الإخوان المسلمون ووعد بلفور

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون ووعد بلفور


مقدمة

فلسطين هي أرض الرّسالات السّماوية ومهد الأنبياء وملجأهم الحصين، فيها ولد السيد المسيح، ورحل إليها أبو الأنبياء إبراهيم، وعاش فيها أنبياء الله داود وسليمان وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.

لقد حافظت الأجيال على بيت المقدس وأرض فلسطين جيلا بعد جيل، وضحت من أجله بالرخيص والغالي، لما تحلى به من قدسية خاصة في نفوس المسلمين خاصة والناس عامة، قبل أن يأتي حكام تسلطوا بقوة السلاح والبطش باعوا العرض والأرض، وتنازلوا عن قضية فلسطين من أجل حماية المحتل الصهيوني، ولم ينتفض ضد ذلك إلا الشعوب المؤمنة والحركات الإسلامية وفي القلب جماعة الإخوان المسلمين.

الإخوان وقضية فلسطين

حظيت القضية الفلسطينية من الإمام الشهيد حسن البنا باهتمام بالغ، حتى لا تذكر فلسطين إلا ويذكر معها الإمام

ولقد عبر الإمام الشهيد عن ذلك بقوله:

"فلسطين تحتل من نفوسنا موضعًا روحيًّا وقدسيًّا فوق المعنى الوطني المجرد؛ إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركات النبيين والصديقين، ومهد السيد المسيح عليه السلام، وفى كل ذلك ما ينعش النفوس ويغذى الأرواح".

لقد اعتنى الإمام البنا بقضية فلسطين اهتماما ماديا وإعلاميا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا، فلقد قضى الإمام البنا جزءًا كبيرًا من حياته مدافعا عن فلسطين بقلمه ولسانه وماله ونفسه حتى قضى شهيدًا، فهو - بحق - شهيد فلسطين وإن لم يمت على أرضها.

كما لم تتوقف جهود الإخوان على التنبيه للخطر الصهيوني، بل أيقظوا الأمة جمعاء، وحشدوا الجهود لمقاومة ذلك الخطر، وقدموا ولا زالوا يقدمون التضحيات تلو التضحيات للذود عن فلسطين، نبهوا الغافلين، وأيقظوا النائمين، وبذلوا المال، وقدموا الشهداء فداء لفلسطين؛ حتى يتم تحريرها من الصهاينة الغاصبين وتعود إلى أحضان الأمة الإسلامية

ولقد كتب في دور الإخوان نحو القضية الفلسطينية وجهودهم كثير من الأبحاث والعديد من المؤلفات التي تتزين بها أرفف المكاتب وعالم الانترنت الفسيح، حتى أن المؤرخين والعسكرين اليهود أنفسهم شهدوا بدور الإخوان في التصدي لعصاباتهم في حرب فلسطين، مثل شهادة اليهودي دوف جوزيف رئيس بلدية القدس والذي ذكر في مذكراته عن معارك القدس اعترف أن وجود الإخوان المسلمين في جنوب القدس كان مصدر قلق وإزعاج دائمين للقيادة اليهودية العامة.

ويقول المؤرخ الأمريكي د.ريتشارد ميتشيل:

"ونادى البنا في المؤتمر العام الثالث المنعقد عام 1935م بجمع الأموال لمساندة قضية العرب، كما ألف لجنةً لتدعو لها عن طريق البرقيات والرسائل إلى السلطات المختصة، وعن طريق الصحافة والنشرات والخطب، وآزر هذه الوسائل قيام مظاهرات نيابية عن المضربين في فلسطين وإرسال المؤن والعتاد لهم".

وكان أعظم ما شهر عن كفاح الإخوان هو ما قدموه من عون للمصريين الذين حوصروا في جيب الفالوجا؛ نتيجة الزحف الإسرائيلي بعد فشل الهدنة الثانية في أكتوبر 1948م؛ إذ ساعد الإخوان على إمداد القوات المحاصرة في الميدان. (1)

غير أننا هنا لنا وقفه مع موقف الإخوان من وعد بلفور الذي صدر في 2 نوفمبر 1917م.

