الإمام البنا ورحلات الإخوان للحج

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٣٦، ١٠ فبراير ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإمام البنا ورحلات الإخوان للحج


مقدمة

الإمامحسن البنا وسط إخوانه في رحلة الحج

الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد حرص الإخوان المسلمون على تشجيع المسلمين على أدائه، والاستعداد له في المستقبل إن لم يتيسَّر للمسلم في الوقت الحاضر.

وقد وجَّه مكتب الإرشاد نداءً إلى الإخوان المسلمين بصفة خاصة والمسلمين بصفة عامة لأداء فريضة الحج، واعتبره من العهد الأساسي الذي بايع الإخوان عليه، وأن من يتركه مع القدرة عليه يعتبر ناكثًا للعهد، ويُسأل أمام الله عز وجل يوم القيامة عن تقصيره في الواجب والإخلال بشروط العهد، ومن لم يستطع الآن فليتجهَّز له في المستقبل ويدَّخر من أمواله ما تيسَّر حتى يستطيع أداءه في المستقبل.

ولقد اعتمد مجلس الشورى العام الثالث للإخوان المسلمين المنعقد في القاهرة بتاريخ 12 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 17 من مارس 1935م، لائحة الحج، والتي تحث الأخ المسلم على التجهُّز لأداء فريضة الحج في حدود استطاعته، وأن تكون في كل منطقة لجنة فرعية تسمى (لجنة الدعاية للحج).

ولقد حرص الإمام البنا على الخروج في رحلات الحج بهدف أداء فريضة الحج والدعوة إلى والعمل على توحيد صفوف المجتمعات الإسلامية.


أولاً: رحلة الحج عام 1936م

حرص الإمام البنا على أداء فريضة الحج، ودعا الإخوان إلى أدائها سنة 1354هـ/ 1936م، فلبَّى دعوته على الفور مائة من الإخوان المسلمين؛ كان منهم ثماني عشرة امرأة، وأعلن مكتب الإرشاد أن الإمام البنا سيغادر القاهرة يوم الأحد ظهرًا، وقد اهتمت جريدة أم القرى (كبرى الجرائد السعودية) في عددها الصادر يوم 14 مارس 1936م بحج الإمام البنا وصحبه، فنشرت تحت عنوان: "على الرحب والسعة" تقول: "وصل على الباخرة كوثر التي أقلَّت الفوج الأخير من الحُجَّاج المصريين كثيرٌ من الشخصيات المصرية المحترمة لم تسعفنا الظروف بالتعرف إليهم إلا بعد صدور العدد الماضي، وإنا نذكر منهم الأستاذ الكبير حسن البنا المرشد العام لجمعية الإخوان المسلمين ومدرس بالحكومة المصرية، والشيخ حامد عسكرية واعظ مركز شبين الكوم ومن علماء الأزهر، والشيخ عبد الله سليم بدوي رئيس مدرسة أولية ونائب الإخوان المسلمين بأبي صوير، وإبراهيم يوسف أفندي ، وأحمد محمد عطية أفندي وهما من المدرسين بالحكومة المصرية، ومحمد أفندي سالم كاتب بمصلحة الري بالقناطر الخيرية، والحاج محمد إبراهيم مندوب الإخوان المسلمين بالمرج، والحاج محمد الخضراوي مقاول بالقاهرة، ولبيب سيد أحمد أفندي كاتب أول مركز طوخ، وعلي أفندي صالح بمستشفى الرمد بمصر، وجميع هؤلاء أعضاء في جمعية الإخوان المسلمين.

وقدم على الباخرة كوثر أيضًا الأستاذ عبد الوهاب خضير أفندي صاحب مطبعة ومكتبة خضير المشهورة في القاهرة، والسيدة لبيبة أحمد صاحبة مجلة النهضة النسائية، وقدم من الهند الأستاذ الفاضل أبو حمد حافظ عبد الله مدير جريدة تنظيم أهل الحديث، فنرحِّب بهم جميعًا".

