الإخوان والسلفية المحتسبة الحلقة الثانية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢١:١٢، ٨ يوليو ٢٠١٨ للمستخدم Taha55 (نقاش | مساهمات) (حمى "الإخوان والسلفية المحتسبة الحلقة الثانية" ([تعديل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد) [النقل=السماح للإداريين فقط] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان والسلفية المحتسبة (الجهيمانية) والطريق إلى داعش


(الحلقة الثانية)


حادثة الحرم المكي 1979م

في فجر أول يوم من القرن الهجري الجديد وقعت عملية عسكرية هزت العملية العالم الإسلامي برمته، وذلك إبان عهد الملك خالد بن عبد العزيز، والتي حركت بسرعة مشاعر الكثير من المسلمين وجميع المسلمين شجبوها وأنكروها ووقفوا ضدها.

كانت الظروف تدفع لوقوع مثل هذا الحادث الشطط، فقد وقعت معاهدة كامب ديفيد مع اليهود وأصبحوا له موضع رسمي معترف به من قبل العرب مما حرك شجون الكثير من المسلمين، وفي نفس الوقت نجحت الثورة الإسلامية في إيران من فرض سيطرتها على الحكم فيها، بالإضافة لعلو صوت التيار الإسلامي في العديد من الدول، واندلاع الحرب الأفغانية ضد الروس، مما جعل جهيمان العتيبي في حسم القرار بإيجاد مهدي منتظر يفرضه على الأمة ويبايعه.

والذي برر هجومه باعتباره نصرة للمهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما والدعوة إلى مبايعة محمد عبد الله القحطاني، خليفة للمسلمين، وإماماً لهم على أنه المهدي المنتظر.

استيقظ العالم فجر يوم 1 محرم 1400 الموافق 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، على خطبة لجهيمان العتيبي وبجانبه محمد عبد الله القحطاني، ليعلن أمام المصلين خروج المهدي، وطلب منهم مبايعة محمد القحطاني باعتباره المهدي الواجب إتباعه، وفي هذه الأثناء، قامت مجموعة من الرجال التابعين له "والذين تبين فيما بعد أنهم من 12 دولة مختلفة بينهم أميركيان باستخراج أسلحة خفيفة من توابيت أدخلت قبل الصلاة باعتبارها تحوي جثامين لموتى للصلاة عليهم في المسجد، لكنها كانت معبأة بالأسلحة والذخيرة بدل ذلك، وتمكن المسلحون من إغلاق الأبواب وسد منافذ الحرم والتحصن داخله، وتمكن عدد من المصلين الذين كانوا داخل الحرم لتأدية صلاة الفجر من الفرار أما الباقون و"يقدر عددهم بمائة ألف" فيبدو أن الكثير منهم اضطروا بشكل أو بآخر إلى مبايعة محمد عبد الله القحطاني باعتباره المهدي المنتظر.

وعلى الرغم من التخطيط المحكم للعملية، إلا أنها استهلت بمقتل أحد الحراس على يد أحد المسلحين المنفعلين، وهو أمر يمثل خرقاً واضحاً وعظيماً لحرمة البيت الحرام. حيث يحرم سفك الدماء. من المؤكد أن جهيمان ألقى خطبة عبر مآذن الحرم أثناء الحصار، بثتها الإذاعات العربية والعالمية وكانت تحوي على الكثير من الخطب والاتهامات للأسرة الحاكمة السعودية وبعض الاعتراضات على نمط الحياة العامة للناس وكيف استشرى الفساد وكان صداها يتردد بين جبال مكة وأحياءها في أوقات متفرقة، كما تم توجيه دعوات إلى أهل مكة والقوات السعودية الخاصة التي تحاصر الحرم للتوبة والانضمام إلى المسلحين ومبايعة المهدي (1).

وجدت الحكومة السعودية نفسها محرجة ومكبلة في مواجهة العملية، وبدت كما لو أنها مصابة بالشلل. وتحدث بعض المحللين بأنها تعاملت مع حادثة الحرم على أنها محاولة انقلابية تستهدف الإطاحة بالنظام السعودي بأسره، الأمر الذي خلق جواً عاماً من الريبة في كل أنحاء المملكة. وكان لا بد قبل الشروع في أي عمل عسكري من استصدار فتوى تبيح التدخل بالقوة وإدخال الأسلحة إلى داخل الحرم المكي لإنهاء الحصار، وتمكنت السلطات، حسب بعض المصادر، من الحصول "على أصوات 32 من كبار العلماء لاستخدام القوة ضد حركة جهيمان، وفي واقع الأمر أن حركة العلماء جمدت عند حدود توفير الغطاء الديني لممارسات السلطة، وكان قبول العلماء بهذا الإطار فرض عليهم الخضوع للعبة السياسية بكافة أشكالها، وان تطلب اتخاذ مواقف متناقضة (2).

