الإخوان في نقابة المهندسين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان في نقابة المهندسين


إخوان ويكي

مقدمة

منذ بداية جماعة الإخوان المسلمين وضع الإمام حسن البنا الأسس للعمل السياسي والاجتماعي للإخوان، وأنهم ليسوا مجرد جماعة دعوية إسلامية، ولكنهم أيضًا هيئة سياسية واجتماعية؛ نتيجة لفهمهم العام للإسلام وأن مشاركتهم السياسية تأتي من منطلق الإصلاح في الأمة وتطبيقًا لتعاليم الإسلام وأحكامه.

وقد شاركت الجماعة في العمل السياسي منذ عام 1942م، ومرت هذه المشاركات بمراحل من القوة والضعف وأحيانًا المقاطعة، كما مرَّت بتحالفات مع بعض الأحزاب السياسية.

منذ اللحظة الأولى لانطلاق الجماعة انطلق معهم العمل المهني؛ حيث حرص الإخوان على العناية بكل فئات المجتمع، وفي قلبهم حاملو المؤهلات العليا، والتي زخرت الجماعة بهم على مدار تاريخها، وكانوا مثل رأس الحربة للنهوض بالوطن، وتقديم الرؤى والاستراتيجيات، حتى إن الإمام البنا حثَّ الشباب على العمل الحر وعدم الوقوف في طوابير انتظار العمل الميري الذي يساعد على البطالة، والكسل، والتواكل

فيقول في ذلك:

لقد طال بنا الأمد، وآثرنا الراحة، وألفنا أن نحصل على العيش من مال الميري ومن وظائف الحكومة، ومن المهن التي لا تتعب ولا تستدعي مجهودًا ولا تستتبع عناء، وترتب على هذا الوضع الغريب أننا تركنا كنوز هذا الوطن العزيز تفلت من أيدينا، وتتسرَّب إلى غيرنا من الناس، ثم أخذنا بعد ذلك نبكي ونشكو ونندب حظَّنا، ونحن الملومين لا غيرنا. (1)

كان أول ظهور لمسمى القسم المهني - والذي ضم خريجي الطب والهندسة والحقوق والإعلام وغيرهم في اللائحة الصادرة في 12 شعبان سنة 1367 الموافق 20 يونيو سنة 1948م؛ حيث جاء فيها:

المادة 78 – يقوم قسم المهن على الأغراض الآتية:

(أ) نشر الدعوة في محيط أصحاب المهن وإيجاد جو إسلامي عام في بيئاتهم.
(ب) حصر الإخوان في كل مهنة والعمل على الاستفادة من المهنة بالنسبة للدعوة والأفراد والإخوان.
(ج) الاستفادة من النقابات المهنية المختلفة والعمل على إيجاد جو إسلامي فيهم.
(د) إعداد المناهج المختلفة في شتى النواحي على أساس من الإسلام والعمل على تنفيذها بواسطة أصحاب المهن.
(هـ) توجيه الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي وصبغها بالصبغة الإسلامية.

المادة 79 – يقوم قسم المهن بدراسته الفنية ويضع رسائله ونشراته وهذه تعرض على المرشد العام فإن وافق عليها بلغت للمكاتب الإدارية لتنفيذها. (2)

ويحمل قسم المهن رسالة أخلاقية يسعى لغرسها في نفوس ووجدان كل المنضوين تحت لواء هذا القسم؛ حيث يعمل على خلق جو إسلامي قولا وعملا في حياة الأعضاء؛ حيث ينقسم إلى عدة لجان للمهن المختلفة: الأطباء والمهندسين والمحامين والمدرسين والتجار والزراعيين والأخصائيين الاجتماعيين، والصحفيين والموظفين ويعد من أهم اللجان لجنة المدرسين والموظفين؛ حيث يلعبون دورا مهما في تشكيل الرأي العام، وهم أدوات خلق جيل جديد من المسلمين. (3)

لكن الإخوان اهتموا بطلاب وخريجي الهندسة منذ وقت مبكر في تاريخ الإخوان حتى قبل أن تتأسس نقابة للمهندسين عام 1946م. كان تشجيع الطلاب على التفوق من سمات تربية الإخوان المسلمين، وقد تحقق ذلك في الكثير من الكليات، ومنها كلية الهندسة، فقد أثمرت تلك السياسة تفوق العديد من الإخوان عام 1938م في كلية الهندسة، ومن ضمن الطلاب الذين تفوقوا إبراهيم جعفر أفندي - مأمون قداح أفندي - حامد قداح أفندي. (4)

كما تفوق عام 1946م الأخ أحمد مصطفى عبد الوارث، وكان ترتيبه الأول بامتياز وأوفدته وزارة المعارف لأمريكا للتخصص في الشئون الصحية وهو من إخوان منيل الروضة. وقد برز في هذه الكلية العديد من قيادات الإخوان الذين صنعوا لأنفسهم مجدا عظيما أمثال الدكتور حسين كمال الدين – أستاذ مساعد بكلية الهندسة – والمهندس حلمي عبد المجيد – عضو مجلس شورى الإخوان – والمهندس مصطفى مؤمن – الذي تحدث باسم مصر في الأمم المتحدة عام 1947م.

نشط الإخوان بالعمل داخل كلية الهندسة، فاهتموا بالطلبة ومشاكلهم، كما اهتموا بإقامة الاحتفالات بالطلبة في الكلية، فبمناسبة انتهاء العام الدراسي 1947م أقام الإخوان بكلية الهندسة حفلا في المركز العام شهده المرشد العام وألقى فيه كلمة فياضة.

وحينما وقعت أحداث حرق كنيسة كفر المنحال بالزقازيق عام 1947م عقد الطلاب مؤتمرا عاما جمع بين المسلمين والأقباط وتناقشوا فيه حول ما حدث في الزقازيق (5)، وأعلنوا قرارات يستنكرون فيها بشدة الحادث ويؤكدون وحدة المصريين ومطالبة الحكومة باتخاذ خطوات إيجابية سريعة لتحديد المسئولية وإجراء تحقيق شامل لاتخاذ التدابير التي تكفل عدم تكرار مثل هذا الحادث.