وقد أدَّى الإمام الشهيد وإخوانه مناسك الحج وقاموا بالالتقاء بالوفود الإسلامية المختلفة والتعرف عليهم ومعرفة أحوالهم ومناقشة مشاكلهم ومدى تسلط الاستعمار عليهم، بالإضافة إلى قيامهم بالوعظ والإرشاد متى أتيحت لهم الفرصة والمشاركة في الأنشطة المختلفة التي كانت تُقام أثناء الحج؛ فقد قاموا بالمشاركة في الندوة الأدبية التي أقامها الشباب العربي السعودي في "أوتيل" مكة.

وبعد انتهاء مراسم الحج دعا الشبابُ العربي السعودي إلى حضور حفله السنوي المقام بمنى الشخصياتِ البارزةَ من الحُجَّاج ورؤساء البعثات من الأقطار المختلفة، وكان حاضرًا عن مصر الدكتور محمد حسين هيكل؛ وكان ذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة، وقد بدأ الاحتفال في الموعد المحدد في الساعة الثالثة بعد الظهر، وتبارى فيه الخطباء والمدعوون، وكان مسك الختام خطابًا للإمام الشهيد حسن البنا، والذي استمر ساعة كاملة قوطع بالتصفيق الحاد عدة مرات، وقد انتهى الاحتفال في الساعة السادسة مساءً.

وقد جاء في كلمة الإمام البنا: "أيها الإخوان الكرام.. تحية الإسلام مباركةً طيبةً؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

فلست بالخطيب الرسمي في حفلكم هذا الميمون، وها أنتم ترونني بينكم بملابس المناسك، وإنما هي سنة مباركة استنَّها الشباب العربي السعودي وفَّقه الله وأيَّده، له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ سنة دعوة الحجيج إلى التعارف والتآلف وتبادل الآراء والأفكار فيما فيه صلاح الحجاز، الوطن الإسلامي المقدس أولاً وما فيه سعادة الأقطار الإسلامية ثانيًا، وإذا كان الشاعر العربي الأول قد قال:

تمام الحج أن تقف المطايا
على خرقاء واضعة اللثام

فإننا نعتبر من تمام مناسكنا أن نقف على مثل هذا الحفل المبارك فنتعرف إلى إخواننا ويتعرَّفون إلينا، وشتان ما بين موقف هوى في الله والإسلام وموقف هوى خرقاء واضعة اللثام!، والله خير وأبقى، وذلك ما دعاني إلى أن أدعوَ نفسي إلى هذا الحفل ثم إلى التكلم إليكم فيه نزولاً على ما أثارته خطاباتكم البارعة من شجنٍ كامنٍ في النفس وهوى لاصق بالفؤاد".

وكتب الأخ عباس أحمد شلبي قصيدة في وداع الإمام الشهيد؛ جاء فيها:

