الإخوان المسلمون والعلاقات الدولية.. الإخوان وتفاعلات مابعد الحرب العالمية الثانية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:١٢، ١٠ فبراير ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون والعلاقات الدولية.. الإخوان وتفاعلات مابعد الحرب العالمية الثانية

مركز الدراسات التاريخية ويكيبيديا الإخوان المسلمين

بعد أن وضعت الحرب أوزارها عام 1945 تغيرت الخريطة الدولية ببروز قوى سياسية دولية مؤثرة جديدة، ودول أخرى انحسرت عنها القوة والأضواء، وخلال الحرب وقفت البلدان العربية بجانب الحلفاء في مواجهة الدول الدكتاتورية، كانت تونس والجزائر وموريتانيا تحت الاستعمار الفرنسي؛

فيما اعتبرت فرنسا الجزائر أرضا فرنسية وقد فرضت فرنسا على الدول العربية التي كانت تسيطر عليها السياسة الفرنسية وجندت شباب العرب في جيشها وظلت فرنسا إلى ما بعد سقوطها بيد الألمان تسيطر على مستعمراتها.

أما مصر فقد كانت حرة مستقلة بموجب معاهدة 1936، ولكنها تعرضت لضغوط بريطانية امتدت لتشمل ليبيا بعد طرد الإيطاليين والألمان منها بعد هزيمتهم في معركة العلمين.

كانت المملكة العربية السعودية واليمن مستقلتين وظلتا على الحياد فيما كانت بريطانيا تسيطر على جنوب الجزيرة العربية وعلى معظم مناطق الخليج العربي لكن لم تصل الحرب إلى الخليج العربي لكنه أصبح طريق مرور للمساعدات الأمريكية والبريطانية إلى الاتحاد السوفييتي عبر إيران.

وقعت بريطانيا مع العراق معاهدة 1930 التي تمنحهم حق إقامة قواعد عسكرية فيه وخلال الحرب قام رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني بثورة أبريل 1941 ضد بريطانيا بالتعاون مع الألمان لكن البريطانيين قضوا على ثورته واحتفظوا بوجودهم في البلاد.

بعد سقوط فرنسا خضع لبنان وسوريا لسيطرة حكومة فيشي الموالية لألمانيا ولكن في مطلع صيف 1941 استولى الحلفاء على البلدين وانتقل الحكم فيهما إلى حركة فرنسا الحرة التي يتزعمها الجنرال ديغول.

أعلنت حركة فرنسا الحرة استقلال سوريا في سبتمبر 1941 ثم استقلال لبنان في 26 نوفمبر 1941 لكن هذا الاستقلال ظل اسميا واستمر الحكم الفعلي بيد الفرنسيين وطالب الشعبان باستقلال صحيح فتحقق لهما الاستقلال سنة 1943 واستكمل اللبنانيون والسوريون استقلالهم باستلام المصالح التي يديرها الفرنسيون وتحقيق جلاء الجيوش الفرنسية عن أراضيهم سنة 1946.

ومع ظهور انتصار الحلفاء في المرحلة الثانية من الحرب راحت وعودهم للعرب بالاستقلال تتلاشى وازدادت ممارستهم القمعية وتشددوا في حكمهم للمناطق العربية المستعمرة مما كان له أبعد الأثر في ردود فعل العرب المناهضة لهم.

ولم يكتف الإخوان ببيان موقفهم فقط كما أوضحناه سابقاً ولكن كان هناك تحركات عملية من خلال ارسال بعض الرسائل المباشرة لقيادات الدول الكبرى ومن تلك الرسائل،رسالته إلى مؤتمر وزراء الخارجية الذى انعقد بلندن 11 سبتمبر 1945 والتى جاء فيها:

فى هذا الوقت الذى تقررون فيه مصير الشعوب، نتشرف بأن نعلن إليكم باسم الإخوان المسلمين فى مصر وفى العالم العربى والإسلامى عامة أن الأمم العربية والإسلامية فى جميع أنحاء العالم تأمل ألا تهضم حقوقها الثابتة فى الحرية والاستقلال التى ضمنها ميثاق الأطلنطى ودعمها اشتراكها فى المجهود الحربى مع الأمم المتحدة، حتى تتوطد دعائم السلم على أساس العدالة والأخوة الإنسانية. (1)