وقد ندب الطلاب وفدًا من بينهم، مكونًا من:

نبيل أحمد علوبة ووليم بغدادي وفوزي عبود وعبد الواحد أحمد ووليم الملاح؛ لمقابلة رئيس الحكومة وإبلاغه القرارات. (6)

كما أقام طلبة الإخوان في كلية الهندسة حفل شاي للتعارف، حضرها عدد كثير من الأساتذة وتحدث فيه الأستاذ عمر الدسوقي، ثم تحدث المهندس عباس مصطفى وألقى الأستاذ فرحان سلام - الشاعر الفلسطيني - قصيدة رائعة ثم تحدث فيهم فضيلة المرشد العام ثم تحدث الأستاذ محمد ياجي، رئيس اتحاد الطلبة السودانيين، ثم اختتم الحفل بقصيدة للطالب سعد عبيس. (7)

نشأة نقابة المهندسين

أنشئت نقابة المهندسين بديلاً عن نقابة المهن الهندسية، والتي كانت قد أنشئت بالقانون رقم 89 لسنة 1946، وقد تطورت النقابة بعد ذلك بفعل التطور السياسي والاجتماعي الذي شهده الشعب المصري، وبصفة خاصة بعد سنة 1952م.

صدر قانون بتاريخ 4 أغسطس 1946م تحت رقم 89م بشأن إنشاء نقابة للمهن الهندسية؛ حيث جاء في المادة (1) ما يلي: تنشأ نقابة لأرباب المهن الهندسية يكون مركزها القاهرة ويكون لها شعب تمثل المهن الآتية:

(أ) الهندسة المدنية.
(ب) الهندسة المعمارية.
(ج) الهندسة الميكانيكية.
(د) الهندسة الكهربائية. ويجوز أن تنشأ لها شعب أخرى بقرار من مجلس الوزراء بناءً على طلب وزير الأشغال بعد أخذ رأي مجلس النقابة. (8)

أما الإطار القانوني الذي ينظم عمل النقابة ويحدد أهدافها ومجالات نشاطها حاليًا فيتمثل بالقانون رقم 66 الذي صدر سنة 1974م؛ حيث جاء فيه في المادة الثانية تحت عنوان "تعمل النقابة على تحقيق الأهداف التالية"

  1. الارتقاء بالمستوى العلمي والمهني للمهندسين والمحافظة على كرامة المهنة ووضع وتطبيق الأسس الكفيلة بتنظيم ممارسة المهنة وأداء أعضاء النقابة لواجباتهم في خدمة البلاد ومراقبة تنفيذها.
  2. تعبئة قوى أعضاء النقابة وتنظيم جهودهم في خدمة المجتمع لتحقيق الأهداف القومية وأهداف التنمية الاقتصادية ومواجهة مشكلات التطبيق واقتراح الحلول المناسبة لها والاشتراك الإيجابي في العمل الوطني.
  3. تنمية روح الإخاء والتعاون بين أعضاء النقابة والعمل على رفع مستوى الأعضاء من النواحي الهندسية والاجتماعية والمادية وتأمين حياتهم ورعاية أسرهم اجتماعيا واقتصاديا وصحيا وثقافيا.
  4. الإسهام في دراسة خطط التنمية الاقتصادية والمشروعات الصناعية والهندسية.
  5. المساهمة في تخطيط برامج ومناهج؛ بحيث تساير حاجات المجتمع وتخدم مصالحه وتفي بمتطلباته.
  6. العمل على تنمية ونشر البحوث والدراسات في مختلف المجالات الهندسية وربط البحوث العلمية والهندسية بمواقع الإنتاج، وذلك بدراسة أساليب الإنتاج ووسائل تحسينه وزيادته وتخفيض تكاليفه.
  7. التعاون مع المنظمات والجمعيات الهندسية الداخلية والخارجية، وعلى الأخص في البلاد العربية والإفريقية والآسيوية، وتوثيق الروابط بينها، وتبادل المعلومات والخبرات، ويشمل ذلك الاشتراك في دراسة الموضوعات والمشروعات ذات الطابع المشترك، وكذلك الاشتراك في المؤتمرات الدولية التي ترتبط بهذه الأهداف، والتي تعقد بالخارج والعمل على عقدها بالبلاد.
  8. تيسير الإسكان وبناء عمارات سكنية للمهندسين بالقاهرة والمحافظات من مالها الخاص, وذلك للأوضاع والشروط التي يحددها النظام الداخلي للنقابة.
  9. العمل على نشر الوعي الهندسي وتنظيم الإشراف على المكاتب الهندسية والمكاتب الهندسية الاستشارية. (9)

الإخوان في نقابة المهندسين

برزت قوة التيار الإسلامي على ساحة العمل النقابي منذ منتصف الثمانينيات، وتمثل ذلك في ظاهرتين:

الأولى: هي نجاح أنصار التيار الإسلامي في تشكيل مجال بعض النقابات المهنية.
والأخرى: ازدياد الأنشطة الفكرية والنقابية والخدمية التي يقوم بها هذا التيار من خلال اللجان الفرعية والنوعية داخل النقابات.

ومنذ أواخر الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات بدت نقابات المهندسين والأطباء والمحامين بمنزلة منابر سياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وظهرت هذه النقابات بوصفها منابر سياسية بديلة، استطاعت اجتذاب القوى السياسية التي عجز الكيان الحزبي عن استيعابها، حتى كادت الفوارق بين النقابات المهنية والأحزاب السياسية أن تختفي، وبينما نظرت النقابات المهنية التي شهدت هذا التطور إلى ذلك باعتباره دليلاً على مزيد من الوعي السياسي الجماعي.