وإذا وصلت ديار مكة والحمى

وبلغت من آمالك المنشودا

فاحرم، ولبِّ، وطُفْ، وَأَدِّ مناسكًا

جرَّدت نفسك دونها تجريدًا

واحمل إلى مهد النبوة، والهدى

عنا حنينًا لا يزال جديدًا

والثم- فَدَيْتُكُ- أي ترب طيب

ضم الشفيع المصطفى المحمودا

وتعالَ حدِّثنا عن الأثر الذي

ما زال عندك طيبًا محمودًا

حدِّث عن الأسفار كيف قطعتها

لا خائفًا وجلاً، ولا مكدودًا

وعن الأباطح: كيف أم سَألت

بالحجيج ومهَّدت عقيانها تمهيدًا

وعن المشاعر، والحطيم، وزمزم

أفلا يزال معينها مورودًا

وعن الوقوف وكيف تستبق الخطى

فيه، وتنهمر السيول وفودًا

والكل يهتف داعيًا وملبِّيًا

فتخرّ أملاك السماء سجودًا


ثانيًا: رحلة الحج عام 1945م

بعد إقرار لائحة الحج الجديدة في عام 1944م؛ قرَّر الإخوان أن يوفدوا بعثةً رسميةً إلى الأقطار الحجازية للحج؛ تمثِّلهم وتدعو لفكرتهم، وتوثِّق الصلات بينهم وبين الزعماء العرب والمسلمين، وكانت المفاجأة السارَّة أن أعلن الإمام البنا أنه سيقوم بأداء فريضة الحج هذا العام؛ الأمر الذي بث الروح في نفوس كثيرٍ من الإخوان، وتقدَّموا لتأدية هذه الفريضة الجليلة مع مرشدهم للاستزادة من علمه والجلوس معه، وقد تألَّفت البعثة الرسمية للإخوان هذا العام من فضيلة الإمام المرشد العام الأستاذ حسن البنا رئيسًا، والأستاذ حسين عبد الرازق وكيلاً، والأستاذ أحمد عطية أمينًا للصندوق، والأستاذ مصطفى عشماوي مراقبًا، والأستاذ صالح قدور سكرتيرًا، والدكتور محمد أحمد سليمان، والأستاذ عبد الله الصولي من الإسماعيلية، والأستاذ محمد السيد العيسوي، والأستاذ أنور الجندي من أبو تيج، وغيرهم الكثير من الإخوان.

وقد خرج مع هذه البعثة الرسمية عددٌ من الإخوان من كافة أنحاء القطر المصري رجالاً ونساءً؛ مثل الحاجة زينب الغزالي.

وقبيل سفر الرحلة كتب الإمام البنا كلمةً إلى وفد الله وحُجَّاج بيته: "أيها الأخ الكريم.. إن كنت ممن سمعوا هذا النداء فأجابوا الدعاء وقُدَّر لهم أن يكونوا في وفد الله تبارك وتعالى؛ فاعلم أنها غرة السعادة، وفاتحة الخير كله، وعنوان رضوان الله؛ فما دعاك إلا وهو يحبك، وما ناداك إلا ليمنحك، ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 268).

فهنِّئ نفسك بهذا الفضل المبين، وتقبَّل منا تهنئة الإخوان المحبِّين، واذكرنا بصالح الدعوات في تلك الأوقات الكريمة والأماكن المشرفة".

وقد تحرَّكت هذه البعثة يوم الخميس 3 من ذي الحجة 1364هـ الموافق 8 من نوفمبر 1945م، وانطلقت عبر الباخرة "قنديلا"، وكان على ظهر السفينة مع بعثة الإخوان بعثة جامعة فؤاد الأول، وجامعة فاروق الأول، ووزير الخارجية عبد الحميد بدوي، وصالح حرب باشا رئيس جمعية الشبان المسلمين، ومحمد العشماوي بك، وهدى شعراوي، وكثير غيرهم، وما إن بدأت الباخرة "قنديلا" تخترق بهم غمار البحر؛ حتى قام الإمام البنا يطوف بالراكبين مسلِّمًا ومهنِّئًا ومشجِّعًا، وعند المغرب كانت بعثة الإخوان قد أعدَّت مكبِّرات الصوت في أرجاء الباخرة؛ فإذا ما كان الغروب أذَّن مؤذِّن الإخوان بالصلاة، وأمَّ فضيلة المرشد جموع المصلين، وقد حرص الجميع على ألا تفوتهم صلاة الجماعة، ثم طلبوا كلمة الإخوان؛ فألقاها الأخ الكريم محمد الطاهر منير عضو البعثة الإخوانية وعقَّب عليه فضيلة الشيخ مبارك واعظ الباخرة، مشيدًا بدعوة الإخوان المسلمين، ومهنِّئًا قائدها ومرشدها بما يلاقيه من توفيق الله وحب الناس.

