الإصلاح الاجتماعي عند البنا (محاربة الفساد- الحلقة الثالثة)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٤:٤٤، ٥ مايو ٢٠١١ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإصلاح الاجتماعي عند البنا (محاربة الفساد- الحلقة الثالثة)


إعداد: طارق عبد الرحمن


مقدمة

الإمام حسن البنا

انتهينا من الحديث عن أضرار القمار والبغاء وإزالة شبهات الذين يعارضون في إلغاء البغاء الرسمي ثم كان الحديث عن حوادث التكفير وخطر المبشرين، بعد ذلك كان حفل جمعية الهداية الإسلامية لتكريم الإخوان، ونتناول في هذه الحلقة كلمة الإمام البنا، والتي جاء فيها خطبة فضيلة المرشد العام:-

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومَن تبع هداهم إلى يوم الدين.

صاحبَي الفضيلة شيخَي الإسلام والمسلمين، سادتي الفضلاء، إخواني الكرام.

هي عاطفة قامت بالنفس لقاء هذا الحفل المحفوف بأنوار الهداية، المرموق بعين العناية، أحببت أن أفضي بها إلى حضراتكم، فإن من الجميل أن ينسب الجميل إلى أهله، ومن الفضل أن يعرف الفضل لذويه.


سادتي، اجتمعنا لنُكرِّم إخواننا الذين عادوا إلى وطن العقيدة الإسلامية الحقة بعد رحلةٍ رأوا فيها من تضارب نحلة القاديانيين وسخفها ما دعاهم إلى نبذها نبذ النواة، والبراءة منها على رءوس الأشهاد ولسنا نكرم أشخاصهم؛ فإن الصدف إنما تعلو قيمته بما يحوي من در ثمين، وإنما نكرم نعمة الله تبارك وتعالى وفضله عليهم بهدايتهم إلى التمسك بدينهم والاعتزاز بعقيدتهم ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ (الأنعام: من الآية 125)، ونكرم فيهم خلق الإنصاف والرجوع إلى الحق، وما أقل المنصفين في هذه الأيام.


وهما طريقان وصفهما الله تبارك وتعالى في كتابه يسلكهما صنفان من الناس، فأما الأول فقوم إذا انحرفوا عن الحق وصاحبوا الباطل عزَّ عليهم أن يعودوا، فغلوا في باطلهم، وسدروا(1) مع أهوائهم، أولئك الذين أشار إليهم الكتاب الكريم بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الْذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (الأعراف: 175-176).


وصنف آخر سرعان ما يعودون إلى الحق متى لاحت لهم أنواره، ويستمسكون باليقين متى اطمأنت نفوسهم إليه، أولئك الذين أشار إليهم الكتاب الكريم بقوله:﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201).


وأبناء القرآن الكريم وأتباع سيدنا محمد العظيم خاتم الأنبياء والمرسلين من أولئك الذين يتخذون الإنصاف شعارًا، والرجوع إلى الحق خليقة.


وإنا لنشكر من كل قلوبنا جمعية الهداية الإسلامية في شخص فضيلة رئيسها الأستاذ الجليل السيد محمد الخضر حسين، وحضرات أعضائها الكرام على ما يبذلون من جهد ويقدمون من تضحياتٍ في سبيل الله، ونشكر فضيلتي الإمامين الجليلين وشيخي الإسلام العظيمين على تشريفهما هذا الحفل المبارك الذي عمت فيه بركاتهما، وفاضت عليه أنوارهما.


وأنتهز هذه الفرصة لأقول لسادتي العاملين لخير الإسلام، وهم خير من يعلم ذلك، ولكنها الذكرى تنفع المؤمنين: إن الإسلام منذ نشأته إلى الآن وهو هدف المبطلين، وغرض الهدامين، يناوئونه في كل عصر، ويحاولون النيل منه بكل الوسائل؛ لأنه حق والحق، لا يسلم من عنت الباطل وأهله، والشيطان لا يسكت عن الكيد للحق طرفة عين، ولقد حدثنا التاريخ أن الإسلام في كل عصوره كان يكبت كل معاند، ويعلو على كل غاية، ويظهره الله على كل خصم، فيخرج من كل بلاء(2) خروج السيف من الجلاد.


ولكنه في عصرنا هذا هدد بما هو أدهى وأمر، وهوجم بما هو أعظم وأكبر، من حيث الدعاة، ومن حيث الدعوة، ومن حيث المدعوين.


فأما من حيث الدعاة فإن خصوم الإسلام أدركوا أن الدعاية في هذا العصر فن يعلم، وصناعة تتلقى، ومهنة يدرب عليها صاحبها، فدربوا أنفسهم عليها، وخصصوا جنودهم بها، حتى صار في مقدور دعاتهم أن يقلبوا الحقائق للعامة، وأن يزينوا الباطل للسواد الأعظم من الناس، وبحسن السبك قد ينفي الزغل(3).


أذكر أن زعيم البهائية(4) السابق عباس عبد البهاء في رحلته إلى أمريكا قابل رئيس الجمهورية وقال له: إنى أدعو إلى السلام من الوجهة الروحية، وأنت تدعو إليه من الوجهة السياسية، فلنتفق معًا على الدعوة إلى السلام، ولنتصافح على ذلك، فمد الرئيس يده إليه علامة التآزر على السلام لا أكثر من ذلك، فما كان أسرع المصور البهائى في التقاط هذه الصورة وإذاعتها بين الناس في الجرائد والصحف مدعيًا أن الرئيس صار بهائيًا، ألا تراه يصافح الزعيم البهائى ويبايعه، وبهذه الوسيلة خدع كثيرًا من العقول الصغيرة، وأؤكد لحضراتكم أن الرئيس لم يعلم شيئًا عن البهائية، ولم يُعن حتى بدراسة عقيدة واحدة من عقائدهم، ولكنها المخادعة في الدعاية وإحكام صناعتها جعلهم يستغلون هذا الظرف هذا من ناحية الدعاة.