ولذا عُني الإخوان بالنقابات لتكون عوضًا عن مجلس الشعب الذي يؤرق النظام إذا دخلته المعارضة – خاصة جماعة الإخوان المسلمين – ولذا كانت البداية في نقابة الأطباء عام 1984م حينما نجح الإخوان المرشحون للعضوية؛ مما شجع باقي الإخوان في النقابات الأخرى من التقدم للترشح، مرتكزين على علاقاتهم وخدماتهم التي قاموا بها فترة عملهم في الاتحادات الطلابية، ومن ثم شكلت جماعة الإخوان المسلمين قسم المهنيين لمتابعة العمل داخل النقابات واختيار أفضل العناصر للترشح في انتخابات النقابات

وذكر الدكتور السيد عبدالستار المليجي أسماء مجلس قسم المهنيين في بداية تشكيله كالتالي:

الزراعيين: د. توفيق مسلم، المعلمين: أ. علي لبيب، الأطباء: عبد المنعم أبو الفتوح، العلميين: السيد عبد الستار، الصيادلة: تغيروا كثيرا، أطباء أسنان: تغيروا كثيرا، المحامين: مختار نوح، الصحفيين: محمد عبد القدوس، الإعلاميين: بدر محمد بدر، المهندسين: محمد علي بشر. (10)

ففي عام 1985م – وبعد نجاح الإخوان في الأطباء - دخل التيار الإسلامي تحت لافتة "الصوت الإسلامي" في انتخابات نقابة المهندسين، وخلال عامين أصبح لهم قوائم في انتخابات نقابات المهندسين، وفي 1987 فاز الإخوان بـ45 مقعدًا من ضمن 61 مقعدًا في مجلس النقابة

غير أنه ما إن بدأت تسعينيات القرن العشرين حتى تمكن الإخوان من مجلس نقابة المهندسين، التي تعتبر من حيث الحجم أكبر من نقابة الأطباء بمقدار الضعف، وهي مقسمة إلى سبع شعب، وكانت انتخاباتها تتميز بالمنافسة بين عدة فئات أو مصالح يتم تنظيمها تبعًا للقطاعات أو المهن.

وقبل دخول التيار الإسلامي في نقابة المهندسين تنقلت السلطة فيها بين تحالفات تمثل تجمعات مثل مهندسي الري والمدنيين (خاصة في عهد عبد الناصر) ومهندسي شركة المقاولين العرب (الذين برزوا في فترة الانفتاح) ومهندسي الجيش (الذين ظلوا جبهة انتخابية قوية طوال الثمانينيات).

ومن عام 1979 حتى 1991 كان عثمان أحمد عثمان رئيس مجلس إدارة المقاولين العرب ورجل الصناعة الأول في مصر، يستغل منصبه على رأس النقابة ليحولها إلى إمبراطورية صناعية ومالية تمتلك أغلب الأسهم في ست عشرة مؤسسة صناعية وبنكية في مجال التأمين والإسكان والغذاء.

وقد تكوّنت الصلات الحميمة التي ربطت عثمان أحمد عثمان مع الإخوان المسلمين منذ عهد بعيد مما كان له السبب في تفسير استعداده للسماح للتيار الإسلامي بدخول النقابة في عام 1985م. (11)

وقد حقق التيار الإسلامي انتصارا متواضعا في انتخابات النقابة في 1985، ولكن على حد قول مهندس أبو العلا ماضي الأمين العام المساعد وأحد قادة التيار الإسلامي، فإن المعركة الحقيقية كانت في عام 1987 عندما اتحدت الجبهات المختلفة في قائمة واحدة ضد التيار الإسلامي، ومع هذا فقد انتصر التيار الإسلامي؛

ويضيف المهندس أبو العلا قائلا:

لقد كانوا أقوى منا من حيث التنظيم والتمويل، فلهم السلطة أن يأمروا المهندسين كي يذهبوا إلى الانتخابات، لكن الحال انقلب فلم يكونوا متأكدين أن هؤلاء الناس سيعطون أصواتهم للجانب الذي يريدونه بــ54 مقعدا من 61 مقعدا موضع التنافس.

ووفقا لقول المهندس أبو العلا فإن عدد الناخبين ارتفع من (2000) في 1981 إلى (18000) في 1987 ثم انخفض إلى (14000) في 1989 وارتفع ثانية إلى (25000) في 1991، وبالنظر إلى هذه التقديرات تبين أن خمس الناخبين هم الذين اشتركوا في انتخابات النقابة على المستوى القومي في 1991؛

كما أنه يلاحظ أن نسبة الاشتراك في الانتخابات ترتفع في الأقاليم عن المدن الكبرى، ففي القاهرة الكبرى كان هناك (45500) عضو عامل (حوالي 60ـ 70% من الأعضاء المسجلين وفقا لتقديراته) منهم (6000) أدلوا بأصواتهم بنسبة 13% فقط.

وفي انتخابات 1991 فاز التيار الإسلامي بجميع المقاعد في مجالس الشعب السبع (المدنية، والميكانيكية.. إلخ) بمعدلات تصل من 5 إلى 1 لأقرب منافسيهم. (12)

وفي موضع أخر يذكر:

قام د. عبد المنعم أبو الفتوح الذي أخذ دورًا كبيرًا في عهد الأستاذ عمر التلمساني باقتراح الدخول إلى نقابة الأطباء وقاد هذا الدخول في عام 1984، ثم ذهبتُ إليه في عيادته للأطفال في مصر القديمة واقترحتُ عليه في نهاية عام 1984 أن نقوم بنفس الشيء في نقابة المهندسين وشجَّعني على ذلك، ودعاني لحضور اجتماع مندوبي الأطباء في المحافظات لتوصيلي بمندوبين من المهندسين من محافظاتهم، ودخلنا نقابة المهندسين كمرحلة أولى عام 1985، وفي عام 1986 أصبح الإخوان أغلبية في نقابة الأطباء في انتخابات التجديد النصفي الثاني، وفي عام 1987 تكرَّر نفس الشيء في انتخابات نقابة المهندسين. (13)

وتؤكد أماني قنديل

أن الإسلاميين نجحوا في النقابات في وقف سوء استخدام الموارد وتمكنوا لأول مرة من تحقيق فوائض كبيرة في ميزانيات النقابات التي سيطروا عليها واستنادا إلى أحمد النحاس أمين الصندوق في فرع نقابة المهندسين بالإسكندرية، فقد بلغت ميزانية نقابة المهندسين مثلا في العام 1994 خمسة عشر مليون جنيه مصري مقارنة مع 230 جنيهًا مصريا فقط في العام 1986.