وقد مضى الإمام البنا باقيَ وقته؛ إما قارئًا في مصحفه، أو مذاكرًا في مسائل الفقه والمناسك، أو مفصِّلاً للناس فيما يسألون، أو متحدِّثًا إلى الحجاج في كل مكان بالباخرة، وبعد صلاة الفجر جلس المصلُّون يستمعون إلى الإمام المرشد ؛ يحدثهم في مناسك الحج وتوجيهاته، وقبيل المغرب والباخرة جادة في سيرها بدأ الركب يتأهَّب للإحرام؛ حتى لا يمسيَ المساء على أحد إلا وهو محرم يلبِّي، فما إن غربت الشمس وصلَّى المسافرون المغرب والعشاء حتى ارتفعت من جنبات الباخرة أصوات التلبية من الحُجَّاج جميعهم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".

ثم تحدث فضيلة الأستاذ المرشد إلى الناس عن الوقت الذي هو الحياة، وبيَّن كيف أننا نورده من العمر على أقساط؛ فكل شهر ينتهي نكون قد قدمنا قسطًا من الحياة، وهكذا نستنفد حياتنا ونحن غافلون؛ فيجب أن ينتهزوا هذه الفرصة للتوبة والإلحاح في الدعاء، ثم دعا فضيلة الشيخ حافظ التيجاني، فألقى كلمةً أمام المذياع عن التصوف ودرجاته وصوره، ثم تلته السيدة زينب الغزالي، فتحدثت إلى السيدات باسم الأخوات المسلمات .

وفي يوم السبت 5 من ذي الحجة وصلت البعثة إلى جدة، ثم رأى الإخوان ألا يدخلوا مكة ليلاً كسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمال ركبهم إلى جرول بجوار بئر ذي طوى، فناموا وفي الصباح استيقظوا فصلوا ودخلوا مكة مُكبِّرين ومُهلِّلين، ولما انتهوا من طواف القدوم والمروة والأشواط السبعة بين الصفا والصلاة عند مقام إبراهيم والشرب من زمزم حلقوا وقصَّروا، وبذلك تحلَّلوا تحلُّل المتعة إلى يوم التروية، فآووا إلى دارهم ليستريحوا.

وفي يوم الإثنين 7 من ذي الحجة قضى الإخوان هذا اليوم بين تكبير وتهليل وتحميد وتلبية، وفي منزل الضيافة توالت الوفود منذ الصباح على بعثة الإخوان من مختلف الأقطار للترحيب بالإمام المرشد والجلوس معه؛ فأخ تركي يتحدَّث عن حال شباب تركيا الذي أصبح لا يجيد العربية ولا يتكلمها، مطالبًا العرب والمسلمين بجهد في إحياء العربية بتركيا، وآخر سوداني يُعاتب على المصريين تقصيرهم في زيارة السودان الشطر الجنوبي لمصر، وثالث سنغالي يجد صعوبةً في التفاهم والتواصل مع باقي العرب، ورابع هندي يدعو إلى أن تكون لغة القرآن هي لغة التفاهم في المجتمع الإسلامي كله؛ حتى لا يلجأ المسلمون إلى التفاهم مع بعضهم بلغات أخرى.

ثم وقف الإخوان بمنى ثم عرفات، ويوم السبت 12 من ذي الحجة، وكان معتادًا في أيام التشريق أن يقام مؤتمر سنوي للحجيج من مختلف الأقطار والهيئات في منى، وقد ناب الإخوان عن الهيئات المصرية في إقامة المؤتمر هذا العام، وافتُتح المؤتمر بآي الذكر الحكيم، ثم تكلم الأخ الطاهر منير مسئول إخوان السويس ؛ فصوَّر الدعوة الأولى وهي تخرج من مكة وتتلقَّاها قريش بالنكر والاضطهاد، وكيف شرح الله لها الصدور، وأذن بالهجرة، فذاعت مبادئ الخير والحق والعدل على العالم كله، وتحطَّمت أمامها قوى الظلم الرابض في دولتي فارس والروم.