وأما من ناحية الدعوة فقد كان الإسلام قديمًا يهاجم بدعوات نظرية وعقائد فلسفية، فأصبح اليوم يحارب بدعوات هى ألصق ما يكون بالنفوس والشهوات من: الإباحية والإلحاد والقومية والشعوبية، وغيرها من الأفكار والنزهات، فتنساق النفوس وراء أهوائها، وتقبل هذه الدعايات التي تتفق مع أغراضها وغاياتها، ولا تتفطن إلى ما فيها من مغالطة وخداع.


وأما المدعوون فقد كان المسلمون الأولون في منعة من إيمانهم، وعصمة من يقينهم، وما كان أحد يجرؤ أن يمس عقيدة إسلامية أو مقدسة إسلامية؛ لأن حب المسلمين لدينهم ومظاهره يجعلها أعز عليهم من نفوسهم وأبنائهم وأموالهم، أما الآن فقد ضاع معظم هذه المناعة، وقضى- إلا قليلاً- على هذه الحصانة الإيمانية، ولاسيما [..](5) المتعلمين فأصبح تعرضهم للخطر محققًا.


كنت اليوم في مصلحة من المصالح الحكومية علمت أن فيها ألفين وخمسمائة موظف، وقد رأيتهم حال خروجهم كالجراد المنتشر، فسألت نفسي كم من هؤلاء يهمه أمر دينه، ويعنى بدراسة دينه وتعرف أحكام دينه؟ والجواب أعرفه وتعرفونه حضراتكم.


وقرأت في إحدى الصحف أن ناظر مدرسة عليا يفخر بأن طلبة مدرسته ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسون طالبًا، فسألت نفسي كم درسًا يأخذه هؤلاء الطلبة الذين هم عماد الأمة وسنادها في مستقبلها من دروس الدين والتاريخ الإسلامي، وما المصدر الذي يستقون منه عقيدتهم الدينية وعزتهم الإسلامية؟ والجواب معروف كذلك.


هذه حال أيها السادة تدعو إلى التفكير العميق، والعمل المنتج السريع، وها أنتم قادة الرأي الإسلامي في مصر، وإن في جنودكم لخيرًا كثيرًا فسيروا بهم إلى الأمام والله معكم، وكم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصابرين.


بالتي هي أحسن


إلى القمص سرجيوس

أرسل أحد القراء الكرام خطابًا إلى قلم تحرير جريدة الإخوان المسلمين يلفت نظرها فيه إلى ما كتبه القمص(7) سرجيوس في جريدته الأسبوعية تحت عنوان: "هل تنبأت التوراة والإنجيل عن محمد" وتعرض فيه لعلماء الإسلام ورجال الإسلام.


وقد اطلعت على هذا العدد فأدهشني ما رأيت فيه، من تشويهٍ للحقائق، وافتراءٍ على الأبرياء، وجرأة على تحريف الأقوال ومسخ الآراء.


نقل الكاتب عبارة عن صاحب "إظهار الحق" الشيخ الجليل رحمة الله الهندي(8)- رحمه الله- وجعلها محور مقالته وأساس كلمته، وحشا كتابته بأنواع من التهكم وصنوف من الزراية لا يجيزها أدب المناظرة، ولا ترضى بها عفة النقاش، وإذا علمت أيها القارئ الكريم أن هذه العبارة قد مسخها الكاتب مسخًا وحرفها أبشع التحريف واقتضبها اقتضابًا مخلاً كل الإخلال، علمت حق العلم أن مقال الكاتب منهار من أساسه باطل من أصله، وها نحن ننقل لك ما عزاه الكاتب الجريء إلى مؤلف "إظهار الحق"، ثم ننقل لك عبارته الأصلية لترى إلى أي حد خرج هذا الكاتب عن جادة الصواب، وحرَّف الكلم عن مواضعه.


تقول جريدة القمص سرجيوس في صدر المقال: جاء في رسالة يهوذا عدد (14) و(15) قوله: "وتنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم قائلاً: "هو ذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليضع دينونة على الجميع، ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها، وعلى جميع الكلمات الصعبة". قال صاحب "إظهار الحق": إن المراد بالرب هنا هو محمد، وبقديسيه: الصحابة.


وقال: إن لفظ الرب تطلق على فردٍ من البشر"، انتهى ما نقلته جريدة القمص بنصه، ثم أخذت بعد ذلك تتهكم بالمؤلف وأقواله، وتصليه قارصًا (9) من اللوم والتعنيف مع أن العبارة الأصلية هكذا نقلاً عن إظهار الحق ص(149)، جزء ثانٍ، طبعة المطبعة العلمية سنة 1315هجرية قال: "البشارة الثانية عشر: نقل يهوذا الحواري في رسالته الخبر الذي تكلم به أخنوخ الرسول الذي كان سابعًا من آدم عليه السلام، ومن عروجه إلى ميلاد المسيح مدة ثلاثة آلاف وسبع عشرة سنة على زعم مؤرخيهم، وأنا أنقل عبارته من الترجمة العربية المطبوعة سنة 1844 "الرب قد جاء في ربواته المقدسة ليداين الجميع، ويبكت جميع المنافقين على كل أعمال نفاقهم التي نافقوا فيها، وعلى كل الكلام الصعب الذي تكلم به ضد الله الخطاة المنافقون" وقد عرفت في مقدمة الباب الرابع(10) أن استعمال لفظ "الرب" بمعنى "المخدوم"، والعَلم شائع فلا حاجة إلى الإعادة، وأما لفظ "المقدس" أو "القديس" فيطلق في العهدين على المؤمن الموجود في الأرض إطلاقًا شائعًا، ثم استشهد بآيات كثيرة من العهدين تثبت ذلك، وقال بعدها: وإذا عرفت استعمال لفظ "الرب" "والمقدس" أو "القديس" فأقول: إن المراد بـ"الرب": محمد صلى الله عليه وسلم، وبالربوات المقدسة: أصحابه. انتهى بنصه.


