الإمام البنا ومواجهة الاحتلال الإنجليزى لمصر (1)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإمام البنا ومواجهة الاحتلال الإنجليزى لمصر (1)

بقلم : د. محمد عبدالرحمن ... عضو مكتب الإرشاد

الإحتلال الإنجليزي لمصر

احتل الإنجليز مصر عام 1882، وقد تمكنوا من استيعاب المقاومة ضدهم وأخضعوا المنظومة السياسية لإرادتهم، وسيطروا على عناصرها يتلاعبون بها، وأحدثوا تغييراً اجتماعياً نشأ عنه ارتباط شريحة من المثقفين والرموز السياسية ورجال الأعمال وأصحاب الأراضى بهم وبأفكارهم، وارتبطت مصالحهم بمصالحها.

لكن رغم كل هذا استمرت الروح الوطنية ترفض هذا الاحتلال، وتسعى للاستقلال، وواجه الإنجليز ذلك بدهاء، حيث طرحوا أشكالاً مزيفة للاستقلال المنقوص، وأداروا بمهارة الصراع بين القوى اسياسية المختلفة وقد أمسكوا بخيوطها، وبالتالى تدهورت الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وانتشر الفساد بأشكال مختلفة فى كل هذه المجالات.

كانت محاولات الوطنيين والمصلحين مستمرة تجاهد ما استطاعت، لكنهم لم تكن تحمل مشروعاً متكاملاً للنهوض بالأمة فى كل المجالات، ولم تؤسس واقعاً عملياً يغير المجتمع ويفرض نفسه على أرض الواقع. فكيف واجه الإمام الشهيد حسن البنا ذلك، وما هى المساحة التى حددها لهذا الأمر فى مشروعه الإسلامى للنهضة، بل وكيف استطاع تأسيس دعوته وعين الإنجليز متربصة بكل دعوة وحركة للمقاومة ؟.

وبنظرة سريعة على خطوات ومنهجية الإمام الشهيد فى هذا الميدان، نرى أن هناك خمس سمات أساسية بهذا الشأن:

1. جعل الإمام الشهيد تحرير الوطن من هذا الاحتلال هدفاً رئيسياً من أهداف المشروع الإسلامى وجعله المرتبة الرابعة فى مراتب العمل " وهى تحرير الوطن من كل سلطان أجنبى" وان هذا لابد أن يسبق إقامة الحكم الإسلامى المنشود.

2. أنه ينطلق فى رؤيته تلك من الجانب العقائدى الإيمانى، فأعاد للإسلام دوره الفعال فى النفوس وفى واقع المجتمع، حيث قرر الإسلام أن الحرية فريضة من فرائضه لا يجوز التنازل عنها أو التفريط فيها، وان الجهاد لتحرير الوطن فرض عين وواجب حتمى تسعى الأمة كلها إليه.

3. كان الإمام الشهيد يستهدف نزع جذور الاستعمار الأجنبى من العقول والأفكار ومن النفوس والقلوب، ومن تبعية السلوك والتقليد وادعاءات المصالح والارتباطات، كان يريد تحريراً واستقلالاً كاملاً شاملاً لا يقتصر فقط على مجرد رحيل القوات الأجنبية، ولهذا كان يؤسس مشروعه وخطته لمواجهة الاحتلال وفق هذه الرؤية الشاملة والبعيدة المدى.

4. أن يسير فى خطته الشاملة فى محاور متوازية، تنمو وتتسع مع نمو واتساع الجماعة، فتكون خطواتها متناسبة مع الإمكانيات، وتسير فى اتجاه تحقيق الأهداف وكانت هذه المحاور تشمل:

أ‌- محور تأمين نمو الجماعة وتثبيت جذورها وزيادة تأثيرها وانتشارها مع البعد عن أى صراعات جانبية.

ب‌- محور إعداد أفراد الجماعة وتكوينهم للدور المطلوب منهم.

ت‌- محور توعية الشعب وإعداده وحشده فى الاتجاه المطلوب.