الإخوان والتنديد بوعد بلفور

بعد ظهور أفكار معاداة السامية في أوروبا عام 1896م قام تيودور هرتزل باقتراح حل للمشكلة في كتابه – دولة اليهود – حيث اقترح تأسيس وطن قومي لليهود في الأرجنتين أو فلسطين، وفي عام 1897م عقد أول مؤتمر للحركة الصهيونية في سويسرا حيث أصدر برنامج بازل في استعمار فلسطين، ومنذ تلك اللحظة والحركة الصهيونية تعمل على قدم وساق من أجل تحقيق هذا الحلم.

كانت الفرصة مواتية لهم بعدما ضعفت الخلافة العثمانية وبسط الاستعمار الغربي سيطرته على الدول العربية والإسلامية – ومنها فلسطين – حيث مال الغرب إلى فكرة جعل فلسطين وطن قومي من أجل التخلص من اليهود، ولذا وضعت بريطانيا فلسطين تحت الانتداب البريطاني لتنفيذ مخطط توطين اليهود فيها.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى 1914م وعدت بريطانيا العرب بمساعدتهم على الاستقلال عن الدولة العثمانية؛ بشرط دخولهم الحرب إلى جانب بريطانيا ضد الدولة العثمانية التي دخلت الحرب بجانب ألمانيا، وانخدع كثير من حكام العرب الذين كانوا يسعون لإقامة ملك لهم ولأولادهم

حتى ولو على حساب الشعوب مثل الشريف حسين الذي قاد ثورة في الحجاز وسوريا وفلسطين والأردن والعراق ضد العثمانيين لصالح بريطانيا والدول الاستعمارية، وفي نفس الوقت عقدت بريطانيا مع فرنسا معاهدة سيكس بيكو لتقسيم الدول العربية بينهما.

احتلت بريطانيا فلسطين في أكتوبر 1917م، وأعطى بلفور لليهود وعده بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين في 2/11/1917م، وكان عدد اليهود في ذلك الحين لم يتجاوز 56ألفًا مقابل 644ألف فلسطيني، أي بنسبة 8% إلى 92% ولم تتعد نسبة الأراضي التي يملكها اليهود 2% من أرض فلسطين، وصدقت عصبة الأمم على مشروع الانتداب البريطاني على فلسطين بتاريخ 27/7/1922م، ووضع موضع التنفيذ في 29/9/1922م. (2)

وعمدت بريطانيا إلى خداع العرب، والتقليل من أهمية وعد بلفور وصك الانتداب، فأصدرت عدة تصريحات تشير إلى أن الوطن القومي لا يعني قيام حكومة يهودية، وإنما لا يزيد عن كونه وطنًا روحيًا لليهود كالفاتيكان للمسيحيين، أو مكة للمسلمين.

وعلى الرغم من نشأة جماعة الإخوان المسلمين بعد صدور وعد بلفور بما يزيد عن 10 سنوات إلا أنها أخذت على عاتقها محاربة هذه الوعود التي قطعها الاستعمار على نفسه في التفريط بأرض غيره لصالح اليهود، ولذا لم تمر مناسبة إلا وندد الإخوان بهذا الوعد وطالبوا الدول والشعوب والأنظمة العربية والإسلامية لرفع رابة الجهاد لإسقاط هذا الوعد واسترداد الأرض المحتلة.

وما إن عقد مؤتمر الإسلامي الأول بالقدس عام 1931م أرسل الإمام البنا برسالة فيها بعض النصائح العملية كالتصدي لموضوع بيع الفلسطينيين أراضيهم لليهود، والمطالبة بتأليف اللجان فى كل البلاد الإسلامية للدفاع عن المقدسات، والعمل على نشر الثقافة والوعي الإسلامي بين الشعوب الإسلامية لمعرفة فلسطين وقضيتها

خاصة في ظل تجاهل القضية المتعمد من قبل الأنظمة الراضخة للمستعمر الغربي حتى أن رئيس الوزراء المصري محمد محمود باشا حينما سأله صحفي عن ماذا سيفعل في القضية الفلسطينية جاء رده "أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين"، ولذا جاءت مواقف الإخوان قوية تجاه هذه القضية. (3)

كما لم يترك الإمام البنا مجال إلا وندد بوعد بلفور، ومما كتبه وقاله في هذا الصدد قوله:

أفاضت الجرائد والمجلات في وصف الحوادث المؤثرة في البقعة المقدسة للوطن الإسلامي العام "فلسطين المباركة"، وليست قضية العرب في حاجة إلى الإيضاح والجلاء، ولقد كان وعد بلفور المشئوم ضربة قاضية وجهت إلى الأمة العربية في الصميم، وأخذت دولة الانتداب تعمل منذ صدوره سرًا وعلانية على غزو فلسطين بجيوش من مهاجري اليهود، ولم تبال في هذا السبيل بظلم العرب واغتصاب أرضهم وإخراجهم من ديارهم. (4)