أفرأيت البون الشاسع بين العبارتين وكيف تعمَّد الكاتب الاقتضاب، اقتضابًا مسخ كلام الرجل وألبسه غير ثوبه الحقيقي، وعلى ذلك فالأساس الذي بنى عليه المقال كله فرية لا حقيقةَ لها فما بالك بما تفرع عنها.


ونحن أمام هذا نقول للقمص سرجيوس سواء كان هذا المقال من كتابته أو من كتابة غيره؛ إذ إنه بدون توقيع: إن كاتب هذا المقال ذو لون من لونين كلاهما غير مشرف، فهو إما جاهل بالألفاظ والمعانى والجهل عار ومنقصة، وإما خائن مفتر والافتراء سبة وتضليل، وأقل ما يقال في مثل هذا العمل: إنه حجة عملية على تحريف أهل الكتاب لكتابهم، فمن حرّف ما بيد غيره أولى أن يحرف ما بيده وصدق الله العظيم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: 13].


"وبعد" فهذا تعليق وجيز على كلمة رأيناها بجريدة القمص، وإن لنا معه بعد ذلك لحديثًا هادئًا صريحًا نبعث به إليه في فرصة قريبة إن شاء الله لعله يذّكر أو يخشى.


مشاهدات في مولد الإمام الحسين رضي الله عنه

أما أن حب أهل البيت- رضوان الله عليهم- فريضة من فرائض الإسلام وعاطفة يستلزمها الإيمان فقول لا غبار عليه، وأمر يستشعره كل من استشعر فضل جدهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الناس كافة، ويرحم الله أبا الحسن(12) بن جبير(13) بقوله:


أحب النبي المصطفى وابن عمه

عليًا وسبطيه وفاطمة الزهرا

همُ أهل بيت أذهب الرجس عنهمُ

وأطلعهم أفق الهدى أنجمًا زهرًا


موالاتهم فرض على كل مسلم

حبهمُ أغلى الذخائر للأخرى

وما أنا للصحب الكرام بمبغض

فإني أرى البغضاء في حقهم كفرا

همُ جاهدوا في الله حق جهاده

وهم نصروا دين النبي بالظبا نصرا

عليهم سلام الله ما دام ذكرهم

لدى الملأ الأعلى وأكرم به ذكرا


كل ذلك صحيح نعتقده وندين الله به، ونسأله تبارك وتعالى أن يرضى عنا بمحبتهم، وأن يمتعنا في الجنة- إن شاء الله- بمشاهدتهم ورؤيتهم آمين.


وأما أن أهل مصر يحبون أهل البيت فقضية فيها نظر، ومهلاً- أيها الإخوان- لا تعجلوا فأنا لا أتحكم في عاطفتكم، ولا أنقص من تعلق قلوبكم بأهل البيت رضوان الله عليهم، ولكني أقول: إنكم أحد رجلين، إما محبون بحق ولكنكم أخطأتم طريق التعبير عن هذا الحب فأسأتم إلى مَن تحبون وأنتم لا تشعرون، ومثلكم في ذلك مثل الدبة التي هشمت وجه صاحبها وقضت عليه لتطرد الذباب عنه، وإما كاذبون في دعوى المحبة متصنعون في هذا التعلق مراءون في هذا الإخلاص، وقد يكون الأول أقرب إلى الحق، بل هو ذلك، ولا تستغربوا هذا الحكم ولا تغضبوا أيضًا وتعالوا نتفاهم.


هل مما يرضي الإمام الحسين رضي الله عنه ويدل على محبتكم إياه وتعلقكم به أن يختلط النساء بالرجال هذا الاختلاط الشائن، ويزدحموا هذا الازدحام المعيب الذي يؤدي إلى العبث والاجتراء (14) حول مشهده وأمام ضريحه؟؟


وهل مما يرضيه ويدخل السرور عليه أن تقام باسمه وفي الاحتفال بذكراه تلك السوق الفاجرة سوق الفحشاء والمنكر، فتنصب الخيام التي لا تضم بين جدرانها إلا خليعة [و](15) ماجن، يقضون الليل في طبل وزمر وخمر وقمر(16) ورقص وخلاعة يتندى منه جبين الفضيلة، ويحمر له وجه الشريعة، ويستجلب سخط الله وغضبه؟؟


وهل مما يرضيه ويسره أن يتخذ الأخدان من أوقات هذا المولد مواعيد للخلوات؛ حيث يتسع الفضاء ويتلهى الرقباء(17) وتنبسط الرمال وتدنو الآمال؟


وهل مما يرضيه ويسره أن تُقام هذه الحِلق من الذاكرين فيحرفون أسماء الله ويغيرون ويبدلون، ويخرجون الأذكار بالطبل والطار والناي والمزمار والمواويل والأشعار؟ ولقد سمعتُ منهم مَن ينشد على الذكر "آه آه آه يا جميل أوع تميل".


وهل مما يرضيه ويسره أن يجول هؤلاء البائعون بين هذه الجموع يوزعون عليهم سلعهم ومأكولاتهم وقد تراكم عليها الغبار وخالطتها الأقذار، فيوزعون عليهم الآلام ويقدمون لهم الموت الزؤام(18)؟؟


ذلك بعض ما شاهدته في بعض ليالي المولد الحسيني بالقاهرة، وقد عدتُ من جهةٍ بعيدةٍ إلى دار جمعية الإخوان المسلمين، وما كنتُ أظن أن الأمر وصل بالقوم إلى هذا الحدِّ في ليالي الاحتفال بذكرى إمامٍ جليل كالإمام الحسين بن علي سبط (19) رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وإن الإمام الحسين كان أغير الناس على دين الله ومحارمه، وأشدهم تمسكًا بأحكام الشرع الشريف، وأقومهم بحق الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأشد ما يؤذيه ويؤلمه أن يخرج الناس عن دين الله ويتناسوا أحكام الشريعة، ولو رأى مثل ذلك في زمنه لجاهد في سبيل إزالته وعمل على إبطاله، فهل يظن القاهريون بعد هذا أنهم يتقربون إلى الإمام الحسين؟ وألا يرون بعد هذا أننا معذورون في الحكم الأول؟


يا قومنا، كونوا محبين صادقين، أو اتركوا هذا الادعاء لمَن هم أولى به منكم، والسلام.