ث‌- محور الضغط السياسى والحراك المجتمعى .

ج‌- محور التدريب العسكرى والإعداد لمعارك التحرير.

5. كما كانت رؤية الإمام أنه لتحقيق ذلك الواجب، لابد أن تنهض وتتعاون قوى الأمة جميعاً لتحقيقه.

- كانت هذه الرؤية واضحة والأهداف محددة منذ اليوم الأول الذى بايع فيه الستة المجاهدون الأوائل الإمام الشهيد لتأسيس الجماعة ومشروعها الإسلامى عام 1928م .

ومن كلمات الإمام الشهيد نذكر هذه المقتطفات : " .. ومن هنا يعتقد الإخوان المسلمون أن كل دولة اعتدت وتعتدى على أوطان الإسلام دولة ظالمة لابد أن تكف عدوانها ولابد أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين على التخلص من نيرها .." رسالة المؤتمر الخامس صـ155)

ولقد تصدى الإمام الشهيد لجرائم الإنجليز ليس فى مصر وحدها وإنما فى كل أنحاء العالم الإسلامى، وكذلك لغيره من قوى الاستعمار: " .. ولنا حساب بعد ذلك مع انجلترا فى الأقاليم الإسلامية التى تحتلها بغير حق، والتى يفرض الإسلام على أهلها وعلينا معهم : أن نعمل لإنقاذها وخلاصها" . ( رسالة المؤتمر الخامس).

" أريد أن أستخلص من هذا أن الوطن الإسلامى واحد لا يتجزأ، وأن العدوان على جزء من أجزائه عدوان عليه كله، هذه واحدة، والثانية ان الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أئمة فى ديارهم، سادة فى أوطانهم"

" وإن قال البعض بأن علاقة مصر بالانجليز كانت علاقة تحالف بناء على معاهدة 1936، فقد رفض الإخوان هذه المعاهدة الظالمة التى لم تعط مصر استقلالها الحقيقى، كما أن الإنجليز لا يزالون يحتلون معظم العالم الإسلامى دون معاهدات أو تحالفات ويديرون المؤامرات لتمكين اليهود من أرض فلسطين .. " .. رسالة المؤتمر الخامس

كان الإمام الشهيد حريصاً أن تكون بداية تأسيس مشروعه من القاعدة الشعبية وليس من الشريحة العليا فى المجتمع، وأن يبعد بها عن إحداث أى ضجيج حول هذا التأسيس حتى لا يلفت الانتباه لذلك.

والذى يقارن بين تأسيس جمعية الشبان المسلمين من العلماء، والمفكرين، وبين تأسيس جماعة الإخوان، ليلمح هذا الأمر بوضوح فكان هذا الرعيل الأول من أصحاب الحرف البسيطة، ومن حملة الشهادات المتوسطة، لكن من ذوى الهمة العالية، والاستعداد الكامل للتضحية والفهم الصحيح، ولم يحدث مع التأسيس احتفالات ومهرجانات وإعلانات، بل كانت كالنبتة الوليدة، بعيداً عن القاهرة وبعيداً عن الأضواء.

واستطاع الإمام ببراعة استيعاب بعض الأحداث التى حاول بعض الأفراد فى الإسماعيلية إثارة الأمن ضدها والإبلاغ عن أهدافها.

ومع انتقال الدعوة للقاهرة، كانت مرحلة التعريف بها وإيجاد المنافذ والركائز لها، تمضى بهدوء حثيث، واكتسبت منفذاً لها من طلبة الجامعة، سرعان ما انتشر وتحرك بالدعوة.

كانت المقرات التى اتخذتها الجماعة (المركز العام) فى الأحياء الشعبية ومظهرها بسيط.

وابتعدت فى هذه السنوات القليلة عن طبقة الأعيان، وعن الصدام مع أى جهة.

كان الإمام الشهيد كأنه يسابق الزمن فى مرحلة التأسيس تلك فى حركته، وسفرياته لنشر الدعوة وفتح الشعب والفروع وإيجاد الركائز لها.

