ الأزهر رحمه الله:

أنه أفتى بجواز التعبُّد بالمذهب الجعفري؛ لأن التعبُّد يتعلَّق بالفروع والأحكام العملية، وما يخالفوننا فيه في الصلاة والصيام وغيرهما يمكن تحمُّله والتسامح فيه.

خامسا:أن ما قلتُه لصحيفة (المصري اليوم) هو ما قلتُه بكلِّ صراحة وأكَّدتُه بكلِّ قوَّة، في كلِّ مؤتمرات التقريب التي حضرتُها: في الرباط، وفي البحرين، وفي دمشق، وفي الدوحة، وسمعه مني علماء الشيعة، وعلقوا عليه، وصارحتُ به آيات الله حينما زرتُ إيران منذ نحو عشر سنوات: أن هناك خطوطا حمراء يجب أن ترعى ولا تتجاوز، منها: سب الصحابة، ومنها: نشر المذهب في البلاد السنية الخالصة. وقد وافقني علماء الشيعة جميعا على ذلك.

سادسا:إنني رغم تحفُّظي على موقف الشيعة من اختراق المجتمعات السنية، وقفتُ مع إيران بقوَّة في حقِّها في امتلاك الطاقة النووية السلمية، وأنكرتُ بشدَّة التهديدات الأمريكية لها، وقلتُ: إننا سنقف ضد أمريكا إذا اعتدت على إيران، وإن إيران جزء من دار الإسلام، لا يجوز التفريط فيها، وشريعتنا توجب علينا أن ندافع عنها إذا دخلها أو هدَّدها أجنبي.

وقد نوَّهَتْ بموقفي كلُّ أجهزة الإعلام الإيرانية، واتصل بي عدد من المسؤولين شاكرين ومقدِّرين. وأنا لم أقف هذا الموقف مجاملة، ولكني قلتُ ما يجب أن يقوله المسلم في نصرة أخيه المسلم.

كما يعقب أيضاً د القرضاوي حول بعض تجاوزات الشيعة فى نفس البيان فى رده على موقف الشيخ فضل الله فيقول:

أنكر الشيخ فضل الله اعتباري الشيعة (مبتدعة). ونسي الشيخ أني قلت هذا في مواجهة مَن يقول: إنهم كفَّار. ونحن أهل السنة نقول عن سائر الفرق الإسلامية: إنهم مبتدعون، ولكن بدعة غير مكفِّرة.

وهذا مقتضى أن الفرقة الناجية فرقة واحدة، وسائر الفرق وقعت في البدع والضلالات بنِسَب متفاوتة. والشيعة عندهم بدع نظرية وبدع عملية. من البدع النظرية: القول بالوصية لعلي، وعصمة الأئمة والمبالغة في تعظيمهم، وإضفاء القداسة عليهم، وأن السنة عندهم ليست سنة محمد، بل سنَّته وسنة المعصومين من بعده.

ومن البدع العملية: تجديد مأساة الحسين كلَّ عام، وما يحدث عند مزارات آل البيت من شركيات، وزيادة الشهادة الثالثة في الأذان وغيرها.

وما ذكره عن تحريف الشيعة للقرآن، فأنا ممَّن يؤمنون بأن الأكثرية الساحقة من الشيعة لا يعرفون قرآنا غير قرآننا، وأن هذا المصحف الذي يطبع في إيران هو نفسه الذي يطبع في المدينة، وفي القاهرة، وأنه هو الذي يفسِّره علماؤهم، ويحتجُّ به فقهاؤهم، ويستدلُّ به متكلموهم، ويحفظه صبيانهم. وهذا ما ذكرتُه في أكثر من كتاب من كتبي.

كل ما قلتُه:

إن بعضا من الشيعة ترى أن هذا القرآن ناقص، وأن المهدي حين يخرج سيأتي بالقرآن الكامل، وأن هناك مَن ألَّف كتابا في ذلك مثل كتاب (فصل الخطاب) وأن أكثرية الشيعة تنكر ذلك، ولكنها لا تكفره كما نفعل نحن أهل السنة، وهذا هو الفرق بيننا وبينهم.

وقد سجَّلت رأيي (والكلام للقرضاوى) كتابة عن موقف الشيعة من القرآن في بحثي الذي قدَّمته لمؤتمر التقريب في مملكة البحرين، ونشرتُه في رسالة سمَّيتها (مبادئ في الحوار والتقريب بين المذاهب والفرق الإسلامية)، جعلتُها من رسائل ترشيد الصحوة، التي تنشرها مكتبة وهبة في مصر، ومؤسسة الرسالة في لبنان.

وفيها رددتُ على الذين يتَّهمون الشيعة بالقول بتحريف القرآن، وبهذا يحقُّ أن نحكم بكفرهم. فكتبتُ في الردِّ على هؤلاء:

(فقد بيَّنا أن الشيعة جميعا يؤمنون بأن ما بين دفتي المصحف كلام الله المحفوظ المعجز الملزم للأمة، ولهذا يحفظون هذا القرآن، ويتعبَّدون بتلاوته، ويحتجُّون به في مسائل العقيدة، وفروع الأحكام، وهذا مُجمع عليه عندهم.
ولم نجد مصحفا يخالف مصحفنا، والمصحف الذي يطبع في إيران هو نفسه الذي يطبع في مصر والسعودية وأما دعوى أن هناك أجزاء ناقصة من القرآن، فليسوا متَّفقين عليها، بل يُنكرها محقِّقوهم.على أن هذه الزيادات المزعومة، لا يترتَّب عليها أمر عملي).

ويؤكد د.القرضاوي فى ختام بيانه على قوله بمحاولات الغزو الشيعى فيقول: أما ما قلته من محاولات الغزو الشيعي للمجتمعات السنية، فأنا مصر عليه، ولا بد من التصدي له، وإلا خنا الأمانة، وفرطنا في حق الأمة علينا.

وتحذيري من هذا الغزو، هو تبصير للأمة بالمخاطر التي تتهدَّدها نتيجة لهذا التهوُّر، وهو حماية لها من الفتنة التي يُخشى أن يتطاير شررها، وتندلع نارها، فتأكل الأخضر واليابس. والعاقل مَن يتفادى الشرَّ قبل وقوعه.

المبحث الخامس:العلامة ابو الحسن الندوي

تناول الاستاذ العلامة أبو الحسن الندوى ملف الشيعة فى كتابه صورتان متضادتان عند أهل السنة والشيعة الإمامية رؤيته للشيعة وماكان يجب أن تكون عليه الدولة الايرانية بعد نجاح الثورة الإسلام ية بها، وفيه تناول مقارنة بين العصر الإسلامى الأول ونموذج الدولة الإسلامية الصحيحة.

ونموذج الإمامية الاثنا عشرية والدولة التى بدأت ملامحها على يد الخمينى فيقول العلامة أبو الحسن الندوى:

كيف كان عصر الأسوة الحسنة؟! وما النتائج العملية التي تمخضت عن التعاليم النبوية وعن التربية المحمدية التي شرف بها المسلمون آنذاك؟ وكيف كانت أحوال أولئك الناس الذين نشؤوا وترعرعوا في أحضان النبوة، وفي ظل الرسالة المحمدية؟
كيف كانت أعمال ذلك الرعيل الأول؟ وكيف كان سلوك هذا الجيل الذي شهد شروق شمس الإسلام الوضاءة..؟ ما الخصائص التي ميزت النبي الكريم عن غيره من مؤسسي الديانات الأخرى؟ وكيف كانت نظرة الأسرة إليه؟ كيف كانت نظرة الأسرة إلى هذه الشخصية العظيمة؟!.
ماذا كانت نظرة آل البيت؟ وماذا كان سلوكهم العملي فيما يتعلق بالعمل من أجل الدعوة إلى دين الحق، ومن أجل إظهاره للعالمين؟ كيف كانت عزائمهم؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات جميعها تتخذ صورتين متضادتين متعارضتين:

الصورة الأولى: هي تلك التي تعرض للعالم على ضوء عقائد أهل السنة.

والصورة الثانية: هي تلك التي ظهرت من خلال عقائد وأقوال الفرقة الإمامية الإثنى عشرية، من خلال شرحها للدين، وتفسيرها للتاريخ الإسلامي، وتصورها الخاص له.

ولا يوجد هناك أي اتفاق أو تشابه بين الصورتين السابقتين.

