الاتجاهات المعاصرة في أيديولوجية الإخوان المسلمين في مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٨:٥٢، ٤ يوليو ٢٠١٢ للمستخدم Sherifmounir (نقاش | مساهمات) (خاتمة)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الاتجاهات المعاصرة في أيديولوجية الإخوان المسلمين في مصر

د/ إسرائيل إيلاد ألتمان

توطئة

رمزالاخوان المسلمون.jpg

ساعدت الحملة الأمريكية للإصلاح والدمقرطة في السنتين الأخيرتين علي إيجاد واقع سياسي جديد في مصر، وأتاحت فرصا للانشقاق. وبدعم أمريكي أوروبي فإن جماعات المعارضة المحلية كانت قادرة علي اتخاذ المبادرة، بدعم من الدولة. أما عن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة كتنظيم سياسي، فهي الآن بين جماعات تواجه كلا من الفرص المتاحة والمخاطر الجديدة.

وتعتبر الحكومات الغربية ــ ومن بينها حكومة الولايات المتحدة ــ الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية المعتدلة الأخري شركاء في إحلال الديمقراطية في بلادهم، وربما القضاء علي الإرهاب الإسلامي.

فهل يمكن للإخوان القيام بهذا الدور؟ وهل يمكنها أن تخطو خطو حزب العدالة والتنمية التركي وحزب العدالة الإندونيسي، فهذين الحزبين يتكيفان بنجاح مع مبادئ الديمقراطية الليبرالية وقادا أوطانهما تجاه تضامن أكبر واحترام لأوروبا والوثنية الأسيوية؟

وقد أوضح المقال كيف تعامل الإخوان المسلمون مع الواقع الجديد، وكيف قبلت التحديات الأيديولوجية والعملية وتجاوزت العقبات التي ظهرت أمامها في السنتين الماضيتين. إلي أي مدي تعاملت الحركة مع وجهة نظرها في الظروف الجديدة؟ ما هي أهدافها ورؤيتها من الناحية السياسية؟ كيف أثرت علي الرؤي الأمريكية والحملة الأمريكية للدمقرطة والإصلاح؟ وكيف تبني علاقاتها مع النظام المصري من ناحية ومع القوي المعارضة من ناحية أخري، بينما تتجه البلاد إلي اثنين من الانتخابات الدرامية في خريف 2005؟ إلي أي مدي يمكن اعتبار الإخوان قوة يمكنها أن تقود مصر إلي الديمقراطية الليبرالية؟


رؤية التاسيس

الاخوان المسلمون 2.jpg

نشرت خمس وثائق في موقع الإخوان المسلمين الرسمي ( إخوان أون لاين )، ونسبت إلي الشيخ حسن البنا مؤسس الجماعة تصريحا صريحا بأهداف الجماعة وركائزها. وعرفت الوثائق الإخوان علي أنهم مجتمع للمسلمين الخاضعين لحكم الله يريد إحياء الإسلام ويحقق هدفين أساسيين:

تحرير الأراضي الإسلامية من أي حكم أجنبي وإقامة دولة إسلامية حرة علي هذه الأراضي الحرة تتبع أحكام الإسلام وتنفذ أوامره في المجتمع وتنشر مبادئه. ولتحقيق هذه الأهداف يجب أن يحقق الإخوان سبعة أهداف ملحة وهي التي وضعها البنا وتوارثها من بعده.

أما الأولوية الأساسية فهي بناء الشخصية المسلمة؛ ومن ثم التركيز علي الأسرة المسلمة التي تؤدي إلي مجتمع مسلم يمكنه اختيار حكومة مسلمة. وبالتمسك بشرع الله يمكن إنشاء حكومة مسلمة ودولة مسلمة تحرر الأراضي الإسلامية المحتلة وتوحد جميع الدول الإسلامية.

وهدف هذا التوحد هو نشر الإسلام حول العالم. وقال البنا أن الإسلام وحده قادر علي حل مشاكل الأمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية منها والخارجية، كما أن العمل علي إقامة حكومة إسلامية يعد فريضة دينية.


الرأي والرأي الآخر داخل الجماعة

أصدر مهدي عاكف رسالة رسالة بعنوان " الإخوان المسلمين: النظر للمواقف الصريحة والقضايا الخاصة." وقد بدأ رسالته بسؤال" من نحن، وماذا نريد؟ وكرر عاكف أهداف الإخوان التي ذكرها البنا مسبقا. وبعد شهرين كرر بعض النقاط التي ذكرت في الرسالة مرة أخري.