وعندما أحسّ الإنجليز بأن الساحة بها متغير ( حوالى عام 1938) كانت الدعوة قد انتشرت وامتدت جذورها بالمجتمع.

كان الإمام حريصاً أن يكون مظهر الجماعة أقل من حقيقة قوتها وانتشارها وكان يسبق الرصد من العيون المتربصة، والتقارير المرفوعة، فلا يعرفون مدى النمو الحقيقى.

ظن الانجليز فى البداية أنها جمعية مثل باقى الجمعيات وحركة مثل الباقين وتعاملوا معها مثل ما تعاملوا مع الآخرين من حركات وجمعيات تموج بها الساحة.

حاولوا أولاً أسلوب الاستيعاب، وذلك عن طريق المال، فأرسلوا من طرفهم من يعرض المال على الإمام الشهيد كدعم للنشاط الاجتماعى الجيد الذى تقوم به، ووصل الأمر فى العرض إلى أرقام كبيرة فى هذا الوقت، بل قالوا له الشيك أمامك على بياض اكتب فيه الرقم الذى تريد، ورفض الإمام الشهيد ذلك بحسم وهدوء. وعندما علق أحد الإخوان على ذلك للإمام بأنه لماذا لم يأخذ هذا المال ويحاربهم به ذكرّهم بالمبدأ الرئيسى بأن الجماعة لا تأخذ مالاً من أحد وستعتمد على جيوب أفرادها ومحبيها، وأوضح لهم أسلوب الإنجليز فى الاستيعاب والاحتواء وأن اليد التى تمتد للأخذ ستبقى هى اليد السفلى " (راجع حقائق وأسرار أ. محمود العدوى – وكتاب أحداث صنعت التاريخ)

الإمام حسن البنا في المؤتمر

ويشير الإمام الى هذه الناحية فى رسالة المؤتمر الخامس ص 132 فيقول : " ودأب المكتب ( اى يقصد مكتب الإرشاد ) على ذلك يقتطع أعضاؤه من قوتهم وجهودهم ما يستعينون به على خدمة عقيدتهم فى عفة الأسد، وفى طهارة ماء الغمام، لا يمدون لأحد يداً ولا يسألون كبيرًا ولا هيئة شيئاً ولا يأخذون من مال حكومة ولا يطلبون معونة أحد إلا الله" إ. هـ.

وعندما فشل الانجليز فى محاولة الاستيعاب، حاولوا المزايدة والمنافسة على حركة الجماعة، لقطع الطريق على انتشارها، فأوعزوا لأعوان لهم بتشكيل جمعية " إخوان الحرية 1942" تتحرك بدعم مالى وضجيج إعلامى وتنشط عند كل مناشط وفعاليات واحتفالات الإخوان، فى نفس التوقيت وبنفس العنوان، وذلك لعرقلة حركة الإخوان والتشويش عليها وسحب البساط من تحت أقدامها، ولم ينزلق الإمام فى هذه المكيدة الجديدة، بل ومنع الإخوان أن يلتفتوا إلى ذلك أو يشتبكون معهم، وأن يركزوا على عملهم والاستمرار فيه، وأن النفس الطويل سيحسم الأمر، وعندما كانت جمعية إخوان الحرية توزع إعلاناً بأحد الاحتفالات فى نفس موعد احتفال الإخوان بأحد المناسبات الدينية، أمرهم الإمام الشهيد أن يرفقوا ورقة إعلان هذه الجمعية بأعلان الإخوان عن احتفالهم ويوزعونهما معاً، وبالتالى أدرك الشعب أن هذه الجمعية تسعى للمنافسة والمضايقة وأن الإخوان لا يهمهم ذلك ولا يلتفتون إليه، وانتهى موضوع اخوان الحرية إلى فشل ذريع.