ثم يتعرض للثورة الايرانية الإسلامية فيقول:

في السنوات الماضية، وحين قام آية الله روح الله الخميني بالدعوة إلى الثورة الإسلامية، وقضى على عرش الإمبراطورية البهلوية، وأقام كما قال الحكومة الإسلامية، وأوجد عهداً جديداً... كان من المتوقع وآثار ذلك وقرائنه كانت موجودة ألا يقوم بتقليب صفحات النزاع التاريخي القديم المتواصل بين الشيعة والسنة.
وذلك حتى تنتشر دعوته وتعم، وكان من المتوقع إن لم يكن قادراً على أن ينزع هذه الصفحات أن لا يقبلها على أقل تقدير، وإذا لم تكن الفرقة الإمامية الإثنى عشرية قادرة على إعلان براءتها من تلك العقائد لهدف سياسي أو لمصلحة محلية، فعلى الأقل لم يكن من الواجب إظهارها وإعلانها، بل كان الأمل المرجو من هذا الزعيم الذي حمل رأيه على كفه .
والذي قام بلا خوف وبلا تحسب لأية عواقب أو نتائج، وبلا مبالاة، وبخطب نارية أثار بها حماس الجماهير، فقلب نظام حكم الإمبراطورية البهلوية التي كان لديها من القوة العسكرية من الرسوخ والسلطة ما يشهد به العالم كله كان الأمل أن يعلن على أساس من فكره العميق ودراسته المستفيضة.
ومن أجل اتحاد المسلمين، وبوازع من الشجاعة الأخلاقية أنه لم تعد هناك ضرورة لإثارة تلك العقائد الهدامة التي تضرب بشدة على أصول الإسلام، والتي تسيء إليه وتقلل من شأنه، وقف حجر عثرة في طريق الدعوة للإسلام بين غير المسلمين، تلك التي كانت نتيجة مؤامرة خبيثة دبرها أعداء الإسلام في القرن الأول، وفي عهد الصحابة رضوان الله عليهم، والتي ظهرت نتيجة لعاطفة الانتقام لزوال الإمبراطورية الفارسية التي كانت قائمة في ذلك الوقت.
كان المرجو من آية الله أن يعلن أنه لم تعد هناك ضرورة لكل هذه المعتقدات، وأن علينا أن ننسى الماضي من أجل رفعة الإسلام، ومن أجل إصلاح البلاد الإسلامية، والقضاء على الفساد المتفشي في المجتمع الإسلامي...
وكان المرجو منه أيضاً أن يعلن بأنه من الواجب الآن أن نبدأ معاً رحلة جديدة، وأن ترتفع أمام أنظار العالم الصورة المزدهرة لماضي الإسلام وحاضره، وأن نعمل معاً على أن نجذب بقية أمم العالم إلى الإسلام.
إلا أن كتابات آية الله الخميني ورسائله التي كتبها لشرح ولتوضيح العقائد الشيعية وبكل وضوح وبكل عنف جاءت على خلاف كل التوقعات والقرائن، فقد وردت ، في كتابه: "الحكومة الإسلامية"، أو "ولاية الفقيه" تلك الأفكار ذاتها في حق الإمامة والأئمة... تلك الأفكار التي تصل بالأئمة إلى مقام الألوهية، وتثبت أفضليتهم على الأنبياء والرسل والملائكة، وأن الكائنات في مرحلتها التكوينية تابعة لهم خاضعة لسيطرتهم.
وهكذا أيضاً في كتابه "كشف الأسرار" بالفارسية، لا يجرح فقط صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة الخلفاء الثلاثة ، بل يتطاول عليهم بالسب والشتم بألفاظ لا تصلح إلا أن تطلق على جماعة ضالة مضللة، فاسقة فاجرة، فاسدة مفسدة.
ولقد ارتبطت قضية الإمامية والأئمة بدعوته، ولم تتخذ شكل إرشادات سرية أو شكل مناهج خاصة، بل اتخذت شكل رسائل مطبوعة ومنشورة.
وما يخص الخميني في أمر الإمامة والأئمة أي أفكاره الخاصة بالإمامة والأئمة وطعنه واتهامه للصحابة ـ لم يكن بالشيء المستتر الذي يخفي على الجميع، فقد انتشرت كتبه بأعداد تصل إلى مئات الآلاف في إيران، وفي خارجها.
وبناء عليه فقد كان من المتوقع تماماً ألا تلقى دعوته هذه أي قبول، وألا تنال أية استجابة، وألا يفهم على أنه زعيم الثورة الإسلامية، ومؤسس الحكومة الإسلامية، والقائد الزعيم المثالي، وخاصة بين دوائر أهل السنة وهم الذين يمثلون الأكثرية المسلمة في العالم وخاصة بعد أن أعلن عن اختلافه مع عقيدة الأمة الأساسية، ألا وهي عقيدة التوحيد.
وبعد أن أعلن عن رأيه في مشاركة النبوة وهي النتيجة الطبيعية لتعريف الإمامة وتحديد أوصاف الإمام وبعد أن جرح وطعن كبار شخصيات الصحابة الكرام الذين يحتلون مكانة تالية لمكانة رسول الله في قلوب المسلمين، والذين يمثل عصرهم ليس فقط في تاريخ الإسلام، بل في تاريخ العالم الإنساني، في ضوء التاريخ الثابت وبشهادة المؤرخين المسلمين وغير المسلمين أعظم فترة حكم في تاريخ العالم، وأعظم نموذج للحياة مر به العالم.
إلا أن ما حدث كان خلاف ذلك، وهو أمر لا يصيب الإنسان بصدمة، بل يصيبه بالحيرة. ففي بعض الدوائر وضعه بعض أعلام الفكر الإسلامي، وبعض الإسلاميين الذين يدعون إلى رفعة الإسلام وغلبته، وضعوه في مكانة الإمام المنتظر، وأظهروا له حبا، وتعصبوا له بدرجة جعلتهم لا يقبلون في حقه أي نقد أو ملاحظة!

من خلال هذه التجربة ومن خلال هذه الملاحظات يمكن تقدير أمرين:

أولهما: أنه لم يعد هناك أي معيار للنقد، ولم يعد هناك أي معيار موضوعي للمدح أو الذم في كثير من الدوائر الإسلامية التي تضم أهل القرآن والسنة وأسوة السلف الصالح وأصحاب العقائد الصحيحة والمسلك الصحيح.
ففي هذه الدوائر، يكفي حتى يكون القائد محبوباً أن ينادي فقط بإقامة حكومة حرة باسم الإسلام، أو يهتف ضد أية قوة غربية، أو يخلق بعض المشكلات لها، حتى يغتفر له كل شيء، ولو كان هذا الشيء خروجه على أصول الإسلام!
ثانيهما: أن أهمية العقيدة قد تدهورت إلى حد خطير لدى جيلنا المثقف المتعلم، وهذا أمر جد خطير يدعو للقلق، ويستلزم إعمال الفكر.
إن أهم الحدود الفاصلة بين دعوات الأنبياء وغير الأنبياء من الأدعياء، وبين أهداف وأعمال الأنبياء وأعمال غيرهم، هي عقيدة لا تقبل أي هدنة أو مهادنة، ولا تقبل أي تسويف أو مساومة.
فمعيار الرفض والقبول، ومعيار الإعجاب والبغض، وشرط الوصل والقطيعة، يتمثل فقط عند المسلم في تلك العقيدة، وفي هذا الدين، الذي هو رغم ضعف المسلمين قائم وثابت في شكله الأصلي، وطالما بقيت هذه العقيدة صلبة مستقيمة، وطالما تمسك بها أهلها، وأخذتهم الحمية والغيرة عليها إن مسها أحد بضر؛
وطالما لم يهن ولم يضعف مفسرو الدين وشارحوه والمحافظون عليه أمام أي جبروت أو طاغوت، أو أمام أية إمبراطورة مهما وصلت قوتها، وطالما لم يسمحوا لأحد أن يمس هذه العقيدة من قريب أو بعيد، وطالما رأوا عدم جواز السكوت على أية عقيدة خاطئة أو دعوة تشوبها شائبة من خطإ أو تحريف مهما كان الأمر يمس المصالح الدنيوية للمسلمين، ومهما كان الأمر يحمل التلويح بالابتعاد عن تفرقة المسلمين أو البعد عن إيجاد اختلاف بينهم.
فالعقيدة الصحيحة هي الأساس، وما عداها باطل باطل... وها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله علية، المتوفي (241هـ) يعارض ويواجه مواجهة شديدة، ليس فقط حاكماً من أكبر الحكام المسلمين، بل أعظم حكام عصره، ألا وهو الخليفة المأمون ابن الخليفة هارون الرشيد، والمعتصم بن هارون الرشيد، فيتحمل السياط وعذاب السجن في سبيل الدفاع عن الإسلام في صورته النقية الطاهرة، وذلك حين ظهرت فكرة خلق القرآن.
وهاهو مجدد الألف الثانية، الشيخ أحمد فاروقي رحمة الله عليه (المتوفي 1034هـ) يقوم بالدفاع عن نقاء الإسلام، فيقف في وجه الإمبراطور الأكبر، ويعارض أفكاره وعقائده، والدعاوى الباطلة والاجتهادات التي تمس نقاء الدين، وفكرة وحدة الأديان واستمر في جهاده في هذا حتى زمان جهانكيز، حين تغير مسار الحكومة والإمبراطورية المغولية.
هذان مثالان فقط، وإلا فالتاريخ الإسلامي مليء بعشرات، بل بمئات الأمثلة المضيئة، لمن تمثلوا بـ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، و "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
والسلطان الجائر هذا يكون أحياناً في صورة فرد ملك، أو حاكم، أو في صورة رأي عام، ويكون أحياناً في صورة نجاح وتوفيق كاذب، أو شهرة كاذبة، كما يكون أحياناً في صورة ادعاءات بإقامة جمهورية إسلامية، أو غير ذلك... ويشهد التاريخ وتشهد التجارب على أن الأمرين الأخيرين هما أكثر الأمور التي تطالعنا اليوم.
والحقيقة أن التعاليم الحقيقية للإسلام، والعقيدة الصحيحة للإسلام، هي ذلك النهر الذي يمضي لا يغير مساره أبداً، ولا يمكن أبداً أن تتداخل فيه مياه مجار أخرى من أي نوع.
فالقوى السياسية، والثورات المؤقتة، وقيام الحكومات وسقوطها، والدعوات والحركات الأخرى، ما هي إلا أمواج تأتي وتمضي، فإذا ما كان النهر في مساره الصحيح، وإذا ما كان ماؤه ينساب دائماً فلا خطر ولا خوف، ولكن إذا كان في العقيدة فساد، فكأن نهر الدين قد غير مساره ومجراه، وكأن مياهه الصافية قد نضبت وحل محلها ماء آسن قذر...
ومن هنا، فإن أية حركة أو دعوة لا يمكن أن تقدم وعوداً تقبل مع فساد عقيدتها، ومع ضلال وبطلان ما تدعو إليه من الوصول ببلد ما إلى التقدم والرقي، كما لا يمكنها أن تحقق لأي مجتمع أي إصلاح ولو جزئي، ولا يمكن أن تبعد عنه أي فساد أو خراب...
تلك هي الحقيقة التي يكمن بداخلها سر بقاء الأمة وسر الحفاظ على الدين، وتلك هي الحقيقة التي تفرض على علماء عصرنا ودعاة ديننا والمحافظين على شريعتنا وعلى سنة نبينا مواجهة الصعوبات وتحملها، ومواجهة المتاعب التي تعترضهم والصبر عليها.