وتضيف:

إن طموح الإخوان في دخول انتخابات النقابات المهنية، يأتي كتطور طبيعي لطموحات الجماعة بعد نجاحهم في أوائل الثمانينيات في السيطرة على الاتحادات الطلابية في الجامعات الكبرى، وكذا سيطرتهم على معظم مقاعد نوادي أعضاء هيئات التدريس بالجامعات. (14)

وعلى الرغم من ذلك لم ينافس الإخوان على منصب النقيب خوفا من الصدام مع النظام أو التيارات الأخرى، فكانوا يقفون خلف مرشح توافقي

تقول الدكتورة هالة مصطفى:

إن نجاح التيار الإسلامي في النقابات ظل مقصورا على عضوية مجالس الإدارة دون أن يمتد إلى منصب النقيب؛ حيث كان يشغله في الغالب إحدى الشخصيات المقبولة من الحكومة رغبة من التيار الإسلامي في تجنب أية أساليب للصدام أو المواجهة مع النظام، والاكتفاء مرحليا بتكثيف وجوده على مستوى مجالس إدارات مختلف النقابات المهنية لتتاح له فرصة التغلغل فيها وتوسيع قاعدة تأييده داخلها كخطوة مهمة للسيطرة الكاملة عليها بشكل تدريجي. (15)

كانت بداية الإخوان في نقابة المهندسين امتدادًا لعملهم في الاتحادات الطلابية والتي أثقلت خبرتهم في العمل الخدمي لدى الناس، فمثلاً كان أحمد النحاس طالبًا رائدًا من الإخوان في جامعة الإسكندرية في العام 1978؛ وقد عمل على تنظيم معارض لبيع السلع المعمرة (مثل الغسالات والثلاجات والأثاث المنزلي وما إلى ذلك) في الجامعات للطلاب وعائلاتهم

وعندما أصبح أمين الصندوق في نقابة المهندسين في فرع الإسكندرية نظم عمليات بيع مماثلة بدءًا من العام 1985 وأول صفقتي مبيعات كانتا مشابهتين للصفقات التي أبرمها في السبعينيات، لكن سرعان ما تطورت آماله لتلبي الحاجات للأعضاء المنهيين وقد حققت هذه المبيعات رواجا شديدا بحيث وصلت الأرباح التي جنتها النقابة إلى 20 مليون جنيه مصري، وأدرك النحاس أهمية الخدمات بدلا من الخطاب السياسي في الفوز بتأييد شريحة المهنيين في انتخابات مجلس إدارة النقابة

والتي عبر عنها بقوله في:

"السنين القليلة التي أعقبت ترسيخ تواجدنا في النقابات لم نفعل شيئًا سوى تقديم الخدمات عرفنا أن الناس سينصتون إلينا إن نحن عالجنا همومهم أولاً بطريقة عملية بدلاً من مجرد التحدث إليهم عن السياسة منذ البداية، وكانت تلك خير وسيلة لتعبئة الناس لدعم سياساتنا دور السياسة يأتي بعدئذ".

وهذا التوجه السياسي في توفير الخدمات لتلبية حاجات الجماهير الشابة هي التي منحت الإخوان الشعبية، وبالتالي تحقيق الفوز في الانتخابات؛ واستنادًا إلى النحاس فإن معظم الذين صوتوا لنا في الانتخابات النقابية - سواء كان عددهم ثلاثة آلاف أم أربعة آلاف - كانوا في الأساس من المهنيين الشباب الذين تعرفنا عليهم منذ أن كنا طلابًا، وهذا جعل من السهل علينا التواصل معهم بلغة يمكنهم فهمها والتجاوب معها، والناخبون الأكبر سنا الذين لم يتسن لهم التعرف علينا سابقا آثروا التصويت لأصدقاء عائلاتهم في مقابل الحصول على امتيازات شخصية. (16)

طرح الإخوان في نقابة الأطباء في العام 1986 مشروعهم الشهير المتعلق بالتأمين الصحي، وانتقلت التجربة في العام 1989 إلى نقابة المهندسين حيث وصل عدد المستفيدين منه إلى 72000 وأظهرت الأرقام الضخمة للمستفيدين حجم الحاجة إلى هذا النوع من الخدمات الصحية، على الرغم من نظام التأمين الصحي القائم الذي ترعاه الدولة.

كما نظم الإخوان معارض مبيعات ضخمة للأثاث والغسالات وغازات المطابخ والثلاجات وغيرها من الأدوات التي يحتاج المهنيون الشباب إلى تزويد منازلهم بها وبأسعار مخفضة أو بالتقسيط ودون فوائد.. مرة ثانية جاءت هذه الأفكار تلبية لاحتياجات شريحة طالما أهملها النظام.

وقبل أن يتدخل النظام ويوقف كافة نشاطاتهم ففي نقابة المهندسين التي تضم أكثر من 230000 عضو مثلا ارتفع عدد المستفيدين من برنامج الرعاية الصحية بنسبة 36 بالمئة منذ العام 1989 في حين ارتفع عدد المستفيدين من برنامج التكافل الاجتماعي الذي وفر قروضًا دون فوائد أو مساعدات في العام 1993 بنسبة 57 بالمئة مقارنة بالعام 1991 عندما بدأ المشروع. (17)

ومن ناحية أخرى فإن النقابات المهنية التابعة للإخوان المسلمين - مثل الأطباء والصيادلة والمهندسين وغيرها - قامت بمجهود كبير في التصدي للاختراق الأمريكي والصهيوني، وتأييد قضايا العرب والمسلمين وخاصة القضية الفلسطينية، فقد أصدرت النقابات قرارًا إلى أعضائها بالامتناع عن زيارة الكيان الصهيوني وعدم التعاون معه بأي شكل من أشكال التطبيع، وهددت من يخرج على ذلك بالشطب من عضوية النقابة التابع لها وكان لهذا القرار أثر كبير في تقليل حجم التطبيع وتقليل آثاره السلبية.

ونجحت نقابة المهندسين في إنشاء تجمع هندسي يجمع المهندسين من مختلف البلاد الإسلامية، وهو اتحاد المنظمات الهندسية في العالم الإسلامي؛ وذلك لتبادل الخبرات والسير بالعلوم الهندسية في اتجاه يخدم الصناعة الوطنية ويقطع خيوط التبعية للغرب وأمريكا في تلك المجالات.

