الإمام حسن البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٥٤، ٢٥ فبراير ٢٠١٢ للمستخدم Darsh10 (نقاش | مساهمات) (صناعة الرموز)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قادة العمل الإسلامي
الإمـام حسن البنا
مؤسس حركة الإخوان المسلمين
19061949م


مصطفى محمد الطحان

كتاب-حسن-البنا.jpg

محتويات

تقديم

تقديم الأستاذ محمد مهدي عاكف

المرشد العام للإخوان المسلمين

1429هـ - 2008م

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) البقرة – 143.

على امتداد العالم الإسلامي, وفي مواطن الأقليات خارج العالم الإسلامي, إذا نظر الباحث المنصف إلى ظواهر البعث والإحياء والنهضة والتجديد والإصلاح ومشروعاتها الحضارية فلن يجد خلافا بين الباحثين ولا بين حركات الصحوة الإسلامية المعاصرة على ريادة وإمامة الإمام الشهيد حسن البنا بالنسبة لهذه الظاهرة الكبرى التي تمثل أمل المسلمين في النهضة، ففي غمرة أحداث جسام هزت كيان الأمة المسلمة وزلزلت وجدان المسلمين تمثلت في إلغاء الخلافة الإسلامية التي مثلت حصن الأمة المنيع علي امتداد تاريخها. وكانـت كلمـة وا إسلاماه هي كلمة السر التي تنادي بها الأمة وتتداعي إليها عقولها وقلوبها - خاصتها وجماهيرها، كان هذا هو قانون التحدي على مر تاريخ الإسلام والمسلمين.. ولقد عاد ليعمل عندما عمت البلوى أثناء الحرب العالمية الأولى.. ففي أعقابها اجتمع صفوة علماء الإسلام ومفكريه بالقاهرة وأسسوا جمعية الشبان المسلمين، وسط هذه الأجواء كان حسن البنا (ابن العشرين عاماً) مع ثلاثة من رفاقه يبكون على الخلافة وضياعها، والحال الذي وصلت إليه الأمة المسلمة مع التفكير فيما يجب عمله لإنقاذ الأمة من هذا المنحدر الخطير الذي سقطت فيه، وعن هذه الحالة النفسية التي عاشها الفتى, حدثنا فقال:

(وليس يعلم إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في علاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلي حد البكاء! وكم كنا نعجب إذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة، والخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهي ويترددون علي أندية الفساد والإتلاف).

ثم يمضي للإشارة إلى (القرار التاريخي) الذي اتخذه هو ورفاقه الثلاثة في (اللحظة التاريخية) فيقول: (ولقد ألهبت هذه الحوادث نفسي وأهاجت كوامن الشجن في قلبي ولفتت نظري إلي وجوب الجد والعمل وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه والتأسيس بعد التدريس) هكذا كانت 1347هـ - 1928م هي سنة اللحظة التاريخية التي مثلت (التطور النوعي) لإنجاز الشيخ حسن البنا في سياق تطور المشروع الإسلامي للنهضة الحضارية وتجديد دنيا المسلمين بتجديد دين الإسلام..

(اللحظة التاريخية) التي أدرك فيها الرجل (الملهم المبارك) أن تصاعد التحديات.. وثغرات الاختراق.. وعموم البلوى، إنما تتطلب الانتقال بالقضية من إطار الصفوة والنخبة - الذي كانت عليه منذ (العروة الوثقى) وحتى (الشبان المسلمين) – إلى الدائرة التي تشترك فيها (الأمة) مع (النخبة) وإلي المستوى الذي تسهم فيه (الجماهير) مع (الصفوة) في مواجهة التحديات.. فكان الإنجاز التاريخي لحسن البنا في سياق الإحياء الإسلامي هو الانتقال (بأسس المشروع الحضاري) و(مناهج التجديد لدين الأمة ودنياها) إلي (معالم) أشد وضوحا وأكثر تفصيلا، وأقرب إلي التنزيل علي الواقع الذي استجد، والمتغيرات التي حدثت في موازين التحديات..

تلك هي (اللحظة التاريخية) التي بزغ فيها فجر التجديد لحسن البنا وذلك هو (التطور النوعي) و(الإضافة الكيفية) لإنجازه في السياق التاريخي لحركة الإحياء الإسلامي الحديث وتلك هي بصمته المتميزة في ظاهرة الصحوة الإسلامية المعاصرة. كان الرجل واعيا بحقيقة سنة التدرج والمرحلية في هذا المشروع الإسلامي وانطلاقا من هذا الوعي تحدث إلى (المتعجلين) الذين يريدون (حرق المراحل) فقال:

(أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم - اسمعوا مني كلمة داوية.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده ولست مخالفا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول.. أجل قد تكون طريقا طويلة ولكن ليس هناك غيرها.. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الراتب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صابر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة، ويحين القطاف فأجره في ذلك علي الله ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة)

صبر الرجل وصبر معه كثيرون - وخلفه أئمة ومرشدون - حتى نمت البذرة ونبتت الشجرة وها هي ذي جماعته التي أسسها يفيئ إلي ظلها أبناء الصحوة الإسلامية في المشارق والمغارب، وأصبح المشروع الحضاري الذي وضع مع بقية المجددين معالمه هو أمل المسلمين في بقاع الأرض، ونحن لا نتغالى إذا قلنا إن الرجل ودعوته وجماعته قد مثلوا أبرز معالم التجديد في القرن الرابع عشر الهجري والعشرين الميلادي، والكتاب الذي بين أيدينا للأخ الكريم/ مصطفى محمد الطحان لا يكتفي بأن يعرض سيرة القائد والمربي كأحداث يومية ولكنه يسردها كأفكار سرت وأثرت تاريخا وحاضرا ويقدم الترابط القائم بين الأطر التي انطوى عليها فكر الرجل وبين التطبيق علي مستويات العمل المختلفة فهو يصنع بذلك قراءة جديرة بالاهتمام، الكل شغوف بمعرفة أسس هذه الدعوة وتلك الجماعة ومناط قوتها واتجاهاتها وآرائها في مختلف الشئون...

جزى الله الأخ الكريم المؤلف مصطفى محمد الطحان خيرا علي هذه التجلية لمعالم دعوة الإمام الشهيد وجماعته، والله نسأل أن ينفع بهذا الجهد الرائع جميع المسلمين.

محمد مهدي عاكف

المرشد العام للإخوان المسلمين

28 محرم 1429م

5 فبراير 2008م

لماذا نكتب عن حسن البنا..؟

نحن اليوم نبحث عن رموز الأمة.. الذين يظهرون كلما اشتدت الحاجة إليهم، فيسدون الثغرة، ويلبون الحاجة، ويقومون بالواجب المطلوب لزمانهم ومكانهم في عملية الإحياء.

  • قد يكون الرمز الذي نبحث عنه خليفة راشداً مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد يكون قائداً عسكرياً فذاً مثل أبي عبيدة بن الجراح أو خالد بن الوليد أو صلاح الدين الأيوبي، وقد يكون مربياً روحياً مثل عبد القادر الجيلاني أو حسن البنا.
  • قد يكون الرمز معلماً.. أو عالماً.. في أمور الدنيا.. أو في أمور الدين.. قد يكون عربياً من مصر.. أو كردياً من العراق.. أو داغستانياً من القوقاز.. فهذه الأمة أنقذها الله من دعاوى الجاهلية.. فقال نبيها صلى الله عليه وسلم فيها: (ليس منا من دعا إلى عصبية).
  • قد يكون الرمز شاباً.. وأكثر الرموز من الشباب.. فهم أقوى أجساداً.. وأقوم معرفة.. وأحد عقولاً.. وقد يكون كهلاً عجنته الأيام فصاغت منه واحداً من هؤلاء الذين قال المصطفى فيهم: (إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد للناس أمر دينهم)..
  • نحن نبحث عن هؤلاء الرموز.. نعيش معهم.. ونجلي جوانب عظمتهم.. ونبحث عن الجانب الأهم في حياتهم.. هل لأننا مغرمون بالتاريخ..؟

كلا.. بل لأننا مغرمون بصناعة الحياة.. وصناعتها تحتاج إلى عالم ومتعلم، وتحتاج إلى قدوة كريمة وشاب يتطلع إلى هذه القدوة ينفعل بها، فتهديه إلى الطريق.

والأمة التي لا توقر رموزها.. بل الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم ربهم هدى.. إن لم يصادفوا مثل هذه الرموز.. يطول عليهم الطريق وتصعب عليهم المهمة.. وإذا كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد آخى بين المؤمنين.. فنحن نريد أن نؤاخي بين رموز الماضي ورموز اليوم.. لإعادة بناء الحياة..

لهذا السبب نحن نكتب اليوم عن حسن البنا.. كما نكتب عن غيره من الرموز.. صناع الحياة.


الشيخ محمد رشيد رضا الشيخ محمد عبده

  • في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، وقعت بلاد المسلمين في أيدي الصليبيين. احتلوا أرضها.. وامتصوا دماءها وثرواتها.. وعبثوا بفكرها ودينها.. وأقاموا لهم رجالاً من بيننا.. يتحدثون بلغتنا ويتسمون بأسمائنا، ولكنهم سدنة لمعابدهم.. أقاموهم رموزاً لشبابنا.. وأسبغوا عليهم من صفات المجد والشهرة والعلم ما أزاغوا به عيونهم.. كنا بأمس الحاجة إلى رموز أخرى تمثلنا.. من أصحاب الإيمان العميق، والفكر الدقيق، والحس المرهف، والإرادة الصلبة.. يشعرون بما تعانيه أمتنا من أمراض، يشخصون داءها، ويصفون لها الدواء.

ومن هؤلاء حسن البنا الذي نحن بصدد الكتابة عنه.

  • يقول محمد الغزالي عنه في مقدمة كتابه (دستور الوحدة الثقافية): حسن البنا الذي أصفه ويصفه معي كثيرون بأنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة، فقد وضع جملة مبادئ تجمع الشمل المتفرق، وتوضح الهدف الغائم، وتعود بالمسلمين إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وتتناول ما عراهم خلال الماضي من أسباب العوج والاسترخاء، بيد آسية، وعين لماحة فلا تدع سببا لضعف أو خمول.

كان مدمناً لقراءة القرآن يتلوه بصوت رخيم، وكان يحسن تفسيره كأنه الطبري أو القرطبي، وله قدرة ملحوظة على فهم أصعب المعاني ثم عرضها على الجماهير بأسلوب سهل قريب.

وهو لم يحمل عنوان التصوف، بل لقد أبعد عن طريقة كانت تنتهي إليها بيئته.. ومع ذلك فإن أسلوبه في التربية وتعهد الأتباع وإشعاع مشاعر الحب في الله، كان يذكر بالحارث المحاسبي وأبي حامد الغزالي.

وقد درس السنة المطهرة على والده الذي أعاد ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل، كما درس الفقه المذهبي باقتضاب، فأفاده ذلك بصراً سديداً بمنهج السلف والخلف. ووقف حسن البنا على منهج محمد عبده وتلميذه صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا، ووقع بينه وبين الأخير حوار مهذب، ومع إعجابه بالقدرة العلمية للشيخ رشيد، وإفادته منها، فقد أبي التورط فيما تورط فيه(1).

ولعله كان أقدر الناس على رفع المستوى الفكري للجماهير، مع بعد عن أسباب الخلاف ومظاهر التعصب. ولقد أحاط حسن البنا بالتاريخ الإسلامي، وتتبع عوامل المد والجزر في مراحله المختلفة، وتعمق تعمقاً شديداً في حاضر العالم الإسلامي، ومؤامرات الاحتلال الأجنبي ضده.

ثم في صمت غريب أخذ الرجل الصالح ينتقل في مدن مصر وقراها، وأظنه دخل ثلاثة آلاف من القرى الأربعة آلاف التي تكون القطر كله.

وخلال عشرين سنة تقريباً صنع الجماهير التي صدّعت الاستعمار الثقافي والعسكري، ونفخت روح الحياة في الجسد الهامد..

هل عرفت لماذا نكتب عن حسن البنا..؟

لا نريدها اليوم كتابة للاستمتاع.. بل كتابة تشد العزائم.. وتقبض على ناصية الأمور.. وتعيد صناعة الحياة بأيدي طليعة المستقبل.


الهامش

(1) يقصد تصديه بعنف للحملة على الأزهر وعلمائه المقلدين للمذاهب, وعلى الطرق الصوفية (الإخوان المسلمون- يوسف القرضاوي, ص-52).


صناعة الرموز

كان الإمام حسن البنا مشغولاً بصناعة الرموز.. وهي مهمة كبيرة وشاقة إلا من سهلها الله عليه.. فأنت تسمع من كثير من المربين كلمات تشجع الشباب على التميز.. ثم لا تجد ثمرة عملية لهذا التشجيع.. وإذا تساءلت عن السبب.. لوجدته في:

الإخلاص الذي يميز فريقياً من الدعاة.. في دعوتهم.. في دأبهم على الشباب وتربيتهم.. في حبهم لأبنائهم.. في الأخذ بأيديهم للتميز.

كان على رأس هؤلاء القائد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. الذي نما الحب بينه وبين من يدعوه.. إلى درجة أن الرسول أصبح أحب إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين.. ومن نتائج هذا الحب أصبح أبو بكر الصديق, وأصبح عمر الفاروق, وأصبح أبو عبيدة أمين الأمة, وأصبح خالد بن الوليد سيف الله المسلول.

ولقد سار الإمام البنا على هدى النبي صلى الله عليه وسلم فحرك الجسد الهامد فأشعل الشوق فيه.. وأخذ بأيدي الفتيان من أمثال حامد ربيع وتوفيق الشاوي وسيد سابق ومحمد الغزالي والبهي الخولي ويوسف القرضاوي وكامل الشريف وعمر التلمساني ومحمد فريد عبد الخالق, فأصبحوا دعاة عظماء: بكلمة أو بموقف عملي اتخذه معهم الإمام الشهيد.

كنت في عمان في الاحتفال الذي أقامه الإخوان المسلمون بمناسبة مرور مائة سنة على مولد الإمام حسن البنا.. تحدث في هذا الاحتفال الأستاذ كامل الشريف الذي كان مسؤولاً عن مجاهدي الإخوان في فلسطين.. يقول: عندما زارنا حسن البنا في فلسطين يتفقد أبناءه المجاهدين كتب لي رسالة يحدد موعد وصوله.. وفي فلسطين قال لي الإمام.. لو زرت فلسطين ولم أرك لاعتبرت رحلتي فاشلة.

ماذا صنعت كلمات إمام الأمة في شاب صغير هو كامل الشريف.. كيف سينمو الحب بين الجندي والقائد.. ثم كيف سيكون الرمز الكبير قائد الجهاد في فلسطين والقنال فيما بعد.

هناك فرق كبير بين كلمات هامدة لا قيمة لها يقولها بعض الدعاة للأبناء.. فلا تلامس قلوبهم ولا توقد شرارة الحب بينهم.

وبين قيادات ربانية مخلصة.. تعيش وقدة الحب والشوق مع إخوانهم الشباب.. الذين لا يحتاجون عندئذ إلا لكلمة واحدة أو موقف مع القائد ليتقدموا الصفوف!

البيئة التي نشأ فيها حسن البنا

المصلحون أبناء بيئتهم.. وظروفهم.. فليس مصلحاً من يأتي إلى أمة مهزومة مستعمرة.. فيتحدث عن التصوف والاعتكاف في المساجد للدعاء.. وليس مصلحاً من يعيش في بيئة فشا فيها الجهل وتمكن منها الفساد.. ثم ينشغل في تحسين التجارة والانشغال بالدنيا.. فالمصلح ابن بيئته.. وظروفه..

عندما اشتد اضطهاد قريش لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في مكة.. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة.. وقال لهم: إن فيها ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد.. ولقد عزّ على قريش أن ينجو هؤلاء من نقمتها، ويفلتوا من قبضتها.. فأرسلت اثنين من دهاتها هما عبد الله بن أبي ربيعة.. وعمرو بن العاص.. يسألان النجاشي أن يخرج من بلاده هؤلاء الذين جاءوا إليها لائذين مستجيرين.. ويسأل النجاشي المسلمين: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم.. واستغنيتم به عن ديننا..؟

فنهض إليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.. وكان المتحدث باسم إخوانه المهاجرين فقال:

أيها الملك.. كنا قوماً أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان.. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.. ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، فصدّقناه وآمنا به.. فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان، وإلى ما كنا عليه من الخبائث.. فلما قهرونا، وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك.

ماذا فعل جعفر بهذا البلاغ الرائع..؟

أخبر النجاشي ملك الحبشة بالظروف التي يعيشها المسلمون في مكة.. ووصف أحوالهم في الشرك.. وأحوالهم في الإيمان.. ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه رسول منهم، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته وعفافه..

ونحن في هذه الدراسة إذا أردنا أن نتعرف على الإمام حسن البنا.. فلابد من دراسة الظروف التي أحاطت به.. والبيئة التي عاش فيها.. فالمصلح ابن بيئته.. متأثر بظروفه..

الظروف الدولية

أما الظروف الدولية التي فرضت على العالم الإسلامي في مطلع القرن العشرين الميلادي فنوجزها بما يلي:

  • في عام 1897م عُقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا, برئاسة تيودور هرتزل.. واتخذ قراراً بالتفاوض مع السلطان عبد الحميد لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
  • وفي عام 1898م عُقد المؤتمر الصهيوني الثاني في بازل بسويسرا واتخذ عدة قرارات منها: إسقاط السلطان عبد الحميد لأنه رفض إعطاء اليهود وطناً قومياً لهم في فلسطين، وإسقاط الخلافة الإسلامية.
  • وفي عام 1905م عُقد في لندن مؤتمر كامبل.. حضرته جميع الدول الاستعمارية التي بدأت باحتلال بلاد المسلمين مثل: هولندا وإنكلترا وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا. وأوصى المؤتمر: بتمكين الدول الاستعمارية من البلاد التي تحتلها واحتلال المزيد، وإسقاط الخلافة الإسلامية وإقامة نظام علماني غربي بديل عنها، وإقامة إسرائيل في فلسطين حتى تُشغل المنطقة، فلا تتمكن من إقامة دولة الخلافة مرة ثانية.
  • وفي عام 1909م أسقط الثالوث المتآمر: الغرب واليهود والماسونية, السلطان عبد الحميد الذي كان كالطود الشامخ في الدفاع عن قضية فلسطين، وحققوا بذلك أول أهدافهم.
  • وفي عام 1914م أدخلت الدولة العثمانية، التي تولى شؤونها بعد إسقاط السلطان عبد الحميد، حزب الاتحاد والترقي العلماني الغربي، الحرب العالمية الأولى، والتي انتهت بتفتيت الدولة العثمانية وإنهائها من عالم الوجود، وبذلك حققوا هدفهم الثاني.
  • وفي عام 1916م وقع وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا معاهدة سايكس – بيكو، اقتسما بموجبها ممتلكات الدولة العثمانية.
  • وفي عام 1917م أعلنت بريطانيا وعد بلفور الذي أعطت بموجبه فلسطين لليهود لينشئوا على أرضها وعلى حساب شعبها دولة إسرائيل.
  • وفي عام 1924م تم إلغاء الخلافة.

لقد انتبه المسلمون على هذه الأحداث الجسام، ليجدوا أنفسهم لأول مرة في تاريخهم بدون خلافة أو خليفة، وأنهم أصبحوا مزعاً تحتلها دول الغرب.

الشريف حسين في الحجاز أعلن نفسه خليفة، والملك فؤاد في مصر كان يرى نفسه أحق بالخلافة، والآغا خان في الهند كان يفكر بالطريقة ذاتها.

وهكذا تحولت خلافة المسلمين من نظام إسلامي يحكم دولة عظمى في العالم.. إلى دمية بيد الإنكليز يلعبون بها وبمن يرشحونه لشغل هذا المقام.

حركات التنصير والتبشير

  • ومع هذه الأحداث السياسية الخطيرة, فقد تتابعت عمليات الغزو العسكري الصليبي لأقطار العالم الإسلامي منذ القرن الخامس عشر الميلادي.. ولكن شيئاً أشبه بالانهيار حدث في القرنين التاسع عشر والعشرين. فأصبحت بموجبه معظم أقطار الإسلام خاضعة للاحتلال العسكري الغربي.
  • ومع هذا الاحتلال العسكري، وتجزئة البلاد إلى دويلات، نشطت حركات التنصير التي تصورت أن الوقت قد حان للنفاذ إلى قلب الإسلام، وتخليص البشرية من هذا الدين، ودمج الشعوب الإسلامية في المنظومة الحضارية الأوروبية.

ففي مصر (على سبيل المثال) كان للأقباط (وهم لا يتجاوزون 3% من سكان مصر) دور يتجاوز دور المسلمين تحت الإدارة الاستعمارية.

وفي السودان بدأت بريطانيا ما سمي بسياسة الجنوب منذ عام 1917م، فصدرت الأوامر إلى القوات الشمالية (الإسلامية في معظمها) بمغادرة الجنوب.. وفي عام 1922م أعلنت مناطق الجنوب محافظات يمنع دخولها إلا بإذن خاص.. وهكذا فعلوا في معظم أقطار المسلمين.

  • وربطوا التعليم بالتبشير.. فألغوا الكتاتيب الإسلامية.. وفتحوا المدارس التي تدرس مناهجهم بلغاتهم.. وحاربوا اللغة العربية.. وأحيوا اللغات المحلية وكتبوها بأحرف لاتينية..

أما الفراغ الثقافي الذي نشأ بسبب إلغاء المدارس الإسلامية، فقد ملأوه بالأفكار العلمانية اللادينية، واصطنعوا لهم ركائز فكرية في بلاد المسلمين تستخف بالإسلام, وبعقائد الإسلام, وتدعو إلى الحضارة المتمثلة بالغرب وعلوم الغرب وفكر الغرب.

  • أعادوا الأمة التي كرم الإسلام إنسانها.. أعادوها عنصرية قبلية.. تعتز كل قبيلة بكيانها.. وتحارب القبيلة الأخرى.
  • أيقظوا المذهبية والطائفية والخلافات الدينية.
  • غيروا القوانين الشرعية بالقوانين الأوروبية.
  • عملوا على تحطيم الأسرة.. وتحرير المرأة.. وقصدوا بالتحرير السفور والإفساد..
  • سيطروا على مقدرات المسلمين.. وعلى ثرواتهم.. وعلى اقتصادهم.. وأصبحت بلادنا مجرد أسواق لبضائعهم.
  • وباختصار فقد مسخوا الشخصية الإسلامية في البلاد والعباد.

الظروف المحلية في مصر

أولاً- الأوضاع السياسية في مصر

وقعت مصر أسيرة في قبضة الاحتلال البريطاني، في أعقاب فشل الثورة العرابية عام 1882م، وانتشر الجنود الإنكليز في طول البلاد وعرضها يحمون مصالحهم، وصارت لهم الكلمة الأولى في البلاد، وأصبح السلطان المتوج على مصر ألعوبة في يد الإنكليز.

ولم يهدأ هذا الشعب، ولم تخمد فيه جذوة الثورة على المحتل الغاصب، ولم يعدم أن يجد رموزاً وطنية تنفخ فيه روح الحرية والكرامة، وتقوده إلى المطالبة بحقه في الحرية والاستقلال، ومن هذه الرموز الوطنية مصطفى كامل (توفي في فبراير 1908م) والزعيم محمد فريد (توفي في نوفمبر 1919م

وخلال الربع الأول من القرن العشرين، وقعت أحداث مهمة أثرت على المجتمع المصري، منها:

1- ثورة الشعب المصري عام 1919م

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وانعقـاد مؤتمر الصلح في باريس، رأى الوطنيون برئاسة سعد زغلول باشا تشكيل وفد من الساسة المصريين لعرض قضية استقلال مصر على المؤتمر، فما كان من الإنكليز إلا أن أعلنوا رفضهم لسفر الوفد.. وفي يوم 6 آذار (مارس) 1919م ألقي القبض على سعد زغلول ورفاقه وتم نفيهم إلى جزيرة مالطا.

كان هذا الأمر بمثابة الشرارة التي أشعلت ثورة الشعب المصري، فهبت المظاهرات في مدن مصر وقراها، واشترك فيها جميع طوائف الشعب من علماء وطلاب ومدرسين وعمال وفلاحين وشباب وشيوخ ونساء، وتحولت شوارع مصر إلى بحر هائج من الغضب الشعبي، يطالب بالحرية والاستقلال التام. واقترنت الثورة بالمسجد، وخرجت المظاهرات من الأزهر وهو رمز الإسلام ومعهده يومذاك.

2- لجنة اللورد ملنر

ونتيجة لتنامي روح الغضب والمقاومة التي سيطرت على الشعب المصري، والتي تمثلت في مظاهراته الغاضبة، عملت الحكومة البريطانية على إجـهاض الثـورة فشـكلت لجنة برئاسة وزير المستعمرات ألفريد ملنر في 22 أيلول (سبتمبر) 1919م.

وكرد على هذه اللجنة اشتعلت الثورة ثانية وبأشد مما كانت.. وتدخلت القوات البريطانية فسقط عددٌ كبير من القتلى والجرحى.. وفي 7 كانون الأول (ديسمبر) 1919م ومع وصول اللجنة عمت المظاهرات وامتنع الطلاب عن الذهاب إلى معاهدهم وتجاوب التجار معهم، وقرر المحامون الإضراب، وفي إحدى المظاهرات اقتحمت فصيلة من الجيش البريطاني صحن الجامع الأزهر منتهكة حرمة المسجد، وأخذت تضرب وتروع من فيه.

وطوال مدة عامين من المفاوضات والمناورات والخدع البريطانية، أعلنت بريطانيا انتهاء الحماية البريطانية، واستقلال مصر، وهو ما يعرف بتصريح 28 شباط (فبراير) 1922م.

وقد نص التصريح على انتهاء الحماية البريطانية على مصر، وأن تكون دولة مستقلة ذات سيادة إلا من تحفظات أربعة(1) أعطت إنكلترا لنفسها حق توليها، وهي بذلك لم تغير كثيراً من حقيقة الاحتلال.

3- دستور عام 1923م

على أثر إعلان تصريح 28 شباط (فبراير) 1922م، خطت مصر بعض الخطوات نحو الاستقلال. فقد أعلن السلطان فؤاد نفسه ملكاً على مصر في 15 آذار (مارس) 1922م، وبعد صراع شديد بين القوى الشعبية وبين القصر، أصدر الملك فؤاد في 19 نيسان (أبريل) ما عرف بدستور عام 1923م. واستمر العمل بهذا الدستور حتى ألغته ثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952م(2).


الهامش

(1) هذه التحفظات تتعلق: بتأمين مواصلات الإمبراطورية في مصر، والدفاع عن مصر من كل اعتداء، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات، ومسألة السودان.

(2) أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين- جمعة أمين 1: 46. النظام الدستوري المصري- د. مصطفى أبو زيد فهمي، ص- 52. تطور الحركة الوطنية في مصر (19181936م)- عبد العظيم رمضان، ص- 365. في أعقاب الثورة المصرية- عبد الرحمن الرافعي، ص- 43.


4- الصراع بين دعاة الخلافة والوطنيين المصريين

بعد إسقاط السلطان عبد الحميد على يد حزب الاتحاد والترقي عام 1909م، بدأ مسلسل الانهيار على يد مصطفى كمال، فأسقط الخلافة الإسلامية في أوائل آذار (مارس) 1924م.. وحوّل تركيا إلى دولة علمانية ألغت الشريعة الإسلامية وفرضت على البلاد القوانين والقيم الغربية وحاربت الإسلام في جميع مظاهره.

وعلى الرغم من تفكك العالم الإسلامي وضعفه، وخضوع معظم أقطاره للاحتلال الأجنبي، إلا أن سقوط الخلافة كان حدثاً مدوياً.. فلأول مرة منذ أربعة عشر قرناً يصبح العالم الإسلامي دون خليفة.

بعد أربعة أيام من إلغاء الخلافة، وقّع ستة عشر عالماً من علماء الأزهر بياناً قرروا فيه بطلان قرار مصطفى كمال بعزل الخليفة وإلغاء الخلافة، ودعوا للإسراع بعقد مؤتمر يقرر (ما يراه مناسباً في أمر الخلافة).

وفي الحجاز أقام الشريف حسين في 24 آذار (مارس) 1924م حفلاً تمت فيه مبايعته خليفة للمسلمين.

كما رشح البعض الملك فؤاد ملك مصر خليفة للمسلمين، وشكل الشيخ يوسف الدجوي رئيس جمعية نهضة الإسلام لجنة للخلافة، واستأذن الملك فؤاد بعقد مؤتمر الخلافة في القاهرة(1).

في هذه الفترة أصبحت مصر مركزاً لصراع فكري بين فريقين:

  • فريق يدافع عن الخلافة الإسلامية وأهميتها في توحيد كلمة المسلمين.. وكان في مقدمة هؤلاء الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في عهد السلطان عبد الحميد.. الذي اضطر إلى مغادرة بلاده بعد الانقلاب الكمالي.. واللجوء إلى مصر.
  • وفريق استسلم للوطنية المحلية التي عزلت مصر عن دول العالم الإسلامي.. وانطلق قادة هذا التيار بتشجيع من الاحتلال الغاشم ينادون بالقومية المصرية.. شعارهم (الدين لله والوطن للجميع).

الهامش

(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر- محمد محمد حسين، ص- 47.

ولقد ظهرت في هذه الفترة عدة كتب تحارب الفكرة الإسلامية، وفكرة الخلافة على وجه الخصوص، مثل كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي ألفه الشيخ علي عبد الرازق عام 1925م والذي يدور حول فكرة هدم الخلافة كنظام إسلامي في الحكم.. فقد أنكر أن تكون الخلافة أو القضاء أو وظائف الحكم ومراكز الدولة جميعاً من الدين في شيء، ووصفها بأنها خطط دنيوية صرفة لا شأن للدين بها. والخلافة في رأي الكاتب لم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين. وباعتبار المؤلف من علماء الأزهر فقد قدم لمحكمة أمام هيئة كبار العلماء فأصدرت حكمها في 22 محرم 1322هـ الموافق 12 آب (أغسطس) 1925م الذي قضى: بإخراج الشيخ من زمرة العلماء وفصله من وظيفته في القضاء الشرعي(1).


الهامش

(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر- محمد محمد حسين، ص- 75.

وفي عام 1926م أصدر عالمان جليلان من علماء الأزهر كتابين عظيمين، ردا فيهما على الشيخ علي عبد الرازق، وهما فضيلة الشيخ محمد نجيب المطيعي مفتي الديار المصرية الذي كتب (حقيقة الإسلام وأصول الحكم)، والعالم الثاني فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين الذي كتب (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم). كما أصدر الشيخ محمد رشيد رضا كتاباً بعنوان (الخلافة أو الإمامة العظمى)، وأصدر شيخ الإسلام مصطفى صبري كتاباً بعنوان (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة).

وأخطر ما ظهر في هذه الفترة كتاب أثار عند ظهوره ضجة هائلة في الصحف وفي المجلس النيابي، وتناولت السلطات القضائية مؤلفه بالتحقيق والكتاب بالمصـادرة، وذلـك هو كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين، الذي ظهر عام1926م، والـذي اعتبر ما ورد فـي القرآن من مثل قصة إبراهيم وإسماعيل وغيرها مجرد أساطير، تم اختراعها لتدعيم وجهة نظر الإسلام في الخلاف الذي كان قائماً بينه وبين الوثنية(1).


الهامش

(1) المرجع السابق، ص- 280.


الشيخ مصطفى صبري طه حسين


في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الأمة الإسلامية.. ظهرت تحركات مختلفة، قام ببعضها حكام يطمعون بالخلافة، وزعامات إسلامية تقليدية تدعي أحقيتها بوراثة الخليفة، وأحزاب تدعو إلى القومية الليبرالية كما دعا لها مصطفى كمال في تركيا، وقام أيضاً الإمام حسن البنا مع ثلة من إخوانه بتأسيس حركة الإخوان المسلمين، كدعوة إسلامية جامعة, من أهدافها إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافاتها وجمع كلمتها، حتى يؤدي ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة(1).

يقول الإمام حسن البنا : لقد أتى على الإسلام والمسلمين حيـن مـن الدهـر توالت فيه الحوادث وتتابعت الكوارث، وعمل خصوم الإسلام على رواقه وإخفاء بهائه وتضليل أبنائه و تعطيل حدوده ، وإضعاف جنوده ، وتزييف تعاليمه وأحكامه، تارة بالنقص منها ، وأخرى بالزيادة فيها ، وثالثة بتأويلها على غير وجهها ، وساعدهم على ذلك ضياع سلطة الإسلام السياسية وتمزيق إمبراطوريته العالمية وتسريح جيوشه المحمدية ووقوع أممه في قبضة أهل الكفر مستذلين مستعمرين(2).


الهامش

(1) رسالة التعاليم- الإمام حسن البنا (ركن العمل).

(2) رسالة إلى الشباب- الإمام حسن البنا.


ثانياً- الأوضاع الاجتماعية في مصر

1- نظام الطبقات.. تميز المجتمع المصري في بداية القرن العشرين بوجود طبقية صارخة:

فالطبقة العليا, التي تضم كبار الملاك والتي تمثل 0.5% من السكان تملك 35% من الأراضي الزراعية والمؤسسات المالية والاقتصادية والصناعية.

والطبقة الوسطى، التي تضم متوسطي التجار، وقطاع من المثقفين والعاملين بالحكومة.. وقد اهتم أبناء هذه الطبقة من الطلاب بالمسائل السياسية، فمعظمهم ينحدر من عائلات فقيرة.. تسعى لإنقاذ نفسها من براثن الجهل والفقر.

أما الطبقة الدنيا، وتمثل غالبية السكان.. فقد كانت أوضاعهم في غاية السوء.

2- حركات التبشير :

انتهزت دول الغرب الاستعمارية، بعد سيطرتها على البلاد الإسلامية، فقامت بحملات تبشيرية ضخمة، ظهر منها اسم القسيس البروتستانتي زويمر الذي كان رئيساً لإرسالية التبشير العربية في البحرين، والذي كان أول من دعا إلى عقد مؤتمر عالمي للمبشرين.. عقد المؤتمر الأول في القاهرة عام 1906 والثاني في بيت المقدس عام 1929.. وكان من أقوال هذا القس: ليس المهم أن يصبح المسلمون نصارى.. ولكن المهم أن يتشكك المسلمون بصلاحية دينهم(1).

وقد استند المبشرون في مصر على مساعدة الإنكليز لهم.. وسماح الملك والحكام بنشاطهم.

ولقد أبلى الإخوان المسلمون أحسن البلاء في مواجهة هذه الحركة.. والتزموا دائماً موقف المدافع لا المهاجم.. واعتمدوا في خطتهم على على أمرين: الأول إفهام الشعب ما يستهدف له التبشير, وثانيهما: الوسائل العملية من جنس وسائل المبشرين(2).

3- تحرير المرأة :

بدأت الدعوة إلى تحرير المرأة بما كتبه قاسم أمين في كتابه تحرير المرأة (الذي طبع عام 1899م)، والمرأة الجديدة (الذي طبع عام 1900م).. ولم يقف الأمر عند الحد الذي دعا إليه قاسم أمين، فقد خلعت المرأة لباسها إلا ما قلّ منه، وبدأت تظهر على شواطئ البحر بما لا يكاد يستر شيئاً.

وتتابعت هذه التطورات بسرعة مذهلة، وأعان على اندفاعها جوّ الفساد الذي تعيشه طبقة الحكام وكبار الملاك.. الذين يسيرهم المحتلون. وأخيراً أباحت الحكومة البغاء على المستوى الرسمي بقوة القانون.


الهامش

(1) الغارة على العالم الإسلامي- أ.ل. شاتليه، ص- 28. (1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص-171.


4- التحلل الأخلاقي والعقائدي :

لقد اشتد في مصر تيار التحلل في النفوس والآراء والأفكار باسم التحرر العقلي، ثم في المسـالك والأخـلاق والأعمال باسـم التحرر الشخصي، وظهر المسرح والسينما والإذاعة، وانتقلت الفرق المسرحية من بلاد الشام لتستوطن مصر، واستغلت المرأة أبشع استغلال، فقد تزامنت الدعوة إلى حرية المرأة المصرية مع محاكاة المرأة الغربية في بلاد المسلمين من حيث العري والاختلاط، فكانت موجة إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، تساعد عليها الحوادث والظروف(1).



الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 47. وعمر التلمساني شاهداً على العصر- إبراهيم قاعود، ص- 15.


ثالثاً- التيار الإسلامي في مصر

وإذا كانت دعوة الإخوان المسلمين نتيجة طبيعية للظروف الخاصة التي مرت بمصر (كدولة مركزية في العالم الإسلامي)، فقد كان الاستعمار البريطاني يجثم على صدرها، وكانت الأحزاب في واد والشعب في واد آخر، والقصر كان دائماً في صف المندوب السامي البريطاني.. وكان الاستعمار الفكري والثقافي يحاول انتزاع الإسلام الحي المتحرك من صدور المصريين.. وحجزه عاجزاً في ردهات المساجد لا غير.

فمن الإنصـاف أيضـاً أن نقـول: إن أبوة، وإمامة، وريادة حسن البنا لهذا الإحياء الإسلامي المعاصر إنما تمثل الحلقة المعاصرة في سلسلة الإحياء الإسلامي الحديث، إنها مرحلة متميزة في الكم والكيف ولكنها امتداد متطور لمرحلة النشأة والتبلور التي تمثلت في الجامعة الإسلامية التي ارتاد ميدانها، ورفع أعلامها جمال الدين الأفغاني والتي كان الإمام محمد عبده مهندس تجديدها الفكري، كما مثل الشيخ محمد رشيد رضا الامتداد الذي أسلم أمانتها إلى حسن البنا الذي انتقل بها إلى هذا الكيف المعاصر الذي تعيش فيه(1).

لقد نشأ الإمام الشهيد حسن البنا في وقت ضعف فيه التيار الإصلاحي، فدرس عوامل ضعفه، واستفاد من نواحي قوته، فأخذ أسلوب جمال الدين الأفغاني في العمل السياسي، وأسلوب محمد عبده في الاهتمام بالتربية.

لقد تسلم الإمام حسن البنا راية التجديد ممن سبقه من مصلحين ودعاة، وأضاف إلى معالم حركة الإصلاح ما ميز دعوة الإخوان عن بقية الدعوات، إلا أنها كانت اللبنة التي أكمل الله بها صرح الفكر، والعمل الإسلامي.

يقول المستشار طارق البشري: لقد أرسى الأفغاني فكرة الإسلام المجاهد، وأضاف محمد عبده فكرة التجديد في الفقه والتفسير، وتابع محمد رشيد رضا الربط بين التجديد والسلفية والتفاعل مع السياسات الوطنية، وأضاف حسن البنا شمولية الإسلام والترابط الوثيق بين العقيدة والشريعة والسياسة، وبين الفكر والتنظيم الحركي، ومزج بين فكريات فقه الأزهر، ووجدانيات الصوفية، ووطنيات الحزب الوطني (2).

ولا يختلف أحد في أن دعوة الإخوان المسلمين وحركتهم قد شغلتا الرأي العام في داخل العالم العربي والإسلامي وخارجه، لما نادت به من فهم سياسي وحركي للإسلام على أنه دين ودولة، وعقيدة وأنظمة حياة، وشريعة وحضارة، ولأن الإخوان حوّلوا الأقوال إلى أعمال، وأحيوا فريضة الجهاد بقتال الإنكليز في القنال وقتال اليهود في فلسطين،


الهامش

(1) خمسون عاماً على استشهاد حسن البنا- محمد عمارة (المجتمع الكويتية 9/2/1999).

(2) الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر- طارق البشري، ص- 168. وكتاب حسن البنا رجل على موعد- أيمن حمودة.


ولأنهم قاموا بجهود عملية في مجال الإصلاح الاجتماعي بإنشاء المدارس والمستشفيات والشركات وما إلى ذلك، ونجحوا في تربية أجيال جديدة من المؤمنين بأهداف الدعوة في أكثر بلدان العالم الإسلامي(1).

لهذه الظروف الداخلية والخارجية التي واجهتها دول العالم الإسلامي :

  • قامت حركات التحرير في معظم بلاد المسلمين.. لإخراج المحتل من ديار الإسلام..

الهامش

(1) الإخوان المسلمون- محمد فريد عبد الخالق، ص- 1. حركة الإخوان المسلمين


دعوة إسلامية صميمة

لقد توافر في دعوة الإخوان من يومها الأول، التميز ووضوح الشخصية.

فهي دعوة إسلامية صميمة، من الإسلام تستمد، وعلى الإسلام تعتمد، وإلى الإسلام تهدف(1).. شعاراتها إسلامية (الله غايتنا، والرسول قدوتنا).. وهتافاتها إسلامية (الله أكبر ولله الحمد).

الناس يسألون: ما أنتم أيها الإخوان؟ إننا لم نفهمكم بعد.

فأفهمونا أنفسكم، وضعوا لأنفسكم عنواناً نعرفكم به.

ويجيب الإمام البنا: قولوا لهؤلاء المتسائلين: نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة: طريقة صوفية.. وجمعية خيرية.. ومؤسسة اجتماعية.. وحزب سياسي نظيف .

وبعد هذا كله مازال الناس يسألون: لا زلتم غامضين، فأجيبوهم: لأنكم ليس في يدكم مفتاح النور الذي تبصروننا على ضوئه. (نحن الإسلام) أيها الناس. فمن فهمه على وجهه الصحيح، فقد عرفنا كما يعرف نفسه، فافهموا الإسلام أولاً وقولوا عنا بعد ذلك ما تريدون(2).

وفي مقام آخر يعرّف الإمام البنا حقيقة دعوته فيقول:

أيها الإخوان المسلمون.

بل أيها الناس أجمعون..


الهامش

(1) الإخوان المسلمون 70 عاماً في الدعوة والتربية والجهاد- د. يوسف القرضاوي، ص- (24-25).

(2) من خطاب الإمام حسن البنا في اجتماع رؤساء المناطق في 8/9/1945.


شعار الإخوان

لسنا حزباً سياسياً، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا.. ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا.. ولسنا فرقا رياضية، وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا.. ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها, ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين. نحن أيها الناس - ولا فخر- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين (ولتعلمُنّ نبأه بَعْدَ حِيْنٍ)(1).

حركة إسلامية منظمة

لقد تميزت جماعة الإخوان المسلمين باسمها.. فهي حركة إسلامية.. والحركة قبل كل شيء عمل، وعمل دائب متواصل، ليست مجرد كلام يقال، أو خطب تلقى، أو كتب تؤلف، وإن كان هذا كله مطلوباً، ولكنه جزء من حركة، وليس هو الحركة، قال تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(2).