كان الامام الشهيد حريصاً منذ البداية على البعد عن كل مظاهر استعراض القوة، ففى الوقت الذى أسست فيه الأحزاب والتيارات ما يشبه المليشيات المسلحة وكانت تسمى القمصان الخضر والحمر .. الخ، رفض الإمام هذا الأسلوب واهتم بتشكيل الكشافة، والجوالة، والاستفادة من مجال العمل والنشاط فى هذا الميدان.

ومع استمرار الجماعة، أخذ الانجليز الخطوة التالية وهو إبعاد هذا القائد العنيد الذى استعصى على الاحتواء وأفلت من المكائد المختلفة إلى الصعيد، وطالبوا ذلك من حسين سرى باشا رئيس الوزراء ( وكان الإمام يعمل مدرساً ابتدائياً )

ودهش رئيس الوزراء أن يهتم الانجليز بجمعية دينية صغيرة وبمدرس ابتدائى ويعتبرونه خطراً عليهم وكان هذا فى عام 40 – 1941، ونفذ الإمام الشهيد النقل، وإذا بالدعوة تنتشر بقوة فى الصعيد بحركته الدءوبة وأسلوبه المؤثر، مما أزعج بعض التيارات هناك فأرسلوا منزعجين يطلبون إعادته وإبعاده عن الصعيد وهكذا عاد الإمام للقاهرة ثم قدم استقالته من الوظيفة ليتفرغ لقيادة الدعوة، فقامت الحكومة تحت ضغط الانجليز فاعتقلت الإمام ونائبه وسكرتير الجماعة فى معتقل الزيتون ثم أفرج عنهم أواخر 1941 ( نوفمبر) تحت ضغط أفراد فى البرلمان والسخط الشعبى العام .

ومنذ بداية الأربعينات أخذ اهتمام الإنجليز ورصدهم لحركة الجماعة يزداد، وتحريض كثير من الصحف على الهجوم عليها، وقد أحسوا بالخطورة منها، وصدر قرار وزارة الوفد بإغق جميع الشعب ما عددًا المركز العام عام 1942، وفرضوا حالة الطوارئ على البلد، وشجعوا عدد من محاولات اغتيال الإمام كمحاولة للتخلص منه على يد بعض التيارات والقوى المنافسة وفكروا عام 1943 بنفى الإمام خارج مصر واشاعوا ذلك حتى إن الإمام كتب رسالة بين الأمس واليوم يودع فيها الإخوان ثم عدلوا عن ذلك خوفاً من رد الفعل الشعبى في ظروف الحرب العالمية .

كان انشغال الإنجليز بالحرب العالمية الثانية بدءاً من عام 1939، وتطوراتها فرصة قوية للإمام الشهيد الذى انطلق بالدعوة والتركيز على التكوين واكتساب الأنصار والركائز وتطوير أجهزة الجماعة ومن ضمنها النظام الخاص عام 1940 فى نقل الجماعة من مستوى إلى مستوى قوى لم يتصوره الإنجليز وغيرهم أو يتوقعونه، وانتهت الحرب العالمية وقد أصبح الإخوان أحد أهم القوى الشعبية والسياسية بالمجتمع إن لم يكن أقواها وأن الخريطة السياسية فى مصر قد تغيرت وأن الجماعة تتحرك بفاعليات جماهيرية مؤثرة وتحشد الأمة وراءها وتضغط بالمطالب الوطنية.

حاول الإمام الشهيد دخول البرلمان فقام بالترشيح مرتين فى دائرة الإسماعيلية عام 42، وأواخر عام 1944، ففى المرة الأولى ضغط الانجليز على رئيس الحكومة النحاس باشا ليضغط على الإمام الشهيد للتنازل عن الترشيح، وتنازل الإمام لتقديم مصلحة الدعوة على موقفه الشخصى، ثم فى عام 1944 قام الانجليز بتزوير الانتخابات بصورة فجة مباشرة، ومما قاله الإمام ليهدئ الجماهير المحتشدة" إن عجز أمة عن أن تدفع أحد أبنائها إلى البرلمان ليقول كلمة الحق والإسلام لدليل على أن الحرية رياء وهباء، وأن الاستعمار هو سر البلاء، إننى أحسب أن مراجلكم تغلى بالثورة وعلى شفا الانفجار ولكن فى هذا الموقف لابد من صمام الأمان، فاكظموا غيظم وادخروا دماءكم ليوم الفصل وهو آت لا ريب فيه ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله" أ. هـ (حسن البنا مواقف فى الدعوة – عباس السيسى صـ 202).