كما يوجه البنا خطاباً آخر إلى الدول الأوروبية الاستعمارية فى أحد خطابته التضامنية مع الدول المضطهده والواقعة تحت الاحتلال الغربى بعنوان "لا تظلموا الفرصة السانحة" ويقول فيها:

لا تدعنا هذه الظروف الملحة لنتكلم طويلا، ولكنها تطالبنا ولاشك بعمل حاسم حازم سريع متواصل، وهى ساعة مباركة وفرصة طيبة أتاحتها لنا جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية لنصارح قادة الأمة العربية وزعماءها بما يخالج النفوس ويعتلج فى الصدور.
أيها السادة الفضلاء الأعزة:
اعلموا أيها السادة أن خصومكم لن يكونوا أضعف مما هم عليه اليوم وهم فى أعقاب حرب طاحنة لم تبق لهم ولم تذر، وأن شعوبكم تغلى مراجل صدورها بلهيب من الحماسة واليقظة والعزم لن يهدأ حتى يصل إلى غايته، وأن الفرصة السانحة لا تعوض فاذكروا قول الله العلى الكبير: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ "المائدة: 3". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (2)

كما وجه الإمام البنا خطاباً إلى الأمة البريطانية عامة وإلى المستر تشرشل ووزراء الدومنيون (3) خاصة والتى يعبر فيها عن مطالب وآمال العالم الإسلامى فيقول:

هناك حقائق قائمة حول قضايا العالم الإسلامى لا ينكرها الآن إلا غافل أو مكابر، ومن الخير أن يواجه الناس الحقائق بشجاعة وأن يسرعوا فى الانتفاع بما وراءها من خير ودفع ما تنذر به من سوء، وما أحوج قادة العالم إلى سرعة الإدراك وإلى الشجاعة الكاملة فى هذه الأوقات العصيبة التى تجتاز البشرية فيها مرحلة انتقال من أدق مراحل تاريخها.
من هذه الحقائق أن العالم الإسلامى عربيا وغير عربى، بدأ يحدد أهدافه وبدأت حقوقه السياسية تبرز واضحة مجسمة أمام ناظريه بعد أن غفل عنها طويلا بفعل الحكومات الجائرة أو الأمم الأجنبية المستعمرة، فكل مسلم على ظهر الأرض الآن يعلم تماما هذه القضايا ويحس بأحقيتها إحساسا عميقا لا نزاع فيه.

يدرك كل مسلم الآن:

  1. أن أندونيسيا يجب أن تكون دولة إسلامية حرة تتكون من سبعين مليونا من المسلمين.
  2. وأن المسلمين فى الهند يجب أن يمنحوا حريتهم وأن يسلم لهم بوجهة نظرهم فى "الباكستان" حتى تقوم فى الهند دولة إسلامية حرة كذلك قوامها مائة مليون مسلم.
  3. وأن إيران المسلمة يجب ألا يهدد استقلالها وألا تكون مسرحا للدسائس والفتن وأن تجلو عنها كل القوات الأجنبية.
  4. وأن فلسطين المقدسة من صميم الوطن العربى والإسلامى، وهى عند العرب والمسلمين أولى القبلتين وثالثة الحرمين.وفكرة قيام الوطن القومى اليهودى أو الدولة الصهيونية فيها هوس سياسى، لا يمكن أن يكون من ورائه إلا الفتنة التى لا يعلم مداها إلا الله، ولن يكون هناك وحدة عربية ولا استقلال حقيقى لشعوب الجزيرة المباركة، إلا إذا اطمأنت على أن فلسطين باقية بيد العرب.
  5. وإن وادى النيل دولة واحدة لا يمكن أن تكون إلا حرة مستقلة موحدة، ولا يمكن أن يقبل شعبه إلا هذا الوضع.
  6. وإن الشمال الإفريقى كله ليبيا بأكملها وتونس والجزائر ومراكش، قد أعجزت المستعمر عن أن ينال منها شيئا بالرغبة أو بالرهبة، وظلت وستظل عربية مسلمة تناضل وتجاهد فى سبيل الحرية والاستقلال، وستظل كذلك حتى تصل وهى واصلة بإذن الله.