والحركة الإسلامية عمل شعبي.. يقوم أساساً على الانبعاث الذاتي، والاقتناع الشخصي، إيماناً واحتساباً، وابتغاء ما عند الله، لا ما عند الناس.

والحركة الإسلامية عمل جماعي منظـم، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)(3).

ولابـد أن يكون العمـل الجمـاعي منظماً، والنظـام يقوم على قيادة مسؤولة، وقاعدة مترابطة، ومفاهيم واضحة، تحدد العلاقة بين القيادة والقاعدة، على أساس من الشورى الواجبة الملزمة، والطاعة المبصرة اللازمة.


الهامش

(1) الإخوان المسلمون تحت راية القرآن- حسن البنا، ص- 197 (مجموعة الرسائل), ص-88.

(2) التوبة- 105.

(3) الصف- 4.


تجديد الإسلام

أما مهمة الحركة فهي تجديد الإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها).. وتجديد الدين يعني: تجديد الفهم له، وتجديد الإيمان به، وتجديد العمل بأحكامه وآدابه، وتجديد العمل له والدعوة إليه والجهاد في سبيـله. وإن الـذي قام بالدور الأكبر في تجديد الدين على رأس هذا القرن هو الحركة الإسلامية.. حركة الإخوان المسلمين(1).

  • كان الموقف التجديدي للإمام البنا – إزاء الحضارات الأخرى– وسطا... يرفض الانغلاق والعزلة ويرفض التبعية والتقليد ويتخذ الموقف النقدي، الذي يميز ما بين المشترك الإنساني العام وما بين الخصوصيات العقدية والفلسفية والثقافية، فهو التفاعل الذي ينفتح على الدنيا من موقع الراشد المستقل، الذي لا يفقد هويته ولا يفرط في روحه الحضارية المتميزة عن الآخرين.
  • وفي مواجهة التخلف الموروث، دعا الأستاذ البنا إلى التجديد، وحدد في صراحة ووضوح أن دعوته هي واحدة من (الدعوات التجديدية لحياة الأمم والشعوب).
  • وطالب في النظرة النقدية للتراث والتاريخ بالتمييز بين الدين الثابت وبين الفكر المتغير والممارسات البشرية؛ وهو ما يعني التطبيق لمنهاج التجديد الإسلامي في العودة إلى المنابع الجوهرية والنقية المعصومة – الكتاب وصحيح السنة – أي البلاغ القرآني، والبيان النبوي لهذا البلاغ القرآني، فهو المقدس الملزم بينما الفكر الإسلامي، والتراث الحضاري، وتجارب التاريخ، هي كنوز نحييها ونحتضنها، ونستلهم منها، لكن دون تقديس ولا تعصب ولا إلزام.

الهامش

(1) الإخوان المسلمون- د. يوسف القرضاوي، ص- 36.


وعن هذا المنهاج التجديدي يقول الأستاذ البنا: إن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان إن تمسكت بهما فلن تضل أبدا، وإن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها؛ ولهذا يجب أن تستقي النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جمعاء.

  • إننا عندما نتأمل هذا المنهاج في التجديد الإسلامي، عند الأستاذ البنا، ونتأمل كلامه السابق، نتذكر صياغة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده لذات المنهاج، عندما قال: إنه قد دعا إلى تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى.

وبهذا المنهاج تتحول السلفية إلى تحرير وتجديد، لا إلى جمود وتقليد، كما فهمها آخرون! وهنا –أيضا– يتميز التجديد الإسلامي عن الحداثة – بمعناها الغربي– فضلا عن تميزه عن الجمود والتقليد.

فالجمود والتقليد قد حوّل التراث إلى مرجعية كادت أن تحجب المنابع الجوهرية والنقية للإسلام، حتى غدت حجابا بين العصر وبين البلاغ القرآني والبيان النبوي لهذا البلاغ القرآني.. وكادت المذهبية والمذاهب أن تحجب مقلديها عن منهاج النبوة.

ثم جاءت الحداثة – بمعناها الغربي – لتقيم قطيعة معرفية كبرى مع الموروث والتراث، والموروث الديني على وجه الخصوص، فأحدثت فراغا كاملا، فلا التراث أبقت، ولا هي رجعت إلى المنابع الأولى.

وانطلاقا من هذه النزعة التجديدية، وقف الإمام البنا هذا الموقف النقدي، وهو يقيم تاريخ الدول الإسلامية في تاريخنا الحضاري، فكان حديثه عن العوامل السبعة التي أدت إلى تحلل كيانها، ومن ثم حدوث الفراغ الذي أخذ يتمدد فيه النموذج الغربي للدولة القومية الحديثة.

أهم عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية – تاريخيا – هي:

  • الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه.
  • الخلافات الدينية والمذهبية.
  • الانغماس في ألوان الترف والنعيم.
  • انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب، من الفرس تارة، والديلم تارة أخرى، والمماليك والأتراك وغيرهم ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه.
  • إهمال العلوم العملية والمعارف الكونية، وصرف الأوقات وتضييع الجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة.
  • غرور الحكام بسلطانهم، والانخداع بقوتهم، وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم، حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة، وأخذتهم على غرة.
  • الانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم، والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع.

وبهذا النقد العبقري – على حد قول د. عمارة- قدّم الأستاذ البنا للصحوة الإسلامية ميزانا تزن به نظم الحكم الإسلامية في تاريخ الإسلام(1).

حركة أهدافها محددة

قال الإمام حسن البنا:

1- نريد أولاً: الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه.

2- ونريد بعد ذلك: البيت المسلم، ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب.

3- ونريد بعد ذلك: الشعب المسلم في ذلك كله أيضاً، ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت، وأن يُسمع صوتنا في كل مكان، وأن تنتشر فكرتنا، وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن والحواضر والأمصار.

4- ونريد بعد ذلك: الحكومة المسلمة، التي تقود هذا الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدي الإسلام من بعد، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر وعمر من قبل. وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام.


الهامش

(1) دراسة عن التجديد عند الإمام حسن البنا, ألقاها الدكتور محمد عمارة بمناسبة مائة سنة على ميلاد الإمام البنا في عمان (الأردن).


5- ونريد بعد ذلك: أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي الذي مزقته السياسة الغربية، وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية. ونحن لهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية، ولا نسلم بهذه الاتفاقات الدولية، التي تجعل الوطن الإسلامي دويـلات ضعيفـة ممزقة، ولا نسكت على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها.

6- ونريد بعد ذلك: أن تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي سعدت بالإسلام.. ودوّى فيها صوت المؤذن بالتكبير والتهليل(1).

أما الوسائل، فواضحة ومحددة كذلك وهي:

1- إشاعة الوعي العام في الأمة بالتقصير في تطبيق الإسلام.

2- الإشعار بوجوب العودة إلى الإسلام: دينياً بمقتضى عقد الإيمان، ودنيوياً بحكم العزة القومية والأصالة الذاتية.

3- شرح ما تجنيه الأمة من ثمار برجوعها إلى الإسلام الصحيح في حياتها مادياً ومعنوياً، ثقافياً وسياسياً، اجتماعياً واقتصادياً.

4- مخاطبة الحكام والمسؤولين في ذلك وإقامة الحجة عليهم، ووضع المقترحات العملية للإصلاح.

5- استخلاص العناصر الطيبة المستعدة للبذل، لتربيتهم تربية متكاملة للقيام بهذا الواجب عند اللزوم.

6- التدرج في الخطوات والمراحل، ابتداءً بالتعريف ثم التكوين وأخيراً بالتنفيذ.


الهامش

(1) رسالة إلى الشباب- حسن البنا، ص- 178 (مجموعة الرسائل).


وختم الإمام البنا حديثه عن الوسائل فقال:

أيها الإخوان المسلمون:

ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة.

ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها، وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد(1).


الهامش

(1) رسالة المؤتمر الخامس- حسن البنا, ص- 127 (مجموعة الرسائل).


القائد المؤسس

هو الإمام حسن البنا الذي أسس هذه الحركة عام 1928م.

يتحدث عنه د. ريتشارد ميتشل صاحب كتاب الإخوان المسلمين فيقول: وافق وصول البنا إلى القاهرة فترة الغليان السياسي والفكري الشديد الذي غيّر مصر العشرينات، فنظر إلى ذلك المشهد بعين القروي المتدين، واستخلص ما اعتبره مشاكل جدية، وهي:

  • والدعوة إلى الإلحاد والإباحية التي كانت تحيط بالعالم الإسلامي.
  • ومهاجمة الأعراف المستقرة والمعتقدات التي ساندتها الثورة الكمالية بنبذها الخلافة والخط العربي، وهي مهاجمة تم انتظامها في حركة (التحرر الفكري والاجتماعي) لمصر - ثم التيارات غير الإسلامية بالجامعة المصرية التي أعيـد تنظيمها آنذاك، والتي بدا أنها تستمد إلهامها من الفكرة القائلة بأن الجامعة لا يمكن أن تكون جامعة علمانية ما لم تثر ضد الدين، وما لم تحارب الأعراف الاجتماعية المستمدة منه.
  • يضاف إلى ذلك الندوات والجمعيات والحفلات والكتب والصحف والمجلات التي روجت الأفكار التي كان هدفها الوحيد هو إضعاف أثر الدين(1).

الهامش

(1) الإخوان المسلمون- ريتشارد ميتشل, ص-(71-72).


وكان ردّ فعل هذه الصورة على حسن البنا ونظرائه في التفكير ما عبّر عنه الإمام حسن البنا بقوله: ليس يعلم أحدٌ إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء. ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حدّ البكاء(1).

  • وما أن وصل حسن البنا إلى القاهرة حتى قام ببعض الاتصالات مع أتباع طريقته الحصافية.. ولكن سرعان ما تبين له أنها غير مجدية. وفي عامه الثاني التحق بمجموعة دينية أخرى هي جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية التي عنيت بإلقاء محاضرات في موضوعات إسلامية.. ولكن كان ذلك أيضاً غير كاف لمواجهة الفجوة التي بدت له تفصل بين المسلمين وبين العقيدة وتعاليمها.
  • وهكذا انبعثت خطوته التالية من مخاوفه تلك، ومن اقتناعه المتزايد بأن المسجد وحده لا يكفي لنشر العقيدة بين الناس، وبالتالي قام بتنظيم مجموعة من طلبة الأزهر ودار العلوم الراغبين في التدرب على مهمة الوعظ والإرشاد.. وبعد مدة وجيزة دخل هؤلاء المساجد واعظين. وأهم من ذلك هو أن طريقتهم في الوعظ قد لاقت نجاحاً كبيراً فيما بعد إذ اتبعوا سبيل الاتصال المباشر بالناس في أماكن اجتماعاتهم العامة كالمقاهي والمجتمعات الشعبية الأخرى قاصدين بذلك تعزيز الفكرة الإسلامية ونشرها من جديد. ثم أرسلت فئة من هذه المجموعة بعد تدريبهم في القاهرة إلى القرى لا كدعاة إلى رسالة الإسلام فحسب ولكن لتسهيل نشر فكرة الإخوان المسلمين أيضاً حين تؤسس في المستقبل.
  • واتصل الإمام البنا خلال هذه الفترة بصاحب المكتبة السلفية التي كان يديرها محب الدين الخطيب، وبرشيد رضا صاحب المنار.. وحمل مخاوفه إلى مشايخ الأزهر فأجابوه على لسان الشيخ الدجوي: حسب الإنسان أن يعمل لنفسه, وأن ينجو بها من هذا البلاء.. وأخيراً التقى بمجموعة من إخوانه في الإسماعيلية في مارس 1928م وأسسوا الإخوان المسلمين.. لقد قرر الإمام رغم جميع المرارات التي ذاقها والمثبطات التي واجهها أن يمر على الجسر الضيق الذي طالما مر عليه المجددون من أمة الإسلام.

الهامش

(1) رسالة المؤتمر الخامس – الإمام حسن البنا.


الإخوان المسلمون

يقول الإمام حسن البنا في مذكراته: (ثم كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث عدة ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس. وأخذت أفاتح كثيراً من كبار القوم في وجوب النهوض والعمل وسلوك طريق الجد والتكوين، فكنت أجد التثبيط أحياناً، والتشجيع أحياناً، والتريث أحياناً، ولكني لم أجد ما أريد من الاهتمام بتنظيم الجهود العملية. وليت وجهي شطر الأصدقاء والإخوان ممن جمعني وإياهم عهد الطلب وصدق الود والشعور بالواجب، فوجدت استعداداً حسناً. وكان عهد وكان موثق أن يعمل كلٌ منا لهذه الغاية، حتى يتحول العزم العام في الأمة إلى وجهة إسلامية صالحة. وفي الإسماعيلية وضعت أول نواة تكوينية للفكرة، وظهرت أول هيئة متواضعة نعمل ونحمل لواءها ونعاهد الله على الجندية التامة في سبيلها تحت اسم ( الإخوان المسلمون) وكان ذلك في ذي القعدة سنة 1347هـ الموافق آذار ( مارس 1928م ) (1).

لقد كانت هذه الحركة على موعد مع القائد الفذ الرباني حسن البنا.. وكانت فكرة وأصبحت أعظم حركة تملأ الدنيا وتشغل الناس..


الهامش

(1) قائد الدعوة- أنور الجندي، ص- 137.


سيرة الإمام المجدد حسن البنا 19061949م

الحديث عن حركة الإخوان المسلمين يقتضينا أن نتحدث عن الإمام حسن البنا.. الذي أسس هذه الحركة.. ونشر فكرها في مصر أولاً.. وفي المنطقة العربية والإسلامية بعد ذلك..

المولد والأسرة(1)

  • ولد حسن البنا بمدينة المحمودية بمحافظة البحيرة (التي تبعد 150 كيلو متراً شمال غربي القاهرة) في 25 شعبان 1324هـ الموافق 14 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1906م، وهو ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال، كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا هي قرية شمشيرة (قرب مدينة رشيد الساحلية). كان أبوه الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا مأذوناً محلياً وإماماً ومدرساً بالمسجد وباحثاً، اشتغل بعلوم السنة، وله عدة مصنفات في الحديث الشريف أهمها (الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني)، وقد كان يعتبر نفسه من تلامذة الإمام محمد عبده. وكان إلى هذا يحترف تجليد الكتب وإصلاح الساعات، لذا لقب بالساعاتي.

وأمه أم سعد إبراهيم صقر، والدها تاجر مواشي بقرية شمشيرة.

أما إخوته فهم: عبد الرحمن الذي أسس جمعية الحضارة الإسلامية في القاهرة، وفاطمة (حرم الأستاذ عبد الحكيم عابدين) ومحمد وعبد الباسط وزينب والأستاذ أحمد جمال الدين وفوزية (حرم الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي).


الهامش

(1) من مقدمة مجموعة رسائل الإمام حسن البنا.


  • نشأ حسن البنا في بيت علم وصلاح، وتلقى علومه الأولية في مدرسة الرشاد الدينية وكان معلمه بالمدرسة الشيخ محمد زهران من أوائل الذين أثروا تأثيراً عميقاً في تطور التلميذ الصغير بعد أثر والده، يتحدث عنه الإمام حسن البنا فيقول: (وكان للرجل أسلوب في التدريس والتربية مؤثـر منتـج، رغـم أنه لم يدرس علوم التربية ولم يتلق قواعد علم النفس، فكان يعتمد أكثر ما يعتمد على المشاركة الوجدانية بينه وبين تلامذته.. ولعلي أدركت خلال هذه الفترة أثر التجاوب الروحي والمشاركة العاطفية بين التلميذ والأستاذ). وفي هذه المدرسة المباركة مرت فترة من فترات العمر بين الثامنة والثانية عشرة(1).


أحمد عبد الرحمن البنا (في الوسط)



الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا, ص- 14.


ثم التحق حسن البنا بالمدرسة الإعدادية بالمحمودية، وبدأ اهتمامه في سن مبكرة بالعمل الإسلامي فأنشأ مع زملائه في الدراسة وبإشراف أحد معلميه الشيخ محمد أفندي عبد الخالق (جمعية الأخلاق الأدبية) ثم (جمعية منع المحرمات)، وتعرف على (الطريقة الحصافية)، مما أصّل في نفسه معاني الزهد والصفاء والتجرد. ومن وحي هذه الجمعيات تم تأسيس الجمعية الحصافية الخيرية، وأصبح البنا وهو في الثالثة عشرة من عمره أمينا لها، أما رئيسها فكان أحمد السكري. وكان لهذه الجمعية الجديدة هدفان: المجاهدة لحفظ الأخلاق الإسلامية، ومقاومة أعمال إرساليات التبشير المسيحية. وكانت هذه الجمعية نواة الإخوان المسلمين(1).

كان الإمام يقسم وقته بين الدرس نهاراً، وتعلم حرفة الساعات بعد الانصراف من المدرسة إلى العشاء، ويستذكر دروسه بعد ذلك إلى النوم، ويحفظ حصة من القرآن الكريم بعد صلاة الفجر حتى يذهب إلى المدرسة(2).

  • وعلى الرغم من انضمام الإمام البنا وهو في هذه السن المبكرة إلى الصوفية وانشغاله بالأوراد والصلاة وزيارة الأولياء.. إلا أن ذلك لم يمنعه وهو تلميذ في الإعدادية، وفي سن الثالثة عشرة من المشاركة في الحركة الوطنية وقيادة زملائه في المظاهرات والإضرابات التي كانت تنظم في المدرسة.

يقول الإمام البنا: ولا زلت أذكر يوم دخل علينا أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح .


الهامش

(1) الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية- اسحق موسى الحسيني، ص- 47.

(2) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 15.


والدموع تترقرق في عينيه فسألناه الخبر فقال: مات محمد فريد بك، وأخذ يحدثنا عن سيرته وكفاحه في سبيل الوطن. وأوحت لي هذه الذكرى ببعض أبيات من الشعر جاء فيها:

أفريد نم بالأمن والإيمـان

أفريد لا تجزع على الأوطان

ولا زلت أذكر حديث الناس حول لجنة ملنر وإجماع الأمة على مقاطعتها, وكيف دفع هذا الشعور الفياض الإمام البنا أن يقول:

يـا ملنر ارجـع ثـم سـل

وفـداً ببـاريس أقـام

وارجع لقـومـك قـل لهـم

لا تخدعـوهم يـا لئام(1)

وبعد أن انتقل البنا إلى مدرسة المعلمين بدمنهور استمر في المشاركة في فعاليات العمل الوطني ضد الإنكليز وأعوانهم.. فقد كان يعتقد أن الخدمة الوطنية جهاد مفروض لابد من القيام به(2).

  • وانتقل حسن البنا إلى دار المعلمين بدمنهور عام 1920م، وكان أمام عقبتين: عقبة السن فهو ما يزال في منتصف الرابعة عشرة وأقل سن القبول أربع عشرة سنة كاملة، وعقبة إتمام حفظ القرآن الكريم إذ أن ذلك هو شرط القبول، ولقد كان ناظر المدرسة وهو الأستاذ بشير الدسوقي موسى كريماً متلطفاً، فقد تجاوز عن شرط السن وقبل منه التعهد بحفظ ربع القرآن الباقي.

وكان للإمام في هذه الفترة نظام لا يكاد يتبدل.. فقد نظم وقته بحيث يقضي الأسبوع المدرسي في دمنهور، ويعود ظهر الخميس إلى المحمودية، ثم يعود صباح السبت إلى المدرسة.


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية، ص- 33.

(2) ظروف النشأة وشخصية الإمام المؤسس- جمعة أمين ، ص- 179.

وفي المحمودية كان يقضي فترة النهار في الدكان صانعاً، وفترة الليل مع الإخوان الحصافية ذاكراً.. وأدى الإمام امتحان كفاءة التعليم فكان الأول في المدرسة والخامس في القطر(1).


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 46.


كان حسن البنا يحض الجميع على ضرورة العمل للإسلام بشتى الوسائل لصد التيار العلماني الذي امتلك ناصية الساحة السياسية بعد إسقاط مصطفى كمال للخلافة، ومواجهة الإلحاد والإباحية في مصر الذي تجلى بالدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، ورسم أبي الهول على طوابع البريد وأوراق العملة اقتداء بالكماليين الذين وضعوا رسم الذئب الأغبر الذي يمثل التراث الوثني للأتراك على طوابع البريد، ووصل الأمر إلى حدّ طرح إعادة النظر بقانون الأحوال الشخصية، والمطالبة بإلغاء الوقـف، وإلغاء منصب المفتي في البرلمان..

ولقد عبر حسن البنا عن مشاعره تجاه هذه الأحداث فقال: (فاعتزمت أمراً إيجابياً وقلت في نفسي: لماذا لا أحمّل هؤلاء القادة من المسلمين هذه التبعة وأدعوهم في قوة إلى أن يتكاتفوا على صدّ هذا التيار؟ فإن استجابوا فذاك، وإلا كان لنا شأن آخر. وصح العزم على هذا وبدأت التنفيذ) (1).


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 32.


ولقد أدت هذه المبادرة إلى ظهور مجلة الفتح الإسلامية التي صدر العدد الأول منها في 10 حزيران (يوليو) 1926م، ثم تأسيس جمعية الشبان المسلمين في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1927م، التي قام على تأسيسها شخصيات من بقايا الحزب الوطني وأتباع الشيخ محمد عبده من أمثال الدكتور عبد الحميد سعيد والدكتور يحيى الدرديري والشيخ محب الدين الخطيب، وبعد تعيين الإمام البنا مدرسـاً في الإسماعيلية أصبح مراسلاً لمجلتها الفتح التي أصدرها آنذاك محب الدين الخطيب مدير المكتبة السلفية وأحد مؤسسي جمعية الشبان المسلمين(1).

الدعوة في المقاهي

إن ما رآه حسن البنا في القاهرة من مظاهر التحلل والفساد، جعلته يفكر في أن المساجد وحدها لا تكفي في إيصال التعاليم الإسلامية إلى الناس.. وهنا تبدو عقلية البنا المبتكرة! إن الجمهور الذي لا يغشي المساجد، أشد حاجة إلى الوعظ من جمهور المساجد، فهو منقطع الصلة بالدين، بعيد عن سماع الموعظة، فلماذا لا تنتقل الموعظة إليه؟!

وكان أن اقترح على جماعة من زملائه بدار العلوم، وبعض أصدقائه الأزهريين، أن يخرجوا للدعوة في المقاهي والمجتمعات العامة! وكان


الهامش

(1) الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية- اسحق موسى الحسيني، ص- 23.


أن نجحت التجربة نجاحاً عظيماً شجعتهم على الاستمرار فيها. وانشعبت منهم شعبة تتولى نشر الدعوة الإسلامية في الريف والمدن أثناء الإجازة الصيفية. وأفادوا من هذه التجربة كسب الثقة النفسية، وحسن الأحدوثة في الأوساط الشعبية(1).

حركة الإخوان المسلمين

يبدو أن فكرة الإخوان قد تبلورت في رأس حسن البنا، وهو مازال طالباً بدار العلوم. فقد كتب موضوعاً إنشائياً كان عنوانه: ما هي آمالك في الحياة بعد أن تتخرج؟ فقال: إن أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان:

خاص: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي ما استطعت..

وعام: وهو أن أكون مرشدا معلماً، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، ومعظم العام، قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة(2).

فلما تخرج من دار العلوم عام 1927م، وكان ترتيبه الأول، عيّن مدرساً بمدينة الإسماعيلية على قناة السويس ، وعندما جاء أصدقاؤه ليودعهم ويودعوه.. قال له محمود أفندي الشرنوبي.. وهو رجل صالح: إن الرجل الصالح يترك أثراً صالحاً في كل مكان ينزل فيه.. وأخذت هذه الكلمات مكانها من نفس المسافر.


الهامش

(1) روح وريحان- أحمد أنس الحجاجي ، ص- 97. الإخوان المسلمون والمجتمع المصري- محمد شوقي زكي ، ص- 15. الإمام الشهيد حسن البنا- د. جابر قميحة ، ص- 29.

(2) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 60.


مدينة الإسماعيلية

وبدأ نهجاً مدروساً في الدعوة، فكان يتصل بالناس في المقاهي، ثم ينتقل بهم إلى المسجد باذلاً جهده في تجاوز الخلافات التي كانت تسود المجتمع الإسلامي آنذاك. واستطاع أن يرسي دعائم دعوة إسلامية متميزة، حيث تعاهد مع ستة نفر من إخوانه على تشكيل أول نواة لجماعة الإخوان المسلمين، ومما قاله هؤلاء الستة للأستاذ البنا: (لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا ولا ندري ما الطريق العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين. لقد سئمنا هذه الحياة: حياة الذلّ والقيود. وها أنت ترى أن العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظ لهم من منزلة أو كرامة، ونحن لا نملك إلا هذه الدماء (تجري حارة بالعزة في عروقنا)، وهذه الأرواح (تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفاسنا) وهذه الدراهم القليلة (من قوت أبنائنا)، وكل الذي نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله. وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه، وتموت في سبيله، لا تبغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر وإن قل عددها وضعفت عدته) (1).

وكان ذلك في شهر ذي القعدة 1347هـ الموافق آذار (مارس) 1928م، وأولئك هم الإخوة (حافظ عبد الحميد ، أحمد الحصري ، فؤاد إبراهيم ، عبد الرحمن حسب الله ، إسماعيل عز ، زكي المغربي )(2)، وكلهم من الذين أثرت فيه دروس الأستاذ ومحاضراته, وقال قائلهم: بمَ نسمي أنفسنا؟ وهل نكون جمعية أو نادياً، أو طريقة أو نقابة حتى نأخذ الشكل الرسمي؟ فقلت: دعونا من الشكليات، وليكن أول اجتماعنا وأساسه: الفكرة والمعنويات والعمليات، نحن إخوة في خدمة الإسلام، فنحن إذن (الإخوان المسلمون). وجاءت بغتة.. وذهبت مثلاً.. وولدت أول تشكيلة للإخوان المسلمين من هؤلاء الستة, حول هذه الفكرة, على هذه الصورة, وبهذه التسمية(3).

ولبث الإمام البنا يعمـل لدعوته صامتاً بغير ضوضاء ولا ضجيج، وكسب من وراء ذلك لنفسه ولدعـوته الكثير، فسـارت دعوته في طريقهـا تكسـب كـل يوم مزيداً من الأنصـار والجنـود. فلم يترك قـرية ولا بلـدة إلا زارها وبات بها واجتمع بالنـاس فيهـا. وكـانت أسفاره فـي عطلته الأسبوعية، وفي عطلتـه السنـوية في الصيف، ففي الأولى يزور البلاد القريبة، وفي الأخرى البلاد البعيدة.. وأثمـرت أسفاره بعد سنتين شعبة في كل من أبو صوير وبورسعيد والبلاح.


الهامش

(1) الإخوان المسلمون- د. ريتشارد ميتشل، ص- 77.

(2) لماذا اغتيل الإمام حسن البنا- عبد المتعال الجبري ، ص- 37.

(3) مذكرات الدعوة والداعية, ص-66. كبرى الحركات الإسلامية- د. محمد السيد الوكيل , ص-38.


وبعد ثلاث سنوات، شعبة أخرى في السويس ، وبعد أربع سنوات نحواً من عشرة فروع، ومعهداً في الإسماعيلية لتربية البنات وإعدادهن ليكن أخوات مسلمات. لقد عني الإمام البنا بالمرأة عناية كبيرة، ولعل تلك التجربة هي أول محاولة جادة في الوطن العربي للنهوض بالمرأة وتنميتها فكرياً وتأهيلها اجتماعياً وسياسياً.

وبعد نحو خمس سنوات من تأسيس الدعوة في الإسماعيلية، نقل الأستاذ البنا سنة 1933 إلى القاهرة.

لقد تشكلت النواة الأولى للجماعة في الإسماعيلية من أفراد قلائل محدودي القدرات، وانطلقت تعمل في مجال الحياة اليومية وتعالج قضايا الناس ومشكلات حياتهم الواقعية. في الإسماعيلية حيث نشأت الجماعة كان الناس يتعرضون لتحكم شركة قناة السويس بهم.. فكان طبيعياً أن يبدأ البنا بإعادة ثقة المسلم بنفسه وبتعلم حقوقه وواجباته وبغرس معاني العزة والكرامة في الفرد حتى لا يهاب الأجنبي المستعمر المستبد. ومن أجل هذا كانت الشعبة تتألف من مسجد ومن مدرسة لتعليم الناس.. فلا سبيل لنجاح الدعوة الإسلامية والناس على ما كانوا عليه من الجهل.

في مذكراته كتب الإمام (وحي الإسماعيلية) فقال: كان للإسماعيلية وحي عجيب، فهذا المعسكر الإنكليزي في غربها ببأسه وسلطانه، يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى والأسف.. وهذه المنازل الفخمة المنتشرة في حي الإفرنج بأكمله، ويسكنها موظفو الشركة الأجانب، وتقابلها مساكن العمال العرب في ضآلتها وصغر شأنها، والشوارع كلها بها لوحات لا تكتب إلا بلغة هذا الاحتلال الجاثم على صدرها، حتى شارع المسجد كان مكتوباً بلغتهم(1).


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 75.


فتن واجهتها الدعوة في الإسماعيلية

يذكر الإمام البنا في مـذكراته بعض الفتن التي واجهتها الـدعوة وهي في مهدها في الإسماعيلية.. وكيف تم التغلب عليها.. نذكرها للعبرة :

1- فما كاد يظهر إعجاب الناس والتفافهم حول الدعوة وتقديرهم للعاملين لها، حتى أخذت عقارب الحسد والضغينة تدب في نفوس ذوي الأغراض، وراحوا يصورون الدعوة والداعين للناس بصور شتى: فهم تارة يدعون إلى مذهب خامس، وهم أحياناً شباب طائش، وهم مختلسون يأكلون أموال الناس بالباطل!!

وسمعت هذا اللغط فلم أعبأ به ولم أحاول الرد عليه، وأنا لا أعلم قاعدة أفادتني كثيراً في سير الدعوة العملي مثل: أن الإشاعة والأكاذيب لا يُقضى عليها بالرد عليها، ولكن يُقضى عليها بعمل إيجابي نافع يستلفت الأنظار ويستنطق الألسنة(1).

2- ومع استمرار نجاحنا في الإسماعيلية، اشتدت علينا الدسائس والفتن. فلم يجدوا سلاحاً إلا بالدس والوشايات والعرائـض المجهولة فكتبوا بها إلى السلطـات المحلية بالإسماعيلية من البوليس والنيابة وغيرها. ولما لم يجدهم ذلك نفعاً كتبوا عريضة إلى رئيس الحكومة رأساً ضمنوها أموراً غريبة منها أن هذا المدرس شيوعي، وأنه وفدي يعمل ضد النظام.. إلى آخر هذه الاتهامات الباطلة.. وجاء التحقيق.. ورأيت كيف ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)(2).


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا، ص- 95.

(2) الحج-38.


3- ومن الدروس التي تعلمتها.. أن الداعية ينبغي أن يحذر من صنفين من الناس حذراً شديداً ولا يلحقهما بالدعوة أبداً: الملحد الذي لا عقيدة له، وإن تظاهر بالصلاح، والصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفرداً، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه(1).

4- رغب الإخوان أن أقيم لهم من بينهم من ينهض بأعباء الدعوة في حال انتقالي من الإسماعيلية. ورشحت لهم الأخ الشيخ علي الجداوي ، وهو من أفضل الإخوان خلقاً وديناً، فوافقوا عليه بالإجماع. وكان من بين الإخوان مدرس يريد هذا المنصب لنفسه، ويرى أنه الأحق به من هذا الذي اختاره الإخوان.. فبدأ باتصالات جانبية وانضم إليه ثلاثة آخرون وبدأوا يشيعون الفتنة في صفوف الإخوان.

وأردت أن أقضي على الفتنة، وأن أحافظ على هؤلاء الإخوة في نفس الوقت، فدعوت إلى اجتماع لجميع الإخوان وطرحت الموضوع عليهم مرة ثانية.. وذكر كل فريق رأيه.. وكانت نتيجة التصويت أربعة مقابل خمسمائة أخ لصالح الشيخ علي الجداوي . ولكن النفوس إذا تمكن منها الهوى في ناحية فإنه يعميها عن الخير.. ومن هنا بدأ هؤلاء الأربعة يشيعون عن الدعوة والجماعة السوء في ثوب النصيحة. وانتهى بهم الأمر إلى تقديم بلاغ إلى السلطات يتهمون فيه رئيس الإخوان حسن أفندي بأنه يبعثر الأموال ويتصرف بما لا يحق له.


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية (المرجع السابق)، ص- 108.


يقول الإمام: وفكرت أن أدعو مجلس الإدارة لتقرير فصلهم من الجماعة، ولكنهم بادروا فقدموا استقالاتهم. ولم يتوقف كيد هؤلاء عند هذا الحد بل لجأوا إلى طبع النشرات ونشر الإشاعات يقولون فيها: إن البنا ينتهك مبدأ الشورى، وإن حرية الرأي مفقودة في هذه الجماعة(1).

حسن البنا في القاهرة

وفي جمادى الآخرة 1351هـ الموافق تشرين الأول (أكتوبر) عام 1933 م انتقل الإمام حسن البنا إلى القاهرة. وبانتقاله انتقل إليها المركز العام للإخوان المسلمين.

وبعد عام واحد من إقامته بالقاهرة، انتشرت فكرة الإخوان فيما يزيد عن خمسين بلداً من بلدان القطر المصري، وقامت في كل بلد من هذه البلدان تقريباً بمشروع نافع، أو بمؤسسة مفيدة، ففي الإسماعيلية أسست مسجد الإخوان، وناديهم، ومعهد حراء لتعليم البنين، ومدرسة أمهات المؤمنين لتعليم البنات، وفي شبراخيت أسست مسجداً، ونادياً، ومعهداً للبنين، وداراً للصناعة يتعلم فيها طلبة المعهد الذين لا يستطيعون إتمام التعليم، وفي المحمودية قامت بمثل ذلك فأنشأت منسجاً للنسيج والسجاد، إلى جوار معهد تحفيظ القرآن. وقل مثل ذلك في كل شعبة من شعب الإخوان المنتشرة من إدفو إلى الإسكندرية(2).

وفي القاهرة اندمجت جمعية الحضارة الإسلامية التي كان يرأسها شقيق الإمام الأستاذ عبد الرحمن البنا بجميع أعضائها مع الإخوان. كان الإمام يقوم برحلات متتابعة إلى الأقاليم يصحب فيها إخوانه الجدد يربيهم على خلق الدعوة وفقهها، ويؤهلهم للقيام بأعبائها، فإذا كان يوم الخميس من كل أسبوع أعدّ حقيبته واستقل القطار كما يستقله أي فرد عادي من أفراد الشعب فخالط المسافرين وتحدث إليهم وعرف آلامهم وما يطلبون هم وإخوانهم في بلادهم.


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية (المرجع السابق)، ص- 139.

(2) الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية- اسحق موسى الحسيني، ص- 37. الإخوان المسلمون والمجتمع المصري- محمد شوقي زكي ، ص- 22.


ولقد استفاد حسن البنا من هذه الجولات ثروة أمدته بفيض من المعاني النفسانية المتوارية في الناس والتي يحتاج إليها المصلح لتشخيص أدواء النفوس والوقوف على ما ينتابها(1).

وكان يتابع عمله هذا بدأب وتفان حتى غطت جماعة الإخوان المسلمين القطر المصري كله.

  • أنشأ البنا نواة مطبعة في عام 1933 م، تحولت بعد ذلك إلى مطبعة كبيرة في عام 1946م(3).

الأساس الفكري والمنهجي العملي للدعوة والجماعة :

أصدر الإمام البنا نحو خمس عشرة رسالة، وهي سلسلة تتابع صدورها، متواكبة مع تطورات الجماعة، وحركة الدعوة، وتفاعل الإخوان مع الأحداث والرأي العام، شارحاً فيها أهداف الجماعة ووسائلها، وقد كانت ولا تزال الأساس الفكري والمنهج العملي للدعوة والجماعة.


الهامش

(1) روح وريحان- أحمد أنس الحجاجي ، ص- 179.

(2) كان الشيخ رشيد رضا يصدر المنار، صوت الحركة الإصلاحية السلفية، وبعد وفاته تولى الأستاذ البنا إصدارها.

(3) الإخوان المسلمون- محمد فريد عبد الخالق، ص- 5.


ما كادت دعوة الإخوان المسلمين تنشأ عام 1928م في الإسماعيلية إلا وأخذت في الانتشار وسط الناس, لاعتدالها في الفكر، ووسطيتها في المنهج، وأخذِها بشمول الإسلام، ثم انتقلت في أكتوبر 1932م إلى القاهرة بانتقال الأستاذ البنا، والتي وجدت قلوبًا ذكيةً طاهرةً، تلقفتها بكل حب؛ فأخذت في الانتشار بين مختلف طبقات المجتمع حتى بين العلماء، ومن بينهم الشيخ طنطاوي جوهري، الذي سمع عن الشيخ حسن البنا، فذهب إليه وسأله: إلام تدعو؟! قال: أدعو إلى القرآن، فقال: دع هذا اللفظ الكريم من حديثنا, فإن هذا اللفظ مظلوم ظلمًا بيِّنًا، فما من فرقة قامت في الدولة الإسلامية مهما كانت زائفةً عن الإسلام إلا وادَّعت أنها تدعو إلى القرآن، فأجبني بتفاصيل ما تدعو إليه في كل ناحية من نواحي الحياة، قال فشرح لي تفاصيل دعوته فوجدتها في حدود كتاب الله..

وبعد اقتناع الشيخ طنطاوي جوهري بالدعوة قال له الشيخ البنا: يا سيدي الأستاذ.. إنك أستاذنا وأستاذ الجميع، وأنت حكيم الإسلام، وأراك أحق بمنصب الإرشاد لهذه الدعوة مني، وهذه يدي أبايعك.. فقال الشيخ: لا يا أخي.. أنت صاحب الدعوة، وأنت أقدر عليها، وأنت أجدر بها، وأنا أبايعك على ذلك، ومدَّ يده فبايعه، ولم ينكث- رحمه الله- بيعته إلى أن لقي ربه.

وفي ذات يوم قال له بعض العلماء: كيف تقبل وأنت العالم الجليل أن تكون تابعًا لمدرس أقل شأنًا منك؟ فردَّ عليه بقوله: لو تعلمون عن هذا الشخص ما أعلم ما ملكتم إلا أن تبايعوه على نصرة الإسلام، ثم قال: إن حسن البنا في نظري مزاج عجيب من التقوى والدهاء السياسي، إنه قلب عليّ وعقل معاوية، وإنه أضفى على دعوة اليقظة عنصر الجندية، ورد إلى الحركة الوطنية عنصر الإسلامية، وبذلك يعد هذا الجيل الإسلامي الحاضر النسخة الإسلامية الثانية الكاملة المعالم بعد الجيل الإسلامي الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

اختير الشيخ طنطاوي ليكون ممثلاً عن إخوان القاهرة في مجلس شورى الإخوان، والذي عُقد في الفترة من يوم السبت 11 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 16 من مارس 1935م حتى يوم الإثنين 13 من ذي الحجة 1353هـ الموافق 18 من مارس 1935م، وتولى رئاسة تحرير صحيفة (الإخوان المسلمين)، والتي صدر العدد الأول منها في 22 من صفر 1352هـ الموافق 15 من يونيو 1933 م، وكان أول مقال فيها للشيخ بعنوان: إلى القراء الكرام.

وخُصِّص له في المركز العام درسٌ في تفسير القرآن الكريم ، كان يفسر القرآن بالعلوم الحديثة، وهو لون لم يكن مألوفًا في ذلك الوقت، وكان الرجل بارعًا في التفسير وفي الإقناع؛ حيث كان على قدم راسخة في التفسير وفي العلوم الكونية معًا.

وكان أكثر الآثار الواضحة للشيخ طنطاوي داخل الدعوة أنه كان أول من احتضن أول مجموعة من طلبة الجامعة وأرشدهم إلى طريق دعوة الإخوان المسلمين, ففي عام 1933 م- وأثناء زيارة الإمام البنا للوجه البحري- قامت مجموعة من طلاب المدارس العليا بزيارة الشيخ طنطاوي جوهري، وكانت تتألف من خمسة طلاب ينتمون إلى الكليات الجامعية المختلفة، وكانوا قد نجحوا في تأليف رابطة أسموها شباب الإسلام، وكانوا قد ذهبوا إلى الشيخ حامد سعفان والذي حلل لهم الوضع، ثم قال لهم: سأختصر لكم الطريق وأنصح لكم بالاتصال بالإخوان المسلمين، تلك الجماعة الناشئة الحية، التي لمست من مجلتها روح الإسلام في حرارته الأولى، واستروحت من أسلوبها نفحات الإخلاص والصدق والجهاد، ويكفي أن يعمل في ظل هذه الجماعة شخصية أجلُّها وأحترمها فوق علماء العصر، وهو الشيخ طنطاوي جوهري رئيس تحرير مجلة الإخوان، وهو عالم عظيم عرض الإسلام في كتبه وآرائه..

فذهبوا له فاستبشر بهم خيرًا، وقال: إذًا فقد بدأ عصر جديد، ولاحت نهضة جديدة، وطلع فجر منشود، ثم قال: لا تستصغروا أنفسكم يا أبنائي؛ فإنكم قوة لو استقامت لأقامت الدولة وأقعدتها، وإنكم شعلة لو أُضرمت لأحرقت وأنارت، وما دمتم قد عرفتم الإسلام ووُفِّقتم إلى الدعوة إليه والعمل له فقد عرفتم الطريق، وآن لمصر أن تتطور، وآن للشعب أن ينهض، وإن الإخوان حركة جديدة تستلهم روح الإسلام وتترسَّم مناهجه في تربية الأمة وخلق الرجال على نمط الدعوة الإسلامية الأولى.

ثم قال: إن أهم ما يميز البنا عن غيره أن كل من عرفهم من الزعماء أحد رجلين: إما سياسي حظه من الإسلام قليل أو زعيم ديني حظه من السياسة يسير؛ ولهذا لم تنجح الحركات الإصلاحية في مصر، أما الإمام البنا فهو يجمع بين الأمْرَين؛ فهو فقيه ممتاز وسياسي بارع.

ولم ينتظر الشيخ طنطاوي جوهري حضور الإمام البنا؛ فبعث إليه بخطاب زفَّ إليه تلك البشرى وسماها فتح مبين وكانت بحق فتحًا مبينًا على الدعوة، وأخذ يستحثُّ الإمام البنا أن يعود سريعًا إلى القاهرة، والتقى بهم الإمام البنا في القاهرة وبايعوه على العمل للإسلام، وكان من أولهم وأسبقهم على البيعة إخوة ستة، هم:

1- محمد عبد الحميد أحمد - كلية الآداب.

2- إبراهيم أبو النجار الجزار - كلية الطب.

3- أحمد مصطفى - التجارة العليا.