كما وجه الإمام البنا نداء عملي لشعب الإخوان وللشعوب الإسلامية ذكرهم فيها أن الوطن ليس له حدود، ولا تنتهى حدوده بحدود مصر

بل تمتد إلى كل شبر أرض فيه مسلم يقول:

لا إله إلا الله، وإن قلوبكم التي تخفق لمصر وتحنو عليها وتعمل لها بحكم البر بالوطن يجب أن تخفق لفلسطين، وتحنو عليها، وتعمل لها بحكم الدين والجوار والإنسانية والوطن أيضًا، ولذا طالبهم بتأليف لجان في شعب الإخوان لتلقى التبرعات وإرسالها إلى اللجنة المركزية بالمركز العام لإرسالها لفلسطين، وإرسال برقية احتجاج إلى المندوب السامي بفلسطين ووزير خارجية إنجلترا وسكرتارية عصبة الأمم
ودعوة سمو الأمير عمر طوسون والهيئات العاملة بمصر إلى العمل على مساعدة فلسطين، وموالاة الكتابة تذكيرًا بالواجب نحو فلسطين، وحث التجار الذين يساعدون اليهود على التضامن مع العرب في مقاطعة المعتدين الغاصبين، بل إنه خاطب الأنبا يؤنس رئيس لجنة مساعدة الحبشة مذكرا إياه بقضية فلسطين، مطالبا إياه مساعدة فلسطين. (5)

بل إنه سلك السبل لخلق رأي عام لهذه القضية فأرسل برسالة إلى وزير فرنسا المفوض بالقاهرة جاء فيها:

وبهذه المناسبة ولأن هذا التاريخ يوافق ذكرى وعد بلفور الجائر، ورعاية لما بذل العرب من وفاء وتفان في الحرب العظمى إلى جانب الجنود الفرنسية والبريطانية معًا ولأن فرنسا التي ذاقت آلام الظلم ونادت بالحرية وأعلنت حقوق الإنسان، ولأن حق العرب طبيعي في استقلالهم التام بوطنهم المقدس، لذلك كله يرجون أن تتدخل الحكومة الفرنسية فتنبه حليفتها إنجلترا إلى واجب العدالة والإنصاف، ورفع الحيف عن المجاهدين الأحرار، والبلاد الفلسطينية المقدسة. (6)

بل إنه أرسل بمذكرة إلى سفير بريطانيا في القاهرة، بمناسبة ذكرى وعد بلفور، يذكره فيها بما بذلته الأمة العربية من دماء أبنائها الزكية في الحرب مع الحلفاء، وما تعاونت فيه مع بريطانيا للوصول إلى حقهم المسلوب في أرض فلسطين، ثم بالإساءة البالغة التي قابلت بها بريطانيا الأمة العربية، ويحذره من أن تنفجر الأمور فتخسر بريطانيا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد، ويطلب منه تدارك الأمر قبل فوات الأوان.

وقد نشرت جريدة الإخوان هذه المذكرة تحت عنوان: "من الإخوان المسلمين إلى سفير بريطانيا" قالت:

"حضرة صاحب السعادة السفير البريطاني بالقاهرة. بعد التحية.. لمناسبة ذكرى وعد بلفور ترفع إليكم هيئة الإخوان المسلمين هذه المذكرة رجاء رفعها إلى حكومتكم.

يا صاحب السعادة.. بذلت الأمة العربية دماء أبنائها الزكية ووقفت جنبًا إلى جنب مع الحلفاء في الحرب العظمى اعتمادًا على شرف بريطانيا الدولي، ورغبة في تحقيق استقلال العرب وحريتهم التي هي حق طبيعي لهم، وعلى هذا الأساس كانت وعود إنجلترا لهم صريحة لا لبس فيها ولا غموض "الشريف حسين والسير مكماهون".

وبالرغم من ذلك صدر وعد بلفور مناقضًا لهذا المبدأ؛ مبدأ الاستقلال التام للأمة العربية، فلم يوافق عليه عربي واحد واعتبرته الأمة العربية جميعًا غير ملزم لها في شيء وهي أحرص ما تكون على حقها كاملاً غير منقوص.