ويضيف فى موضع آخر من رسالته فيقول:

ومن هذه الحقائق أن إنجلترا اليوم غير إنجلترا بالأمس، بريطانيا فى هذه الأيام، ليست بريطانيا دزرائيلى(4) وغلادستون(5) وسل رودس، فقد تطورت الأفكار والأوضاع وشب عمرو عن الطوق، وظهر فى عالم المنافسة خصوم أقوياء أشداء،وخرجت أمريكا من صومعتها لتأخذ بنصيبها من خيرات العالم؛
وبرزت روسيا على المسرح العالمى الدولى ترتل أنغام الشيوعية والمساواة والحرية والإنصاف إلى آخر هذا القصص الطويل العريض، وحملت بريطانيا أعباء حربين طاحنتين كانت فيهما على شفا الانهيار لولا قضاء تحقق وقدر مضى وكلمة سبقت، والأمور بيد الله.
فبريطانيا اليوم غير بريطانيا بالأمس وقد أدرك كثير من ساستها وفلاسفتها هذه الأوضاع، بل لعل شعبها نفسه قد أدرك هذا الوضع وعبر عن هذا الإدراك بانتصاره لتعاليم العمال فى الوقت الذى قاده المحافظون إلى النصر.

وقد بدا ذلك واضحا كذلك فى كثير من التصريحات والخطب التى يلقيها الساسة فى مجلس العموم ومجلس اللوردات. ويشدد الإمام البنا فى خطابه على المطالب التى يريدها من الأمة البريطانية فيقول:

أريد أن أقترح على الأمة البريطانية والحكومة البريطانية وأمم المملكة المتحدة وحكوماتها بعد أن بسطت أمام الجميع هذه الحقائق:
أن تؤمن إيمانا صادقا بوجوب التعاون مع العالم الإسلامى فى هذه الساعات الفاصلة من تاريخ البشر وأن تثق بنياته الطيبة نحوها ثقة إلى حد وأن تعطيه البرهان الصادق على ذلك بأن تمنحه قوتها الأدبية والمادية معا لتتحقق مطالبه العادلة فى الحرية والاستقلال، وعليها هى أن تبدأ لأنها الأقوى والأظهر فى ميدان السياسة الدولية...
وبيدها لا بيده تحقيق هذه الأحلام، ولها إن فعلت ذلك فجلت عن الأرض الإسلامية التى تحتلها، وأعلنت حريتها واستقلالها، وأقامت من نفسها محاميا لا يتراجع ولا يلين فى قضاياه التى تتصل بغيرها لا كما فعل المستر بيفن (6) فى قضية ليبيا؛
إذ سحب اقتراحه باستقلالها وشايع مطامع أهل الجشع والاستغلال، لها إن فعلت ذلك أن يمنحها العالم الإسلامى كله أربعمائة مليون قلب من أطهر القلوب وأقواها، وأن تكون قوة دوله وأممه المادية والأدبية سورا يحميها ويحف بها ويدفع عنها العوادى والأضرار، ويحالفها محالفة حقيقة لا تقوم على قوة الحديد والنار وسلطان الدبابات والحراب، ولكن تقوم على التقدير الصدق والوفاء وتبادل المصالح وسعة الإدراك.
لماذا لا تكون عند بريطانيا الشجاعة الكافية للإقدام على هذه التجربة فتضرب عصفورين بحجر واحد، تقيم سورا حول نفسها وتكون السابقة إلى تحقيق مبادئ العدالة والإنصاف والحرية التى هتفت بها؟
وإن ذلك ولاشك أجدى عليها من أن تتحدى هذه المشاعر وتقف فى وجه هذه الأمم فتكشف عداوتها، ولن تثنيها بعد ذلك عما تريد، وكل ما فى وسعها أن تؤخره أو تعطله بعض الوقت، ثم تتغلب سنة الوجود وطبيعة الحياة فتصل إلى حقها. ولن تجد لسنة الله تبديلا. (7)