4- محمد جمال الفندي - كلية العلوم.

5- محمد رشاد الهواري - كلية الحقوق.

6- محمد صبري - الزراعة العليا.

وظل الشيخ طنطاوي شامةً في تاريخ الدعوة، يعمل لها دون كلل أو ملل، وبالرغم من تقدم سنه غير أن هذا لم يمنعه من العمل للإسلام وخدمته بأي طريقة.

زواج الإمام البنا

تزوج الإمام البنا في سنة 1932م أثناء إقامته بالإسماعيلية عندما كان لا يزال يعمل مدرساً بإحدى مدارسها. وكانت زوجته من أسرة الصولي، وهي أسرة من متوسطي تجار الإسماعيلية، وأنجب منها ستة، خمساً من البنات هن: ثناء ووفاء ورجاء وهالة واستشهاد، وولداً واحداً هو: أحمد سيف الإسلام. لقد سار الإمام في تدبير شؤون أسرته ومعاشها، مثلما سار والده، من حيث الاقتصاد في الإنفاق، والبعد عن كل مظاهر التبذير والترف.

الإمام البنا وأسرته

التزم الإمام البنا بأدبيات الإسلام في بيته سلوكًا ومنهجًا، فكان ابنًا بارًا، وزوجًا مخلصًا محبًّا لزوجته، ووالدًا حانيًا عطوفًا على إخوته وأبنائه، مهذبًا في سلوكه، مربيًا نصوحًا واصلاً لرحمه ورحم زوجته.

وكان للمرأة في بيت الإمام المؤسس الاحترام، والتقدير، والرعاية، فالمرأة تمثل له الأم والأخت والزوجة والإبنة والخادمة، التزم معهن جميعًا بأدب الإسلام وقيمه وفضائله، واهتم بأسرته اهتمامًا بالغًا، فجعلها من القلب والوجدان قرة عينه، وحمل مسئولياتها بشرف ورجولة فقد شارك أسرته كل همومها، وتحمل النصيب الأوفى من مسئولياتها، وخفف عن والده عبء تربية أشقائه، والإنفاق عليهم، كان في سلوكه مع أسرته ينطلق من دوافع رب الأسرة وليس مجرد فرد فيها.

علاقته بأمه

كان الإمام البنا وثيق الصلة بأسرته بارًا بوالديه ومحبًّا لهما يتأدب معهما بأدب الإسلام، فهو عطوف, مقر معترف بصنيعهما لا يناديهما إلا بما يوقرهما، ويدل على هيبته وإجلاله لهما، ففي خطاباته إليهما نراه يردد عبارات سيدي الوالد، سيدتي الوالدة، ومن خطاباته التي تدل على مدى حبه لأمه في خطاب يقول فيه عن أمه: (والله إني لأقضي الساعات الطوال في ألم لتألم والدتي، وفي تفكير كيف أرضيها وكيف أسعدها، وكيف أجعلها هانئة مغتبطة، فهل يوفقني الله إلى هذه الأمنية؟ خطر لي أن أزوركم كل شهر مرة لا لشيء إلا لأراكم وأشرف بتقبيل يديكم ويدي والدتي، وأحظى بدعوة صالحة من دعواتكم، وعسى أن يكون هذا مرضيًا لوالدتي بعض الرضا).

فالإمام البنا الذي تأدب بأدب الإسلام، ونشأْ في ظل منهجه يدرك تمام الإدراك نعمة بر الوالدين، والإحسان إليهما، ويدرك أيضًا أن الأم لها ثلاثة أرباع البر عن الأب، ولذا فهو معني بإرضائها وتقبيل يديها، والتفكير في كيفية إرضائها وإسعادها، ويجعل من ذلك أمنية له فيتساءل: هل يوفقني الله إلى هذه الأمنية؟

الإمام البنا مع زوجته

اقترن الإمام البنا بفتاة اختارتها له والدته، أهم مؤهلاتها حسن دينها؛ حيث سمعتها والدته وهي تصلي وتقرأ القرآن بصوت خاشع، فرحب الإمام البنا بهذا الاختيار، واقترن بها، ويقول عن ذلك: كأنما أراد الله أن يخفف عن نفسي وقع هذه الفتن، فأتاح لي فرصة الزواج، وتم الأمر في سهولة ويسر وبساطة غريبة، خطوبة في غرة رمضان تقريبًا، فعقد في المسجد ليلة السابع والعشرين منه، فزفاف في العاشر من ذي القعدة بعده وقضي الأمر والحمد لله.

وهكذا نرى أن الإمام البنا كان زواجه نموذجًا للزواج الذي يفضله الإسلام، ليكون مثلاً ونموذجًا يقتدى؛ حيث سارع في الزواج طلبًا للعفة والإحصان، والزواج في سهولة ويسر وبساطة، فلا تعقيدات ولا شروط مسبقة، أو مؤجلة، والفتاة ذات دين، والعقد تم في المسجد، والزفاف بعد مدة قصيرة من العقد، لا تتجاوز الشهر، وهكذا بدأ الإمام المؤسس تأسيس أركان أسرته وأولى لبناتها، فقد كان للأسرة اهتمام كبير في مشروعه باعتبارها الركيزةَ الأساسيةَ التي إن صلحت صلح المجتمع, ورسخ بنيانه وصمد في مواجهة ما يتعرض له من تحديات، وفي القلب من الأسرة الأم التي هي بمثابة الشجرة الطيبة، التي تمد بقيم الحب والحنان، والثمرات الصالحة.

وكان حرص الإمام البنا على اختيار الزوجة الصالحة المتدينة هو أول تطبيق عملي لما يؤمن به، فهي كما يقول: نصف الشعب، بل هي النصف الذي يؤثر في حياته..

كان الإمام المؤسس (رحمه الله) إنسانًا ناجحًا في حياته الأسرية والعملية، وقد كان يقول: إذا وجد الرجل المؤمن وجدت معه عوامل النجاح، ولذا فقد كان لإيمانه القوي بالله، والتزامه بمنهجه وسلوكه مخلصًا لدعوته، عاكفًا على تأسيس مشروعه لنهضة الأمة، كما كان أيضًا إنسانًا ناجحًا في بيته وأسرته واصلاً لأرحامه وأصهاره أيضًا.

الإمام البنا مع أرحامه وأصهاره

يقول أحمد سيف الإسلام عن والده الإمام البنا: "حرص (رضي الله عنه) أن يعرف أقارب زوجته فردًا فردًا، وكل ما يرتبط بها بصلة رحم، وأحصاهم عدًا وزارهم ووصلهم جميعًا.

ومن هنا ندرك كيف يمكن للعلاقات الإنسانية أن تتوطد ووشائج الأرحام أن تتلاحم، وصلات الأبناء بالأرحام كيف تؤسس من خلال علاقات زوجية ناجحة، وممارسة عملية من الآباء مع الأرحام أمام أبنائهم.

تميز الإمام البنا بسمات جعلته زوجًا ناجحًا محبوبًا في أهله، ومن ذلك أنه كان مع زوجته هادئ الطبع، واسع الصدر، هينًا لينًا، لم يرتفع له صوت على أحد في البيت، لأي سبب من الأسباب، يعاون زوجته في بعض أعباء البيت رغم انشغاله بأعباء الدعوة، كان دقيقًا في تصرفاته، منظمًا لشئونه، نافعًا لبيته، حرص على أن يكتب مذكرةً صغيرةً بكل احتياجات البيت الوقتية، حتى يحضرها بنفسه، أو يكلف من يحضرها، على علم بكل شيء يخص المنزل حتى موعد تخزين الأشياء كالسمن والبصل والثوم.

بمثل هذا الخلق الرفيع مع زوجته، كان رحمه الله نموذجًا للزوج الصالح الناجح، يتمثل الإسلام في قيمه ومبادئه، ويلتزم بسلوك رسوله الكريم مع أهل بيته، وكان عليه الصلاة والسلام هاشًا باشًا وفي مهنة أهله.

الإمام المؤسس مع أبنائه

إن أهم ما يميز الإمام البنا في علاقته بأبنائه هو الالتزام التربوي العملي، وفي قدرته على بناء الشخصية السوية، التي تؤسس على الإيمان بالله ومراقبته، والاحترام، وتحري الصدق والأمانة، والحب واللين، فقد كانت هذه القيم جانب أصيل في منهجه التربوي الذي التزمه في داخل أسرته وخارجها.

تحكي سناء البنا عن والدها فتقول:

(كنا لا نحس فيه الغلظة، يغمرنا بالمودة والرحمة والعطف، ينادينا بأحب الأسماء إلينا، يدخل البيت يطمئن على غطاء كل الأبناء، يتناول عَشَاءه المعد له سلفًا على المائدة دون إيقاظ الوالدة، أو أحد من أهل البيت).

ومن هنا ندرك كيف كان يملك القدرة الفائقة في التأثير على سلوك الأبناء نتيجة لهذا الخلق الطيب معهم كمعلم وقدوة، ووالد حنون، فالتوجيه بالحب والالتزام والقدوة من أهم سمات المربي الصالح.

يقول عنه ابنه أحمد سيف الإسلام: أنه كان عطوفًا إلى أقصى درجة، يراعي مشاعر الطفولة في أبنائه بشكل كبير، وكان لديه القدرة على جعلنا نطيعه دون حاجة إلى أمره.

ومع التزامه التربية الصحيحة مع أولاده، فقد عني أيضًا بتعليم إخوته وأبنائه، يستوي في ذلك ابنه سيف مع إخوته البنات، وفي خطاب وجهه إلى والده دليل واضح على اهتمامه بتعليم أخته فاطمة فيقول: أما فاطمة فأنا أوصيها كلما سنحت الفرصة الوصايا التهذيبية، وسأشرع معها في القراءة والكتابة بحول الله وقوته.

ولا يخفى علينا مكانة بناته العلمية اليوم، فقد اهتم بتعليمهن، وحصلت ثلاث منهن على الدكتوراة في الطب، وفي التجارة، وفي الاقتصاد المنزلي، وذلك لأنهن نشأن في بيت علم ودين، فكلما كان والدهم (رحمه الله) يؤمن بأهمية دور المرأة الصالحة المتعلمة في أسرتها ومجتمعها آمن بأهمية التفوق العلمي ودوره في حياة المرأة والمجتمع.

تعليم الخادمة

كما اهتم الإمام البنا بتعليم الخادمة؛ حيث كلف ابنته الكبرى وفاء بأن تعلم الخادمة القراءة والكتابة والصلاة.

وقدم (رحمه الله) أروع المثل في تحقيق المساواة التي نادى بها الإسلام، ليس مع الأبناء والأولاد فحسب، ولكن أيضًا مع الخادم في بيته، فقد كان لها من الحقوق والتكريم، كما كان لأبنائه وأفراد أسرته، فكان يوصي أبنائه بإحسان معاملتها، وقد حدث أن عاقب ابنته سناء ذات مرة لأنها عاملتها معاملةً غير لائقة، وكان للخادم في بيته سرير مستقل، ودرج للملابس مستقل في دولاب الأولاد، وتأكل مما يأكلون وتشرب مما يشربون وتلبس مما يلبسون.

هذه جوانب مضيئة عن المرأة في أدبيات الإمام البنا من خلال فكره ومنهجه وأسلوبه العملي، الذي غير كثيرًا من واقع المرأة؛ حيث تؤتي دعوته ثمارها في جيل الصحوة الإسلامية اليوم، فنرى مظاهرها في الشارع، وفي كثير من مؤسسات المجتمع، ولدى العديد من المفكرين وقادة الرأي، وحمل العديد منهم فكرته الإسلامية، وبرامجه التربوية؛ حيث تحولت إلى مشروع حضاري للأمة، فرحم الله إمامنا المؤسس الذي حاول أن يؤسس صرحًا ضخمًا على كتاب الله وسنة رسوله الكريم، وهو بناء الأفراد والمؤسسات التي تستضيء بنور الإسلام، وتسير على هديه ومنهجه.

وصدق الله العظيم إذ يقول: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً). (1)


الهامش

(1) الأحزاب-23.


في بيت الإمام

يتحدث الأستاذ عمر التلمساني عن لقائه الأول مع الإمام حسن البنا في منزله فيقول: ودخلت الحوش قائلاً: هل فضيلة المرشد العام موجود؟ وكانت بساطة المنزل وحالته أقل من عادية. وردّ الإمام وفتح باباً لحجرة على يمين الداخل من المنزل، وكانت معتمة لا تكاد ترى ما فيها. وفتح نافذة تطل على الحارة التي يقع فيها المنزل. فتشت محتويات الحجرة، ليس على الأرض بساط ولا حصير، عدة كراسي من القش، وشيء يطلق عليه تجاوزاً اسم مكتب لا يزيد ثمنه بسعر تلك الأيام عن ريالين(1).

في هذا البيت المتواضع الشديد التواضع كان يعيش المرشد العام للإخوان المسلمين.


الهامش

(1) الملهم الموهوب حسن البنا أستاذ الجيل- عمر التلمساني.


استشهاد الإمام

كتب الله له الشهادة التي كان يدعو الله دائماً أن يجعله أهلاً لها في 14 ربيع الثاني 1368هـ الموافق 12 شباط (فبراير) 1949م.

ولقد كتب الأستاذ جمال البنا شقيق الإمام عن هذه المأساة وتأثيرها على أسرتهم فقال(1): أصاب مقتل الإمام حسن البنا الأسرة بضربة لم تفـق منها. صحيح أن الإمام الشهيد (رحمه الله) لم يكن يؤثر أشقاءه بشيء ولكنه كان للأسرة ذخرها، وفخرها وأملها، وكانت تربطه بكل فرد من أفراد الأسرة وشيجة تضرب في أعمق أعماق النفس، وصلة وثيقة من الطفولة حتى الرجولة، فضلاً عن الصور الدراماتيكية والملابسات الإرهابية التي وقع بها هذا الخطب الجلل، من أجل ذلك فإن الشيخ الوالد لم يعد أبداً إلى ما كان عليه قبله، أما الوالدة (رحمها الله) فقد كان مصابها، يجل عن الوصف.

هذا حسن البنا, فلماذا قتلوه؟

وتحدث عن الإمام الشهيد حسن البنا.. المرشد العام الإمام حسن الهضيبي فقال:

عرفته أول ما عرفته من غرس يده، كنت أدخل المدن والقرى فأجد إعلانات عن (الإخوان المسلمين) دعوة الحق والقوة والحرية، فخلت أنها إحدى الجمعيات التي تعنى بتحفيظ القرآن والإحسان إلى الفقراء ودفن الموتى والحث على العبادات من صوم وصلاة، وأن هذه قصاراها من معرفة الحق والقوة والحرية، فلم أحفل بها.


الهامش

(1) جريدة الشرق الأوسط 15/7/2001م.


فكثير هم الذين يقرأون القرآن دون أن يفقهوه ودون أن يعملوا به، وأكثر منهم الذين يصلون ويصومون ويحجون دون أن يكون لذلك أثر في نفوسهم، والإحسان إلى الفقراء كثيراً ما يوضع في غير موضعه، ولم أحاول كما هي العادة أن أعرف شيئاً عن الإخوان المسلمين.

ثم التقيت يوماً بفتية من الريف أقبلوا عليّ – على غير عادة الأحداث مع من هم أكبر منهم سناً ومركزاً – يحدثونني، فوجدت عجباً.. فتية من الريف لا يكاد الواحد يتجاوز في معارفه القراءة والكتابة يحسنون جلوسهم مع من هم أكبر منهم في أدب لا تكلف فيه، ولا يحسون بأن أحداً أعلى من أحد، ويتكلمون في المسألة المصرية كأحسن ما يتكلم فيها شاب متعلم مثقف، ويتكلمون في المسائل الدينية كلام الفاهم المتحرر من رق التقليد، ويبسطون الكلام في ذلك إلى مسائل مما يحسبه الناس من صرف المسائل الدنيوية، ويعرفون من تاريخ الرسولصلى الله عليه وسلم ما لا يعرفه طلاب الجامعات، فعجبت لشأنهم وسألتهم أين تعلمتم كل ذلك؟ فأخبروني أنهم من الإخوان المسلمين، وأن دعوتهم تشكل كل شيء، وتعنى بالتربية والأخلاق والسياسة، والفقر والغنى، والاقتصاد وإصلاح الأسرة، وغير ذلك من الشؤون صغيرها وجليلها.

من ذلك الوقت تتبعت حركة الإخوان المسلمين وصرت أقرأ مطبوعاتهم واتصل بهم دون أن أعرف الداعية إلى ذلك، ولكني عرفته من غرس يده، قبل أن أعرف شخصيته.

كان يوم خرجت أنا وبعض زملائي لمشية العصر على حافة النيل فوجدنا جمعاً من الجوالة سألناهم عن شأنهم فعلمنا أن حسن البنا سيلقى خطبة في حفل الليلة فوافينا الحفل وسمعنا حسن البنا.

لقد تعلقت أبصارنا، ولم نجد لأنفسنا فكاكاً من ذلك، وخِلْتُ والله أن هالة من نور أو مغناطيساً بوجهه الكريم تزيد الانجذاب إليه، خطب ساعة وأربعين دقيقة، وكان شعورنا فيها شعور الخوف من أن يفرغ من كلامه، وتنقضي هذه المتعة التي أمتعنا بها ذلك الوقت.

كان كلامه يخرج من القلب إلى القلب، شأن المتكلم إذا أخلص النية لله، وما أذكر أني سمعت خطيباً قبله إلا تمنيت على الله أن ينهي خطابه في أقرب وقت، كان كالجدول الرقراق الهادئ ينساب فيه الماء، لا علو ولا انخفاض يخاطب الشعور فيلهبه، والقلب فيملؤه إيماناً، والعقل فيسكب فيه من المعلومات ألواناً.

انقضى وقت طويل دون أن ألتقي به، ولما أذن الله بذلك التقينا، فإذا تواضع جم، وأدب لا تكلف فيه، وعلم غزير، وذكاء فريد، وعقل واسع ملم بالشؤون جليلها وحقيرها، وآمال عراض، كل ذلك يحفه روح ديني عاقل لا تعصب ولا استهتار، (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)(1)، إنه كان ملهماً، وأقسم أني التقيت به وعاشرته فما سمعت منه كلمة فيها مغمز في عرض أحد أو دينه، حتى من أولئك الذين تناولوه بالإيذاء والتجريح في ذمته ودينه، وكان في ذلك ملتزماً حدّ ما أمره الله.

هذا هو حسن البنا الذي قتلوه، لقد قتلوا أخطر داعية ظهر على وجه الأرض منذ قرون، والآن فإن الغرس الذي عرفت فيه حسن البنا قد نما وترعرع، وصارت دعوته إلى كتاب الله مستقرة في القلوب، وصار تلاميذه يعلمون الناس ما علم ويلهمونهم ما ألهم وزاد عددهم على البأساء والضراء، حتى أصبحوا أقوى جلداً مما كانوا، وأعرف بشؤون الحياة، وأصبر على المظالم، وأعلم بأن أعداء دعوتهم أكثر من أنصـارهم، فأعدوا أنفسهم لكفاح طويل في سبيلها.


الهامش

(1) البقرة- 143.


ولقد صار الإخوان المسلمون اسماً لا يعبر عن منظمة في مصر وإنما يعتبر عنواناً لنهضة الإسلام وبعثه وحيويته في جميع البلاد الإسلامية من المحيط إلى المحيط، فاسم الإخوان في إندونيسيا والباكستان وكل البلاد العربية، وصارت دعوتهم رعباً للمستعمرين وأنصار المستعمرين والمنافقين والظالمين، لأن الباطل يفزع من الحق أينما كان وحيثما وجد.


آخر لقاء مع الإمام الشهيد

كانت الساعة الحادية عشرة مساءً ودق الجرس وفتحت الباب، ودخل حسن البنا.. دخل يحمل إليّ آخر أنباء مفاوضاته مع الحكومة، ولا أعلم لماذا كنت منقبضاً.. لماذا كنت ضيق الصدر.. لماذا تجمعت فوق طرف لساني كلمة (القتل).

كنت أحسّ أن هذا الرجل سيُقتل.. ستغتاله يد أثيمة.. فإن الحكومة – أي حكومة – لا يمكن أن تعجز عن قتل رجل أعزل إلا من الإيمان.

وأراد أن ينصرف.. وصافحته.. وإذا بي أعانقه وأقبله.. ولا أكاد أمسك دموعي أو أخفيها.. وابتسم (رحمه الله) وقال: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)(1).

وابتلعه الظلام.. وفي اليوم التالي ابتلعه الظلم.. فقد اغتالت الحكومة المصرية في 12 فبراير 1949م مواطناً مصرياً اسمه (حسن البنا).. وتعهّدت هذه الحكومة لا بإخفاء معالم الجريمة فحسب.. ولكن بمكافأة القاتل(2)!!!


الهامش

(1) التوبة- 51.

(2) حسن الهضيبي: حياته وآثاره- عبد الحليم الكناني.


هذا حسن البنا فلماذا قتلوه؟

قالوا: إنهم قتلوه لأنه شكل عصابة إرهابية كانت تعمل على قلب نظام الحكم، وإشاعة الفساد في البلاد. والحقيقة أنهم قتلوه لأنه أصبح الرقم الصعب في العالم الإسلامي الذي لم يكن بإمكانهم إعادة تشكيل المنطقة وتقسيمها بما يناسب مصالحهم.. ما لم يتخلصوا منه(1).


أستاذ الجيل

وتحدث عن استشهاد الإمام حسن البنا.. المرشد العام عمر التلمساني, تحت عنوان أستاذ الجيل فقال:

رغبنا في العمل لدعوة الله بصورة لم يألفها المسلمون بعد عهد الخلفاء الراشدين. لم يكن الإخوان المسلمون مع حسن البنا يتسابقون في القيام بالواجبات, لأنها أكثر من الأوقات, كما قال رضي الله عنه, ولكنهم كانوا يتسابقون في القيام بأكثر مما يعهد به إليهم, حباً في العمل لأنه لله, وكسباً لمرضاة مرشدهم, لأن رضاءه يقربهم إلى من الله, لأنه ما كان يكلف أحداً إلا بما هو لله خالصاً. كان الأخ يرسل من المرشد ليزور أخاً في بلد ما, فما كان الأخ ليكتفي بهذا الواجب فقط ولكنه كان يقوم بأكثر من زيارة في ذلك البلد, هذا إذا لم يعقد أكثر من اجتماع في مساجد ذلك البلد. يبلغ فيها دعوة الله. كل ذلك ليعود بحصيلة يحبها المرشد وكان هذا يسعد فضيلته. وكان كل واحد منا حريصاً على إدخال السرور إلى قلب المرشد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً, كان يرسل الأخ لتحصيل اشتراكات منطقة ما,


الهامش

(1) حسن الهضيبي، مجلة الدعوة (فبراير 2000م).


فكان الأخ يوسع دائرة عمله هذا حتى يعود بأكثر مما أرسل من أجله مهما كلفه ذلك من جهد ووقت. وكان البعض يتحمل نفقات هذه الزيارات والأعمال دون أن يكلف الجماعة قرشاً واحداً. كان يقدم لأحدنا مثلاً شيئاً يعلم أنه يحبه فيرسل هذا الأخ ما أهداه إليه مرشده إيثاراً فيرسلها هذا بدوره إلى ثالث حتى تعود إلى من أهداها أول مرة. وقد حث شيء مثل هذا أكثر من مرة داخل السجون والمعتقلات وبنفس العاطفة. وهكذا تنتقل الحسينة من يد إلى يد حتى تعود إلى من أهديت إليه أول الأمر. هكذا منا. وكان هذا من أسرار قوتنا وتقدمنا ولن نعود إلى ما كنا إليه من قوة ومكانة إلا إذا عدنا إلى ما كنا عليه من عاطفة وإيثار لا يودعهما الله إلا قلوباً عاملة مخلصة مصطفاة مجتباة ذلك الفضل من الله. لقد كانت العواطف الصادقة المتبادلة بين الإخوان المسلمين مثار الدهشة والغرابة عند الناس. إذا مرض أخ عاده أخوه لأنها سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم المطبقة من الإخوان في دقة وعناية. إذا مات أخ كان تشييع جنازته مظهراً من أكبر مظاهر الوفاء. وكذلك إذا عقد قران تزاحم الإخوان في تهنئة أخيهم والقيام بكل ما تقتضيه مثل هذه المناسبات.

علمنا حسن البنا حقيقة القيام بالواجب وصورته في إتقان بالغ. فأصبح الأخ المسلم في محيطه علماً على أداء الواجب في أكمل صورته. وكان في عمله المحور الذي يلتف حوله كل العاملين في ذلك الموقع حتى ولو لم يكونوا من الإخوان المسلمين. كانوا يثقون في أمانته, في صدقه, في حكمته, في كفاءته, في عدم إفشاء أسرارهم, في تغطية تقصيراتهم, في الدفاع عن أخطائهم, والتسامي فوق سقطاتهم حتى رؤساء الأجهزة التي يعمل فيها أخ كانوا ينزلونه من أنفسهم منزلة الاحترام والتقدير والإكبار, لما عرف عن تلامذة حسن البنا من أنهم يستحقون ذلك وأكثر. وقد صرح أحد كبار رجال الأعمال في حفل طلابي بالإسكندرية أن السبب في ثبات مؤسساته ونجاحها يعود الفضل فيه بعد الله إلى الإخوان المسلمين لأنهم كانوا كثرة موظفيه في مؤسساته وقد نشر ذلك في الصحف اليومية في حينه.

ذهبت في سنة 1971 مع قريب لزيارة رئيس إدارة النيابات لأن البوليس من أذناب عبد الناصر, قد وضعني في عداد المشبوهين وأعطاني إنذار اشتباه لأنني في نظرهم من الأشرار وأعطاني دفتراً ليوقع فيه العساكر في جوف الليل عندما يقلقونهم من نومهم ليتمموا عليهم. هكذا عاملني رجال المباحث من أذناب عبد الناصر وما كنت متضرراً من الوضع, ولكن قريبي حملني حملاً على الذهاب معه إلى صديقه رئيس إدارة النيابات مبلغاً إياه أن هذا إجراء غير قانوني بفتوى مجلس الدولة. واستجاب رئيس إدارة النيابات وألغى الإنذار الذي إن كان يحمل في ظاهره محنة, إلا أنه يحمل في واقعه منحة ورحمة حمتني من الاستجابة إلى عشرات الدعوات من الأقارب والصحاب عقب خروجي من السجن. ليس هذا هو المهم إنما الذي عناني لذكر هذه الواقعة أننا أثناء وجودنا في مكتب رئيس النيابات دخل أحد أعضاء النيابة الذين يعملون معه وطلب في انفعال أن يغير له الساعي الذي يجلس على باب مكتبه فلما سأله عن السبب أخبره أن هذا الساعي لا يرضى أن يحضر له سجائره وجرائده وما إليها من خصوصياته بحجة أنه يتناول مرتبه من الحكومة للقيام بالأعمال المصلحية لا الخدمات الخاصة. وكان رئيس إدارة النيابات حصيفاً فقال لوكيل النيابة: لك ما طلبت فوراً. فإني في حاجة إلى مثل هذا الرجل الذي يعرف واجبه ويعتد بكرامته رغم صغر وظيفته. وحرصت على معرفة السر فتوجهت إلى ذلك الساعي لأحييه فإذا به من جماعة الإخوان المسلمين. فسالته عن سبب تصرفه السليم. فأخبرني أن حسن البنا طلب منه أن يحترم رؤسائه وأن يحترم نفسه أمام رؤسائه بأداء واجبه نحوهم في أدب ولياقة وحصافة فيعطيه ما لهم على الوجه الأكمل ويترفع عن القيام بالأعمال التي لا تليق بالأخ المسلم الكريم. هكذا علم حسن البنا الإخوان المسلمين وقومهم ورباهم وهذبهم. يتأدبون مع الصغير والكبير, ويحترمون الصغير والكبير, لا يحنون الجباه أمام الكبير, ولا يتعالون على من دونهم. إن هذا لون من الأخلاق لو تعامل به المسلمون لتغير الكثير مما هم عليه اليوم. إن حسن البنا لم يبتدع هذا الأسلوب ولكنه جاء به من دين الله وأقامهم عليه. وحببه إليهم, وقربه من نفوسهم حتى أصبح خلقاً من أخلاقهم أعانهم على الكثير مما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الله صابرين محتسبين.

إن حسن البنا أستاذ الجيل بغير منازع, أستاذه في كل شيء, لما تمت مؤامرة الصليبية مع مصطفى كمال وألغيت الخلافة الإسلامية, وتشتت شمل المسلمين, كل بلد إسلامي بقومية معينة, وملك أجير باع دينه بدنياه, ورئيس سمه ما شئت, وأطلق عليه من الأوصاف غير اللائق ما أردت, لما انحدرت إلينا العلمانية عقب إلغاء الخلافة, ولما خلعت نساء مصر حجاب الحياء وسرن في الطرقات غير محتشمات بفضل الزعيم المحترف سعد زغلول الذي تربى في صالون الأميرة نازلي وهو الصالون الذي كان يتخرج فيه وزراء ذلك الزمان, لما انتشرت مظاهر مخالفة تعاليم الإسلام بشكل ينذر بالخطر, لما أحس كل غيور على دينه بداهية العلمانية تزحف على مصر بفضل بعض العلمانيين غير المسلمين من سوريا والعراق ولبنان, متسربلين بسراويل القومية والنعرة الوطنية الكاذبة. لما استشرى هذا الوباء وسكت كل من في الأزهر, ووقفوا يتفرجون على هذا الشر المستطير, وكأن الأمر لا يعنيهم وحسبهم الفرجيات المبرقشة كذيل الطاووس يخبون في ألوانها الزاهية. ليلة القدر إلى دار المندوب السامي يحيونها هناك. لما دهم مصر كل هذا البلاء المريع, قام الفتى العملاق المتخرج في دار العلوم دراسة وربيب كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فقهاً وفهماً, وواقعاً وعملاً, وتطبيقاً وتنفيذاً, قام حسن البنا المرشد الأسبق للإخوان المسلمين رضي الله عنه قام يهيب بالمسلمين أن أفيقوا, فسيل الإلحاد يتحدر صوبكم من كل جانب, أجمعوا أمركم, واتبعوا نبيكم, وتمسكوا بدينكم, فلا منجاة لنا إلا ذاك. وكان الرجل صادقاً وكان عزمه خارقاً وكانت حركته مخلصة خالصة تقبلها الشباب بقبول طيب مشجع, وبارك الله في الشباب دائماً وابداً. وأصبحت الله أكبر ولله الحمد, يقولها الإخوان عاملين, ويقولها غيرهم مقلدين, تدوي في كل مكان, فزلزلت استعماراً, وهزت عروشاً, وأيقظت أذهاناً وأحيت آمالاً, وحركت همما, وفتحت طريق العمل الواضح السليم, وتغير حال مصر. فبعد أن كانت المساجد لا يرتادها إلا العجزة والكهول وأرباب المعاشات غدت عامرة بالشباب الناضج الزاهي حتى ضاقت بروادها. فكانوا يصلون على الجرائد في الطرقات حول المساجد. من قدم هذا الإشراق الكريم؟ إنه حسن البنا. أليست هذه أستاذية لم يحظ بها سواه في القرن الرابع عشر الهجري. أجل إنها أستاذية حقاً. لا نقولها تشيعاً ولا تعصباً ولكنها الواقع الذي عاش فيه المصريون منذ أن قام فيهم حسن البنا, منذراً, ومحذراً.

داعية فوق المساومات

إنه أستاذ الجيل بلا نزاع لأن العمال بدأوا يشعرون بوجودهم وحقوقهم لما نبههم إليها في توجيهاته وندواته. بدأ الفلاحون يعرفون أن لهم وجوداً وحقوقاً. عندما كان يزورهم في قراهم وحقولهم وبدأ الطلاب يعرفون واجبهم الصحيح وطريقهم الحق. لا ذلك التهريج الذي أشاعه بينهم دعاة الإضراب النفعيين. بدأوا يعرفون أن عليهم حقوقاً يجب أن تؤدى على أرض هذا الوطن المسلم. وأن لهم حقوقاً يجب أن يستمتعوا بها, ليست التصفيق والهتافات والمظاهرات, ولكن أولها تغيير برامج التعليم الاستعماري العلماني التافهة التي لم تقدم للوطن شباباً ينفعه ويدافع عنه ويحميه. وشعر الاستعمار بخطورة هذا الداعية النبيل, فأحب أولاً أن يحتويه فطلبت السفارة البريطانية أن يلقي محاضرة عن الديمقراطية في المذياع في مقابل خمسة آلاف جنيه. وأنت لا تستطيع اليوم أن تدرك معنى خمسة آلاف من الجنيهات في ذلك الوقت. فقال لهم الرجل على الرحب والسعة, وبلا مقابل, حسب فهمي وتصوري لهذا الذي تسمونه ديمقراطية. قالوا: لا, ولكن حسب فهم بريطانيا وحلفائها فقط ولو خالف ذلك كل معروف مألوف. قال: إليكم عني إذاً فقد ضللتم الطريق, وأخطأتم التقدير. ولما عجز الاستعمار عن احتواء الرجل, وإيقاف المد الإسلامي الذي أرسله حسن البنا من سم الخياط الفكري في ذلك الحين, أغروا به القصر الملكي في عهد فاروق, فاغتالووه عياناً بياناً في أكثر شوارع القاهرة حركة, بعد أن أعدت الدولة بأسرها عدتها لهذا الاغتيال. دولة باسرها تتآمر ضد رجل أعزل من مواطنيها! يا لها من دولة تافهة حقيرة! ويا له من ملك صغير ويا له من رئيس وزارة تافه حقير! ويا له من رجل! أي رجل! تلقى في جسده الضئيل الواهي سبع رصاصات سوياً فنزل من السيارة ينزف دماً غزيراً كريماً, ويطلب الإسعاف من تلفون جمعية الشبان المسلمين, فتنقله إلى القصر العيني, وهناك صدرت أوامر فاروق إلى أطباء القصر العيني بعدم إسعافه, وترك أولئك الأطباء الشجعان رسل الإنسانية, تركوا دم الشهيد ينزف أمام أعينهم قطرة قطرة, ومع كل قطرة لعنة رأس فاروق وأطبائه الجبناء الذين خانوا أمانتهم الإنسانية من أجل دراهم معدودة يتقاضونها كل شهر لم ينقذوا جريحاً كان في الإمكان أن ينجوا لو كان في القصر العيني أطباء رجال. ولكنها إرادة الله التي أبت إلا أن يحقق لحسن البنا أعز أمانيه التي تمناها. ودعا الشباب لطلبها (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) أليست هذه أستاذية الجيل بأكمله! هل تجنينا على الحقيقة ووصفنا أستاذنا بما هو ليس له أهل.

إنه أستاذ الجيل بلا شك, فقد كان كل عالم مشغولاً براتبه ودرجته وترقيته, ثم راحته وإجازته السنوية كل هذا ما كان يعني حسن البنا في شيء, لم يلق إليه بالاً, لم يهتم به لحظة, لم ينشغل به هنيهة. كانت كل ماديات الحياة عنده في المرتبة الأخيرة, وما كان يعنيه إلا الدعوة إلى الله, والعمل المتواصل لنشرها, فإذا ما أهل الصيف وبدأت الإجازة السنوية, شد رحاله إلى الصعيد, بدءاً من أسوان إلى كل أحضان الجبال بما فيها من عقارب وفئران وكفور ونجوع, على قدميه عشرات الأميال مرة, على حمار أعجف مرة, على معدية مترنحة مفككة مرة, لا يحول بينه وبين تبليغ الدعوة ونشرها بين الناس جميعاً حائل أو مانع. يكفيه أقل الطعام كماً وكيفاً, كان قليل الرغبة في الطعام, فإذا ما دعي إلى مائدة دسمة شهية, أسرع إلى الجلوس بجواره الدباغون من شباب الإخوان, أمثال فلان وفلان, ورحم الله منهم من مات, وأطال عمر الباقين في حسن العمل, ذلك لأن الداعي كان يكدس لحم الضأن والدجاج أمام فضيلته, فتتسرب هذه الكميات الهائلة من بين يديه يميناً وشمالاً على الذين يحفون به من الجانبين. أما هو فيكفيه من الطعام ما يقيم صلبه. ويظل في هذه الرحلة المرهقة حتى تنتهي شهور الإجازة, فيعود إلى القاهرة, ليبدأ رحلة الشتاء في أرجاء الوجه البحري أيام الجمع والإجازات الرسمية. وأذكر أنني والإخوان صلينا معه الفجر على رصيف محطة طنطا, والمطر يتساقط رذاذاً خفيفاً واهناً, وكنا بذلك جد سعداء. ومن طرائف هذه الزيارة أن الإخوان جميعاً ومعهم الحبيب الغالي حسن البنا باتوا على الحصير في جامع أنشأه المرحوم عبد الحميد باشا الدماطي, وكان الإمام يعلم أني لا أستطيع النوم على حصير, ثم جاء عبد الناصر, فأنامنا على الأسفلت, كان يعلم ضعف احتمالي لقسوة الحصير, فطلب من الدماطي باشا أن يهيأ لي ولشيخين من شباب الإخوان كانا ما يزالان في دور الطلب فراشاً وثيراً. ونفذ الرجل رغبة فضيلته , ودلفنا ثلاثتنا, أنا والشيخان الشابان, إلى حجرة نوم فاخرة مؤثثة تأثيثاً ما كان لي ولا للشيخين به عهد من قبل, فقد كنا ثلاثتنا دون متوسط من الناحية المالية, وما أن تركنا صاحب الدار لننام, حتى تنهد أحد الشيخين محوقلاً. قلت: ماذا بك؟ قال: هذه الأموال التي أنفقت في تأثيث هذه الحجرة, أما كان من الأولى أن تنفق في سبيل الدعوة إلى الله؟ قلت: هون عليك يا رجل. ها أنت قد حضرت أنت ومن معك من القاهرة, لتقول كلمة في دعوة الله, فأراد الله أن يكرمك, فنمت في حجرة وعلى فراش ما كنت تحلم به أنت ولا أنا ولا ثالثنا بالنوم في مثل فراشها الوثير, ألا يثاب صاحبها أن آوانا إليها في هذا الجو البارد؟ فسكت الشيخ وما أظنه سكت راضياً. وتمر الأيام والسنون ويتولى هذا الشيخ منصباً كبيراً, وألم به مرض فذهبت أعوده, ودخلت إلى حجرة نومه حيث يرقد, وكانت فاخرة الأثاث, فما تمالكت نفسي أن حوقلت, والشيخ ذكي أريب, أدرك على الفور من هذه الحوقلة التي عادت بنا إلى الوراء عشرات السنين, فقال على الفور: يا استاذ عمر اسكت, قلت: حاضر. أما الشيخ الآخر فقد وصل إلى عمادة إحدى كليات الأزهر الشريف, أطال الله حياتهما ومتعهما بالصحة والعافية وغفر الله لي ولهما. وهكذا الناس ينكرون على الناس ما هم فيه باسم الدين, فإذا وصل بهم الحال إلى ما أنكروه بالأمس, استطابوه اليوم, وأخلدوا إليه ورضوه, ولله في خلقه شؤون.

إنه أستاذ الجيل بلا ريب. ربى شباب جيله تربية إسلامية سامية سالكاً أسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة والتربية, يبلغ رسول الله دعوته إلى الناس جميعاً, وهذا هو الواجب الأول للرسول صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(1) فإذا بلغ الرسالة وأقام أتباعه عليها, أقامهم فيها وغذاهم بمعانيها, حتى تنتقل الدعوة من مرحلة القول إلى مرحلة العمل. وعلى هذا الغرار النبوي سار حسن البنا, فكان يدعو الشباب إلى تعاليم واضحة, وقواعد راسخة, وأصول مفصلة, حتى إذا ما استوعبوها بدأ معهم مرحلة التطبيق والتربية.

وهذا هو طريق الإسلام التبليغ فالالتزام فالتطبيق. أما الذين يقولون اليوم بإصلاح المجتمع أولاً, ثم تطبيق الشريعة ثانياً, فإني واثق بأنهم لا يؤمنون بصواب ما يقولون, ولكنهم طلب منهم أن يقولوا هذا الذي وضع على ألسنتهم, فحركوا أقلامهم بها, وإلا فكيف يصلح المجتمع أولاً, وعلى أية قواعد يقوم هذا الإصلاح, وبأي المناهج يكون إصلاحه؟ وبأي الأساليب يقوم إصلاح هذا المجتمع؟ إن كان الإصلاح الأولى على غير تعاليم الإسلام, فكيف يطلب من الناس أن يتركوا ما صلح عليه حالهم – هذا إن تحقق إصلاح عن غير طريق الإسلام- وهذا لن يكون.. وإن كان إصلاح المجتمع على قواعد إسلامية, فهذا هو التطبيق المنشود. وبهذا يتضح تماماً أنه لن ينصلح حال المجتمع, إلا إذا قام هذا الإصلاح على أصول من شرع الله. وهذا هو الطريق القويم الذي اتبعه حسن البنا مع الشباب الذي اجتمع عليه, تأسياً برســول الله صلى الله عليه وسلم(2).


الهامش

(1) المائدة-67.

(2) أستاذ الجيل- الأستاذ عمر التلمساني


قضايا العقيدة في رسائل الإمام

أولاً- العقيدة أس البناء

العقيدة في فكر الإخوان وفي دعوتهم هي: رأس الأمر, وأسّ البناء, وروح الإسلام. فالإسلام عقيدة, تقوم على أساسها شريعة, تتفرع عنها أخلاق وأعمال, وينبثق منها مجتمع, تحكمه دولة.

والعقيدة يعبر عنها في القرآن والسنة باسم (الإيمان), والشريعة والعبادة والأخلاق يعبّر عنها باسم (العمل), ولا يقبل عمل بلا إيمان. كما لا ينفع إيمان بلا عمل.

وقد ركز الإمام البنا منذ فجر دعوته على بناء الإيمان لدى الدعوة, إقتداء بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم , الذي ظل ثلاثة عشر عاماً في العهد المكي يغرس فيها – قبل كل شيء- أصول الإيمان, وحقائق التوحيد, وعبادة الله وحده, واجتناب الطاغوت, كما يغرس في النفوس والعقول أصول الفضائل ومكارم الأخلاق.

كان من الشعارات التي رفعها الإخوان: (الله غايتنا, والقرآن شرعتنا, والرسول قدوتنا, والجهاد سبيلنا), وكان هتاف الإخوان: (الله أكبر ولله الحمد).

وكانت مناهج التربية في جماعة الإخوان تقوم على أن الإيمان هو الركن الركين, والحصن الحصين, وأن الجانب الرباني في التربية مقدم على كل الجوانب, وهو أصلها الأصيل, وأن رضوان الله تعالى هو (غاية الغايات).

وقد كتب الإمام البنا رسالة مركزة وميسرة في العقائد.. ولا يكاد يوجد كاتب من كتاب الإخوان إلا وكتب عن العقيدة(1).