كما يتعرض العلامة أبو الندوى لمسألة الشيعة مرة أخرى فى حوار له بمجلة الاعتصام والذى يصف فيه رؤيته لايران مابعد الثورة الإسلامية فيقول:

نلاحظ مثلا في إيران ان المشاهد اكثر اكثر عمرانا وازدحاما ، والنفوس اعلق بها من المساجد ، فإذا دخل غريب في مشهد سيدنا علي الرضا ، لم يشعر أنه داخل الحرم ... فهو غامض بالحجيج ... مدي البكاء والضجيج ... عامر بالرجال والنساء ... مزخرف بأفخر الزخارف والزينات ... قد تدفقت إليه ثورة الاثرياء وتبرعات الفقراء ... هذا مع علمنا بأن إيران من أغني بلاد الله بالمساجد ... وبعضها لايوجد لها نظير في الاقطار الإسلامية ...
ولكن لا يري فيها هذا الزحام وهذا الحماس الديني والعاطفي ... بل ان كثيرا منها تشكو قلة المصلين وزهد القاصدين ... في الوقت الذي يتضمن المذهب الجعفري احكاما خاصة عن الجمع بين صلاتين ... وشروط الامام الدقيقة ... فكان من الممكن ان تكون المساجد رغم ذلك أكثر حظا من العمارة والحيوية والتلاوة والذكر مما هي عليه الان وتصبح منارة للإسلام الحنيف ويدعون الناس الي الدين الخالص .
ويضيف الندوى فى الحوار ذاته:إننا نشعر في كل مجتمع ينتمي إلي الطريقة الإمامية... إن الصلة العاطفية والحماس الداخلي في حب أهل البيت وتعظمهم للأئمة ... كاد يشغل كل كل فراغ في النفس والعاطفة والعقل والضمير ... ونخشي ان يكون قد اخذ الشئ الكثير من حق النبوة ...
ومن شخصية الرسول الاعظم الي نال به اهل البيت الشرف واستحقوا الحب والتعظيم ... وقد ظهر هذا الأثر في الشعر الذي قاله شعراء إيران في مدح النبي صلي الله عليه وسلم ، وفيما قالوا في مناقب اهل البيت وخاصة امير المؤمنين علي ابن ابي طالب وسيدنا الحسين بن علي ...
وايضا في الشعر الذي قاله شعراء اردوا في الهند من اخواننا الجعفريين وكذلك في الشعر الفارسي ومن آثار هذا الهيام الذي تخطي الحدود بكل ما يتصل بائمة أهل البيت انتشار صورهم بل وجود صورة النبي صلي الله عليه وسلم وعلي ابن ابي طالب بكثرة في المساجد البيوت ، ولا شك في ذلك من باب الزرائع الي الشرك ، اعاد الله الامة الإسلامية وحماها من هذا الخطر الكبير .

وعن سبل التقريب بين السنة والشيعة يقول أبو الحسن الندوى:

لابد للتقريب بين المسلمين ، ومل الهوة الشاسعة بين اهل السنة والشيعة ... من ان وجه هذا التيار الي النبوة التي هي ملتقي كل مسلم .. وأنه عمل تجديدى يحتاج إلى عمالقة في العلم والفكر وقوة الارادة واذا تم هذا العمل فسوف يحدث انقلاباً لايوجد له نظير في تاريخ تجديد الفكر الإسلامى.
ولابد أن يتغير نظر اخواننا أهل الشيعة إذا أرادوا التقريب بين المذاهب وجمع شمل المسلمين وتصافي القلوب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين، فلا يقوم تقارب حقيقى الا بالاحترام المتبادل للشخصيات الحبيبة المحترمة التى نصرت النبى صلى الله عليه وسلم ونشرت الإسلام إلى أقصى حدود العالم وجاهدت في سبيله وأحسنت البلاء في الدعوة إلى الله والزهد في الدنيا والتقشف في الحياة والايثار على النفس.
وبصرف النظر عن الجانب العاطفي فان لهذا الموضوع قيمة علمية وأهمية دعوية .. فقد اعتاد الناس في كل زمان أن يقيسوا صدق الدعوة ، وفضل التعاليم التى يدعى اليها بكثرة ما أبرزته هذه الدعوة من نماذج رائعة .. وبفضل هذا الرعيل الذى تقوم الدعوة على تربيته.. وهذا هو مقياس المعلمين والمربين والقادة الموجهين في كل عصر.. فاذا كان نتاجهم كثيراَ ونجاحهم كبيراَ.. استحقوا الزعامة والامامة والتفوق والتقدم..
ومن مطالب هذه الدعوة ومن الانصاف لشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أن نعرف الصحابة فضلهم، وأن نثبت عظمتهم واخلاصهم ووفاءهم وتوادهم وتناصرهم على الحق .. وان نفرض على العالم صفحة بيضاء مشرقة من هذا التاريخ الرائع.
واذا أردنا التقريب بين المذاهب حقاً وكنا جادين في ذلك وجب ان يكون التقريب على أساس فطرى سليم .. وكل محاولة لهذا التقريب من غير هذا التغيير النفسى هو محاولة غير ناجحة وغير طبيعية ...

المبحث السادس: الأستاذ سعيد حوى

عندما انتصرت الثورة في إيران, وأصبح الخميني زعيماً لها سنة 1979, ظن الكثير من أبناء الأمة أن "الخمينية" إرجاع للأمر في نصابه في حب آل البيت وتحرير التشيع من العقائد الزائفة والمواقف الخائنة, خاصة وأن الخميني أعلن في الأيام الأولى من انتصاره أن ثورته إسلامية وليست مذهبية, وأن ثورته لصالح المستضعفين ولصالح تحرير شعوب الأمة الإسلامية عامة ولصالح تحرير فلسطين خاصة, ثم بدأت الأمور تنكشف للمخلصين, فإذا بالخميني يتبنى كل العقائد الشاذة للتشيع عبر التاريخ, فكانت نكسة كبيرة وخيبة أمل كبيرة.