حتى إن علماء المملكة اتفقوا مع شيخ الأزهر في ذلك الوقت محمد عبد الرحمن بيصار، حول ضرورة "التحرك السريع والحاسم لإنقاذ بيت الله الحرام"، ودعا "بيصار" إلى اجتماع عاجل لعلماء المسلمين لاتخاذ قرار إسلامي مشترك، وكان رأي "بيصار" أن هؤلاء المجرمين يجب أن يطبق عليهم حد الحرابة (3).

في العاشرة صباحا (حسب بعض المصادر) من يوم الثلاثاء 14 محرم 1400هـ الموافق 4 ديسمبر/كانون الأول 1979م وبعد انقضاء أسبوعين على الحصار، بدأ الهجوم واستمر حتى حلول المساء حيث تمكنت قوة سعودية من الاستيلاء على الموقع وتحرير الرهائن في معركة تركت وراءها نحو 28 قتيلاً من الإرهابيين وقرابة 17 جريح من قوات الأمن والمصلين، وتم إخراج الباقيين أحياء ومنهم جهيمان العتيبي.

تم أسر من تبقى على قيد الحياة ومن بينهم جهيمان العتيبي، في حين كان محمد بن عبد الله القحطاني بين القتلى. ونفذ في الناجين حكم الإعدام يوم الأربعاء 21 صفر عام 1400هـ الموافق لـ 9 يناير/كانون الثاني 1980م بعد أن قسموا إلى أربع مجموعات أعدم أفرادها في ساحات أربع مدن رئيسية في البلاد (4).

ويذكر أن أسامة بن لادن علق في أحد خطبه على الحادثة بقوله: "كان يمكن حل تلك الأزمة بغير قتال، كما اتفق العقلاء في ذلك الحين، وإنما كان الموقف يحتاج إلى بعض الوقت وخاصة أن الموجودين في الحرم بضع عشرات، وأسلحتهم خفيفة، أكثرها بنادق صيد، وذخيرتهم قليلة وهم مُحاصَرون (5).

ترتب على هذا الاقتحام العديد من الأحداث التي يربطها بعض المحللين بهذا الحادث مثل اقتحام السفارة الأمريكية بباكستان وليبيا، بل وصل الحال أن كتب ياروسلاف تروفيموف كتاباً بعنوان عنوان (حصار مكة، الانتفاضة المنسية في أقدس الأماكن الإسلامية وولادة القاعدة) اعتمد فيه على مقابلات شخصية، ووثائق كانت محظورة وسرية من وزارة الخارجية الأميركية وغيرها، وخلص المؤلف فيها إلى أن الأسلوب الذي تم التعامل به مع «الحركة الجهيمانية» هو الذي أفضى في نهاية الأمر إلى ولادة القاعدة.

ومن بين أخطر ما كشفه كتاب "حصار مكة"، أن رجال "جهيمان العتيبي" اتخذوا من زوار بيت الله المحتَجَزِين معهم، خاصة ذوي الأصول الإفريقية، "عبيدًا" لخدمتهم، ليقوموا بأعمال نقل الماء والذخيرة تحت تهديد السلاح، وإعداد الطعام للمسلحين، والذي كان يقتصر على الخبز والتمر والزبادي المجفف "الإقط" (6).

كيف مات المهدي المنتظر؟

وكان يعتقد أنه أكثر من مجرد بشر عادي، وبدا ذلك جليًّا في سلوكه، حيث كان يتصرّف وكأنه محصن من الرصاص، وبالفعل نجا من عدة طلقات، ومع تقدم قوات المملكة في المعركة، بدأ المتمردون في التقهقر، واتجهت رصاصاتهم نحو الدروع، ولم تؤذِ جنود المملكة البواسل، وحينها قرر "القحطاني" التقدم لتدمير جنود المملكة، وحينما حاول مريدوه منعه، ابتسم لهم وقال بكل هدوء: "أنا المهدي.. ولا أخاف أي شيء.. لا يمكنني الموت"، وحمل أسطوانة بترول وقطعة قماش مشتعلة وأخذ يحاول تفادي الطلقات، حتى وصل إلى مدرعة من مدرعات المملكة وألقى عليها الأسطوانة، وفر هاربًا دون أن يُصاب.