وكان الإمام الشهيد يرفض العنف والتخريب وإسالة الدماء فى أى مظاهرات صاخبة حتى ولو كانت لمطالب مشروعة، وكان ينادى بأن تحافظ الأمة على كل قطرة دم استعداداً للمواجهة الفاصلة مع الإنجليز وسماه يوم "الدم" . وكانت الدعوة حاضرة بقوة فى أغلب الفعاليات والأحداث والمناسبات الوطنية، مع البعد عن الاشتباك الجانبى أو الرد على المهاترات والشتائم التى توجه لها وسمى الانشغال بذلك "كفاحاً سلبياً"، وواصل الإمام تركيزه وإعداده وتهيئة صف الإخوان وجموع المجمتع نفسياً وفكرياً وحركياً لتحقيق إجلاء المحتل عن أرض الوطن.

كانت المساجد تشكل منطلقاً عميقاً يخاطب فيه الأمة ويوقظ فيها الإيمان والروح ووضع الإمام دعاء يقنط به الإخوان فى صلاتهم وكذلك يعلمونه للناس فى المساجد : " اللهم رب العالمين وأمان الخائفين ومذل المتكبرين وقاصم الجبارين، تقبل دعاءنا وأجب نداءنا وأنلنا حقنا وردّ علينا حريتنا واستقلالنا اللهم إن هؤلاء الغاصبين البريطانيين قد احتلوا أرضنا وجحدوا حقنا وطغوا فى البلاد وأكثروا فيها الفساد، اللهم فردّ عنا كيدهم، وفرق جمعهم وخذهم ومن ناصرهم وأعانهم أو هادنهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم واجعل الدائرة عليهم وسق الوبال إليهم وأذل دولتهم وأذهب عن أرضك سلطانهم ولا تدع لهم سبيلاً على أحد من المؤمنين " (كتاب الإمام الشهيد للأستاذ فؤاد الهجرسى صـ 180) .

وتعددت محاولات اغتيال الإمام الشهيد، باءت كلها بالفشل فى تلك المرحلة، وكلها كانت منذ بداية الأربعينات، فكانت هناك محاولة اغتيال فى بورسعيد، وفى الجمالية دقهلية من أنصار لحزب الوفد، وكذلك عدة محاولات للشيوعيين بالقاهرة، وبالمحلة الكبرى حيث رتبوا نسف المنصة التى سيلقى منها خطابه، وفى القاهرة محاولة لبعض المتعصبين لحزب مصر الفتاة أثناء أحد الاحتفالات، وحاول الإنجليز بترتيب محاولة عام 1942 بأن تدهس عربة لورى سيارة الإمام الشهيد بالقاهرة، كما تم إطلاق الرصاص عليه فى مظاهرة الأزهر عام 1946 وأصيب فى يده، وفى بعثة الحج عام 1948 رتب حامد جودة محاولة سفر مجموعة لاغتياله هناك وتم إحباطها مبكراً.

هذه نماذج مما كُشف عنه، ولم يكن فشل هذه المحاولات أنها كانت ضعيفة التخطيط، ولكن براعة الإمام فى التصرف وكذلك تمكنّه من دسّ بعض عناصره ضمن هذه التنظيمات المناوئة ساعدته بعد فضل الله وعنايته فى النجاة منها. ولم يؤثر كل هذا فى عزيمة القائد وحركته بدعوته.