وهذه الحالة للثورة الناشئة غيرت مواقف الكثيرين ممن رحب بالثورة فى بداياتها وهذا ماجعل الأستاذ سعيد حوى رحمه الله يكتب رسالته هذه والتى فند فيها بعض أخطاء الثورة الايرانية ومقولات الخمينى التى أصابت أهل السنة ورموز الحركة الإسلامية بالصدمة، وهى رسالة مختصرة تقع في 72 صفحة من الحجم الصغير, وقد صدرت عن دار عمار في الأردن سنة 1987.

ويذكر الأستاذ حوّى في مقدمته أن أعداء الإسلام اجتمعوا لضرب الصحوة الإسلامية المباركة وتشويهها وحرفها عن مسارها, فسلطوا عليها من المتظاهرين بالإسلام قوماً, وهكذا كان الأمر وجاءت الخمينية المارقة تحذو حذو أسلافها من حركات الغلو والزندقة التي جمعت بين الشعوبية في الرأي والفساد في العقيدة.

وبالرغم من مرور سنوات عدة على وفاة الخميني, فإننا مطالبون الآن وأكثر من أي وقت مضى بالعودة إلى عقيدته وفكره ومواقفه, فما أشبه الليلة بالبارحة, وها هي إيران اليوم تسير على نفس النهج الذي رسمه لها الخميني بالأمس, وتنشر التشيع الباطل وتعادي المسلمين من أهل السنة وتوالي الكافرين وتعينهم على المسلمين, وتعادي العرب وتعلي من شأن الفرس والقومية الفارسية.

ويقسم المؤلف كتابه إلى فصلين:

الأول: عن بعض العقائد الشيعية الشاذة التي تبناها الخميني.
الآخر: في المواقف الشاذة للخميني.

العقائد الشاذة التى ذكرهها حوى فى كتابه

أولاً : الغلو في الأئمة, حيث أجمع كل الشيعة أن الإمام معصوم عن الخطأ والسهو والإسهاء والنسيان عن قصد أو غير قصد, وأن الإمامة مرتبة أعلى من النبوة, وأن الأئمة لهم حرية الاختيار في التحليل والتحريم, وجعلوهم آلهة يخلقون ويرزقون ويشاركون الله عز وجل في إدارة الكون.

ثانياً : قولهم بتحريف القرآن الكريم, وقد أورد هذا غلاة متقدميهم ومتأخريهم ومنهم "الكليني" و "المجلسي" الذي أورد رواية نسبها إلى جعفر بن محمد الصادق يقول: " إن عندنا مصحف فاطمة عليها السلام, وما يدريهم ما مصحف فاطمة... مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد ".

ثالثاً : موقف الشيعة من السنة النبوية المطهرة, والمجمع عليه عند الشيعة أن الصحابة ارتدوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة أو أربعة, وبذلك فإنهم لا يأخذون الأحاديث التي وردت عنهم بأسانيد صحيحة, بل يتهمون الصحابة بوضع الحديث, وهم لا يعترفون بالسنة النبوية, وينقضون الأساس الثاني لهذا الدين, ويعتمدون بدلاً من السنّة روايات عن أئمة الكذب والوضع.

رابعاً : الموقف من الصحابة, يؤمن الشيعة بكفر و ردّة الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويتعبدون الله بسبهم ولعنهم وخاصة أبي بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم.

خامساً : انتقاصهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم, من خلال الطعن في أزواجه وأصحابه وكمال رسالته, بل والانتقاص من شخصه صلى الله عليه وسلم.

سادساً : مخالفتهم الإجماع, فهم لا يأبهون به, كانتشار نكاح المتعة الذي هو زنى صريح أجمعت الأمة على تحريمه ومنهم علي بن أبي طالب, ومع ذلك فإنه ما زال قائماً اليوم في إيران. وبدلاً من العودة إلى ما أجمع عليه المسلمون, يعتمد الخميني مذهب الإثني عشرية مذهباً وحيداً في البلاد وإلى الأبد, ويجعل هذه المادة في الدستور غير قابلة للبحث والتعديل.

سابعاً : الموقف من أهل السنة والجماعة, يعتبر الشيعة أن كل من لا يؤمن بالأئمة وعصمتهم ناصبياً تحرم عليه الجنة, ويرون وجوب مخالفتهم ومعاداتهم.

ثامناً : غلوهم في فاطمة رضي الله عنها, يرى الشيعة بأن الوحي كان ينزل على فاطمة بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم بينما أهل السنة يحبون ويجلّون فاطمة لكن دون غلو وإطراء, ووضعها بمنزلة فوق منزلتها.

كما أورد الأستاذ حوّى نقولات عديدة للخميني تؤكد هذه العقائد, وإذا كان الخميني يؤمن بتحريف القرآن وبطلان السنة, وكفر الصحابة ووجوب مخالفة أهل السنة, فلا عجب أن تأتي مواقفه وسياساته منسجمة بل مطابقة لهذه الأصول المعتمدة عندهم, وهذا ما يتحدث عنه في الفصل الثاني من الكتاب.

يقول الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية ص52 :

" إن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون, وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملكٌ مقرب ولا نبي مرسل".

وفيما يتعلق بالقرآن الكريم, فإنه يؤكد القول بتحريفه وتبديله, ويقول في كتاب كشف الأسرار ص 114:

" لقد كان سهلاً عليهم (يعني الصحابة الكرام) أن يخرجوا هذه الآيات من القرآن ويتناولوا الكتاب السماوي بالتحريف ويسدلوا الستار على القرآن ويغيبوه عن أعين العالمين. إن تهمة التحريف التي يوجهها المسلمون إلى اليهود والنصارى إنما تثبت على الصحابة ".

وفي نفس الكتاب (كشف الأسرار) يتهم الخميني الصحابة ومنهم أبو بكر الصديق وسمرة بن جندب بوضع الحديث (ص 112,71), كما يتهم الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بمخالفة القرآن والتلاعب بأحكامه وتحريم حلاله وإحلال حرامه, وأنهم حمقى وأفّاكون وجائرون.

وأما موقفه من أهل السنة, ووجوب مخالفتهم فيؤكده في كتابه التعادل والترجيح (ص81,80), حيث أورد روايات مختلقة منسوبة إلى آل البيت عن وجوب مخالفة العامة (أهل السنة)

ويقول : " فتحصل في جميع ما ذكرنا من أول البحث إلى هنا أن المرجح المنصوص ينحصر في أمرين: موافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة.

وانتبه إلى أن الكتاب الذي يؤمنون به هو كتاب محرّف, والسنة عنده هي ما تناقله الشيعة وحدهم. بعض ممارسات الثورة الايرانية كما يرويها حوى:

استعرض الاستاذ سعيد حوى فى كتابه بعض الممارسات والسياسات التى انتهجتها الحكومة الايرانية بعد الثورة والتى اختلف معها العالم الإسلامى واستهجنها واعتبرها مناقضة لأفكار ومبادئ الثورة التى أعلن عنها الخومينى

أولاً : روح السيطرة على العالم الإسلامي ومحاولة تشييعه:

فما (كان) يجري في تركيا ولبنان وسوريا وبلاد السند والحرب العراقية الإيرانية هو مقدمات لسيطرة الشذوذ الشيعي على الأمة الإسلامية, فها هي "حركة أمل"و"حزب الله " يتعاونان على القضاء على الفلسطينيين في لبنان بمساعدة سوريا.

وها هي أمل بالتعاون مع سوريا تصفي الوجود السني في بيروت وها هي النصيرية في طرابلس متعاونة مع النظام السوري تصفي شوكة السنيين في طرابلس, وها هي سوريا بنظامها الباطني تعمل على تقويض سلطان السنة في تركيا فتمد اليسار والأرمن وتدفع بالنصيرية نحو التغلغل في الأحزاب المتطرفة, وها هي سوريا تتحالف مع إيران مساعدة كل منهما الأخرى في كل شيء, وها هم الشيعة في السند يركبون موجة بعض الأحزاب ليقوضوا استقرار باكستان.... إنها مقدمات لانتشار دولة شيعية على أنقاض السنة تشمل جزءاً كبيراً من العالم الإسلامي.

ثانياً : تحالفات إسرائيلية مرفوضة

كان لا بد للتطلعات الخمينية من تحالفات تحقق بها مآربها ومطامعها, ومن هنا وجدنا تحالفاً عجيباً بين إيران وليبيا وبين إيران وسوريا وأمل من جهة وإسرائيل من جهة أخرى, ووجدنا تحالفاً بين إيران والغرب, ووجدنا وفوداً من إيران تذهب إلى الاتحاد السوفييتي, وكل ذلك يتناقض مع كل ما صرح به الخميني ابتداءً, وإنما جرّه إلى هذا التناقض الذي أفقده مصداقيته تطلعاته للسيطرة على الأمة الإسلامية, ولو كان ذلك على حساب جهة معادية للإسلام والمسلمين.