وليس ذلك فحسب، بل على سبيل المثال نجد أن النقابات المهنية - مثل المهندسين والأطباء - قد نظمت اللقاءات بين مسلمين وأقباط؛ لدرء هذا الخطر وتأكيد الوحدة الوطنية، كما كرمت العديد من الرموز القبطية، وأبرزت ذلك لإثبات أنه لا طائفية هناك في الحركة الإسلامية. (18)

بل إن نقابة المهندسين أرسلت مندوبيها من التيار الإسلامي إلى حي مدينة السلام في شرق القاهرة؛ حيث يتم إيواء المتضررين من الزلزال ليكونوا إلى جوارهم في تقديم هذه المعونات، وأعلنت نقابة المهندسين والأطباء في الوقت نفسه عن فتح حسابات بالبنوك لقبول التبرعات للمنكوبين.

وحرص مندوبو "الإخوان المسلمين" على أن يكونوا إلى جوار منكوبي الزلزال وقدموا لهم معونات مادية وأطعمة وعاونوهم في نقل الأثاث وكان مظهرهم واضحًا من خلال اللحى وعبارات المواساة الإسلامية، في مثل هذه المناسبات، ولم يكن هناك دور حقيقي للجمعيات الخيرية التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية التي تقدر بأكثر من 3 آلاف جمعية على مستوى الجمهورية.

وقد ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن الجماعة الإسلامية "الإخوان" قاموا بتعبئة أنفسهم لتقديم مساعدة متواضعة لكن سريعة لآلاف الفقراء والبسطاء الذين يشكلون غالبية منكوبي الزلزال العنيف الذي ضرب مصر. (19)

وجاء في مجلة لواء الإسلام (غرة رمضان 1409- 6 أبريل 89) عن معرض السلع المعمرة لنقابة المهندسين:

لأول مرة منذ إنشاء نقابة المهندسين في الأربعينيات تشهد النقابة هذا الحشد الجماهيري من المهندسين الذي تردد على النقابة أثناء معرض السلع المعمرة الذي نظمته النقابة العامة في الفترة من 1 مارس حتى 21 مارس 1989م والذي اضطرت النقابة إلى إنهائه يوم 15 مارس قبيل نهاية المعرض بأسبوع، والسبب في ذلك الإقبال الضخم من المهندسين على المعرض والذي فاق كل التوقعات ونفاد جميع مخصصات المعرض.
كانت النقابة قد خصصت 20 مليون جنيه للمعرض وبعد خمسة أيام من بدايته رفع التخصيص إلى 22 مليون جنيه وبعد ثمانية أيام اجتمعت هيئة المكتب وقررت رفع التخصيص إلى 27 مليون جنيه، ومع ذلك نفد المبلغ قبل نهاية المعرض بأسبوع.
والهدف من المعرض - كما قال مصدر مسئول في النقابة - هو التيسير على المهندسين محدودي الدخل والمهندسين الشبان بصفة خاصة الذين يبدءون حياتهم ويرغبون في الزواج. ونظم المعرض ليأتي المهندس ويرى ما يحتاجه من أثاثات بجميع أنواعها: نوم، سفرة صالون أنتريهات. مكاتب. مطابخ وأجهزة كهربائية وأدوات منزلية وموتوسيكلات وأوانٍ وسيارات ميكروباص وسجاد ونجف وموكيت.. كل الاحتياجات
وما على المهندس إلا أن يشتري دوسيه به استمارة رغبات واستمارة ضمان وشيكات لتقسيط المبلغ، ويقوم بتدوين ما يريد شراءه ولا بد من ضامن يعمل في الحكومة؛ وذلك لضمان السداد. أما المقدم فهو لا يتعدى 15% من قيمة السلعة والباقي على ثلاثين شهرًا.
وقال المسئول النقابي: إننا كنا نتوقع أن يستمر المعرض حتى شهر رمضان المبارك ولم نتخيل أن يكون الإقبال بهذا الحجم الضخم، ولقد حاولنا مع المسئولين أن يكون معرض السلع المعمرة في أرض المعارض بمدينة نصر للتيسير على الزملاء المهندسين، إلا أن المسئولين رفضوا فلم نجد إلا مقر النقابة، والحمد لله كل الإجراءات كانت تتم بالكمبيوتر الحجز والدفع ونظام القسط.. إلخ، وكانت هناك لجنة قامت بالإشراف على المعرض وتنظيمه، وأحسب أنها أدت دورها.
وعن حجم المستفيدين من معرض السلع المعمرة يقول المصدر النقابي إنه بلغ 15 ألف مهندس، وكان حجم المترددين على النقابة يوميًا يزيد عن خمسة آلاف مهندس ومعدل شراء الدوسيهات بلغ ألف دوسيه يوميًّا، وعن تكرار المعرض قال إن النقابة العامة في سبيل تكرار المعرض مرة أخرى أو نقلة بصورة مصغرة في النقابات الفرعية التي لم تنظم معارض تجارية من قبل
وقال إن النقابة شكلت لجنة على مستوى عال لدراسة الآثار الإيجابية والسبية للمعرض، وقد أكد شباب المهندسين أن معرض السلع المعمرة يعد بين الأعمال النقابية الخدمية البارزة وأنه جاء بعد تنفيذ النقابة مشروع علاج المهندسين بنجاح، وهذا يؤكد أن مجلس النقابة يؤدي دوره الخدمي والقومي على السواء. (20)

النقابة والتجميد

دخل الإخوان نقابة المهندسين في البداية بعدد محدود من المرشحين على قوائم المهندس عثمان أحمد عثمان، وسرعان ما تمكنوا من السيطرة على النقابة؛ حيث وجد النقيب التالي مهندس حسب الله الكفراوي نفسه وسط مجلس إخواني يملي شروطه ويحدد خطوات العمل، وهو ما جعل النظام الحاكم يقدم على فكرة فرض الحراسة على النقابات، وإصدار القانون رقم 100 لسنة 1993م والمعدل بالقانون رقم 5 لسنة 1995 والمسمى قانون (ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية)، الذي واجهت به حكومات الحزب الوطني بطريقة أمنية سيطرة الإخوان المسلمين على النقابات.

ومن المعلوم للمهتمين بالعمل النقابي أن هذا القانون قد وضع أساسا لشل الحركة النقابية والعمل النقابي وتجميد نشاط النقابات، وهذا ما حدث بالفعل؛ فمنذ صدور هذا القانون تم تجميد اأثر من عشر نقابات وهي (الأطباء؛ المهندسون؛ طب أسنان؛ الصيادلة؛ الزراعيون؛ التطبيقيون؛ المعلمون؛ الرياضيون؛ التجاريون؛ المحامون).