الهامش

(1) الإخوان المسلمون- د. يوسف القرضاوي, ص-316.


ثانياً- كيف يقدم الإخوان العقيدة؟

لا يريد الإخوان من تقديم العقيدة وشرحها: أن تكون كلمات تحفظ وتردد, ولا مجادلات مع الآخرين, دون أن يكون لها أثر في حياة صاحبها, بحيث يقتنع بها عقله, ويطمئن بها قلبه, وينفعل بها وجدانه, وتتحرك بها إرادته.

إن القرآن الكريم حين عرض لنا إيمان المؤمنين جسده في أخلاق وأعمال باطنة وظاهرة كما قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).(1)

وكذلك قوله تعالى: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ).(2)

ثالثاً- العقيدة في الأصول العشرين

وقد جاء في رسالة (التعاليم) الموجزة التي كتبها الإمام حسن البنا والتي وجهها إلى الإخوان على أنها ليست دروسا تحفظ ولكنها تعليمات تنفذ، حدد فيها رؤية الإخوان المسلمين للتعاليم الإسلامية الأساسية وفيها ما يتصل بمبحث العقيدة، نذكر بعضها لصلته بموضوعنا:


الهامش

(1) الأنفال- (2-4).

(2) المؤمنون-(1-5).


  • كل أحد يؤخذ من كلامـه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وكل ما جاء عن السـلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكننا لا نعرض للأشخاص - فيما اختلف فيه- بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا.
  • ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة أحكام إمامه، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته. وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر.
  • والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصـومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العـلمي النزيـه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.
  • وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا، ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع، والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلم بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف، ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته، وفي التأويل مندوحة.
  • معرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق بذلك من التشابه، نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)(1).
  • وكل بدعة في دين الله لا أصل لها – استحسنـها النـاس بأهوائهم, سـواء بالزيادة فيـه أو بالنقص منه- ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها.
  • والبدعة الإضافية والتركية والالتزام في العبادات المطلقة خلاف فقهي، لكل فيه رأيه، ولا بأس بتمحيص الحقيقة بالدليل والبرهان.
  • ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى, والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى ( الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)(2) والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم.
  • وزيارة القبور أيا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بالمقبورين أيا كانوا ونداءهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها وإضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها, ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذريعة.

الهامش

(1) آل عمران -7.

(2) يونس- 63.


  • والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة.
  • والتمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب، وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته (إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة).
  • والعرف الخاطئ لا يغير حقـائق الألفاظ الشرعيٍـة، بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها، والوقوف عندها. كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي في كل نواحي الدنيا والدين، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء.
  • والعقيدة أساس العمل، وعمل القلب أهم من عمل الجارحة، وتحصيـل الكمال في كليهما مطلوب شرعا، وإن اختلفت مرتبتا الطلب.
  • والإسلام يحرر العقـل، ويحث على النـظر في الكـون، ويرفع قدر العـلم والعلماء، ويرحب بالصالح النافع من كل شيء، و(الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها).
  • وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لن يختلفا في القطعي. فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤوّل الظني منهما ليتفق مع القطعي. فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار.
  • ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض - برأي أو معصية- إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر(1).

رابعاً: أمام الخلافات الدينية

ولقد عانت الأمة المسلمة في العقدين الأخيرين من ظاهرة تعدد الجماعات الإسلامية لاسيما في محيط الشباب الذين لم تتوافر لديهم شروط الاجتهاد ولم يبلغوا درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية. وحكم الاجتهاد بالنسبة إلى من لم تتوفر فيهم شروطه الشرعية، ولم تتوفر لهم وسائله هو التحريم، لأن حكمهم يكون غير موصل إلى حكم الله ومفضيا إلى الضلال، وكل ما يفضي إلى المحرم محرم. والواجب على هؤلاء أن يعرفوا حكم الله بالسؤال عنه ممن عرفوه بأدلته الشرعية لقوله تعالى: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ )(2).


الهامش

(1) رسالة التعاليم- الإمام حسن البنا.

(2) النحل- 43.

وأن الدعوة إلى الكتاب والسنة قد فهمها بعض الشباب المسلم على غير وجهها فراحوا يهاجمون المذاهب والمتمذهبين ويرمونهم بتنكب طريق السنة، وغالوا في دينهم إلى حد تكفير المسلمين ممن لم يؤمن بفكرهم ويسلك طريقهم، وتعصبت كل جماعة لفكرها، وانصرفت طاقات الشباب في وجهات ضررها أكثر من نفعها، وفاتهم لقصور علمهم وفقههم في الدين، وتجاوزهم حدوده وأحكامه، أن نكبة الأمة الإسلامية في هذا الزمان هي في أساسها تفرق كلمتها وتمزق وحدتها، وأن ديننا يأمرنا أن نسد أبواب الخلاف وأن نفتح أبواب التعاون والحب في الله، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى جمع شمل أبناء الأمة على كتاب الله وسنة رسوله، ونبذ أسباب التفرق والشقاق، وألا نتقطع أمرنا بيننا زبرا كل حزب بما لديهم فرحون، وأن نعلم أن إقامة الدين لا تتأتى مع التفرق فيه, قال تعالى: ( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)(1), وحذرنا الله تعالى ألا نكون من الذين فرقوا دينهم في قوله تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا. فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )(2).

دعوة تجمع ولا تفرق

في هذا المعنى نسوق ما قاله الأستاذ حسن البنا في إحدى رسائله وهو يتحدث عن الخلافات الدينية ومنهاج الدعوة بشأنها، ففيه توجيه طيب لاسيما للشباب في هذه الحقبة التي يشهد فيها العالم الإسلامي صحوة إسلامية تقتضي من الدعاة والمعنيين بالعمل الإسلامي ومستقبل الأمة حسن توجيهها واستمرار عطائها بما يجنبها كيد الحاقدين من أعداء الإسلام، فيقول:


الهامش

(1) الشورى- 13.

(2) الروم- (30-32).


فاعلم - فقهك الله - أولا أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة، ولا تنحاز إلى رأي عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة، وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه، ونود أن تتوحد وجهات النظر والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر.. وهي مع الحق أينما كان، تحب الإجماع وتكره الشذوذ، وإن أعظم ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. هذه قاعدة أساسية وهدف معلوم لكل أخ مسلم، وعقيدة راسخة في نفوسنا، نصدر عنها، وندعو إليها(1).

الخلاف ضروري

ونحن مع هذا نعتقد أن الخلاف في فروع الدين أمر لابد منه ضرورة، ولا يمكن أن نتحد في هذه الفروع والآراء والمذاهب لأسباب عدة:

  • منها اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه.
  • ومنها سعة العلم وضيقه.
  • ومنها اختلاف البيئات حتى أن التطبيق ليختلف باختلاف كل بيئة، وإنك لترى الإمام الشافعي رضي الله عنه يفتي بالقديم في العراق ويفتي بالجديد في مصر, وهو في كليهما آخذ بما استبان له، وما اتضح عنده, لا يعدو أن يتحرى الحق في كليهما...
  • ومنها اختلاف الاطمئنان القلبي إلى الرواية عند المتلقين لها.
  • ومنها اختلاف تقدير الدلالات فهذا يعتبر عمل الناس مقدما على خبر الآحاد مثلا وذاك لا يقول معه به وهكذا.

الهامش

(1) دعوتنا- حسن البنا, ص- 26.


كل هذه الأسباب جعلتنا نعتقد أن الإجماع على أمر واحد في فروع الدين مطلب مستحيل، بل هو يتنافى مع طبيعة الدين، وإنما يريد الله لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور ويماشي الأزمان، وهو لهذا سهل مرن هين لين لا جمود فيه ولا تشديد(1).

نعتذر لمخالفينا

نعتقد هذا فنلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفروع، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبدا حائلا دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى الإسلام السابغ بأفضل حدوده وأوسع مشتملاته..

هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخالف بعضهم بعضا في الإفتاء، فهل أوقع ذلك اختلافاً بينهم في القلوب؟ وهل فرق وحدتهم أو فرق رابطتهم؟ اللهم لا وما حديث صلاة العصر في قريظة ببعيد.

وإذا كان هؤلاء قد اختلفوا وهم أقرب الناس عهدا بالنبوة وأعرفهم بقرائن الأحكام، فما بالنا نتناحر في خلافات تافهة لا خطر لها..؟

ذلك منهاج الإخوان المسلمين أمام مخالفيهم في المسائل الفرعية في دين الله, يمكن أن نجمله في أن الإخوان يجيزون الخلاف ويكرهون التعصب للرأي، ويحاولون الوصول إلى الحق، ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب(2).


الهامش

(1) دعوتنا- حسن البنا, ص-(27-28) مجموعة الرسائل.

(2) المرجع السابق, ص (28-29).


ليس العيب في الخلاف

إلى جانب هذا يعتقد الإخوان المسلمون أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدا.. وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليـهم, وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا بغيرما يقيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جميعا.. فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من شؤون الحياة، ويرشد الناس إلى الطريق العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها. وما أحكم الإمام مالك رضي الله عنه، حين قال لأبي جعفر وقد أراد أن يحمل الناس على الموطأ: (إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة)، وليس العيب في الخلاف، ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر على عقول الناس وآرائهم... وكانت هذه النظرة إلى الأمور الخلافية ضرورية لجماعة تريد أن تنشر فكرة في بلد لم تهدأ بعد فيه ثائرة الخلاف على أمور لا معنى للجدل ولا للخلاف فيها(1).

خامساً: قضية التوسل والخلاف حولها

وأما قضية التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم والأنبياء, والملائكة, والصالحين من عباد الله, فقد ذكر الإمام حسن البنا: أن هذا من الأمور الخلافية بين الأئمة, وأنه خلاف في كيفية الدعاء, وليس من مسائل العقيدة.

وقد أنكر إخواننا السلفيون على الأستاذ البنا هذا القول, واشتد نكيرهم عليه, ولا أدري لم هذا كله؟(2)


الهامش

(1) المؤتمر الخامس- حسن البنا, ص-(120-124) مجموعة الرسائل.

(2) الإخوان المسلمون- د.يوسف القرضاوي,ص-318.


فالأمر خلافي بالفعل, ومن قرأ كتب المذاهب المتبوعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: وجد هذا واضحاً, فالكثيرون أجازوا التوسل بالرسول وبالصالحين من عباد الله.

وهناك من كره التوسل, وهناك من منعه.

ولكل فريق من هؤلاء أدلته أو شبهاته – على الأقل- في تأييد ما ذهب إليه, وللمخالفين ردودهم عليه, كما هو الشأن في المسائل الخلافية.

أما أن التوسل من مسائل العمل, وليس من مسائل العقيدة, فهذا توجيه صحيح, لأنه خلاف في كيفية الدعاء, ما دام المدعو والمتوسل إليه هو الله تبارك وتعالى.

وليس الإمام البنا هو أول من قال بذلك, بل قال به الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه, كما نقل في مجموع فتاويه(1).

سادساً: قضية الولاء والبراء والخلاف حولها

وأما قضية الولاء والبراء, فالإخوان كانوا أسبق الجماعات إلى تقريرها, فهم يوالون كل من والى الله ورسوله وجماعة المؤمنين, كما قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ )(2).

وهم يعادون كل من عادى الله ورسوله والمؤمنين: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء )(3).


الهامش

(1) الإخوان المسلمون- د. يوسف القرضاوي, ص-(318-322).

(2) المائدة (55-56).

(3) الممتحنة- 1.


ويؤكد الأستاذ البنا في رسائله على هذه القضية, فيقول: فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله, والبغض في الله. وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟

وفي رسالة التعاليم في ركن التجرد يقول: أريد بالتجرد: أن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص, لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً )(1). ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)(2). والناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف: مسلم مجاهد, أو مسلم قاعد, أو مسلم آثم, أو ذمي معاهد, أو محايد, أو محارب. ولكل حكمه في ميزان الإسلام. وفي حدود هذه الأقسام نوزن الأشخاص والهيئات ويكون الولاء والعداء(3).

والإخوان كانوا أشد الناس على المستعمرين والصهاينة, الذين احتلوا ديار المسلمين, وهم الذين قادوا الجهاد وحركوه في ديار الإسلام لمقاومة هؤلاء, فلا يتصور أن يتهموا بدعوى الولاء لهم.

سابعاً- أخوة المواطنين من غير المسلمين والخلاف حولها

ولكن الإخوان يفرقون بين هؤلاء وبين مواطنيهم, الذين يعيشون في دار الإسلام, وهم من أهل البلاد الأصليين, وقد دخل الإسلام عليهم وهم فيها, وأعطاهم الذمة والأمان أن يعيشوا مع المسلمين وفي ظل حكمهم, لهم ما لهم, وعليهم ما عليهم, إلا ما اقتضاه التميز الديني.


الهامش

(1) البقرة- 138.

(2) الممتحنة- 4.

(3) رسالة التعاليم, مجموعة الرسائل, ص-363.


فهؤلاء لم ينه الله تعالى عن برهم والإقساط إليهم, كما في قوله تعالى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(1).

فهؤلاء لهم حق البر والقسط, والقسط هو العدل, والبر فوق العدل, وهو الإحسان.

القسط: أن تعطيهم حقهم, والبر: أن تزيد على ما هو حق لهم.

القسط: أن يأخذ منهم الحق الذي عليهم, والبر: أن تتنازل عن بعض حقك عليهم.

فهؤلاء – إذا كانوا من أهل وطنك- لك أن تقول: هم إخواننا أي إخواننا في الوطن, كما أن المسلمين – حيثما كانوا - هم إخواننا في الدين. والفقهاء يقولون : أن أهل الذمة هم من أهل الدار, أي دار (الإسلام). فالأخوة ليست دينية فقط كالتي بين أهل الإيمان بعضهم ببعض, وهي التي جاء فيها قول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) (2). بل هناك أخوة قومية, وأخوة وطنية, وأخوة بشرية.

ولا يكون ذلك سبباً للطعن في عقيدة الإخوان, وأنهم لا يعرفون الولاء والبراء في عقيدتهم, بل يكون هذا من حسن فقه الإخوان, وفهمهم عن الله ورسوله ما لا يفهم الآخرون.

ثامناً- تكفير الحكام والخلاف حولها

وأما اتهام الإخوان بأنهم لا يسارعون بـ (تكفير الحكام) الذين لا ينفذون شرع الله, ولا يحكمون بما أنزل الله, ويتهاونون في ذلك, ممالأة للحكام, ومداهنة في الدين.


الهامش

(1) الممتحنة- 8.

(2) الحجرات-10.


فيعلم الله ويعلم المؤمنون, ويعلم الناس أجمعون: كم لقى الإخوان من الحكام, وكم بذلوا من تضحيات, وكم قدموا من شهداء, وكم أضاعوا من أعمارهم سنوات وسنوات في سجون الحكام ومعتقلاتهم, وكم ارتوت السياط من دمائهم, وأكلت الآلات من لحومهم, وسحقت أدوات التعذيب من عظامهم, سواء في ذلك الحكومات الملكية, والحكومات الجمهورية, والحكومات في عهد الليبرالية اليمينية, والحكومات في عهد الثورية الاشتراكية اليسارية. فليس الإخوان هم الذين يتهمون بالمداهنة في الدين أو الممالأة.

ولكن الإخوان لهم أصول يرجعون إليها في تقويم الحكام, وفي الحكم عليهم, وعن هذه الأصول يصدرون, وعلى أحكامها ينزلون, ولا يحرفونها من أجل ظلم الحكام لهم, وانتهاكهم لحرماتهم, وسفكهم لدمائهم, وأكلهم لأموالهم بالباطل.

ومن هذه الأصول: أن التكفير قضية لها خطرها, ويترتب عليها آثارها, ولا يجوز التساهل فيها, وإلقاء الأحكام على عواهنها دون الاعتماد على الأدلة القاطعة, والبراهين الناصعة. فإن الذي نحكم عليه بالكفر: نخرجه من الملة, ونسلخه من الأمة, ونفصله عن الأسرة,ونفرق بينه وبين زوجه وولده, ونحرمه من موالاة المسلمين, ونجعله عدواً لهم, وهم أعداء له. وأكثر من ذلك: إن جمهور فقهاء الأمة يحكمون عليه بالقتل, فهو محكوم عليه بالإعدام الأدبي بالإجماع, والإعدام المادي بالأكثرية.

قال الإمام البنا في آخر أصل من أصوله العشرين:

(لا نكفر مسلماً أقر بالشهادتين, وعمل بمقتضاهما برأي أو معصية. إلا إذا أنكر معلوماً من الدين بالضرورة, أو كذب صريح القرآن, أو فسره تفسيراً لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال, أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر).


التربية في رسائل الإمام

التربية طريق النهضة

المعركة الحقيقية بيننا وبين أعدائنا هي معركة على التكوين والخصائص، أي أن محور الصراع بيننا وبينهم هو التربية، هم يريدون لنا خصائص وتكوينًا لا يسمحان لنا بشرف حمل الإسلام ونصرته، ونحن نريد أن نحافظ على تكويننا وخصائصنا التي تجعلنا صالحين لأن نحمل الإسلام وننصره.

ولذا فإن التربية هي اختيار أساسي في عملنا، اختيار لا نملك عنه حِوَلاً، فنحن نرجو أن نكون جند الله أصحاب دعوته، ولذلك نقف في مواجهة أهل الباطل أعداء الإسلام، ودخولنا في خضم هذه المعركة يرتكز على وضوح في الرؤية، ولأن المعركة واسعةٌ متعددةُ الميادين، ولأن أعداءنا مسلحون بالعلم والمعرفة والمعلومات فضلاً عن صنوف القوة، وهم كذلك من معتادي الخداع والتمويه، فلا مفر من أن ندرك بوضوح شديد أبعاد المعركة الدائرة بيننا وبينهم، وندرك ميادينها الرئيسة والفرعية، وندرك المواقع الأساسية والجانبية، ثم لا نسمح لهم أن يستدرجونا ليستنفذوا طاقاتنا وقواتنا في معارك جانبية هامشية فيكسبوا المعركة في ساحتها الرئيسة.

في هذا الصدد يقول الإمام البنا رحمه الله: إن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا, وتنهض لمهمة كمهمتنا, وتواجه واجبات كتلك التي تواجهنا, لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني، وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف وصراع قوي شديد بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، وبين صاحب الحق وغاصبه وسالك الطريق وناكبه، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين، وإن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد والجهد هو التعب والعناء وليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره وعند الصباح يحمد القوم السرى(1).

ولقد حرص الأستاذ البنا على التربية باعتبارها مصنعَ الرجال، وفي هذا يقول: أعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختبار الدقيق وامتحنوها بالعمل، والعمل القوي البغيض لديها الشاق عليها وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها(2).

وأكد الأستاذ البنا رحمه الله ضرورة التجديد في الوسائل والأساليب بما يتفق وتجدُّد فكر الناس وسلوكهم وبما يتمشى مع المستجدات المحيطة وبما يحقق- عمليًّا- الغاية وفي هذا يقول: (إن لكل عصر طريقًا في الكتابة تتناسب مع أسلوب أهله في الفهم وطريقهم في الدراسة، ولا بد من هذا التجديد تبعًا لتجدد عقول الناس وتغير طرق البحث والتفكير والاستنباط).

وهناك فرق بين توضيح المفاهيم والتزود بالمعارف، وبين التربية عليها وتحويلها إلى سلوكيات واقعية، ولذا فإن التربية على ذلك تحتاج إلى سنوات طويلة وحركة واسعة وأداء عملي سلوكي شاق، والتربية يسبقها تعريف ويتبعها تنفيذ، وفي هذا الصدد يقول الإمام البنا: وذلك أن مراحل هذه الدعوة ثلاثة:

أولاً: التعريف

بنشر الفكرة العامة بين الناس ونظام الدعوة في هذا الطور نظام الجمعيات الإدارية ومهمتها العمل للخير العام، ووسيلتها الوعظ تارةً، والإرشاد تارةً، وإقامة المنشآت النافعة تارة أخرى، إلى غير ذلك من الوسائل العملية.


الهامش

(1) رسالة هل نحن قوم عمليون- حسن البنا, ص- (68-69) مجموعة الرسائل.

(2) رسالة المؤتمر الخامس- حسن البنا.


ثانيًا: التكوين

وهو استخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الدعوة وضم بعضها إلى بعض وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف، ونظام الدعوة في هذه المرحلة صوفي بحت من الناحية الروحية وعسكري بحت من الناحية العملية, وشعار هاتين الناحيتين دائمًا أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج, والدعوة في هذه المرحلة لا يتصل بها إلا من استعد استعدادًا حقيقيًّا لتحمل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات.

وفي ذلك يقول الإمام البنا: أيها الإخوان إنكم فى دور تكوين فلا يلهيكم السراب الخادع عن حسن الاستعداد وكمال التأهب، اصرفوا تسعين جزءًا من المائة من وقتكم لهذا التكوين وانصرفوا فيه لأنفسكم، واجعلوا العشرة أجزاء الباقية لما هو لكم من الشئون حتى يشتدَّ عودكم ويتمَّ استعدادكم وتكملَ أهبتكم، وحينئذ يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين.

ويؤكد الإمام البنا ضرورة تعهد النفس والمدعوين بالتربية والمجاهدة حتى يشتدَّ العود ويكملَ الاستعداد فيقول: (إن معركتنا معركة تربويةٌ), إن العمل مع أنفسنا هو أول واجباتنا فجاهدوا أنفسكم.

إن اليقظة الروحية التي تحدثها مرحلة التعريف يجب ألا تُترك لتتلاشى وتخمدَ ولكن يجب أن تُزكَّى وتوجَّه إلى داخل النفس لتعملَ عملَها في الإصلاح والتغيير، ثم صياغة الفرد الذي استجاب للدعوةِ بعد مرحلة التعريف على أساس الدعوة وصبغه بمحتواها وأفكارها وتعاليمها حتى يصبح مؤهلاً لتبعات التنفيذ.

وخلاصة التكوين إيجاد شخصية ربانية تؤثر الخالق على الخلق, والآخرة على الدنيا, وباعث الدين على باعث الهوى.

ثالثًا: التنفيذ

وهو الدائرة الثالثة من دوائر العمل في دعوة الإخوان، ويحدد الإمام البنا طبيعةَ الدعوةِ في هذه المرحلة بقوله: (والدعوة في هذه المرحلة جهادٌ لا هوادةَ فيه، وعملٌ متواصلٌ في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحانٌ وابتلاءٌ, ولا يصبر عليها إلا الصادقون, ولا يكفل النجاح في هذا الطور إلا كمال الطاعة). والتنفيذ يقصد به كل جهد يبذل خارج دائرة الذات لصالح الدعوة الإسلامية، ويقصد به كل حركه يومية ذات طابع جهادي لتحقيق هدف مرحلي، ويقصد به ممارسة الجهاد عمليًّا لتحقيق هدف شامل، وعلى هذا يدخل في التنفيذ كلُّ عمل جهادي يومي وكل إعداد لإقامة الدولة الإسلامية، ولذا فإن مشروعنا مرتبط بمهمتنا في الحياة..(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقََ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)1</font>).

في سبيل النهوض

ولقد اهتمت دعوة الإخوان بالتربية منذ نشأتها, وكتب الإمام البنا حول هذا الموضوع سلسلة من المقالات تحت عنوان في سبيل النهضة, جاء فيها:


الهامش

(1) الحج- (77-78).


يجب أن تكون دعامة النهضة التربية, فتربّى الأمة أولاً, وتفهم حقوقها تماماً, وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق, وتربى على الإيمان بها, ويبث في نفوسها هذا الإيمان بقوة, أو بعبارة أخرى تدرس منهاج نهضتها درساً نظرياً وعملياً وروحياً.

وذلك يستدعي وقتاً طويلاً لأنه منهج دراسة يدرّس لأمة فلابد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل, وكل أمة تحاول تخطى حواجز الطبيعة يكون نصيبها الحرمان. ومن أجل هذا يجب أن تعد البلاد التي تود النهضة مدرسة, طلبتها كل المواطنين وأساتذتها الزعماء وأهل العلم, وعلومها الحقوق والواجبات العامة أو الغاية والوسيلة, ومن أجل ذلك أيضا يجب أن ينظم أمران هامان هما: المنهج والزعامة.

فأما المنهج فيجب أن تكون مواده قليلة, بقدر الإمكان, عملية بحتة ملموسة النتائج مهما قلت, وأما الزعامة فيجب أن تختار وتنتقى حتى إذا وصلت إلى درجة الثقة أطيعت وأوزرت, ويجب أن يكون الزعيم زعيماً تربى ليكون كذلك, لا زعيماً خلقته الضرورة, وزعّمته الأحداث فحسب, أو زعيماً حيث لا زعيم.

على مثل هذه القواعد بنى مصطفى كامل ومحمد فريد ومن قبلهما جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده نهضة مصر, ولو سارت في طريقها هذا ولم تنحرف عنه لوصلت إلى بغيتها, أو على الأقل لتقدمت ولم تتعثر, وكسبت ولم تخسر.

بيد أن زعماء أوجدتهم الظروف أرادوا أن يستعجلوا النتائج قبل الوسائل, وخدعتهم غرارتهم بقيادة الشعوب ومكائد السياسة فظنوا السراب ماءاً وجروا وراءه حتى إذا جاءوه لم يجدوا شيئاً, بعد إنفاق الجهد وتضحية الوقت وفناء الزاد فاضطروا إلى الرجوع من حيث بدأوا, وتقهقروا ولم يتقدموا, وخسروا ولم يربحوا.

إذا فهمت الأمة هذه الحقائق ناصعة, واتعظت بالتجارب الماضية, وعادت إلى النهضة الصحيحة, وعنيت بالجديات والحقائق وانصرفت عن الأوهام, وأعدت صبراً طويلاً للكفاح والنضال فإنها كاسبة إن شاء الله</font>).

وجاء في مقال آخر تحت العنوان نفسه:

(لا نهوض لأمة بغير خلق, فإذا استطاعت الأمة أن تتشبع بروح الجهاد والتضحية, وكبح جماح النفس والشهوات, أمكنها أن تنجح, بمعنى أن الأمة إذا استطاعت أن تتحرر من قيود المطالب النفسية أمكنها أن تتحرر من كل شيء, فليكن حجر الزاوية إصلاح أخلاق الأمة(1).

لقد أولت الجماعة التربية الأهمية الأولى بين سائر الاهتمامات, فكانت منذ نشأة الدعوة أساسها المكين وركيزتها الكبرى, فلا يقيس الإخوان قوة دعوتهم وجماعتهم بكثرة عدد المنتسبين إليها, ولا مدى ذيوع شهرتها, ولا مجرد انتشارها في أنحاء العالم, إنما تقوم على:

  • نوعية الفرد في الجماعة, من حيث صحة فهمه لدينه, وسلامة عقيدته, وقوة إيمانه بفكرته وارتباطه بجماعته, وتمسكه بمبادئ الإسلام وأصوله ومقاصده, وآدابه وأخلاقه في كل أمور دينه ودنياه, بين إخوانه في الله وسائر الناس, في سره وعلانيته, في عافيته وشهرته, يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال. ويحرص الفرد في الجماعة على استكمال تربية نفسه ومن معه تربية إسلامية صحيحة متكاملة حتى يكون الفرد في الجماعة رجل عقيدة ودعوة مقتدياً في ذلك سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وما كان عليه السلف الصالح في صدر الإسلام وعهوده الزاهية.

الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا, ص-(156-159)


  • ومدى التزام الجماعة نفسها بهذه المبادئ والأصول الإسلامية في كل أمرها, وفيما بينها, وفيما بينها وبين الآخرين.


الأصول التربوية في فكر الإخوان المسلمين

ويمكن إجمالها فيما يلي:

1- تكوين العقيدة الصحيحة في كل فرد على أساس من الكتاب والسنة، فهي حجر الأساس في تربية الفرد والمجتمع، وهي أساس العمل، عمل القلب وعمل الجوارح.

2- إقامة العبادات والمحافظة على أدائها وهي وليدة العقيدة وكلاهما عامل أساسي في بناء الأمة الإسلامية، من صلاة وزكاة، وصيام، وحج، وهي أفضل ما يصل القلب بالله ويربي الوجدان الحي والضمير اليقظ.

3- المعاملات الإسلامية وإحسانها أساس الدين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين المعاملة)، ويلحق بها التربية على الآداب الإسلامية الواردة في كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح، وغرس مفهوم الأخوة الإسلامية.

4- بناء النفوس المؤمنة والعقول الفاهمة، والأجساد القوية.

المنهج التربوي العملي عند الإخوان

ويمكن تلخيصه فيما يلي:

1- نظام الكتائب

بدأه الأستاذ حسن البنا في وقت مبكر من نشأة الجماعة وهو نظام مبتكر يرجح بعض قدامى الإخوان أنه اقتبسه من اجتماعات المؤمنين – في أول العهد بالدعوة ونزول الوحي – في دار الأرقم بن أبي الأرقم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدارسون الإسلام – وكان الإخوان آنذاك قلة وكان يجتمع بهم المرشد ويحدثهم في شأن الدعوة، ويأخذهم بأسلوب التربية الروحية، في جو من الصفاء الروحي، يصلون خلفه المغرب والعشاء, ويتناولون طعام العشاء معاً خفيفاً بسيطاً، ويتذاكرون معاً ويسمرون قليلاً، وبعد صلاة العشاء بقليل ينامون على الأرض في حجرة واسعة ومعهم المرشد، ثم يستيقظون قبل الفجر بساعتين، فيتوضأون، ويتهجدون بعض ركعات في صمت فرادى، ويجلسون بعد ذلك منصتين إلى تلاوة أحد الإخوة نحو جزء من القرآن الكريم ، يستمعون بعده إلى درس من الأستاذ المرشد في التكوين النفسي والروحي والعلمي للداعية مع عرض لتاريخ الدعوات والدعاة، وبيان مواطن الضعف والقوة في كل منها وما يقابل ذلك في دعوتهم، وكيف يتجنب الداعية مواطن الضعف التي عصفت بسابقيه، ثم تأتي فترة قبيل الفجر للاستغفار، حتى يؤذن الفجر فتصليه الكتيبة خلف المرشد، ويوزع بعدها على أعضائها الورد القرآني في ورقة يجمع فيها الأستاذ المرشد الآيات القرآنية ذات الهدف الواحد يقوم هو بتفسيرها تمهيداً لحفظها وأوراد أخرى قرآنية، فإذا طلعت الشمس قرأ الجميع معاً في صوت خافت (الوظيفة) وهي أدعية من القرآن الكريم ومن السنة النبوية كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصبح وإذا أمسى وكان الإخوان يحفظونها ويحافظون عليها في حياتهم الخاصة وبعد ذلك يتناولون معاً إفطاراً بسيطاً، ينصرفون بعده إلى أعمالهم.

وكان يوزع على أفراد الكتيبة رسالة تسمى (المنهج العلمي) وهي تضم عناوين مجموعة مختارة من الكتب من كل فن من فنون العلوم الإسلامية والتاريخية والتربوية، ويطلب من عضو الكتيبة أن يقرأ ما يستطيع من هذه الكتب لتزوده بذخيرة من المعلومات تنير له الطريق في دعوته وتجعله أهلاً لنشرها.

وكانت تقضى ليالي الكتائب بدار المركز العام أو بخارجه، وكلما سمح المكان بممارسة أنواع من الرياضة قاموا بها معهم المرشد وكان منها ركوب الخيل.

إن عمق أثر هذا النظام في تربية النفوس وإعدادها لتحمل تبعات دعوة الله ورسوله في أخذ النفس بها، ودعوة الآخرين للعمل في سبيلها، ربما صعب على من لم يعشه تقدير روعة هذا الأثر ونجاحه في تكوين نماذج من المجاهدين في سبيل الله عرفتهم مصر والعالم العربي والإسلامي، كما عرفهم أعداؤهم، في معارك فلسطين ضد اليهود، ومعارك القنال ضد الإنكليز، وفي تخريج علماء ودعاة انبثوا في مشارق الأرض ومغاربها، يحملون مشاعل الهداية ويؤدون حق الإسلام.

2- نظام الجوالة

أراد به المرشد إبراز حقيقة الدعوة الإسلامية عندما يتمثل الداعون إليها والعاملون لتحقيق أهدافها معاني القوة والنظام والأخلاق الرياضية وإعدادهم للجندية الصحيحة التي يفرضها الإسلام على كل مسلم، فكوّن الإخوان فرقة جوالة منتسبة إلى جمعية الكشافة الأهلية، كانت لهم أناشيدهم الحماسية وتدريباتهم العملية، وكان في الفرقة الواحدة الطالب بجانب العامل، والفلاح بجانب المدرس، والتاجر بجانب إمام المسجد، والصانع بجانب المهندس، والمرؤوس بجانبه الرئيس، والشاب بجانبه الشيخ، كلهم قد انصهر في بوتقة الدعوة ووحدت بينهم الأخوة الإسلامية، وكانت جحافلهم تخترق شوارع العاصمة والمدن، وتهز قلوب المؤمنين في كل أنحاء الوطن، بقدر ما خافها أعداؤه وأعداء الإسلام في الداخل والخارج.

ويشهد للجوالة الأصدقاء والخصوم بأن فرق الجوالة أدت خدمات وقامت بأعمال في مجالات عدة في الريف والمدينة ابتداء من محو الأمية ومقاومة وباء الكوليرا وخدمة البيئة وقد زاد الاهتمام بها في أعقاب المؤتمر الثالث للجماعة في عام 1935م وبلغ عدد أعضائها نحو أربعين ألفاً.

والحق بنظام الجوالة (نظام المعسكرات) فكان يقيمها الإخوان من وقت لآخر في ضواحي القاهرة وكانت معسكراتهم تدريباً على الصبر والاحتمال وتربية للنفس على تحمل المشاق وكان لكل معسكر برنامج يستوعبه أفراد كل دفعة يتضمن أنواعاً من الرياضة البدنية والتدريبات العسكرية والتربية الروحية والدروس الثقافية ويعقد في نهاية المدة امتحان للدفعة قبل تسريحها.

3- نظام الأسر

وأركان هذا النظام ثلاثة:

التعارف والتفاهم والتكافل، وأهم ما يشغل الأسرة واجتماعاتها: حل مشاكل أفرادها، ومذاكرة حول شؤون الإسلام ومدارسة نافعة حول قضايا المسلمين، وتحقيق معنى الأخوة, ويقوم الارتباط بين أفرادها على أساس الأخوة والإيثار والتعاون, وتتكون الأسرة من عدد لا يتجاوز سبعة أفراد، ولكل أسرة نقيب ويجمعها نظام يربط بينها, وهو نظام كان معمولاً به في كل شعب الجماعة التي بلغت نحو ألفي شعبة في أنحاء القطر في أواخر الأربعينيات. وكان للأسرة برامجها المتدرجة في صعوبتها وشمولها، وأنشطتها المتنوعة، من دراسة الفكرة، ونشرها، وأخذ بنظم التربية البدنية والعقلية والروحية، مع متابعة دراسة الأحداث، ولها اجتماعاتها الأسبوعية والشهرية، وقد يتجمع أفرادها في صلاة الجمعة، أو في رحلة خلوية، ويتعاون أفراد كل أسرة فيما بينهم على أساس نظام التكافل الإسلامي، إذ تحتفظ الأسرة بصندوق تعاوني، وترسل نسبة من إيرادها الذي تجمعه من أعضائها إلى الشعبة لتغطية نفقاتها والإسهام في مشروعاتها الاجتماعية والاقتصادية والصحية. فكانت الأسر محاضن لتربية الناشئة وحسن إعدادهم إسلامياً، ومدارس يتعلمون فيها ويتربون تربية إسلامية حقة، كما كانت سياجاً يحفظ عليهم إيمانهم ويجنبهم أقران السوء ومفاسد المجتمع، وكانت تعني بدراسة السيرة النبوية، وإحسان التلاوة في القرآن الكريم وحفظه وتدبر معانيه.

4- النوادي الرياضية

واهتم الإخوان في الريف والحضر بصفة عامة، وفي العواصم والمدن، بإقامة نواد رياضية يختلف إليها الشباب، ويمارس مختلف ألوان الرياضة وألعاب القوى، ويتردد على المكتبات الملحقة بها، ويتزود من محتوياتها، ويتعود القراءة، كما يؤدي الصلاة في أوقاتها في المساجد التي تضمها أو تكون بجوارها. وكان الشباب يجد فيها ما يشبع هواياته الرياضية، وما يريده من علم وثقافة، وما يوقظ معاني الإيمان في قلبه ويقوي العقيدة عنده وهو يسمع المؤذن فيخف إلى صلاة الجماعة في وقتها، وكان لكل ناد من يشرف عليه من كل جوانب نشاطاته ويحافظ على نظامه وتحقيق رسالته.

آثار التربية الإخوانية

  • يحدثنا أحد أفراد أسرة إخوانية فيقول:

لقد أنشأت هذه الأسرة فيما بيننا من الحب والعاطفة ما زلت أحسُّه حتى الآن، وبعد أن انقضى على ذلك قرابة خمسة وثلاثين عامًا، ولو أقسم علي أحدهم بهذا الإخاء لأبررته(1).

  • ويتلوه أحد أفراد كتيبة إخوانية فيقول:

كنت أشعر مع نهاية كل كتيبة أنني ولدت من جديد، وهذا الشعور كان يشاركني فيه جميع زملائي، والذين عاشوا هذه الكتائب ما أظنهم ينسون أنهم قضوا أجمل أيام عمرهم.. كانت كتيبتنا تضم ثلاثين شابًّا من خيرة شباب الإخوان، ولو تتبعت تاريخ هؤلاء الرجال الآن وأين هم من المجتمع لاستوقفك الأمر كثيرًا (2).

  • وفي المؤتمر الختامي لطلاب الإخوان المسلمين بالمركز العام وقف الأستاذ سيد قطـب بعدما رأى هذه الجمـوع الحاشـدة من الطلاب وقال: ما أثـر التربيــة الإسلامية في تكوين الشباب؟ هو أنتم أثرها، هو أن تُحيل ذلك الحطام الآدمي إلى شباب مثلكم، شباب متماسك قوي خَشِن مكافح مؤمن، باع نفسه لله، فأنتم المدلول الحي للتربية الإسلامية، أنتم كلمة الله لأن المسلم الحي هو كلمة الله في الأرض، لنرجع عشرين عامًا إلى الوراء لنرى كيف كان الشباب مائعًا مستهترًا، لقد شهدت شبابًّا يُحمِّر خديه وشفتيه سنة 1920م، فمن هذا الحطام الآدمي كوَّن الإسلام أبطالاً هم أنتم، لقد استطاعت التربية الإسلامية أن تخلق جيلاً لا يستحي من الإسلام كما كان يستحي الجيل الذي قبله، واستطاعت التربية الإسلامية في جملةً واحدةً أن تفسد على الاستعمار ما تعب في عمله طويلاً، وقالت لدنلوب: (منذ اليوم لن تستطيعوا استعبادنا).

الهامش

(1) النقط فوق الحروف- أحمد عادل كمال, ص- 73.

(2) 25 عامًا في جماعة- حسن دوح, ص- 31.


  • لقد خطر لنا في سنة 1920م أن نكوِّن رابطةً للطلاب المسلمين، فسخِرَ بنا رئيس الحكومة وزعماء الأحزاب آنذاك، وقالوا لو كانت تحمل اسم الطلاب (العرب) مثلاً لكانت (مبلوعة)..

أما اليوم فلم تعد الدعوة إلى الإسلام سخرية.

  • وبعد ربع قرن يأتي د. أحمد شلبي صاحب موسوعة التاريخ الإسلامي فيُدلي بشهادة مؤرخ متخصص وفي نفس الوقت مراقب للأحداث ومعايش للمجتمع فيقول: (إن هذه الجماعة لعبت دورًا إسلاميًّا رائعًا في حياة الصبيان والشباب والرجال، وغرست أخلاق الإسلام في الملايين، وجعلت الانتساب للإسلام مفخرةً يعتز بها الكثيرون، ودفعت إلى المكاتب والمصانع والوظائف جماعاتٍ تعرف اللهَ وتخافه، وبالتالي تنتج بجد، وتعمل دون رقيب من الناس ولا تمتد لها الشبهات ولا يمسها الانحراف، وكانت كلمة (من الإخوان المسلمين) طابعًا للتنزه عن الصغائر، والبُعد عن الرشوة وعن الإهمال، والحرص على أداء الواجب، وحيثما رأيت الآن رجلاً يبرز به هذا الطابع فاعرف أنه غالبًا كان منتسبًا إلى جماعة الإخوان المسلمين) (1).

الهامش

(1) موسوعة التاريخ الإسلامي- د. أحمد شلبي.


  • وفي بحث بعنوان (حركة الشبيبة الإسلامية والصناعة الأدبية الحالية في مصر) أشارت الدكتورة كاري ردزنيسكي الباحثة في جامعة هارفارد الأمريكية إلى أن الإمام البنا استطاع أن ينتشل الآلاف من شباب مصر من المقاهي ومواخير المخدرات والمسكرات؛ ليصنع منهم دعاةً للإسلام، ويحولهم من حالة الضياع إلى قوة شبابية تخوض غمار السياسة مزاحمةً أقوى الأحزاب العريقة في مصر.
  • وفي بحث بعنوان (الإخوان المسلمون في التراث الشعبي المصري) يقول الدكتور ديفيد كومونز الأستاذ في جامعة ويكنسون الأمريكية: (إن الإمام البنا أعطى للشباب المصري الذي كان غارقًا في الإدمان على المخدرات والخـمور معنى جديدًا للحياة من خلال العلم الذي كانوا ينهلونه من خلال اجتماعات الجماعة ومن خلال قراءتهم لرسائل الإمام البنا، كما أنه استطاع أن يُعيد اندماج هذا الشباب الخامل الكسول في المجتمع المصري ليكون شعلةَ نشاط في العمل الإسلامي).
  • ولقد سمت هذه التربية بشباب الإخوان, فكانوا نماذج حية لهذا الدين الذي ضيعه أهله, وضربوا للناس الأمثال, ليبرهنوا لهم أن هذا الدين قادر على أن يحوّل الفوضى نظاماً , وأن ينبت الأخلاق بين ركام الفساد, وأن يصيّر الضالين الفاسدين أتقياء صالحين.

ولقد ذكر المرشد أمثلة من تلكم النماذج(1), إنها قصة شاب امتحن في عفته فرفض أن يلوثها, إنه الأخ عبد العزيز علام الذي يعمل ترزياً (خياطاً) في المعسكر الإنكليزي, دعته إحدى زوجات كبار الضباط لبعض الأعمال الخارجية بمهنته, لتنفرد به في المنزل, وتغريه بكل أنواع المغريات, فيعظها وينصح لها, ثم يخوفها ويزجرها, فهددته أنها ستخبر زوجها باعتدائه عليها, فلم يلن, ثم هددته بوضع المسدس في صدره, فلم يتزحزح وقال: إني أخاف الله رب العالمين.