ثالثاُ : تنمية الأمة الإسلامية وأموالها في خطر

ساهم تهديد الخميني لأمن العراق والخليج إلى تعطيل التنمية في هذه البقعة من العالم الإسلامي, إضافة على بقية الأمة الإسلامية التي تتطلع إلى دول الخليج في تنميتها, وتسبب الخميني في سلب الأمة أموالها وتطويرها.

رابعاً : انتكاس الصحوة الإسلامية

جاء التطبيق الخميني للإسلام أسوأ تطبيق, وخاطب العالم بخطاب غير معقول, مسبباً انتكاساً للصحوة الإسلامية النقية التي بدأت ثمارها تظهر, ومما فعله الخميني أن جعل المذهبية مادة دستوره, وحرم الأقلية السنية في تطبيق أبسط حقوق الانسان, فإذا عرفت أن طهران كلها ليس فيها مسجد واحد لأهل السنة والجماعة, عرفت مدى ما يمكن أن ينظر إليه العالم إلى ضيق الأفق في التطبيق الإسلامي...

وإذا عرفت أن الخمينية جددت عادة الصفويين في زج من هم دون سن البلوغ في مقدمة الجيش المقاتل, عرفت إلى أي حدٍ لا تراعي الخمينية الطفولة البريئة... وإذا علمت كيف تصم الخمينية آذانها عن كل نداء للسلام ووقف الحرب مع العراق, عرفت كم سينظر الناس بازدراء إلى تطبيق الإسلام.

خامساً : التقية والبندقية

كان الناس يتصورون أن انتصار الخميني في إيران سيجعل الشيعة يتجاوزون التقية, لكن ثبت من خلال الواقع أنهم يستعملون التقية مع البندقية, ويتحالفون مع إسرائيل ويتظاهرون بعكس ذلك, ويحاربون حرباً طائفية في كل مكان, ويتظاهرون بشعارات سوى ذلك ويلبسون لكل حالة لبوسها.

المبحث السابع: الأستاذ عدنان سعد الدين

الشيخ عدنان سعد الدين من القيادات التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وقد كان له نشاطات بارزة في خدمة الدعوة الإسلامية في بلاد عديدة جداًل.

وقد تعرض في مذكراته لموقف جماعة الإخوان المسلمين للثورة الإيرانية والمذهب الشيعى ورؤيته لمحاولات التقريب بين السنة والشيعة وخاصة أنا شارك فى بعضها فيقول في صفحة 2/401:

والخطأ الفادح، أو الخطيئة الكبرى بتعبير آخر، ما ارتكبه قادة التيارين الإسلامي والقومي في بلاد الشام والعراق، من تصميم أكثرهم على تجهيل الأجيال الصاعدة لحقيقة الحركات الباطنية والجماعات السرية في تاريخها، وفي واقعنا المعاصر، وصرفهم عن التحدث في هذه الموضوعات أو الاهتمام بها، أو التحذير منها، بدعوى الخشية على الوحدة الوطنية، وإثارة الحساسيات بين أبناء الوطن الواحد.
وإذا كان هذا التفكير مقبولاً على صعيد العمل السياسي، ووجوب إقصائه عن برنامج الأحزاب في الساحة السياسية، فإنه لخطأ فادح إخفاء وطمس الكيد الباطني، وما ينبثق عنه من خطط وبرامج ومخططات على الصعيد الفكري والفقهي والفلسفي، وتجهيل الأمة ـ ولاسيما قادة الفكر ـ بها، وعدم تحصينهم من شرورها وأخطارها، لتكون لديهم المناعة مما يبيت لأمتنا العربية والإسلامية من مؤامرات ما زلنا نكتوي بنارها.
خلت الساحة لورثة الحركات السرية الباطنية، ليتسللوا إلى أعماق مجتمعاتنا غير المحصنة، وداخل أحزابنا، وصميم أجهزتنا الحساسة، ويستلموا مفاصلها، ويمسكوا بالقرار، وتبقى الأمة بأكثريتها الكاثرة كالقطيع الذي يسوقه الجزارون إلى حيث يريدون، لاستخدامهم أو عزلهم أو التخلص منهم مادياً أو معنوياً أو بالأسلوب الذي يقررون.
عندما ظهرت حركة الخميني ـ الذي خدع المسلمين في جنبات الأرض بوعود ظهر فيما بعد كذبها، من تحرير القدس وفلسطين، وأداء صلاة الشيعة في الحج مع عامة المسلمين... إلخ ـ طار الناس فرحاً، واندفعوا وراء الخميني دونما وعي أو تبصّر، وبجهل مطبق بتاريخنا العربي والإسلامي، وبجهل أكبر بعقائد وأفكار الحركة الخمينية، فلم تمض على ذلك أشهر معدودات.
وقبل اكتمال عام على استلام الخميني الحكم في إيران، وطرد الشاه، وإلغاء الملكية، وانتصار دول ولاية الفقيه، حتى ظهرت الفجيعة للعيان، وخيبة الأمل في هذا النظام، فمنذ الأسبوع الأول لاعتلاء الخميني عرش الطاووس في طهران، حضر الوفد الفلسطيني برئاسة عرفات، لتحط به أول طائرة هبطت في مطار طهران بعد الانتصار.
حدثني الأستاذ هاني الحسن سفير فلسطين في إيران عن تجربته فقال: لم أكتشف انتمائي لأهل السنة والجماعة ـ أو سنيتي حسب تعبيره ـ إلا في إيران، عندما أقمت في طهران سفيراً لفلسطين، من شدة ما رأيت من تعصب طائفي شيعي ذميم ضد المسلمين الآخرين.
وعندما فتحت السودان مركزاً ثقافياً في طهران، مقابل سبعة عشر مركزاً ثقافياً إيرانياً في السودان، وصار الإيرانيون يوزعون الدولار على طلاب جامعة الخرطوم وغيرهم من الجامعات الأخرى، وبشروا بالمتعة، وإسقاط صلاة الجمعة... إلخ حتى يظهر الإمام.
حدثني ابن عمر رئيس المركز الثقافي الوحيد في طهران في زيارة لي في الفندق بالخرطوم، قائلاً: لم أر أشد تعصباً من هؤلاء لمذهبهم بصورة تجعل الإنسان في يأس من التفاهم معهم أو التعاون مع قادتهم ومؤسساتهم.
وعندما حطت الطائرة الثانية التي حملت وفداً إسلامياً عريضاً يمثل الحركات الإسلامية الكبرى في العالم الإسلامي، سمعت من الدكتور أحمد القاضي أحد أبرز أعضاء الوفد الكبير، كيف كان الإيرانيون الحكام الجدد ينظرون إلى أعضاء الوفد باللامبالاة، وتركهم وحدهم فترات طويلة ينتظرون الإذن للمثول بين يدي ولي الفقيه ـ الخميني ـ ليقدموا له التهنئة بالانتصار.
بل إن أحدهم من الزملاء القدامى في الدراسة قال للوفد متشفياً: الآن ذكرتمونا؟ مع أنهم تعاملوا معه ومع أمثاله الكثر في نطاق الاتحاد الإسلامي في أمريكا بأخوة كاملة، دون أن يفطنوا إلى مذهبه أو طائفته أو تشيعه الذي بدا كالحاً حينما صار مسؤولاً في حكومة ولي الفقيه.
دُعينا إلى أمريكا لنشارك في حوار تحضره نخبة مختارة من العاملين في حقل الدعوة، من الشرق، وآخرين من المقيمين في ديار الغرب لمناقشة سبل الدعوة وتبليغها إلى الآخرين، والوسائل والأساليب والطرق المجدية في ذلك، ولاسيما الحديثة منها، وكان العدد المختار قليلاً لا يتجاوز خمسة وعشرين إلى ثلاثين مشاركاً من قيادات الجماعة.
طلبت الكلام، فذكرت أننا جميعاً أيدنا الخميني في انتصاره على الشاه، فرحنا بذلك، وبالطروح التي صدرت عنه بادئ ذي بدء، ولكن لم تمض على ذلك أشهر قليلة ، حتى ظهر ما كان خافياً عبر الإذاعة الناطقة بالعربية في الأحواز، وفي كتبهم التي تنال من الخلفاء الراشدين الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان، وإصرارهم على الاحتفاظ بالجزر الثلاث:
أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى التي احتلتها حكومة الشاه، مستغلة ضعف دولة الإمارات أمام جبروت إيران، لتنزعها من أهلها بالقوة، بدعوى أن حكومة الخميني لا يمكن أن تعيدها إلى الاستعمار!!
وغير ذلك مما بدا في سياسة جمهورية ولاية الفقيه، بيد أن أحد القادة المشاركين، انتصب واقفاً بسرعة فائقة، وحاول إسكاتي قائلاً: لماذا لم تقولوا هذا في عهد الشاه؟ فأجابه الأخ الكبير المحسن الوفي عبد الله المطوع أبو بدر رحمه الله قائلاً: دعه يكمل كلامه، فأكملت وانتهى النقاش بعد ذلك.
وعاد كل منا إلى بلده، فحدث لغط كبير في أوساط الجماعة حول الثورة الخمينية بين مؤيد لها ومعارض أو متحفظ عليها أو حيران تجاهها، فشكلت الجماعة لجنة من علمائها لبحث العقائد الشيعية وفقه الشيعة وسياساتهم وموقفهم من المسلمين، فقدمت اللجنة العتيدة دراسة رصينة انتهت فيها إلى أن بين السنة والشيعة فروعاً يمكن تجاوزها، وخلافات تمس الجوهر، وتصادم العقيدة لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها، مثل الإمامة التي هي لدى الشيعة ركن من أركان الإسلام كالشهادة والصلاة والصوم والزكاة والحج، وأنها وقف من الله كالقرآن الكريم ـ أي مُنَزَّلة ـ يخرج من الملة من ينكرها، ومن لا يؤمن بها، وأن الأئمة الاثنى عشر معصومون...
وإننى أقتصر على إيراد نتف من أقوال الخميني لأن الجدل حول عقيدته وأفكاره وآرائه السياسية والفقهية يحتاج إلى مجلدات مطولة: يقول الخميني في الأئمة: لا يتصور فيهم السهو والغفلة ويقول عن الصحابيين الجليلين الخليفتين أبي بكر وعمر: ولكننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين، وإن مثل هؤلاء الأفراد الجهال الحمقى الأفاقين والجائرين غير جديرين بأن يكونوا في موضع الإمامة، وأن يكونوا ضمن أولي لأمر، كما قال الخميني عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن أعماله نابعة من أعمال الكفر والزندقة والمخالفات لآيات ورد ذكرها في القرآن الكريم، ويتهم الخميني أبا بكر الصديق رضي الله عنه، بأنه كان يضع الحديث، كما يتهم الصحابي الجليل سمرة بن جندب أيضاً في كتابه: الحكومة الإسلامية بأنه كان يضع الحديث.