هناك أسباب كثيرة لصدور هذا القانون، منها كما يرى البعض هو التصدي لصعود التيار الديني (الإخوان المسلمين) داخل النقابات وخاصة نقابة المحامين والمهندسين والأطباء.

ولم تفلح السلطة في السيطرة على ذلك الصعود إلا من خلال إصدار هذا القانون، ويرى البعض الآخر أن السبب القضاء على النشاط السياسي للنقابات في المجتمع، وخاصة بعد أن عقد المؤتمر الأول للنقابات المهنية بنقابة الأطباء عام 1990 وطلبت منه النقابات المهنية ببعض الإصلاحات منها:

  1. تخلي رئيس الجمهورية عن رئاسة الحزب الوطني.
  2. إلغاء قانون الطوارئ.
  3. إلغاء القيود الاستثنائية على حرية الصحافة وتكوين الأحزاب.
  4. المطالبة بإجراء انتخابات نزيهة

وفي عام 91 عقد المؤتمر الثاني وأثار النقابيون فيه مشكلة البطالة والمهنيين العائدين من الكويت بعد الغزو، وهكذا أصبح للنقابات دور مؤثر في المجتمع.

وبالتالي كان لا بد من القضاء على هذه القوة المؤثرة وأدى تجميد النشاط في بعض النقابات إلى ضعف قدرتها على رعايا مصالح أعضائها؛ ما أدى إلى إرسال بعض النقابات إلى الحكومة، تطلب منها زيادة الدعم السنوي لصندوق المعاشات لمواجهة العجز المالي ونقابات أخرى حُرم أعضاؤها من الخدمات الاجتماعية (التجاريين والزراعيين).

ومن سلبيات القانون 100 لسنة 1993 أنه منح وأعطى اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات النقابية سلطة تحديد مواعيد الانتخابات وطرق إجرائها. (21)

ويقول المهندس عمرو عرجون:

تم فرض الحراسة على النقابة في الثاني من مايو عام 1995 والسبب المعلن وجود مخالفات مالية داخل نقابة المهندسين حسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، والسبب الحقيقي من وجهة نظري - وقد كنت أحد المتابعين ودائمي حضور الجمعيات العمومية في ذلك الحين - حدوث خلافات تحولت إلى صراعات بين نقيب المهندسين
وكان هو المهندس الوزير حسب الله الكفراوي في ذلك الحين، ومعه آخرون من جانب وبين بقية المجلس الأعلى للنقابة المشكل من جماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر وبدون الدخول في تفصيلات الخلاف.. تطور الصراع بطلب النقيب وآخرين فرض الحراسة على النقابة بدعوى الحفاظ على أموالها، وكانت الحكومة تنتظر هذا الطلب وصدر حكم قضائي كان مضمونه فرض الحراسة بشكل محدود على الأموال في مقر النقابة العامة فقط
فقامت الحكومة ممثلة في وزير الري - وهو المشرف قانونًا على نقابة المهندسين - بتعميم الحكم على جميع النقابات الفرعية في جميع المحافظات، وتم تجميد الموقف وإلغاء الجمعيات العمومية وإيقاف الانتخابات منذ 2 مايو 1995 ولمدة تزيد عن أحد عشر عامًا في سابقة لم تحدث في أي بلد في العالم أن يتم فرض الحراسة على نقابة بهذا الحجم والتأثير لهذه المدة الطويلة، وبهذا الأسلوب الاستبدادي.
وترتب على فرض الحراسة تدهور شديد في جميع مجالات العمل النقابي، وضاعت أراضٍ للنقابة وأهدرت أموال كثيرة، وتم ضم بنك المهندس للبنك الأهلي برصيد صفر، وضاعت أموال صندوق معاشات المهندسين في بنك المهندس وضاعت أرض المهندسين المخصصة للإسكان في مدينة نصر، وضاعت أرض في الساحل الشمالي.. ومآسٍ كثيرة.
جرت بعد ذلك محاولات محدودة وفردية لرفع الحراسة عن النقابة لم تنجح لأسباب عديدة، ثم بدأ تكوين تجمع مهندسون ضد الحراسة عام 2003م استطاع بجهد الزملاء أن يضعوا قضية نقابة المهندسين في دائرة الضوء، ويتداعى المخلصون من أبناء الوطن لحلها وأثمر هذا الجهد عن عقد جمعية عمومية في مركز المؤتمرات يوم الثالث عشر من فبراير عام 2006 حضره ما يزيد عن خمسة عشر ألفا من مهندسي مصر في حدث غير مسبوق، منددين بالحراسة ومطالبين بإجراء الانتخابات.
وكانت اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات قد حددت فترة ثلاثة شهور يتم خلالها مراجعة كشوف المهندسين وينظر بعدها في إجراء الانتخابات، فقرر المهندسون عمل جمعية عمومية غير عادية يوم التاسع عشر من مايو لمتابعة تنفيذ قرار رفع الحراسة وإجراء الانتخابات وانتخبوا لجنة من سبعة مهندسين للمتابعة
وتقديم تقرير إلى الجمعية العمومية وفي يوم 19 مايو كانت هناك عشرات السيارات من الأمن المركزي تغلق شارع رمسيس ونادي المهندسين وانتشر ضباط وجنود أمن الدولة لمنع المهندسين من عقد جمعيتهم العمومية مع تهديدات صريحة بالاعتقال لمن يذهب إلى مقر النقابة، فلم نستطع عقد الجمعية العمومية. (22)

ويضيف أبو زيد كمال الدين في صحيفة "الوفد":