كما يتوجه الإمام البنا بالنصيحة للدول الغربية بشأن سياساتها وعلاقاتها مع الدول العربية فيقول فى مقال له تحت اسم ناصح أمين :

فى نهاية الحرب الماضية أعلنت الدول المنتصرة أنها ستنصف الشعوب المظلومة، وتعاون الأمم المهضومة على نوال حقها، فى ظل استقلال كامل وحرية صحيحة ومصير تقرره لنفسها بمحض اختيارها ورضاها، وفرح الناس بهذا واستبشروا وانتظروا أن تتحقق الوعود وتصح الأحلام، فإذا بالإنسان هو الإنسان يفىء فى الشدة إلى رشده ويرجع إلى طبيعة الإنصاف فيه، فإذا زالت عنه شدته عادت إليه نزعة الطمع والاستئثار وصدق الله العظيم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ "الزمر: 8".
ونتج عن هذا الخلف فى الوعود والعبث بحريات الشعوب أن نهضت الأمم العربية والإسلامية تطلب بحقوقها؛ فهبت مصر والعراق والشام وفلسطين والمغرب وتركيا وغيرها تعمل لحريتها وتقدم الضحايا من دماء أبنائها وكريم أموالها، لا تعدل شيئا بحريتها واستقلالها طول هذه الفترة الماضية التى سبقت هذه الحرب العالمية الثانية.
وقد وصل بعض هذه الشعوب إلى بعض حقه، واستمرت الشعوب الأخرى فى نضالها وتضحياتها حتى أذن مؤذن هذه الحرب التى لم تر الإنسانية لها مثلا فى قسوتها وشدة فتكها بالمحاربين والأبرياء على السواء.
وقامت الدول القوية المحاربة تعلن من جديد عزمها الأكيد على تحرير الأمم المستعبدة وتقوية الأمم الضعيفة، وأعلنت أنها إنما تحارب لتحرير الإنسانية ونصرة مبادئ العدالة والإنصاف والحرية.وجاء ميثاق الأطلنطى مؤكدا لهذه التصريحات وتلته تصريحات زعماء الدول ورؤساء الحكومات تؤكده وتزكيه وتثبته وتنميه.
ولهذا نتوجه نحن الإخوان المسلمين بالنصح إلى شعوب الأمة العربية والإسلامية بأن تتكاتف وتتحد وتسوى صفوفها فى داخل بلادها فتكون كل أمة يدا واحدة فى سبيل مطالبها الحقة العادلة، وتكون كلها كذلك صفا واحدا وقلبا واحدا فى سبيل هذه المطالب والحقوق، فإن الإيمان هو أول القوى؛
والجماعة بعد ذلك هى سبيل النصر ويد الله مع الجماعة، فلتحدد الأمم العربية والإسلامية أهدافها تحديدا واضحا ولتتجمع داخل حدودها وخارج هذه الحدود لتجاهد مجتمعة موحدة فى سبيل الوصول إلى ما تريد، ولا سبيل إلى النصر إلا الإيمان والوحدة.
تلك نصيحتنا إلى الأمم العربية والإسلامية. ونصيحتنا إلى الدول الديمقراطية وقد حالفت هذه الدول العربية والإسلامية وصاحبتها فى الهناءة والشدة فلم تر منا إلا كل مناصرة ومعاونة ووفاء أن تبر معها بوعودها، وأن تعينها صادقة على تحقيق آمالها، وأن تعمل على إزالة العقبات والعراقيل من طريقها، فتكتسب بذلك مودتها وتأييدها كسبا صادقا حقيقيا.
والعربى والمسلم إذا أحب أخلص الحب، وإذا وعد صدق الوعد، وإذا عمل بالغ فى الإحسان، ولن تجد الدول الديمقراطية حلفاء صدق وأعوان حق كالأمم العربية والإسلامية إذا لقيت منها المساعدة الصادقة على استكمال استقلالها وتحقيق آمالها.
لهذا أؤكد أن الإخوان المسلمين صادقين فى نصيحتهم، أمناء فى قولهم حين يتقدمون إلى الأمم الإسلامية والعربية بالحرص الكامل على وحدة الصفوف فيها، ويتقدمون إلى الدول الديمقراطية بوجوب مناصرة آمال العرب والمسلمين مناصرة حقيقية ومساعدتهم على استكمال حريتهم واستقلالهم من لدن خليج فارس إلى ساحل الأطلنطى وفى كل بقعة فيها شعب عربى أو أمة مسلمة، وسيكون هذا الإنصاف الفعلى ولا شك أقوى دعائم السلام المنتظر. ولله عاقبة الأمور. (8)

