الإسلاميون في تونس.. العقل في مواجهة القمع!

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢٠:٥٤، ١٧ يناير ٢٠١٠ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات) (أنشأ الصفحة ب'لعل أهم ما يميز الحركة الإسلامية التونسية هو استجابتها للتطورات المجتمعية، ومحاولتها المشارك…')
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

لعل أهم ما يميز الحركة الإسلامية التونسية هو استجابتها للتطورات المجتمعية، ومحاولتها المشاركة فيها، بل التحكم في كثير من عناصرها بهدف تحقيق معدلات عليا من الشعبية وسط جماهير التونسيين، كما أنها لم تدع انفرادها بتقديم البديل "الوحيد الشامل"؛ وإنما رأت نفسها أحد البدائل المتاحة على الساحة السياسية في ظل إستراتيجية تختلف عن معظم الحركات الإسلامية في الوطن العربي، بل العالم الإسلامي كله.

لقد دخلت الحركة الإسلامية التونسية إلى المجال السياسي بقوة أسرع من بقية الحركات الإسلامية في المغرب العربي، ويعود ذلك إلى أسباب عدة:

أولها: أهمية التيار الإسلامي وقوة هيكله.

وثانيها: الإستراتيجية الشرعية التي يتبعها الفرع الرئيس لهذا التيار.

وأخيرًا: حجم القمع البوليسي وفاعليته.

ويرى دارسو هذا التيار أنه حالة نموذجية؛ لأنه تجاوز العديد من المراحل التي ما زالت التيارات الأخرى تجهلها على حدٍّ ما، بل إنه بدأ حركته بدايةً غير مسبوقة عن طريق الطفرة، وقد أسهمت شخصية الشيخ "راشد الغنوشي" في إضفاء طابع مرجعي تأسيسي على التجربة التونسية.

وتمثل سنة 1968م بداية دخول التيار الإسلامي التونسي إلى حلبة السياسة برغم أنه في المرحلة الأولى لم يشكل قوة معارضة.


عوامل النجاح الشعبي للحركة:

يمكن إيجاز العوامل التي أسهمت في ظهور الحركة الإسلامية كأحد البدائل السياسية المتاحة، وتمتعها بجاذبية ملحوظة لدى الجماهير في تونس فيما يلي:

- تقويض النظام البورقيبي للإسلام المؤسسي، ومساسه بالرموز الإسلامية التقليدية.

- الأزمة المجتمعية الحادة التي واجهها النظام بعد فشله في تحقيق البرامج التنموية على النمط التحديثي الغربي.

- المناخ السائد في إطار فشل الخطاب الأيديولوجي للمعارضة في اجتذاب الجماهير، إلى جانب انضواء طبقة العمال الحضرية إلى صفوف الحركة الإسلامية بعد المواجهة بين النظام والحركة العمالية.


مراحل التطور

يمكن تقسيم المراحل التي مرت بها الحركة الإسلامية التونسية إلى:

أولاً: مرحلة التيار الإسلامي التلقائي (1970م- 1978م):

تكونت النواة الأولى للحركة الإسلامية التونسية في بداية السبعينيات من مختلف العناصر التي تلقت تكوينًا إسلاميًّا، وارتبطت بالأوساط الدينية، مثل: "راشد الغنوشي"، و"عبدالفتاح مورو"، إلى جانب "أحميدة النيفر" (تأثر الشيخ "راشد الغنوشي" بالأفكار الدينية والإصلاحية في كل من مصر وسوريا، أما الشيخ "عبدالفتاح مورو" فقد تأثر بالحركة الصوفية، مثل: الاتجاه الإسلامي المعتدل).

وقد انضمت هذه المجموعة إلى "جمعية المحافظة على القرآن"، وهي تنظيم يتسم بالقانونية، إلا أن سيطرة الاتجاهات الإسلامية على الجمعية أدى إلى إقصاء النظام للإسلاميين عن هذا التنظيم؛ وهو ما جعلهم ينقلون نشاطهم إلى الجامعة في مواجهة صريحة مع النظام.

وهكذا استرجعت جامعة (الزيتونة) بعضًا من مكانتها كمركز للإشعاع الثقافي من خلال الحلقات الدينية التي ضمت مجموعة من الإسلاميين، ولم تؤدِ تصفية نشاط جامعة (الزيتونة) إلى إنهاء المواجهة بين النظام والإسلام، نتيجة لتجذر الإسلام في المجتمع التونسي، وتوافر الشروط المادية والمعنوية لنمو الحركة الإسلامية؛ إذ استطاعت هذه الأخيرة تعبئة العديد من العناصر من خلال الحلقات الدينية، التي اشتملت على عرض وتحليل للفكر الغربي؛ سواء الليبرالي، أو الماركسي؛ للبحث عن بديل أيديولوجي، وإبراز تفوق الفكر الإسلامي، وقد أفرزت هذه الحلقات أول حركة سياسية جماهيرية ضمت عناصر الحركة الإسلامية كافة.