ونتيجة اعتقاد "القحطاني" بأنه خالد، كان يمسك بالقنابل التي تلقيها القوات السعودية عليه وعلى أنصاره، ويعيد إلقاءها على القوات مرة ثانية، وكان الحظ يحالفه في كل مرة، واستمر على ذلك إلى أن أمسك بواحدة منها فانفجرت فيه، ووسط لهيب النيران، لم يكن المتمردون بقادرين على إنقاذ "مهديهم"، الذي ظل يتلوى من الألم وسط الضباب القاتل، فتركوه وفروا نحو الأقبية، وأدرك أتباعه أنه إن لم يكن قد قتل، فهو وبلا شك قد أُصيب إصابة بالغة قد تودي بحياته.

بعد ذلك دخلت القوات السعودية في مرحلة قتالية أصعب، هي مواجهة المتمردين في القبو، بعدما سحقتهم في صحن المسجد وعلى المآذن، وكان تصميم القبو قويًّا جدًّا، ما حال دون نسفه، وهو ما حال دون سرعة القضاء على المجرمين.

وفي الحصار، وبعدما تمكنت القوات السعودية من ضبط جميع المسلحين، عثرت على رجل يكبر بقية المتمردين، شعره معقد ولحيته طويلة، وكان بجانبه أسلحة وبراميل من جبنة اللبنة وسلطانيات من البلح وأكوام من المنشورات، ليتضح لاحقًا أنه "جهيمان العتيبي" رأس الفتنة. ومع اقتياده، سأله أحد الضباط: "لماذا انتهكت قدسية المسجد الحرام؟"، فكان رد جهيمان: "لو كنت أعلم أن الأمور ستجري على هذا النحو.. لما كنت فعلت ذلك" (7).

ومن المفارقات أن جهيمان ولد في هجرة ساجر، ووالده كان من الإخوان في جيش الملك عبد العزيز، وكان صديقاً لسلطان بن بجاد. النهاية المأساوية للإخوان في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين ولدّت شعوراً بالغبن عند الإخوان عموماً، وعند أهل ساجر خصوصاً، ونشأ جيل ورث بعضهم الضغينة للحكم القائم والتمرد عليه (8).

خلط الأوراق

يقع كثير من الباحثين في خلط أوراق بين جماعة الإخوان المسلمين – التي أسسها حسن البنا بمصر- وبين جماعة الإخوان الوهابية والتي نشأت بالسعودية.

بدأت حركة الإخوان (الوهابية) بعد قيام قبائل البدو الرحل بترك حياة البادية وترك السكن في الخيام من أجل الاستقرار في أماكن معينة، وبنوا لسكناهم بيوتا من الطين سميت بـ "هجرة" إشارة إلى أنهم هجروا حياتهم السابقة وأول هجرة بنيت هي الأرطاوية عام 1911 ثم سرعان ما انتشرت الهجر في نجد وأصبح قبائل البدو ينقطعون في الهجر للعبادة وسماع السيرة النبوية وغزوات الرسول وحفظ القرآن والحديث وتعلم مبادئ القراءة (9).

أصبح الإخوان شيئا فشيئا متطرفين يعتقدون أن لا إسلام لمن لا يسكن الهجر وترك حياة البادية فلا يسلمون على من لا يسكن الهجر ولا يأكلون من ذبائحهم كما أنهم رأوا أن لبس العمامة هو السنة وأن لبس العقال من البدع المنكرة بل غالى بعضهم فجعله من لبس الكفار.

كما كانوا إذا وجدوا الثوب زائدا فإن المقص يعمل عمله في الزائد تنفيذا للحديث "وما تحت الكعبين في النار" وكانوا يعارضون الهاتف والتلغراف لكونه من عمل الشيطان وكانوا يقطعون أسلاك الهاتف ورغم كل ذلك تحملهم الملك عبد العزيز لدرجة أنه أضطر إلى التنازل عن تلغراف المدينة اللاسلكي عام 1926 استجابة لهم.