لماذا أصدر عاكف مثل هذه الرسالة؟ لماذا يجب أن يذكر الإخوان بهويتهم وأهدافهم؟ وفي الوقت نفسه، تعد مظاهرات الشوارع إشارة جديدة لتغير استراتيجية الجماعة كما أنها تثير التساؤلات، داخل الجماعة وخارجها حول أهداف ومطالب المظاهرات. ولمدة عقدين كان هناك خلاف أيديولوجي بين مجموعتين يمثلان جيلان مختلفان داخل الجماعة.

فالرعيل الأول قد عاني الاضطهاد داخل سجون عبد الناصر. وقد كان عاكف عضوا في الجماعة قبل اغتيال البنا عام 1949، وقد حكم عليه بالإعدام بعد فشل محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954، وسجن حتي عام 1974. فعاكف ومن معه من أبناء جيله أكثر حماسة ومحافظة علي القديم من الدعوة ويريدون الحفاظ علي وحدة الجماعة.

أما الجيل الثاني ( جيل الوسط ) وقد تتلمذوا علي أيدي الإخوان في السبعينيات، عندما سمح لهم أنور السادات بالعمل داخل الحرم الجامعي؛ والعديد من ممثلي هذا الجيل يريدون التغيير.

وقد حققوا أههمية كبيرة في المجال السياسي أكثر من المجال الدعوي للجماعة، فنظرتهم تري مصر أكثر من كونها دولة إسلامية بفكر الإخوان وتبرز فائدة التحالف مع الأحزاب السياسية الأخري. أما الرعيل الأول ففي شك عظيم من الجماعات الأخري ولا يتسامحون مع من نافسوهم في السابق من ناصريين والقوميين العرب والماركسين.

وقد أدت سيطرة الرعيل الأول علي القيادة إلي خروج أعضاء من الجيل الثاني وتشكيلهم لحزب الوسط في عام 1995، كما بقي العديد داخل الجماعة؛ ومن بينهم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح واحد من أهم أعضاء الجماعة وقد نصب كمتحدث رسمي باسم الإصلاحيين في جيل الوسط وعضو مكتب إرشاد.

ويؤكد علي أن المنهج الإسلامي ليس مقدسا فهو يعتمد علي الاجتهاد ويمكن مراجعته وتعديله.

كما أن حجج الإسلاميين قائمة علي الفهم البشري وليس علي الفهم الإسلامي. وعلي غير عادة الإسلاميين يري أبو الفتوح الديمقراطية أكثر من كونها وسيلة حتمية للوصول للسلطة: إنها الثمرة الوحيدة ذات القيمة الجوهرية لخبرة الإنسان.

ويرفض أبو الفتوح الشكل الديني للديمقراطية. فالديمقراطية عنده هي حكم الشعب وليس حكم الشعب بشريعة الله.

ويري أبو الفتوح أن الخلافة هي أمر سياسي أكثر من كونه أمرا دينيا. ففي الوقت الحالي تعد نوعا من الوحدة السياسية، مثل الاتحاد الأوروبي. وهذه الرؤية تتعارض مع فهم الإخوان أنفسهم فمصادر السنة تقول بمرجعية الدين، والتي يمكنها إعادة الخلافة.

وبالنسبة لمفكري الإخوان فمناطق الضعف المشتركة بين مؤسسات السنة والشيعة تجعل من إقامة الخلافة قضية حرجة. كما سيظل الهدف الرئيسي للجماعة هو إعادة إنشاء سلطة لها مرجعية دينية.

وبالابتعاد العنصري عن هذه الرؤية يؤيد أبو الفتوح والمتحالفين معه المواطنة الشمولية والسياسية لجميع قوميات الوطن، مع عدم وضع الدين في الاعتبار وتداول السلطة حسب اختيار الناس. ومن المقبول عندهم أن ينتخب مسيحي للسلطة في مجتمع أغلبه من المسلمين.

وعلاوة علي ذلك، يريد أبو الفتوح أن يغير شكل الجماعة الحالي لإلغاء جميع النشاطات الظاهرة والباطنة ومن ضمنها التورط في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. ويريد أن تكون الجماعة هي الحزب المصري السياسي البديل، ومنفتح علي الرؤية الشعبية بشكل تام.

ولم تأتي مقاومة التغيير من قبل الرعيل الاول فقط، بل من النظام نفسه أيضا. وادعي أيضا أن قمع الحكومة لنشاطات الإخوان قد توجه في البداية للإصلاحيين، مقترحا أن النظام يتآمر مع الجماعة للوقوف أمام تحولها لأكثر من اتجاه ديمقراطي.