البغاء

ما رأيت كلمة تضم حروفها من معاني الإيلام والإيذاء، والأضرار والبلاء ما تضمه حروف هذه الكلمة البغيضة البشعة، ولولا أن الطبيب كُتب عليه أن يتناول بمشرطه الصديد والقيح، ويخوض به بين الفرث والدم ما أبحت لقلمي ككاتبٍ أن يكتبها، ولا للساني كواعظٍ أن ينطق بها، فهي كلمة قد جمعت كل معاني الحطة والأسى والإيلام والأذى في حروف أربعة، وإن أسعد أيام مصر والأمم الشرقية هو اليوم الذي تحذف فيه هذه الكلمة من قوانينها أولاً، فتخفي بعد ذلك عن أسماع الناس وألسنتهم، ولعلها تنضمر بالإهمال حتى تموت من قاموس اللغة غير مأسوف عليها.


لقد نال خصوم الشرق من الشرق كثيرًا، ولقد عاثوا فيه الفساد، ولقد أذلوا أبناءه بكل ما عرفوا من صنوف الإذلال، ولقد حاطوهم بصنوف الرزايا والنكبات، ولا أظن أن في ذلك كله ما هو أشد ولا أنكى من إباحة الزنا وحماية البغاء وهدر الأعراض، وما كانت النفس الشرقية العفيفة الأبية لتقبل أن يحل بينها هذا الضيف الثقيل من اللوائح والنظم، لولا أن خصوم الشرق مخادعون ختالون(21) استطاعوا بدهائهم أن يخدعوا الشرقي عن دينه وعرضه، وأن يحتجوا أمامه بأن هذه البؤر لم تُحفر له، ولكن للأجانب عنه الذين يرون ذلك ضرورة لازمة لهم، حتى إذا سلم بأن توقد النار إلى جوار بيته ناله أولاً دخانها، ثم اتصل به بعد ذلك شررها، ثم استشرت وامتدت فإذا بها تلتهم البيت بما فيه، وإذا بهم بعد أن استمكن لهم الأمر ونجحت الحيلة يرمون هؤلاء الشرقيين بدائهم ويعيبون عليهم ما كانوا هم أصله ومصدره ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِّنْكَ﴾ (الحشر: 16).


لست مبالغًا حين أصارح القراء الكرام بأن هذه الكلمة إن كتبتها أو تلوتها اهتزَّت لها أعصابي واضطربت مفاصلي، وتمثَّل أمامي ما تحويه من معاني البؤس والشر والمسكنة معًا، فأسخط تارةً وأُشفق أخرى وأنا في كلتا الحالين آسف حزين.


البغاء أقوى معول يهدم كيان الأسرة ويفكك رابطتها، ويأتي على بنائها من أساسه، ويبدل هناءتها آلامًا وسعادتها جحيمًا، وحبها بغضًا وانتقامًا ويعبث بحرمتها وقدسيتها وينال من كرامتها وعزتها، إنه يُعطِّل تكوين الأسر ويحول بين الشبان والزواج، فهو في الوقت الذي يفكك فيه الأسر القائمة ويقضي عليها بما يلقى في نفوس أفرادها من شكوك وريب وظنون وتهم يحول دون تكوين أسر جديدة، ويمنع الشاب أن يتزوج وأن يكون أبًا رحيمًا وزوجًا مخلصًا، فهي سلاح ذو حدين يقطع روابط الأسر أولاً وأخيرًا، وماذا يبقى للأمة من قوةٍ إذا تهدَّمت الأسر وانحلت روابطها وتحطمت قواها، وهل الأمة إلا مجموعة أسر؟!


والبغاء دركة منحطة ومنزلة سفلى لا تليق بالإنسانية الكريمة التي شرفها الله وفضَّلها على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، وأنت ترى- عافاك الله- أن الحيوان الراقي الفصيلة يأنف هذه الإباحة في الأعراض، ويغار الإلف منه على إلفه ويذود عن حماه، فلا يقتحمه سواه، ومَن ذا الذي يستطيع أن يدخل عرين الأسد ليقرب لبؤته ثم لا تكون معركةً حاميةً وموقعةً داميةً يسلم فيها الشرف الرفيع، وهل رأيت الحمام حين يحمي أنثاه فلا يحوم حولها غيره ولا تمتد إليها عين غير عينه؟


العرض هو أغلى شيء في هذه الحياة، أغلى من المال وأغلى من الدم، فإن المال تنفقه فتعوضه، والدم تبذله في سبيل العرض فتحمد على هذا البذل وتُثاب، ولكن ما سمعنا ولا قرأنا أن عرضًا ابتذل فعوض أو شخصًا فرَّط فيه فلم يُلم، أوليس الشرف والخلود طيب الأعراق وطهارة الأعراض؟ أوليس النبل والكرامة والعزة والفضيلة وما إلى ذلك من ألقاب السؤود والمجد كلها لا تستقيم لأحدٍ أو تتم له إلا أن يكون وافر العرض طاهر الذيل؟


أدرك الحيوان الراقي هذا بفطرته فقام يحتفظ بعرضه ويعتز به ويذود عنه، فأية إنسانية هذه التي ترضى أن تكون أقل من الحيوان؟


مساكين ضحايا البغاء من رجال ونساء، إنهم رضوا بأن يكونوا كالأنعام بل هم أضل، إنهم فقدوا أنبل معاني الإنسانية وأبهج صور الفضيلة، إنهم فقدوا الطهر الرائع الجميل وتدنسوا بأقذار هذا الخلق الوبيل. وأيهما خير للرجل البغي أن يجد أمامه امرأةً حُرَّة طاهرة قاصرة الطرف عفيفة النفس تقنع منه بالقليل وتعطيه من نفسها الكثير، وتساهمه سراءه وضراه، وتكون معه في المبسط والمكره، ويعرف بها لذة الأسرة ومعنى الرجولة الكاملة، أم تلك الخليعة المستهترة الزائغة العين الطامحة النفس، التي تسلبه كل شيء: عرضه وماله وقلبه ودمه ثم لا تعطيه من نفسها شيئًا؟ إنها لغيره كما هي له، وهي لكلٍّ منهما على قدر ما تستلب منه.