وحاول العرب من أبناء فلسطين وغيرها إقناع الحكومة البريطانية بحقهم بكل وسيلة فطلبوا وتفاهموا وصرخوا واحتجوا وتعاونوا مع اللجنة الكثير فأسفر ذلك كله عن مشروع تقسيم فلسطين ومعناه القضاء على حقوق العرب كلها، ولن يخطر ببال عربي واحد أن يفكر فيه فضلاً عن أن يقبله، وقد رأت عصبة الأمم أن تذكر إنجلترا بوجوب التفكير في حل آخر ينال بها كل ذي حق حقه.

ولكن الحكومة البريطانية لجأت إلى سياسة غريبة في الوقت الذي يهمها فيه أن تحرص على صداقة العالم الإسلامي وحسن التعاون معه، إنها عمدت إلى مصادرة الحريات ونفي الزعماء وإرهاب الآمنين وتسليط سوط العذاب على الأبرياء، وخرجت في ذلك عن التقاليد الطيبة التي عرفها الناس لإنجلترا؛

أهاجت رجال الدين وأساءت إليهم وتعرضت لأوقاف الأمة الإسلامية. وأمام هذا يرى الإخوان المسلمون أنهم مضطرون إلى أن يسجلوا احتجاجهم الصارخ على هذه السياسة الجائرة راجين أن تعدل عنها الحكومة البريطانية فتطلق سراح المسجونين وتعيد الزعماء المنفيين وتؤمن الأبرياء المشردين

وترجع إلى المجلس الإسلامي حقوقه وسلطته، ومعلنين تضامنهم التام مع إخوانهم عرب فلسطين وجيران بيت المقدس في مطالبهم العادلة الحقة، وهي وقف الهجرة والاستقلال التام على أساس اتفاق شريف يضمن حقوق العرب ويعامل فيه اليهود معاملة الأقليات في جميع البلدان.

يا صاحب السعادة.. إن قضية فلسطين قضية كل مسلم وأن الحكومات الإسلامية والشعوب الإسلامية إن عبرت عن إظهار هذا الشعور المتمكن من نفوسها كل التمكن بوسائل الإظهار البالغة لظروف خاصة فإن هذا مما يزيد ألمها ويضاعف همومها، وبالتالي لابد من الانفجار يومًا من الأيام للشعور المكبوت فتخسر إنجلترا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد. نرجو أن تدرك الحكومة البريطانية هذه الحقيقة قبل فوات الوقت بالرغم من كل ما يخدعها به اليهود وننتهز هذه الفرصة لتحيتكم.

حسن البنا

رئيس المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة

28 من شعبان سنة 1356هـ/ 2 من نوفمبر سنة 1937م. (7)

إلا أن الإمام البنا يذكر معلومة مهمة جدا عن الأسباب التي دفعت بريطانيا لإصدار وعد بلفور لليهود حيث يقول في مقالة جاء فيها:

يسرنا أن نرى رجال مصر السياسيين يقومون بقسط وافر فى الدفاع عن قضية فلسطين الشهيدة. ذلك أن معالى علوبه باشا وكثيرين من رجال مصر العاملين عقدوا اجتماعا خاصا للنظر فى واجب مصر نحو الشقيقة، وإن كانت المهمة تستدعى منهم نشاطا عمليا أضعاف هذا النشاط القولي وقد تكلموا عن خطأ السياسة الإنجليزية فى تحيزها لليهود وتمسكها بوعد "بلفور" وإنكارها لخدمات العرب وتضحياتهم فى الحرب العالمية.
على أننا نعرف أن السر فى تمسك إنجلترا بهذه السياسة أن "جاسوسا يهوديا" أطلع إنجلترا على الغازات السامة التى كانت تستعملها ألمانيا فى الحرب العظمى، وإزاء ذلك وعد الوزير الإنجليزي هذا اليهودي بتأسيس وطن قومي في فلسطين (8)

كما خاطب رئيس الوزراء يحثه على أن يعمل عملاً جديًا في سبيل حل القضية، ووقف الظلم والعدوان، فقال تحت عنوان: "حضرة صاحب المقام الرفيع":

حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس الوزراء، العالم العربي ينتظر من حكومة مصر عملاً جديًا لحل قضية فلسطين، وإيقاف الظلم والعدوان الواقع على أهل فلسطين المجاهدين، والمركز العام للإخوان المسلمين بمناسبة ذكرى وعد بلفور الجائر يرجو أن يكون الوقت قد آن فاعملوا والله معكم.