كما وجه الإمام البنا رسالة لقيادات الدول الكبرى بمناسبة مؤتمرى واشنطن وسان فرنسيسكو موضحاً فيها رؤية الاسلام والتى تمثل بدورها رؤية الإخوان المسلمون تجاه قضايا العدل والسلام الدوليين فيقول:

لا شك أن حدث الأحداث فى هذه الفترة من الزمن هو ما يدور فى أمريكا من مفاوضات ومباحثات ودراسات فى هذه المجامع العالمية فى واشنطن تارة وفى سان فرنسيسكو أخرى وما يسبق ذلك من لقاء بين أقطاب الأمم وزعماء العالم.
إن عدة آلاف من زعماء الشعوب والدول قد احتشدت فى هذه البقاع الآن تفكر فى مستقبل الإنسانية وتتلمس سبل السلام والهداية والخير والطمأنينة للناس، ولا شك أن هؤلاء المجتمعين صادقو العزم فى أن يتلمسوا لأممهم سبل الراحة، فأما الدول الكبرى فلما ذاقت من هول الحرب وقسوتها وفظائعها، وأما الدول الأخرى فلما عانت من هول الضغط وشدة القسر ولما يتردد فى صدورها من آمال كابر وأمان عذاب.
وإن من وراء هؤلاء الآلاف من العلماء عين الدنيا كلها، وأذن الدهر، وشعوب العالم جميعا، متلهفة مترقبة آملة متطلعة تنتظر فجر الطمأنينة وبشائر السلم الدائم ونور العدالة والإنصاف المشرق الوضاح.
ولقد كانت بشارة طيبة وفاتحة حسنة أن يعلن المؤتمرون فى واشنطن أنهم يريدون أن تمثل فى تشريع محكمة العدل الدولية كل عناصر الحضارات الإنسانية وأمهات قواعد التشريعات العالمية؛ وفى مقدمتها حضارة الإسلام وشريعته مستقلة صالحة لأن تكون مصدرا من مصادر التشريع والتقنين العالمى.
ولقد أحسن مندوبونا فى مصر صنعا إذ كان فى مقدمة مقترحاتهم هذا المقترح، وحين أقول مندوبينا فلست أقصد مندوبى مصر وحدها، ولكن أقصد أولئك الكرام الفضلاء من ممثلى الشعوب العربية والإسلامية الذين أقروا مقترح وفد مصر واتفقوا جميعا على تأييده ومناصرته.
نريد أن نقول للناس فى هذه الفرصة ونصيح فى آذان الدول القوية والشعوب القادرة المحكمة هذه عناوين حياتنا سلام فى سلام فمم تخافون؟ لا تقفوا فى طريق حريتنا، ولا تحولوا بيننا وبين أن نستكمل قوتنا ولا تتهيبوا العدوان فى وحدتنا، بل ساعدونا على ذلك وأعينونا عليه، وسترون من هذه النفوس التى طبعت بالسلام سدا منيعا يقف دون المبادئ الهدامة، والأفكار المدمرة، والثورات المخربة، والمطامع الفاسدة، ويشيع فى الدنيا كلها معنى الطمأنينة الحق والسلام الدائم الصحيح.
نريد أن نقول لهؤلاء المؤتمرين ولغيرهم: إنكم تريدون أن تعلنوا فكرة الإخاء والمساواة وهذه من مواريثنا وذخائر كنوزنا نحن المسلمين، فإنما جاء ديننا ليقضى على نعرة الأجناس والألوان ويعلن المواساة بين بنى الإنسانية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ "النساء: 1".
نريد أن نقول لهؤلاء المؤتمرين ولغيرهم: إنكم تريدون أن تثبتوا دعائم الديمقراطية الصحيحة وتقروا مبادئها فى الأرض وتعلنوها فى الناس شريعة العصر الجديد وثمرة هذا الجهد الجهيد والكفاح الشديد؛ ولكنا نحن المسلمين قد تلقيناها درسا أوليا فى أبجدية ديننا وفى تاريخ أسلافنا، وطبقناها نظاما عمليا على أديم صحرائنا وفى ظل مضاربنا وخيامنا، وسجلها الله حكما عربيا، فى آيات كتابنا كما نظمناها أدبا رائعا فى قصيد شعرائنا.
نريد أن نقول لهؤلاء المؤتمرين ولغيرهم: إنكم اجتمعتم هنا لتقروا هذه المبادئ وأمثالها وأنتم على ذلك مشكورون، ولكنكم لا تملكون فى مجامعكم هذه إلا الرسائل السياسية والأسباب المادية ولا تعتمدون إلا على النصوص القانونية؛
ولكنا نملك مع هذا كله مفاتيح النفوس الإنسانية بتوجيهها نحو الله، وربطها بأسباب السماء، ووصلها بالملأ الأعلى، وإحيائها بهذا الفيض الغامر من روحانية كتبنا وأنوار عقائدنا وإيماننا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ "الشورى: 52" ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ "الأنعام: 122" ﴿يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ "النحل: 2".
نحن لهذا أقدر على الوصول والدوام والخلود، وما أجمل أن تمتزج هذه الوسائل جميعا فيلتقى وازع السلطان بوازع القرآن. (9)