اليوم عندك دلها وحديثها

وغدًا لغيرك جيدها والمعصم

ولو كان قائل هذا البيت حضر ذلك العصر الأغبر الذي أُبيح فيه البغاء وتظرف الناس فيه بالفحشاء لعدل رأيه ولقال: إنها تكون للجميع في ساعةٍ واحدة.


وأيهما خيرٌ للمرأة البغي أن تجد أمامها زوجًا كريمًا رحيمًا يهب لها قلبه ويحوطها برعايته ويذود عنها غوائل السوء، وتذوق به لذة الأنس ويرفعها إلى شرف الأمومة، أم تظل سلعةً في سوق الرذيلة تتقاذفها أيدي العابثين وتتدافعها شهوات الفاجرين، حتى إذا قضى أحدهم لبانته(23) لقاء دراهم معدودات نبذها نبذ النواة تندب شرفها وعرضها، ولن تحصل عليه ولو بذلت ملء الأرض ذهبًا؟


هذا تدهور كبير وانحطاط خلقي ليس بعده انحطاط، وهدر لكرامة الإنسانية لا يتفق مع مطالب الأمم الحية اليقظة التي تريد تحقيق الآمال، وتحطيم شرف النفوس يجعلها لا تصلح بعد ذلك لشيء أبدًا، ولا تسمو إلى غاية نبيلة ولا تجدي في طريق شريف.


البغاء حبالة الجريمة وعش الشيطان لا يزال بمَن يرتادون أماكنه يزين لهم أنواع الجرائم ويدفعهم إلى المنكرات والفواحش، ويحضهم على الموبقات المهلكات فيأتي بذلك على ما بقي من شعورهم إن كان ثم شيء فلا يتخرجون في هذه المدرسة الوبيلة(25) إلا على أسوأ الحالات، وهل تجد دور البغاء إلا مأوى الشريرين ووكر المجرمين ومخابئ السموم ومثاوى الرذائل، ومجامع المؤامرات التي تُحاك فيهم خيوط الجرائم؟


لو ذهبت أعدد لك ما يتجسم في هذه الكلمة من المهالك لاستغرقت هذا العدد، بل وأعدادًا بعد ذلك، وإن الكتابة في هذا المعنى لثقيلة عليّ مؤلمة لنفسي فاعفني وقاك الله السوء، وكثير على بلدٍ يتزعم العالم الإسلامي أن يعترف قانونه بهذا المنكر، وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم، وما أجمل أن تتعاون قوى الأمة على إنقاذها من هذا الداء الوبيل(26)، والقضاء عليه بتشريعٍ صارمٍ حاسمٍ يردع ويرد عادية المعتدى ويحقق أوامر الله، وإن حدًّا من حدود الإسلام يُقام فيه كل الكفاية لإراحة الناس من كل هذا البلاء، فهل يُقيم الناس حدود الله؟ ذلك ما نسأل الله أن يرينا- في القريب- إياه.


صوت من الريف

شهر ونيف(28) قضيناه في ريف مصر، وتركنا فيه مظاهر الحياة في القاهرة، واستقبلنا مظاهر الحياة الريفية. الطبيعة جميلة ساحرة، والمناظر خلابة رائعة، والهواء نقي عليل، والشمس ضاحية فتانة، والأزهار باسمة الثغور، والأطيار شادية تغني ألحان السرور والفرح، وكل ما في الكون ساحر جميل ضاحك باسم، ولكن "الفلاح" وحده هو البائس المسكين، كأنما قاسم مظاهر الوجود شطري الحياة فكان حظها النعيم وحظه الشقاء المقيم، ولَكَمْ تردد في خاطري قول المتنبي(29):

بأرض ما اشتيهت رأيت فيها

فليس يفوتها إلا الكرام

فهلا كان نقص الأهل فيها

وكان لأهلها منها التمام


ولقد كان المتنبي يشكو البخل، أما نحن فشكوانا البؤس، وفي الفلاح المصري على بؤسه وشقائه وشظف عيشه وخشونة حياته كرم فطري وموروث يجعله يؤثر على نفسه ويجود بما عنده.


شهر ونيف قضيناه في الريف ولم نغادره بعد أن رأينا فيه البون الشاسع بين تلك الحياة اللينة المشرقة الصاخبة اللجبة(30) التي تعج بمظاهر الترف واللهو والمتعة، وبين حياة الريف التي خيَّم عليها سكون البائسين وغمر أهلها بؤس المحرومين، وكأنما طغت مظاهر الحياة المدنية على أنفس الذين بيدهم الأمر في هذه الأمة فنسوا أولئك الذين يتضورون جوعًا ويتهالكون بؤسًا، وهم مادة الحياة في مصر وقوام ثروتها ورخائها.


أين أعين الوزراء والزعماء وكبار الموظفين وسادتنا المترفين لترى هذا البؤس المخيم، وهذا الشقاء الجاثم على صدر الفلاح، وهو معين الحياة لأولئك المنعمين، أما كان خيرًا لهم أن يقضوا وقتًا من إجازاتهم في القرى والأرياف يتفقدون شئون أهلها، ويلمسون نواحي النقص في حياتهم ليستروا(31) خللهم ويرأبوا صدعهم. أوليس ذلك خيرًا لهم من أن ينعموا بها كلها في المصايف والمرابع وفي بلدان المتعة وأماكن العبث واللهو، وهم يعلمون تمام العلم أنهم إنما ينعمون بما ينعمون به من عرق هذا الفلاح لا من فينا(32) ولا من كرلسباد(33) ومصايف لبنان.