ومن جانبه، تبني محمد عاكف في تصريحاته الهدف الأم لجماعة الإخوان وهو تحرير الأراضي الإسلامية وإقامة دولة إسلامية حرة. وأكد عاكف علي أن الإخوان يؤمنون بأن مبادئ الإسلام ووصاياه تقدم طرقا لا تقبل الجدال في تنظيم شؤون الشعوب في هذا الزمان وغيره. كما أن طبيعة الإسلام ككل وكونه مبدأ لا يتجزأ لا يمكن التسليم به:

"يجب أن يعمل بهذا الدين ككل، فكل جزء منه يخدم الآخر. فالعقيدة والشريعة والعبادات جزء واحد لا يتجزأ، وبالفعل فمن المستحيل فصل الدين عن السياسة أو فصل الدين عن الدولة. ولا يمكن فصل القيادة الدينية عن السياسية. هذا هو اعتقاد الإخوان."

وتكلم محمود عزت أمين عام الجماعة بهذا الصدد. فالحرية عند عاكف هي الالتزام بالشريعة، ولا يجوز أن يتعارض حق الشعب في أن يحكم نفسه مع الشريعة الإسلامية. فالإنسان لا يمكنه تحليل الحرام وتحريم الحلال مثل الزني والخمر. وعندما سئل عاكف كم عدد المصريين الذين يريدون العيش في ظل الشريعة، فرد قائلا أن الشعب المصري بأكمله يريد ذلك.

التغيير وعدم التغيير

وبالرغم من دفاعهم عن مبادئ تأسيس الجماعة فإن الرعيل الأول لم يكن محميا من الضغوطات التي قدمتها مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي تقودها أمريكا. وفي محاولة رسمية للتوافق مع أيديولوجية الإخوان، في 3 مارس 2004، في تحديها الجديد للديمقراطية.

وقد كشف عاكف النقاب عن مبادرة الجماعة للإصلاح، بعد فترة قصيرة من اعتلائه منصب المرشد. ويؤكد قطاع الإصلاح السياسي داخل الجماعة علي دعم الإخوان للقرار السياسي الديمقراطي الدستوري البرلماني والجمهوري في إطار عمل المبادئ الإسلامية.

وأكدوا علي أن الشعب هو مصدر السلطة إذا ما أتت من رغبة شعبية حرة وحقيقية. وأكد علي التزام الإخوان بمبدأ تداول السلطة علي الجميع من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

إن هذه الصياغات صممت من أجل الرد علي الناقدين الذين ترمون إلي اعتناق الإخوان لفكرة التلازم بين السياسة والدين والتي تؤكد لنا حقيقة هدف الإخوان في إقامة دولة دينية، ويوضح أن الموافقة علي شمولية السياسة وتبادل السلطة ما هي إلا خديعة.

ولأن الإخوان يمثلون الإسلام، استنتج هؤلاء النقاد أنهم يجب أن يرونهم بعين المنافسة الإسلامية وليس السياسية. ولن تسمح الجماعة مرة أخري بعمل انتخابات حرة، حال وصولها للسلطة، فضياع السلطة من أيديهم مرة أخري يعني حكومة غير إسلامية.

وقال أبو الفتوح في الرد علي الانتقادات أن الاتجاه الإسلامي ليس مقدسا، بل أنه مقدم من قبل الاجتهاد البشري. وعلي أي حال، لم تتبني الجماعة ككل هذا الموقف.

ولم يقل الإخوان أنهم يريدون إقامة دولة دينية أو حتي حكومة دينية، بل قالوا أنهم يريدون إقامة دولة مدنية وحكومة مدنية يكون الإسلام فيها مصدرا للسلطة. وبذلك تكون الشريعة هي المصدر الأعلي والروحي للسلطة، حيث تقوم الحكومة بأخذ سلطتها من الشعب الذي تحكمه.

وقد تناولت النصوص السابقة قلب المشكلة. فكما صرح الإخوان، فالدولة الإسلامية يجب أن تنفذ الشريعة وتنشر الإسلام، وبذلك تكون دولة دينية.