وتحدَّث عن فلسطين السيد نمر الخطيب رئيس جماعة الاعتصام؛ حيث أشار إلى أن قضية فلسطين ينبغي أن تشغل جماعة الإخوان المسلمين وتفكيرهم؛ لأن بها المسجد الأقصي مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأشار إلى نضال أهل فلسطين أمام الإنجليز واليهود، كما استصرخ المسلمين أن يهبُّوا لنصرة فلسطين قبل فوات الأوان.

ثم تكلم الإمام البنا- وقد سبق ذكر كلمته في مقال سابق- واستمرَّت بعثة الإخوان بمكة حتى مساء الإثنين 21 من ذي الحجة؛ حيث طافت بعثة الإخوان بالكعبة المشرَّفة طواف الوداع بدموعٍ منهمرةٍ لفراق البيت الحرام والبلد الحرام، سائلين الله العودة.

ثم ركبت البعثة السيارة إلى جدة لتتجه منها إلى المدينة المنورة مع استراحات قصيرة في الطريق، حتى وصلت المدينة المنورة في صباح الخميس 24 من ذي الحجة؛ حيث زار الإمام البنا والبعثة كل مكان فيها؛ فقد زار الركب جبل أحد، وتذكَّروا دروس الغزوة، ثم خرجت البعثة قاصدةً مسجد قباء، ثم ذهبوا إلى مسجد القبلتين، ورأوا في طريق عودتهم من أُحد موقع الخندق، وآثار بني النضير والعقيق وبساتين المدينة، وشربوا من بئر الخاتم.

ولقد أقامت البعثة في المدينة المنورة عدة حفلات، كان لها صوت مسموع وأثر بارز في وحدة الفكر والعمل لدى العديد من قادة البلاد العربية والإسلامية، وقد أقاموا إحدى هذه الحفلات بدار الضيافة التي يقيمون بها بمناسبة عيد الهجرة ليلتي 27، 28 من ذي الحجة، وحضر هذا الحفل وفودٌ من الهند واليمن والمغرب والشام ومصر وغيرها من البلدان؛ منهم من عَرف دعوة الإخوان من قبلُ، ومنهم من عرفها في موسم الحج.

وبعد هذه الحفلة بدأ الإخوان يودِّعون بلد رسول الله ومجمع تاريخ الرعيل الأول؛ استعدادًا للعودة إلى مصر بين دعواتٍ بالقبول ورجاء بالعودة.

وفي يوم الجمعة 2 من المحرم 1365هـ بعد أن أدَّت البعثة صلاة الجمعة بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم غادرتها إلى جدة؛ لتعود منها إلى مصر، وقد وصلت جدة بعد ظهر السبت 3 من المحرم، ثم ركبت الباخرة "قنديلا" صباح الأحد 4 من المحرم.

وقد وصلت البعثة الطور بجنوب سيناء صباح الثلاثاء 6 من المحرم من السنة نفسها، ونزلت بها للاستجمام والراحة من عناء السفر، وقد أقامت البعثة في الطور حتى ظهر الجمعة 9 من المحرم عندما ركبت البعثة الباخرة التي تحرَّكت بهم عصر نفس اليوم لتصل السويس صباح السبت 10 من المحرم، ثم منها إلى القاهرة ظهر اليوم نفسه.


ثالثًا: رحلة الحج عام 1946م

خرجت بعثة الحج في يوم 4 من ذي الحجة 1365هـ الموافق 29 من أكتوبر 1946م، ولقد احتشدت جموع كثيرة من الإخوان لتوديع الأستاذ والمرشد والبعثة المصاحبة له، ولقد وصلت البعثة إلى جدة يوم 6 من ذي الحجة 1365هـ، الموافق 30 أكتوبر 1946م، ولقد واجهت الحُجَّاج بعض الصعوبات عند الوصول، مثل قلة السيارات، كما أن الحكومة السعودية أعلنت أن يوم عرفة يوم السبت وليس يوم الأحد كما ثبت في مصر.