أيها الوزراء والزعماء وكبار الموظفين، إن هؤلاء الريفيين من أبناء مصر رعيتكم وفي أعناقكم، وإن الله سائلكم عنهم ومحاسبكم فيهم حسابًا عسيرًا، وكل راعٍ مسئول عن رعيته، وهم مع هذا مورد المرتبات الضخمة التي تتقاضونها فتنعمون بها وتنفقون منها، فتفقدوا شئونهم واعملوا على إصلاح حالهم، إن لم يكن لوجه الله وللوطن فلأنفسكم ومصلحتكم، فإن اليوم الذي ينضب فيه هذا المعين هو أول يومٍ تتفقدون فيه نعيمكم فلا تجدونه، ولا تكونوا كالذين قال الله فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا في كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام: 123).


في القرية المصرية فقر وبؤس، وفيها جهل وغفلة، وفيها مرض وعاهات، وفيها جرائم ومفاسد، وفيها عادات سيئة وخرافات فاشية، وكل ذلك في حاجةٍ إلى الإصلاح الحاسم السريع، فهل يعمل على هذا الإصلاح مَن بيدهم الأمر من سادتنا المترفين، أم أنساهم جمال الشواطئ ولين الحياة من وراءهم من هؤلاء البائسين، فهم يشيرون عليهم بأن من الخير لهم أن يأكلوا "البسكوت" ما داموا لا يجدون الخبز القفار(34).


صوت من الريف

الآن ونحن نودع الريف نودعه بقلوبٍ حزينةٍ مكلومة(36)، وأنفس آسفة متألمة، فوارحمتاه لكم يا أبناء ريف مصر، وما أعزَّ مكانكم من نفوسنا، وما أحب إلينا أن تسعدوا لو كان يُطاع لقصير رأي(37). في الريف أمراض فتَّاكة تهاجم أهله البائسين فتراهم شحب الوجوه ضمر الحواصل خائر القوى سريعي الأنفاس، فهناك الملاريا وصنوف الحمى، وهناك الرمد الذي يعقب فقدان حاسة البصر، ولقد راعنا ما رأينا من كثرة عدد المكفوفين في كثيرٍ من القرى، وهناك البلهارسيا والدوسنتاريا وفقر الدم، والمستشفيات العامة تخفف ويلات هذه النكبات، ولكن يحول دون تمام النفع أمران: أولهما: قلة هذه المشافي حتى إنها لا تفي بحاجةِ الناس ولا ببعض هذه الحاجة، وسوء المعاملة في كثير منها مما يقف حائلاً دون انتفاع القرويين بها، والأمر الأول من واجب الحكومة علاجه. والأمر الثاني: من واجب رؤساء هذه المشافي تلافيه.


وفي القرى فقر وفاقة، فالفلاح المصري كثيرًا ما يكون أدمه خبزه، وكثيرًا ما تكون الغبراء فراشه والسماء غطاءه، وإن كان ثم فراش فحصير بال أو حشيّة من القش، وإن كان ثم مأوى فالكوخ الذي هو بحجرات السجون أشبه منه بمساكن الناس، وثياب بالية رثة تبدو مزقًا ويبدو منها هذا الهيكل الآدمي الذي ألحَّ عليه الشقاء فصار أشبه بكل الموميات، وحسبك أن تعلم أن إحدى القرى تعطل مسجدها الوحيد، وهو منتدى أهلها ومطهرتهم العامة من جرَّاء خمسة جنيهات تنقل بها بئر المياه من مكان إلى مكان آخر صحي، فلم تستطع القرية- وفيها ألفان من الرجال- أن تقوم بهذا العمل، ووزارة الأوقاف نائمة قريرة، وحسبك أن تعلم أن بعض القرى توزع أرضها على الأهلين بنسبة فدانين لكل أسرة لا تقل عن عشرة أشخاص، وحسبك أن تعلم أن الفتى القروي والفتاة القروية يرحبان بالعمل في بلد يبعد عن بلدهما مسافة قد تزيد عن ساعتين بالسيارة ليعمل كل منهما يومه لقاء أجر لا يزيد على خمسة عشر مليمًا، هذه حقائق واقعة مؤلمة رأيناها في الريف ولا ندري أيعلمها أولو الأمر ويهملون أمرها، أم لا يعلمونها فيقصرون بذلك في أقدس الواجبات الوطنية المفروضة عليهم؟


وفي القرى جهل وخرافة، فكثير من أبناء الريف لا يفقه ما يلقى إليه، فضلاً عن أن يستطيع هو أن يبين عما يريد، وهم لا يعلمون شيئًا من أمر دينهم فلا يحسنون صلاةً ولا طهارةً ولا يؤدون عبادةً على وجهها، وكم كان مؤلمًا منظر المدارس الإلزامية وهي إما خالية من الطلبة إلا قليلاً، وإما مثال واضح لما عليه أطفال الريف من شقاء وبؤس، ومع هذا ترى كثيرًا من علماء الدين وأئمته والمتفقهين فيه من الموظفين في المدائن والحواضر ينتهز فرصة إجازته الصيفية فيقضيها في الشواطئ والمصايف يلتمس الراحة من عناء الأعمال، ولستُ أدرى أية أعمال هذه التي أرهقته وهو يعمل وقتًا محدودًا، وينعم بما شاء في المدينة من المناعم والمتع، أوليس من حق هذا الريفي عليه أن يُفقهه في دينه، ويرشده إلى سواء السبيل، أوليس من الظلم أن يبالغ هذا الموظف في المتعة على حين أن يبالغ ذلك الريفي في الشقاء وهما أبناء وطن واحد وبلد واحد؟


الريفي غر(38) بسيط لا يعرف حق نفسه، ولا حق أمته، ولا حق وطنه، ولا يعلم شيئًا عن الشئون العامة لبلاده، فضلاً عن الشئون العامة خارج هذه البلاد، ومن حقه على المتعلمين أن يفقهوه في ذلك كله، وألا يدعوه أسير الجهل والخرافة، ومن مصلحة زعماء الأمة أن يقودوا أمة تعلم ما لها وما عليها من أن يقودوا أمة كل علمها أن تنطق بأسماء هؤلاء الزعماء.