فأوهمته أنها قررت قتله, وستقول بأنه هاجمها في منزلها وهم بها, وصوبت مسدسها إلى صدره, فأغمض عينيه, وصاح (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وفوجئت المرأة بالصيحة, فسقط المسدس من يدها, وارتبكت ولم تر بداً من إخراجه من بيتها, وظل الشاب يعدو حتى دخل دار الإخوان المسلمين. يقول الأستاذ المرشد , من أجل ذلك بارك الله الدعوة التي استنارت بها مثل هذه القلوب(2).


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا, ص-67.

(2) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا, ص-70.


رأي الإمام البنا في التصوف

ولا بأس أن نذكر هنا رأي الإمام في التصوف كما ذكره في كتابه مذكرات الدعوة والداعية(1), قال:

حين اتسع عمران الدولة الإسلامية صدر القرن الأول, وكثرت فتوحها وأقبلت الدنيا على المسلمين من كل مكان, وجبيت إليهم ثمرات كل شيء, وكان خليفتهم بعد ذلك يقول للسحابة في كبد السماء: شرقي أو غربي فحيثما وقع قطرك جاءني خراجه, وكان طبيعياً أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها في اقتصاد أحياناً وفي إسراف أحياناً أخرى, وكان طبيعياً أمام هذا التحول الاجتماعي, من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك, أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهّدون الناس في متاع هذه الحياة الزائل, ويذكرونهم بما قد ينسونه من متاع الآخرة الباقي (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(2) ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه الدعوة – الإمام الواعظ الجليل- الحسن البصري, وتبعه على ذلك كثير من أضرابه الدعاة الصالحين, فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم الآخر. والزهادة في الدنيا, وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه.

وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية فأخذت صورة العلم الذي ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقاً من الحياة خاصاً: مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله, ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا, ص-(26-32).

(2) العنكبوت-64.


وهذا القسم من علوم التصوف, واسمه علوم التربية والسلوك, لا شك أنه من لب الإسلام وصميمه, ولا شك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها, والطب لها والرقي بها, لم يبلغ إليها غيرهم من المربين, ولا شك أنهم حملوا الناس بهذا الأسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه, وصدق التوجه إليه, وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثراً بروح العصور التي عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر والعزلة.. ولذلك كله أصل في الدين يرد إليه, فالصمت أصله الإعراض عن اللغو, والجوع أصله التطوع بالصوم, والسهر أصله قيام الليل, والعزلة أصلها كف الأذى عن النفس ووجوب العناية بها.. ولو وقف التطبيق العملي عند هذه الحدود التي رسمها الشارع لكان في ذلك كل الخير.

ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد السلوك والتربية, ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيراً لها وللناس, ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى لا إلى تحليل الأذواق والمواجد, ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها, فخلطت بذلك الدين بما ليس منه, وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف, والرغبة في الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفائه ونقائه.

لقد أدرك حسن البنا ربيب الصوفية, والذي شارك زمناً في حلقات الذكر على نغم الناي, وردد أناشيد المنشدين وحفظ ابن الفارض, أدرك أنه وقف نفسه لدعوة أرى أنها خير السبيل للإصلاح الإسلامي.. واتخذ قراره فقال:

لقد آن الأوان الذي أعتز به عن كل هذه الدعاوى المشتبهة, وأكشف فيه عن الغاية للإصلاح الإسلامي الذي يتلخص في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله, وتطهير العقول من الخرافات والأوهام وإرجاع الناس إلى هدى الإسلام الحنيف(1).


الهامش

(1) مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا, ص-67.


الفكر السياسي في رسائل الإمام

كان الإمام حسن البنا خبيراً بالقضايا الإسلامية والأحداث السياسية. يقول عنه روبير جاكسون: لم تكن هناك دعوة, ولا نزعة ولا رسالة مما عرف العالم في الشرق أو في الغرب في القديم أو في الحديث, لم يبحثها أو يقرأها, أو يدرس أبطالها وحظوظهم من النجاح أو الفشل, يعرف لغات الأزهريين والجامعيين والأطباء والمهندسين, والصوفية, وأهل السنة. ويعرف لهجات الأقاليم في الدلتا وفي الصحراء وفي مصر الوسطى والعليا وتقاليدها(1)..

وقال عنه الدكتور إسحاق الحسيني: هو دائرة معارف واسعة كاملة يتحدث في أي موضوع بدون إعداد مهما كان نوع هذا الموضوع, ويتخير في أحاديثه الأسلوب السهل والتعابير المناسبة(2).

وقال الإمام حسن البنا: إن الإخوان قوم سياسيون, ودعوتهم دعوة سياسية. يا قومنا: إنا نناديكم والقرآن في يميننا والسنة في شمالنا, وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا, وندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام, فإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا, وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسياً, فنحن أعرق الناس في السياسة, وإن شئتم أن تسموا ذلك سياسة فقولوا ما شئتم, فلن تضرنا الأسماء, متى وضحت المسميات وانكشفت الغايات(3).


الهامش

(1) حسن البنا الرجل القرآني- روبير جاكسون.

(2) الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية- د. زكريا سليمان بيومي, ص-77.

(3) رسالة دعوتنا- الإمام حسن البنا.


بعض المبادئ الأساسية الإسلامية

النظام الداخلي في الدولة الإسلامية يقوم على أساس الحكم الإسلامي الذي يطبق الشريعة الإسلامية عملاً بقوله تعالى: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ)(1). والحكومة الإسلامية تمثل الفكرة الإسلامية رسمياً ودولياً، وتصدر عن التوجيه الإسلامي في كل التصرفات، وكذلك كل الأنظمة في الدولة، السياسية والقضائية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية.

الحكومة في الإسلام

يفترض الإسلام الحنيف الحكومة قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به للناس، فهو لا يقر الفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بغير إمام.. ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: (إذا نزلتَ ببلد وليس فيه سلطان فارحل عنهوقال صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فأمّروا عليكم رجلاً).

وقال الإمام الغزالي: (إعلم أن الشريعة أصل، والمُلك حارس، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع). فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة، كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها.


الهامش

(1) المائدة- 49.


فصل الدين عن السياسة

وأول خطئنا أننا نسينا هذا الأصل، ففصلنا الدين عن السياسة عملياً، وإن كنا لم نستطع أن نتنكر له نظرياً، فنصصنا في دساتيرنا على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ولكن هذا النص لم يمنع رجال السياسة أن يفسدوا الذوق الإسلامي في الرؤوس، والنظرة الإسلامية في النفوس، والجمال الإسلامي في الأوضاع(1).

لقد تأثر الفكر السياسي في الكثير من الدول الإسلامية إبان العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن بالفكر العلماني الذي يفصل الدين عن السياسة وعن الحياة، ويدعو الأمة إلى الانخراط في حضارة الغرب المتقدمة، حلوها ومرها، خيرها وشرها، على حد تعبير طه حسين في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر), وقد كان للانقلاب الكمالي في تركيا واتجاهه العلماني أثره في تشجيع هذا الفكر وانتشاره. وقد كان لهذه الهجمة العلمانية ردود فعل عند أهل الغيرة على دين الله.. فظهر الأفغاني ومحمد عبده، وقامت دعوات وحركات إسلامية في المغرب العربي وآسيا وأفريقيا، ومن بعدهم ظهرت حركة الإخوان المسلمين في أواخر الثلاثينيات، وكان لشخصية مؤسسها الداعية حسن البنا وفكره أبعد الأثر في نجاح هذه الدعوة ورسوخ مبادئها واتساع انتشارها، وبروزها على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية، ولعل من أهم المفاهيم التي أكدتها في وعي الشعب أن الإسلام دين ودولة، وعبادة وأنظمة حياة، وأن السياسة جزء من الدين، وأن الحكم بشريعة الإسلام هو مطلب كل مسلم، وأنه لا صلاح لما فسد من أمر الناس إلا بالعودة إلى الإسلام.

دعائم الحكم الإسلامي

والحكومة في الإسلام تقوم على قواعد مقررة, وهي الهيكل الأساسي لنظام الحكم الإسلامي.. فهي تقوم على مسؤولية الحاكم، وسلطة الأمة، واحترام إرادتها، ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء والأشكال.


الهامش

(1) مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي- حسن البنا، ص- 317 (مجموعة الرسائل).


النظام النيابي

يقول علماء الفقه الدستوري (إن النظام النيابي) يقوم على مسؤولية الحاكم، وسلطة الأمة، واحترام إرادتها. وأنه لا مانع فيه يمنع من وحدة الأمة واجتماع كلمتها، وليست الفرقة والخلاف شرطاً فيه، وإن كان بعضهم يقول إن من دعائم النظام النيابي البرلماني: الحزبية. ولكن هذا إذا كان عرفاً فليس أصلاً في قيام هذا النظام.

وعلى هذا فليس في قواعد هذا (النظام النيابي) ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم، وهو بهذا الاعتبار ليس بعيداً عن النظام الإسلامي ولا غريباً عنه. وعليه يمكن أن نقول في اطمئنان إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصري لا تتنافى مع قواعد الإسلام، وليست بعيدة عن النظام الإسلامي ولا غريبة عنه، بل إن واضعي الدستور المصري رغم أنهم وضعوه على أحدث المبادئ والآراء الدستورية وأرقاها، فقد توخوا فيه ألا يصطدم أي نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية، فهي إما متمشية معها صراحة كالنص الذي يقول: (دين الدولة الإسلام) أو قابلة للتفسير الذي يجعلها لا تتنافى معها كالنص الذي يقول: (حرية الاعتقاد مكفولة).

وأحب أن أنبه هنا إلى الفرق بين الدستور وبين القوانين التي تسير عليها المحاكم، إذ أن كثيراً من هذه القوانين يتنافى صراحة مع ما جاء به الإسلام.

ومع أن النظام النيابي والدستور المصري في قواعدهما الأساسية لا يتنافيان مع ما وضعه الإسلام في نظام الحكم، فإننا نصرح بأن هناك قصوراً في عبارات الدستور، وسوءاً في التطبيق، وتقصيراً في حماية القواعد الأساسية التي جاء بها الإسلام وقام عليها الدستور، أدّت جميعاً إلى ما نشكو منه من فساد، وما وقعنا فيه من اضطراب في كل هذه الحياة النيابية(1).

مسؤولية الحاكم – الوزارة

فأما عن مسؤولية الحاكم فإن الأصل فيها في النظام الإسلامي أن المسؤول فيها هو رئيس الدولة كائناً من كان، له أن يتصرف، وعليه أن يقدم حساب تصرفه للأمة، فإن أحسن أعانته وإن أساء قومته. ولا مانع في الإسلام في أن يفوض رئيس الدولة غيره في مباشرة هذه السلطة وتحمل هذه المسؤولية، كما عرف ذلك في (وزارات التفويض) في كثير من العهود الإسلامية، ورخّص الفقهاء المسلمون في ذلك وأجازوه ما دام فيها مصلحة، والقاعدة في مثل هذه الأمور رعاية المصلحة العامة. قال الماوردي في كتاب (الأحكام السلطانية) :) والوزارة على ضربين، وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ. فأما وزارة التفويض فهي أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها على مقتضى اجتهاده. قال تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْـرِكْهُ فِي أَمْـرِي)(2). فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز، لأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها، وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل).


الهامش

(1) مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي- حسن البنا، ص- (317-319) مجموعة الرسائل.

(2) طه- (29-32).


على أنه لا مانع في النظام النيابي من تحمل رئيس الدولة المسؤولية واعتبار الوزارة تابعة له في ذلك.

كما يقرر ذلك دستور الولايات المتحدة. وتشير كتب الفقه الإسلامي إلى هذا الوضع أيضاً وتسمى هذه الوزارة (وزارة التنفيذ) فيقول الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) أيضاً: (وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف, وشروطها أقل، لأن النظر مقصور فيها على رأي الإمام وتدبيره، وهذا الوزير وسط بينه وبين الـرعايا والولاة، يؤدي عنه ما أمر، وينفذ ما ذكر ويمضي ما حكم..) ولا شك أن هذا من سعة مادة الفقه الإسلامي ومرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان.

وحدة الأمة

وأعتقد أن الحكم النيابي لا يأبى هذه الوحدة، وبخاصة إذا كان لون الحياة الاجتماعية واحداً في أصوله واتجاهاته العامة. ومع هذا فإن الحكم النيابي في أعرق مواطنه لم يقم على الحزبية المسرفة، فليس في إنكلترا إلا حزبان هما اللذان يتداولان فيها الأمر، وتكاد تكون حزبيتهما داخلية بحتة، وتجمعهما دائماً المسائل القومية المهمة، فلا تجد لهذه الحزبية أثراً البته. كما أن أمريكا ليس فيها إلا حزبان كذلك لا نسمع عنهما شيئاً إلا في مواسم الانتخابات.

والبلاد التي تطورت في الحزبية وأسرفت في تكوين الأحزاب ذاقت وبال أمرها في الحرب وفي السلم على السواء، وفرنسا أوضح مثال لذلك.

وإذا كان الأمر كذلك، وكانت وحدة الأمة أساساً في النظام الاجتماعي الإسلامي ولا يأباه النظام النيابي، فإن تنظيم الدولة الإسلامية المعاصرة في نظر الإخوان المسلمين يتطلب أن نضع في المقام الأول وحدة الأمة فنختار الصيغة التي تحفظ هذه الوحدة، ونستبعد كل ما يعرضها للتمزق.

احترام إرادة الأمة

وأما عن احترام رأي الأمة، ووجوب تمثيلها واشتراكها في الحكم اشتراكاً صحيحاً، فإن الإسلام لم يشترط استبانة رأي أفرادها جميعاً في كل نازلة، وهو المعبر عنه في الإصطلاح الحديث (بالاستفتاء العام). ولكنه اكتفى في الأحوال العادية بأهل الحل والعقد ولم يعينهم بأسمائهم, ولا بأشخاصهم، والظاهر من أقوال الفقهاء ووصفهم إياهم أن هذا الوصف ينطبق على ثلاث فئات هم:

1- الفقهاء المجتهدون الذين يعتمد على أقوالهم في الفتيا واستنباط الأحكام.

2- وأهل الخبرة والتخصص في الشؤون العامة.

3- ومن لهم نوع قيادة أو رئاسة في الناس.

فهؤلاء جميعاً يصح أن تشملهم عبارة (أهل الحل والعقد).

ولقد رتب النظام النيابي الحديث طريق الوصول إلى (أهل الحل والعقد) بما وضع الفقهاء الدستوريون من نظم الانتخاب وطرائقه المختلفة. والإسلام لا يأبى هذا التنظيم ما دام يؤدي إلى اختيار أهل الحل والعقد. وذلك ميسور إذا لوحظ في أي نظام من نظم تحديد الانتخاب صفات أهل الحل والعقد، وأنه موصل إلى اختيار الصالحين للنيابة عن الأمة، وأن يكفل أداء الناخبين واجبهم في اختيار ممثليهم، وعدم القصور عن أدائه حتى تعبر قرارات البرلمان عن رأي الأمة بحق.

إن نظام الحكم الإسلامي الذي تقوم دعائمه على مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها، يقتضي قيامه توفر وعي إسلامي قوي في الأمة، وتحقق قدر من التربية الإسلامية في قاعدة عريضة منها، فإن القوة الأساسية التي تؤمن سلامته وتحفظ عليه دعائمه هي قوة الشعب الذي يعي مسؤوليته عن هذه السلامة وقيام هذه الدعائم وهو الذي يملك حق اختيار حاكمه ويملك حق عزله. إن مركز الثقل في هيكل الدولة الإسلامية ليس في قمة هرمه وإنما هو في قاعدة هذا الهرم(1).

إن لكل أمة قانوناً

لكل أمة قانون يتحاكم إليه أبناؤها، وهذا القانون يجب أن يكون مستمداً من أحكام الشريعة الإسلامية مأخوذاً عن القرآن الكريم متفقاً مع أصول الفقه الإسلامي. وإن في الشريعة الإسلامية وفيما وضعه المشترعون المسلمون ما يسد الثغرة ويفي بالحاجة وينقع الغلة، ويؤدي إلى أفضل النتائج. وإن في حدود الله لو نفذت لزاجراً يردع المجرم وإن اعتاد الإجرام، ويكف العادي وإن تأصل في نفسه العدوان, ويريح الحكومات من عناء التجارب الفاشلة. والتجربة تثبت ذلك وتؤيده. وأصول التشريع الحديث تنادي به وتدعمه. والله تبارك وتعالى يفرضه ويوجبه(2) قال تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(3).


الهامش

(1) مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي- حسن البنا، ص- (317-333) مجموعة الرسائل.

(2) إلى أي شيء ندعو الناس- حسن البنا، ص- 48 مجموعة الرسائل.

(3) المائدة- 44.


ويتساءل الإمام البنا فيقول: فمن غير المفهوم ولا المعقول أن يكون القانون في أمة إسلامية متناقضاً مع تعاليم دينها وأحكام قرآنها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم , مصطدماً كل الاصطدام بما جاء عن الله ورسوله, وقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك من قبل، فقال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ . أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)(1).

كما أن هذه القوانين الوضعية كما تصطدم بالدين ونصوصه تصطدم بالدستور الوضعي نفسه الذي يقرر أن دين الدولة هو الإسلام, فكيف نوفق بين هذين يا أولي الألباب؟

وإذا كان الله ورسوله قد حرم الزنا، وحظر الربا، ومنع الخمور، وحارب الميسر، وجاء القانون يحمي الزانية والزاني، ويلزم بالربا، ويبيح الخمر، وينظم القمار، فكيف يكون موقف المسلم بينهما؟ أيطيع الله ورسوله ويعصي الحكومة وقانونها والله خير وأبقى؟ أم يعصي الله ورسوله ويطيع الحكومة فيشقى في الآخرة والأولى؟ نريد الجواب على هذا من رفعة رئيس الحكومة ومعالي وزير العدل ومن علمائنا الأفاضل الأجلاء.

أما الإخوان المسلمون فهم لا يوافقون على هذا القانون أبداً ولا يرضونه بحال، وسيعملون بكل السبل على أن يحل مكانه التشريع الإسلامي العادل في نواحي القانون. ولسنا هنا في مقام الرد على ما قيل في هذه الناحية من شبهات أو ما يعترض سبيلها من توهم العقبات، ولكنا في مقام بيان موقفنا الذي عملنا وسنعمل عليه، متخطين في سبيله كل عقبة، موضحين كل شبهة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.


الهامش

(1) المائدة- 49.

(2) .


ولقد تقدم الإخوان المسلمون إلى معالي وزير العدل بمذكرة إضافية في هذا الموضوع، ولقد حذروا الحكومة في نهايتها من إحراج الناس هذا الإحراج. فالعقيدة أثمن ما في الوجود، وسوف يعاودون الكرة، وسوف لا يكون ذلك آخر مجهودهم, ( وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(1).

ثم يتعرض الإمام البنا إلى قول القائلين: إن هذا جمود ورجوع بالعالم إلى الوراء ألف عام أو يزيد. فكيف يعقل أننا نطبق اليوم نظماً جاءت لأمة عاشت قبلنا بأربعة عشر قرناً، في أرض غير أرضنا، وعلى لون من الحياة غير ألوان حياتنا؟ وأين سنة التطور وقوانين التقدم والارتقاء؟ ونقول لهؤلاء كذلك إنكم لم تفهموا طبيعة الإسلام الحنيف، الذي جاء للناس فكرة سامية تحدد الأهداف العليا، وتضع القواعد الأساسية، وتتناول المسائل الكلية ولا تتورط في الجزئيات، وتدع بعد ذلك للحوادث الاجتماعية والتطورات الحيوية أن تفعل فعلها وتتسع لها جميعاً ولا تصطدم بشيء منها.

وهذا تاريخ التشريع الإسلامي يحدثنا أن ابن عمر رضي الله عنه كان يفتي في الموسم في القضية من القضايا برأي، ثم تعرض عليه في الموسم التالي من العام القابل فيفتي برأي آخر، فيقال له ذلك، فيقول: (ذاك على ما علمنا، وهذا على ما نعلم). أو كلام نحوه.

كما يحدثنا أن الشافعي رضي الله عنه وضع بالعراق مذهبه القديم، فلما تمصر وضع مذهبه الجديد نزولاً على حكم البيئة، وتمشياً مع مظاهر الحياة الجديدة، من غير أن يخل ذلك بسلامة التطبيق على مقتضى القواعد الإسلامية الكلية الأولى.. وأصبحنا نسمع: (قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد).


الهامش

(1) التوبة- 32, رسالة المؤتمر الخامس- حسن البنا, ص- (139-140) مجموعة الرسائل.

رسالة في اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد- حسن البنا, ص- 268 (مجموعة الرسائل).


فهل يقال بعد ذلك إن في الرجوع إلى النظام الإسلامي رجعية وجموداً، وليست في الدنيا شريعة تقبل التطور، وتسـاير مقتضـيات التقدم، وتتمــتع بمعنى المرونــه والسلاسة والسعة كشريعة الإسلام الحنيف(1):

(ماَ يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(2).

دولة دينية أم مدنية

أجاب على هذا السؤال الدكتور محمد مرسى – عضو مكتب الإرشاد والمشرف على النشاط السياسي والبرلماني للجماعة- قال: إن مفهوم الدولة الدينية طبقًا للمفهوم الثيوقراطي, الذي قام على أساس تأليه الحاكم, كما كان الأمر في مصر الفرعونية وبلاد فارس والروم والحضارة الهندية القديمة, هي معتقدات باطلة.. لا علاقة لها بالأديان. والدولة الإسلامية دولة مدنية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ بسلطاتها المستقلة الثلاثة (التشريع- القضاء- التنفيذ أو الحكومة)، وبمنهجها الإداري الإسلامي ضمن ثوابت وأصول الشريعة الإسلامية التي تُحقق المصلحة لكل أبناء الوطن من المسلمين وغيرهم.


الهامش

(1) مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي- حسن البنا، ص- 200 (مجموعة الرسائل).

(2) المائدة- 6.


فليست الدولة الإسلامية دولة رجال الدين أو الذين يحكمون بالحق الإلهي، ولكنها واستنادًا إلى التجربة التاريخية الممثلة في حكم الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من حكام المسلمين، أظهرت مدنية الدولة في كل ممارساتها، وأنَّ أهل الخبرة والاختصاص في كل مجالٍ هم أصحاب الرأي والمسئولية والشأن للنهوض بالدولة، على أن يكون ذلك ضمن منظومة التشريع الإسلامي المتوازن والعادل.

قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)(1).

وفي الدولة الإسلامية المدنية أيضًا هناك تساوٍ في الحقوق والواجبات بين المواطنين، بغض النظر عن عقائدهم أو جنسيتهم أو لونهم، طبقًا للدستور الذي يقرُّه الشعب؛ باعتبار أن الأمة هي مصدر السلطة، والأمة هي التي تحدد أدوات ووسائل وآليات العمل المجتمعي طبقًا للأصول والضوابط الشرعية المعروفة.

المرأة والعمل السياسي

يعتبر الإمام البنا أن المرأة نصف المجتمع وهي النصف الذي يؤثر في حياته أبلغ تأثير, لأنها المدرسة التي تكوّن الأجيال وتصوغ الناشئة.

والإسلام كما يفهمه الإمام البنا قد سمح للمرأة أن تزاول العمل السياسي وحتى الحربي, فلها أن تحدد موقفها السياسي وتبشر به, وتقنع غيرها به, وقد استنبط هذا من كتاب الله تبارك وتعالى وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم , فالمرأة بايعت الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية وبايعت الرسول في بيعة الحديبية حينما قرر الرسول قتال أهل مكة ودخولها عنوة لما أشيع أن


الهامش

(1) فصلت-6.


سفيره عثمان قد اعتدى عليه المشركون, وأن المرأة تبشر بفكرتها ودعوتها إلى بنات جنسها وتقوم بتنظيم شؤونهن في الأمور الدعوية, كما أن للمرأة أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر من ارتكب منكراً سواء كان رئيس الدولة أو غيره, ولها أن تطالب بحقوقها عن طريق القضاء وفي غير القضاء, وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم شكواها وفعلها حينما قالت مستفتية في فتح مكة وأثناء البيعة: إن أبا سفيان رجل شحيح ولا يعطيني ما يكفيني وولدي وأنا آخذ من ماله فهل عليّ من جناح, فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف(1).

ولقد أصدرت جماعة الإخوان المسلمون عام 1994م بياناً جاء فيه: إن الإخوان يرون ضرورة أن تشارك المرأة الرجل في اختيار أهل الحل والعقد أي أعضاء مجلس الشورى أو المجالس النيابية أو ما شابه ذلك.. وترى الجماعة أن ليس في النصوص الشرعية ما يمنع أن تتولى المرأة مثل هذه المناصب, والنصوص التي تؤيد مشاركتها في الانتخابات, تعطيها حق انتخابها عضواً في هذه المجالس(2).

أوضاع العالم الإسلامي

ومن مقتضيات العمل السياسي الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي.. ولقد اهتم الإمام حسن البنا منذ تأسيس الجماعة بقضايا المسلمين ومناصرة قضاياهم العادلة.. ومن أمثلة ذلك:


الهامش

(1) رواه الشيخان.

(2) تحديات سياسية تواجه الحركات الإسلامية- مصطفى محمد الطحان, ص-(121-122).


  • حين وقع الخلاف بين ملك السعودية وإمام اليمن عام 1934م أرسل الأستاذ البنا فضيلة الشيخ طنطاوي جوهري إلى الحجاز في موسـم الحج، وهـناك قابل الملك عبد العزيز، ودعا لنبذ الخلافِ وحل المشكلة سلميًّا والحفاظ على الأخوة والوحدة الإسلامية، وقد تأثَّر الملك عبد العزيز بهذه المبادرة وأثنى على صاحبها(1).
  • وقام الإخوان بتأليف لجانٍ لجمع التبرعات من المساجد والمصالح الحكومية لأهل المدينة المنورة بمجرد معرفة الإخوان بحاجتهم (2).

1- استضافة قادة حركات الجهاد في العالم الإسلامي بالمركز العام للإخوان المسلمين ولم يكن يمر أسبوعٌ حتى تظهر في المركز العام شخصيةٌ مرموقةٌ أو أكثر من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكان القسم يهتم بوفادتهم والإنفاق عليهم(3).

وكان منهم: الحبيب بورقيبة والشاذلي المكي من تونس، وأحمد سوكارنو وآجوس سالم من إندونيسيا، وإسماعيل الأزهري وأحمد خير من السودان، وعبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي من المغرب، والفضيل الورتلاني من الجزائر، وأمين الحسيني وصبري عابدين من فلسطين.


الهامش

(1) جريدة الإخوان الأسبوعية 9:2.

(2) جريدة الإخوان الأسبوعية 43:2.

(3) أحداث صنعت التاريخ- محمود عبد الحليم, ص- 1.


2- رعاية طلاب العالم الإسلامي وتبني قضاياهم:

وكان قسم الاتصال بالعالم الإسلامي ملجأ الطلبة المسلمين الوافدين المنتسبين إلى الأزهر وغيره، وقد حدث أن منـعت سـفارة إندونيسيا تحت الاحتـلال الهولندي الإعاناتِ التي يرسلها أهالي طلاب البعوث إليـهم، واشترطت لصرفها أن يقوم هؤلاء الطلاب باستنكارِ الأعمال الوطنيةِ التي يقوم بها أهلوهم في بلادهم، فامتنعوا ولجأوا إلى قسم الاتصال، الذي شجَّعهم على موقفهم، وقرَّر صرف الإعاناتِ اللازمةِ لهم حتى تزول تلك الحالة الشاذة(1).

3- تقديم المذكرات والاحتجاجات مناصرة لقضايا المسلمين:

في وثائقَ رسميةٍ فرنسية نُشِرت رسالتان من السفارة الفرنسية بالقاهرة جاء فيهما: لقد أرهقنا الإخوان المسلمون من كثرة ما أرسلوا إلينا من العرائض التي تندِّد ببقائنا في الجزائر وسائر دول شمال إفريقيا، وتطالب بجلائنا عنها والعديد من العرائض والاحتجاجات المتعلقة بفلسطين(2).


الهامش

(1) الإخوان المسلمون والمجتمع المصري- محمد شوقي زكي , ص- 155.

(2) الحركة الإسلامية وقضية فلسطين- زياد أبو غنيمة, ص- 150.


4- المظاهرات والمسيرات تأييدًا ودعمًا لقضايا العالم الإسلامي:

نظَّم الإخوان المسلمون الكثيرَ من المسيراتِ والمظاهراتِ في سبيلِ نصرةِ قضايا البلادِ العربيةِ والإسلامية (فلسطين- سوريا ولبنان- المغرب العربي- ليبيا- باكستان وإندونيسيا).

5- إقامة المؤتمرات لدعم قضايا العالم الإسلامي:

أقام الإخوان عدة مؤتمراتٍ لنصرةِ قضيةِ فلسطين، كان من أهمها مؤتمرُ الأزهر الشريف في 14-12-1947م.

كما أقام الإخوان مؤتمرًا في المركز العام عام 1954م لنصرة قضية مراكش(1).

6- صحافة الإخوان وقضايا العالم الإسلامي:

حين صدر العدد الأول من جريدة الإخوان الأسبوعية عام 1933 م كان بها بابٌ ثابتٌ ومنتظمٌ بعنوان (العالم الإسلامي)، واستمرَّ اهتمام صحف الجماعة بأخبار العالم الإسلامي وقضاياه المختلفة.

7- الإخوان المسلمون وقيام الجامعة العربية:

اجتهد الإخوان المسلمون- رغم علمهم بملابسات إنشاء الجامعة العربية- في الاستفادة من إنشاء الجامعة ومحاولة توجيهها الوجهة التي تخدم العرب والمسلمين.

وحين دُعِي رؤساء وزارات الدول العربية المستقلة إلى الإسكندرية لوضع ميثاق الجامعة قام الإخوان بالخطوات التالية:


الهامش

(1) مجلة الدعوة- عدد 133، جريدة الإخوان 15/7/1954.


  • استقبال شعب الإخوان للوفود العربية القادمة استقبالاً شعبيًّا وجماهيريًّا حافلاً.
  • إرسال برقيات التأييد والتشجيع للوفود المشاركة في اللجنة التحضيرية لوضع ميثاق الجامعة.
  • أعد الأستاذ البنا مذكرةً تفصيليةً تضع تصورًا عمليًّا مُقتَرحًا لميثاقِ الجامعةِ وأهم الخطوط التي يجب أن يتضمنها الميثاق وأهم القضايا التي يجب أن يعالجها، وقًُدِّمت إلى اللجنة، وصدر ميثاقُ الجامعة الأول ويكاد يكون نسخة من مذكرة الإخوان المسلمين (1).


8- نماذج من أدوار الجماعة في دعم الجهاد والمجاهدين :

ذكر الخطابي في مجلة الدعوة أن الأستاذ البنا اتصل به وهو في المنفى، ورتَّب معه طريقةَ تهريبِه، وأعد السفنَ والإمكاناتِ اللازمةَ لذلك، وكان للإخوان المسلمين دورٌ مهمٌّ في إنزاله من السفينةِ التي كانت تقله إلى فرنسا ليقضيَ بقيةَ حياتِه سجينًا هناك، ومنحه حقَّ اللجوءِ السياسي والإقامةِ بالقاهرة.

كان سماحته لاجئًا سياسيًّا بعد الحرب في فرنسا، وخشي الإخوان من أن يسلمه الفرنسيون إلى الإنكليز، فاتصلوا به وعرضوا عليه فكرةَ الهروب إلى مصر فوافق، ودبَّر الإخوان كلَّ الترتيباتِ ومتطلباتِ الموضوع، وبالفعل نزل المفتي إلى مصر، وقَبِل الملك فاروق منحَ سماحته حقَّ اللجوء السياسي مع إنزاله ضيفًا عليه(2).


الهامش

(1) أحداث صنعت التاريخ- محمود عبد الحليم 320:1.

(2) تعليق صالح أبو رقيق على كتاب الإخوان المسلمين- ريتشارد ميتشيل, ص- 143.


لقد أدرك الإمام البنا أبعاد المؤامرة على فلسطين وخطورة قيام الكيان الصهيوني، فرأى عليه رحمة الله تركيزَ الجهودِ على فلسطين؛ حتى لا يبتلعَها اليهود، ورأى تجاوز الصراع مع أي نظام أو حزب وتوجيه الطاقاتِ لضربِ اليهود، وبالفعل لم يصطدمْ مع نظام فاروق ما دام صراعه مع اليهود قائمًا.

واستخدم لذلك وسائلَ عمليةً منها دعوته إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة يومها، كما دعا إلى عَقْدِ مؤتمر عربي للمِّ الشمل العربي من أجل نصرة فلسطين وتحرير القدس، كما دعا إلى جمع التبرعات وابتكر لذلك وسيلةً جديدةً، وهو إصدار طابع بقيمة قرش لصالح القضية الفلسطينية.

ومن رؤى الإمام البنا الثاقبة تجاه القضية رأيه بعدم تدخل الجيوش العربية في فلسطين، وعرض هذا الرأي على النقراشي، وطالبه أن يواجهَ الإخوان اليهودَ، فإذا قضوا على الإخوان كان للنظام المصري آنذاك ما أراد وارتاح من الإخوان، وإن انتصر الإخوان على اليهود ارتاح العرب من هؤلاء الصهاينة.

كما أراد الإمام البنا من هذا الرأي أن تتحول الحرب في فلسطين إلى حرب عصابات لا حرب جيوش نظامية لسببين:

  • أولهما: أنه يعرف تمامًا ما وراء هذه الجيوش وموالاة هذه الأنظمة للاستعمار الذي يؤيد قيام الدولة الصهيونية أصلاً.
  • ثانيًا: أن حرب العصابات لن يقدر عليها اليهود ولن يستطيعوا أن يصمدوا فيها، خاصةً وأن الذي يواجههم هم الإخوان.

لقد شارك الإمام البنا في حرب فلسطين بعدة وسائل، منها الكتائب التي أرسلها عن طريق الجامعة العربية، حيث اتفق مع عبد الرحمن عزام على أن يعد عشرة آلاف مسلح يخرج هو على رأسهم لقتال اليهود، ذكر الإمام البنا ذلك في برقيةٍ بعث بها إلى مؤتمر القمة العربي الذي كان منعقداً في عالية في لبنان جاء فيها: إن الإخوان المسلمين على استعدادٍ لإدخال عشرة آلاف مجاهد متطوع كدفعة أولى للقتال ضد اليهود في فلسطين كما قام بالاتصال بمصطفى السباعي مراقب الإخوان في سوريا وأمره أن يخرجَ بكتيبة إلى فلسطين ونفس الأمر تكرَّر مع عبد اللطيف أبو قورة مسئول الإخوان بالأردن وكذا الشيخ محمود الصواف مراقب الإخوان بالعراق.

تبنَّى الإخوان الدعوةَ إلى استقلالِ إندونيسيا وباكستان.. وكان هناك اتصالٌ دائمٌ بين قادةِ الجهاد في إندونيسيا والهند والإخوان المسلمين، وقَدِمت منها وفودٌ استقبلها الإخوان أحسن استقبال، حتى قدم السيد محمد علي جناح زعيم المسلمين في الهند والمطالب بتكوين دولة باكستان وقد استقبله الأستاذ المرشد وأحسن وفادته، وعرَّفه بعبد الرحمن عزام أمين عام الجامعة العربية.. ولما أثمر جهاد الإندونيسيين والهنود عن إقامة دولتين مستقلتين وتخاذل الغرب عن الاعتراف بهما تقدَّم الأستاذ البنا بمذكرةٍ للجامعةِ العربيةِ يستثر في رجالها النخوةَ العربيةَ والغيرةَ الإسلاميةَ، طالبًا منهم الاعترافَ بالدولتين الناشئتين، ثمَّ كان لعبد الرحمن عزام الفضل في استصدار قرار باعتراف جامعة الدول العربية بالدولتين.

نظام العلاقات الدولية في الدولة الإسلامية

يقوم على قواعد شرعية ثابتة، تمثل:

1- المحافظة على التعهدات وأداء الالتزامات، فبالنسبة للمشركين يقول الله تبارك وتعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)(1)، وقال أيضاً: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)(2).

وقال أيضا: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا)(3).

ويقول في إكرام اللاجئين وحسن جوار المستجيرين: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)(4).

2- وبالنسبة للأقليات وحقوق الأجانب في الوطن الإسلامي:

  • قرر الإسلام حرية العقيدة ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(5).
  • وحدد نوع العلاقة بالكتابيين فقرر حمايتهم في قوله تعالى: ( لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(6).
  • وحدّد من لنا أن نناوئهم ونقاطعهم في قوله تعالى: ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(7).

الهامش

(1) الإسراء- 34.

(2) التوبة- 4.

(3) التوبة- 7.

(4) التوبة- 6.

(5) البقرة-256

(6) الممتحنة- 8.

(7) الممتحنة- 9.


  • وحدد الموقف من الأجانب الذين فسدت ضمائرهم وكثرت جرائمهم في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ)(1).
  • وبالنسبة للعلاقات السياسية مع الغير حددها القرآن الكريم في قوله تعالى: ( لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)(2).

(يا أَيُّهَا الَّـذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُـودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَـى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِـرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِـيَ بِالْفَتْـحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ . وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ)(3).


الهامش

(1) آل عمران- 118.

(2) آل عمران- 28.

(3) المائدة- (51-53).


  • وقد أعاد الإخوان التأكيد على موقفهم الثابت من إخوانهم المواطنين المسيحيين في العالم العربي:

وموقفنا من إخواننا المسيحيين في مصر والعالم العربي موقف واضح وقديم ومعروف.. لهم ما لنا وعليهم ما علينا وهم شركاء في الوطن، وأخوة في الكفاح الوطني الطويل، لهم كل حقوق المواطن، المادي منها والمعنوي، المدني منها والسياسي، والبر بهم والتعاون معهم على الخير فرائض إسلامية لا يملك المسلم أن يستخف بها أو يتهاون في أخذ نفسه بأحكامها، ومن قال غير ذلك أو فعل غير ذلك فنحن برءاء منه ومما يقول ويفعل(1) .

  • وحدد القرآن أساس القانون الدولي الحربي في قوله تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)(2).

إيثار السلم على الحرب ما وجد إليه سبيلاً لا تضيع معه حقوق المسلمين، كما في قوله تعالى: ( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)(3).

  • تحديد آداب الجندية وأسلوب التعامل في المعارك: تضمنت وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده للجيش الإسلامي أروع مظاهر الرحمة والرفق: (ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا امرأة ولا طفلاً ولا شيخاً كبيراً، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تجهزوا على جريح، وستمرون على أقوام ترهبوا في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له).

الهامش

(1) بيان للناس (أبريل 1994).

(2) الأنفال- 58.

(3) الأنفال- 61.


البعد الإنساني في السياسة الإسلامية

  • تقديس الوحدة الدينية العامة فقضى على التعصب وفرض على أبنائه الإيمان بالرسالات السماوية جميعاً في قوله تعالى: ( قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)(1).
  • تقديس الرابطة الإنسانية العامة، لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(2).
  • تقديس الوحدة الإيمانية في الأمة الإسلامية والحفاظ عليها والصلح بينهم، في قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(3).

الحياة الحزبية

ومما يستحق الإشارة إليه هنا أن الأستاذ حسن البنا تكلم عن الحزبية التي تفرق وحدة الأمة وليس عن الأحزاب النظيفة بصورة عامة، التي تعبر عن اجتهادات مختلفة في البرامج الإصلاحية، ووجهات النظر السياسية والدولية، وأساليب الإدارة، ويجد الأفراد فيها فرصة عملية للممارسة والمشاركة في الحكم وصنع القرار السياسي.

المبادئ الدستورية العامة التي يتبناها الإسلام وهي الشورى والحرية والعدالة والمساواة يصعب حمايتها والحفاظ عليها إلا في ظل نظام يحترم التنظيمات السياسية, ويضمن لها ممارسة نشاطها في حدود المصلحة العامة.


الهامش

(1) البقرة- (136-138).

(2) الحجرات- 13.

(3) الحجرات- (9-10).


فالشورى والمعارضة وجهان لعملة واحدة هدفها تبادل الرأي بين الحاكم والمحكوم.. فالحاكم بحاجة إلى من يسترشد به ويعضده من ناحية, والمعارضة بحاجة إلى من ينظمها ويقودها من ناحية أخرى, وكلاهما تقوم به الأحزاب السياسية(1).

وقضية الأحزاب هي التي أثارت البلبلة عند الحركات الإسلامية.

فلقد ركز الإمام حسن البنا رحمه الله على الحزبية في مصر.. وقال: لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية سيئة هذا الوطن الكبرى, وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن, وأنها ليست أحزاباً حقيقة بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب في أي بلد من بلاد الدنيا, فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة اقتضت الظروف في يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية.

كما انعقد الإجماع على أن هذه الأحزاب لا برامج لها ولا مناهج, ولا خلاف بينها في شيء أبداً إلا في الشخصيات. إن الحكم النيابي في أعرق مواطنه لم يقم على هذه الحزبية المسرفة, فليس في إنكلترا إلا حزبان هما اللذان يتداولان السلطة, وتكاد تكون حزبيتهما داخلية بحتة, وتجمعهما دائماً المسائل القومية المهمة.. وكذلك الحال في أمريكا.

ويتوصل الإمام البنا بعد عرضه السابق إلى نتيجة مؤداها: المطالبة بإلغاء هذه الأحزاب(2).


الهامش

(1) الإسلام وحقوق الإنسان- د. القطب محمد طبيلة, ص-249.

(2) مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي- حسن البنا, ص- (45-49).

وعلى الرغم من أن الإمام البنا فرق بين الأحزاب التي تقوم على شخص ومن أجل مصلحته, وبين الأحزاب الحقيقية التي تتداول السلطة وتسعى لمصلحة الأمة.. وفرق بين الأحزاب الفاسدة.. وتلك التي تتبنى برامج ومناهج للإصلاح.. ومع ذلك فقد شاعت مقولة ضرورة حل الأحزاب وأصبحت من مطالب الحركة الإسلامية السياسية في مصر.. وانتقلت هذه الأدبيات من مصر إلى أقطار أخرى بعد ذلك.. بحيث أصبحت المطالبة بحل الأحزاب من شعارات الحركات الإسلامية التي تطالب بها وترفعها في كل مناسبة.

ولقد أساءت هذه القضية للحركة الإسلامية.. فقد كان يصفها أعداؤها بحليفة الدكتاتورية. وهاجمت الأحزاب الأخرى(1) الحركة الإسلامية في مصر لسكوتها عن نظام الثورة المصرية عندما حلّ الأحزاب واستثناها من دونهم.. ثم جاء دورها فيما بعد.. فلم يقف معها أحد.