وكان الملك عبد العزيز يقول «إن الإخوان يجب احتمالهم ومهما فعلوا فإن حالتهم الآن خير من حالتهم الأولى وأما هذه العصبية والشدة: فالزمن كفيل بتخفيف حداتها (10).

ساهم الإخوان بشكل مؤثر في تحقيق انتصارات عسكرية لإمارة الرياض والتي مكنتها من الانتصار على إمارة حائل وعلى مملكة الحجاز وعلى دولة الأدارسة في عسير.

كان احتلال الحجاز نقطة تحول في مصير الوهابية التي خرجت من صحراء نجد واصطدمت بالعالم الخارجي سواء في جدة بلد القناصل والتجارة أو مكة حيث الحجاج من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وكان على الإخوان أن يتكيفوا مع تلك المتغيرات ولكنهم لم يكونوا مهيئين لذلك (11).

أصر زعماء الإخوان على فتح جدة عنوة طمعا في أغنى مدن الحجاز، فعارضهم الإمام عبد العزيز خوفا من تدخل الأسطول الإنجليزي المرابط على الساحل لحماية الرعايا الأجانب.

خلال الحصار طالب فيصل الدويش وسلطان بن بجاد بتعيينهما أميرين على مكة والمدينة، وفي رواية أخرى إنهما طلبا إمارة المدينة للدويش لأنه هو الذي فتحها، وإمارة الطائف لأبن بجاد لأن رجاله هم الذين فتكوا بأهلها، لكن الإمام عبد العزيز رفض ذلك مراعاة لشعور الحجازيين من جهة، ومن جهة أخرى حصر تعيين أمراء المقاطعات بآل سعود. فعين عبد الله بن جلوي أميرا على الإحساء وابن عمه عبد العزيز بن مساعد أميرا على حائل.

غضب الزعيمان لحرمانهما ولاستئثار آل سعود، فانسحبا مع قواتهما إلى نجد حيث بدءا العمل ضد الإمام عبد العزيز. وانضم إليهما ضيدان ابن حثلين أمير العجمان الناقم على عبد العزيز لأنه منعه من الاشتراك بحرب الحجاز بعدما تقاعس عنها فحرمه بذلك من مغانم الغزو (12).

شهد صيف 1925 أول موسم حج بعد احتلال مكة، فكانت المدينة مليئة بالإخوان الذين جاءوا للحج. وحرص المصريون على إعطاء انطباع جيد عنهم لدى مملكة الحجاز ونجد الجديد، فدخل المحمل تتقدمه فرقة موسيقية يحيط بها حراس المحمل من المصريين.

طالب الإخوان من الموسيقيين أن يوقفوا عزفهم لأن ذلك يعتبر تدنيسا للمقدسات، فلم يلتفتوا إليهم وتابعوا مسيرهم كما اعتادوا فعله في السنين الماضية. فهاجمهم الإخوان وأطلقوا النار عليهم وقتلوا بعضهم. ولم تنفع وساطة الأمير فيصل بن عبد العزيز. فكانت النتيجة أن المصريين قطعوا علاقاتهم مع العهد الجديد ورفضوا أن ينسجوا الكسوة بعد ذلك (13).

كان إخوان الوهابية يحرمون التبغ والخان وقد استجاب لهم الملك عبد العزيز وأمر بحرق مخازن التبغ، لكن حدث تحول في الأمر بعدما أطلعه التجار على النسبة التي تدخل في ميزانية الدولة من وراء التبغ – وهو كان في أشد الحاجة للمال- فصدرت فتوى من العلماء تقول: «أن الدخان مكروه ولكنه ليس من الكبائر»، بل وصل الحال إلى تحرميهم لاختراعات العصر مثل التلغراف والتليفون والسيارات وغيرها (14).

حتى أنهم بلغ بهم الأمر عقد مؤتمر سري في الأرطاوية (1926) في محاولة للإطاحة بعبد العزيز آل سعود بعد استباح الشرع واستخدم اختراعات العصر ونصب نفسه ملكا وفرض الضرائب ومخافتهم في كثير من الأمور التي يرونها من الشرع.

حتى أن سلطان بن بجاد قال: «أنه لم يعد يثق بعبد العزيز بعدما اتخذنا قرارا بتجريمه وعزله (15).