ما أشبه أمة الريف في مصر بطفلٍ طيب القلب زكي الفؤاد حسن الاستعداد أضاعه أبوه وأهملته أمه وتركته أسرته للكوارث والحادثات.


أيها الوزراء والزعماء والمصلحون والمتعلمون، حقوق هذا الريف وديعة في أيديكم وتبعة في أعناقكم تحاسبون عليها حسابًا عسيرًا بين يدي الله، وأمام التاريخ، فأريحوا أنفسكم، وأسعدوا ضمائركم بأداء هذه الحقوق قبل أن تُفكروا في إراحة الأجسام بنسيم الشواطئ وهواء البحر العليل وشمس (البلاج) المشرقة، ووداعًا أيها الريف ممن يود أن لو استطاع إسعادك ولو كلفه ذلك الحياة.


بعد ذلك تكلم الإمام البنا عن موضوع ( تحديد النسل )، فماذا قال فيه؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.


المراجع

(1 ) سدر فلان في البلاد، أي ذهب فلم يثنه شيء. [المعجم الوجيز، ص(306)].

(2) في الأصل: بلاد.

(3) أي: الغش. [المعجم الوجيز، ص(289)].

(4) البهائية هي الوريث للبابية التي أنشأها على محمد رضا الشيرازى والذى ادعى أنه رسول الله والباب الموصول إلى الحقيقة الإلهية، ثم زاد عليها أن ادعى حلول الإله في شخصه حلولاً ماديًّا وجسمانيًّا، وقد تم إلقاء القبض عليه وإعدامه مع بعض من أتباعه بعد أن أوصى بخلافته ليحيى على الملقب بالأزل.. ولكن شقيقه حسين البهاء نازعه الرسالة والألوهية، واستمرت دعوة البهاء أو بهاء الله في الانتشار تحت مسمى البهائية، وقد قتله بعض الأزليين في عكا ليتولى بعده الدعوى ولده عباس أفندى الملقب بعبد البهاء!! والذى أضفى على أبيه صفة جديدة وهي الربوبية القادرة على الخلق.

قام عبد البهاء بمجموعة من السفريات زار فيها لندن وأمريكا ولندن والمجر والنمسا وحيفا وزار سويسرا وحضر مؤتمرات الصهيونية، وكرمته إنجلترا ومنحته لقب سير.


وفي عام 1921 هلك عبد البهاء في القاهرة وتولى بعده حفيده شوفى أفندي زمام الأمور لمدة 42 عاما أعد فيها لانتخاب ما أسماه بيت العدالة الدولى حتى نجح في إنشائه ليتولى رئاستها يهودي صهيوني اسمه ميسون بعد شخص اسمه فرناندوسانت!!

(5) كلمة غير واضحة في الأصل، ورسمها قريب من كلمة "بين".

(6) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (2)، السنة الثانية، 26محرم 1353ه/ 11مايو 1934م، ص(24-25)، والقمص سرجيوس معروف في تاريخ ثورة 1919، أصدر صحيفة "المنارة المرقسية"، ثم "المنارة المصرية".

(7) القسوس (والقمامصة): هم الذين يقيمون الصلوات في الكنائس ويتابعون رعاية الشعب المسيحى في حيّهم أو قريتهم، وأكثرهم من المتزوّجين، لكنّ بعضهم أيضًا من الرُهبان.


(8) هو محمد رحمت الله (بالتاء المفتوحة) بن خليل الرحمن الكيرانوى، ويمتد نسبه إلى عثمان بن العفان رضي الله عنه، ولد في غرة جمادى الأولى سنة 1233ه- التاسع من مارس سنة 1818م. ظهر نبوغه وتفوقه في العلوم الشرعية. ولما ازداد النفوذ التنصيرى في الهند شغله عن مواصلة التدريس في مدرسته فتفرغ للتأليف والرد على المنصرين، وقد ألف في ذلك مؤلفات كثيرة، قاد الثورة ضد الإنجليز، ثم هرب من وجههم إلى مكة المكرمة سنة 1278ه، ودرس بالحرم الشريف، وقد سافر إلى القسطنطينية، وقد طلب منه السلطان عبد العزيز خان تأليف كتاب في الرد على النصرانية فألف كتابه (إظهار الحق)، توفى الشيخ رحمت الله الهندى في مكة المكرمة ليلة الجمعة 22 من شهر رمضان المبارك عام 1308ه ودفن في المعلاة مقبرة مكة المكرمة بالقرب من أم المؤمنين السيدة خديجة- رضي الله عنها-، عن عمرٍ يُقارب خمسًا وسبعين سنة.

(9) أي: المؤذي.

(10) ذكر المؤلف في الباب الرابع في مقدمة ص(210) من الجزء الأول من الطبعة المذكورة عدة آيات من التوراة والإنجيل تثبت استعمال المجاز بكثرة في التوراة والإنجيل في هذه اللفظة وغيرها فليراجعه من شاء.

(11) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (14)، السنة الثانية، 28ربيع الثاني 1353ه/ 10أغسطس 1934م، ص(28-29).

(12) وردت كنيته في الأعلام "أبو الحسين".

(13) ابن جُبَير [540-614ه/ 1145-1217م]: محمد بن أحمد بن جبير الكنانى الأندلسى أبو الحسين. رحالة أديب ولد في بلنسية، ونزل بشاطبة، وبرع في الأدب، ونظم الشعر الرقيق، وحذق الإقراء، وأولع بالترحل والتنقل فزار المشرق ثلاث مرات إحداهما سنة 578-581ه‍، وهى التي ألف فيها كتاب (رحلة ابن جبير -ط). ومات بالإسكندرية في رحلته الثالثة. وقيل: إنه لم يصنف كتاب رحلته وإنما قيد معانى ما تضمنته فتولى ترتيبها بعض الآخذين عنه. له (نظم الجمان في التشكى من إخوان الزمان)، (نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرن الصالح)، يرثى به زوجته أم المجد. [الأعلام، (5/320)].

(14) اجترأ فلان على فلان، إذا أقدم عليه، اجتراءً، والاسم الجُرأة والجَراءة، ويمكن أن يكون الجَراءة مصدراً. [جمهرة اللغة، مادة (جرو)].