وفي الحقيقة، فإن مبادرة الإخوان للإصلاح في مارس 2004 صرحت في مقدمتها أن هدف الإصلاح هو إقامة الشريعة. ومن ثم ذكرت المبادرة:

"أملنا هو تحقيق الازدهار في جميع مجالات الحياة بالرجوع لديننا وإقامة شرعتنا.لنا مهمة واضحة، نعمل من أجل إقامة شرع الله بإيماننا بأنه الحق والحل لجميع مشكلاتنا الداخلية والخارجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

والسبيل لذلك يكون بصنع الفرد المسلم في الوطن المسلم وحكومة مسلمة فنحصل علي دولة مسلمة تقود الدول الإسلامية وتعيد توحد المسلمين وتعيد مجدهم وأراضيهم المسلوبة وأوطانهم المغتصبةوتحمل لواء الدعوة لتجعل العالم سعيدا بالإسلام وتعاليمه."

هذا العرض الجلي لأهداف الإخوان في مبادرة الإصلاح جعلت من الواضح أن هذه الأهداف تبقي ركيزة في الموقف الرسمي الحالي للإخوان المسلمين. ومنذ إعلان المبادرة لم تصدر أي واحدة أخري.

حزب الإخوان السياسي

الاقتراع علي قرار انشاء حزب

وبعد أعوام من التناظر الداخلي أدركت الجماعة الحكمة من تشكيلها حزب سياسي. وللتغلب علي معارضة القانون للأحزاب الدينية؛ وافقت قيادة الإخوان علي فكرة تقدم الإخوان كحزب له صفة مدنية بسلطة إسلامية.

أما رؤية أبو الفتوح عن حزب للإخوان المسلمين كبديل للجماعة فهي مختلفة ويقول أن عاكف أراد بهذا الحزب أن يساند الجماعة. وأكد علي أن الإخوان يجب أن يظلوا مؤسسة إسلامية عامة وأن يكون الحزب خادما لاهدافها السياسية.

وتبني أن الحزب السياسي لا يستطيع تأدية مهمة الجماعة والوظائف الاجتماعية والتعليمية. ويمكن للإخوان أن يواصلوا مفاهيمهم الدولية في مهام العمل وتحالفاتها مع التنظيم الدولي للإخوان عن طريق المحافظة علي الشكل غير الحزبي.

ومن المهم أن نذكر أن مهدي عاكف عمل مديرا للمركز الإسلامي للإخوان في ميونخ ــ القلعة الأولي للمسلمين في أوروبا ــ منذ عام 1980 وحتي 1986، وكان علي علاقة وثيقة بفروع الإخوان الدولية.

وبالرغم من رفض أبو الفتوح لإقرار هذه الأبعاد الدولية للإخوان إضافة إلي عناصر أخري مهمة في أيديولوجيتها، فإن الإخوان يحافظون علي وحدتهم. وعند سؤاله في حوار مفتوح علي موقع للإسلاميين عن عدم الاتفاق حول الإصلاح السياسي داخل مكتب الإرشاد، رد أبو الفتوح قائلا:

"ليس هناك اختلافات في الرؤي داخل مكتب الإرشاد حول طبيعة الإصلاح. رؤيتنا كإخوان مسلمون تحترم الإصلاح ونوافق جميعا ما ذكر في مبادرة الإصلاح التي أعدها المرشد العام، فهي تبين مواقفنا جميعا وليس هناك مجال لعدم الاتفاق حول الإصلاح السياسي."

توحد العداء للولايات المتحدة

أما بالنسبة لموقف الإخوان من برنامج الولايات المتحدة للإصلاح والدمقرطة فقد أوجد قليل من التناظر المفتوح. كما أن تصريحات عاكف في السنتين الماضيتين تجعل من الواضح أن الإخوان يرفضون فكرة تبني الولايات المتحدة للإصلاح أو الديمقراطية في المنطقة.ويرون المشروع الأمريكي علي أنه محاولة لسرقة البلاد وزعزعة إيمان العرب والمسلمين وانتزاع هويتهم.

ووفقا لما قاله عاكف فإن أزمة دارفور ما هي إلا مخطط أمريكي صهيوني وجد لخلق نزاعات داخلية في السودان وتقسيمها لأجزاء صغيرة وسرقة ثرواتها. وصرح متحدث آخر باسم الجماعة أن حملة الإصلاح الأمريكية هي جزء من الحرب الدينية ضد الإسلام.

ومن أهدافهم تحقيق السيطرة علي قلوب العرب والمسلمين وعقولهم والتي تجلت بالضغوط المبذولة علي حكومات الشرق الأوسط لتغيير المناهج المدرسية.