غير أن عبد العزيز علم به فعاد للرياض مسرعا وعقد مؤتمر عام 1927م حضره شيوخ القبائل والعلماء وعدد من الإخوان، وخلص المؤتمر إلى إعلان الملك عبد العزيز ملكا على نجد، وأن تترك مسألة الجهاد إلى الإمام وعليه أن يراعي ما هو أصلح للإسلام والمسلمين، غير أن هذا البند أثار الإخوان حيث لم يقبلوا بها وسألوا عبد العزيز: كيف كان الجهاد مطلوبا لما كان يوسع من رقعة حكمه ولم يعد مقبولا بعدما صار يتعرض لمصالح الدولة البريطانية وحلفائها؟ (16).

عمل الإخوان الوهابيين على إثارة القلاقل على الحدود مع العراق، حتى أنهم كانوا يغيرون على الأراضي العراقية والمواقع البريطانية والتي حركت سلاح الجو لشن غارة على مواقع الإخوان في نجد في فبراير 1928م، غير أن سلطان بن بجاد ظل يهاجم الأراضي العراقية (17).

سببت غزوات الإخوان ضد حدود الدول المجاورة احتجاجا للعراقيين والبريطانيين لدى الحكومة السعودية، فعقد مؤتمر في الرياض 1928م جدد فيه البيعة له وحصر الجهاد بأمر منه مما يعني أن غزوات الإخوان التي منعها أضحت مخالفة للدين، وهكذا بدل الإخوان من مجاهدين إلى خوارج مهدور دمهم ومالهم (18).

ولذا كان لابد من الصدام والذي تحقق في معركة السبلة قرب الأرطاوية فجر السبت 18 شوال 1347 هـ / 30 مارس 1929م حيث حصد عبد العزيز الإخوان الوهابيين، لكنهم لم يستسلموا وحاولوا إغراء الجابر الأحمد حاكم الكويت لمناصرتهم ضد عبد العزيز لكنه رفض بإيعاز من الإنجليز.

اشتعلت نجد مرة أخرى، وفجر الهياج ضد ابن سعود وانقلب إلى ثورة علنية ضمت عتيبة والعجمان ومطير، وتبين من الوضع أن الإخوان يهدفون في الثورة الثانية إشاعة الفوضى في نجد لهدم مابناه الملك عبد العزيز. فهم لم يقوموا بمهاجمة الحدود الشمالية والقبائل المجاورة، ولكن جعلوا أواسط الجزيرة وشماليها مسرحا لحرب عصابات واسعة النطاق. فلم يعود الإخوان يسترون شهوتهم إلى النهب والسلب، فهاجموا قرى القصيم ونهبوها وكان أمام عبد العزيز الفرصة للقضاء على ثورة وتمرد إخوان نجد (19).

في هذه المحنة لجأ الإمام عبد العزيز إلى حلفائه الإنجليز طلبا للمساعدة فلم يخيبوه إذ لم يعد لبريطانيا في الجزيرة غيره، فاتخذت موقفا متشددا ضد التمرد. فانهالت شحنات الأسلحة وعادت الأموال والمساعدات تتدفق على الإمام عبد العزيز. في حين لم يكن للثوار سوى البنادق القديمة، أصبح جيش الإمام مجهزا بالسيارات المصفحة والمدافع الرشاشة، وساعدت بريطانيا عبد العزيز في ضرب الثوار بقنابل طائراتها، كما رتبت مع شيخ الكويت أحمد الجابر ان يستعمل القوة ضد الثوار في حال لجوئهم للكويت مقابل مساعدته في تسوية خلافاته مع الملك عبد العزيز. كما قدم القائد الإنجليزي السير غلوب باشا خدمات عسكرية ضد الإخوان. وهكذا حوصر الإخوان من الحدود العراقية والكويتية إضافة إلى حصارهم في نجد، واستسلم زعماء الإخوان، وقام الملك عبد العزيز بعد ذلك بتسريح قوات الإخوان وتشتيتهم (20).

كانت هذه لمحة سريعة عن تاريخ الإخوان النجديين (الوهابيين) ومنهجهم الذي استقاه جهيمان العتيبي وسار على طريقتهم، وهى الطريقة أيضا التي سلكها داعش في الفترة الأخيرة، خاصة أن «داعش» أخرج المستور والكامن والمحبوس داخل كثيرين ينتمون للتيار الديني الوهابي في المملكة السعودية، الذين اكتشفوا بأنهم أعضاء غير رسميين في التنظيم، عبّر كل منهم عن انتمائه لهذا التنظيم على طريقته، وبأسلوبه الخاص.