ذكر الخميني بتاريخ 28 ـ 6 ـ 1980 في خطاب إلى الشعب الإيراني بمناسبة ذكرى الإمام المنتظر في الخامس عشر من شعبان:

فكل نبي من الأنبياء إنما جاء لإقامة العدل، لكنه لم ينجح، حتى خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي جاء لإصلاح البشر وتهذيبهم وتحقيق العدالة، لم يوفق في ذلك أيضاً، فالذي سينجح بتحقيق العدالة في كل أرجاء العالم هو المهدي المنتظر.
وقال أيضاً في كلمة ألقاها في حسينية جماران بتاريخ 2ـ 3ـ 1968: إن فاطمة الزهراء عاشت بعد وفاة والدها خمسة وسبعين يوماً، قضتها حزينة كئيبة، وكان جبرائيل يأتي إليها لتعزيتها، ولإبلاغها في الأمور التي ستقع في المستقبل، وكان الإمام علي يكتب هذه الأمور التي تنقل لها من قبل جبريل.
ويقول الخميني كذلك: إن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
وقد اخترت النقل عن الخميني، وتجاوزت الحديث عن ائمة الشيعة الكبار، كالكليني والمجلسي والحارثي والكاشاني والجزائري والطبرسي وكاشف الغطاء والعاملي وغرهم، الذين تحدثوا عن البداء والرجعة ونكاح المتعة، وتحريف القرآن، وعصمة الأئمة، وتكفيرهم للصحابة إلا ثلاثة، وردهم للسنة المطهرة، وعقيدتهم في الجهاد.. إلخ.
قدمت لجنة العلماء الإخوانية التي ضمت فطاحل فقهاء الجماعة دراستها المعمقة الرصينة فأعترض الأخر القيادي قائلاً: الخلاف بيننا وبينهم في العقيدة، ولكن المواقف السياسية متشابهة، ولما قيل له: والخلاف أيضاً معهم في المواقف السياسية في كذا وكذا من الأمور.
قال: كما ذكر في الحوار الذي جرى في أمريكا: الآن فطنتم لهذه المخالفات، ولم يفطنوا لها في أيام الشاه، وحجب التقرير عن الجماعة، ولم يأخذ به، ولم يطلع عليه أبناءُ الجماعة وبناتها ليتنوروا، وليتحصنوا من هذه الضلالات، وذهب جهد علماء الجماعة الإسلامية هدراً، فماذا يقول من يفعل هذا يوم يقوم الناس لرب العالمين؟
وما هي حجتهم أمام الله تعإلى في اليوم العسير؟ نسأل الله تعإلى له ولأمثاله العفو والمغفرة، وأن يتجاوز عنهم، وأن يجزيهم خير الجزاء بما قدموه من خدمة لدعوة الإسلام، ولرسالة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكي والسلام.

المبحث الثامن: متفرقات إخوانية حول الشيعة

وجه أحد شباب الإخوان المسلمين بالمحلة الكبرى سؤالاً إلى مجلة الإخوان المسلمون الأسبوعية يقول فيها:

"نرجو إيضاح موقف الإخوان من مذهب التقريب بين المذاهب الإسلامية بعد أن أعلن عنه الأستاذ تقي القمي محبذًا ومتفائلا بانضمام فضيلة المرشد العام، ثم رد عليه الأستاذ محب الدين الخطيب ناقدًا".

فأجابت جريدة الإخوان المسلمين على ذلك في العدد 217 من سنتها السادسة بما نصه:

"يرى الأستاذ محب الدين الخطيب أن التقريب بين المذاهب مستحيل، لأنها مذاهب مقررة وموضوعة على أسس ثابتة، والتقريب بينها يتطلب نقض هذه الأسس وإنشاء مذهب ثالث ، ويرى أن الممكن هو العمل على التعاون في المصالح المشتركة.ويرى الإخوان أنه يجب العمل على إزالة الفوارق أو بعضها ما أمكن، وكلما قلت الاختلافات كلما أمكن التعاون والتوفيق".

كما تعرض أيضاً د عجيل النشمى وهو عالم وفقيه كويتي ينتمي للإخوان المسلمين للعلاقة بين السنة والشيعة ويجيب عن سؤال هل اختلاف السنة مع الشيعة اختلاف عقائدي ؟؟

فيجيب د النشمى بقوله: الخلاف في الفروع الفقهية. وما كان من الخلاف العقائدي يحتاج إلى تحديده ومعرفة دليله، ثم معرفة هل هو مكفر أم لا.

وعن جواز ذكر الرافضة بالسوء يجيب د.النشمى بقوله:

إذا كنت تقصد الشيعة الإمامية فهم مسلمون، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولا نكفر من توجه إلى قبلتنا وشهد الشهادتين ولا نذكره بسوء، وإنما نذكره فيما كان من باب النصيحة أو التنبيه على الخطأ أو البدعة أو الانحراف إن وجد، وأن يكون ذلك بالدليل والكلمة الطيبة، دون تشنيع أو تعصب أو تكفير.

وإذا ذكر شخص بعينه منهم بسوء وهو غائب فهذا من الغيبة المحرمة، فينبغي أن يناصح ويناقش في حضوره في حوار إسلامي رفيع، غايته الوصول إلى إيضاح الحق والصواب.

كما يستند د النشمى في فتوى الجواز من الشيعة بفتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية فيقول في فتاواه: شيخ الإسلام ابن تيمية يقسم الشيعة واللفظ الشائع في عصر الإمام خاصة يسمون الشيعة الرافضة فهو يقسمهم إلى قسمين:

الأول :الرافض المغالين وهم الذين ألهوا الإمام عليا وألذين أسقظوا عن أنفسهم الواجبات وهؤلاء يكفرهم هو وغيره بل السيعة أنفسهم يكفرونهم .