ورحب الإخوان ترحيباً شديداً بإعلان الهدنة العامة التى أوقفت نزيف الحرب والدمار ولكنها لم تنس أيضاً عذاب الدول العربية والإسلامية الواقعة تحت الاحتلال

فيقول الإمام البنا فى مقال له بعنوان "كلمتان بعد الهدنة العامة":

الآن وقد استجاب الله دعاء الملايين من عباده، وأقر القلوب الواجفة، ورحم النفوس المعذبة، فأعلنت نهاية الحرب الحالية، ورفرفت حمامة السلام وطلع هلال رمضان ومعه الطمأنينة والسلم والأمان، لنا كلمتان:
أما الأولى فللدول الظافرة المنتصرة نحب أن نقول لها: إن للظفر نشوة وإن للنصر سورة قد يخفى معها وجه الحق ويستخف فيها الظافر المنتصر بغيره من الناس، وهكذا الإنسان فى الضراء دائم التضرع والرجاء، فإذا انكشفت الغمة عادت إلى طبيعة النسيان: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ "الزمر: 8"
ولكن أغلب الظن أن هذا الدرس القاسى العنيف الذى تلقته الإنسانية فى هذه الحرب طوال ست سنوات لا ينسى بمثل هذه السهولة ولا يتبخر من الرءوس والنفوس بمثل هذه السرعة، والأمل معقود فى استقرار الطمأنينة واستمرار السلام بإدراك الدول الكبرى لهذه الحقيقة، وكثيرا ما ردد زعماؤها قولتهم المشهورة: "لقد كسبنا الحرب وبقى أن نكسب السلم".
وهناك حقائق مسلمة لا تقبل الجدل ولكنها قد يطغى عليها النسيان أو التناسى، نضعها بين يدى الدول الكبرى بهذه المناسبة فيما يتعلق بمصر والبلدان العربية والإسلامية:
  1. هناك يقظة وصحوة، وإدراك عميق ووعى قومى دقيق يجرف هذه الشعوب فى مصر وفى كل بلد عربى وفى كل قطر إسلامى، ويلح عليها إلحاحا عنيفا أن تطالب بحقوقها، وأن تتلمس الحياة العزيزة الكريمة، حياة الحرية والاستقلال والتمتع بالحقوق الطبيعية للإنسان الراقى، ولا يمكن بحال أن تخدع هذه الشعوب عن هذه الحقوق بعد اليوم، فقد تلقى فى طريقها الأشواك والعقبات ولكنها لن تمنعها عن مواصلة السير، وكل تأخير سيفوت على الإنسانية الظامئة للسلام الحقيقى والتعاون الصادق ما نأمله منهما ونرجوه. وقد أدركت الدول الكبرى هذه الحقيقة ولم تستطع أن تتجاهلها أو تتناساها ولكنها تحاول أن ترضى هذه اليقظة ببعض القشور والمظاهر، وتستر الأوضاع البغيضة بالأساليب الحبيبة، ولكن حذار فلن يدوم هذا الوضع طويلا، وثوب الرياء يشف عما تحته، وسيكون أثر رد الفعل حين تنكشف الحقائق وتظهر النيات مرا قاسيا يطيح بالثقة وهى أساس التعاون ودعامة السلام.