فداعش يمثّل الوارث التاريخي والشرعي لجيل الجهاديين الذي تربى على تعاليم محمد بن عبد الوهاب، والمتناسلين منه مثل جيش الإخوان، الذي دخل في مواجهة في معركة (السبله) سنة 1929م مع عبد العزيز بن سعود بعد قبوله بترسيم الحدود و»تعطيل فريضة الجهاد». وجرت محاولات تصحيحية أخرى في 1979 من قبل جماعة جهيمان العتيبي وهي النسخة الأخرى من «الإخوان» (21).

فكر جهيمان التكفيري

إشكالية التكفير من الإشكاليات التي تميز الحركات عن بعضها خاصة تيارات الإسلام السياسي الوسطي عنها من المتشددين.

ويحاول البعض أن يلصق صفة التكفير بتيار الإخوان بالرغم من موقف الإخوان من هذا الفكر حيث وضح حسن البنا منهج الإخوان في الأصل العشرين من رسالة التعاليم حينما قال: لا نكفر مسلما -أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض - برأي أو بمعصية، إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذّب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر (22).

ولقد ذكرنا ذلك في بداية البحث إلا أن ناصر الخزيمي – رفيق جهيمان – حاول أن يبرأه ويلصق تهمة التكفير بعناصر خارجية مثل الإخوان المسلمين أو جماعة مصطفى شكري.

والحال أن هذا الرأي يصلح فيما لو خليت المراجع الوهابية من عقيدة تكفيرية راسخة، فتلك تشتمل على مثل هذه الأفكار قبل قرنين من نشأة جماعة شكري.

على العكس من رأي الحزيمي، فإن الأمير نايف وزير الداخلية صرّح بأن التحقيقات أكّدت عدم وجود أشخاص يحملون فكر جماعة التكفير من الكويتيين والمصريين المتورطين مع الجماعة (23).

والذي دفع حهينان لهذا الفعل ربما لانتمائه إلى مجتمع الإخوان – حيث كان والده واحد منهم- والذي قد يكون عزّز فكرة إعادة إحياء تجربة الإخوان وارتباطها بالهجرة، وما تعنيه من هجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام. ورغم أن الحرس الوطني ضم بقايا الإخوان وتربوا على الولاء لأسرة آل سعود، إلا أن ثمة نوستالجيا كامنة برزت وسط مجموعة من الشبان في منتصف الستينيات تنزع نحو إعادة أمجاد الإخوان، وهذا ما لأقلق علماء السلطة.

يقول الحزيمي بأن الإخوان كسروا حاجز الهيبة بين المفتي والمستفتي، وكانوا عاملاً في كسر احتكار العلم الشرعي لفئة من الفقهاء وأساتذة الجامعات (24).

البعث الثاني وولادة داعش والقاعدة

بعدما استدل الستار على جماعة السلفية المحتسبة (الجهيمانية) بعد حادث الحرم المكي عام 1979م بأن أعدم جهيمان وبعض من شاركه، وقتل آخرون وسجن الباقي، والذين ظلوا في السجون لفترات طويلة، حتى خرجوا للحياة، فلم يركنوا بل انطلقوا لإحياء لعض الجماعة من جديد، تحت مسمى أخر.

يحدد منصور النقيدان الفترة ما بين 1987 ـ 1995 بأنها فترة ازدهار وانبعاث ثان لأهل الحديث، وهي الاسم الآخر للجماعة السلفية المحتسبة، وأن هذه المجموعة أعيد تشكيلها مرة أخرى في الفترة ما بين 1995 حتى 2003، حيث (دخلت طوراً آخر عرف فيما بعد عند المراقبين والباحثين بـ «السلفية الجهادية» التي تجعل من جهيمان العتيبي رمزاً وشخصية ملهمة)؛ وكان منظر الجهادية السلفية الأردني عصام البرقاوي (أبو محمد المقدسي) جسراً ووصلة تحوّل رئيسة في كل هذا (25).