وبعد المحن المتلاحقة التي تعرضت لها الحركات الإسلامية في الكثير من البلدان, توضحت الصورة عندها وتبينت أن النظام الذي يمنع الأحزاب.. ويسحق الحريات.. أو يبني لنفسه حزباً أوحداً يحتكر السلطة إنما هو نظام دكتاتوري قمعي يحرم الإنسان من أبسط حقوقه في الكلام والمعتقد والتجمع, ولا يستحق مثل هذا النظام إلا المعارضة, ولئن هادنك اليوم فسينقض عليك غداً.


الهامش

(1) وفي هذا الهجوم بعض الظلم للحركة.. فقد قاوم الإخوان منذ البداية جنوح الثورة المصرية نحو الدكتاتورية. وتؤكد الوثائق إصرارهم على ضرورة إعادة الحريات والحياة النيابية. وقد أرسل المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي عدة رسائل إلى رجال الثورة دعاهم فيها إلى إلغاء الإجراءات الاستثنائية والأحكام العرفية والعودة إلى صناديق الاقتراع (التربية السياسية عند الإخوان- عثمان عبد المعز رسلان, ص-167).


وبناء على ذلك ونتيجة للتجارب المريرة للحركات الإسلامية.. فهي تؤمن اليوم:

  • بضرورة وجود الأحزاب السياسية وترى أن تنوعها يخدم العمل السياسي العام ويصب في مصلحة الأمة.
  • ولقد تحالفت الحركة الإسلامية في أكثر من بلد إسلامي مع أكثر من حزب سياسي ديمقراطي علماني.

في مصر تحالف الإخوان مع حزب الوفد في مرحلة, ومع حزبي الأحرار والعمل في مرحلة أخرى. وفي باكستان تحالفت الجماعة الإسلامية مع أحزاب أخرى.. وفي تركيا تحالف حزب السلامة مع حزب الشعب الجمهوري اليساري مرة ومع الأحزاب اليمينية مرة أخرى.. بل لم تجد الحركة الإسلامية في سوريا غضاضة في التحالف مع أحزاب علمانية مثل حزب الإتحاد الإشتراكي العربي أو البعث العربي الإشتراكي, أما حزب الرفاه في تركيا فقد شكل الحكومة برئاسة زعيم الحزب البروفيسور نجم الدين أربكان متحالفاً مع الحزب الأكثر علمانية وهو حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر.

الأحزاب غير الإسلامية

إن النظرة السابقة التي ربما قبلت التعددية الحزبية في إطار الأحزاب الإسلامية (باعتبار أن الاتفاق على الإسلام كمبدأ عام لا ينفي إمكان الاختلاف على تفاصيل الخطط والبرامج والأولويات), وتطورت فصارت تقبل الأحزاب مطلقاً..

فالإسلام لم يترك غير المسلمين دون حماية, بل هناك مبدأ هام يقضي بحسن معاملة الأقليات الدينية والسياسية داخل المجتمع الإسلامي. وبمقتضى هذا المبدأ يمنح أصحاب هذه الأقليات حق التعبير عن آرائهم وممارسة نشاطاتهم الفكرية والسياسية من خلال تنظيمات أو أحزاب سياسية خاصة بهم(1).

بل إن المستشار مأمون الهضيبي الناطق الرسمي للإخوان المسلمين قبل في تصريح له تشكيل حزب للأقباط في مصر واعتبر ذلك طبيعياً(2).

ولقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلف الفضول الذي شهده في الجاهلية واجتمع فيه المتحالفون على نصرة المظلوم وقال: ولو دعيت له في الإسلام لأجبت.

هذا بيان للناس

وفي البيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في مارس 1994م, تحت عنوان تعدد الأحزاب في المجتمع المسلم.. جاء فيه:

إننا نؤمن بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي وإنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيوداً من جانبها على تكوين ونشاطات الجماعات أو الأحزاب السياسية, وأن يترك لكل حزب أن يعلن ما يدعو إليه ويوضح منهجه.. بشرط الالتزام بالشريعة الإسلامية والمبادئ الأساسية للأمة التي لا خلاف فيها بين علماء وفقهاء المسلمين. كما أننا نرى أن قبول الأحزاب في المجتمع الإسلامي على النحو الذي أسلفناه يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية.


الهامش

(1) عمر بن الخطاب وأصول علم السياسة والإدارة الحديثة- سليمان الطحاوي, ص-384.

(2) صرح المرشد العام (السابق) حسن الهضيبي أنه لا يرى بأساَ من تشكيل حزب شيوعي. (التربية السياسية عند الإخوان, ص-357).


وهكذا تكون النظرة الأولى التي شاعت عن الحركة الإسلامية بأنها ضد الأحزاب قد صححتها ببيان واضح.. يدعو إلى تعدد الأحزاب والجماعات تأسياً في ذلك بالمدارس العقدية والفقهية الإسلامية التي ظهرت في مراحل متعددة في التاريخ الإسلامي.

وقبول هذا الموضوع.. يضع الحركة الإسلامية في نقاط متوازية مع النظم السياسية الديمقراطية التي تعتبر الأحزاب جزءاً رئيسياً من بنائها.

تداول السلطة(1)

في الظروف الدولية الحالية، وفي ظلّ الأنظمة الحاكمة التي تأخذ من الإسلام وتدع.. ومن خلال التحامل الواضح على الحركات الإسلامية، واتهام الإسلاميين بالتطرف والإرهاب مهما كان سلوكهم.. فإذا طالبوا بالانتخابات اتهموهم بأنهم يريدون استغلال الديمقراطية لإلغائها.. وإن تصرف فرد واحد منهم تصرفا شخصيا قالوا إن السبب كامن في الإسلام ذاته الذي لا يقبل الآخرين.

لهذه الأسباب - وهي أسباب واقعية لا مجال لتجاهلها- فإن الحركات الإسلامية مطالبة اليوم وبوضوح شديد.. أن تعيد النظر في بعض المقولات التي يتداولها الناس عن الإسلاميين:


الهامش

(1) التجربة السياسية للحركة الإسلامية المعاصرة- فتحي عثمان, ص-56.


المقولة الأولى: يعتقد بعض الإسلاميين خطأ أن الشعب مسلم وأنهم هم ممثلوه الشرعيون.. وأن الحكام مجرد أقلية وصلت للحكم عن طريق الخداع أوالقوة أوالوراثة ولا تزاح إلا بالقوة. وراحوا يرددون آيات الجهاد ويكفرون القاعدين عن الجهاد والحاكمين بغير ما أنزل الله. ولقد اعتقد هؤلاء بوجود تناقضات عند الأنظمة تستعصي على أي إصلاح سلمي(1). وهؤلاء اليوم هم الذين يقتلون ويفجّرون ويسيئون أكبر إساءة لأنفسهم ولشعوبهم وللإسلام الذي يدّعون تـمثيله.

المقولة الثانية: يعتقد بعض الإسلاميين بوجوب الوصول إلى السلطة بأسرع ما يمكن، وإزاحة الذين هم فيها لأنهم بقدر ما يطيلون المقام يتخذون كل ما تضعه السلطة في أيديهم من وسائل لإبعاد الإسلاميين مهما تحققت لهم من قوة شعبية(2).

المقولة الثالثة: يعتقد الآخرون أن الإسلاميين إذا وصلوا للحكم فسيلغون غيرهم وسيفرضون ديكتاتورية إسلامية تستخدم الدين وسلطانه في قمع الرأي الآخر.

أما المقولة الرابعة: وهي الأهم.. فتزعم أن الإسلاميين لن يتخلوا في حالة وصولهم للحكم عنه للآخرين.. مهما كلفهم الأمر.. وهل يمكن أن يسلموا حكما يؤمن بالله ورسوله ويطبق أحكام الإسلام وشرعه.. إلى علمانيين يمينيين أو يساريين..؟ ألا تكون ردّة..؟

وهذه المقولة هي ما يردده اليوم جميع الخصوم السياسيين وقادة الأحزاب الآخرين، ويردده قادة الغرب.. فيقولون: إن الإسلاميين يستخدمون الديمقراطية حتى إذا فازوا بالحكم ألغوا الديمقراطية وتمسكوا بالسلطة وألغوا الآخرين..


الهامش

(1) التجربة السياسية للحركة الإسلامية المعاصرة- فتحي عثمان, ص-56.

(2) التجربة السياسية للحركة الإسلامية المعاصرة- فتحي عثمان, ص-75.


ويؤيد هؤلاء عدد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين وجمهرة غير قليلة من عامة الإسلاميين.. ففي نظرهم أن الديمقراطية جاهلية، والأحزاب حزب الله وحزب الشيطان، وكل شيء أبيض وأسود.. ولا يسمحون لفكرة تداول السلطة أن تتداولها خواطرهم.

والسؤال: هل يحتمل الإسلاميون فكرة تداول السلطة مع غيرهم(1)..؟

لنعترف ابتداء بأن الدخول إلى السلطة ليس كالخروج منها. وأكثر المشتغلين بالعمل السياسي في العالم الثالث يحفظون جيدا كل أبواب فقه الوصول إلى السلطة، ولكن إدراكهم لفقه تركها هو دائما عند درجة الصفر. الإسلاميون (وإن لم يجربوا ذلك) ليسوا استثناء من هذه الحالة؛ فقد استقر في وعي الإسلاميين أنهم حملة رسالة إلهية.. وأن تداول السلطة يعني تفريطا في هذا التكليف الشرعي!!

للموضوع أهميته البالغة.. فليس من المنطقي أن يحسم الإسلاميون أمرهم في موضوع الديمقراطية والتعددية.. حتى إذا وصلوا للسلطة انقلبوا على الاثنين معا.. ورفضوا تداولها.

كبرى الحركات الإسلامية حسمت الأمر، فقد جاء في بيان سياسي لحركة الإخوان المسلمين صدر في مارس 1994م ما يلي: إننا نرى أن قبول تعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية وذلك عن طريق انتخابات برلمانية دورية.


الهامش

(1) الإسلام والديمقراطية - فهمي هويدي, ص 164 - 171.


كما أن الاستاذ فهمي هويدي ينقل فتوى للشيخ يوسف القرضاوي حول الموضوع، يقول الشيخ: إن الإسلاميين إذا استطاعوا كسب أصوات الناس وثقتهم وهم خارج السلطة، ثم فقدوا تلك الثقة بعدما تولوا السلطة وتمكنوا من أدواتها في الإنجاز والإصلاح وفي وسائل التبليغ والإعلام التي تملكها، فذلك يعني أن ثمة قصورا شديدا في أدائهم، ينبغي أن يتحملوا المسؤولية عنه، وأن يتركوا السلطة لغيرهم ممن أولاهم الناس ثقتهم.

وفي هذه الحالة فإن الإسلاميين ينبغي أن يبدأوا الطريق من أوله.. ويعودوا إلى مرحلة الدعوة التي تسبق مرحلة الدولة(1).

الوحدة العربية والإسلامية

لقد أعلن الإمام البنا أن ضعف المسلمين في تفرقهم وتمزقهم، وأن قوتهم في اتحادهم واجتماعهم على هذا الإسلام. ووضّح بما لا يدع مجالاً للبس أن الإسلام يؤلف بين قلوب أتباعه، ويوحدهم تحت لوائه على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وبلادهم، ودعا إلى وحدة العالم العربي والعالم الإسلامي، وساق على ذلك من الأدلة في الكتاب والسنة والتاريخ الإسلامي ما يؤكد هذه الوحدة الإسلامية. كما وضح أن الدسيسة الكبرى التي اقتحمت على المسلمين عقولهم وقلوبهم أولاً، ثم أرضهم وبلادهم ثانياً، هي تأثرهم بالعنصرية والشعوبية، واعتداد كل شعب أو جماعة بجنسها وتناسي ما جاء به الإسلام من القضاء على عصبية الجاهلية والتفاخر بالأجناس والألوان والأنساب.


الهامش

(1) الإسلام والديمقراطية - فهمي هويدي, ص- 171.


لقد بين الإمام البنا أن حكم الشرع في اجتماع المسلمين ووحدتهم فرض من فروض الإسلام فقال تحت عنوان: (وحدتنا في ضوء التوجيه الإسلامي): نحن أمام كل هذه الأوضاع العالمية الجديدة، وأمام تشابه قضاياها ومشاكلها، فهي كلها قضية واحدة، معناها استكمال الحرية والاستقلال وتكسير قيود الاستغلال والاستعمار، لابد أن نلجأ من جديد إلى ما فرضه الإسلام على أبنائه منذ أول يوم حين جعل الوحدة معنى من معاني الإيمان، يجب أن نتكتل ونتوحد.

ولهذا تراه رحمه الله دعا إلى وحده عربية ثم إلى وحدة إسلامية وإلى تكوين هيئة الأمم الإسلامية(1).

الإخوان والخلافة

وأما الموضوع الثاني: فهو الخلافة في صورتها الجديدة ، فقد تكلم إمامنا البنا تحت عنوان الإخوان المسلمون والخلافة في رسالة المؤتمر الخامس المنعقد في 1938م: إن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وإنها شعيرة إسلامية يجب على المسلم التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها منذ حورت عن مناهجها، ثم ألغيت عام 1924م، لهذا يجعل الإخوان المسلمون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم.

وإن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لابد أن يسبقها خطوات، لابد من تعاون ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد، وإن المؤتمر البرلماني لقضية فلسطين، ودعوة وفود الممالك الإسلامية إلى لندن للمناداة بحقوق العرب في الأرض المباركة لظاهرتان طيبتان وخطوتان واسعتان في هذا السبيل ، ثم يلي ذلك تكوين عصبة الأمم الإسلامية، حتى إذا تم ذلك للمسلمين نتج عنه الاجتماع على الإمام الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة.


الهامش

(1) مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي- حسن البنا, ص (352-356) مجموعة الرسائل.


والخلافة صيغة اجتهادية توصل إليها الخلفاء الراشدون عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وظلت سارية لعقود عديدة ، وهي شكل ومضمون؛ والشكل يختاره المسلمون وفق ما يرونه أكثر ملاءمة للزمن، وأكثر تحقيقا لمضمون الخلافة.

ومضمونها هو ما أمرتنا به شريعة الإسلام من تأكيد وحدة الأمة وعدم تفرقها، ومن حماية أمن الأمة الإسلامية من الغزاة الطامعين فيها، لاسيما في فترات ضعف الأمة وعجز حكامها من تحقيق تنميتها وتقدمها.

ومن أوجب واجبات الأمة الإسلامية البحث عن صيغة للخلافة في هذا العصر الذي عرف بعصر التكتلات التي توفر القوة والمنعة، والذي وجدناه في واقع الحياة السياسية المعاصرة، مثل: إنشاء الاتحاد الأوروبي, والاتحاد الفيدرالي الأمريكي، واتحاد الأفارقة واتحادات أخرى عربية، كالذي بين الخليج العربي, والاتحاد المغربي بدرجات متفاوتة من قوة التماسك والفعالية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولاشك أن على التيار الإسلامي عامة، والإخوان المسلمين خاصة، إعطاء هذا الأمر – خاصة – من الاجتهاد الذي يضطلع به المتخصصون من خبراء القانون الدولي والسياسة ، وأعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية قدمت نموذجا يستحق دراسة متأنية إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، ويمكن استلهامها في إيجاد صيغة عصرية للخلافة تحقق مضمونها وتتلاءم مع عصرها.

واستوقفني في معالجة هذه المهمة الكبيرة الشأن أمور اعتبرها بالغة الأهمية في موضوعها، وفي حساب التيار الإسلامي عامة – والإخوان المسلمين خاصة – فلا مَعدَى عن الإشارة إليها وفاء لحق صاحبها، وتبصرة لنا بما نحن مطالبون به من استكمال خطاه في إطار دعوة الإصلاح الذي نذر حياته لها، وتوجب على الإخوان المسلمين الاضطلاع به لإبراء ذمتهم أمام الله سبحانه ثم أمام أمتهم والتاريخ، وإنها لمهمة شاقة لا سبيل إلى أدائها إلا بعون الله وتوفيقه (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)(1).

و أول هذه الأمور المشروع الحضاري الإسلامي الذي حدد أساسياته حسن البنا فكرة وممارسة وقطع في إنفاذه خطوات أقدره الله عليها، ثم عهد بها الإخوان، فالمشروع يقوم أساسا على بعث الأمة الإسلامية من رقادها، وعلى تحقيق نهضتها من جديد ، واتخاذها الأسباب التي توصلهم إلى أهدافها ، والصبر على تكاليف الدعوة والثبات على نهج الحركة، ودوام المراجعة للأسباب والخطوات لتدارك الخطأ، و تسديد الخطى، وتفعيل التواصل بين الإخوان المسلمين وسائر القوى الفكرية السياسية التي نعايشها في الداخل والخارج؛ بحثا عما يخدم مشروعنا الحضاري والإسلامي من تعريف بالدعوة والحركة وكسب أنصار جدد أو تحييد لبعض أعدائها، أو تذليل لبعض ما يوضع من عقبات في طريقها، واغتنام للفرص التي تسمح لمزيد من الوعي العام الداعم لنا ، وتحسين المناخ العام الذي نتحرك فيه داخليا وخارجيا.. كان هذا نهج إمامنا البنا في حركته ودعوته، الدعوة عنده إحياء للأمة كما بين الله لنا في قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ)(2) .. وكما عبر عنه الإمام في وصيته للإخوان في رسالة بين الأمس واليوم : أيها الإخوان أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزبا سياسيا، ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة ، ولكنكم روح جديدة تسري في قلب هذه الأمة،


الهامش

(1) الحج- 78.

(2) الأنفال-24.


فيحييه بالقرآن ، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داو يعلو مرددا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه.. فإن قيل لكم هذه سياسة !! قولوا هذا هو الإسلام، وإذا قيل لكم أنتم دعاة ثورة.. فقولوا نحن دعاة حق وسلام نعتقد ونعتز به.. فقد بين في رسائله ومؤتمراته ودروسه مرتكزات النهضة، وأساسيات مشروعه الإسلامي النهضوي، وبناء الدولة المسلمة, مؤكدا على نهج الاعتدال وسياسة النفس الطويل، واعتبار الزمن جزءا من العلاج، وفي كتاب أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة قراء ة في فكر الإمام حسن البنا لمؤلفه الأستاذ الدكتور عبد الحميد الغزالي بداية جيدة في موضوعه الهام، لتكون – كما قال - : خطوة جادة وتقدم فكرا كاملا وناضجا نحو فهم أعمق لثقافة المشروع، ونحو تنفيذ مأمول وشامل لنهضة الأمة.. نحن إذن نملك العناصر الأولية للحراك النهضوي، وهي الإنسان والموارد, والزمن والعقيدة المحركة، فإن أهم واجبات الدعاة صورة كلية لمشروع النهضة المرتقبة، وخارطة حراك في ظلها يتم تفاعل الإنسان والموارد والزمن وتؤدي الطاقة العقائدية دورها لتصل بهذا التفاعل إلى قمته إذ أن ثقافة المشروع تحتاج إليها الأمة كلها، ويحتاج إليها العاملون في مجال الدعوة بصورة أكبر لأنهم قادة الركب وهداته(1).

مفاهيم سياسية إسلامية

ولقد طرح الإمام في رسائله جملة من المصطلحات السياسية, مثل القومية والوطنية وبين رأي الإخوان فيها.


الهامش

(1) فريد عبد الخالق (مصر).


قومية المجد:

لقد ذكر رحمه الله إن كان الذين يعتزون بمبدأ القومية يريدون من ذلك أن يسير الأحفاد على طريق الأجداد، والأخلاف على طريق الأسلاف، الذين آمنوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً ونشروا الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة, وحكموا الناس بعدل الإسلام وأناروا عقول البشرية بنور الإيمان، فهذا مقصد نبيل ومعنى حسن جميل يُقره الإسلام ويشجعه.

فالإسلام يأمر المسلمين أن يقتدوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ويقتدوا بالخلفاء الراشدين الملتزمين بهذا الدين الناشرين له المجاهدين في سبيله، وبكل عمل صالح وصفة حسنة يتمتع بها الأسلاف وأخذوها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أجمع عليه المسلمون.

قومية الأمة:

وإذا كان يراد بالإصطلاح أن أمته أولى بخيره وماله وجهده من غيرهم من الأمم فهذا معنى يشجعه الإسلام، ويعتبر الإنفاق على الأقرباء له أجرين: أجر الصدقة وأجر القرابة(1).

وهذا ما قرره الله في كتابه بقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ )(2).

ويؤكد هذا المعنى أيضاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة رضي الله عنه لما أراد أن يتصدق ببستانه من النخيل وهو أحبُّ ماله إليه: إني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقسمها في أقاربه وبني عمه(3).


الهامش

(1) متفق عليه.

(2) البقرة-215.

(3) متفق عليه.


قومية الجاهلية:

ولقد حذر الإمام البنا من هذه القومية ورفضها بشدة، ذلك لأن هذه القومية عند المنادين بها تعني إحياء عادات الجاهلية التي قضى عليها الإسلام والتعصب للجنس والتعالي على الآخرين وإن كانوا مسلمين، والمناداة بالقيم الجاهلية بديلاً عن القيم الإسلامية والمعاني الإيمانية والأخلاق الإسلامية الفاضلة، كما تنادي الأحزاب العلمانية القومية وتعتبر الإسلام رجعياً يجب أن يُقصى عن واقع الحياة وأن يعم الفكر العلماني أو الاشتراكي أو الشيوعي.

يقول الإمام البنا عن ذلك: فذلك في القومية معنى ذميم وخيم العاقبة سيِّئ المغبة، يؤدي بالشرق إلى خسارة فادحة، يضيع معها تراثه وتنحط بها منزلته ويفقد أخص مميزاته، وأقدس مظاهر شرفه ونبله ولا يضر ذلك دين الله شيئاً، قال تعالى: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)(1)(2).

قومية العدوان:

أما أن يراد بالقومية الاعتزاز بالجنس إلى درجة تؤدي إلى انتقاص الأجناس الأخرى والعدوان عليها والتضحية بها في سبيل عزة أمة وبقائها, كما تنادي بذلك ألمانيا وإيطاليا مثلاً, بل كما تدعي كل أمة تنادي بأنها فوق الجميع فهذا معنى ذميم كذلك ليس من الإنسانية في شيء, معناه أن يتناحر الجنس البشري في سبيل وهم من الأوهام لا حقيقة له ولا خير فيه(3).


الهامش

(1) محمد-34.

(2) رسالة دعوتنا من مجموعة الرسائل, ص-109.

(3) رسالة دعوتنا من مجموعة الرسائل, ص-109.


والإخوان المسلمون لا يؤمنون بالقومية بهذه المعاني ولا بأشباهها، ولا يقولون: فرعونية وعربية وفينيقية وسورية، ولا شيئاً من هذه الألقاب والأسماء التي يتنابز بها الناس، ولكنهم يؤمنون بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)(1).

القومية

ويرى الإمام البنا معنى إسلامياً للقومية، وهذا المعنى يقوم على رابطة العقيدة فكل من آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً هو من الأمة الإسلامية وعلى المسلمين أن يحبوه وينصروه ويبذلوا دماءهم وأموالهم في الدفاع عنه وحمايته.

لقد رفع الصحابة الكرام نسبتهم إلى الله تبارك وتعالى فاعتصموا بحبله المتين وأصبحوا إخوة متحابين على اختلاف فئاتهم وبلدانهم وأجناسهم وأحوالهم حتى افتخروا بهذه النسبة فقال أحدهم حين سأله رجل عن نسبه: أتميميٌّ أم قيسيٌّ؟ فقال: أبي الإسلام لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم(2).

من هذا يتبين لنا أن القومية الإسلامية قومية إنسانية تستوعب جميع الأجناس والألوان والبلدان.

وأن رابطة العقيدة أقوى من رابطة الدم والعشيرة والمصالح ورابطة الأرض، وهي وحدها تصلح لتجمع النوع الإنساني في أمة إسلامية إنسانية(3).


الهامش

(1) المرجع السابق, ص- (109-110).

(2) مجموعة الرسائل, ص- (132-134).

(3) رسالة دعوتنا من مجموعة الرسائل, ص- (111-112).


الوطنية

يذكر البنا في رسالة دعوتنا أن هناك دعوات طغت في هذا العصر وأنه يجب أن توزن بميزان الإسلام، فما وافقه فمرحباً به وما خالفه فنحن براء منه. ومن هذا المنطلق ناقش الإمام البنا الوطنية وذكر وجوه الخير فيها وأيدها وذكر وجوه الشر فيها فرفضها، وخرج بعد ذلك بمفهوم إسلامي سياسي للوطنية. وأكد أن الإسلام يوجب على المسلمين أن يحبوا أوطانهم وأن يدافعوا عنها، بل لا يكاد المرء يجد كتاباً في الفقه أو الحديث إلا وفيه باب الدفاع عن الأوطان بعنوان الجهاد، فالجهاد هو الدفاع عن الأوطان والمواطنين وأموالهم وأعراضهم.

ويستدل رحمه الله بحب الرسول صلى الله عليه وسلم لمكة، فقد سمع رسول الله وَصْفَ مكة من أصيل فجرى دمعه حنيناً إليها وقال: يا أصيل دَعِ القلوبَ تقر(1).

وجاء في صحيح البخاري قول الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: (والله إنك لخير أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ الله إليِّ، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت)(2).

وكان بلال بن رباح الذي لم يكن له شبر واحد من أرض مكة، ولكنه عاش فيها وسار على أرضها وتغلغل قلبه بحبها، وكان إذا ذكر مكة بكى وأجهش في البكاء وقال:

ألا ليتَ شعري هل أبيتن ليلةً

بواد و حـولي إذخرٌ وجليل

وهل أَرِدَنْ يوماً ميـاه مجنّةٍ

وهل يَبدُونْ لي شامةٌ وطفيل

إنه يحب أن ينام ليلة بواد من وديانها، ويعشق أن يرى نباتاتها الصغيرة طيبة الرائحة وأن يشرب من مياهها، وتكتحل عيونه برؤية جبليها شامة وطفيل.


الهامش

(1) رسالة دعوتنا من مجموعة الرسائل, ص-103.

(2) صحيح البخاري.


وأوضح رحمه الله أن تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم الدنيوية والأخروية فريضة من فراض الإسلام، ويستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: (وكونوا عباد الله إخواناً)(1).

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ)(2).

كما أوضح أن توسيع السيادة الإسلامية واتساع رقعة الوطن الذي تسوده العقيدة وأحكام الشرع، فهذا فرض من فرائض الإسلام.

وطنية الحزبية

ويحدد الإمام البنا موقف الإسلام من هذه الوطنية بأنها مرفوضة, وباطلة لأنها تقوم على تفريق الأمة وتمزيقها أو تشرذمها إلى طوائف متناحرة ومتضاغنة تتراشق بالسباب وتترامى بالتهم، ويكيد بعضها لبعض، وتتشبع بمناهج وضعية أملتها الأهواء، وشكلتها الغايات والأغراض وفق المصالح الشخصية.

والعدو يستغل كل هذه التشاحنات والاختلافات لمصالحه، بل ويزيد أوارَ نارها اشتعالاً حتى يبقى جاثماً على البلاد والعباد.

قال رحمه الله في هذه الوطنية: (فتلك وطنية زائفة لا خير فيها لدعاتها ولا للناس)(3).


الهامش

(1) رواه مسلم.

(1) آل عمران- 118.

(2) رسالة دعوتنا من مجموعة الرسائل, ص-105.


الوطنية في الفقه السياسي الإسلامي

ويرى الإمام البنا رحمه الله أن الوطنية بالمفهوم السياسي الإسلامي هي التي تقوم حدودها على العقيدة، وليست على التخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله وطنٌ إسلامي له حُرْمَتُه وقداسته وحبه، والإخلاص له بالجهاد في سبيل خيره، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية سواء كانوا في مصر وسوريا والأردن والعراق والباكستان وإيران وأفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين هم أهلنا وإخواننا، نهتم لهم ونشعر بشعورهم.

والفرق بين دعاة الوطنية الحزبية ودعاة الوطنية الإسلامية هو أن الوطنية عند دعاة الوطنية الحزبية محدودةٌ بالحدود الأرضية، في حين أن الوطنية الإسلامية محدودة بحدود العقيدة الإسلامية.

وعلى هذا فالوطن الذي يعمل له المسلمون هو العالم كله، ينبغي أن تسود فيه رسالةُ الإسلام العالمية، تنظم شؤونه وترعى مصالح سكانه على اختلاف الألوان والبلدان.

ولئن اكتفى دعاة الوطنية الحزبية بتحرير بقعة الأرض التي يسكنون عليها والدفاع عنها والاستفادة من خيراتها، فإن الإخوان المسلمين يعتبرون هذا جزءاً من الطريق أو مرحلة واحدة من مراحله، ويرون أن يستمروا في جهادهم حتى ترفع راية الوطن الإسلامي، رايةُ لا إله إلا الله على كل بقاع الأرض، ويخفقَ لواءُ المصحف في كل مكان(1).


الهامش

(1) رسالة دعوتنا من مجموعة الرسائل,ص- (105-107).


الإخوان والعنف

الإخوان المسلمون ليسوا دعاة ثورة شعبية, أو انقلاب عسكري.. ولا يرضون أعمال بعض الجماعات التي تنسب نفسها للإسلام, ثم تقتل على الهوية, أو تقتل الناس بالجملة.

(ولقد أعلن الإخوان في بيان لهم, أنهم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية, والأساليب السلمية وحدها, مسلحين بالكلمة الحرة الصادقة, والبذل السخي في جميع ميادين العمل الاجتماعي.. مؤمنين بأن ضمير الأمة ووعي أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العدل بين التيارات الفكرية والسياسية, التي تتنافس تنافساً شريفاً في ظل الدستور والقانون, وهم لذلك يرفضون أساليب العنف والقسر لجميع صور العمل الانقلابي الذي يمزق وحدة الأمة, والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية, ولكنه لا يتيح لهم أبداً فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة.. كما أنه يمثل شرخاً هائلاً في جدار الاستقرار السياسي, وانقضاضاً غير مقبول على الشرعية الحقيقية في المجتمع. إن الإخوان المسلمين برآء من كافة أشكال ومصادر العنف, مستنكرون لشتى أشكال ومصادر الإرهاب) (1).

وإذا كان الإخوان المسلمون لا يتوسلون في أمورهم الدعوية بغير الكلمة الهادفة, على قاعدة (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)(2).. فإنهم قوم من المسلمين يوجب عليهم إسلامهم أن يدافعوا عن بلدهم إذا هاجمهم عدو محتل مستعمر. كما فعلوا في قناة السويس ضد الإنكليز.. وفي فلسطين ضد الصهاينة.. وفي العراق ضد الغزاة الأمريكيين.


الهامش

(1) بيان الإخوان المسلمين 30/4/1995م.

(2) النحل-125.

الفكر السياسي للحركة الإسلامية(1)

في نهاية هذا الفصل عن الفكر السياسي للإمام حسن البنا, أثبت هنا دراسة بعنوان: الفكر السياسي للحركة الإسلامية, حاول كاتبها المستشار طارق البشري بعد دراسة فكر الإمام حسن البنا أن يربط بين هذا الفكر, وبين الأفكار السياسية الأخرى الوطنية المصرية, والقومية العربية, والفكرة الإسلامية.

يقول البشري:

1- إن الدعوة الإسلامية تصدر عن أن أحكام الإسلام شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة، والله - سبحانه وتعالى- رب السماوات والأرض، والإسلام دين ودنيا، وروحانية وعمل، والمسلم يؤمن بالله ويعمل الصالحات، وإن أصل شرعية النظام الإسلامي وأساس التعاليم الإسلامية هو كتاب الله - تبارك وتعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدا، وإن نظم الإسلام التي ينبغي أن تسير عليها الأمة، إنما تستقي من هذا المعين الصافي.


الهامش

(1) المستشار طارق البشري (مصر).


وهذا أساس الدعوة الإسلامية وسبب قيامها، وستبقي بإذن الله تعالى علي مدى الزمان، حتى تقوم شريعة الله حاكمة للعباد، ينهض بها المسلمون ويعملونها رسالة حضارة للبشرية جمعاء.

2 ـ إن غاية الدعوة أيضا تكوين جيل من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل علي صبغ حياة المسلمين بالصبغة الإسلامية، في كل مجالات سلوكهم ومعاملاتهم. ووسيلتهم في ذلك تغيير العرف العام وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم، حتي يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول علي حكمها.

وإذا ابتغي المسلمون القوة لأمتهم امتثالا لنداء القرآن الكريم ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)(1) فإنهم يدركون أن أولى درجات القوة هي قوة العقيدة والإيمان، وتليها قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد لبناء المجتمع الناهض، وقوة السلاح في يد الدولة للدفاع عن الأمة، والذود عن الديار والأوطان، وتحصين إرادة الأمة من طواغيت العالم وشروره، وأطماع الدول الكبرى وضغوطها وتهديداتها، وأن الترقي بين درجات القوة أمر يختلف باختلاف الظروف وأحوال الأمة والمجتمع في كل مرحلة خاصة.

إنها دعوة تدعو إلي العودة للإسلام في معينه الصافي من الكتاب والسنة، وهي تدرك أن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها، لذلك يجب لكي نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح (رضوان الله عليهم) أن نقف عند الحدود الربانية والنبوية، حتى لا نقيد أنفسنا بغير ما قيدنا به الله سبحانه، وحتى لا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جمعاء.


الهامش

(1) الأنفال-10.


إن الإسلام دين عام انتظم كل شؤون الحياة في كل الشعوب والأمم، لكل الأزمان والعصور، وجاء أكمل وأسمى من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة، خاصة في الأمور الدنيوية الأكثر تأثرا بالبيئات وظروف الزمان والمكان، وإنما وضع الإسلام القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشؤون، وأرشد الناس إلي الطريقة العملية للبناء عليها، والتفريع منها، والسير في حدودها.

إنها دعوة عامة لا تنتسب إلي طائفة خاصة، وهي تتوجه للأمة عامة بصحيح الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم، حتي يكون العمل أجدى، والإنتاج أعظم وأكبر، وهي مع الحق أينما كان، تحب الاجتماع، وتكره الشذوذ، وهي ترى أن أفدح ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأن أساس ما انتصروا به الوحدة والوئام، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

إن الخلاف في فروع الدين أمر لا بد منه، لأن أصول الإسلام آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها وتصورها العقول والأفهام، والخلاف كان واقعا بين الصحابة أنفسهم، وهم أقرب الناس عهدا بالنبوة، وأعرفهم بقرائن الأحكام، ولا يزال الخلاف واقعا وسيظل إلي يوم القيامة، والناس تختلف في سعة العلم وضيقه، ومنذ تفرق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمصار صار عند كل قوم علم لم يلم به آخرون، كما أن اختلاف البيئات يخالف بين التطبيق في كل بيئة منها. والإجماع في الأمور الفرعية أمر متعذر، بل هو يتنافي مع طبيعة الدين، والله سبحانه يريد لهذا الدين أن يبقي ويخلد، وأن يساير العصور ويماشي الأزمان، لذلك فهو سهل مرن هين لين، لا جمود فيه ولا تشديد.

وليس العيب في الخلاف، ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر علي عقول الناس وآرائهم، وهذه النظرة السمحة إلي الأمور الخلافية، تجمع الناس علي الفكرة الواحدة.

وحسب الناس أن يجتمعوا علي ما يصير به المسلم مسلما.

إن الدعوة الإسلامية منذ ظهرت حركتها الحديثة، التزمت أصلا لا محلاً للخروج عليه، وهو ألا تعرض للأشخاص بحكم ما، وأنها تعلن الأحكام الشرعية تالية الآيات والأحاديث، مستشهدة إذا لزم الأمر بأقوال الفقه، تاركة لكل شخص أن يضع نفسه في الوضع الذي هو أعلم بأنه ينطبق عليه، فهي داعية، وليست قاضية.

وأي امرئ هو علي الإسلام بنطقه بالشهادتين، وبهما يثبت له عقد الإسلام يقينا وفور النطق، وفي ذات لحظة التلفظ بهما دون أدني تأخير أو تأويل، ودون استلزام أي شرط آخر، وبعد ثبوت عقد الإسلام وبموجبه يتحمل المسلم ما يفرضه الإسلام عليه من موجبات، وما ينهاه عنه من النواهي، والإخلال بذلك لا يخرجه من الملة، إنما تقدر مخالفته في حدود ما أمر الله ورسوله في شأن المخالفة الواقعة.

والجاهلية في نظر الإسلام هي كالضلال والعصيان والفسوق والظلم، من الألفاظ التي استعملت في القرآن الكريم والسنة الشريفة لتعني الخروج علي أحكام الدين خروجا لا يبلغ بالضرورة حد الخروج عن الملة، ولا يصل باللزوم إلي حد الردة عن الإسلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: (إنك امرؤ فيك جاهلية)(1)، أورد البخاري هذا الحديث، وقال: المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك.


الهامش

(1) البخاري.


والفرق بين المعصية وبين ما يصل إلي حد الردة من الخروج يرجع إلي الأحكام الشرعية، والقول بأن المجتمع جاهلي يوازي القول بأن المجتمع ضال، وأن تلك الصفة غالبة علي حال أفراده ونظمه.

ونحن منهيون عن أن نكفر مسلما برأي أو بمعصية، متي أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما، إلا إن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره علي وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أي يكون عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر.

إن التكليف الإلهي مرتبط بعالم الأسباب وبسنن الله الكونية، ونحن مكلفون ضمن عالم الأسباب والسنن مع ملاحظة أن الله - تبارك وتعالى- يسهل للمؤمن ما لا يسهله لغيره، فالبحث عن السنن الكونية في كل أمر والسير في ضوئها لا يجوز إهماله بحال ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(1).

وهناك وسائل كثيرة للقيام بالدعوة وصياغة الرأي العام، وكسب القوة المرجوة للأمة في مختلف الميادين، وهي كلها جزء من عالم الأسباب، وفي إغفال هذه الوسائل المشروعة تفريط، وإن التصدي لشؤون السياسة والاقتصاد مرتبط بالسنن وله وسائله، وغير أنصار الحركة الإسلامية يتبعون الوسائل في هذه الشؤون ويعطونها مداها، وفي إغفال هذه الوسائل المشروعة المباحة تفريط. وإن صياغة النفس البشرية وتربية الناس وصياغة علاقاتهم وأنظمة معاملاتهم، لكل ذلك سنن، وعلينا أن نبحث عن هذه السنن في كل من هذه المجالات للوصول إلي النفس المسلمة وصياغة علائق المجتمع الإسلامي ونظمه، وإغفال ذلك تفريط، وإن للصراع البشري قوانينه وللقتال قوانينه، وللسيطرة قوانينها، وكل ذلك علينا أن نبحث عنه وأن نستوعبه، وأن نصوغه في ضوء الإسلام ولخدمته. إن في إغفال الأسباب الموصلة إلي نصرة الأمة وسيادة النظام الإسلامي تفريط كبير، إن لم يكن إثما كبيرا ، إن من فروض الكفاية في الإسلام أن يوجد المتخصصون في كل علم تحتاجه الأمة الإسلامية، ومن جملة ذلك علوم الاقتصاد والسياسة وغيرها.


الهامش

(1) الرعد-11.


الفكر الاجتماعي عند الإمام حسن البنا

منهاج القرآن الكريم في الإصلاح الاجتماعي

حدد الإمام حسن البنا أصول الإصلاح الاجتماعي الذي جاء به القرآن الكريم كما يلي:

1- الربانية.

2- التسامي بالنفس الإنسانية.

3- تقرير عقيدة الجزاء.

4- إعلان الأخوة بين الناس.

5- النهوض بالرجل والمرأة جميعاً، وإعلان التكامل والمساواة بينهما، وتحديد مهمة كل منهما تحديداً دقيقاً.

6- تأمين المجتمع بتقرير حق الحياة والملك والعمل والصحة والحرية والعلم والأمن لكل فرد وتحديد موارد الكسب.

7- ضبط الغريزتين: غريزة حفظ النفس، وحفظ النوع، وتنظيم مطالب الفم والفرج.

8- الشدة في محاربة الجرائم الأصلية.

9- تأكيد وحدة الأمة، والقضاء على كل مظاهر الفرقة وأسبابها.

10- إلزام الأمة بالجهاد في سبيل مبادئ الحق التي جاء بها هذا النظام.

11- اعتبار الدولة ممثلة للفكرة وقائمة على حمايتها، ومسؤولة عن تحقيق أهدافها في المجتمع، وإبلاغها إلى الناس جميعاً.

الشعائر العملية لهذا النظام

وقد خالف هذا النظام القرآني غيره من النظم الوضعية والفلسفات النظرية فلم يترك مبادئه وتعاليمه نظريات في النفوس، ولا آراء في الكتب ولا كلمات على الأفواه والشفاه، ولكنه وضع لتركيزها وتثبيتها والانتفاع بآثارها ونتائجها مظاهر عملية، وألزم الأمة التي تؤمن به وتدين له بالحرص على هذه الأعمال وجعلها فرائض عليها لا تقبل في تضييعها هوادة، بل يثيب العاملين ويعاقب المقصرين عقوبة قد تخرج بالواحد منهم من حدود هذا المجتمع الإسلامي وتطوّح به إلى مكان سحيق. وأهم هذه الفرائض التي جعلها هذا النظام سياجاً لتركيز مبادئه هي:

1- الصلاة والذكر والتوبة والاستغفار.. إلخ.

2- الصيام والعفة والتحذير من الترف والإسراف.

3- الزكاة والصدقة والإنفاق في سبيل الخير.

4- الحج والسياحة والرحلة والكشف والنظر في ملكوت الله.

5- الكسب والعمل وتحريم السؤال.

6- الجهاد والقتال وتجهيز المقاتلين ورعاية أهليهم ومصالحهم من بعدهم.

7- الأمر بالمعروف وبذل النصيحة.

8- النهي عن المنكر ومقاطعة مواطنه وفاعليه.

9- التزود بالعلم والمعرفة لكل مسلم ومسلمة في فنون الحياة المختلفة كل فيما يناسبه.

10- حسن المعاملة وكمال التخلق بالأخلاق الفاضلة.

11- الحرص على سلامة البدن والمحافظة على الحواس.

12- التضامن الاجتماعي والتعاون بين الحاكم والمحكوم بالرعاية والطاعة معاً(1).

أثر الحضارة الغربية في الحياة الاجتماعية في أكثر البلاد الإسلامية والعربية

إن أهم الظواهر التي لازمت الحضارة الغربية المادية التي أقصت الدين عن الحياة تتلخص في:

  • الإلحاد والشك في الله وإنكار اليوم الآخر والوقوف عند حدود الكون المادي المحسوس.
  • الإباحية والتهافت على اللذة والتفنن في الاستمتاع وإطلاق الغرائز والمغريات.
  • الأثرة في الأفراد وفي الطبقات والشعوب.
  • الربا والتفنن في صوره, وتعميمه بين الدول والأفراد.