المرشد العام: حسن البنا. (9)

ثم أرسل برسائل منذرا للمحتل البريطاني من أجل فلسطين بقوله:

أننا نحذر إنجلترا من سوء العاقبة، فهي بدفاعها عن اليهود تعجل بانفجار بركان السخط الإسلامي والعالمي على السياسة الإنجليزية. وأين تلك العصبة التي أهملت حق مصير الشعوب وتركت لإنجلترا حق تعذيب الشعوب وإبادتها وتوزيع الأراضي حسب ما تراه؟. (10)

وهي التهديدات التي نفذها البنا وإخوانه على أرض الواقع في حربي فلسطين عام 1948م وحرب القنال عام 1951م.

كما كتب صالح عشماوي يقول:

لم يصدر تصريح بلفور المشئوم إلا إرضاء لليهود وتحقيقا لأملهم الذهبي وهو إنشاء وطن قومي لهم. ولم يجاهد العرب في فلسطين منذ عشرين إلا دفاعا عن كيانهم المهدد ووطنهم المسلمون من اليهود وما زال المجاهدين الأبطال يقاومون ببسالة رصاص الإنجليز وذهب اليهود، ولقد ثار العالم العربي الإسلامي لهذه المجزرة الحشية التي تجري في أرض مقدسة هي أولى القبلتين ومقر المسجد الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (11)

كما كتب يقول:

هذا هو نداء الهيئة العربية العليا إلى الأمة الفلسطينية الكريمة ولا شك أن نداء إلى كل أمة عربية إسلامية وإذا كان اليهود يحتفلون في كل عام حيثما وجدوا بيوم 2 نوفمبر وهو اليوم الذي صدر فيه وعد بلفور المشئوم فأولى بالعرب والمسلمين أن يجعلوا من ذكرى الإسراء والمعراج في يوم 27 رجب "يوم فلسطين" وأن يظهروا شعورهم ويعبروا عن تضامنهم مع إخوانهم عرب فلسطين في ذلك اليوم حتى يظهروا أمام العالم أجمع صفا واحدا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ويعلن عن عزم العرب الأكيد على احتفاظهم بفلسطين عربية مستقلة. (12)

كما هاجم بريطانيا وأمريكا بسبب وعد بلفور ومساعدتهم للصهاينة فقال:

ما من شك في أن إنجلترا هي التي أوجدت "إسرائيل" فقد وضعت بذرتها في وعد "بلفور" وفيه تعهدت بجعل فلسطين وطنًا روحيًا لليهود! ثم سلحت الصهيونيين وملكتهم الأراضي في فلسطين بينما نزعت كل سلاح عن العرب كما انتزعت أراضيهم! وأمريكا هي التي أمدت هذه "اللقيطة" بالمال والسلاح، وإنجلترا وأمريكا هما اللتان قادتا هيئة الأمم المتحدة حتى أقرت تقسيم فلسطين، ثم دفعاها للتدخل لإنقاذ إسرائيل من قبضة العرب. (13)

لم يقتصر الإخوان على الكتابة والتنديد في الصحف بل استجابوا لدعوات الإضراب التي دعا لها الحزب العربي الفلسطيني يوم الجمعة 2 نوفمبر 1945م احتجاجا على وعد بلفور المشئوم.

واستجابت شعب الإخوان في القطر المصري لنداء مكتب الإرشاد، واللجان المنبثقة عنه فوقفوا بين يدي الله يضرعون بالدعاء له أن يكشف عن إخوانهم في فلسطين الغمة، ويقيهم شر البلية، وقاموا يعرفون الناس بالقضية، ويدعونهم إلى نصرة إخوانهم في فلسطين، ثم تفاعلت الشعب مع القضية، وانتقلت بها نقلة أخرى، حيث قامت جل الشعب بمظاهرة ملأت جميع أسقاع مصر، تعلن سخطها وازدراءها على موقف بريطانيا المشين من قضية فلسطين، ومن خلفها العالمان العربي والإسلامي. (14)

وصور الإضراب صالح عشماوي بقوله:

اعتادت البلاد العربية أن تظهر احتجاجها وتعلن استنكارها لوعد بلفور في 2 نوفمبر من كل عام، وكان كل قطر عربي يعمل بأسلوبه الخاص وفي هذا العام رأى العرب أن يوحدوا خطتهم حتى يبرز التضامن العربي الإسلامي في أروع مظاهرة فاستقر الرأي على أن يكون يوم 2 نوفمبر يوم إضراب عام في جميع البلاد العربية
واجتمعت جبهة الهيئات العربية الإسلامية في مصر وهي تتكون من الإخوان المسلمين والشبان المسلمين والاتحاد العربي وجمعية الوحدة العربية وأصدرت بيانًا طلبت فيه إلى المصريين أن يضربوا يوم الجمعة 2 نوفمبر ساعتين كاملتين فتغلق المحلات وتقف السيارات وغيرها من طريق المواصلات وأخذت الصحف تمهد لهذا الإضراب وتعلن عنه حتى تهيأت الأفكار واستعدت الأذهان.

وما كان لمصر وهي تتزعم البلاد العربية وتحتضن الجامعة العربية أن تتخلف عن الركب وأن تشذ عن الإجماع، وجاء يوم الجمعة فإذا بالمحلات في أنحاء البلاد مغلقة وإذا بالمواصلات معطلة فكان احتجاجًا رائعًا في صمته واستنكارًا شديدًا قويًا في مغزاه.

ولكن الشباب الملتهب ما كان ليقنع في إظهار احتجاجه وإعلان استنكاره بصمت وسكون في وقت تحرك فيه الجماد ونطقت فيه الأقلام فخرجت فيه مظاهرة من الجامع الأزهر بعد صلاة الجمعة قادها الإخوان المسلمون وساروا بها في نظام محكم وتدبير حكيم مخترقين شوارع القاهرة، هاتفين لفلسطين العربية حتى وصلت المظاهرة إلى منتهاها في ساحة عابدين. (15)

وحينما ظهر تعاطف يهود مصر مع الصهيونية خلال هذه الفترة حتى انخرط شباب منهم في المنظمة الصهيونية وقد تعاون الإخوان مع الحكومة في الإرشاد والقبض على الجماعات الصهيونية مثلما قام به محمد محمود فودة عندما طارد الصهيوني ماركو هراري الهارب من البوليس وسلمة لنقطة كوتسيكا.

يقول محمد أبو الغار:

كانت تصرفات اليهود الذين ساندوا الصهيونية مستفزا لمشاعر المصريين مما اضطرهم للخروج فى مظاهرة حاشدة بمناسبة وعد بلفور فى 2/11/1945م.
ولقد رد الإخوان المسلمون على التصرفات الاستفزازية التي قام بها اليهود الذين قاموا بجمع تبرعات ليهود فلسطين وشراء السلاح وإرساله لهم وإرشاد الطائرات في حي البرامون ومعاونة الصهيونية والاحتفالات والمظاهرات التي قاموا بها بمناسبة إصدار وعد بلفور – بأن قاموا بتعطيل سفينة يهودية في ميناء بور سعيد محملة بالأسلحة قادمة من عدن ومتجها إلى فلسطين وذلك عام 1947
حيث قاموا وأثناء توقف السفينة فى ميناء بورسعيد بوضع قنبلة زمنية فيها والتي أحدثت عطب في السفينة منها من مواصلة السير واكتشف البوليس حقيقة حمولتها كما قام النظام الخاص بالرد على مثل هذه الاستفزازات بنسف شركة الإعلانات الشرقية ومحلات شكوريل وشركة أراضي الدلتا وكانت هذه الشركات والمحلات من أكبر المتبرعين والمتعاونين مع الصهيونية
وذلك في عام 1948 ولم يكتفوا بذلك فعندما قامت الطائرات اليهودية بالغارة على حي البرامون بعابدين وإلقاء القنابل عليه مما أدى إلى قتل عدد كبير من أهل الحى وكان ذلك بالتعاون مع بعض اليهود المصريين قام النظام الخاص بالأعمال السابقة كما قام بعملية نسف في حارة اليهود مما أثار الرعب فى نفوس اليهود والذين ناشدوا قادة الصهيونية بالكف عما يقومون و حتى لا يتعرضون لسخط المصريين. (16)

ما يعد الإمام البنا

استمر الإخوان على نصرة القضية الفلسطينية والتنديد بوعد بلفور حتى بعد وفاة الإمام البنا، فقد اجتمع ممثلو الإخوان بالإسكندرية وحزب مصر الفتاة والاتحاد العربي والحزب الوطني وحزب الأشقاء والنادي النوبي وجبهة مصر.