والثاني : الروافض المحضة وهم من عدا الصنف الأول والشيعة الإمامية يدخلهم في هذا الصنف ويدخلهم في زمرة أهل الأهواء والضلال ولا يكفرهم.واليك بعض عباراته " وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير " المرجئة " و " الشيعة " المفضلة ونحو ذلك ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء وغيرهم خلافا عنه أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة . ومنهم من لم يكفر أحدا من هؤلاء إلحاقا لأهل البدع بأهل المعاصي .

وأما جواز الزاج منهم وتزوجهم .

فقد سئل رحمه الله عن الرافضة هل تزوج

فأجاب :الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال ولا ينبغي للمسلم أن يزوج موليته من رافضي وإن تزوج هو رافضية صح النكاح إن كان يرجو أن تتوب وإلا فترك نكاحها أفضل لئلا تفسد عليه ولده والله أعلم فجوابه صريح في الجواز وصحة العقد واضح من عبارة لاينبغي أي يجوز مع خلاف الأولي هذا إن تزوج شيعي بسنية وأخف منه لو تزوج السني شيعية وجوابه صريح بصحة العقد ، وجوابه مبني علي الحكم بإسلامهم لأن صحة العقد مبنية علي الإسلام .

ولكنه حين سئل عن الصنف الثاني منهم وهم الغالين كان جوابه مختلف جاء في كتاب الفتاوى وسئل رحمه الله عن الرافضي ومن يقول لا تلزمه الصلوات الخمس هل يصح نكاحه من الرجال والنساء فإن تاب من الرفض ولزم الصلاة حينا ثم عاد لما كان عليه هل يقر على ما كان عليه من النكاح.

فأجاب لا يجوز لأحد أن ينكح موليته رافضيا ولا من يترك الصلاة ومتى زوجوه على أنه سني فصلى الخمس ثم ظهر أنه رافضي لا يصلي أو عاد إلى الرفض وترك الصلاة فإنهم يفسخون النكاح .

وجوابه واضح لايحتاج إلى مزيد بيان . راجع كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج 32 ص 61،ومجموع فتاوى ابن تيمية (ج 1 / ص 283).

كما يجيب الشيخ حمدي أحمد إبراهيم عن سؤال هل تجوز نصرة الشيعة؟ والشيخ حمدى من شيوخ الإخوان المعروفين ونشرت الفتوى على موقع الجماعة "اخوان أون لاين" فيقول فضيلة الشيخ:

الشيعة فرقة من المسلمين ترى أن الإمامة في علي رضى الله عنه وأبنائه وأن أبا بكر وعمر وعثمان لا حقَّ لهم أن يكونوا خلفاء للمسلمين ثم غإلى كثيرٌ منهم في الحكمِ على مَن خالف رأيهم وغالوا في الأئمة وفرقهم الغلو شيعًا وأسهم في التباعد بينهم وبين المسلمين من أهل السنة، وصاروا في التطرف درجات نأت ببعض فرقهم عن أساسيات الإيمان وعقائد الإسلام وظلت بعض فرقهم قابلة للتلاقي مع أهل السنة لو تمَّ الحوار المقترن بإخلاص لوجه لله والحرص على وحدة الأمة.

وقد دعا الإمام الشهيد حسن البنا إلى التقارب بين السنة والشيعة وعاب إخوةٌ لنا عليه هذا وقد أصاب وأخطأوا وبدأت الثمار متواضعة ولكن الغرس ينمو مع الأيام إن شاء الله وحزب الله الشيعي موقفه من حماس وغيرهم من المجاهدين في فلسطين يُنبئ عن الذي نرجو أن يتم على أحسن صورةٍ بين أهل السنة والشيعة وأعجب حين أرى مجلس الكنائس العالمي يضم كل الطوائف برغم اختلافهم الشديد والمسلمون لا يزال كثيرٌ منهم يصرون على الفرقةِ والشتات، وأسأل الله أن يُؤلِّف بين الجميع ويصبح التعاون بينهم على البر والتقوى أصلاً وتجاوز الخلاف وعدم تنميته أساسًا والله من وراء القصد.

كما يشير د توفيق الواعي فى كتابه شبهات وردرو الى موضوع الموقف من الشيعة فيقول:

يلمز نفر الإخوان لبعض الولاءات المؤقتة التي قد تتخذها الجماعة كالتحالفات وحسن التصنع لقوم لغرض مفيد، ولاشك أن الجماعة قد تنتهج هذا المنهج في بعض الأحيان، وهو ما يفرض نفسه، وذلك لأن من أصول الشرع المتفق عليها ارتكاب أخف الضررين الحرامين.

وقد ثبت أن رسول الله (صلي الله علية وسلم) اتخذ هذا الموقف في مواقف متعددة، ومن ذلك أنه يوم الأحزاب عرض على بني غطفان أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة وينصرفوا عنه، وكذلك صالح اليهود عندما أتم وعقد معهم الهدنة، وأيضا درجهم فبدأ أولا بإخراج بني قينقاع ثم بإخراج بني النضير، ثم بقتل بني قريظة جعلهم اخرا، وكذلك دخل (صلي الله علية وسلم) في جوار المطعم بن عدي حين رجع من الطائف، وكان أبو بكر دخل في جوار الأخنس بن شريق أو غيره من قادة الكفر في ذلك الوقت، وكلها تحقق مصالح معينة وتزول تلك الولاءات بعد زوال المصلحة.

وطبعا هذه التحالفات التي قد تدخل فيها الجماعة، لتحالف مثلا مع الناصريين القوميين أو التحالف مع الشيوعيين أو التحالف مع بعض الحكومات الجائرة في بعض الأحيان، لنجل بعض المكاسب ولتقليل بعض المضار، ويدخل في عموم القاعدة التي ذكرناها،

وهي: ارتكاب أخف الضررين، وهذه القاعدة دليلها قوله تعإلى حكاية عن لوط عليه السلام:

"في هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد" (هود: 78)، فإن زواج الكافر بالمسلمة محرم، ولكن ضرره أخف من ضرر الاعتداء على الملائكة، فلذلك قال لوط:" هؤلاء بناتي هن أطهر لكم".

فالمسألة هنا ليست مسألة عقدية وإنما هي خلاف في تحديد:

هل الضرورة تقتضي هذا أو هل المصلحة تقتضيه؟ وكذلك الهدنة في بعض الأحيان في بعض الجوانب، ونظير هذا ما اتهمت به الجماعة في التقارب بين السنة والشيعة، وفي الجمع بين كلمة المسلمين، وهذا أمر من مصلحة المسلمين لتحقيق أهداف عليا، أقلها حفظ دماء المسلمين وديارهم.

يقولون مثلا هؤلاء قد أيدوا ثورة الخميني حين قامت، وهذا يقتضي أنهم يوالون الروافض، والجواب أن الخميني خير من الشاه، وأقل ضررا منه، وقد يستفاد منه في بعض الأحيان، وقد أستفيد من ثورته في بعض المواقف التي اتخذتها، وأيضا فإن مثل هذا من رسول الله (صلي الله علية وسلم) والمؤمنين حين فرحوا بانتصار الروم على فارس، وكان ذلك في أيام غزوة بدر، وفيه يقول الله تعالي :" ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء" (الروم: ا –ه).

وعلى هذا تكون التحالفات المؤقتة التي تحكمها المصالح ويكون فيها نفع المسلمين، فإذا رأي الإخوان أن في مصلحة الإسلام اتفاقهم مع جماعة أخري أو حزب آخر فلا بأس، وإذا رأت الجماعة العمل الدنيوي مع آخرين ولو كانوا كافرين سيفيد الدولة الإسلامية كتجارة أو صناعة أو معاهدة فلا بأس من ذلك.

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى جـ 25، ص 56، 57:

ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة، فقد يكون في حق الشرع غيرها أوجب أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة، واستحبابا أخري.
ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا كما قال تعالي:
" ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به" (غافر: 34)، وقال تعإلى عنه:"يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم * (يوسف: 39 - 40).

ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله:"فاتقوا الله ما استطعتم" (التغابن: 16).

فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما، لم يكن الأخر في هذه الحال واجبا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة).

إن قضية الموازنات بين المصالح والمفاسد هي المدخل إلي فقه هذه المرحلة، وهي مفتاح الرشد في التعامل مع الناس.

والدول في واقعنا المعاصر بكل علله ومتناقضاته، وهي وسيلة للدفاع عن بيضة الإسلام، كما أنها تتضمن الإجابة عن كثير من الأفعال التي يراها قادة العمل الإسلامي نافعة للدعوة، ويتجاوز بها العمل الإسلامي كثيرا من العقبات، وعقد التمحول حول الذات والتهارج مع الآخر.