كانت بدايات الفساد المالي بالنقابة عندما تعمدت لجنة الحراسة التعتيم على ميزانية النقابة ومواردها من الشركات المملوكة لها وعوائد الودائع البنكية، كانت آخر ميزانية للنقابة في عام 1993 "400" مليون جنيه سنويًا، وبلغ حجم الودائع حوالي 100 مليون جنيه، وبالقياس على هذه الميزانية واضعين في الاعتبار حجم الأعمال والمشاريع التابعة للنقابة فإن الميزانية يمكن أن تتعدى المليار جنيه.
وتم تقسيم أعضاء لجنة الحراسة على النقابة والشركات التابعة لها لتقسيم الغنيمة؛ حيث يتم تمثيل الحراسة في مجالس إدارات الشركات ويتقاضون عن ذلك أرقامًا فلكية وصلت إلى أن "محمد بركة" وهو الحارس على النقابة كان يتقاضى نصف مليون جنيه سنويًا مقابل تواجده في مجلس إدارة شركة المهندس للتأمين.
كما أهمل الحراس في الحفاظ على أموال المهندسين مثل "بنك المهندس" الذي كانت تمتلكه النقابة وحقق أرباحًا بلغت 50 مليون جنيه في عام 1998، إلا أنه تدهور بسبب الإدارات الفاسدة حتى تم ضمه للبنك الأهلي في عام 2005 برصيد صفر.
وقامت الحراسة باستثمار أموال المهندسين في مزرعة دواجن ومصانع خضراوات وثلاجات تبريد بمحافظة المنوفية. وإمعانًا في إهدار المال العام قامت لجنة الحراسة بشراء 1950 شقة سكنية من الشركة المصرية الكويتية بسعر 1325 جنيهاً للمتر بمدينة العاشر من رمضان، لم يقبل عليها أحد. (23)

ويعدد المهندس عمر عبدالله عضو المجلس الأعلى لنقابة المهندسين سلبيات أخرى لحالة التجميد، منها:

  1. إهمال الخدمات التي تقدم للأعضاء وتصفية بعض المشاريع، فقد كانت النقابات تقوم بدور مكمل للدولة، والآن أصبحت النقابات مدينة بعد أن كانت دائنة.
  2. ضعف الموقف القانوني للمجالس القائمة التي انتهت مدتها منذ سنوات طويلة.
  3. حدوث نزاعات قضائية عديدة بين أبناء المهنة الواحدة.
  4. انتشار الفساد المالي والإداري وإهدار المال العام في النقابات التي فرضت عليها الحراسة.

فالنقابة التي فرضت عليها الحراسة لا تجتمع جمعيتها العمومية، ولا تناقش ولا تحاسب، والحارس القضائي يقدم تقريره للقاضي.. ففي نقابة المهندسين جرى صرف 241 مليون جنيه من صندوق المعاشات دفعت نقدًا لشراء شقق في إحدى المدن الجديدة، بيع منها 5% فقط، وقد كشف الجهاز المركزي للمحاسبات عن مخالفات تربح من المال العام، وتسهيل استيلاء الآخرين عليه، وإهداره، وأحال القضايا إلى النائب العام الذي أحالها لإدارة الكسب غير المشروع، كما ظهر أن الحارس القضائي كان يتقاضى 3% من دخل النقابة الذي تجاوز 100 مليون جنيه سنويًا.

  1. قرابة نصف أعضاء المهنة الذين انضموا للنقابات بعد صدور القانون لم يشاركوا في الانتخابات.
  2. ضعف التمثيل المصري في الاتحادات العربية والإسلامية والدولية التي تشترط مجالس منتخبة، كما فقدت مصر مناصبها في هيئات عربية كثيرة.

ويضيف د. محمد علي بشر أبعادًا أخرى، مشيرًا إلى

توافق فرض الحراسة على نقابة المهندسين مع بدء تطبيق الخصخصة، وبيع مصانع وشركات القطاع العام التي بها آلاف المهندسين، ولم تراعِ الدولة حقوق العاملين في عقود البيع، كما أن غياب النقابة منعها من التحرك لحفظ حقوق منتسبيها. (24)

كان لهذا التجميد تأثيره على نشاط الإخوان في النقابات، وهو ما يوضحه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح بقوله:

لم يخرج النظام الإخوان من النقابات وإنما جمد فاعليتهم بإلغائه الانتخابات، على الرغم من أن أنشطة الجماعة الخدمية لم تتوقف، إلا أنها لم تعد تتمتع بالحيوية والمبادرة نفسها اللتين كانت تتميز بهما في الثمانينيات.
ومع محاولات النظام من تشويه صورة الإخوان وأعمالهم داخل النقابات، والمحاولات المستميتة من التيارات العلمانية واليسارية واستغلال الاعلام في حملات التشويه، إلا أن الإخوان ظلوا رقمًا واحدًا في المعادلة عند الناس في النقابات، فنتائج الانتخابات الحرة والنزيهة في كل مرة تأتي تعبيرًا عن ثقة القواعد العريضة في نقابات الأطباء والمهندسين
والتجاريين والعلميين والمحامين وأساتذة الجامعات في مصر لأفراد الإخوان ولتؤكد مدى إخلاصهم وتفانيهم في خدمة مجتمعهم، فإذا ما وضعنا في الاعتبار أن هذه القطاعات تمثل عقل الأمة ووعيها وثقافتها وحاضرها ومستقبلها لأدركنا مدى عمق هذه الثقة ومكانتها وقدرها.

نقابة المهندسين بعد ثورة 25 يناير

أزاحت الثورة نظام أغلق كل مجالات الحرية والرأي الأخر ولم يستمع سوى لنفسه، وأغلق جميع المؤسسات والأبواب في وجه معارضيه فلم يسمع سوى المدح من رجالاته حتى جاء الثورة لتخفت هذه الأصوات وتعود الأصوات الحرية مرتفعة لفترة.

وفي يوليو 2011:

صدر حكم نهائي برفع الحراسة القضائية عن نقابة المهندسين وسقوط القانون رقم 100 بشأن تنظيم انتخابات النقابات المهنية.

وفي نوفمبر 2011 اكتسح الإخوان انتخابات النقابة بـ63 عضوًا من أصل 65 جملة مقاعد المجلس الأعلى للنقابة؛ حيث تمكنت قائمة "تجمع مهندسي مصر" المحسوبة على جماعة "الإخوان المسلمون" من الاستحواذ على أغلبية المقاعد في النقابات الفرعية بالمحافظات، التي وصل عددها إلى أكثر من 15 نقابة، أهمها الإسكندرية والشرقية وأسيوط والمنوفية.