(15) زيادة من عندنا يقتضيها السياق.

(16) قامَرَ الرجلَ مُقامَرَةً وقِماراً: راهنه، وهو التقامرُ. والقِمارُ: المُقامَرَةُ. وتَقَامَرُوا: لعبوا القِمارَ. وقَمِيرُك: الذي يُقامِرُك؛ عن ابن جنى، وجمعه أَقْمارٌ؛ عنه أَيضاً، وهو شاذ كنصير وأَنصارٍ، وقد قَمَره يَقْمِرُه قَمْراً. وفى حديث أَبى هريرة: من قال تَعالَ أُقامِرْكَ فلْيَتَصَدَّق بقَدْرِ ما أَراد أَن يجعله خَطَراً في القِمار. الجوهرى: قَمَرْتُ الرجل أَقْمِرُه، بالكسر، قَمْراً إذا لاعبته فيه فغلبته، وقامَرْتُه فَقَمَرْتُه أَقْمُرُه، بالضم، قَمْراً إذا فاخرته فيه فغلبته. وتَقَمَّر الرجلُ: غلب من يُقامِرُه. [اللسان، مادة (قمر)].

(17) أى: ينشغل عنهم الذين يراقبونهم.

(18) موت زُؤامٌ: عاجل، وقيل: سريع مُجْهِزٌ، وقيل: كَريه، وهو أَصح. [اللسان، مادة (زأم)].

(19) السِبْطُ: واحد الأسْباطِ، وهم وَلَدُ الوَلَدِ. ابن سيده: السِّبْطُ ولد الابن والابنة. وفى الحديث: الحسَنُ والحُسَينُ سِبْطا رسولِ اللّهصلى الله عليه وسلم ورضى عنهما، ومعناه أَى طائفتانِ وقِطْعتان منه، وقيل: الأَسباط خاصة الأَولاد، وقيل: أَولاد الأَولاد، وقيل: أَولاد البنات. [الصحاح واللسان، مادة (سبط)].

(20) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (33)، السنة الثانية، 13رمضان 1353ه 20ديسمبر 1934م، ص(11-13).

(21) خَتَلَهُ وخاتَلَهُ، أى: خدعَه. والتَخاتُلُ: التَخادُعُ. [الصحاح، مادة (ختل)].

(22) هذا البيت من الأبيات التي كان كثيرًا ما يتمثل بها الحسن البصرى، وهو من أوجعها عنده.

(23) اللُّبانة: ما يطلبه المرء عن رغبة وشهوة. [المعجم الوجيز، ص(550)].

(24) الحِبالة: التي يصاد بها، وجمعها حَبائل، قال: ويكنى بها عن الموت. [اللسان، مادة (حبل)].

(25) وَبُلَ المرتَعُ بالضم وَبْلاً ووَبالاً، فهو وبِيلٌ، أى: وخيمٌ لا يستمرأ كلؤه. [الصحاح واللسان، مادة (وبل، وخم)].

(26) أى: الشديد.

(27) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (19)، السنة الثالثة، 21جمادى الأولى 1354ه/ 20أغسطس 1935م، ص(3-4).

(28) النَيْفُ: الزيادةُ، يخفف ويشدّد. ونَيَّفَ فلانٌ عل السبعين، أى زاد. [الصحاح، مادة (نيف)].

(29) البيتان من الوافر من قصيدته التي مطلعها: فُؤادٌ ما تُسَلّيهِ المُدامُ وَعُمرٌ مِثلُ ما تَهَبُ اللِئامُ

(30) اللَّجَبُ: الصَّوْتُ والصِّياحُ والجَلَبة، تقول: لَجِبَ، بالكسر. واللَّجَبُ: ارتفاعُ الأَصواتِ واخْتِلاطُها. [اللسان، مادة (لجب)].

(31) في الأصل (ليستردوا) والمعنى معها مضطرب.

(32) فيينا هى عاصمة النمسا، وأكبر مدنها.

(33) مدينة أوروبية تقع على مسافة حوالى 120 كم غرب مدينة براغ عاصمة جمهورية التشيك، وقد عقد فيها مؤتمر صهيونى سنة 1921م.

(34) سَوِيق قَفَارٌ: غير ملتوت. وخبز قَفَارٌ: غير مَأْدُوم. وقَفِرَ الطعامُ قَفَراً: صار قَفَاراً. وأَقْفَر الرجلُ: أَكل طعامَه بلا أُدْم. وأَكل خُبزَه قَفاراً: بغير أُدْم. [اللسان، مادة (قفر)]. وفى هذا إشارة إلى ما قالته مارى أنطوانت ملكة فرنسا عندما قيل لها: إن الشعب لا يجد الخبز. فقالت: عليه أن يأكل الجاتوه أو البسكويت.

(35) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (21)، السنة الثالثة، 4جمادى الثانية 1354ه/ 3سبتمبر 1935م، ص(3-4).

(36) أى: مجروحة.

(37) كان قصير هذا وزيرًا لملك من ملوك العرب يدعى "جذيمة الأبرش"، وأراد هذا الملك أن يتقدم لخطبة ملكة تدعى الزباء، فلم ير قصير هذا خيرًا في هذا الأمر ونصح به جذيمة، ولكنه لم يستمع لنصيحته فقال عندها: لا يطاع لقصير رأى، فصارت مثلاً.

(38) رجلٌ غِرٌّ بالكسر وغَريرٌ، أي: غير مجرِّب. [الصحاح، مادة (غرر)].


للمزيد عن دور الإخوان في الإصلاح

كتب متعلقة

من رسائل الإمام حسن البنا

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

الإصلاح السياسي:

الإصلاح الإجتماعي ومحاربة الفساد:

تابع مقالات متعلقة

رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة

قضايا المرأة والأسرة:

الإخوان وإصلاح التعليم:

موقف الإخوان من الوطنية:

متفرقات:

أحداث في صور

.


للمزيد عن الإمام حسن البنا

Banna banner.jpg