كانت رسائل جهيمان هى النبراس المنير لمن سلك الطريق بعد حتى ظهرت من رحمها الدواعش، حيث اعتبرت الرسائل أن المملكة السعودية لم تعد هي الدولة الضامنة والحارسة للتعاليم الوهابية، وأن الواقع القائم لابد من تغييره بكل السبل وان تطلب الأمر رفع السلاح. ولابد من الإشارة إلى أن رسائل جهيمان باتت مكوّناً أساسياً في أدبيات السلفية الجهادية ممثلة في (القاعدة، داعش). ويعتقد جهيمان بأن كثيرا من الدعاة اليوم سلكوا مسلك أهل الذلة والمسكنة يريدون الدعوة الى الحق بلا أذى (26).

لقد رأى جهيمان أنه لابد من إيجاد الطائفة المنصورة التي تركن لأهل العلو والفساد، أو أهل الذلة والمسكنة، وهو الفكر الذي مهد لأدبيات السلفية الجهادية (القاعدة وداعش) والتي تحتوي على تنظيرات حول الطائفة المنصورة تستلهم مما كتبه جهيمان وغيره من منظري الوهابية في الموضوع (27).

ومن القواسم المشتركة بين الجيلين هي اتهام العلماء بمداهنة السلطان، وهي الملاحظة التي حملها جهيمان العتيبي، أحد أحفاد الإخوان، حيث دوّنها في إحدى رسائله واتهم بعض العلماء بمداهنة آل سعود.. وهي نفس الملاحظة لدى القاعدة ومن جاء بعدها، إلى درجة أن هناك من كفّر ابن باز وابن عثيمين لتماهيهما مع أل سعود (28).

ويرى جهيمان في رسالته حول الإمارة مواصفات الحاكم الشرعي أو الخليفة، ثم يدخل لمناقشة مبادئ البيعة والطاعة والأسئلة الإشكالية المثارة حولها. فالخليفة الشرعي هو من يحكم بالكتاب والسنة ولا يتبع هواه، فإن فعل ذلك وجبت له البيعة والطاعة. وأما في حال عدم تحقق هذين الشرطين فلا بيعة ولا طاعة.

كما يذهب جهيمان إلى شرط القرشية في الإمام والخليفة، وهو من تجب بيعته وطاعته. ولعل تنسيب أبو بكر البغدادي إلى قريش وتعمّد ذكر نسبه القرشي يؤكد التزام داعش بشرط القرشية (29).

لكن على الرغم من ذلك يري أبو محمد المقدسي أن هذه الجماعة لم تكن ذات رؤية فكرية إصلاحية ثورية شاملة أو صاحبة مشروع تغيير سياسي أو حتى مشروع جهادي (لقلب نظام الحكم)، إنما كان برنامجها قائماً على الدعوة والحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في إطار معين، وكانوا يرون أشياء من قبيل: حرمة دخول الجامعات حتى الإسلامية منها لاعتقادهم بحرمة تقديم الصور الفوتوغرافية (30).

لقد تلخص منهج وسلوك جماعة داعش في أحداث الأنبار عام 2007، حينما اشتعلت الحرب بين الحلفاء (المطيبين) وتنظيمات الصحوة حينما ضج أهالي منطقة الأنبار من سلوكيات وتصرفات التنظيمات السلفية البعيدة كل البعد عن إسلام أهل السنة والجماعة الذي يعتقد به سنة أهل العراق.

فالمنهج القتالي لداعش هو المنهج القتالي نفسه للقاعدة ومن قبلهم حركة الإخوان الوهابية (وليس الإخوان المسلمين) في بداية القرن العشرين، ولكنه أصبح أكثر تطوراً ووضوحاً وتقنيناً عند ظهور داعش ويتميز بما يلي:

اعتماد الشدة والغلظة والإرهاب والتشريد والإثخان(16)، في تعذيب مناوئيهم وذبحهم بل حرقهم وهم أحياء.
وإتباعهم سياسة الصبر في القتال والسعي لإنهاك عدوهم حتى ينفد صبره وعندها تنهار إرادته القتالية (31).

مما سبق يتضح لنا اقتراب منهج القاعدة وداعش من منهج السلفية الوهابية (إخوان نجد) وهي التي أحياها جهيمان العتيبي وحاول تحت رايتها احتلال الحرم المكي عام 1979م ، والتي عملت القاعدة وداعش على إحياء منهجه وشجعهم على ذلك كثير من سلفى السعودية والذين رأوا في الدواعش استكمالا لمنهج جهيمان العتيبي.