ولم يهتم الإسلاميون خلال هذه المرحلة بالانخراط في العمل السياسي؛ إذ لم تختلف الحركة الإسلامية التونسية عند نشأتها عن بقية حركات الإصلاح الروحي، بل أكدت النواحي التعبدية، واقتصر الخطاب الأيديولوجي لها على الموضوعات التي أولتها اهتمامًا خاصًّا، مثل: ضرورة التمسك بالإسلام، والانفصال عن المجتمعات الجاهلية، التي لا تستند إلى مبدأ الحاكمية.

ولم يرَ النظام في الحركة الإسلامية خلال هذه الفترة خطرًا يمثل تهديدًا للشرعية، كما أن الحركة رأت أن وقوع الدولة التونسية في أيدي اليسار أشد خطرًا من استمرار النظام؛ لذلك ساد نوع من التعايش بين الطرفين، وإنْ حمل في طياته بذور الصدام.

ثانيًا: مرحلة التيار الإسلامي التسييسي منذ 1978م:

لجأت الحركة الإسلامية إلى تسييس نشاطها، وتحولت إلى حركة سياسية شورية علنية، وعكست مجلة (المعرفة)- لسان حال الإسلاميين (1972م- 1979م)- هذا التحول؛ إذ اهتمت بذلك في السنوات الأولى من صدورها بالثقافة، إلا أنها منذ 1978م- خاصةً بعد المواجهة بين النظام واتحاد الشغل- أولت اهتمامًا خاصًّا بالموضوعات الاجتماعية والسياسية.

وقد استمرت الحملات الإعلامية الإسلامية من خلال مجلتي (المجتمع)، و(الحبيب)، اللتين صدرتا خلال عامي 1979م و1980م إلى جانب دروس "الغنوشي" في المساجد في بداية الثمانينيات، التي عكست مزيدًا من التسييس بعد اكتساب الحركة الإسلامية لقاعدة شعبية واسعة.

وقد استند الخطاب الإسلامي إلى الرموز الدينية والحجج الإسلامية كأساس لإضفاء الشرعية على المسائل السياسية، وسرعان ما لجأت الحركة إلى فتح مجالات جديدة لنشاطها داخل المجتمع المدني، وتحول نشاطها إلى العمل السياسي، وافتقاد العمل الحكومي، وغزو الجامعة التي كانت مرتعًا خصبًا لليسار التونسي.

وشهدت الجامعة في تونس خلال عامي 1979م و1980م مصادمات عنيفة بين اليساريين والإسلاميين، وهكذا انتهت هامشية الحركة الإسلامية تجاه الصراع الاجتماعي، إلا أنها حرصت على مهادنة النظام، وتقبلت الوسائل الديمقراطية كإطار للعمل السياسي، وأصبح الإسلام رمزًا لمقاومة النظام العلماني البورقيبي.

كما اتسمت هذه المرحلة بالمواجهة والتصادم بين كل من الحركة الإسلامية والنظام الذي تبين له تعاظم قوة التيار الإسلامي واتساع قاعدته الشعبية، فشن حملة دعائية تهدف إلى عزل الحركة وتشويهها، كما قام بحظر وسائل إعلامها، واستخدام أساليب قمعية عدة.

ويرجع هذا التغير في إستراتيجية النظام إلى رفض هذا الأخير لتزايد التوظيف السياسي للإسلام؛ إذ تخلت الحركة عن الاقتصار على الاتجاه الأخلاقي الديني، وتباعدت عن الاهتمامات الدينية الهامشية، التي لا تعكس الواقع الاجتماعي، ولجأت إلى توسيع مجالات عملها، والتأكيد على إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي.

وهكذا تحولت الحركة الإسلامية إلى خصم سياسي للنظام الحاكم، الذي بدأ في مواجهتها، خاصة بعد تقدمها بطلب الحصول على التأشيرة القانونية عام 1981م، ولجأ إلى اعتقال قيادتها.

وقد أكد النظام البورقيبي رفض قيام حزب إسلامي، وخيَّر الحركة بين اقتصارها على العمل الإصلاحي وتحولها للعمل السياسي من خلال تنظيم حزبي، يقوم بممارسة نشاطه في إطار قواعد اللعبة الديمقراطية.

وقد قبلت الحركة هذه القواعد، إلا أن النظام لم يستطع أن ينازلها في ذلك، فعاد إلى بطشه وسالف عهده في كبت الحريات، وإشاعة جو من الخوف والفزع بين صفوف الشعب، وهي عادة نظم الاستبداد، ليس في العالم العربي وحده، بل على مدار الرقعة الإسلامية من (طنجة) حتى (جاكرتا).


المصدر: إخوان أون لاين