كما تناولت الجماعة الإسلامية بلبنان طبيعة العلاقة مع حزب الله الشيعى فى ورقتها التعريفية فتقول تحت عنوان" الطابع المذهبي":

لا تتحدث الجماعة الإسلامية عن انتماء سنّي أو شيعي في مختلف أدبياتها، على الرغم من التزام عناصرها أصول أهل السنّة والجماعة في توجههم الفكري أو ممارسة عباداتهم.

وهي تمثل انتماءً إسلامياً جامعاً يتجاوز الخلاف المذهبي سعياً إلى تنمية نقاط الالتقاء بين السنّة والشيعة وهي كثيرة وكبيرة، وإلى حصر نقاط الخلاف والعمل على قيام فهم متبادل لهذه النقاط بما لا يجعلها تعطل مسارات التعاون والتنسيق في ميادين العمل المختلفة، اجتماعية أو سياسية أو جهادية، على أمل أن تتولى المجامع العلمية العمل على الوصول إلى وحدة إسلامية شاملة.

وقد شهدت الساحة اللبنانية تعاون القوى الإسلامية السنّية والشيعية في كثير من الميادين، في الإطار الطلابي في الثانويات والجامعات قبل أن يتشكل حزب الله، ثم في إطار المقاومة الإسلامية إبان الغزو الإسرائيلي وما بعده، وفي الموقف السياسي والأداء الانتخابي والتنسيق البرلماني دون الوصول إلى كتلة برلمانية إسلامية في المجلس النيابي.

ولعل فترة "حرب المخيمات" التي شهدت احتقاناً مذهبياً واضحاً عامي 1986 و1987 في بيروت والجنوب، كانت فيها الجماعة الإسلامية وحزب الله أبعد ما يكون عن التورط في هذه الحرب، بل كانا يركزان على محاصرة هذه الفتنة وآثارها وتداعياتها المدمرة.

كما يقول الأمين العام السابق للجماعة الإسلامية في لبنان سماحة الشيخ فيصل مولوي "رحمه الله"عن بعض تحديات الوحدة الإسلامية فذكر :

التحدي الفكري : وهو المتمثل بشكل شبه كامل في موضوع الإمامة الذي يعتبر السبب الرئيسي والأهم للخلاف بين السنة والشيعة، إذ يعتقد الشيعة أن الإمامة لطف من الله، وأن الإمام لا يكون كذلك إلا بالتعيين من قبل الله تعإلى، بينما يرى أهل السنة والجماعة أن الإمامة من أمور المسلمين، وأن الإمام يختاره أهل الحل والعقد بناءً على قاعدة الشورى. إن هذا الخلاف أصبح اليوم نظرياً إلى حد كبير طالما أن الأئمة المعصومين عند الشيعة توقفوا عند الإمام الحادي عشر، وأن الثاني عشر قد غاب ولا يزال غائباً منذ أكثر من ألف سنة.

والشيعة ينتظرون خروجه، ويعتبرونه هو المهدي المنتظر والذي يكون من ذرية محمد صلى الله عليه وسلّم، كما توجد عند السنة روايات كثيرة صحيحة حول المهدي المنتظر وأنه أيضاً من ذرية محمد صلى الله عليه وسلّم وهذا يعني إمكانية الاتفاق بين السنة والشيعة عند ظهور المهدي، كما أن الواقع في عصر الغيبة عند إخواننا الشيعة دفعهم إلى تبنّي فكرة ولاية الفقيه التي أطلقها أولاً بعض علماء الشيعة ثم أرسى دعائمها الإمام الخميني رحمه الله من خلال دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.

وملخص هذه الفكرة أنه في عصر الغيبة تكون ولاية الحكم للفقيه المستجمع للشروط والذي تقبله الأمة. وهذا ينسجم إلى حد كبير مع نظرية أهل السنة والجماعة الذين يرون أن الأمة هي التي تختار ولي أمرها عن طريق أهل الحل والعقد، ويضع كثير من علمائهم شرطاً لذلك، وهو أن يكون من الفقهاء المجتهدين.

وبذلك يتبين أن الخلاف حول مسألة الإمامة أصبح نظرياً بشكل شبه كامل، وأن الواقع هو أن المسلمين يختارون ولي أمرهم بالشورى ريثما يظهر المهدي المنتظر. والفرق الوحيد أن أهل السنة يعتبرون هذا الأمر هو القاعدة الثابتة، بينما يعتبره الشيعة من قبيل الاضطرار نظراً لغياب الإمام عندهم.

هل يمكن لعلماء المسلمين من الطرفين أن يعيدوا دراسة هذه المسألة لاستنباط أساس وحدوي جديد يزيل الخلاف النظري التاريخي القديم ويأسس لوحدة إسلامية تتجاوز الخلاف المذهبي، هذا هو التحدي الأهم الذي نأمل من تجمع علماء المسلمين أن يتصدى له.

كما يجيب الأستاذ عبدالرحمن بيرانى الأمين العام لجماعة الدعوة والإصلاح بإيران (اخوان مسلمون) فى حوار له بجريدة الشرق الأوسط عن رأيه بمحاولات التقريب بين السنة والشيعة فيقول بيرانى:

- لا شك في أن فكرة التقارب والحوار بين أتباع المذاهب کانت ثمرة مبارکة لجهود طيبة قامت بها قيادات بارزة للصحوة الإسلامية المعاصرة کأمثال سيد جمال‌ الدين ومحمد عبده ورشيد رضا والإمام البنا وعلماء الأزهر الشريف والشيخ محمد تقي القمي، فبادروا بإطلاق مشروع حكيم يرنو إلي الوحدة الإسلامية والتقارب بين أتباع المذاهب، حيث تم إنشاء أول دار للتقريب في القاهرة.

وکان هذا المشروع إحدى ثمار المدرسة الفكرية الإصلاحية التي مهدت الطريق أمام قبول الآخر والتعامل مع الآراء المخالفة من منطلق مبدأ تعدد الآراء والاجتهاد المشروع، وتعبّر عن هذا الانفتاح القاعدة الذهبية «نتعاون في ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا فيه».

وإن جماعة الإخوان تبنت هذه الفکرة، وقد تربي جيل من المفكرين في مدرسة الإخوان عاشوا فوق الفوارق القومية واللغوية والمذهبية وتعاملوا معها تعاملا إسلاميا حضاريا، وبات هذا ديدنة الجماعة وصبغتها.

وبعد الثورة الإسلامية في إيران، تم تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وأقام هذا المجمع مؤتمرات عالمية بحضور بعض العلماء وقادة الفکر في الداخل وفي الخارج وبذل جهودا کثيرة وحقق أهدافا.

لکن في ظل الأوضاع الراهنة التي کثرت فيها الخلافات والنزاعات والتحديات وتقلصت فيها نسبة الثقة المتبادلة بين الفريقين، نحن نري أن تحقيق الهدف المنشود لمشروع الوحدة الإسلامية يتطلب إرادة قوية صادقة إلي جانب مشارکة الرموز والمرجعيات الفکرية المؤثرة من الفريقين، بالإضافة إلي مسايرة الرأي العام وإقناعه بضرورة التقارب، لأن اتفاق القيادات الفکرية والسياسية علي أمر ما سهل، ولکن إقناع الشعب هو الجانب الرئيس في القضية.

المراجع

  1. محمد الغزالي،دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين ص110،109
  2. ولد الدكتور عدنان سعد الدين، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية – سابقاً، في عام 1929، وهو صدر من صدور هذه الجماعة فعلاً لا قولا، فعندما شرفه الله بتسلم الراية في قيادة جماعة الإخوان المسلمين سنواتٍ عديدة، كان متميزا حركة وفكرا وإدارة وحنكة سياسية، وعندما أولى الفكر اهتماماً أغنى المكتبة الإخوانية والعلمية بإنتاج شكل إضافة كبيرة للمكتبة الاسلامية.وبدأ الداعية عدنان سعد الدين حياته الدعوية مع الرعيل الأول للإخوان المسلمين في سوريا مع المؤسس مصطفي السباعي - رحمه الله-، ثم انتقل كأستاذ متعاقد معه في دول الخليج العربي كقطر والإمارات العربية المتحدة، وغيرهما، وانتخب مراقبًا عامًّا للإخوان المسلمين في سوريا أيام المحنة مع نظام حافظ أسد في الثمانينيات، وقاد التحالف الوطني لتحرير سوريا والذي ضم أحزابًا علمانية ويسارية، وقد خلف المراقب السابق.للإخوان المسلمين في سوريا إرثا تاريخيًّا مكونًا من عدة مجلدات عن تاريخ سوريا وتاريخ الإخوان المسلمين، وكذلك كتابات عديدة في الدعوة والتربية والرقائق.
  3. موقع د عجيل النشمى