وعرض عاكف تقاريرا عن اللجنة الأمريكية لحرية الأديان الدولية والتي تناقش وضع حرية الأديان في مصر وتعد تدخلا أمريكيا سافرا في الشؤون الداخلية لمصر، وقد ساءه طلب اللجنة تغيير الدستور المصري. وبهذا يمكن ضمان أن يرجع أي أحد عن اعتقاده ويؤمن بأي دين آخر وقت ما شاء، وبهذا يلغي حد الردة.

وفي رسالة أخري لأتباعة أدرج عاكف المبادرة الأمريكية الجديدة في نص تاريخي واصفا إياها بأنها آخر إطار عمل لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة. ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت الولايات المتحدة القوة الأكبر في العالم وتمكنت مع حلفائها الغربيين من استهداف العالم الإسلامي؛ بذريعة الحرب علي الإرهاب.

وبذلك احتلت أفغانستان والعراق وأطلقت يد الكيان الصهيوني في اضطهاد الفلسطينيين وازداد تدخلهم في شؤون البلدان الإسلامية للسيطرة علي هويتها وثقافتها.

وأكد عاكف، " الأكثر من ذلك، أن العولمة مكنت الغرب من أن يطغي علي إقتصاديات الدول الإسلامية." وتعزز الولايات المتحدة العلمانية والتحرر السياسي وحرية الاقتصاد في العالم لتقوية سلطتها. وسوف توجد بعض الزيادة الاقتصادية في الدول النامية تغيرا تجاريا عالميا بشكل يضمن العلو الأمريكي وسيطرتها.

ولا تهدف السياسة الأمريكية لتغيير الحكومات والأنظمة فقط، بل الأكثر أهمية هو تغيير هويات المجتمعات أيضا. أما الآن فالصراع قائم بين المشروع الثقافي الغربي والمشروع الثقافي الإسلامي.

أرضية مشتركة؟

وبهذا الإتجاه, هل لا زالت هناك مساحة لعقد حوار مجدي بين الإخوان والولايات المتحدة؟ فلقاءات الإخوان مع ممثلي بعض الحكومات يمكن أن تفهم أنها غير شرعية ما دامت تعقد في غياب المسئولين الرسميين.

كما أن هناك تقارير تشير إلي بعض اللقاءات التي تمت بين شخصيات إخوانية وممثلين عن بعض السفارات الأوروبية في القاهرة أدت إلي موجة إعتقالات من قبل النظام لأعضاء في الجماعة.إدراكاً منه لحجم الخطر, قام المتحدث باسم الجماعة بإنكار أي علاقة أو إتصال بمسئولين أمريكان, علي لارغم من أن تلك الإجتماعات قد تمت بالفعل.

بغض النظر عن حالة العداء المستحكم من قبل الإخوان تجاه الولايات المتحدة, إلا أن هذا الخطر يعتبر حجر عثرة في طريق الحوار في الوقت الحالي. وقد صرح عاكف في وقت مضى أنه في حال وصول الإخوان للحكم أو كانوا جزءاً منه, فإن الجماعة ستشرع في فتح باب للحوار مع الولايات المتحدة في حال غيرت أمريكا من مواقفها العدائية تجاه الإسلام والشرق الأوسط.

من جانبه, أكد أبو الفتوح أن الصراع مع الولايات المتحدة في حد ذاته لا يجوز أن يكون حاجزاً عن التحاور, فالنبي محمد صلي الله عليه وسلم كان يجلس مع الكفار والمرتدين. والإخوان, علي حد قوله, لم يتعاطوا مع هذا الحوار لسبب آخر هو عدم جدوى هذا الحوار.

فمصر لن تستفيد من هذا الحوار. "فأي حوار ممكن في المستقبل لابد ألا يكون تعدياً علي استقلال مصر أو مصالحها السياسية والاقتصادية العظمى أو ثقافتها أو حضارتها أو مبادئها وقيمها."

نفس النظرة التي تتحدث عن عبثية الحوار في هذا الوقت تم تبنيها من قبل متحدث الجيل الثاني من الإخوان عصام العريان. فالعريان يرفض كل اقتراحات الإدارة الأمريكية ويصمها بـ "المنافقة", متسائلاً:

"هل سيقبل الغرب بنموذج ديموقراطي مختلف في البلدان الإسلامية, نموذجاً يعتبر فيه الإسلام مرجعية ويأتي فيه الدين أحد أهم لباب السياسة ويمارس فيه الشعوب نفوذها في تعيين ومراقبة وعزل الحاكم والحاكمية فيه للشريعة؟"

وهل سيقبل الغرب نموذجاً إسلامياً يعطي الشعوب الحق في إنتخاب هيئات تشريعية ومجالس الدولة والأجهزة المحلية للتشريع في إطار المرجعية الإسلامية حتى لا تقر الهيئات التشريعية أمراً رفضه الشرع أو تنهى عن أمرٍ حض عليه الشرع؟"

السياسة الواقعية

احدي مظاهرات الإخوان في 2005

في السابع والعشرين من مارس للعام 2005, نظم الإخوان المسلمون مظاهرة في شوارع القاهرة مطالبين بضرورة الإصلاحات السياسية.