وفاز على مقعد النقيب مرشح الإخوان الدكتور محمد ماجد خلوصي، على قائمة "تجمع مهندسي مصر" على أقرب منافسيه، المهندس طارق النبراوي مرشح قائمة " مهندسين ضد الحراسة" بفارق كبير. وحصدت قائمة جماعة الإخوان على مقاعد النقيب وغالبية عضوية المجلس في عدد من المحافظات من بينها القليوبية والغربية والشرقية والإسماعيلية والمنوفية والسويس الدقهلية والفيوم وأسوان وأسيوط ودمياط وبني سويف وقنا والجيزة والإسكندرية وسوهاج والبحيرة. (25)

وفاز بمنصب نقيب القاهرة المهندس محمد أسامة شوقي وحصل على 16 ألفا 986 صوتا، وفي محافظة الجيزة فاز المهندس أكرم الجنزوري بـ5663 صوتا، وفى محافظة القليوبية فاز المهندس أحمد أمين أبو الروس بـ2185 صوتا، والإسماعيلية محمود أحمد شحوته بـ974 صوتا والسويس حسن عبد العليم بـ993 صوتا، وفى الغربية فاز المهندس فايز حمودة بـ2501 صوت والدقهلية فاز المهندس زكريا زيادة بـ3078 صوتا

وفي أسوان فاز أسامة حسنين محمد بـ775 صوتا وفي الفيوم فاز محمد سراج محمد سعد بـ720 صوتا، وفي محافظة أسيوط فاز المهندس علي عبد الرحيم بـ1053 صوتا وفي العريش فاز أمين الدين جودة بـ230 صوتا وفي الشرقية فاز المهندس سامي عبد الحافظ بنسبة 257 صوتا، ودمياط فاز محمد طه بـ1172 صوتًا وفي محافظة بني سويف فاز المهندس محمد مرزوق بمنصب النقابة الفرعية بـ635 صوتا. (26)

غير أنه لم يدم كثيرا بسبب الانقلاب العسكري الذي وقع على الرئيس مرسي في 3 يوليو 2013م وطارد الإخوان في كل مكان؛ ما دفع بمجموعة كانت مناوئة للإخوان في النقابة بعمل انقلاب وسحبت الثقة في مجلس النقابة في ظل غياب جموع المهندسين؛

حيث تم الدعوة لاجتماع الجمعية العمومية غير العادية لنقابة المهندسين، في الصالة المغطاة بإستاد القاهرة، لسحب الثقة من مجلس النقابة المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، 17 يناير 2014م وذلك بعدما قدم الأمين العام للنقابة الدكتور علي عبد الرحيم – عضو الإخوان - اعتذاره عن الاستمرار في مكانه.

كان أداء الإخوان المسلمون في النقابات أداءً متميزًا وفعالاً وإن واجهتهم بعض العقبات والمعوقات التي اختلقتها الدولة بعد بروز النقابات ودورها السياسي ومعارضتها القوية للنظام في بعض المواقف ومنها نقابة المهندسين.

المراجع

  1. مجلة الإخوان المسلمون، العدد (18)، السنة الأولى، 9 جمادى الآخرة 362ه - 12 يونيو 1943م، صـ 3، 14.
  2. لائحة الإخوان المسلمين عام 1948م، 1951م مجموعة لوائح الجماعة، ويكيبيديا الإخوان المسلمين، 2012م.
  3. إبراهيم زهمول: الإخوان المسلمون.. أوراق تاريخية، بدون اسم الناشر، سويسرا، 1987مصـ 211- 215.
  4. مجلة النذير الأسبوعية – السنة الأولى – العدد 11 ،12 جمادى الآخرة 1357هـ - 8 أغسطس 1938م، صـ10.
  5. جريدة الإخوان المسلمون اليومية العدد 285 السنة 1 - 15 جماد أول 1366 هـ 7/4/1947صـ2.
  6. المرجع السابق: العدد 274 السنة 1 - جماد أول 1366 هـ, 25/3/1947 صـ2.
  7. قانون إنشاء نقابة للمهن الهندسية عام 1946م
  8. موقع نقابة المهندسين
  9. السيد عبدالستار المليجي، تجربتي مع الإخوان من الدعوة إلى التنظيم السرى، الزهراء للإعلام العربي، ص 222.
  10. عبد الرحيم علي: الإخوان المسلمون أزمة تيار التجديد في مصر،طـ1، دار أجيال المستقبل للطباعة والنشر، القاهرة، 2005م صـ88.
  11. المرجع السابق.
  12. أبو العلا ماضي: الأستاذ مصطفى مشهور الحلقة الرابعة موقع حزب الوسط
  13. أماني قنديل: التيار الإسلامي داخل جماعات المصالح في مصر، الكتاب الثامن، أكتوبر 1989م، صـ162 – 168.
  14. هالة مصطفي، الدولة والحركات الإسلامية المعارضة، بين المهادنة والمواجهة في عهدي السادات ومبارك، طـ1، مركز المحروسة للبحوث والتدريب والمعلومات والنشر، القاهرة، صـ 329.
  15. هشام العوضي: صراع على الشرعية الإخوان المسلمون ومبارك 1982-2007م، طـ1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2009م.
  16. حسنين توفيق إبراهيم، هدى راغب عوض: الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ظل التعددية السياسية المقيدة في مصر دراسة في الممارسة السياسية 19841990م، طـ1، مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر القاهرة، 1996م، صـ165.
  17. محمد مورو: الحركة الإسلامية في مصر من 1928 – إلى 1993م رؤية من قرب، طـ1، الدار المصرية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1994م، صـ141.
  18. صحيفة الحياة: الجمعة 16/ 10/ 1992م الموافق 18 ربيع تاني 1413هـ.
  19. مجلة لواء الإسلام: غرة رمضان 1409- 6 أبريل 1989م.
  20. سلبيات ومعوقات العمل النقابي خميس 19/ 1/ 2006م
  21. عمر عرجون: حكاية نقابة المهندسين من أولها، 26 سبتمبر ٢٠٠٩م
  22. أبو زيد كمال الدين: نقابة المهندسين.. من الحراسة إلى المجهول
  23. السعيد رمضان: الإخوان والنقابات فى عهد مبارك، إخوان ويكي
  24. يوسف جابر: بعد 17 عامًا.. الإخوان يسيطرون على نقابة المهندسين ويكتسحون في المحافظات
  25. خلف علي حسن: فوز مرشح الإخوان ماجد خلوصي بمنصب نقيب المهندسين