  2. وقد أخلص هذا الشرق العربى الإسلامى لقضية الحلفاء فى هذه الحرب إخلاصا منقطع النظير، وعاون فى المجهود الحربى رسميا وعمليا معاونة فعالة كان لها أثرها الجليل فى الوصول إلى النصر. ولقد كان إجماع مصر والبلاد العربية والإسلامية على هذا الموقف، وبذلها كل مجهود فوق الطاقة، وإيثارها مصلحة الدول الحليفة على مصلحتها الخاصة، موضع إعجاب وإكبار وثناء زعماء الأمم المتحدة ورؤساء حكومتها وصحافتها بما لا يدع زيادة لمستزيد، فقد وقف العرب والمسلمون من حدود الهند إلى الدار البيضاء ومن حدود الأستانة إلى جنوب إفريقيا صفا واحدا يرمى عن قوس واحدة ويهدف إلى غرض واحد؛ هو مساعدة الحلفاء على النصر، وأخفقت كل الدعايات والأساليب والإغراءات فى تحويل هذه الشعوب العربية والمسلمة عن هذا الموقف.
  3. وهذه البلاد العربية المسلمة لا تريد علوا فى الأرض ولا فسادا، ولا تبغى استطالة على أحد أو عدوانا، ولا تطالب بغير الحقوق الطبيعية التى يعترف بها الجميع ولا يعترض عليها أحد، والتى ملأ زعماء الأمم المتحدة الدنيا صراخا ونداء من أجل إحقاقها وإيصال البشرية إليها. تريد هذه البلاد حرية كاملة فى أرضها، واستقلالا يحرم على غيرها أن يتدخل فى صميم شئونها، ولا يمكن أن يكون هذا الاستقلال حقيقة وتلك الحرية صحيحة إلا إذا جلت الجنود الأجنبية جلاء تاما عن أرض هذه الأوطان، وسلمت مرافقها لأهلها تسليما كاملا، وانكفت يد التدخل فلم تمتد إلى شأن من الشئون كائنا ما كان.
  4. ولا محل مطلقا للخوف من تقوية هذه الشعوب وإنهاضها بعد تطور العلائق الإنسانية بين الناس هذا التطور، وتنظيمها، وتنسيقها بالمعاهدات والمؤتمرات، وتدعيمها بنظم التربية والتعليم، والتنشئة المركزة على حب الخير والسلام. ثم هناك بعد ذلك القوة العالمية التى نيط بها حفظ الأمن والسلام، تردع المعتدين بالجزاء الرادع، وتأخذ بتلابيبهم بالعقاب الزاجر، على أن ماضى هذه الشعوب وطبيعة تكوينها النفسانى خير ضمان يكفل ابتعادها عن العدوان.
فإذا كانت هذه الحقائق مسلمة من الدول الكبرى، فهل ترى أن هناك شيئا يصح أن يكون عقبة فى طريق إنصاف هذه الدول العربية الإسلامية وإراحة بالها بتقرير حقوقها وتدعيم حريتها واستقلالها.؟!. (10)