وقد كانت هي التظاهرة الأولى التي تمس شئون داخلية منذ أن وصل مبارك للسلطة في مصر, كما بدأت سلسلة من التظاهرات في القاهرة والأقاليم أثارت موجة من الإعتقالات لأكثر من 1500 عضو في الإخوان منهم أعضاء بارزين في الجماعة.

وهذه التطورات خلقت ما يشبه هدنة غير رسمية وطويلة الأمد بين الجماعة والنظام, سمح للجماعة من خلالها بممارسة أعمالها الدعوية بذات القدر الذي أحجمت فيه الجماعة عن منافسة النظام علي الساحة السياسية.

فجاءت هذه التظاهرات لتثبت للكثيرين أن الجماعة قد تخلت عن استراتيجيتها التقليدية في تفادي المواجهات الصريحة مع الدولة المصرية.

وبمجيء صيف 2005, انتهت مظاهرات الإخوان. فلماذا إذن وضعوها في المرتبة الأولى ثم إلتفوا عليها ومنعوها؟ من البداية, كانت هناك مؤشرات توحي بعدم رغبة الإخوان في الصدام الكلي مع السلطة: فكانت المظاهرات تشجب سياسات مبارك وعدم التطرق لشخصه ولم يكن أعداد المتظاهرين كبير.

فمع أول مظاهرة خرجت, صرح مرشد الجماعة عاكف ونائبه محمد حبيب في 29 و 30 مارس 2005 أنه من الممكن أن يساند الإخوان مبارك أو ابنه للكرسي الرئاسي, بشرط ضمان نزاهة الانتخابات وعدم عرقلتها باستخدام قوانين الطوارئ (فهذه القوانين التي أقرت في 1967 وزالت عام 1980 ثم أعيد فرضها عام 1981 بعد مقتل الرئيس السادات تمنح السلطات الحق في اعتقال الأشخاص الذي يظن فيهم أنهم تهديد للأمن القومي بدون تهمة, وتحويلهم المدنيين لمجالس عسكرية, وكذلك منع التظاهرات العامة).

لقد اختارت قيادة الجماعة تنظيم هذه المظاهرات فقط لتلطيف قواعد الجماعة التي أثرت فيها مظاهرات "كفاية" والذين أفزعهم غياب الجماعة عن هذه التظاهرات الجماهيرية.

وطبقاً لما أوردته الجماعة, فإن القيادة قد أخبرت السلطات مسبقاً بوقت ومكان وعدد المشاركين في المظاهرات. وعلي الرغم من ذلك, فإن السلطات قمعتهم وقامت بحملات إعتقالات واسعة شملت محمود عزت وعصام العريان.

ويبدو أن الإخوان قد عقدوا صفقة مع النظام يتم بموجبها التسريح التدريجي للمعتقلين (من الصف أولاً حتى يبدو وكأنه غطاء للصفقة)؛ مع استمرار في عقد تظاهرات صغيرة تسكن بها القواعد. ويتم الترتيب لهذه المظاهرات مع السلطات وبدون أي تنسيق مع أي جماعة معارضة أخرى, كما أن من شروط الصفقة ألا تقوم الجماعة بدعم أي من مرشحي الرئاسة المعارضين.

من جانبهم, نفت قيادات الإخوان وجود مثل هذه الصفقة, إلا أنهم فشلوا في البرهنة علي إنهائهم للمظاهرات العامة. فمعتقلي الإخوان قد خرجوا من السجون علي أية حال بكثافة شديدة وتركت القيادات لتخرج في النهاية.

فبالإفراج عن عصام العريان في 16 أكتوبر 2005, لم يعد داخل السجون أي عضو من الإخوان للمرة الأولى منذ 1995.