وفي هذه الرحلة وجَّه الملك عبد العزيز آل سعود دعوةً خاصةً إلى بعثة الإخوان المسلمين ثاني أيام العيد، فأحسن رفادتهم هو وأبناؤه الأمراء، وتحدَّث الملك مع الإمام البنا حول قضية فلسطين وكيفية حلها؛ فقال له الإمام البنا إنه لا يفضِّل تدخل الدول العربية بجيوش منظَّمة، بل يجب مساعدة القبائل الفلسطينية في حرب العصابات وإمدادهم بالسلاح، وقد سُرَّ الملك بذلك الرأي، كما أقام أخو الملك مأدبة عشاء للإخوان، وقد لبَّت البعثة الدعوة، أقامت بعثة الحج للإخوان المسلمين حفل شاي في فندق بنك مصر بمكة المكرمة؛ حضره الأمراء وكبار رجال الحكومة والحُجَّاج البارزون من مختلف البلاد؛ خطب فيها الإمام البنا.

ثم توجهت بعثة الإخوان إلى المدينة المنورة بعد قضاء مناسك الحج في مكة، وقد استقلَّت السيارات، وكان ضمن هذه الرحلة والد الأستاذ البنا الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، ورغم وعورة الطريق وسوء السيارات كان الإمام البنا يترنَّم ببعض الأناشيد:

تعالوا بنا نصطلح
شباب الرضا قد فتح

ومن المواقف أنه حدث- والبعثة في المدينة- أن قام جماعةٌ من أهل البوادي يشكون الجفاف وقلة المطر لمدة طويلة، فطلبوا من الإخوان أن يصلُّوا صلاة الاستسقاء قبل رحيلهم، وكان الإخوان يُعِدُّون العُدَّة للسفر، فصلَّى الإخوان ودعوا الله أن ينزل المطر، وبعدها تحرَّكت البعثة، وفي اليوم الثاني انقطع الطريق لمدة أسبوع بين جدة والمدينة بسبب السيول الجارفة التي انهمرت على البلاد.

وقد عاد الأستاذ البنا وصحبه، ووصل محجر الطور يوم 10 محرم 1366هـ الموافق 4/12/1946م، فنزلوا في المكان المخصص لهم، وتصادف أن كان وزير الصحة يتفقَّد الحجاج، فذهب في المساء إلى حيث ينزل الأستاذ البنا؛ فحيَّاه وتمنَّى له عودًا حميدًا وصحةً جيدةً، فشكره الأستاذ البنا على ذلك.

وفي السويس اصطحب الإخوان لتحية الأستاذ البنا وصحبه، إلا أن البوليس والجيش حوَّلوا الميناء إلى ثكنة عسكرية حتى يمنعوا الأستاذ البنا من الالتحام بالجماهير الموجودة من الإخوان، وصعد قائد حصار الميناء إلى الباخرة، وأبلغ الأستاذ البنا أنه يجب عليه عدم النزول للسويس، ويجب السفر إلى القاهرة فورًا، وبعد الساعة التاسعة كانت في انتظاره عربة على الرصيف؛ حيث استقلَّها الأستاذ البنا وخرجت من طريق غير الطريق المعتاد وأمامها أحد الكونستبلات على موتوسيكل ليدلي السائق وخلف العربة لوريات من رجال البوليس ببنادقهم حتى خرج الأستاذ البنا من السويس، كما عسكر البوليس أمام دار المركز العام للإخوان بالحلمية الجديدة لمنع التجمهر، ووصل الركب وكان في استقباله أعضاء مكتب الإرشاد وقليل من الإخوان!.