واقترح المجتمعون إقامة مؤتمر بمناسبة ذكرى وعد بلفور. وكان ميعاد انعقاد المؤتمر الساعة السابعة مساء من يوم الجمعة بدار الاتحاد العربي بالإسكندرية، وقد لبى الدعوة سماحة الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين والأستاذ صالح عشماوي عن الإخوان المسلمين وجمع حاشد من شباب الإسكندرية ملأ دار الاتحاد. (17)

لم تغب القضية الفلسطينية عن الإخوان حتى وسط محنهم داخل سجون عبد الناصر أو سجون الشيوعيين بسوريا، فقد ظلت حاضرة في خلدهم وحملها الإخوان في باقي الدول. وظل الحال كذلك بعد خروج الإخوان من السجون حيث عملوا على التنديد بوعد بلفور مطالبين بتحرير فلسطين وتمكين الأرض لأصحابها الفلسطينيين.

وقد أصدر الإخوان بيان جاء فيه:

مائة عام مرت على جريمة العصر في حق أمتنا العربية والإسلامية وضد فلسطين، أرضًا وشعبًا؛ ففي مثل هذا اليوم، الثاني من نوفمبر عام 1917م، أعلنت بريطانيا - عبر التصريح المشؤوم لوزير خارجيتها "آرثر جيمس بلفور" - إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، مطلقة إشارة البدء لأبشع احتلال كابده شعب فلسطين، ومفجرة أخطر كارثة أصابت المنطقة العربية.

لقد جسد ذلك التصريح المشؤوم مشروعًا استعماريًا استيطانيًا في المنطقة، يعد الكيان الصهيوني رأس الحربة فيه؛ بهدف السيطرة على المنطقة، وضرب استقرارها ونهب ثرواتها والتحكم في مصائر شعوبها.

وقد انتبهت شعوب الأمة العربية والإسلامية لخطورة ذلك "الوعد" منذ البداية، وانتفض الشعب الفلسطيني ثائرًا ضده، وقامت حركات الجهاد والتحرر بمقاومة هذا المشروع الاستعماري، وقدم العديد من أبناء الأمة المخلصين أرواحهم فداءً لوقفه، وهبت الشعوب العربية والإسلامية عامة، والشعب المصري خاصة

وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين، لنصرة فلسطين، عبر كتائب المتطوعين التي تدفقت على أرضها جهادًا في سبيل تحريرها، وتخليص مقدساتها، بعد أن أجمع علماء الأمة على أن فلسطين وقف إسلامي من النهر إلى البحر، وتحريرها أمانة في عنق الأمة، وليس لأحد - كائنًا من كان - التفريط في ذرة تراب واحدة منها.

وبعد أن كاد المجاهدون يطهّرون فلسطين من الاحتلال، تم سحبهم والزج بهم في السجون والمعتقلات، وتم حل جماعة الإخوان التي كانت تقود التعبئة والجهاد، واغتيال مؤسسها ومرشدها الإمام حسن البنا يرحمه الله.

وتوالت التطورات وتمكن الكيان الصهيوني من فرض سيطرته على كامل أرض فلسطين عبر سلسلة من الحروب منيت فيها الجيوش العربية بهزائم متتالية عام 1948م وعام 1967م، حتى وصل الأمر إلى تمكن الكيان الصهيوني - بدعم من القوى الكبرى - من انتزاع اعتراف بعض الأنظمة العربية به، وتوقيع اتفاقيات ما يسمى بالسلام معه، والتي أقرت بمعظم الأرض للصهاينة، وبقي القليل منها للشعب الفلسطيني الذي يعيش معظم أبنائه في عالم الشتات.

واليوم، ونحن نعيش أجواء ذكرى هذه النكبة، تذكر جماعة الإخوان المسلمين الأمة بهذه الجريمة النكراء، مؤكدةً أن قضية فلسطين ستظل القضية المركزية للأمة حتى يتم تحرير كامل ترابها من المحتل الغاصب، دون التخلي عن الحقوق والمقدسات الإسلامية، كما تؤكد الجماعة مضيها قدمًا في تربية أبنائها على العمل الدائم لتحرير فلسطين، وتحرير الإنسان المسلم من ربقة الظلم والطغيان (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 6).