وقد أنتجت هذه المظاهر المادية في المجتمع الأوروبي فساد النفوس وضعف الأخلاق والتراخي في محاربة الجرائم، فكثرت المشكلات وظهرت المبادئ الهدامة واشتعلت الثورات المدمرة، وتناحرت الشعوب وتمزقت الدول، وأثبتت هذه المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين المجتمع الإنساني وإقرار الطمأنينة والسلام فيه وفشلت في إسعاد الناس رغم ما فتحت عليهم من حقائق العلم والمعرفة وما وفرت لهم من أسباب الغنى والثراء وما مكنت لدولها في الأرض من قوة وسلطان ولما يمض عليها قرن من الزمان(2).


الهامش

(1) بين الأمس واليوم, ص- (128-129) مجموعة الرسائل.

(2) بين الأمس واليوم- حسن البنا، ص- (145-158).


ولقد غزت هذه الحضارة بما لازمها من هذه الظواهر الفاسدة البلاد العربية والإسلامية في عصور الانحطاط ووقوعها تحت سلطان الاستعمار فتأثرت بها مجتمعاتها، بأقدار متفاوتة، في أكثر مجالات الحياة حتى صار من العسير أن يفهم المسلمون حقائق دينهم, وأن الإسلام نظام اجتماعي كامل, وكذلك الحال بالنسبة لأنظمة الحياة الأخرى السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والتربوية.

ومن ثم فإن من أخطر التبعات الملقاة على الفكر الإسلامي ودعاته، أن يظهروا الأمة الإسلامية على مواطن الفساد وأسبابه وعن السبيل إلى إصلاح ما فسد من أمرها، والقضاء على أسباب الفساد(1).

بعض نتائج فساد النظام الاجتماعي في مصر

وتناول الإمام حسن البنا، في رسالة المؤتمر السادس (يناير 1941م)، هذا الموضوع في دراسة مدعمة بالإحصاءات الثابتة، ورغم تغير الظروف، إلا أن العناصر التي عرض لها لا تزال على حالها, وسأكتفي عنها بالإشارة إلى عناوينها:

1- الفلاحون في مصر ومساحة الأراضي الزراعية، وتزايد عدد السكان، وضعف الدخل القومي من الثروة الزراعية، والحال قد تدهور عما كان عليه منذ أربع عقود.

قامت دعوة الإخوان المسلمين ونظام الملكية الزراعية في مصر قد وصل إلى ذروة مساوئه وظلمه وكان لابد أن تُولى هذه القضية الاهتمام بها من منطلق شمول دعوتها الإصلاحية لكل مناحي الحياة واهتمامها بكافة طبقات الأمة، وتمثل هذا الاهتمام في عدة أمور:


الهامش

(1) المرجع السابق, ص- 140 (مجموعة الرسائل).


ففي عام 1935م كتب الإمام حسن البنا مقالاً تحت عنوان (صوت من الريف) جاء فيه: (في القرية المصرية فقرٌ وبؤسٌ وفيها جهلٌ وغفلةٌُ وفيها مرضٌ وعاهاتٌ وفيها جرائمُ ومفاسدُ وفيها عاداتٌ سيئةٌ وخرافاتٌ فاشيةٌ.. وكل ذلك في حاجةٍ إلى الإصلاحِ الحاسم السريع، فهل يعمل على هذا الإصلاح من بيدِهم الأمر من سادتنا المترفين أم أنساهم جمال الشواطئ ولين الحياة أمر هؤلاء البائسين) (1)..؟


الهامش

(1) جريدة الإخوان الأسبوعية (21 جمادى الأولى 1354هـ ).


  • الاهتمام العملي بالقرية المصرية وإصلاح أحوال الفلاحين:

أ- يجب أن تحتفظ كل شعبة ريفية بأسماء الطلبة من القرية في مدارس الإقليم الثانوية أو الجامعات، فإذا عادوا إلى القرية في الإجازة اتصلوا بهم لوضع برنامج ثقافي صحي اجتماعي.. فمنهم من يقوم بتعليم الأهالي في المساجد والزوايا والأجران.. ومنهم من يُلقي الإرشادات الصحية.. ومنهم من يشرح لهم طريقة حل المشاكل وغيرها.

ب- كل شعبة ريفية عليها القيامُ بتمرين بعض الأعضاء على نظم الإسعافات الأولية مع الاستعداد ببعض المواد الطبية لمساعدة المصابين من الأهالي.


ج- معظم القُرى مهملةٌ من وجهةِ النظافة العامة، فالطرقات تتكدَّس فيها الأقذار الشهور والأعوام، ولو قامت كل شعبة بتكليف المتطوعين فيها بأمر النظافة لأصبح ذلك ملموسًا للأهالي الذين يلحظون أثرَ النظافةِ فيقبلون على شُعَب الإخوان متطوعين علاوةً على تشجيعِ الأعيان المعجبين بذلك.

د- في غير الليالي القمرية تصبح القرى في ظلامٍ دامس، ولو قامت كل شعبة ريفية بإعداد بضعة فوانيس على رءوس الطرقات لوجدوا في ذلك تشجيعًا من الأهالي ورجال الإدارة.

ولقد أشار محمد شوقي زكي إلى هذا الدور العملي فقال: عملوا من أول يومٍ على الإصلاح الريفي، وأسسوا جماعةً للعناية بنهضة القرى المصرية، واشترك بعض الإخوان في عمل مزرعة تعاونية نموذجية في فرشوط، وشيَّدوا في إحدى القرى أربعةَ مدافن واسعةٍ لدفن الفقراء والمساكين، وتبارت الشُّعَب في إطعام الففراء خلال الأشهر الثلاتة المباركة، وفي إنارةِ القرى، وإخراج الزكاة في رمضان، والعناية بالمصالحة بين المتخاصمين، وتولت إحدى اللجان إحصاء الأطفال المشرَّدين والأسر الفقيرة، لتشغيل الأطفال في صناعةٍ تتفق وإمكاناتهم، وإعالة العجزة الذين لا عائلَ لهم(1).

وسيعجب الكثيرون عندما يقرأون أن الإخوان أول من نادى بتحديد الملكية. ويؤكد د. زكريا سليمان بيومي أن جماعة الإخوان: كان لها السبق في الدعوة إلى تحديد الملكية، فقد كان البنا أول مصري يرتفع صوته في أحد دروس الثلاثاء: كم تملك الأسرة المالكة في مصر؟(2).

2- العمال في مصر ومشاكلهم الاجتماعية، وتدهور مستوياتهم التقنية في مختلف مجالات العمل، وقد أفسدتهم التغيرات الاجتماعية, وضاعفت حالة الحرب أعداد العاطلين عن العمل وزادت العاملين منهم بؤساً على بؤسهم.

والجدير بالذكر أن مؤسسي الجماعة كانوا ستة من العمال والحرفيين, وأن نسبة عالية ممن ارتبطوا بالجماعة في مراحلها الأولى كانوا من العمال والحرفيين.

يقول الباحث الألماني بنين في رسالته (الحركة العمالية في مصر): دخل الإخوان الحركة العمالية نتيجة لتعاطفهم مع محنة العمال, ومحاولاتهم تحسين أحوالهم المادية والروحية, وحاولوا تطبيق مفهومهم عن الشريعة عن طريق إعطاء مساعدات مالية للعمال العاطلين والعاجزين عن العمل الذين انضموا إلى الجماعة.


الهامش

(1) الإخوان المسلمون والمجتمع المصري- محمد شوقي زكي .

(2) الإخوان والجماعات الإسلامية- زكريا سليمان بيومي, ص-308.


3- شركات الاحتكار في مصر وقد تغيرت أسماؤها عن ذي قبل في ظل الانفتاح الاقتصادي الاستهلاكي، والاستثمارات المشتركة، والدخول المتسللة التي أفرزت عدداً ضخماً من الرأسماليين في سنوات قليلة تحت مظلة الانفتاح والبنوك الأجنبية، والرشوة، والذمم الفاسدة.

4- الأمية ولا تزال نسبتها العالية مع زيادة عدد السكان بمعدلات سريعة وانصراف الحكومة والشعب عن علاجها فضلاً عن القضاء عليها.

ولقد اهتم الإخوان منذ قيامهم بإنشاء المدارس الليلية لمحو الأمية في جميع شعب الإخوان وابتكروا فكرة المعلم الجوال. وحين وضعت الحكومة منهاجاً لمحو الأمية أثناء تولي العشماوي باشا وزارة المعارف سنة 1946م طلب من الإخوان أن يساعدوا الوزارة في تنفيذ خطتها(1).

5- انحطاط مستوى الخلق وتفشي مظاهر الفساد وهي ظاهرة لا تزال تتفاقم مع مرور الأيام وخطرها منذر بأوخم العواقب.

6- الأحوال الصحية والعلاجية والأمراض المستوطنة والطارئة ولم يجر عليها تحسن وربما كان أمرها في تدهور(2).


الهامش

(1) الإخوان والمجتمع المصري, ص- 195.

(2) رسالة المؤتمر السادس- حسن البنا، ص- 334.


السبيل إلى الإصلاح

أما السبل التي يؤمن بها الإخوان المسلمون لإصلاح المجتمع، والتي على أساسها وجهوا جهودهم لتحقيقها منذ قيام جماعة الإخوان المسلمين، وهي التي يعدونها دعامات هذا الإصلاح وتتحدد في التعريف بالإسلام وبعث الروح والإيمان بمناهجه في الإصلاح، وخدمة المجتمع بمحاربة الجهل والمرض والفقر والرذيلة, والسبيل إلى ذلك:

1- تكوين الفرد المسلم الذي يؤمن بعقيدته، ويؤدي عباداته على وجهها، ويتخلق بأخلاق الإسلام، ويفهم حقوقه وواجباته، ويصرف جهده في إنهاض أمته، وإعلاء كلمة الله.

2- تكوين الأسـرة المسلمـة مـن أفـراد تربوا تربية إسلامية، رجالاً ونساءً، وإحسان تربية الأبناء، واحترام ما وضع الإسلام من قواعد البيت المسلم، وما ناط به من واجبات.

3- بناء المجتمع المسلم من هؤلاء الأفراد وهذه الأسر، الذي يرتبط كل أبنائه بآصرة الأخوة الإيمانية، وبأوامر الدين ونواهيه، وتحددت فيه حقوق الحاكم والمحكومين(1).

4- والحكومة المسلمة.

5- والدولة المسلمة التي تقود الدول الإسلامية وتضم شتات المسلمين, وترد عليهم أرضهم المفقودة, وأوطانهم المسلوبة, وبلادهم المغصوبة, وتحمل لواء الدعوة إلى الله, حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام(2).

بعض خطوات الإصلاح العملي في الناحية الاجتماعية

هي خطوات آمن بها الإخوان المسلمون ونادوا بها، وعملوا على أساسها عبر تاريخ كفاحهم فأنشأوا قسماً للأخوات المسلمات، وأسسوا مدارس للحضانة ورعاية الطفولة، ومدارس للبنات في مراحل تعليم مختلفة، وقد تعددت شعب الجماعة في أنحاء القطر، حيث كان إنشاء مثل هذه المدارس للبنات والبنين منهجاً ملتزماً، لتحقيق بعض أهداف الجماعة في مجال التربية والإصلاح الاجتماعي.


الهامش

(1) رسالة التعاليم- حسن البنا (ركن العمل).

(2) الإخوان المسلمون تحت راية القرآن- حسن البنا, ص-14.


كانت نظم التعليم في مصر بل ومناهجه, قد وضعها برمتها, أو أسهم فيها إسهاماً كبيراً أعداء الأمة الإسلامية من المستعمرين الإنكليز وغيرهم كالفرنسيين, تارة بما كتبه باحثوهم في توجيه التعليم ونظمه في العالم الإسلامي, وتارة بواسطة ما افتتحوه من مدارس ومعاهد في كثير من بلدان العالم الإسلامي, وتارة بما لقنوه لبعض المسلمين ممن ذهبوا للدراسات العليا في بلاد الغرب, وعلى ذلك حمل الإخوان المسلمون على عاتقهم مسؤولية إصلاح العملية التعليمية لما تمثله من عمود فقري في بناء الأمة.

وأقاموا المستوصفات في المدن والأحياء الفقيرة والريف فكان لها نشاطها الذي يظهر في إحصائيات المترددين عليها من المرضى ويقدرون بعشرات الآلاف في السنة الواحدة، وأسسوا فرق الجوالة التي ضمت جحافل ضخمة من الشباب المسلم أدت للوطن خدمات في مجالات شتى علمية وصحية وعملية. وقد أورد حسن البنا تحت هذا العنوان في خطاب وجهه للحكومة وأولي الأمر يطالب بإنفاذها، نجملها فيما يلي:

1- علاج قضية المرأة ودورها في المجتمع، علاجاً يجمع بين الرقي بها والمحافظة عليها وفق تعاليم الإسلام وما يتصل بذلك من مقاومة التبرج ومظاهر التحلل في المجتمع، وإعادة النظر في مناهج التعليم وتشجيع الزواج والنسل، وحل مشاكل الزواج، وتنظيم المصايف تنظيماً يقضي على الفوضى والإباحية التي تذهب بفائدتها وتحويلها عن الغرض الأساسي منها.

2- القضاء على المناكر والانحرافات في كل مظاهرها وصورها، وفي طاقة وسائل الإعلام بحسن توجيهها، وكذلك الأمر بالنسبة للثقافة العامة وحمايتها من التلوث الفكري والأفكار الهدامة.

وفي هذا الإطار اهتم الإخوان بالمسرح الإسلامي.. بدأ هذا النشاط الأستاذ عبد الرحمن البنا وقدم أولى مسرحياته (جميل بثينة) وذكر بأن الدافع الأساسي لاختيار هذه القصة كان الغيرة على الإسلام والعروبة!! وتساءل: لماذا نستجدي من الغرب قصصه وحوادثه, ولا نعود إلى شرقنا فنقتبس النور من إشراق سمائه ونعرف الحب من طهارة أبنائه.

3- العناية بشؤون الصحة العامة في الريف والحضر، ووضع سياسة ثابتة للتعليم وتقرير التعليم, والتربية الدينية مادة أساسية في كل المدارس والجامعات، والعناية باللغة العربية والتاريخ الإسلامي والوطني، وتاريخ الحضارة الإسلامية.

4- تعويد الشعب احترام الآداب الإسلامية العامة وتشديد العقاب على الجرائم الخلقية، ومقاومة العادات الضارة اقتصادياً أو خلقياً أو عقدياً، والقضاء على الروح الأجنبية ومظاهر السلوك الأجنبي في البيوت والشوارع والمؤسسات، ومؤاخذة من يثبت عليه مخالفة تعاليم الإسلام أو الاعتداء عليه، كالإفطار في رمضان، أو سب الدين، وأمثال هذه المنكرات.

5- البر والخدمات الاجتماعية

كانت أنشطةُ البرِّ تنشأُ بصورةٍ تلقائيةٍ مع إنشاءِ أي شعبةٍ من شعبِ الإخوان، ويقرِّر الأستاذُ حسن البنا ذلك عام 1934م فيقول: (انتشرت فكرةُ الإخوان المسلمين فيما يزيد على خمسين بلدًا من بلدان القطر المصري.. وفي كثير منها لجانٌ للصدقاتِ تتفقدُ البائسينَ والمعوزينَ في المواسمِ والأعيادِ وغيرِها.. وإلى جانبها لجانٌ لإحياءِ السننِ والفرائضِ التي نسيها الناسُ بالعملِ لا بالقولِ: كجمعِ زكاةِ الحبوبِ في مخزنٍ خاص وتوزيعها بمعرفةِ الجماعةِ على المستحقين بدون محاباةٍ ولا تحيزٍ(1).

في كتابه (مصر تبحث عن هويتها السياسية) يشير الباحث اليهودي الأمريكي ناداف سافران إلى موقفِ الإخوان المسلمين من الأزمةِ الاقتصاديةِ التي عصفت بمصر في الثلاثينياتِ، ويتحدثُ عن دورِهم في معالجةِ الأزمةِ من خلالِ تقديمِهم برنامجًا اجتماعيًّا للتكافلِ الاجتماعي بين الأغنياءِ والفقراءِ على قاعدةِ مفهومِ وحدةِ الأمةِ ومسئولياتها الجماعيةِ عن أحوالِ أفرادها(2).


الهامش

(1) هل نحن قوم عمليون, حسن البنا.

(2) الإخوان المسلمون في كتابات الغربيين- زياد أبو غنيمة, ص- 10.


الفكر الاقتصادي في رسائل الإمام

يعاني عالمنا المعاصر في الشرق والغرب من أزمات اقتصادية طاحنة منذ الثلاثينيات من هذا القرن، وهي لا تزال رغم كل المحاولات في تصاعد مستمر لا سيما خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حتى أنها في وقتنا الحاضر باتت تشكل أخطاراً سياسية واجتماعية بالنسبة للدول الصناعية الكبرى، وتشكل ما هو أكثر من ذلك بالنسبة لدول العالم الثالث من أخطار المجاعات، والتدهور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وهي رؤوس مثلث واحد.

والعلاقة وثيقة وعضوية بين التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وتدهور السياسات في دول العالم المعاصر بصفة عامة، وفي الدول الأوروبية الصناعية بصفة خاصة.

ولعل الحضارة الغربية التي تسود العالم اليوم، بأصولها المادية، وإقصائها الدين عن واقع الحياة، ومبادئها السياسية التي تقوم على الأنانية والظلم ولا تعترف بحقوق الإنسان والشعوب والدول بالحرية والعدالة والمساواة، رغم ما تنادي به المؤسسات الدولية وما نصت عليه المواثيق العالمية، هي المسؤولة بالدرجة الأولى عما وصل إليه عالمنا من شقاء واضطراب، وما وقعت فيه دول العالم الثالث من ترد وتدهور وتخلف ومجاعات واضطرابات.

وقد نبّه فلاسفة الغرب دولهم وساستهم بأن الحضارة الغربية التي ازدهرت بقوتها وأخضعت العالم بنتائج علمها هي في طريقها الآن إلى الإفلاس لأنها فقدت القوة الروحية، وحادت عن المبادئ الإنسانية، وغرقت في بحار المادية والأنانية والصراعات الدولية على النفوذ والسلطان.

وقد جرتنا تبعيتنا لحضارة الغرب، ولعجلته الاقتصادية والمالية، ولنفوذه السياسي والعسكري، إلى عواقب وخيمة، وإلى معاناة في أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وفي مجال الاقتصاد وأوضاعه الراهنة في بلادنا، زحفت علينا أقدار متفاوتة من هموم الدول الكبرى والصغرى في هذا المجال، وأصبحنا نشكو العجز الواضح في ميزان المدفوعات والموازنات، وتدهور الدخل القومي، وانخفاض القوة الشرائية لعملاتنا، وازدياد البطالة والتضخم، وفداحة القروض، وارتفاع الأسعار، ومشكلة الأجور، وسوء العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وضعف الإنتاج القومي، والتلف التكنولوجي، وعدم الاكتفاء الغذائي في السلع الاستراتيجية وغيرها، والتخلف الزراعي والصناعي، والكساد التجاري.

ولا شك أن الأمة الناهضة أحوج ما تكون إلى تنظيم شؤونها الاقتصادية، فهي أهم الشؤون في هذا العصر، ولم يغفل الإسلام هذه الناحية بل وضع لها التشريعات اللازمة فضلاً عن أن طبيعة الإسلام نفسه، وسعة الشريعة، واعتباره للمصالح العامة، ما يسمح لنا بالإفادة من أي نظام اقتصادي فاضل، والإسلام يدعو إلى تشجيع الاجتهاد ويرفض الجمود، وإذا فهمنا الفقه الإسلامي حق الفهم، ودرسنا مشاكلنا الاقتصادية دراسة جادة مستنيرة، وأعملنا مبادئ الإسلام وقواعده الكلية وأحكامه الشرعية، وأفدنا من تجارب الآخرين بما لا يتناقض مع هذه المبادئ والقواعد والأحكام. لحققنا للأمة نهضة عملية، وقدمنا لدول العالم نماذج جديدة في علاج الأوضاع الاقتصادية التي يعانون منها ولا يعرفون لمشاكلها حلولاً جذرية.

هذه لمحة عن الموقف من البنى الاقتصادية العصرية وموقف الإخوان المسلمين منها.

وإذا كان لكل نظام اقتصادي وضعي معاصر عيوبه الفاحشة فإنه لا يخلو من حسنات بادية، ولكنها كلها (نظم نبتت في غير أرضنا، لأوضاع غير أوضاعنا، ومجتمعات فيها غير ما في مجتمعنا.. فضلاً عن أن بين أيدينا النظام الكامل الذي يؤدي إلى الإصلاح الشامل في توجيهات الإسلام الحنيف، وما وضع للاقتصاد من قواعد كلية أساسية لو علمناها وطبقناها تطبيقاً سليماً، لانحلت مشكلاتنا، ولظفرنا بكل ما في هذه النظم من حسنات، وتجنبنا كل ما فيها من سيئات، وعرفنا كيف يرتفع مستوى المعيشة وتستريح كل الطبقات، ووجدنا أقرب الطرق إلى الحياة الطيبة.. من قبل أن يستشري الداء، ويعز الدواء، ويتسع الخرق على الراقع.. ولا يحرك النفوس ويثير الخواطر، ويؤلم المشاعر كالضائقة المالية، تأخذ بخناق الجماهير فتحول بينهم وبين الحصول على ضروريات الحياة فضلاً عن كمالياتها.. ولا أزمة أعنف من أزمة الرغيف، ولا عضة أقوى من عضة الجوع والمسغبة، ولا حاجة أشد من حاجة القوت) (1).


الهامش

(1) النظام الاقتصادي- حسن البنا، ص- (337-352) مجموعة الرسائل.


قواعد النظام الاقتصادي في الإسلام

عرض الإمام حسن البنا في سلسلة بعنوان مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي، تحت عنوان (النظام الاقتصادي) فتناول فيه بيان روح النظام الاقتصادي في الإسلام، وخلاصة قواعده في إيجاز، للاهتداء بها في طريق نهضتنا وإصلاح ما فسد من جوانب حياتنا . وأجمل هذه القواعد فيما يلي:

أولا- اعتبار المال الصالح قوام الحياة

فقد امتدح الإسلام المال الصالح، وأوجب الحرص عليه، وحسن تدبيره وتثميره، وأشاد بمنزلة الغني الشاكر الذي يستخدم ماله في نفع الناس ومرضاة الله. وليس في الإسلام هذا المعنى الذي يدفع الناس إلى الفقر والفاقة من فهم الزهد على غير معناه.

وما ورد في ذم الدنيا والمال والغنى والثروة إنما يراد به ما يدعو إلى الطغيان والفتنة والإسراف، ويستعان به على الإثم والمعصية والفجور وكفران نعمة الله، وفي الحديث: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) وفي الآية الكريمة: ( وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)(1).

وفي ذلك الإشارة إلى أن الأموال قوام الأعمال، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال في غير وجهه فقال: (إن الله ينهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). كما أن من مات مدافعاً عن ماله فهو شهيد كما جاء في الحديث: (من مات دون عرضه فهو شهيد، ومن مات دون ماله فهو شهيد).


الهامش

(1) النساء- 5.


ثانياً- إيجاب العمل والكسب على كل قادر

وفي الإسلام الحث على العمل والكسب، واعتبار الكسب واجباً على كل قادر عليه، والثناء على العمال المحترفين، وتحريم السؤال، وإعلان أن من أفضل العبادة العمل، وأن العمل من سنة الأنبياء، وأن أفضل الكسب ما كان من عمل اليد، والزراية على أهل البطالة، والذين هم عالة على المجتمع مهما كان سبب تبطلهم، ولو كان الانقطاع لعبادة الله. فإن الإسلام لا يعرف هذا الضرب من التبطل. والتوكل على الله إنما هو بالأخذ بالأسباب وأيضاً بالنتائج، فمن فقد أحدهما فليس بمتوكل.. والرزق المقدور مقرون بالسعي الدائب، والله تبارك وتعالى يقول: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(1). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده). ويقول عمر رضي الله عنه: (لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة). وفي الحديث: (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم).

ثالثاً- الكشف عن منابع الثروة

كما أن فيه لفت النظر إلى ما في الوجود من منابع الثروة ومصادر الخير، والحث على العناية بها، ووجوب استغلالها، وأن كل ما في هذا الكون العجيب مسخر للإنسان ليستفيد منه وينتفع به: ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)(2).

( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(3). ومن قرأ آيات القرآن الكريم ، علم تفصيل ذلك بأوسع بيان وأوفاه.


الهامش

(1) التوبة- 105.

(2) لقمان- 20.

(3) الجاثية- 13.


رابعاً- تحريم الكسب الخبيث

ومن تعاليمه: تحريم موارد الكسب الخبيثة، وتحديد الخبث في الكسب بأنه ما كان بغير مقابل من عمل: كالربا والقمار، واليانصيب ونحوها. أو كان بغير حق: كالنصب والسرقة والغش ونحوها. أو كان عوضاً لما يضر: كثمن الخمر والخنزير والمخدر ونحوها. فكل هذه موارد للكسب لا يبيحها الإسلام ولا يعترف بها.

خامساً- التقريب بين الطبقات

وقد عمل الإسلام على التقريب بين الطبقات بتحريم الكنز ومظاهر الترف على الأغنياء، والحث على رفع مستوى المعيشة بين الفقراء، وتقرير حقهم في مال الدولة ومال الأغنياء، ووصف الطريق العملي لذلك.

سادساً- الضمان الاجتماعي

وقرر الضمان الاجتماعي لكل مواطن، وتأمين راحته ومعيشته كائناً من كان، ما دام مؤدياً لواجبه، أو عاجزاً عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه. ولقد مرّ عمر رضي الله عنه على يهودي يتكفف الناس، فزجره واستفسر عما حمله على السؤال، فلما تحقق من عجزه رجع على نفسه باللائمة وقال له: (ما أنصفناك يا هذا، أخذنا منك الجزية قوياً وأهملناك ضعيفاً، افرضوا له من بيت المال ما يكفيه). وهذا مع إشاعة روح الحب والتعاطف بن الناس جميعاً.

سابعاً- الحث على الإنفاق في وجوه الخير، وافتراض التكافل بين المواطنين، ووجوب التعاون على البر والتقوى

وأكثر من الحث على الإنفاق في وجوه الخير والترغيب في ذلك، وذم البخل والشح والربا والمن والأذى، وقرر طرق التعاون والقرض الحسن ابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى ورجاء ما عنده: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإَثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(1).

ثامناً- تقرير حرمة المال، واحترام الملكية الخاصة ما لم تتعارض مع المصلحة العامة

وقرر حرمة المال، واحترام الملكية الخاصة ما دامت لا تتعارض مع المصلحة العامة: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله).. و(لا ضرر ولا ضرار).

تاسعاً- تنظيم المعاملات المالية بتشريع عادل رحيم، والتدقيق في شؤون النقد

وشرع تنظيم المعاملات المالية في حدود مصلحة الأفراد والمجتمع، واحترام العقود والالتزامات، والدقة في شؤون النقد والتعامل به، حتى أفردت له أبواب في الفقه الإسلامي تحرم التلاعب فيه كالصرف(2) ونحوه، ولعل هنا موضعاً من مواضع الحكمة في تحريم استخدام الذهب والفضة باعتبارهما الرصيد العالمي للنقد.


الهامش

(1) المائدة- 2.

(2) الصرف مبادلة تجري بين النقدين.


عاشراً- تقرير مسؤولية الدولة في حماية هذا النظام

وأعلن مسؤولية الدولة عن حماية هذا النظام، وعن حسن التصرف في المال العام، تأخذه بحقه وتصرفه بحقه، وتعدل في جبايته، ولقد قال عمر رضي الله عنه ما معناه: (إن هذا المال مال الله وأنتم عباده، وليصلن الراعي بأقصى الأرض قسمه من هذا المال وأنه ليرعى في غنمه، ومن غل غل في النار).

كما حظر الإسلام استخدام السلطة والنفوذ ولعن الراشي والمرتشي والرائش، وحرم الهدية على الحكام والأمراء، وكان عمر رضي الله عنه يقاسم عماله ما يزيد عن ثرواتهم، ويقول لأحدهم: (من أين لك هذا؟ إنكم تجمعون النار وتورثون العار).

وليس للوالي من مال الأمة إلا ما يكفيه. وقد قال أبو بكر رضي الله عنه لجماعة المسلمين حين ولي عليهم: (كنت أحترف لعيالي فأكتسب قوتهم، وأنا الآن أحترف لكم فافرضوا لي من بيت مالكم) ففرض له أبو عبيدة قوت رجل من المسلمين ليس بأعلاهم ولا بأوكسهم، وكسوة الشتاء وكسوة الصيف، وراحلة يركبها ويحج عليها، وقوّمت هذه الفريضة بألفي درهم.. ولما قال أبو بكر لا يكفيني، زادها له خمسمائة وقضى الأمر.

معالجة عملية لأعمال القواعد الأصولية

وتمشياً مع منهج الإمام حسن البنا في الإصلاح وأخذه بالناحية العملية والتطبيقية دون الوقوف عند الناحية النظرية والقولية في كل أمور الدعوة، ومواقف الجماعة ومناهج الحركة، ووسائلها لتحقيق أهدافها، وهذه خصيصة من أهم الخصائص التي تميزه عن أقرانه من الدعاة والمصلحين، وتميز مدرسته في الإصلاح ومنهجه في ذلك هو ما عليه الإخوان المسلمون الذين تتلمذوا عليه وأخذوا أنفسهم بالحفاظ على خصائص الدعوة ومنهاج الحركة لتحقيق أهدافها.

اتبع هذه الأصول العشرة والروح التي تمليها لتنتج وضعاً اقتصادياً سليماً، إن تجد التطبيق الصحيح. واختار موضوعات رئيسة في هذا الصدد، لتكتمل الرؤية الواقعية لما عليه الحال فيها، للتبصير بالحقائق، والحث على الإصلاح العملي على ضوئها.

استغلال منابع الثروات

واستغلال منابع الثروات الطبيعية استغلالاً سريعاً منتجاً، أمر يوجبه الإسلام الذي لفت كتابه أنظارنا إلى آثار رحمة الله في الوجود، وما أودع في الكون من خيرات في الأرض وفي السماء، وأفاض في أحكام الركاز، وحث على طلب الخير أينما كان: في الماء عندنا ثروات، وفي الصحارى ثروات، وفي كل مكان ثروات، لا ينقصها إلا فكر يوجه، وعزيمة تدفع، ويد تعمل، وخذ بعد ذلك من الخير ما تشاء: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ . وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(1). والعلماء هنا فيما أظن الذين يعلمون علم الكائنات وما فيها للناس من خير، وما يتجلى في دقيق صنعها من واسع علم الله خالق الأرض والسماوات.


الهامش

(1) فاطر- 28.


نظام الملكيات في مصر

توجب علينا روح الإسلام الحنيف وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي أن نعيد النظر في نظام الملكيات في مصر، فنختصر الملكيات الكبيرة، ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع، ونشجع الملكيات الصغيرة، حتى يشعر الفقراء المعدمون بأنه قد أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره، ويهمهم شأنه، وأن توزع أملاك الحكومة حالاً على هؤلاء الصغار حتى يكبروا.

تنظيم الضرائب

وتوجب علينا روح الإسلام في تشريعه الاقتصادي، أن نبادر بتنظيم الضرائب الاجتماعية وأولها: الزكاة، وليس في الدنيا تشريع فرض الضريبة على رأس المال لا على الربح وحده كالإسلام، وذلك لحكم جليلة منها: محاربة الكنز وحبس الأموال عن التداول، وما جعلت الأموال إلا وسيلة لهذا التداول الذي يستفيد من ورائه كل الذين يقع في أيديهم هذا المال المتداول.

وإنما جعل الإسلام مصارف الزكاة اجتماعية بحتة، لتكون سبباً في جبر النقص والقصور الذي لا تستطيع المشاعر الإنسانية والعواطف الطيبة أن تجبره، فيطهر بذلك المجتمع ويزكو، وتصفو النفوس وتسمو: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)(1).

فلابد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي – بحسب المال لا بحسب الربح – يعفى منها الفقراء طبعاً، وتجبى من الأغنياء الموسرين وتنفق في رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة.. ومن لطائف عمر رضي الله عنه أنه كان يفرض الضرائب الثقيلة على العنب لأنه فاكهة الأغنياء، والضريبة التي لا تذكر على التمر لأنه طعام الفقراء، فكان أول من لاحظ هذا المعنى الاجتماعي في الحكام والأمراء.


الهامش

(1) التوبة- 103.


محاربة الربا

ويوجب علينا الإسلام أن نحارب الربا حالاً. ونحرمه ونقضي على كل تعامل على أساسه: (ألا وإن الربا موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب).

ولقد كان المصلحون يتجنبون أن يقولوا في الماضي هذا الكلام حتى لا يقال إن ذلك مستحيل وعليه دولاب الاقتصاد العالمي كله. أما اليوم.. فقد أصبحت هذه الحجة واهية ساقطة لا قيمة لها بعد أن حرمت روسيا الربا وجعلته أفظع المنكرات في دارها. وحرام أن تسبقنا روسيا الشيوعية إلى هذه المنقبة الإسلامية. فالربا حرام.. حرام.. حرام. وأولى الناس بتحريمه أمم الإسلام ودوله.

تشجيع الصناعات المنزلية

وتوجب علينا روح الإسلام تشجيع الصناعات اليدوية المنزلية: وهذا هو باب الإسعاف السريع لهذه العائلات المنكوبة، وباب التحول إلى الروح الصناعي والوضع الصناعي.. وأول ما تفعله هذه الأيدي العاطلة، الغزل والنسيج بالأنوال الصغيرة، وصناعة الصابون، وصناعة العطور والمربيات، وأنواع وصنوف كثيرة تستطيع النساء والبنات والأولاد أن يشغلوا وقت الفراغ فيها، فتعود بالربح الوفير وتمنعهم بؤس الحاجة وذل السؤال.

وبعد أن عرض لجوانب أخرى لم نورد ذكرها، عن استقلال النقد، وتمصير الشركات، والصناعة، وتقليل الكماليات والاكتفاء بالضروريات، نص على ظاهرة الارتجال في الحلول، واتباع سياسة المسكنات دون العلاج الحقيقي لأصل الداء، وأهاب بالدول العربية والإسلامية أن تفيد من الرابطة الوثيقة التي تربط بينها، من اللغة والعقيدة والمصلحة والتاريخ، وهي دول غنية بتربتها الزراعية، وجوهاً المعتدل، وبالموارد الأولية والخامات المعدنية، أن تتعاون في سبيل تحقيق الاكتفاء الذاتي، والاستقلال الاقتصادي، والتخلص من التبعية الاقتصادية للغرب أو الشرق، وأن تنشئ أسطولاً تجارياً، وأن تنقذ شعوبها من استغلال الشركات الأجنبية لثرواتها، وتنمي دخلها القومي وترفع من مستوى معيشة أبنائها(1).

الإخوان المسلمون والنشاط الاقتصادي

أنشأ الإخوان مجموعة من الشركات كانت أسهمها جميعاً موزعة على مجموعة كبيرة جداً من المساهمين, بعكس ما ألف الناس في الشركات الكبيرة في مصر التي يتحكم فيها ويملك غالبية أسهمها قلة من الرأسماليين, ولعل أوضح مثال لذلك هو شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج, فرأس المال الفعلي لها كان 6500 جنيه, وكان عدد المساهمين 550 مساهماً, ومعظمهم من العمال, ومن هذه الشركات:

1- شركة المعاملات الإسلامية وقد تكونت سنة 1939م, برأس مال أساسي قدره 4000 جنيه, زيد إلى عشرين ألف جنيه مصري سنة 1945م, وقامت الشركة بإنشاء خطوط نقل, وأقامت مصنعاً كبيراً للنحاس, ينتج (وابور غاز) كاملاً, وقطع غياره المختلفة راجت في الأسواق المحلية والخارجية.

2- الشركة العربية للمناجم والمحاجر وقد تكونت في سنة 1947م برأسمال قدره ستون ألف جنيه.

3- شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج تأسست هذه الشركة سنة 1948م برأسمال أساسي قدره ثمانية آلاف جنيه, وكان عدد عمالها حوالي 60 عاملاً, جميعهم من المساهمين في الشركة, وفي عشرة أشهر بلغ صافي أرباحها 1400 جنيه.

4- شركة المطبعة الإسلامية والجريدة اليومية.

5- شركة التجارة والأشغال الهندسية بالإسكندرية وقد تكونت برأسمال قدره 14.000 جنيه, موزع على 3500 سهم, للقيام بأعمال التجارة والهندسة.

6- شركة التوكيلات التجارية.

7- شركة الإعلانات العربية.


الهامش

(1) مشكلاتنا الداخلية (النظام الاقتصادي)- حسن البنا، ص- (337-352) مجموعة الرسائل.


البنوك الإسلامية

ولا يستطيع باحث في شؤون الاقتصاد الإسلامي المعاصر أن يتناولها دون أن يقف عند ظاهرة صحية حديثة العهد في واقعنا الاقتصادي المصرفي، كانت حلماً في رؤوس القائمين بها والمشجعين لها منذ عقود خلت، حتى أذن الله للحلم أن يتحول إلى حقيقة، وللفكرة أن تتجسد في مؤسسات، تلك هي (البنوك الإسلامية) التي بدأت تظهر في أكثر من بلد إسلامي وعربي، وتمد فروعها هنا وهناك.

ولا شك أن هذا العمل جديد علينا، وإن كانت مشاعر المسلمين واهتماماتهم المالية اتجهت إليه بالتشجيع الأدبي والمادي. ولكن نجاح هذه المشروعات الكبيرة يحتاج إلى أطر فنية متخصصة في كل أنواع الأعمال التي تتطلبها، من إدارة ومحاسبة ودراية بالشيكات المصرفية، وأساليب التعامل معها على الصعيد العالمي، لاسيما في المرحلة الراهنة التي لم يتكون فيها بعد شيكات مصرفية إسلامية على هذا الصعيد.

ولقد كان لزاماً أن يجري تعاون بين علماء المسلمين من أهل الفتيا والاجتهاد وبين علماء المال وخبراء الاقتصاد لتستطيع هذه البنوك أن تتحرك في مجالات الاستثمار المختلفة، وتوظيف الأموال المودعة في خزائنها، في طرائق مؤمنة من الحرام في كل مراحل دوران أموالها، وتعاملاتها مع الغير، ومشروعاتها التي تقوم بها.

إن هناك آمالاً واسعة معقودة على نجاح هذه البنوك الإسلامية اللاربوية في دول العالم العربي والإسلامي في إصلاح الأوضاع الاقتصادية فيها وإنقاذها من نفوذ الدول الكبرى التي تتخذ من بنوكها أداة تحكم، ووسيلة ضغط على حكوماتها، واستنزاف لثروات أفرادها وشعوبها.


العمل الطلابي

ماذا قدمت دعوة الإخوان المسلمين لطلبة المدارس والجامعات؟ وماذا قدم طلبة الإخوان لمصر والعرب والإسلام؟ سؤال يطرح نفسه نحاول أن نجيب عنه في النقاط الآتية:

  • الإخوان هم أول هيئة قامت بالدعوة إلى الله في جامعات ومدارس مصر.
  • أول مَن أسس المساجد بكليات مصر المختلفة ومدارسها، وخاضوا لأجلها معركة مع إدارات الكليات والجامعة وسُميت بمعركة المساجد.
  • أول مَن احتفل بالمناسبات الإسلامية بالمدارس والجامعات.
  • أول هيئة أنشأت بيوتًا للطلبة (مدنًا جامعيةً مصغرة) للرعاية وتقديم الخدمات الشاملة للطلاب المغتربين.
  • تبنت مشروع لجنة البر بالطلاب الفقراء في عام1944م لرعاية الطلاب ماديًّا واجتماعيًّا.
  • استشهد سبعة من طلاب الإخوان في مظاهرات يوم 21/2/1946م والذي أصبح بعد ذلك يوم الطالب العالمي وهم:

محمد علي محمد بكلية التجارة، محمد غنيم عبد اللطيف شاهين من الزقازيق، سعد حسني سرحان من الزقازيق السيد علي الغندور من الزقازيق، محمود عزمي من الدقهلية، محمود يس من الدقهلية، محمد المغربي من الإسكندرية(1)

  • قاوم طلبة الإخوان مشروع معاهدة صدقي- بيفن المجحفة بحقوقِ مصر الوطنية، وقادوا مظاهرات متتابعة حتى سقطت المعاهدة واستقال رئيس الوزراء.
  • قام زعيم طلاب الإخوان مصطفى مؤمن بحدثٍ تاريخي لم يتكرر إذْ سافر إلى أمريكا واقتحم قاعة مجلس الأمن التي تُناقش فيها قضية مصر الوطنية بتاريخ 22/8/1947م، وألقى خطابًا بالإنجليزية يُطالب بحق مصر في التحررِ من احتلالِ الإنجليز وفلسطين في التحرر من الإنجليز واليهود.

الهامش

(1) مجلة الإخوان المسلمين (عدد 90).


  • أقام طلبة الإخوان معسكرات للتدريب العسكري داخل جامعات مصر لتأهيل الشباب لمقاومة الإنجليز.
  • قاد طلبة الإخوان أكبر معركة شهدتها القنال ضد الإنجليز في التل الكبير في 13/1/1952م.

ويشير الكاتب الإنجليزي جوردن ووتر فيلد في كتاب بعنوان (مصر) إلى أنَّ تلك المعركة التي خاضها شباب الإخوان اضطرت رئيس وزراء بريطانيا آنذاك ونستون تشرشل إلى قطع إجازته والعودة إلى لندن ليشرف بنفسه على خطط وزارة الدفاع البريطانية لمواجهة تزايد أعمال المقاومة التي كان يقودها الإخوان المسلمون ضد القوات البريطانية في مصر(1).

وصرَّح تشرشل رئيس وزراء بريطانيا بتصريحه الشهير: (لقد نزل إلى الميدان عنصر جديد)(2).


الهامش

(1) الإخوان المسلمون في كتابات الغربيين- زياد أبو غنيمة, ص- 70.

(2) صفحات من جهاد الشباب المسلم- حسن دوح, ص- 73.


  • واحتفلت الجامعة لسنوات عديدة بذكرى الشهداء، ونظم الشعراء فيهم عشرات القصائد، وأحيا مجلس الثورة ذكرى عمر شاهين بعد الثورة، وأطلق اسمه على إحدى القرى التي استحدثها في مديرية التحرير(1).