المراجع

  1. ويكيبيديا الموسوعة الحرة: حادثة الحرم المكي 1979م، http://cutt.us/PCxC2
  2. محمد فؤاد: الدين والدولة في المملكة العربية السعودية من التحالف إلى المواجهة، شبكة العراق الثقافية، 21 كانون الأول/ يناير 2006م, http://cutt.us/804J
  3. يارسولاف تروفيموف: حصار مكة، الانتفاضة المنسية في أقدس الأماكن الإسلامية وولادة القاعدة، http://cutt.us/eppRw
  4. الرواية الكاملة لحصار الحرم المكي في 15 يومًا، شبكة الدفاع عن السنة، http://cutt.us/sZK8k
  5. أسامة بن لادن: من هم أصحاب الفكر الضال, والزمرة الفاسدة ؟؟، شبكة فلسطين للحوار، 21 أغسطس /آب 2005م، http://cutt.us/JmyHA
  6. حصار مكة، الانتفاضة المنسية في أقدس الأماكن الإسلامية وولادة القاعدة، مرجع سابق.
  7. حصار مكة، الانتفاضة المنسية في أقدس الأماكن الإسلامية وولادة القاعدة، مرجع سابق.
  8. ناصر الحزيمي، أيام مع جهيمان.. كنت مع «الجماعة السلفية المحتسبة»، مرجع سابق، صـ 63.
  9. حافظ وهبة، جزيرة العرب في القرن العشرين، دار الآفاق العربية، دار المصري للطباعة، 1417هـ / 1996م، صـ 285.
  10. حافظ وهبة، جزيرة العرب في القرن العشرين، مرجع سابق، صـ 286، 287.
  11. جبران شامية. آل سعود ماضيهم وحاضرهم، ط.2 صحارى للطبع والنشر. لندن 1989م، صـ192.
  12. خير الدين زركلي. شبه الجزيرة في عهد عبد العزيز. ج 1، دار العلم للملايين، 1985 ص:261.
  13. جبران شامية. آل سعود ماضيهم وحاضرهم، مرجع سابق، صـ193.
  14. المرجع السابق، صـ194.وانظر: محمد جلال كشك. السعوديون والحل الإسلامي. ص:575
  15. حافظ وهبة، جزيرة العرب في القرن العشرين، مرجع سابق، صـ 287.
  16. جبران شامية. آل سعود ماضيهم وحاضرهم، مرجع سابق، صـ 198.
  17. مذكرات غلوب باشا، ترجمة عطية الظفيري، دار القرطاس للنشر، 2001م، صـ 253.
  18. جبران شامية. آل سعود ماضيهم وحاضرهم، مرجع سابق، صـ 201.
  19. هارولد ريتشارد باتريك ديكسون: الكويت وجاراتها، صحاري للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1990م، صـ 324.
  20. جبران شامية. آل سعود ماضيهم وحاضرهم، مرجع سابق، صـ 204 - 207.
  21. محمد عبد الجيد: الجماعة السلفية المحتسبة، المكتب العربي للمعارف، القاهرة، 2015م، صـ 77.
  22. رسالة التعاليم: رسائل الإمام حسن البنا.
  23. منصور النقيدان وأحمد عدنان، قصة وفكر المحتلين للمسجد الحرام، مركز المسبار للدراسات والبحوث, 2011م، صـ 114
  24. ناصر الحزيمي، أيام مع جهيمان، مرجع سابق، صـ 73.
  25. منصور النقيدان، مرجع سابق، 103.
  26. محمد عبد الجيد: الجماعة السلفية المحتسبة، مرجع سابق، صـ 85.
  27. الجماعة السلفية المحتسبة، مرجع سابق، صـ 86.
  28. أنظر: رسالة الأمارة والبيعة والطاعة وحكم تلبيس الحكام على طلبة العلم والعامة، جهيمان بن سيف العتيبي، رابط http://cutt.us/Rh4WI
  29. الجماعة السلفية المحتسبة، مرجع سابق، صـ 90.
  30. أبو محمد المقدسي، السلسلة المرئية الأولى ، سلسلة ولكن كونوا ربّانيين الحلقة الثانية،2009م.
  31. عبد الرحمن البكري: داعش ومستقبل العالم، كولون ألمانيا ، دار الغرباء للنشر، أكتوبر 2015م