والله أكبر ولله الحمد

جماعة الإخوان المسلمين

الجمعة 14 صفر ١٤٣٩هجريًا = الموافق 3 نوفمبر 2017 ميلاديًا. (18)

فشلت الدول العربية في الاحتفاظ بفلسطين دولةً عربيةً مُوحَّدةً، على الرغم من عدالة قضيتهم ووضوح الحق العربي؛ لأنه غاب عن العرب بأن الحق ليس هو المقياس الذي أخذت به الدول الكبرى عند النظر إلى القضية الفلسطينية في المنظمة الدولية

كما غاب عنهم سيطرة الدول الكبرى على قرارات المنظمة الدولية، وأخطأ العرب عندما اعتقدوا في عدل هيئة الأمم التي وُجدَت فقط لتخدم الدول الكبرى وتساعدهم في تحقيق أغراضهم الاستعمارية؛ لذا فكان من الطبيعي أن تحبط كل المساعي التي بذلتها الدول العربية، وخاصةً مصر، في سبيل الحفاظ على وحدة فلسطين.

ضاعت فلسطين ، وأُعطِيَ الحق لمن لا حقَّ له، وضاع الحق من صاحبه، وإن كان هذا الحق قد ضاع على أرض فلسطين فإنه لن يعود إلا على ذات الأرض، وإن كان الضمير العالمي في غفلة عن الوصول إلى فهم حقائق التاريخ الثابتة فإن دورًا آخر يقع على عاتق الأمة العربية في تحريك هذا الوجدان العالمي، من خلال الرأي العام العالمي؛ لمعرفة الحقيقة التي ضاعت بين دهاليز منظماته الدولية.

وليس ذلك فحسب بل حاربت الأنظمة العربية كل من عمل بصدق من أجل القضية الفلسطينية وقاتل من أجلها كل ذلك من أجل عروشهم وكراسي حكمهم حتى وصل الحال للانصياع الآن لأوامر الصهاينة بل والمسارعة للتطبيع معهم ..ربما لخوف هذه الأنظمة من شعوبها فسعت لإيجاد حماية لها على حساب القضية فكان خنجرا مسموما أشد فتكا من وعد بلفور نفسه.

المراجع

  1. ريتشارد ميتشل: الإخوان المسلمون: ت عبد السلام رضوان؛ مراجعة: فاروق عفيفي ؛ تقديم: صلاح عيسى، مكتبة مدبولي، 1977م، صـ 142
  2. بهاء فاروق: فلسطين بالخرائط والوثائق – الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م، صـ64.
  3. جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد (719)، السنة الثالثة، 2ذو القعدة 1367ه- 5 سبتمبر 1948م، صـ10-11.
  4. جريدة الإخوان المسلمين: العدد (17)، السنة الأولى، 20رجب 1352ه - 9 نوفمبر 1933م، صـ20.
  5. المرجع السابق: العدد (6)، السنة الرابعة، 28 صفر 1355ه - 19 مايو 1936م، صـ19-20.
  6. المرجع السابق: العدد (22)، السنة الخامسة، 2 رمضان 1356ه - 5 نوفمبر 1937م، صـ23.
  7. المرجع السابق: العدد (22)، السنة الخامسة، 2 رمضان 1356ه - 5 نوفمبر 1937م، صـ23.
  8. المرجع السابق: السنة الخامسة، العدد 22 – 2 رمضان 1356هـ / 5 نوفمبر 1937م.
  9. المرجع السابق.
  10. المرجع السابق.
  11. النذير: العدد (24)، 15رمضان 1357هـ / 1938م
  12. الإخوان المسلمون: العدد (156)، 25 رجب 1366هـ / 14 يونيو 1947م.
  13. الدعوة: العدد (31)، 2ذو الحجة 1370هـ / 4 سبتمبر 1951م.
  14. مجلة الإخوان المسلمين: السنة الخامسة، العدد 20 – 9 شعبان 1356هـ / 15 أكتوبر 1937م.
  15. المرجع السابق: العدد (77)، 5 ذو الحجة 1364هـ / 10/11/1945م.
  16. محمود الصباغ: حقيقة التنظيم الخاص ودوره فى دعوة الإخوان المسلمين دار الاعتصام 1409 1989م، صـ278.
  17. المباحث: العدد (50)، 4 صفر 1370هـ / 14 نوفمبر 1950م.
  18. بيان من الإخوان المسلمين في ذكرى وعد بلفور المشئوم