إنه ليس أدلّ على هذا الأثر فى الأمة وذلك التغيير الذى حدث فى روحها وتفاعلها من الواقعة التى نذكرها كمثال، حيث ذهب الإمام ليعزى فى وفاة أحد الشهداء على أرض فلسطين فى إحدى القرى فإذا بوالد الشهيد يقول له: إذا كنت قد جئت معزياً فارجع وإن جئت مهنئاً فأهلاً بك ومرحباً لقد علمتنا معنى العزة والشهادة فجزاك الله عنا خيراً وهذا أخو الشهيد أقدمه لك لينال هو أيضاً هذا الشرف ( راجع كتاب الإمام الشهيد ط2 صـ178 فؤاد الهجرسى)

وفى أواخر الأربعينات دخل الأمريكان الميدان أيضاً، وكانوا يتابعون ويرصدون، وكان ردّ فعلهم عن اغتيال الإمام الشهيد فى أوائل عام 1949، أحد أسباب دخول الشهيد سيد قطب دعوة الإخوان عندما عاد من أمريكا.

حاول الأمريكان استخدام أسلوب الاستدراج عن طريق عرض قدموه لمحمود عساف بأن يتعاونوا مع الإخوان فى مقاومة الشيوعية، وكان رد الإمام البنا الرفض الواضح وأنهم يتاجرون بذلك وأن موقفهم من القضية الفلسطينية ومما تفعله العصابات الصهيونية يكشف عدم مصداقيتهم ويضع حاجزاً بينهم وبين الشعوب العربية والإسلامية، وكانت هذه الصفعة للأمريكان حافزاً لديهم للإصرار على ضرب الإخوان.

كانت فعاليات مقاومة الإنجليز على شتى المحاور، تسير مع فعاليات قضية فلسطين ومع تطور الدور القتالى لكتائب الإخوان داخل أرض فلسطين ومواجهتهم للعصابات الصهيونية، مما أزعج اليهود بشدة وجن جنونهم وضغطوا لضرب الإخوان وإبعادهم من ساحة المعركة، وكذلك حنق الانجليز وإحساسهم بالفشل فى مواجهة دعوة الإخوان وخطورة مشروعهم على تواجدهم بالمنطقة كلها، مما حفزهم إلى الإسراع بعقد اجتماع لسفراء دول أمريكا وإنجلترا وفرنسا فى قاعدة فايد العسكرية واتخاذ قرار بحل الجماعة وتوجيه ضربة قوية لها واغتيال الإمام الشهيد، وأن على الحكومة المصرية ان تقوم باتخاذ الإجراءات فوراً فتم حلّ الجماعة فى ديسمبر 1948 والقبض على أفرادها وقياداتها ثم اغتيال الإمام الشهيد فى 12 فبراير 1949 .

لقد تخلى الإنجليز عن أسلوبهم المشهور، فقد كانوا حريصين على استيعاب أو نفى الزعماء وقادة المعارضة بدلاً من تصفيتهم الجسدية، فعلوا هذا مع أحمد عرابى وكذلك مع قادة ثورة 1919 حيث تمكنوا بعد ذلك من استيعابهم وإلهائهم بالمنظومة السياسية والصراع على السلطة، لكن مع الإمام الشهيد اختلف الأمر فقد عجزوا وفشلت كل محاولات الاستدراج أو الاحتواء أو الإبعاد وكل محاولات التأليب للقوى المحلية، وتمكن الإمام من تخطى كل العراقيل والمعوقات، فجن جنونهم وظنوا أنهم سيوقفون حركة الدعوة وسيقضون عليها بهذا الإجراء. لكن خابت ظنونهم وخططهم وإذا بالركائز التى رباها الإمام الشهيد والكيان الذى أسسه يستوعب الضربة الشديدة وينظم صفوفه ويمضى فى خطته التى رسمها الإمام لتحقيق استقلال الوطن، ويذيق القوات الإنجليزية الضربات القوية على ضفاف القناة وبصورة لم تشهد لها مصر مقاومة منظمة بمثل هذا من قبل.

تستكمل فى المقالة التالية ....