وقد تردد أن ناشطي الإخوان الأكثر تعصباً والأصغر سناً قد استمروا في دعمهم وتواجدهم في المظاهرات, تماماً كما فعل آخرون ينتمون للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

مناورات انتخابية

إن تعامل الإخوان المشوش للمظاهرات مرتبط تماماً بمناورات إنتخابات سبتمبر الرئاسية 2005. ففي البداية, اتفق الإخوان مع حركة كفاية وأحزاب التجمع والناصري بمقاطعة الإنتخابات, كما فعلت مع الاستفتاء علي تعديل المادة (76) من الدستور.

ومن غير المدهش أن يكون أبو الفتوح هو المنسق الذي يختاره الإخوان للترتيب مع تجمعات المعارضة.إلا أن قيادة الإخوان أصدرت يوم 21 أغسطس بياناً تتراجع فيه عن الإتفاق وتدعوا جموع الإخوان والشعب المصري بأسره للمشاركة في هذه الانتخابات.

ففي حين البيان قال أن أعضاء الجماعة من حقهم التصويت لمن يريدون من المرشحين, إلا أن دعوته لعدم مساندة الاستبداد والفساد تحمل رسالة واضحة لأعضائها بعدم التصويت لمبارك.

ولأن معدل المشاركة كان الأكثر أهمية بالنسبة للنظام أكثر من فوز مبارك, فقد خدم هذا التحول التكتيكي النظام أيما خدمة.

ولقد فسرت قيادات الإخوان هذا الموقف بطرق براجماتية. ففي حين أن الجماعة قاطعت استفتاء تعديل المادة 76 من الدستور, إلا أن تمرير المادة بهذه السهولة جعل الإخوان أكثر حرصاً علي كسر إحتكار الحزب الحاكم للانتخابات.

ولقد لقى هذا الرأي انتقادات من الصف الإخواني. فالكثيرون منهم قالوا بأن كسر مقاطعة الانتخابات من قبل كبرى الجماعات المعارضة قد أتاح للانتخابات والنظام شرعية لا يستحقها.فطبقاً لتقرير صدر في هذا الخصوص, فإن ثلثي أعضاء الإخوان كانوا من المؤيدين للمقاطعة.

إن التحول التكتيكيللإخوان في إنتخابات الرئاسة يبرهن علي تذبذب الجماعة بين إتجاهين متنافسين: إتجاهها السياسي الذي قادها, علي الأقل مؤقتاً, للانضمام لجماعات المعارضة في محاولة منها لإحداث تغير سياسي؛ وإتجاهها الدعوي الذي جعل من غير المحبذ لدى القيادة المخاطرة بخطة الجماعة الطويلة الأمد لأسلمة المجتمع من أجل مكاسب سياسية قصيرة.

وقد كشفت إنتخابات سبتمبر, كما حدث في مواقف أخرى, أن الجانب الدعوي الممثل في المرشد عاكف دائما ما يستطيع التفوق علي الجانب السياسي الذي يمثله أبو الفتوح.

وبإقتراب الانتخابات البرلمانية للعام 2005, أعلن الإخوان أن مرشحيهم سيدخلون الانتخابات كأعضاء في الإخوان, ليسوا تحت "التيار الإسلامي" الذي درجت الجماعة علي رفعه كلقب لهم خلال الخمسة عشر عاماً الماضية.

وبالمثل, عرف ناشطي الجمعة أنفسهم علي أنهم "إخوان مسلمين." فهذه الإجراءات تبدو وكأنها مسعى من قبل الجماعة لكسب إعتراف رسمي علي أنها تنظيم سياسي شرعي, يمثل تحدياً للسلطة. وحتى خوضها لهذا التحدي, فإن الجماعة أعلنت عن نيتها عدم تسمية مرشحين لها في الدوائر التي تضم رجال دولة كبار, كإيحاء للحكومة.

خاتمة

إن قرارات والتصريحات الرسمية لقيادات الإخوان تعكس غلبة التوجه الدعوي للجماعة. فالحرس القديم الذي استاء من فكرة المواجهات الحاسمة مع النظام قد أحبط محاولات متكررة من قبل الجيل الثاني والشباب الإخواني الغير صبور لمواجهة النظام بطريقة مباشرة.

فمن أجل حماية بقاء الحركة, تأخذ الرسالة الدعوية والحرص علي إقامة دولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الأولوية.

وعلي الرغم من إبداء الجيل الثاني اتجاهاً أكثر براجماتية, إلا أنه لا يجوز أن ندعي أن الإخوان سيكونوا يوماً ما حركة ديموقراطية ليبرالية حتى يغيب الحرس القديم عن الساحة.