المراجع

  1. مجلة الإخوان المسلمون، العدد (70)، السنة الثالثة، 14 شوال 1364ه 20 سبتمبر 1945م، ص(18).
  2. مجلة الإخوان المسلمون، العدد (98)، السنة الرابعة، 14 جمادى الأولى 1365ه 16 أبريل 1946م، ص(13)، وهى كلمة ألقاها الإمام البنا أمام الحفل الذى أقامته جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية فى فندق الكونتننتال مساء يوم الجمعة 3 جمادى الأولى 1365ه الموافق 15 أبريل 1946م، والذى حضره عظماء العرب والمسلمين، وجمهور المشتغلين بالقضية العربية، وزعماء العرب الموجودون فى مصر
  3. ((الدومنيون)) (( مصطلح كان يقصد به قبل عام 1939 كل من كندا، وأستراليا،ونيوزيلندا،واتحاد جنوب إفريقيا، و (جمهورية إيرلندا في ما بعد) ونيوفاوندلند الأعضاء في الكومنولث البريطاني. وكانت هذه الأقطار باستثناء نيوفاوندلند تعتبر من وجهة النظر الدولية دولا قائمة بذاتها ومن هنا حق لها أن تتمثل على نحو مستقل في عصبة الأمم وغيرها من المحافل الدولية ولكنها لم تكن في الوقت نفسه لتتمتع بهذا الوضع القانوني (أي وضع الدول المستقلة) بالنسبة إلى المملكة المتحدة أو بالنسبة إلى بعضها بعضا. وتعتبر كندا أقدم الدومنيونات (عام 1867). وبعد عام 1947 ألغي مصطلح وأصبح مصطلح يطلق على تلك البلدان التي احتفظت برباط يشدها إلى المملكة المتحدة ))
  4. بنيامين دزرائيلى، رئيس وزراء بريطانيا (1874-1880).
  5. وليم غلادستون (1809-1898م) سياسى إنجليزى ولد فى ليفربول، زعيم حزب الأحرار ورئيس وزراء بريطانيا عدة مرات.
  6. أرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا (1945-1951).
  7. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (17)، السنة الأولى، 22 جمادى الآخرة 1365ه 23 مايو 1946م، ص(1)، وتشرشل هو ونستون ليونارد سبنسر تشرشل "30 نوفمبر تشرين الثانى 1874-24 يناير كانون الثانى 1965"، رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.
  8. مجلة الإخوان المسلمون، العدد (32)، السنة الثانية، 15 ربيع الثانى 1363ه 8 أبريل 1944م، ص(3-4
  9. مجلة الإخوان المسلمون، العدد (58)، السنة الثالثة، 20 جمادى الأولى 1364ه 3 مايو 1945م، ص(3-4).
  10. مجلة الإخوان المسلمون، العدد (67)، السنة الثالثة، 15 رمضان 1364ه 23 أغسطس 1945م، ص(3-4، 20).

إقرأ أيضا

للمزيد عن الإخوان والعالم

الإخوان حول العالم

الإخوان في السودان | الإخوان في ليبيا | الإخوان في الجزائر | الإخوان في تونس | الإخوان في المغرب | الإخوان في موريتانيا | الإخوان في قطر| الإخوان في فلسطين | الإخوان في الأردن | الإخوان في سوريا | الإخوان في لبنان | الإخوان في اليمن | الإخوان في العراق | الإخوان في البحرين| الإخوان في السعودية | الإخوان في الكويت | الإخوان في الإمارات | الإخوان في إيران | الإخوان في تركيا | الإخوان في إندونيسيا | الجماعة الإسلامية في باكستان | الإخوان في البوسنة والهرسك | جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها بأفغانستان| الإخوان في الصومال | الإخوان في جيبوتي | الإخوان في نيجيريا | الإخوان في السنغال الإخوان في بريطانيا | الإخوان في فرنسا | الإخوان في ألمانيا | الإخوان في أسبانيا | الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية | الإخوان في باقي دول العالم

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

أبحاث متعلقة

تابع أبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

أحداث في صور

.