ويحدثك أساتذتهم بالمدارس والجامعات عن أخلاقهم وسلوكهم، فيقول د. أحمد الحوفي، الأستاذ بكلية دار العلوم: درَّست بالمدرسة السعيدية ست سنوات وبكلية دار العلوم خمسًا شهدت فيهن عن كثبٍ وتجربة ويقين عظم أثر الشهيد حسن البنا في مريديه من الطلاب: جرأة في الحق واستقامة في الخلق واعتزاز بالدين وجد في الدرس ورجولة مبكرة وثقافة إسلامية متنورة ومقدرة بيانية واعية(2).

ويوافقه د. عثمان خليل عميد كلية الحقوق بجامعة عين شمس فيقول: وقد كان مريدوه من طلبتي خير عنوان لرسالته فقد ازدادت معرفتي به في أشخاصهم وازددت تقديرًا لجهاده بما خلفته تعاليمه فيهم من قوة الإيمان وكمال الرجولة وقويم الخلق(3).


الهامش

(1) الإخوان المسلمون- ريتشارد ميتشيل, ص- 198.

(2) مجلة الدعوة (العدد104).

(3) مجلة الدعوة (العدد 104).


المرأة في فكر الإمام حسن البنا

عند تأسيس الإمام البنا لجماعة الإخوان المسلمين عام 1928م كان واقع المرأة المسلمة يشهد تراجعًا ملحوظًا في ظل حياة الجهل والاستبداد من جهة، وبين دعوات تغريب المجتمع، ومحاولة القضاء على كل مظهر من مظاهر الحياة الإسلامية، واقتلاع قيمه من عقول أبنائه من جهةٍ أخرى.

فقد توارت شمس الحضارة الإسلامية، وتم القضاء على دولة الخلافة الإسلامية عام 1924م بعد أن ظلت رمزًا لوحدة المسلمين عبر قرونٍ طويلة، وقوة يهابها أعداؤها حتى وصلت في عهدها الأخير إلى حالةٍ من الترهل والشيخوخة، مما أغرى أعداؤها على النيل منها، واحتلالها ثم تقسيمها إلى دويلات صغيرة حتى لا تقوم لها قائمة مرة أخرى.

يقول المستشرق جيب:

(المقصود من الجهود المبذولة لحمل العالم الإسلامي على الحضارة الغربية هو عدم وحدة الحضارة الإسلامية التي تقوم عليها وحدة المسلمين؛ لأن كل قطر سيتجه إلى اقتباس ما يلائم ظروفه من هذه الحضارة، وعند ذلك تتعدد أساليب الاقتباس بتعدد البيئات الإسلامية المختلفة، فتفقد الحضارة الإسلامية طابعها الموحد، بل لا يعود هناك شيء اسمه الحضارة الإسلامية؛ ثم يتساءل: المهم هل ستكون هناك ميول مشتركة بين الشعوب الإسلامية؟ وهل سيقوم إحساس بوحدة العمل ووحدة الهدف؟ أم أن الآراء الجديدة وحاجات الحياة الجديدة ستنجح آخر الأمر في تشتيت المجتمع الإسلامي وتحطيم وحدته).

لم يكن تفكيك الوحدة الإسلامية هو الهدف الوحيد من تغريب المجتمعات التي تدين بالإسلام، ولكن كراهية الحضارة الإسلامية، واعتبارها أهم عائق من عوائق الاستسلام لهيمنة القوى الاستعمارية، وقد صرَّح بهذه الكراهية العديد من مفكري الغرب وزعمائهم، ومنهم اللورد كرومر- المندوب السامي البريطاني لمصر خلال فترة الاحتلال البريطاني مطلع القرن العشرين؛ حيث قال:

إن الإسلام بطبيعة تعاليمه عدو للحضارة الأوروبية، وإن المسلم غير المتخلق بأخلاق الأوروبيين لا يقوى على حكم مصر, لذلك سيكون المستقبل الوزاري للمصريين الذين تربوا تربية أوروبية.

قسم الأخوات المسلمات

كان واضحاً منذ البداية في ذهن الإمام حسن البنا أن دور المرأة في الإسلام له أثره البعيد في تكوين الرجال وأمهات المستقبل، وفي مساندة الأزواج في حمل تكاليف الدعوة. والدعائم التي قامت عليها دعوة الإخوان المسلمين هي تكوين الفرد المسلم، في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله ومصرفه، وهي بعد ذلك إقامة البيت المسلم، ولهذا كانت عنايته بالمرأة مثل عنايته بالرجل. وإن نجاح الدعوة في الوصول إلى تكوين البيت المسلم هو السبيل إلى إقامة المجتمع المسلم، وفي ذلك ضمان لقيام الحكومة المسلمة التي تقوده إلى بناء الدولة الإسلامية.

المنهج التطبيقي للإمام البنا مع المرأة

1- في مجال العمل العام

اهتم الإمام البنا منذ بداية دعوته بمشاركة المرأة في العمل على تحقيق البرنامج الإصلاحي للإخوان المسلمين، كما نصَّت على ذلك اللائحة الداخلية للنظام الأساسي للأخوات المسلمات.

وكان من الضروري قيام الأخوات بهذه المهمة الخطيرة من الإعداد والتربية الصحيحة من خلال برامج تربوية، تستهدف بناء العقيدة الصحيحة، وتنمية عقولهن، وتقويم سلوكهن، وتزويدهن بالعلوم العصرية المختلفة مع الاهتمام ببناء القوة البدنية والروحية معًا، كمنظومةٍ كاملةٍ نحو بناء الفرد المسلم القادر على تولي المسئوليات، وتحمل الأعباء.

ولتحقيق هذه الأهداف قام الإمام البنا منذ بداية دعوته ببناء مدرسة للبنات مع أول مسجد للإخوان عام 1928م، سميت بمدرسة أمهات المؤمنين، وقد جمعت الدراسة فيها بين آداب الإسلام، وبين العلوم النظرية والعملية التي تقتضيها ظروف العصر آنذاك، وكان إنشاء مثل هذه المدرسة في وقت سادت فيه الأمية، وخاصةً بين النساء، وتعذر وجود مثل هذا النوع من المدارس الذي يجمع بين العلوم الدينية والمدنية، وقد كان التعليم في معظمه مدنيًّا يجري على الأسلوب الغربي والمبادئ الغربية والتفكير الغربي.

ثم أنشأ الإمام حسن البنا بعد ذلك قسمًا للأخوات المسلمات يتألف من نساء الإخوان وبناتهن وقريباتهن، أطلق عليه فرقة الأخوات المسلمات، وبأسلوبٍ علمي ممنهج وضع الإمام البنا لفرقة الأخوات المسلمات لائحة تنظم العمل، وحدد لها أهدافها ووسائلها، ونظامها الداخلي، وكان الغرض من تكوين هذه الفرقة: التمسك بالآداب الإسلامية والدعوة إلى الفضيلة، وبيان أضرار الخرافات الشائعة بين المسلمات، أي الالتزام بالإسلام الصحيح، وتنقيته من العادات والتقاليد الفاسدة.

وبعد انتقال إدارة الإخوان إلى القاهرة، تكونت فرقة للأخوات المسلمات عام 1352هـ(1932م).

وفي أول خطاب من رئيسة الفرقة السيدة لبيبة أحمد إلى الأخوات المسلمات بينت لهن الحالة المتردية التي كان يعيشها المجتمع المصري آنذاك قائلة لهن: بأن الأمة في تدهور خلقي، وخلل اجتماعي، بدأت أعراضه في كل مظاهر الحياة في المنزل، وفي الشارع، وفي المصنع، وفي المتجر، وفي كل بيئة، وفي كل وسط، وأن أساس إصلاح الأمة إصلاح الأسرة، وأول إصلاح الأسرة إصلاح الفتاة؛ لأن المرأة أستاذ العالم، ولأن المرأة التي تهز المهد بيمينها، تهز العالم بيسراها، ووجهت المرأة إلى العناية بإصلاح الأمة من خلال تعاليم الإسلام وأحكامه.

وقد أدرك الإمام البنا أهمية تربية كوادر وقيادات نسائية كطليعة لسيدات ملتزمات بقيم الإسلام يستطعن توجيه المجتمع، وإصلاح حال المرأة، ومن هذا المنطلق اهتم بتربية الأخوات، وتربية قيادات منهن؛ فكان يعطي لستة منهن درسًا أسبوعيًا خاصًا يتناول فيه العديد من الأمور التربوية والعقائدية والمواقف العامة، كما سعى إلى تكوين كوادر نسائية تكون كطليعة قيادية في مجتمع المرأة المسلمة، وتمثيل الإسلام في المحافل المختلفة وبصورة راقية، فقد جمع الأخوات الجامعيات والمثقفات، وكان عددهن آنذاك مائة وعشرين أختًا ليلقي عليهن درسًا أسبوعيًا لمدة عام كامل بدأه بالعقيدة، ثم تلاه بالعديد من أمور الدين والدنيا.

أهداف البرنامج التربوي للأخوات:

1- بعث الروح الدينية، والتعاليم الإسلامية الكفيلة بتكوين شخصيات نسائية مهذبة تستطيع تحقيق البرنامج الإصلاحي للإخوان المسلمين.

2- التعريف بالفضائل والآداب المزكية للنفس والموجهة للخير والكمال.

3- الإرشاد إلى طرق التربية الصحيحة النافعة التي تضمن لأبنائهن النمو الجسمي، والعقلي، وتجنبهم الإسراف الصحي والنقص العقلي.

4- العمل على صبغ البيت بالصبغة الإسلامية، وبث تعاليم القرآن الكريم ، والسنة المطهرة، وسيرة أمهات المؤمنين، وفضليات النساء.

5- محاربة البدع، والخرافات، والأباطيل، والترهات، والأفكار الخاطئة، والعادات السيئة التي تنتشر وتروج بين النساء.

6- نشر الثقافة والمعارف التي توسع مداركهن من الثقافات الحديثة.

7- الاهتمام بالشئون المنزلية، وقيام الأسرة على أساس إسلامي صحيح.

8- المشاركة في المشروعات الاجتماعية النافعة بما يتناسب مع ظروفهن وجهودهن ومن ذلك: المستوصفات، دور الطفولة، رعاية اليتامى، أندية الصبيان، المدارس، تنظيم مساعدة الأسر الفقيرة، ووضع لائحة لكل مشروع وهيئة إدارية تشرف عليها طبقًا لأحكام القانون رقم 49 لسنة 1945م، وتسجل في وزارة الشئون الاجتماعية.

9- المعاونة في حدود ظروفهن بجهودهن في تحقيق البرنامج الإصلاحي الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة.

أنشطة الأخوات في المجال العام:

تنوعت مجالات الأنشطة التي تقوم بها المرأة في جماعة الإخوان المسلمين في عهد الإمام البنا، لتشمل النشاط الدعوي والاجتماعي، فضلاً على مواقفهن السياسية ودورهن في فترات المحن، وغياب الأزواج في غياهب السجون والمعتقلات، بدءًا من قضيتي السيارة الجيب عام 1948م، مرورًا بصدور قرار حل جماعة الإخوان المسلمين ثم العهد الناصري فيما بعد.

أثناء محنة 1948م، قام قسم الأخوات بتشكيل لجنتين للقيام بدورهن خلال هذه المحنة، أولهما: إعداد الطعام، والملابس، والأدوية للإخوان بالسجون، وغسل الملابس وتنظيفها، واللجنة الثانية مهمتها زيارة أسر الإخوان المسجونين بصفة مستمرة، ودعمهم ماديًّا وأدبيًّا، وخاصة الفقراء منهم، وتقديم الشكاوى، والاحتجاجات إلى الجهات المسئولة.

كما تم إنشاء مدرسة اليتيمات عام 1946م، وتسمى دار التربية الإسلامية للفتاة، وكانت مديرتها آنذاك السيدة فاطمة عبد الهادي، ورئيس مجلس إدارتها السيدة آمال عشماوي.

امتد نشاط الأخوات إلى إقامة وتنظيم معارض خيرية سنوية داخل وخارج مصر، ومن ذلك قيام الأخت سعاد الجيار عام 1948م، بفتح اكتتاب عام لإنشاء مقبرة خاصة بالمسلمين في أمريكا، وإنشاء مدرسة لتعليم الأطفال اللغة العربية والدين الإسلامي.

وعن مثل هذه الأنشطة تتحدث إحدى السيدات، وهي السيدة فاطمة عبد الهادي زوجة الشهيد يوسف هواش، فتقول: انتدبني العشماوي باشا من وزارة التربية والتعليم لأكون مسئولة مدرسة التربية الإسلامية للفتيات بالمنيا، والمشغل التابع لها، وبحمد الله كان لنا نشاط واضح، ومؤثر بين الطبقات الراقية، فكانت الأخت آمال عشماوي تحضر أسر البشاوات، ليحيكوا ملابسهن لدينا في المشغل، وتقيم حفلات في نادي الجزيرة، ومعارض خيرية سنوية، تشمل المشغولات اليدوية والملابس، ومستحضرات التجميل، والمخللات وغيرها، وكانت تلقى إقبالاً كبيرًا بفضل الله.

وبعد استشهاد الإمام البنا بعدة أعوام، تم افتتاح مستوصف بإمبابة عام 1954م، امتدادًا للدور الذي قام به الأخوات في عهد الإمام البنا، واقتصر العمل فيه على المتطوعين من الإخوان وغيرهم، وكان غير قاصر على السيدات وحدهن، ولكن كان هناك أطباء من بينهم الدكتور أحمد الملط (رحمه الله) الذي كان المؤسس الأول للجمعية الطبية الإسلامية في ثمانينيات القرن العشرين.

مواجهة التنصير

وقفت بعض الأخوات في وجه الإرساليات التبشيرية الأجنبية في مصر، فكن يطرقن أبواب الموسرين قائلات لهن: إن الإرساليات التبشيرية الأجنبية ترسل الحلوى والهدايا لتشتري بها العقيدة، وأنتم مسئولون أمام الله، فقوموا الآن بواجبكم، وتعالوا معي نزور هذه الأحياء، ولتلقوا إلى أهلها بالهدايا، وببعض ما للناس عندكم من حق معلوم، وبذلك قطعن خط الرجعة على المبشرات اللائي ولين الأدبار.

كما كانت الأخوات قد قسمن أنفسهن في فرق ولجان، فلجنة في كل شعبة من شعبهن للتعرف على سيدات الحي، وبث الدعوة الصحية والاجتماعية والدينية بينهن، سيما الطبقة العامة، فتذهب الأخوات ومعهن الحلوى والهدايا والعقاقير الصحية يطرقن أبواب المنازل، ويجلسن إلى الأطفال ويرشدن الأمهات، حتى إذا ما عدن إلى دار الشعبة قدمن تقريرًا عن حالة الأسرة، وإن كانت الناحية الخلقية في حاجة إلى إرشاد قام بذلك قسم الإرشاد، وإن كانت في حاجة إلى معونة مالية أو كان رب الأسرة متعطلاً، كان كل ذلك موضع الدراسة، وكذلك شأن قسم زيارة المستشفيات، وتقديم الهدايا للفقيرات المريضات، وقسم لإرشاد سيدات الطبقة العامة في الباحثات عن الوقار اللازم لاحترام الموتى، والإقلاع عن العادات الذميمة التي ليست من الدين، ثم مدارس الجمعة للفتيات الصغيرات، وقد أصبح عدد وفير من مثقفات المدينة طبيبات ومعلمات وناظرات، يتابعن بعطف وتقدير هذه الأنشطة.

2- في مجال العمل السياسي

كان لقسم الأخوات مواقف صلبة وحاسمة، بل وشجاعة رائدة بالنسبة لهذه الفترة من تاريخ مصر، فقد وقفن في وجه الاحتلال الإنكليزي وأعوانه، فقد قامت الأخوات المسلمات عام 1946م، بتقديم احتجاج إلى المندوب السامي البريطاني بالقاهرة على اعتداء جنوده على المصريين الآمنين.

وقد قمن بأدوار جريئة أيضًا في مواجهة السلطات المصرية آنذاك، فبعد قرار حل جماعة الإخوان المسلمين سلم الإمام البنا مجموعة من الأخوات مذكرة تفند خطأ مبررات الحل، وطفن بها على مكاتب الوزراء ومجلس النواب والشيوخ، والقصر الملكي، ورئاسة الوزراء.

ولا ننسى ما قامت به الحاجة زينب الغزالي في مجال دعوة الإخوان المسلمين؛ حيث بايعت الإمام حسن البنا سنة 1948م، وقدمت عطاءها في مجال الدعوة إلى ما يزيد على نصف قرن من الزمان، وكان لها دور كبير في مجال النضال السياسي في عهد الملك وعهد عبد الناصر والسادات ومبارك.

ومن متابعة مسيرة عمل الأخوات المسلمات وفق منهج الإمام البنا، ووضع البرامج العملية لتفعيل دور المرأة في العمل العام والاجتماعي والاستفادة من قدرات المثقفات والجامعيات والعاملات في حقل التدريس والطب، وغير ذلك من الأعمال ما يؤكد:

أولاً: بأنه لم ينكر على سيدات الجماعة امتهانهن لمهنة شريفة في المجتمع في ضوء مراعاة الضوابط الإسلامية.

ثانيًا: إيمانه بدور المرأة في العمل العام والاجتماعي لم يكن مجرد تصريحات أو آراء مطروحة، ولكنه لجأ للتطبيق العملي لما يؤمن به، من قيم ومبادئ الإسلام التي كانت حية نابضة في شرايينه، وواقعًا عمليًّا في سلوكه, حيث ترجمها إلى منهج قابل للتطبيق غيّر الكثير من واقع المرأة المسلمة(1).


الهامش

(1) حديث للأخت د. مكارم الديري (30/11/2006م).


الإخوان المسلمون والأقباط في مصر

لقد كان حسن البنا - رحمه الله- والإخوان المسلمون منذ البداية مثالاً حيًّا للتسامح الديني, والبُعد عن التعصب الأعمى, وكانوا ينظرون إلى الأقباط - بصفة خاصة- على أنهم إخوة في الوطن، وأنهم أصحاب كتاب منزَّل من عند الله, والمسلم مطالب أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقد دأب الإمام الشهيد على غرس هذه المعاني والقيم في نفوس الإخوان، وذلك في رسائله, وخطبه, ومحاضراته.

يقول الإمام حسن البنا حول هذا الموضوع: إن الإسلام الذي وضعه الحكيم الخبير الذي يعلم ماضي الأمم وحاضرها ومستقبلها.. لم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الواضح الذي لا يحتمل لبسًا ولا غموضًا في حماية الأقليات, قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(1).

وإن الإسلام الذي قدَّس الوحدة الإنسانية العامة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)(2).


الهامش

(1) الممتحنة- 8.

(2) الحجرات-13.


ثم قدَّس الوحدة الدينية العامة كذلك, فقضى على التعصب, وفرض علي أبنائه الإيمان بالرسالات السماوية جميعًا في قوله تعالي: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(1)، ثم بعد ذلك قدَّس الوحدة الدينية الخاصة في غير صلف ولا عدوان, فقال تبارك وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ)(2).. هذا الإسلام الذي بُني على هذا المزاج المعتدل والإنصاف البالغ لا يمكن أن يكون أتباعُه سببًا في تمزيق وحدة متصلة، بل بالعكس، إنه أكسبَ هذه الوحدةَ صفة القداسة الدينية بعد أن كانت تستمد قوتَها من نصٍّ مدني فقط(3).

والواقع خير شاهد

كان هذا هو التوجيه الإسلامي في التعامل مع ذوي الأديان الأخرى, وكان الإمام حسن البنا يعرض هذا التوجيه ويلحُّ عليه كثيرًا, ويواجه به كل من يتهم الإسلام بالتعصب.. قد يقول بعضهم: ما أكثر الكلمات والمبادئ, وما أقل العمل والتطبيق!! ولكن الواقع التاريخي يورد من المواقف والأحداث والوقائع ما يقطع بأن الإمام حسن البنا والإخوان المسلمين عاشوا على المودة والتسامح وحسن المعاملة مع المواطنين الأقباط، الذين عاشوا يبادلون المرشد والإخوان نفس الشعور, على الرغم من محاولة المغرضين وأصحاب النوايا السيئة تعكير الصفو, وإفساد هذه العلائق الطيبة.


الهامش

(1) البقرة-136.

(2) الحجرات-10.

(3) رسالة نحو النور- حسن البنا.


في الإسماعيلية

أراد بعضهم أن يُحدث فتنةً بين الإخوان والمسيحيين في مطلع الدعوة - والإمام البنا مدرس في الإسماعيلية- فكتب عريضةً بتوقيع (مسيحي), ذكر فيها أن (المدرس المسلم المتعصِّب) حسن البنا يرأس جماعةً متعصبةً اسمها (الإخوان المسلمون)، وأنه يهين ويضطهد التلاميذ المسيحيين, ويفضل التلاميذ المسلمين عليهم، وطالب كاتب العريضة المسئولين بنقل هذا المدرس المتعصب بعيدًا عن الإسماعيلية حتى لا تكون فتنة.

وحُوِّلت هذه العريضة على ناظر المدرسة, فاستاء المسيحيون منها جدًا, وجاء وفد منهم إلى المدرسة معلنًا استنكاره, على رأس هذا الوفد راعي الكنيسة الأرثوذكسية، وكتب كثيرٌ من أعيان الأقباط- وكذلك الكنيسة (بختمها) وتوقيع راعيها- عرائضَ وخطابات استنكار، وأرفقها الناظر بتقريره الذي ختمه بقوله: أرجو من وزارة المعارف ألا ترهقنا بمثل هذه المجهولات, وأن تحقق فيها بمعرفتها, بعد أن ثبت أنها جميعًا أمورٌ كيديةٌ لا يُراد من ورائها خير.

في قنا بالصعيد

وحينما نُقل حسن البنا سنة 1941م إلى (قنا) بصعيد مصر؛ نتيجة ضغط الإنكليز على رئيس الوزراء حسين سري باشا تسابَق كثير من دعاة الفتنة إلى نشر إشاعة بين الأقباط في قنا، تصور حسن البنا والإخوان المسلمين مبغضين للأقباط.. عاملين على الإضرار بهم.. فكيف قضى الإمام البنا على هذه الفرية!؟

إن الجواب نجده في السطور الآتية من رسالة بعث بها حسن البنا من قنا إلى والده- رحمه الله- بالقاهرة: جمعية الإخوان بقنا تسير بخطًى موفقةٍ, وكانت عندنا بالأمس حفلةٌ كبيرةٌ دعونا إليها كل الطائفة القبطية وعلى رأسها المطران, وأقبلوا جميعًا لم يتخلف منهم أحد, وكانت صفعةً قويةً لمنافقي المسلمين الذين يتزلفون إلى هؤلاء بالفتنة، ولقد كنت صريحًا جدًا- في لباقة- وأنا أبسط فكرة الإخوان بصورة حازت إعجاب الجميع, والحمد لله.

خريستو.. وكيل حسن البنا

وحينما رشَّح الإمام البنا نفسه في الانتخابات النيابية سنة 1944م في عهد وزارة أحمد ماهر باشا عن دائرة الإسماعيلية كان وكيله في لجنة (الطور) - التابعة لدائرة الإسماعيلية- يوناني مسيحي متمصر يُدعى (الخواجة باولو خريستو) وكانت هذه اللفتة مثارَ سخريةِ قادة الحزب السعدي الحاكم، وخصوصًا أحمد ماهر باشا, ومحمود فهمي النقراشي باشا.

زيارات حب موسمية

وكان المسيحيون- على مستوى مصر كلها- يَشعرون بروح الودِّ والسماحة المتبادلة بينهم وبين الإخوان، وخصوصًا في المناسبات الدينية. وحرص الإخوان على أن ينشروا في صحفهم أخبار هذه الزيارات، ومثال ذلك الخبر التالي المنشور في (صحيفة الإخوان) بتاريخ 10/11/1946م:

زار نيافة مطران الشرقية والمحافظات دار الإخوان المسلمين بالزقازيق يوم عيد الأضحى (سنة 1365هـ) للتهنئة بالعيد, وأذاع نيافته نشرةً مطولةً بعنوان (هدية العيد) تدور حول معنى (الاتحاد رمز الانتصار), وقال في آخرها: أشكر جمعية الإخوان, لأنهم إخوان في الشعور.. إخوان في التضامن.. إخوان في العمل.

البنا في مجمع الأديان

وأطرف هذه الوقائع كلها, وكانت أواخر سنة 1927م ننقلها بالنص من مذكراته: بعد أربعين يومًا من نزولنا إلى الإسماعيلية, لم نسترِحْ للإقامة في البنسيونات, فعوَّلنا على استئجار منزل خاص, فكانت المصادفة أن نجد دورًا أعلى في منزل استؤجر دوره الأوسط لمجموعة من المواطنين المسيحيين اتخذوا منه ناديًا وكنيسة, ودوره الأسفل (الأرضي) لمجموعة من اليهود اتخذوه ناديًا وكنيسةً، وكنا نحن بالدور الأعلى نقيم الصلاة, ونتخذ من هذا المسكن مصلًّى.. فكأنما كان هذا المنزل يمثل الأديان الثلاثة، ولست أنسى (أم شالوم) سادنة الكنيسة, وهي تدعونا كل ليلة سبت لنضيء لها النور, ونساعدها في (توليع وابور الجازوكنا نداعبها بقولنا: إلى متى تستخدمون هذه الحِيَل التي لا تنطلي على الله?! وإن كان الله قد حرم عليكم النور والنار يوم السبت- كما تدَّعون- فهل حرَّم عليكم الانتفاع أو الرؤية ? ‍ فتعتذر وتنتهي المناقشة بسلام.

ولكن لا تهاون ولا تفريط

نعم.. إنه تسامح حقيقي, ومودة صادقة.. ولكن بلا هوان, ولا تهاون, ولا تفريط في قيمة من القيم الدينية أو الوطنية.. فحينما رأى الإخوان أحد كبار رجال الدين المسيحي وهو القمص سرجيوس يتصرف بما يسيء إلى الدين والوطنية هاجموه بشدة في صحيفة الإخوان, ومما جاء فيها: (علمنا أن القمص سرجيوس يجتمع بمواطنينا الأقباط في التل الكبير, وأن هذا الاجتماع يتم في كنيسة داخل أحد المعسكرات البريطانية.. فماذا وراء هذه الاجتماعات? وهل هناك تدبير مبيَّت للاعتداء على كنيسة أخرى مثل كنيسة الزقازيق? إن إصبع المستعمر في إثارة الفتنة باديةٌ وملموسةٌ, وإن كان للإنكليز أن يطبقوا سياستهم التي استعمروا بها العالم - وهي التفريق بين أبناء الوطن- فكيف يسمح رجل من رجال الدين لنفسه أن يكون مطيةً لأعداء الوطن والدين؟) (1)

ويظهر أن (سرجيوس) - بتصرفاته هذه وبمقالات نشرَها ينال فيها من المرشد العام ودعوة الإخوان- قد أساء إلى شعور عقلاء المسيحيين, فكتب أحدهم - واسمه أمين برسوم- موجِّهًا خطابه للإخوان ومرشدهم: (إخواني في الوطن: مما يأسف له جميع الأقباط ما اطَّلعنا عليه من مقالات (القمص سرجيوس) المُخزية التي لا يصحُّ أن تصدر عن رجال الدين الأطهار الذين هم فخرنا وهي تسيء إلى المرشد العام للإخوان المسلمين.. إننا نستنكر تلك المقالات؛ لأننا نشعر بالأخوَّة التي بيننا, وبين إخواننا المسلمين, لأن الوطن للجميع, والدين للدَّيَّان).

إن الواقع الذي تعيشه مصر الآن وقد أطلت الفتنة برأسها الشيطاني لتنفث سمومها.. لَيَدفعنا إلى الترحم على الشهيد العظيم الذي عاش طيلة حياته مثالاً للتسامح والحب وبُعد النظر, واحترام كل ذي دين.. وعلى دربه يسير أبناؤه وتلاميذه.


الهامش

(1) 13/5/1947م.

  • أكد الدكتور أكرم الشاعر- عضو الكتلة البرلمانية لنواب الإخوان المسلمين- أنه على استعداد تام هو وكل أعضاء الكتلة الإخوانية طبقًا لتوجهات الجماعة لتبني مشاكل الأقباط والدفاع عنها؛ باعتبارهم فئةً أصيلةً في المجتمع المصري وليست منفصلةً عنه، وانطلاقًا من فكرة الإخوان القائمة على أنهم شركاء في هذا الوطن، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وحل مشاكلهم جزء من حل مشاكل الوطن.

وقال الشاعر إنه تلقَّى طرحًا هادفًا جدًّا من أحد قيادات الأقباط ببورسعيد وهو عادل جرجس مسئول الشباب في الكنيسة، وهو طرحٌ يعرض مشاكل الأقباط وطُرق حلها بشكلٍ يحفظ لهم كرامتهم ويُزيل الاحتقان الموجود في الوطن، تحت دعاوى الفتنة الطائفية، منها على سبيل المثال وجهة نظر جيدة لحل مشكلة الزواج والطلاق عند الأقباط؛ حيث طالب الطرح بأن تعامَل هذه القضية كما تعامل قضية المواريث عند الأقباط والتي استُمدت من الشريعة الإسلامية، وقضايا أخرى مثل قضية أوقاف الأقباط وحل النزاعات والمشاكل الموجودة، مشيرًا إلى أن هذا الطرح الذي قدمه جرجس شارك فيه قطاع كبير من الأقباط.

ولقد أكد جرجس في بداية مذكرته أن الإخوان ظُلِموا من قِبَل الدولة التي وضعتهم في موقف الدفاع، وعاملتهم كأنهم مسجَّلون خطرًا أو قطَّاع طرق, فاضطُّر الإخوان إلي التفرغ للدفاع عن أنفسهم من تهمة غير موجودة من الأساس، وتركوا واجبًا ملقى عليهم في قيادة هذا الوطن، ولعلَّ هذا كما يرى الشاعر ما دفع جرجس إلى لوم الإخوان لقبولهم بموقف المدافع.

وأكد جرجس في مذكرته أن الدولة هي التي تزرع الفتنة بين المسلمين والأقباط، مستدلاًّ بأنه إذا حدثت مشكلة بين مسلم وقبطي فإنهما يذهبان لأمن الدولة فورًا، وهو ما يثير حفيظة المسلم وعزلة القبطي، في الوقت الذي يدعو الإخوان لتبني مبدأ انخراط الأقباط في المجتمع، وأن يشاركوا فيه بما لهم من حقوق وواجبات، وهو طرحٌ يفك العزلة عن الأقباط، وبالتالي إذا حدثت مشكلة بين مسلم وقبطي فإن حلَّها يكون من خلال الشرطة العادية.

وتوقع الشاعر أن يثير تبني الإخوان لمشاكل الأقباط حفيظة الدولة التي تحاول جعل المجتمع على حافة الخطر دائمًا، معتبرةً أن ذلك يقوِّي موقفَها وسيطرتها على السلطة، وتعجَّب الشاعر من المخاوف التي ردَّدها البعض من أن الإخوان ضد الأقباط، وقال إنه كنائب واحد من الإخوان تلقَّى مكتبه أكثر من 400 ألف طلب من أبناء دائرته طوال الخمس سنوات الماضية، منهم حوالي 5000 طلب للأقباط ببورسعيد، موضحًا أن حالته في ذلك ليست فريدةً بل يشاركه كل نواب الإخوان، وهو ما يؤكد أن الأقباط يرون في الحل الإسلامي حلاًّ لمشاكلهم كما كان في الماضي.

الأب نسين: موقف الإخوان من الأقباط أكثر سماحة

الأب الدكتور كرستيان فان نسين راهب في دير الآباء اليسوعيين في شبرا، هولندي الجنسية، ويقيم في مصر منذ عام 1962م، وهو معنيٌّ بالعلاقة الإسلامية المسيحية، ليس من الناحية السياسية ولكن من الناحية الاجتماعية والثقافية بصفته الدينية كراهب كاثوليكي والعلمية بحكم خبراته التي تراكمت لديه؛ باعتبار إقامته ومعايشته لمصر طوال هذه الفترة ولدراساته العلمية كأستاذ فلسفة في كلية العلوم الإنسانية واللاهوتية للأقباط الكاثوليك في المعادي، وشغله لعضوية لجنة الفلسفة في المجلس الأعلى للثقافة ولجنة الفلسفات والديانات بمكتبة الإسكندرية، وعضو هيئة تدريس معهد الدومينكان للدراسات الشرقية للأب جورج فتواي.

ويَعتبر كرستيان العلاقة الإيمانية بين المسيحيين والمسلمين هي قضية حياته ومحور دراساته، وهو ما عالجه باستفاضة في كتاب ألَّفه بالفرنسية بعنوان (مسيحيون ومسلمون إخوة أمام الله) مُهديًا كتابه لزميله الدكتور محمود رجب أستاذ فلسفة كاتبًا: للذكرى محمود رجب أخي في الله الذي كانت صداقته ينبوع هذا الكتاب.

ويحكي في سطورٍ خبراتِه وقناعاتِه في العلاقات المسيحية مع المسلمين، لا سيما أنه حصل على الدكتوراه في الفكر الإسلامي التي كانت بعنوان (مفهوم سنن الله في تفسير المنار للإمام محمد عبده)، وقد توصَّل الأب كرستيان إلى أنه لا قيام لعلاقة متوازنة بين المسلمين والأقباط ما لم ترتكز على أصول المواطنة والمشروع المشترك، وهذا لن يتم إلا عبر تفهمات عميقة وحوارات ولقاءات مستمرة؛ حيث يرى أنَّ هناك مناطقَ التقاء رُوحية مثل الصلاة، وما تُفرزه من ثمرات وتهذيب، كما أنَّ اللقاء بين الجانبين يعمل على إزاحةِ التحفظات الموجودة عند كل طرف، وكيف يمكن التغلب عليها، فأي مشكلة لا بد لها من حوار، وهذا لن يتأتى في رأيه إلا إذا آمنا بأنَّ الإسلام دينٌ له قِيَمُه الروحية والإيمانية، ويجب أن نبتعد عمَّا يُثار حوله من شُبهاتٍ وأفكارٍ سادت العالم بعد 11 سبتمبر سنة 2001م.

تقوية النسيج القومي

في أوائل التسعينيات جاءني زميلٌ مهندسٌ إلى اللجنةِ العلمية في نقابة المهندسين، وقدَّم لي شابًّا لا أعرفه: أُقدم لك المهندس أخنوخ فانوس- رئيس المركز الثقافي الأمريكي بالقاهرة- فسألت الشاب على الفور: أنت ابن المجاهد العظيم لويس فانوس، فأجابني: نعم، المستشار السياسي للإمام الشهيد حسن البنا، استغرب زميلنا الأول، حيث جاء ليعرفني بالرجل فوجدنا قد تعارفنا بظهرِ الغيب، وهنا حكيتُ لهم قصة أعرفها عن البنا وفانوس.

القصة رواها لي الأستاذ عبد الحليم أبو شقة الناشر الشهير، كان ذلك في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي عندما تقدَّم شابان مسيحيان يعيشان في طنطا للانضمام لشعبة الإخوان المسلمين هناك.

وهنا انقسم الإخوان إلى رأيين، رأي يرى أنه لا مانعَ من ذلك، ورأي يعارض هذا الانضمام، أرسلوا رسالةً للإمامِ البنا يطلبون منه الرأي، مضى شهرٌ أو أكثر، ولم يصل الرد، ولكن فاجأهم الأستاذ البنا عندما دعوه في المولد النبوي أن حضر وأحضر معه صديقه ومستشاره السياسي الأستاذ لويس فانوس، وتحدَّث يومها في الحفل الأستاذ لويس من روحٍ مصريةٍ تؤمن بأنَّ مصر تملك حضارةً عربيةً إسلاميةً تدعو المسلم والمسيحي أن يستمسك بها ويعيش في رحابها، ويعمل على رفعةِ بلده في ظلها، بعد الحفل اجتمع الإخوان بمرشدهم وسألوه الرأي في المشكلة القديمة، فقال لهم: إنه أرسل الرد بالموافقة من قبل، ولكن يبدو أنَّ الرد وقع في أيدي المعارضين فخافوا أن يكون في الأمرِ لبسٌ فانتظروا، والأستاذ البنا لم يكن له مستشار مسيحي واحد، وإنما كانت له مجموعة من القيادات المسيحية تُعينه على اتخاذ المواقفِ الوطنية السديدة، فالبنا يريد أن ينهضَ بالوطن كله لا بجزءٍ منه، وهو في حاجةٍ إلى كل يد تبني معه، مع احترام عقائد الجميع(1).


الهامش

(1) التربية الحضارية عند الإمام البنا- د. سيد دسوقي (7/12/2006م).


مراجع البحث

1- القرآن الكريم .

2- مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا:

3- مذكرات الدعوة والداعية- حسن البنا.

4- خطاب الإمام حسن البنا في اجتماع رؤساء المناطق.

5- أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين- جمعة أمين.

6- تطور الحركة الوطنية في مصر (1918-1936م)- عبد العظيم رمضان.

7- النظام الدستوري المصري- د. مصطفى أبو زيد فهمي.

8- عمر بن الخطاب وأصول علم السياسة والإدارية الحديثة- سليمان الطحاوي.

9- التجربة السياسية للحركة الإسلامية المعاصرة- د. فتحي عثمان.

10- في أعقاب الثورة المصرية- عبد الرحمن الرافعي.

11- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر- محمد محمد حسين.

12- الغارة على العالم الإسلامي- أ.ل. شاتليه.

13- عمر التلمساني شاهداً على العصر- إبراهيم قاعود.

14- خمسون عاماً على استشهاد حسن البنا- د. محمد عمارة.

15- الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر- المستشار طارق البشري.

16- حسن البنا رجل على موعد- أيمن حمودة.

17- الإخوان المسلمون- محمد فريد عبد الخالق.

18- الإخوان المسلمون في 70 عاماً في الدعوة والتربية والجهاد- د. يوسف القرضاوي.

19- الإخوان المسلمون- ريتشارد ميتشل.

20- قائد الدعوة- أنور الجندي.

21- الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية- إسحاق موسى الحسيني.

22- ظروف النشأة وشخصية الإمام المؤسس- جمعة أمين.

23- روح وريحان- أحمد أنس الحجاجي .

24- الإخوان المسلمون والمجتمع المصري- محمد شوقي زكي .

25- الإمام الشهيد حسن البنا- عبد المتعال الجبري .

26- الإمام الشهيد حسن البنا- د. جابر قميحة .

27- لماذ أغتيل الإمام حسن البنا- عبد المتعال الجبري .

28- الملهم الموهوب حسن البنا أستاذ الجيل- عمر التلمساني.

29- كبرى الحركات الإسلامية- د. محمد السيد الوكيل .

30- النقط فوق الحروف- أحمد عادل كمال.

31- دراسة عن التجديد عند الإمام حسن البنا- د. محمد عمارة.

32- الإسلام والديمقراطية- فهمي هويدي.

33- الإسلام وحقوق الإنسان- د. القطب محمد طبيلة.

34- تحديات سياسية تواجه الحركات الإسلامية- مصطفى محمد الطحان.

35- الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية- د. زكريا سليمان بيومي.

36- حسن البنا الرجل القرآني- روبير جاكسون.

37- 25 عاماً في جماعة الإخوان- حسن دوح.

38- موسوعة التاريخ الإسلامي- د. أحمد شلبي.

39- أحداث صنعت التاريخ- محمود عبد الحليم.

40- الحركة الإسلامية وقضية فلسطين- زياد أبو غنيمة.

41- التربية السياسية عند الإخوان المسلمين- عثمان عبد المعز رسلان.

42- الإخوان المسلمون في كتابات الغربيين- زياد أبو غنيمة.

43- صفحات من جهاد الشباب المسلم- حسن دوح.

44- التربية الحضارية عند الإمام البنا- د. سيد دسوقي.

45- جريدة الشرق الأوسط.

46- جريدة الإخوان الأسبوعية.

47- مجلة الدعوة.

48- جريدة الإخوان.

49- الشيخ حسن البنا ومدرسة الإخوان المسلمين- د رؤوف شلبي.

كتب للمؤلف

دراسات طلابية

1- الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية في خمسة عشر عاماً.

2- الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية في20 عاماً.

3- الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية في 33 عاماً.

4- دليل العمل الطلابي.

5- دليل العمل الطلابي الثانوي.

حاضر العالم الإسلامي

6- الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا.

7- حاضر العالم الإسلامي – 1991م.

8- حاضر العالم الإسلامي – 1992م.

9- مستقبل الإسلام في القوقاز وبلاد ما وراء النهر.

10- فلسطين والمؤامرة الكبرى.

11- كيف نعالج المجاعة في أفريقيا (الظاهرة والحل).

12- الإسلام دعوة التحرير.

13- رسالة المسلمين في بلاد الغرب.

الفكر الإسلامي

14- الفكر الحركي بين الأصالة والانحراف.

15- الفكر الإسلامي الوسط (دراسة في فكر الإخوان المسلمين).

16- القيادة في العمل الإسلامي.

17- نظرات في واقع الدعوة والدعاة.

18- تحديات سياسية تواجه الحركة الإسلامية.

19- نظرات في واقع المسلمين السياسي.

20- القومية بين النظرية والتطبيق.

21- العولمة تعيد صياغة العالم.

كتب في التربية

22- في التدريب التربوي.

23- التربية ودورها في تشكيل السلوك.

24- معالم تربوية (التربية بالقصة) - الجزء الأول.

25- معالم تربوية (التربية بالقدوة) – الجزء الثاني.

كتب في المرأة

26- المرأة في موكب الدعوة.

27- أمهات المؤمنين في مدرسة النبوة.

سلسلة توحيد المفاهيم

28- دور الشباب المسلم في إعادة بناء الأمة.

29- النظام الإسلامي منهاج متفرد.

30- الصراع الحضاري ودور الشباب المسلم.

31- الإسلام والتعامل مع الآخر.

32- إدارة الوقت.

33- آداب السلوك في الإسلام.

34- القدس والتحدي الحضاري.

35- العمل الجماعي (أهميته ومشروعيته).

36- الشورى ودورها في إصلاح الفرد والمجتمع.

37- ماذا بعد أحداث سبتمبر؟.

38- كيف تواجه الأمة المسلمة التحدي الصهيوني.

39- بشائر النصر.

40- رد على كتاب آيات شيطانية.

موسوعة الحركات الإسلامية في العالم

41- الإخوان المسلمون في مصر.

42- الإخوان المسلمون في سوريا ولبنان.

43- جماعات إسلامية معاصرة (الجزء الثالث).

خلافة راشدة على منهاج النبوة

44- أبو بكر الصديق.

أوراق مسافر

45- طفل من القرية (الجزء الأول).

46- تركيا التي عرفت من السلطان إلى نجم الدين أربكان (الجزء الثاني).

كتب حول الشخصية الإسلامية

47- شخصية المسلم المعاصر.

48- صفات الداعية المسلم.