إلا أن هذا لا يعني أن قيادات الجيل الثاني قد تخلوا عن مباديء الإخوان أو تركوا الجماعة أو حتى انضموا لحزب الوسط, الذي يعتبر الحزب المصري الموازي أيديولوجياً لحزب العدالة والتنمية التركي.

معلقاً علي فوز حزب العدالة في الانتخابات, صرح عصام العريان بأن حزب العدالة ليس حزباً إسلامياً. فهو حزب تخلي عن إسلاميته في مقابل ما يسمى بـ "العلمانية المؤمنة." وقال بأن تركيا تختلف في حالتها تماماً عن المجتمعات العربية التي تعتبر الإسلام "ديناً, وحياة, ودولة."

ففي هذه المجتمعات, تعلم أن الثقافة الإسلامية متغلغلة حتى إنه لا يمكن استئصالها حتى لو دفعت مليارات الدولارات علي راديو سوا أو فضائية الحرة أو أي مخرج إعلامي أمريكي آخر.إن الإخوان, باختصار, ليسوا تياراً حلف علي التغيير الديموقراطي الليبرالي.

إن المحافظة الأيديولوجية من قبل الإخوان في مصر قد ساعد الحركة علي الإبقاء علي الوحدة التنظيمية وجمع التبرعات من الإسلاميين الأثرياء في الخارج. إلا أن الجماعة لم تستطع أن تقدم شيئاً في ضياع سيطرتها علي فروع الإخوان بالخارج.

فالإخوان المسلمين السورية, علي سبيل المثال, قد تبنت إتجاهاً واقعياً. كما أن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين قد بدأ في التغير تدريجياً, حيث أن الإتحاد العالمي لعملاء المسلمين قد بدأ في أخذ في تبني مرجعية الأصولية السنية, ذلك الدور الذي تمثل به الإخوان في مصر كثيراً.

إلي مصر مجدداً, فإن مكاسب الإخوان في الانتخابات التشريعية في نوفمبر وديسمبر 2005 قد ثأرت لمخططاتها في السنة السابقة. فانسحابها من المشاركة في التظاهرات العامة, ومن مواجهة السلطة في الانتخابات الرئاسية, قد عمل علي إخراج الكثيرين من المعتقلات ومن ثم التركيز في الانتخابات التشريعية.

إنه من الصعب تقييم ما إذا كانت هذه النجاحات السياسية إنعكاساً لصعود حقيقي في شعبية الإخوان وقدراتهم التنظيمية, مقارنة بالانتخابات السابقة وضعف القدرة التعبوية للحزب الوطني الديموقراطي؛ أو أنها كانت نتاج كسر إحتكار الحكومة للانتخابات في المرحلتين الأولى والثانية, مقارنة بالانتخابات السابقة, كنتيجة مباشرة للضغوط الأمريكية علي النظام لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

كما أنه بات من الواضح أن قرار النظام بمنع مؤيدي الإخوان من التصويت بوسائل وحشية أدت إلي إراقة الدماء, قد عكس خيبة أمل الإدارة الأمريكية في أن الإخوان قد استفادوا من هامش الحرية الذي ساد في المرحلتين الأولى والثانية.

وعلي أية حال, فإن الإخوان في مصر وفي غيرها يظهرون علي أنهم المنتصر المكتسح, وهذا ما يعزز من شعبيتهم ويشجع الإسلاميين الآخرين في شتى أنحاء العالم.

وعلي ضوء عروض الانتخابات, فإلي متى ستظل الحكومة علي موقفها من حرمان الجماعة وضعاً سياسياً قانونياً. إلا أنه إذا تم السماح لهم بتكوين حزب, فإن الجماعة ستكون قادرة علي تسمية مرشحاً لها للمنافسة علي رئاسة الجمهورية علي اعتبار فوزها بهذا الكم من المقاعد في البرلمان الحالي.

ففي حال إجراء انتخابات حرة, فإن فوزها بمقعد الرئاسة لا يمكن أن يقيد. والسؤال الآخر يتعلق بتأثير الانتخابات النيابية علي الوضع الإخواني الداخلي وإتجاهات الجماعة المستقبلية حيال بعض القضايا الرئيسية منها:

عزم الجماعة علي إعادة تقديم نفسها كحزب سياسي أو جمعية اجتماعية, وإمكانية التعديل من نظرتها لوضعها الحالي لخيار للنظام الحاكم, ومراجعة إتجاهها حيال الولايات المتحدة أو حتى الدخول في حوار مع واشنطون, ليس فقط من أجل مشاركة السنة في العملية السياسية العراقية وحسب, بل عن الجماعة ومستقبل مصر.