رابعًا: رحلة الحج عام 1948م

كانت بعثة الحج لهذا العام أكبر بعثةٍ للإخوان سافرت للحج، وكانت آخر رحلات الإمام البنا، وبعدها تعرَّضت الجماعة للمؤامرات، وانتهت بحلّها واعتقال رجالها، ولقد سافر الإمام البنا بالطائرة في هذه الرحلة، وقد كان على رأس البعثة الإخوانية الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي، وبعدما وصلوا وأدُّوا مناسك الحج دعا الإمام البنا إلى مؤتمر إسلامي لأمراء الحج، كما وُجِّهت الدعوة إلى الأمراء والوزراء السعوديين، وكان اجتماعًا كبيرًا؛ حيث تحدَّث فيه الإمام البنا وقال: "أيها المسلمون الكرام.. إخواني..

إني أشعر بأن جمعنا هذا يباركه الله رب العالمين، وتحضره الملائكة، لا.. بل يباركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، المشرِّع الأعظم الذي جاء على فترةٍ من الرسل لهداية الناس إلى حظيرة رب العالمين..

أيها الإخوان.. إننا في هذا البلد الحرام، وأمام بيت الله الحرام، وزمزم، ومقام إبراهيم؛ نعاهد الله عهدًا وثيقًا على أننا سنحمل عبء الجهاد والتضحية في سبيل اعتناق مبادئ الإسلام السامية، وتعاليمه الحكيمة، وسنحارب بعون الله جميع البدع والخرافات الدخيلة على ديننا السليم المبني على التوحيد الصحيح.. تلكم الفكرة السليمة التي من ذاق طعمها ذاق حلاوة الإيمان، وكان عند الله من المقبولين..

أيها الإخوان.. هل تدركون لماذا تأخرنا عن أسلافنا؟ إنه جواب واحد لا ثاني له؛ ألا وهو عدولنا عن طريق القرآن والعمل بكل ما جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام"، ثم ارتفع صوته قائلاً بعبارة مؤثرة بليغة: "اعلموا أن سعادة المسلمين لا تتحقَّق ولا تكون إلا بجعلهم القرآن الكريم دستورَهم وقانونَهم.. احملوها عني كلمةً: إن الله لا ينصر القوم الفاسقين الذين هجروا دينهم وسلكوا طريق الشيطان الرجيم، ويوم أن نعود إلى حظيرة القرآن والسنة المطهرة.. يوم أن نرى نصر الله ماثلاً أمام أعيننا؛ لأنه وعد من الله، ووعد الله صادق لا يتخلَّف.. اقرءوا قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)".

ثم خنقته العبرات؛ فقال بصوت متهدج: "اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد".

وهنا وجلت القلوب وانسابت العبرات، وانفضَّ الاجتماع على التمسك بهذا العهد.

انتقل الإمام مع البعثة إلى المدينة حيث المسجد النبوي؛ حيث زار قبر الرسول الكريم وصحبه، ولقد تعرَّض الإمام البنا لمضايقات ومحاولات قتل في هذه الرحلة، غير أن السلطات السعودية عيَّنت له حارسًا، ولقد عاد من هذه الرحلة يوم الخميس الموافق 23 من المحرم 1368هـ، 24/11/1948م، فعاد فوجد الجماعة قد دخلت طور المحنة، فلم تَمْضِ أيامٌ حتى صدر قرار بحل شعبتَيْ القنال والإسماعيلية، ثم في 8 ديسمبر 1948م صدر قرار بحل الجماعة ومصادرة أملاكها، وما كادت الأيام تمر حتى استُشهد الإمام البنا أمام جمعية الشبان المسلمين بشارع رمسيس في 12 فبراير 1949م.


المراجع

1-جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، ظروف النشأة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2002م.

2- أنور الجندي: مع بعثة الحج للإخوان المسلمين عام 1364هـ - دار الطباعة والنشر الإسلامية- 1365هـ/ 1946م.

3- البصائر للبحوث والدراسات: مجموعة رسائل الإمام البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.


الإخوان والحج

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

وثائق وأحداث في صور